الرئيسية بلوق الصفحة 4

تَهافت “التَّفْسير الزَمَني” للقرآن الكريم.

تَهافت “التَّفْسير الزَمَني” للقرآن الكريم.

السؤال:
ما تعليقكم على هذا المَقْطع؟

الجواب:

الحمد لله.
هذا الذي في المقطع هو عَيْن العَبَث بكتاب الله، وهو نوع من “الكهانة الرقْمية” التي تلبس لبوس التفسير، وتنتشر للأسف عند بعض الحركيين ومَن تأثر بمدرسة “بسام جرار” في الإعجاز العَدَدي الموهوم.

وإليك أبرز ما فيه مِن جنايات على الشرع المطهَّر:
١. الجِناية على “أسباب النزول” والسياق القرآني:
فقد قام صاحب المقطع بإنزال آيات نزلت قطعا في “غزوة الأحزاب” و “بني قريظة” في السنة الخامسة للهجرة على سنوات ميلادية معاصرة (٢٠٢٣-٢٠٢٧) بلا أي رابط شرعي أو لغوي.
وهذا مسلك “الباطنية” الذين يُعطلون المعاني الظاهرة للنص التي تتحدث عن وقائع تاريخية مُحددة وأحكام عامة، ويستبدلونها بمرادات مِن عند أنفسهم.
فالآيات تتحدث عن:
{وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ} والمقصود قريش وغطفان، فَجَعَلها هو تتحدث عن عام ٢٠٢٥! هذا تحريف للكلم عن مواضعه.

٢. جناية “التوقيت” والرجم بالغيب:
وفي المَقْطع تحديد سنوات بعينها للنصر أو الهزيمة (٢٠٢٥ بداية النصر، ٢٠٢٧ زوال دولة يهود) بناءً على أرقام الآيات أو ترتيبها.
وهذا ضلال مبين فالغيب لا يعلمه إلا الله، ورَبْط الآيات بتواريخ مستقبلية هو تقوُّل على الله بغير علم.
وقد سبق هؤلاء “بسام جرار” و “أحمد نوفل” وغيرهما بتوقيت زوال إسرائيل عام ٢٠٢٢م بناءً على حساب الجُمَل والمعادلات الرقمية، ومر العام ولمْ يحدث شيء، بل احتل ٨٠٪ مِن غزة مِن قِبَل اليهود، وقَتْل وجرح ربع مليون غزي، فكان فتنة للمساكين الذين علَّقوا إيمانهم بالأرقام لا برب الأرقام.

٣. جناية اتخاذ القرآن “عِضين” و”أحاجي وألغاز”:
وقد تم بالمقطع تحويل القرآن مِن “كِتاب هداية وتشريع” إلى “روزنامة سياسية” أو “كتاب تنبؤات وكهانات” .
والله عز وجل أنزل القرآن ليُتدبر ويُعمل به، لا ليكون مادة للحسابات الفلكية والتكهنات، وهذا الصنيع يُفرِّغ القرآن مِن هيبته، ويجعل العوام ينتظرون “السَّنَة” فإذا انقضت ولمْ يَحْدث الموعود، شكُّوا في صِدْق القرآن نفسه! بينما الخلل في فَهْم هؤلاء وتخرُّصهم لا في القرآن.

٤. جناية مخالفة منهج السلف في التفسير:
ويدخل فِعْلهم في “التفسير بالرأي المذموم” وهذا النوع مِن التفسير لا يستند إلى قرآن، ولا سُنَّة، ولا قول صحابي، ولا لغة عربية، بل هو مُجرَّد “خرص” وتخمين.
فهل قال أحد مِن المفسرين عَبْر ١٤٠٠ سنة إنَّ ترتيب آيات الأحزاب يشير لسنوات ميلادية -وهو تقويم شَمْسي نصراني أصلا لم يكن العرب يؤرخون به-؟!
ومن أين جاء برقم (٢٠٠٠) ليضيفه على الآيات (٢٣-٢٧) مِن سورة الأحزاب؟ هل نزل به وحي؟ أم هو حديث نبوي؟ بل هو مُجرَّد إقحام رقم مِن كِيسه ليوافق النتيجة التي في رأسه، وهو نوع مِن “التحكم” المرفوض عِلْميا وشرعيا.
وإذا فُتح هذا الباب، سيأتي شخص آخر ويضيف رقم (١٩) أو (٢٠٢٤) أو أي رقم ليخرج بنتيجة توافق هواه، وهذا يحيل القرآن مِن كتاب هداية إلى أُحْجية رياضية خاضعة للأهواء، وهو جوهر “الكهانة الرقمية” .

إنَّ آيات سورة الأحزاب تتحدث عن المؤمنين، الصادقين، الشهداء، فإقحام حِسابات “الجُمَل” والأرقام المخترَعة عليها هو صرف للآيات عنْ مراد الله وعنْ تدبرها الواجب.

٥. جناية العبث النفسي، والأماني الكاذبة:
فهذا الخِطاب يَخدع الأمة بـ “مخدرات رقْمية” بدلا مِن حث الناس على الإعداد الإيماني والمادي الذي هو شرط النصر {وَأَعِدُّوا لَهُم ما اسْتَطَعتُم مِنْ قُوّة} يتم تعليقهم بتواريخ حتمية (٢٠٢٦ و ٢٠٢٧)، ممَّا يورث التواكل، ثم الإحباط عند تخلف الميعاد.

٦. وأخيرًا:
الواجب شرعا صيانة جناب القرآن عنْ أن يُجعل “ألعوبة” بيد المتحمسين الذين يريدون استنطاق النص بما لا يُحتمل لتسويغ مواقف سياسية أو رفع معنويات بأساليب وهمية، والنصر آتٍ بوعد الله الشرعي والكوني، لا بـ “كهانة” الحسابات والتواريخ الميلادية.

والله الهادي.

