الرئيسية بلوق الصفحة 49

أخوها مصاب بمرض ” انفصام الشخصية ” فهل إذا مات غير مسلم يكون كافرًا؟

أخوها مصاب بمرض ” انفصام الشخصية ” فهل إذا مات غير مسلم يكون كافرًا؟

السؤال:

يعاني أخي من مرض عقلي ( انفصام الشخصية )، فلو مات دون أن يقر بالإسلام دينًا وهو نوعا ما ناتج عن مرضه الذهني هذا، فهل يكون مصيره النار!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جعل الله تعالى دين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأديان، وأرسل نبيه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم للعالَمين جميعًا، فمن دخل في هذا الدين نجا وسعد، ومن أبى الدخول فيه كان كافرًا وفي جهنم خالدًا، ومهما كان متبعًا لدينه ورسوله فإنه لا ينفعه حتى يكون من المسلمين، قال تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/ 85, ولهذا خاطب الله تعالى الناس عمومًا بالدخول في الإسلام، وخاطب أهل الكتاب بذلك حتى لا يتصور أحدهم أنه ناجٍ باتباعه لنبيه، فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) النساء/ 47.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحكم في صريح القول كما جاء في صحيح الحديث، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ). رواه مسلم ( 153 ).

قال النووي – رحمه الله -:

فيه نسخ الملل كلها برسالة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهذا جار على ما تقدم في الأصول: أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح، والله أعلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ) أي: من هو موجود فى زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليهم الدخول فى طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على مَن سواهما؛ وذلك لأن اليهود النصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى.

” شرح مسلم ” ( 2 / 188 ).

 

 

 

ولم يُجمع المسلمون على كفر من لم يدخل الإسلام ممن بلغته الرسالة وهو من المكلفين فحسب: بل قد أجمعوا على كفر من لم يكفِّر ذلك الكافر، بل كفر من شكَّ في كفره.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص حكم أخيك فإنه يختلف تبعًا لطبيعة مرضه: فإن كان مرض ” انفصام الشخصية ” – الشِيزُوفْرِينيا Schizophrenia وهو مرض عقلي لكن أهله يتفاوتون في درجاتهم فيه- لا يؤثر في العقل بما لا يرفع عنه التكليف: فإنه يجب عليه الدخول في الإسلام، وإن لم يدخل فيه كان حكمه حكم سائر الكفار في الدنيا والآخرة.

وأما إن كان مرض ” انفصام الشخصية ” يؤثر في العقل بما لا يجعله مكلَّفًا: فهو على حالين:

الأول: أن يكون ذلك المرض طارئًا عليه بعد أن كان بالغًا عاقلًا، فهنا لا يكون معذورًا بذلك المرض؛ لأنه كان مخاطبًا ومكلَّفًا قبل مرضه.

الثاني: أن يكون ذلك المرض مصاحِبًا له من أول حياته قبل البلوغ واستمر معه، فهنا يقال: إن مات وهو مصاب به قبل أن يشفى: لم يكن مخاطَبًا ولا مكلَّفًا، وحكمه: أنه يُختبر يوم القيامة؛ لأن له حجة عند الله تعالى، وما كان ليعذِّب أحداً غير مخاطب بالتكليف، قال تعالى ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء/  15.

وعن الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَرْبَعَةٌ يحتجون يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الإِسْلامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلامًا )

– وفي رواية: ( فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلامًا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا ).

رواه الإمام أحمد ( 26 / 228 ) وابن حبان ( 16 / 356 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع : ( 883 ).

 

والله أعلم.

النصح لمن اشتغل بتفضيل عالم على آخر في المنزلة والعلم

النصح لمن اشتغل بتفضيل عالم على آخر في المنزلة والعلم

السؤال:

يا شيخنا العزيز رأينا مؤخرا أناسا يدخلون في مناظرات حيث يرفع بعض الناس أناسا آخرين فوق الأئمة الأربعة، فهناك على سبيل المثال من يرفع ابن تيمية فوق الإمام الشافعي ومالك وأحمد، وهناك الآن من يقول بأن هناك أئمة الآن أفضل من ابن تيمية، كيف يمكن لهذا أن يكون صحيحا؟ أرجو أن تجيبوا بشيء من التفصيل.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لا شك ولا ريب في وجود تفاوت بين الناس، والعلماء من الناس الذين تتفاوت درجتهم ومنزلتهم، كما يتفاوت علمهم، وإذا علمنا أن الأنبياء عليهم السلام يتفاوتون لم يكن مستغربا وجود تفاوت بين العلماء، قال تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) البقرة/ 253.