✍️ كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢١ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٠/ ١/ ٢٠٢٦ م

سلسلة: #وشهد_شاهد_من_أهلها (١) ضيف الحلقة: محمد إلهامي

ضيف الحلقة: محمد إلهامي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فقد كتبتُ قبل قرابة العامين ناصحًا للأمة، ومحذرًا من مغبة الانجرار خلف شعارات براقة بلا عُدة ولا بصيرة، في سلسلة مقالاتي #كارثة_الطوفان.
يومها؛ رمتنا أقلام العاطفة عن قوس واحدة، واتهمونا بـ “التخذيل” و”إرجاف المرجفين”، وزعموا أننا لا نفقه الواقع، وأن “المحور” قد أعدّ للأمر عدته.
كنا ننطلق من نصوص الشرع وقواعد المصالح والمفاسد، وكانوا ينطلقون من الأماني والوعود السرابية.
واليوم، وبعد أن انقشع الغبار عن الدماء والدمار، وحصحص الحق لكل ذي عينين، بدأت ألسنة القوم تنطق بما حذّرنا منه يومها! بدأ “منظرو الطوفان” و”حلفاء المحور” يرددون عباراتنا ذاتها، ويعترفون -بعد فوات الأوان- بأن الحليف غدر، وأن الحسابات كانت خاطئة، وأن الثمن كان “كارثيّا”.
في هذه السلسلة، لن أزيد على أن أضع كلامي الذي كتبته “يوم السكرة”، بجوار اعترافاتهم التي يطلقونها اليوم عند “الفكرة”، ليعلم المخدوعون أن الفقه يسبق الحدث، والعاطفة تندم بعده.
إليكم هذه المقارنة الأولى مع أحد أبرز هذا التيار، الأستاذ “محمد إلهامي” وهو من أكبر المناصرين والمنظرين لطوفان الأقصى!
= واللقاء هذا نشر في ٢٧/ ١١/ ٢٠٢٥
= وفي طياته “مراجعة جذرية” ومؤلمة، تقترب بشكل مطابق مما كنتُ أطرحه منذ البداية (قبل نحو سنة و ٩ شهور) في مقالاتي سلسلة “#كارثة_الطوفان“، رغم اختلاف المنطلقات (فهو ينطلق من تحليل سياسي استراتيجي بعد وقوع الكارثة، وأنا انطلقت من تأصيل شرعي وواقعي قبل وأثناء الحدث).
= وأنا كنت أدعو إلى وقف الحرب قبل مزيد من القتل والإبادة والتهجير، وكان يدعو هو إلى مزيد من الاستمرار في الحرب، فيزيد المعركة اشتعالا ودمارا.
= وإليكم مقارنة تفصيلية بين ما ثبت في مقالاتي (https://ihsan-alotibie.com/?p=22494)، وبين ما جاء في كلام محمد إلهامي في هذا المقطع:
١. حول “وهم القدرة الذاتية” (فقه الاستطاعة)
– (كلامي):
ركزتُ مراراً على شرط “الاستطاعة” كشرط وجوب وصحة للجهاد، وأن الدخول في معركة غير متكافئة مع عدو يملك قدرة الإبادة دون إعداد مكافئ هو من باب إلقاء النفس في التهلكة وليس من الحكمة.
ووصفت الاعتقاد بأن فصيلاً محاصراً يستطيع هزيمة دولة نووية مدعومة عالميّاً بأنه “خيال” أو عدم فقه للواقع.
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
يستخدم إلهامي لفظاً قاطعاً وقاسياً فيقول: “أن يظن الفلسطيني أنه قادر بنفسه على تحرير فلسطين.. هذا محض وهم وخرافة”.
ويعلل ذلك بأن إسرائيل ليست دولة عادية بل “طليعة مشروع استعماري غربي عالمي”، وأن فلسطين لا تملك (لا الرجال، ولا الموارد، ولا الأموال، ولا العمق الاستراتيجي) لخوض هذه المعركة وحدها.
= النتيجة:
توافق تام في النتيجة، هو يسميها الآن “وهم وخرافة” من الناحية العسكرية الاستراتيجية، وأنا سميتُها “عدم استطاعة” من الناحية الشرعية والواقعية.
٢. حول “حسبة الخارج” والتعويل على الأمة (توريط الأمة)
– (كلامي):
انتقدتُ بشدة “توريط” الأمة في معركة غير مهيئة لها، ومن ثَم لومها وتخوينها.
وبينتُ أن الاعتماد على “محور المقاومة” (إيران وأذرعها) كان خدعة، وأن التعويل على “هبة الشعوب” لتغيير المعادلات هو رهان خاسر في ظل واقع الأنظمة، وأن القيادة كانت تعيش في “أحلام” بتدخلات خارجية لم تحدث.
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
يقول بوضوح: “الخطأ الأساسي في طوفان الأقصى هو أنه لم يحسب حسبة الخارج”.
ويضيف: أن السنوار وإخوانه “ما كانوش يتخيلوا إن الأمريكي سينزل بهذا الثقل، ولا إن النظام العربي سيتواطأ كل هذا التواطؤ”.
ويعترف بأن فكرة مناداة الأمة (يا أيتها الأمة المحبوسة أنقذيني) كانت “نداءً عبثيّاً” وتصوراً خاطئاً للواقع، بل يصفه بأنه “خلل في التصور”.