 

  1. أما التفاوت في الفضل والمنزلة عند الله تعالى: فلا يحل لأحدٍ أن يتجرأ على القول به؛ لأن ذلك من الغيب الذي لم يُطلعه الله تعالى على ذلك المفضِّل، فليوكل أمر ذلك إلى العالم بخلقه عز وجل فهو المطلع على إخلاص الخلق وصدقهم، وهو العالم بالأقرب منهم إليه سبحانه وتعالى.

 

  1. وأما التفاوت بين العلماء في العلم: فإن الحكم عليه ليس للعوام، ولا للجهلة، ولا للمقلدين، ولا للمتعصبين، وإن حكم هؤلاء لا قيمة له ولا وزن ولا اعتبار، وإنما الحكم لأهل العلم الذين صدقوا مع أنفسهم في حكمهم، ولم نرهم اشتغلوا بتصنيف الناس أيهم أكثر علما إلا لمناسبة اقتضت ذلك، ولم يكن ذلك منهم على سبيل التنقص من الآخر.

* قال تاج الدين السبكي – رحمه الله -:

الدخول بين أئمة الدين والتفضيل بينهم لمن لم يبلغ رتبتهم: لا يحسن،  ويخشى من غائلته في الدنيا والآخرة،  وقلَّ من استعمله فأفلح … وربما كان سببا إلى الوقيعة في العلماء الموجبة لخراب الديار. ” الأشباه والنظائر ” ( 2 / 328 ).

 

 

 

 

  1. وقد كان العقلاء من العلماء يعرفون للعلماء – وخاصة من السلف المتقدمين – فضلهم وعلمهم، فلم يكونوا يدخلون العوام في متاهات التفضيل، وكانوا يحطون من قدر أنفسهم ويعلون من قدر من سبقهم من أهل العلم.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وأهل العلم النافع على ضد هذا، يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء، ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها، وما أحسن قول أبي حنيفة وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل؟ فقال: واللَه ما نحن بأهلٍ أن نذكرهم فكيف نفضل بينهم.

* وكان ابن المبارك إذا ذكَر أخلاق من سلف ينشد:

لا تُعرِض بِذِكرِنا مَع ذِكرِهِم … لَيسَ الصَحيحُ إِذا مَشى كَالمُقعَدِ

” فضل علم السلف على الخلف ” ابن رجب ( ص 9 ) ترقيم الشاملة.

 

  1. وبعض الجهلة المعاصرين ظنَّ من أكثر من تسويد الصفحات وأكثر من التصنيف أنه قد فاق من قبله في العلم ! وأنه قد سبقهم في المعرفة والاطلاع، وهذا لا ريب أنه باطل، وإن شيخه الذي حكم له بذلك لا يرضى بحكمه الجائر، وظننا أنه يوبخه ويعزره لو علم أنه يفضله في العلم – فضلا عن المنزلة – على سلف هذه الأمة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض مَن توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله! ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين! وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولاً ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله: كان أعلم ممن كان أقل منهم قولاً بطريق الأولى، كالثوري، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضا.

فإن هؤلاء كلهم أقل كلاما ممن جاء بعدهم، وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمَّة قلوبا، وأعمقها علوما، وأقلها تكلفا، وروي نحوه عن ابن عمر أيضا، وفي هذا إشارة إلى أن مَن بعدهم أقل علوما وأكثر تكلفا.

وقال ابن مسعود أيضا: ” إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه وقلَّ قوله فهو الممدوح ومن كان بالعكس فهو مذموم “، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالإيمان والفقه وأهل اليمن أقل الناس كلاما وتوسعا في العلوم لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام: ما كان مأثورا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق.

” فضل علم السلف على الخلف ” ( ص 5 ) ترقيم الشاملة.