بل ونفى قدرة النصرة من أهل الضفة الغربية وفلسطينيي الداخل، والفلسطينين في الشتات! في وقت كانوا يدعون الشعوب للتحرك للحدود والقتال!
= النتيجة:
إلهامي يقر هنا بما كنت أحذر منه: القيادة بنت خطتها على “افتراضات خاطئة” بشأن رد فعل العالم والأمة، وهو ما أدى للكارثة.
٣. حول النتائج والمآلات (فقه المآلات)
– (كلامي):
نظرتُ بعين البصيرة إلى مآلات الأمور، وقلت إن العبرة بالخواتيم والنتائج، لا بمجرد البدايات المبهرة.
وأطلقت وسم #كارثة_الطوفان نظراً لحجم الدمار الهائل، وإبادة الحاضنة الشعبية، وضياع الأرض، مقارنة بالمكاسب التكتيكية المحدودة.
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
رغم ثنائه على “المعجزة العسكرية” في ٧ أكتوبر! إلا أنه يعود ليقر بالنتيجة الكارثية الاستراتيجية.
يقول: إن إسرائيل “تستطيع أن تسفك دماءنا بكثرة ولا تتجاوز خطوطاً حمراء لأنه لا يوجد من يوقفها”.
ويقر بأن قدرات غزة مهما بلغت لن تستطيع إزالة إسرائيل، وأن النتيجة النهائية كانت استفراداً بالقطاع أدى لما نراه.
=النتيجة:
إلهامي يفرق بين “البسالة” (التي يمدحها) وبين “النتيجة” (التي يقر بأنها كارثية بسبب سوء الحسابات)، وهو ما يقترب من كلامي الذي فصَلتُ فيه بين صدق النوايا أو بسالة الأفراد وبين خطأ القرار وفساد النتيجة.
٤. حول التخطيط والقرار (الشورى والإعداد)
– (كلامي):
طالما تساءلت: أين الحكمة في استفزاز وحش كاسر وأنت لا تملك حماية ظهرك ولا شعبك؟ وهل اتُخذ القرار بناءً على دراسة حقيقية للواقع الدولي والإقليمي؟
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
يصف ما حدث بأنه “نقطة ضعف في التدبير لهذه العملية”، وأنها النقطة التي “أُتوا من قِبَلِها”.
ويعترف بأن القادة “لم يتخيلوا” رد الفعل، وهذا اعتراف ضمني بضعف الدراسة الاستراتيجية للمشهد الدولي قبل اتخاذ قرار الحرب.
٥. المقارنة في “الهدف من النقد” (عدم تكرار الخطأ):
– (كلامي):
كان دافعي واضحاً وحازماً وهو “الإنكار للإصلاح ومنع التكرار” ، ردا على من صرح من القادة بأنهم سيكررون “الطوفان” مرات ومرات.
وقفتُ في وجه هذا الطرح بحزم، مبيناً أن تكرار الخطأ بنفس المقدمات (دون استطاعة ودون حماية) هو انتحار وليس جهاداً، وأن النقد الآن ضروري حتى لا تُساق الأمة لنفس المذبح مرة أخرى باسم العاطفة.
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
قال بلسانه في الدقيقة (03:30) تقريباً: “في النهاية المفروض إن إحنا نتعلم من التجربة التي تركوها لنا”.
هو يقرر هنا أن الهدف من كلامه القاسي -رغم حرجه من نقد “السادة العمالقة” كما وصفهم- هو أخذ العبرة، لأن التجربة كشفت عن “نقطة ضعف” قاتلة في التدبير (تجاهل حسبة الخارج).
فكلامه ضمناً يعني: لا يصح أن نكرر التجربة بنفس المعطيات ونفس الحسابات الخاطئة.
كلانا رفع شعار “المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين”.
أنا رفعتها تحذيراً قبل وأثناء الحدث: “لا تكرروا المآسي”.
وهو يرفعها الآن درساً بعد الحدث: “يجب أن نتعلم مما حدث”.
وهذا يدحض تهمة “التثبيط” التي كانت تُلصق بي؛ فالمثبط هو من يقعد عن العمل، أما الناصح المشفق فهو من يريد للعمل أن يكون صواباً حتى لا تذهب الدماء هدراً، وهو بالضبط ما وصل إليه إلهامي متأخراً: أن الدماء سُفكت لأن الحسابات لم تكن دقيقة.
= الخلاصة الجامعة:
الفارق الجوهري هو أنني قلت هذا الكلام بصيرةً واستقراءً (شرعياً وواقعيّاً) في وقت كانت العواطف فيه جياشة، بينما وصل الأستاذ إلهامي (ومن يمثله من تيار) إلى هذه النتائج تجربةً واضطراراً بعدما وقع الفأس في الرأس.
أنا قلت : لا يجوز شرعاً وعقلاً لأننا لا نستطيع (الاستطاعة شرط).
هو يقول الآن: اكتشفنا أننا لا نستطيع، وأن اعتقادنا بالقدرة كان “وهماً وخرافة”.
المقطع هو وثيقة تصديق “متأخرة” على صحة قراءتي للواقع، وشهادة من “أهل البيت” المناصر للطوفان بأن الحسابات التي بُنيت عليها المعركة كانت -للأسف- أوهاماً قاتلة.
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
١١ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ٢/ ١٢/ ٢٠٢٥

سلسلة: #وشهد_شاهد_من_أهلها (٣) ضيف الحلقة: الدكتور محمد الشنقيطي

ضيف الحلقة: الدكتور محمد الشنقيطي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فقد كتبتُ قبل قرابة العامين ناصحًا للأمة، ومحذرًا من مغبة الانجرار خلف شعارات براقة بلا عُدة ولا بصيرة، في سلسلة مقالاتي #كارثة_الطوفان.
يومها؛ رمتنا أقلام العاطفة عن قوس واحدة، واتهمونا بـ “التخذيل” و”إرجاف المرجفين”، وزعموا أننا لا نفقه الواقع، وأن “المحور” قد أعدّ للأمر عدته.
كنا ننطلق من نصوص الشرع وقواعد المصالح والمفاسد، وكانوا ينطلقون من الأماني والوعود السرابية.
واليوم، وبعد أن انقشع الغبار عن الدماء والدمار، وحصحص الحق لكل ذي عينين، بدأت ألسنة القوم تنطق بما حذّرنا منه يومها! بدأ “منظرو الطوفان” و”حلفاء المحور” يرددون عباراتنا ذاتها، ويعترفون -بعد فوات الأوان- بأن الحليف غدر، وأن الحسابات كانت خاطئة، وأن الثمن كان “كارثيّا”.
في هذه السلسلة، لن أزيد على أن أضع كلامي الذي كتبته “يوم السكرة”، بجوار اعترافاتهم التي يطلقونها اليوم عند “الفكرة”، ليعلم المخدوعون أن الفقه يسبق الحدث، والعاطفة تندم بعده.
إليكم هذه المقارنة الثالثة مع أحد أبرز منظري تيار المقاومة! الدكتور محمد الشنقيطي:
وقد وجدت توافقاً مذهلاً وتطابقاً في ثلاثة محاور رئيسية، يكاد يكون النص الجديد شهادة من “أهل الدار” على صحة ما ذهبتُ إليه في نقدي الشرعي والسياسي:
=أولا:
عن حقيقة “الحليف الإيراني” (توريط أم إسناد؟)
– (كلامي)
كتبتُ محذرًا قبل عامين: “والله إنكم وقعتم في خدعة وخيانة من الإيراني البغيض، وإنه ورطكم في هذه الحرب ووقف يتفرج ويستمتع بالمشاهد”.
(من مقال: كارثة الطوفان ١٤).
– (كلامه)
يعترف د. الشنقيطي اليوم: “إيران حليف لا يدعمك إلا بتدخل في شأنك الداخلي وقرارك الاستراتيجي… وتدخلاتها أدت إلى سلبيات كثيرة”.
= ثانيا: عن دماء أهل السنة في سوريا (ثمن التحالف)
– (كلامي)
كتبتُ مستنكراً: “كيف يُقبل التصالح مع النصيريين والتنسيق معهم؟! وكيف يُهدي البعض عملياتهم لهؤلاء المجرمين؟! لا يمكن لمن يقتل أهلنا في سوريا أن يحرر قدسنا”.
(من مقال: كارثة الطوفان ٧)
– (كلامه)
يعترف د. الشنقيطي اليوم: “إيران أصرت على مقايضة نصرة الحق (في فلسطين) بنصرة الباطل (نظام الأسد في سوريا)… وأصرت أن تأخذ مقابل دعمها دعماً للباطل”.
= ثالثا: عن وحدة الصف وحصاد النتائج
– (كلامي)
كتبتُ ناصحاً: “العاقل لا يدخل معركة ليفرح ساعة من نهار، ثم يكتسح العدو المجرم البلاد، ويقتل العباد، ويهتك الأعراض، ويفني الأخضر واليابس”.
(من مقال: كارثة الطوفان ٣)
– ( كلامه)
يعترف د. الشنقيطي اليوم: “هذه التدخلات والمشكلات أثرت حتى على التماسك الداخلي في صف المقاومة… ولذلك يجب التفكير في إعادة التموضع”.
خاتمة:
ما قلناه بالدليل الشرعي قبل أن تسيل قطرة دم، يقولونه اليوم بالتحليل السياسي بعد أن غرقت غزة في الدماء. فهل من مُدّكِر؟ وهل تتسع صدور المخالفين للاعتراف بأن “فقه السلف” كان أبصر بالواقع من “حماس الخلف”؟
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
١٦ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ٧/ ١٢/ ٢٠٢٥

حكم تخفيضات أعياد الكفار

تخفيضات أعياد الكفار
السؤال:
ما حكم شراء البضائع في أعياد الكفار للانتفاع بتخفيضات الأسعار في موسم الكريسماس؟
الجواب:
الحمد لله
١. ينبه أولا على حرمة المشاركة في أعياد الكفار الدينية.
قال ابن القيم -رحمه الله-:
حكم حضور أعياد أهل الكتاب:
وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره، فلا يجوز للمسلمين ممالاتهم عليه، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم.
انتهى
٢. ولا يجوز تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية.
قال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق.
انتهى
٣. لا يجوز للمسلم أن يبيعهم ما يستعينون به على الاحتفال بأعيادهم.
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
فأمّا بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والرّيحان ونحو ذلك أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرّم.
انتهى
ينظر لما سبق:
٤. وأما شراء البضائع بسعر مخفض تعرض في وقت أعيادهم، فيجوز، مع التنبه لشروط الجواز :
أ. أن تكون البضائع حلالا في ذاتها واستعمالها.
ب. إذا كان الشراء يستلزم الحضور في أماكن الاحتفال مثل دخول أسواق تضج بموسيقى الكريسماس وتماثيلهم، فيتحتم منع الذهاب؛ حتى لا يشهد الزور، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} الفرقان/ ٧٢، قال أبو العالية، وطاوس، ومحمد بن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: هي أعياد المشركين.
ب. إذا كان ممن يُقتدى به، أو يُخشى أن يراه أهله يشتري ويفرح في هذا الوقت فيرتبط العيد في أذهانهم بالهدايا والجديد، فالمنع هنا -في الذهاب للأسواق العامة- يتحتم كذلك، فقهًا وتربيةً.
ج. إذا كانت السلعة مما يتعلق بعيدهم مثل شجرة الميلاد، أو تماثيل “بابا نويل”، أو الصلبان، فهذه لا يجوز شراؤها ابتداء وأصلا، ولا يجوز كذلك شراء الحلويات الخاصة بطقوسهم، ؛ لأن في شرائها تشبهاً بهم وإعانة لهم على شعائرهم الباطلة، وإقراراً ضمنيّاً بصحة عيدهم.
ولتحقيق ذلك الشراء المباح، فنرى أن الشراء “أونلاين” (عن بُعد) هو ما يحقق شروط الجواز، ومع ذلك فترك الشراء في هذا الوقت “غيظاً للكفار” و”عدم اكتراث بموسمهم”، هو مقام عالٍ من مقامات الولاء والبراء، يؤجر صاحبه عليه.
والله أعلم
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
١٥ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ٦/ ١٢/ ٢٠٢٥