 

  1. ولما سبق – جميعه -: لا يجوز للمسلم أن يشتغل بتصنيف العلماء أيهم أكثر علما، وليدع ذلك لأهل الاختصاص، وما رأينا تفضيلاً من العامة وأشباههم إلا ومعه تنقيص لآخرين من أهل العلم والفضل، وفي ذلك اشتغال بما يضر صاحبه، مع ما فيه من تضييع للأوقات، فأولئك العلماء وصلوا إلى ما وصلوا إليه بتوفيق الله لهم بإخلاصهم، واجتهادهم، وتعبهم على أنفسهم ببذل الأوقات في التعلم، وبذل الأجساد في الرحلة، وبذل الأموال في شراء الكتب، فليشتغل هؤلاء المفضلون بما اشتغل به أولئك الأعلام، وليكن منهم الثناء والتبجيل لكل من خدم دين الله تعالى، وعلَّم الناس العلم النافع، فالعلماء ورثة الأنبياء، ولا ينتظر أولئك الورثة إلا ما يستحقونه الاعتراف بفضلهم وعلمهم وأثرهم الحسن على الناس.

 

والله أعلم.

 

 

حكم لبس العريس في زواجه إكليلًا من الزهور

حكم لبس العريس في زواجه إكليلًا من الزهور

السؤال:

ما حكم لبس أكاليل الورد في المناسبات مثل الزواج أو العقيقة؟ لأن هذا الفعل شائع جدّا هنا في الهند وباكستان، وهل هذا الفعل بدعة؟.

الإكليل هو ” حبل طويل عليه بعض الورود والأزهار يلبس على الرقبة “.

 

الجواب:

الحمد لله

أوّلًا:

تلقى المسلمون عن الكفار إهداء الورود للمرضى، ووضع أكاليل الزهور على قبور موتاهم، وكلا الأمرين منكر، من جهة تلقي تلك العادة السيئة من الكفار، ومن جهة أخرى أنه تضييع للأموال، فما فائدة ورود وزهور تبذل لها الأموال لتذبل بعد فترة وجيزة، ولا يستفيد منها حي ولا ميت؟!.

 

ثانيا:

والذي نعلمه أن وضع أكاليل الزهور في بلادكم – الهند – هو عادة تميز بها الهندوس الكفار، ولا تُعلم عند المسلمين، وهم يشتركون في ذلك مع النصارى الذين يضعون هذا الإكليل حول العريس وعروسته في الكنيسة بعد عقد الزواج، فصار وضع الإكليل على العريس متحققا فيه ما ذكرناه سابقا من التشبه وتضييع الأموال.

ولسنا نحرم زينة الله التي أخرج لعباده، فقد خلق الله تعالى الزهور والورود زينة وبهجة للنفوس، برؤيتها وشمها، لكن حديثنا هنا عن عادات خاصة في استعمالها متلقاة من الكفار تناسب عقولهم وفراغهم الروحي ومجاملاتهم الفارغة، وحديثنا عن بذل الأموال الطائلة في شرائها أو صنع إكليل منها وسرعان ما تجف وتذبل، وأما من اشترى الورود والزهور ووضعها في إناء في بيته فهذا لا يمنع منه أحد على أن لا تبذل فيه أموال طائلة، ومثل هذا يقال حتى في إهداء العريس بعد زواجه ورودا ليضعها في بيته، لا ورودا لا يعتنى بها، بل إننا لا نعلم أحدا منع من بيع وشراء الورود والزهور الصناعية وهي ليست ذات رائحة، بل لها – فقط – منظر بهيج، فكيف إذا جمعت الأمرين؟!.

نرجو من المسلمين أن يعوا ما نقوله، فقد رأينا من يسخر من فتاوى علمائنا في منع إهداء الزهور للمرضى – كما في الإحالة الأولى، وكما أفتى به علماء اللجنة الدائمة ( 13 / 66 ) – فإن نظر العلماء أبعد وأعمق من العامة الذين يستدركون عليهم بعاطفتهم أو جهلهم.