سلسلة: #وشهد_شاهد_من_أهلها (٢) ضيف الحلقة: المهندس أيمن وادي

ضيف الحلقة: المهندس أيمن وادي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فقد كتبتُ قبل قرابة العامين ناصحًا للأمة، ومحذرًا من مغبة الانجرار خلف شعارات براقة بلا عُدة ولا بصيرة، في سلسلة مقالاتي #كارثة_الطوفان.
يومها؛ رمتنا أقلام العاطفة عن قوس واحدة، واتهمونا بـ “التخذيل” و”إرجاف المرجفين”، وزعموا أننا لا نفقه الواقع، وأن “المحور” قد أعدّ للأمر عدته.
كنا ننطلق من نصوص الشرع وقواعد المصالح والمفاسد، وكانوا ينطلقون من الأماني والوعود السرابية.
واليوم، وبعد أن انقشع الغبار عن الدماء والدمار، وحصحص الحق لكل ذي عينين، بدأت ألسنة القوم تنطق بما حذّرنا منه يومها! بدأ “منظرو الطوفان” و”حلفاء المحور” يرددون عباراتنا ذاتها، ويعترفون -بعد فوات الأوان- بأن الحليف غدر، وأن الحسابات كانت خاطئة، وأن الثمن كان “كارثيّا”.
في هذه السلسلة، لن أزيد على أن أضع كلامي الذي كتبته “يوم السكرة”، بجوار اعترافاتهم التي يطلقونها اليوم عند “الفكرة”، ليعلم المخدوعون أن الفقه يسبق الحدث، والعاطفة تندم بعده.
إليكم هذه المقارنة الثانية مع أحد كوادر حماس، المهندس “أيمن وادي”، في مقاله” سوريا الثورة… والمقارنات السطحية”.
وقد وجدت توافقاً مذهلاً وتطابقاً في أربعة محاور رئيسية، يكاد يكون النص الجديد شهادة من “أهل الدار” على صحة ما ذهبتُ إليه في نقدي الشرعي والسياسي:
أولاً: وهم الدعم العسكري الإيراني (انكشاف الحقيقة في الطوفان)
– (كلامي)
أكدت مراراً أن إيران خذلت “حماس” في المعركة، وأن الدعم كان لذر الرماد في العيون، وأن “وحدة الساحات” كانت كذبة.
وقد ذكرت في الحلقة (٨): “ونالت إيران في الطوفان تزكية البيت الأبيض… وراحت صيحة “محمد الضيف” مع الرياح… وكل ذلك كان على عمود أهلكوه (حزب الله)”.
كما ذكرت أن السلاح والإعداد لم يكن يكفي لمواجهة دولة نووية مدعومة عالميّا.
– (كلامه):
يؤكد الكاتب هذا بالحرف في نقطة “الترويج للدعم الإيراني المفتوح”، حيث يقول: “والثابت الذي أثبته الطوفان هنا بما لا يدع مجالاً للشك، أن الدعم الايراني الذي وصل لغزة هو مالي فقط، ولم تحرص إيران مطلقاً على تسليح القطاع كما فعلت في لبنان… فكل سلاح غزة الذي شهدناه طوال الحرب المستعرة كان بدائياً بسيطاً من صنع رجال الله وحدهم… وثق رجال الله استخدام صاروخين او ثلاث للكورنيت”.
ويضيف بتهكم يوافق طرحي: “جاء الطوفان وأثبت أن هذا (أي وجود مخازن كورنيت) وهم ذهب أدراج الرياح”.
ثانياً: فساد العلاقة مع النظام السوري (زيارة بشار الأسد)
– (كلامي)
انتقدت بشدة إعادة العلاقة مع نظام الأسد، واعتبرتها خيانة لدماء أهل السنة في سوريا.
قلت في الحلقة (٨): “وكيف سيكون شعور الأب السوري… وهو يرى خليل الحية مبتسما في لقاء بشار؟… لم يهم القيادة كل ذلك… ورجعوا لحضن النظام قبل أن يرجع للجامعة العربية”، واعتبرت أن هذا تم بضغط إيراني (أجبرتها على الصلح مع سوريا الأسد).
– (كلامه)
يوافقني تماماً في أن الزيارة لم تكن مصلحة بل إذعاناً، فيقول في نقطة “تحييد كل من يرفض التحالف”: “هذه الزيارة التي لم تشكل للحركة أي فائدة ميدانية واحدة.. سياسية أو مالية أو عسكرية أو إعلامية …. بل كانت استجابة مباشرة لرغبة إيران وفقط”.
ثالثاً: الانحراف العقدي في المصطلحات (سليماني “شهيد القدس”)
– (كلامي)
اعتبرت أن وصف قتلة أهل السنة بالشهداء هو تلاعب بالدين وليس سياسة، قلت في الحلقة (٤): “كان يمكن للنقد أن يتوقف لو لم يكن ثمة مخالفات لشرع الله في الولاء والبراء… ومن حق أهل السنة في اليمن وسوريا… أن يغضبوا من مدح قاتلهم… والحكم بالشهادة لمجرمهم”.
– (كلامه)
يستخدم المهندس أيمن المنطق الشرعي نفسه في نقطة “التصريحات الغير منضبطة”، حيث يقول: “وأسوأ ما فيه كان استخدام الصبغة الدينية الدامغة… وصف سليماني بشهيد القدس… وهذه تصريحات ذات صبغة دينية تقول بكل بساطة إن المجرمين في الجنة… تصريحات تجعلك لا تملك أمامها التأويل”.
وهو يفرق بوضوح بين الضرورة السياسية وبين التنازل العقدي.
رابعاً: هيمنة إيران على القرار وتحييد العقلاء (شق الصف)
– (كلامي)
أشرت إلى أن القيادة الحالية (السنوار ومن معه) مختطفة إيرانيّا، وأن العقلاء تم تحييدهم.
قلت في الحلقة (3٣): “أنا أجزم بإيرانية غالب القيادة السياسية ورأس القيادة العسكرية… والذين استغلوا حماس الشباب…”.
وأشرت إلى تهميش “الخارج” أو من يخالف هذا التوجه.
– (كلامه)
يفصل هذه النقطة بدقة تنظيمية فيقول: “استطاعت ايران أن تخلخل الصف الداخلي… حيث تمركزت الشخصيات الرافضة للعلاقة مع ايران في إقليم الخارج، والذي تم تحييده تقريبا عن مراكز القرار … بل وصل الأمر … إلى اشتراط إيران في تمويلها عدم تمويل إقليم الخارج”.
= الخلاصة:
– المقال الجديد يقدم “اعترافاً داخليّا” يطابق “تحليلي الخارجي والشرعي”.
– كلانا اتفق على:
١. العلاقة تحولت من “ضرورة” إلى “تبعية”.
٢. إيران لم تقدم سلاحاً نوعيّا، وغزة قاتلت بسلاح بدائي محلي (مما يعزز نقدي لمسألة عدم التكافؤ والغرور).
٣. المصطلحات الشرعية (شهيد، جند الشام) استعملت في غير محلها لتبييض صفحة المجرمين.
٤. قرار الحركة تم اختطافه عبر المال الإيراني المشروط.
والله المستعان
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
١٦ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ٧/ ١٢/ ٢٠٢٥

حكم حبس البضاعة لعدم السّداد، والتصرف بها إذا طال الزمن.