ومما وقفنا عليه تحديدا في هذه المسألة ما ذكرته الدكتورة فاطمة بنت محمد آل جار الله في كتابها ” تأملات ووقفات مع بعض مظاهر العرس ” في منكرات الأعراس وبدعها، ومما قالته:

” التاج و الزهور “: لبس التاج أو إكليل الزهور، وأصله: ما كانت تفعله الكنيسة، جاء في كتبهم: بعد المباركة، وبعد أن يستعد الزوجان لمغادرة الكنيسة: كان من المعتاد إلباسهما تاجان أو إكليل من الزهور، كرمز للنصر، وكشعار لبراءتهما (عفتهما).  انتهى.

وأحالت في الهامش على كتاب ” الزواج في الغرب: فصل الكنيسة النصرانية المبكرة ” ( ص 49 ، وص 89 ).

وكتاب الدكتور الفاضلة قرأه وقدَّم له الشيخان عبد الله بن جبرين رحمه الله، وعبد الرحمن المحمود حفظه الله، والكتاب متوفر في ” الشبكة العنكبوتية “.

ولا يختلف ما ذكرناه من حكم لبس إكليل الزهور في الزواج عنه في العقيقة وغيرها من المناسبات.

 

والله أعلم.

 

جدها على فراش الموت وهو مريض عقليا وتريده أن يدخل في الإسلام

جدها على فراش الموت وهو مريض عقليا وتريده أن يدخل في الإسلام

السؤال:

جدِّي مريض جدّا على فراش الموت، وعلى الرغم من أنه يؤمن بوجود إله إلا أنه ليس مسلما، فكيف أساعده على اعتناق الإسلام قبل أن يموت، علما أنه مريض عقليّا ولا يعي أحياناً ما أقول؟ فكيف أوصل له الفكرة؟ إنني أخاف أن يرفض.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد أحسنت في حرصك على تقديم الخير لجدك، ولا خير أعظم من الإسلام يدخل فيه، ويسلم وجهه لربه تعالى، فيرضى عنه ربه فيدخل الجنة، وما حرصت عليه قد حرص عليه النبي صلى عليه وسلم مع جده أبي طالب.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ( أَيْ عَمِّ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ).

رواه البخاري ( 3671 ) ومسلم ( 24 ).

 

ثانيا:

وفي الحديث السابق بيان واضح في أن من قال كلمة التوحيد قبل الاحتضار نفعه ذلك يوم لقاء ربه تعالى، وأما من قالها عند النزع فإنه لا ينفعه قولها.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله ( لما حضرت أبا طالب الوفاة ) فالمراد: قربت وفاته وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع: لما نفعه الايمان، ولقول الله تعالى: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، قال القاضي عياض رحمه الله: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار وأن النبي صلى الله عليه وسلم رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته صلى الله عليه و سلم، قال القاضي رحمه الله: وليس هذا بصحيح؛ لما قدمناه.

” شرح مسلم ” ( 1 / 214 ).

 

ثالثا:

ولتعلمي أختنا السائلة أن جدك إن لم يكن يعي ما يقول ولم يكن يفهم ما يتلفظ به بسبب حالته العقلية: فلا ينفعه التلفظ بالشهادتين؛ لأن للشهادتين شروطا ينبغي تحقيقها حتى تنفع صاحبها، ومن تلك الشروط: ” العلم ” المنافي للجهل بذلك، ومن شروطها: ”  اليقين ” المنافي للشك والظن.

وإن كان يعي ما يسمع ويفهم ما يتلفظ به فقال كلمة التوحيد دخل في الإسلام ونفعته بإذن الله، ويمكنك مخاطبته بما يستطيع استيعابه منك، ولا تقلق من رفضها لأنه ليس هناك ما تخاف منه لأنه ليس مسلما أصلا، وإن كان لسانه يستطيع النطق به فلا يُعذر بعدم التلفظ بالشهادتين، وإن انعقد لسانه وهو يفهم ما يسمع وما يقال له فيمكنك كتابة لفظ الشهادتين على ورقة وجعله يؤكد عليها، فإن تحقق فيه شروط الشهادتين وأقر بلفظها بلسانه أو أكد عليها بما يشير لإقراره بها: نفعه ذلك عند الله.

 

رابعا:

وإذا كان جدكِ فيه خلل عقلي من أول أمره: فإن له مصيرا غير الكفار، وسيكون له اختبار يوم القيامة.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز للمبتعَث التصرف بالمال الزائد عن رسوم الدراسة

هل يجوز للمبتعَث التصرف بالمال الزائد عن رسوم الدراسة

السؤال:

أنا طالب مبتعث للدراسة بالخارج، أسأل عن حكم المال المقرر لي من ” وزارة التعليم ” لكي يصرف على اللغة، على أن لا يتجاوز مقدارا معيَّنا من النقود.

ما حكم إذا أنا سجلت في دورة في معهد، وسلَّمت الشيك للمعهد، ثم قررت تغيير المعهد إلى آخر لسبب المسافة، أو في إعطاء الدروس، ووافقتْ إدارة المعهد على أن تردَّ لي المال نقدا، ودفعتُ جزءً منه لمعهد آخر، واستعملت الزائد في شيء آخر، علما بأني لم أتجاوز المقدار المخصص لي من بلدي، وأن المال المتبقي هذا سوف يأخذه البعض، ولن يرجع للدولة.

 

الجواب:

الحمد لله

المال الذي يُعطى للمبتعَث – ومثله الموظف – مقابل سكن أو دراسة أو علاج أو مواصلات على حالين:

الأولى: أن يُعطى مبلغاً مقطوعا يملِّكونه إياه، ولا يحاسبونه على ما زاد، ولا يَرجع إليهم فيما نقص.

الثانية: أن يُعطى مبلغا محدَّدا لا بقصد التمليك، بل مقابل الشيء الذي يريدونه منه أو الخدمة التي توهب له.

 

والفرق بين الحالين واضح معلوم، والحكم فيهما يختلف باختلاف الحالين:

ففي الحال الأولى: للمبتَعث – والموظف – أخذ ما يزيد عن المبلغ المقطوع إذا بقي منه شيء في حال أن ينفقه مقابل علاج أو ما يدفعه رسوما للدراسة.

وفي الحال الثانية: يحرم عليه أن يتملك ما يتبقى مما يزيد على نفقاته التي اتفق مع مُبتعثِه على التمتع بها أو طُلبت منه على وجه الإلزام.

 

والذي يظهر لنا أن حالك – أخي السائل – هو الثاني، فيكون حكم المال المتبقي من الفرق بين رسوم الدراسة في المعهدين: أنه ليس لك، ويجب عليك إبلاغ إدارة البعثات به، ويجب عليك أن تردَّه إليهم.

 

 

 

 

 

وبما أن الدولة قد ائتمنت هذه الإدارة على تصريف شئون البعثات: فإن أمرك يقف عند إرجاع المبلغ الزائد بعد إبلاغهم بحقيقته، وإن علمتَ تصرُّفا منهم غير شرعي فيه: فأمامك أمران:

الأول: أنه يجب عليك إنكار هذا المنكر بإبلاغ الجهات المسئولة عنهم، وذلك بعد القطع واليقين لا الشك والظن.

الثاني: أن تجعل هذا المبلغ الزائد في أمر من أمور البعثة ولا تطلب مبلغه منهم.

 

* ومما يدلُّك على صحة ما قلناه لك من الحال والحكم الشرعي: أمران:

الأول: أن المعهد الأول لو طلب رسوما زائدا على ما اتُفق عليه معه أولا، وكان لك رغبة في الدراسة فيه: فإنك ستطلب هذه الزيادة من إدارة البعثات، فإذا كان عليهم إكمال النقص لم يكن لك أخذ الزائد، بل هو لهم.

الثاني: أنه لو تَوجَّه سؤالٌ من قبَل إدارة البعثات عن الرسوم التي دفعتها للمعهد الآخر فماذا أنت مجيبهم؟! قد جرت عادة المبتَعثين والموظفين أنهم يكتمون المبلغ الحقيقي المدفوع، ويُظهرون فواتير مزورة حتى يتم لهم تحصيل الفرق بين المبلغين، فيكون مع أخذهم ما ليس لهم بحق أنهم شهدوا الزور، أو أنهم كتموا ما كرهوا اطلاع الإدارة عليه، وكل ذلك يدلك على حرمة الفعل الذي سألتَ عنه:

  1. فأكل أموال الحكومة محرَّم، قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) النساء/29 .
  2. وشهادة الزور محرَّمة، قال تعالى في وصف المؤمنين ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) الفرقان/ 72 .