صاحب البضاعة لم يحضر لأخذها
السؤال:
أنا صاحب “مصبغة”، غسلتُ لزبونة ملابس كثيرة قبل سنة، ولما طلبت الأجرة ماطلت ورفضت الدفع وقالت: “ليس معي، وإن لم تصبروا خذوا الملابس لكم”، فاحتجزت الملابس عندي لعدم سداد الأجرة، والآن مر عام وبدأت الملابس تتلف وتشغل مكانا، فماذا أفعل بها؟ وهل يجوز لي بيعها؟
الجواب:
تصرفك باحتجاز الملابس ابتداءً تصرف صحيح شرعا، وهو ما يسمى عند الفقهاء “حق حبس العين لاستيفاء الأجرة”؛ فمن عمل في سلعة غسيلًا أو خياطةً أو إصلاحًا، فله الحق في حبسها حتى يستوفي أجرته.
ولكن، بما أن المدة طالت لسنة، وتضررتم من بقائها، فالواجب اتباع الخطوات الآتيةلإنهاء الأمر:
١ . أرسل لها رسالة أخيرة تحدد فيها مهلة واضحة كأسبوعين مثلا، وتخبرها: “إن لم يتم استلام الملابس ودفع الأجرة خلال المدة المحددة، سأضطر لبيعها لاستيفاء حقي”.
٢ . إذا انقضت المهلة، يجوز لك بيع هذه الملابس، على حالتها، ولا يلزمك غسلها مجددا ، ثم تفعل ما يلي:
أ. تأخذ حقك كاملا، أجرة الغسيل مع أجرة النقل إن وجدت.
ب. إن بيعت بأكثر من قيمة الدَّين، فالباقي أمانة لها، إن استطعت إيصاله لها فافعل، وإلا فتصدق به بنية أنه لها.
ج. إن بيعت بأقل من حقك، تأخذ الثمن كله، ويبقى المبلغ المتبقي دينا في ذمتها.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٩ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٨/ ١/ ٢٠٢٦

الجواب عن مسألة شراء الذهب بالنقد

الجواب عن مسألة شراء الذهب بالنقد
السؤال:
ما تعليقكم على ما جاء في كلام الشيخ موسى آل عبد الرحمن حفظه الله في المقطع المرفق؟
الحمد لله
أولا: الأخطاء في كلام الشيخ حفظه الله مجملا
١. هذا الكلام فيه خلط بين بيع الذهب بالذهب وبيعه بالنقود.
٢. “ربا الفضل” لا يكون إلا مع اتحاد الجنس، والنقود ليست ذهبًا لا حقيقة ولا حكما.
٣. الأوراق النقدية اليوم ليست “سندات مغطاة بالذهب” كما كانت قديما، بل هي “أثمان مستقلة بذاتها” لها حكم النقد القائم بنفسه، فالدينار ليس ذهبا، والدولار ليس ذهبا، ومعاملة الورق النقدي معاملة الذهب في شرط التماثل هو الذي أوقع الشيخ في حكمه أن المسألة “ربا”.
٤. “حديث خيبر” في بيع ذهب بذهب، لا في بيع ذهب بنقود.
٥. شراء الذهب المصوغ بفصوص جائز، وما قد يقع من غبن أو تدليس مسألة تجارية لا ربوية.
ثانيا: النظر في أخطاء الكلام في المقطع تفصيلا
١. تعريف “ربا الفضل -الزيادة-” و “ربا النسيئة -التأخير-” بوضوح واختصار:
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله – ﷺ -: “الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد”. رواه مسلم.
فالأصناف الستة التي وردت في الحديث هي أموال ربوية.
والعلماء يقسمون الأموال الربوية الستة إلى فئتين:
الفئة الأولى: الذهب والفضة.
الفئة الثانية: البر والشعير والتمر والملح.
وسبب التقسيم: أن الفئة الأولى علتها متحدة، تختلف عن علة الفئة الثانية، فصار مرد التقسيم إلى اختلاف العلة.
فإذا وقع البيع بين الفئة الأولى والفئة الثانية، انتفى ربا الفضل وربا النسيئة لاختلاف العلة، فجائز التفاضل والتأجيل، مع أن كلا البدلين ربويان، فإذا بيع الذهب بالقمح أو بيع التمر بالفضة فقد اختلف الجنس واختلفت العلة، فجاز التفاضل (الزيادة) وجاز النَّساء (التأخير) ، فيجوز أن يعجل القمح ويؤجل الذهب، ليكون الثمن مؤجلًا، ويجوز أن يعجل الذهب ويؤجل القمح ليكون البيع من قبيل السلم، وهذا إجماع لا خلاف فيه.
وإذا وقع البيع بين أموال الفئة الواحدة، فإن كانا من جنس واحد، كذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو تمر بتمر، أو حنطة بمثلها: فيجب أن يتحقق شرطان:
الأول: التماثل.
والثاني: التقابض.
وإن كانت الأموال ذات الفئة الواحدة من جنسين مختلفين: كذهب بفضة، أو بر بشعير، فالجنس مختلف، والعلة واحدة، فلا يجري بينهما ربا الفضل، فلا يشترط التماثل لاختلاف الجنس.
ويجري بينهما ربا النسيئة؛ لاتفاقهما في العلة، فلا يجوز تأجيل أحدهما، فلا بد من التقابض في مجلس العقد، امتثالًا لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
باختصار وتحرير يسير من “المعاملات المالية أصالة ومعاصرة” الشيخ دبيان الدبيان.
٢. “ربا الفضل”: لا يكون إلا عند اتحاد الجنس.
فمن أراد مبادلة ذهب بذهب فيشترط: التماثل في الوزن، والتقابض في المجلس.
أما الذهب مع النقود: ففيه اختلاف الجنس، فلا يشترط فيه التماثل.
والشيخ حفظه الله قال: “أنت مصاريك عبارة عن قيمة الذهب، عم تشتري فيها ذهب”! وهذا محل نظر فقهي، والصواب خلافه، فالنقود -ورقية أو معدنية- ليست ذهبًا، لا جنسا، ولا حقيقة، ولا حكما، بل هي أثمان اعتبارية، كما هو الاصطلاح الفقهي المعاصر.
فالبيع هنا ليس ذهبا بذهب، بل: ذهب بنقود، ولا مجال – أصلا- لربا الفضل.
٣. استدلال الشيخ حفظه الله بحديث خيبر في غير موضعه:
نص الواقعة:
روى الإمام مسلم أن الصحابة في “خيبر” غنموا من اليهود ذهبا مخلوطا بخرز، فأمرهم النبي ﷺ أن يفصلوا الذهب، ثم يبيعوا الذهب بالذهب”.
ولماذا أمرهم النبي ﷺ بذلك؟ لأن المعاملة كانت: ذهب مختلط مقابل ذهب،
وهنا حصل اتحاد الجنس، مع عدم تحقق التماثل، فيقع “ربا الفضل”.
والشيخ أسقط الحديث في غير مكانه، أو كان قياسه مع الفارق الكبير.
٤. نحن اليوم لا نشتري الذهب بذهب، بل نشتريه بـ”أوراق نقدية” -دينار أردني، دولار، إلخ-، والقاعدة: الذهب والورق النقدي جنسان مختلفان، فالذهب له علة الوزن مع الثمنية، والنقد الورقي علته الثمنية فقط، والحكم: إذا اختلف الجنس -نقد مقابل ذهب-: سقط شرط “التماثل”، وبقي شرط واحد فقط وهو “التقابض” يدًا بيد.
وعليه: يجوز شرعا أن تشتري خاتما فيه ذهب وفصوص بـأوراق نقدية حتى لو كان وزن الذهب أقل مما يقابله من المال، لأن شرط التساوي غير مطلوب أصلا هنا، فلا يوجد “ربا فضل” في هذه الصورة مطلقا.
٥. وقد أدخل الشيخ حفظه الله الغبن التجاري بالربا، فقول الشيخ: “لما تبيعه بيكون غبنك وغشك”: فهذا -إن صح- فهو غبن، أو تدليس تجاري، لا علاقة له الربا، فالربا: فساد في أصل العقد، والغبن: ظلم في الثمن، والتدليس: إخفاء عيب أو شرط، والخلط بينها خطأ أصولي.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٩ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٨/ ١/ ٢٠٢٦

كشف الأوهام في فتوى إباحة العطر للمرأة خارج بيتها

كشف الأوهام في فتوى إباحة العطر للمرأة خارج بيتها
السؤال:
انتشر مقطع لأحد المتحدثين يقرر فيه إباحة تطيّب المرأة وخروجها بالعطر، محتجًا بجملة من الأحاديث النبوية، ومفرّقًا بين أنواع الطيب، ومواضع الخروج، ونيّة المرأة، فهل هذا الاستدلال صحيح؟ وما القول العلمي المنضبط في المسألة؟
الجواب:
الحمد لله
فإن مسألة تطيّب المرأة عند خروجها من المسائل التي وردت فيها نصوص صحيحة صريحة، وفهمها يحتاج إلى جمع الأحاديث، وردّ المتشابه إلى المحكم، والنظر في القواعد الأصولية والمقاصدية، لا إلى تجزئة النصوص أو تحميلها ما لا تحتمل.
أولًا: التفريق بين (تعطرت) و(استعطرت) تفريق غير معتبر
ذهب المتحدث إلى أن لفظ “استعطرت” الوارد في حديث “أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ” – رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو صحيح- يدل على المبالغة في التطيّب، بخلاف “تعطرت” أو الرائحة الخفيفة.
وهذا التفريق غير صحيح لغةً ولا حديثًا.
أما لغةً، فصيغة “استفعل” تدخل على الأفعال الثلاثية لتفيد معانٍ متعددة، أبرزها: طلب الفعل -“استعفيته”-، وإلقاء الصفة -“استحسنته”-، والتحول – “استأسد”-، والاتخاذ -“أستأجر”-، ومطاوعة الأفعال الأخرى -“أحكمه فاستحكم”- مع حفظ أصل بنائها “استفعال” في المصدر.
وأما حديثًا، فقد جاء النهي في روايات صحيحة أخرى بألفاظ مختلفة، منها: “أيما امرأة تطيّبت” ، و”إذا أصابت إحداكن بخورًا” ، و”إذا مسّت إحداكن طيبًا” ، وهذه الألفاظ تشمل القليل والكثير، ولا تحتمل دعوى الإغراق أو التخصيص.
وقد ذكر شراح الحديث أن معنى “استعطرت” أي: استعملت العطر، وهذا يتوافق مع باقي ألفاظ الحديث والروايات الأخرى.
فالضابط في الحكم ليس مقدار العطر، بل وجود رائحته التي يشمّها الأجانب.
ثانيًا: قوله صلى الله عليه وسلم “ليجدوا ريحها” ليست لام تعليل مؤثرة في تخصيص الحكم
استدلّ المتكلم بأن اللام في قوله ﷺ: “أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية” لام تعليل، وبنى على ذلك أن التحريم مشروط بقصد المرأة أن يشمّ الرجال ريحها، فإذا انتفت النية انتفى الحكم.
وهذا الاستدلال غير صحيح من جهة الأصول واللغة معًا.
فاللام في العربية لا تختص بلام التعليل، بل تأتي لمعانٍ متعددة، منها لام العاقبة أو الصيرورة، كما في قوله تعالى:{ وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} الكهف/ ١٩، فبعثهم لم يكن لأجل تساؤلهم.
وعلى هذا قرر جمع من أهل العلم أن اللام في الحديث محمولة على بيان المآل والنتيجة، لا على قصد الفاعل ونيته؛ أي أنها خرجت متعطرة، فكان مآل فعلها أن وُجدت الرائحة وشمّها الرجال، فحصلت الفتنة، سواء قصدت ذلك أم لم تقصده.
ويؤكد هذا الفهم أن نصوص النهي الأخرى جاءت مطلقة غير معلقة بالنية، بل وليس فيها ذكر مرورها برجال يجدون ريحها، كرواية الترمذي “كلُّ عيْنٍ زانِيةٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا” يَعْنِي زَانِيَةً.
قال المباركفوري -رحمه الله- في تفسير الزنى في الحديث: لأنها هيجت شهوة الرجال بعطرها، وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينيه، فهي سبب زنى العين فهي آثمة.
فدلّ ذلك على أن العبرة في هذا الباب ليست بالنية المجردة، وإنما بما يترتب على الفعل من مفسدة ظاهرة، والشرع إنما جاء بسد الذرائع المفضية إلى الفتنة، لا بربط الأحكام بما يخفى من المقاصد والنيات.
وعليه، فحمل اللام على التعليل المقصود قصديًّا تخصيص بغير مخصص، وردٌّ للنصوص المحكمة، وهو مسلك غير معتبر عند أهل الأصول.
والقول بأن التحريم مشروط بقصد المرأة إغراء الرجال قول غير منضبط؛ لأن الفتنة قد تحصل ولو بلا قصد، ولأن الشرع جاء بسد الذرائع واعتبار المآلات والآثار، لا الاقتصار على النيات الخفية.
ثالثًا: حديث “وليخرجن وهن تفلات” ليس خاصًّا بالمسجد
جاء في الحديث الصحيح: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تَفِلات” رواه أبو داود، وهو حديث حسن.
وقد قال المتكلم: إن هذا النهي خاص بالخروج إلى المسجد فحسب، أما غيره فلا يدخل فيه.