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ ).

رواه البخاري ( 5631 ) ومسلم ( 87 ).

  1. وقد عرَّف النبي صلى الله عليه وسلم الإثم بما ذكرناه لك، فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ).

 

 

 

 

 

* قال ابن رجب – رحمه الله -:

وقوله في حديث النواس بن سمعان ( الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس )  إشارة إلى أن الإثم ما أثَّر في الصدر حرجا وضيقا وقلقا واضطرابا فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا: فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر الناسُ فاعلُه وغيرُ فاعلِه. ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 254 ).

 

* وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عمن يُصرف له مبلغ لشراء بنزين للسيارة فيزيد معه المال فيرجعه على السيارة نفسها تصليحاً لها بإذن من له الصلاحية من المسئولين فأجاب:

إذا كان المسئولون يعلمون أن هذا العِوض للبنزين أكثر مما يتحمله العمل، فإذا زاد يقولون: لا بأس أن تصرفه في إصلاح السيارة: فهذا طيب، وجزاك الله خيرا.

الممنوع: أنه إذا زاد تأخذه لنفسك، هذا هو الممنوع.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 130 / السؤال رقم 12 ).

 

فها أنت ترى أن الأمر يرجع للمسئولين عن المال حتى لو رجع المال للسيارة نفسها، وأن أخذ ذلك المال الزائد لا يحل إلا برضاهم، والأمر نفسه يقال في مسائل كثيرة من الباب نفسه مثل الذي تسأل عنه.

 

وبما سبق يتبين أنه لا يحل لك أخذ الفرق بين مبلغي المعهدين، وأن عليك إعلام إدارة البعثات به، فإن أذنوا لك بالتصرف به في مجال آخر في أمور البعثة: فافعل ما يقولونه، وإن كان عندهم الصلاحية لتمليكه لك فأذنوا لك بأخذه فهو لك، وإن لم تكن عندهم الصلاحية لذلك فلا يحل لك تملكه، فإما أن ترجعه للإدارة أو تجعله في أمر آخر من أمور البعثة ولا تطلب مبلغه منهم.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

أسلمت صديقتها حديثا فهل تخبرها بتحريم بقائها مع زوجها الكافر؟

أسلمت صديقتها حديثا فهل تخبرها بتحريم بقائها مع زوجها الكافر؟

السؤال:

إنني هذه الأيام أتحدث مع امرأة أمريكية أسلمت منذ وقت قصير، وعلمت منها أنها متزوجة من رجل مسيحي ولديهم طفلان، وهي سعيدة معه، وعلى ما يبدو أنها لا تعلم حتى الآن حكم بقائها مع زوجها في هذه الحالة لأنها ما زالت تتعلم الإسلام ومسائله، وأنا بدوري أحاول جاهدة مساعدتها في تعلم الإسلام بقدر ما أستطيع، وأراني وصلت إلى نقطة محيرة ألا وهي مصارحتها بهذه المسألة، أخشى إن أخبرتها بالحكم الشرعي أن تترك زوجها إذا أبى اعتناق الإسلام وتتمزق أسرتها ويتشرد أبناؤها، وبالتالي ربما تُلقي باللائمة على الإسلام، أو تترك الإسلام بالكلية، إنها تعيش في إحدى المناطق في ” كالفورنيا ” حيث من الصعب أن تجد أحدًا يتحدث معها عن الإسلام لأن معظم من حولها من الكاثوليك.

سؤالي هو: هل يتعين عليّ في الوقت الحالي أن أخبرها أن زوجها يجب عليه أن يعتنق الإسلام أو يتركها؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف أفتح لها الموضوع وأخبرها به؟ أم ما هو الحل الأمثل من وجهة نظركم في هذه الحالة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر للأخت السائلة مبادرتها في السؤال قبل التصرف بشيء، ونشكر لها حبَّها للخير لتلك المسلمة الجديدة.