وهذا فهم معكوس؛ لأن المسجد موضع عبادة وسكينة، فإذا نُهيت المرأة عن التطيّب في المساجد، كان النهي في مواضع الاختلاط والأسواق أولى وأحرى.
وهذا من دلالة التنبيه بالأدنى على الأعلى، وهو أصل معتبر عند الأصوليين.
رابعًا: حديث عائشة في المسك لا يدل على الإباحة المطلقة
استدلّ المتكلم بحديث عائشة رضي الله عنها في تطيّب النساء بالمسك في السفر مع النبي ﷺ.
تقول عائشة رضي الله عنها: “كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٍ، فَنَضْمِدُ جِبَاهَنَا بِالْسُّكِ الْمُطَيَّبِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا” رواه أبو داود بإسناد حسن.
واللفظ الوارد عن عائشة رضي الله عنها: “بالسُّكّ المُطيَّب”، لا (بالمسك المطيب)، والسُّكّ: طيبٌ مركّب قد يكون فيه مسك، لكنه أعمّ منه، فالتعبير بالمسك تصرّف من المتكلم.
والجواب عنه من وجوه:
١. أن هذا الطيب كان قبل الإحرام، وهو مشروع للرجال والنساء باتفاق.
٢. والطيب المذكور في حديث عائشة لم يكن من الطيب المفوح الرائحة، بل هو طيب النساء وهو مما يُرى أثره ولا تظهر رائحته، قال النبي صلى الله عليه “طِيبُ الرجالِ ما ظهر ريحُه وخفي لونُه، وطيبُ النساءِ، ما ظهر لونُه وخفيَ ريحُه” رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو صحيح، وجاء مصرحا بنوعه في رواية أبي يعلى: “تضمخنا بالزعفران والورْس…”؛ وكلاهما نبات له رائحة ضعيفة ويستعملان للصبغ أكثر منه للتطيب، وهذا يدل على أن المقصود لم يكن إشامته للرجال، بل أثر موضعي في سياق عبادة وستر، فلا يصح بحال قياسه على العطور النفاذة المعاصرة.
فقياس هذا على خروج المرأة متعطرة في الأسواق والمجامع قياس مع الفارق.
٣. ولو فرضنا أن الطيب المستعمل من النساء قبيل الإحرام مما له رائحة، فنساء الصحابة كنّ مستترات محتجبات، لا يخالطن الرجال، وخاصة في طريق السفر، فلا تضع الواحدة منهن ما تخالف فيه هدي نبيها صلى الله عليه وسلم مما يفتن الرجال بطيب ريح عطرها.
خامسًا: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ والسِّخَاب، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.
والحديث في الصحيحين بألفاظ متعددة، والسخاب: هو قلادة -عقد- تتخذها نساء العرب من القرنفل والخرز، وتلبسها النساء اللواتي لا يجدن الذهب.
واستدل المتكلم به على أن “السخاب” له رائحة وأن النساء تصدقن به وألقينه في ثوب بلال!
ونقول له: صدقت في أن الصخاب -بالسين والصاد- مصنوع من قرنفل، وأخطأت في القياس؛ فرائحة القرنفل اليابس في الرقبة لا يقاس عليها الروائح الكحولية الطيارة التي صُنعت خصيصا لتملأ المكان وتلفت الأنظار، والشارع الحكيم فرق بين ما ريحه خفي كالطيب في الجسد المستور، وبين ما ريحه متعدّ كالبخور وعطر الرش.
سادسًا: تقييد النهي بصلاة العشاء أو بالليل غير صحيح
جاء في بعض الأحاديث ذكر صلاة العشاء، كحديث أبي هريرة في صحيح مسلم “أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَة” ففهم المتكلم منه أن النهي خاص بالليل.
وهذا غير لازم؛ لأن ذكر العشاء ورد في بعض الوقائع، ولا يقيّد الحكم العام الوارد في غيرها.
قال المناوي -رحمه الله-:
وتخصيص العشاء ليس لإخراج غيرها، بل لأن تطيب النساء إنما يكون غالبا في أول الليل.
” فيض القدير”.
وقد جاءت نصوص أخرى مطلقة في النهي دون تقييد بوقت.
والعلة، وهي الفتنة بالرائحة، لا تختص بليل دون نهار، بل قد تكون في النهار أشد.
سابعاً: الخلاصة:
١. النصوص الواردة في منع خروج المرأة متطيبة صحيحة وصريحة.
٢. والتفريق بين أنواع العطر أو كميته أو موضع الخروج تفريق لا دليل عليه.
٣. والأحاديث التي استُدلّ بها على الإباحة إما خاصة بسياقها، أو محمولة على ما قبل الإحرام، أو منزوعة عن محل النزاع.
٤. فالواجب ردّ هذه المسألة إلى أصولها المحكمة، دون تحميل النصوص ما لا تحتمل، أو تتبع رخص لا تستقيم مع مجموع الشريعة.
٥. قالت المذيعة-وأيدها المتكلم-: تعطرت في بيتها وخرجت منه وركبت سيارتها وستزور صديقتها:لا توجد مشكلة!
سبحان الله! ولن تمر على رجل واحد في طريقها هذا كله؟! هل تعيش هذه المرأة في “كوكب النساء” ؟
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٦/ ١/ ٢٠٢٦