وهذه العاطفة التي طُرح فيها السؤال لا ينبغي لأحدٍ أن يقف عندها إذا كانت مخالفة لشرع الله تعالى.

ولتعلم الأخت السائلة أن حكم الله تعالى هو الذي فيه المصلحة والخير للناس، ولا يمكن أن يشرع الله تعالى ما فيه ضرر للناس ومفسدة، بل حيث خالف الناس شرع الله تعالى فثمَّ المفسدة والضرر، ولنأخذ على ذلك مثالًا ما جاء في السؤال، فتقول الأخت السائلة وفقها الله: ” أخشى إن أخبرتها بالحكم الشرعي أن تترك زوجها إذا أبى اعتناق الإسلام وتتمزق أسرتها ويتشرد أبناؤها، وبالتالي ربما تُلقي باللائمة على الإسلام، أو تترك الإسلام بالكلية ” انتهى.

ونقول: أين احتمال أن يدخل زوجها في الإسلام؟! ولم لا يُذكر هذا في الاحتمالات؟! ولماذا تترك الإسلام؟ هل لأنه لا يبيح تزوج الكافر من مسلمة؟! وأين وجه الغرابة والتعجب من منع الإسلام من تزويج المسلمات بغير المسلمين والنصارى بينهم لا يزوجون بعضهم بعضًا وهم أهل ديانة واحدة؟! فالكاثوليكي لا يستطيع أن يتزوج بامرأة بروتستانتية، وإن تجرأ على ذلك عوقب من قبل الكنيسة، والعكس كذلك، فالكنيسة البريطانية مازالت تحرم زواج ولي عهد بريطانيا ” تشارلز ” البروتستانتي المذهب من ” كاميلا باركر ” الكاثوليكية ، وهو مهدَّد بالحرمان من عرش بريطانيا لهذا السبب!، وفي قانون الأقباط الأرثوذكس المصري الصادر عام 1938م تنص المادة السادسة على أن ” اختلاف الدين مانع من الزواج “.

وهذا الحكم في شرعنا المطهَّر فيه مصالح عظيمة، وأعظمها أنه قد يكون ذلك التحريم لاجتماع مسلمة مع زوجها الكافر سببًا في إسلامه، فها هي زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تفارق زوجها لاستمراره على الكفر، فيسلم، ويحسن إسلامه، ويرجع لها، وها هي أم سليم ترفض أبا طلحة زوجًا لكفره، فيسلم، ويحسن إسلامه.

ولتعلمي أنت والأخت المسلمة حديثًا أن دخول زوجها في الإسلام تكتمل به سعادتها في الدنيا والآخرة، فإن بقاءه على الكفر يعني أنها لن تجتمع معه في الآخرة في الجنة، بل نرى أن إصرارها على تطبيق الحكم الشرعي واجب عليها، وفيه مصلحة لزوجها، فقد يكون فعلها السبب في دخوله الإسلام.

وإن الذي يختار الإسلام دينا يجب أن يعلم أن الإسلام يعني الاستسلام لحكم الله تعالى، وينبغي أن يعلم أن الإسلام فيه الخير والسعادة والمصلحة في أحكامه وشرائعه، وينبغي أن يعلم أن يجب عليه الدخول فيه كافة، ولا يؤمن ببعضه ويكفر ببعض، وهذا هو الظن في كل من يختار الإسلام دينًا.

ولتعلمي أيتها الأخت السائلة أنه لا مجاملة للناس على حساب الأحكام الشرعية، فلا نسكت عن بيان حكم الإسلام في الزنا والربا والقمار لمن دخل في الإسلام وهو يمارس تلك المعاصي والموبقات، وعندما جاء رجل يعلن إسلامه وكان متزوجًا بعشر زوجات: لم يمنع ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ).

ثانيًا:

وأما حكم المسألة نفسها: فإنه بمجرد إسلام الزوجة يحرم عليها زوجها الكافر. روى البخاري في ” صحيحه ” ( 5 / 2024 ) عن ابن عباس قوله: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه.

وبوَّب عليه بقوله: ” باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي “.  انتهى.

وروى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 5 / 90 ) عن داود بن كردوس قال: كان رجل من بني تغلب يقال له: عبادة بن النعمان بن زرعة، عنده امرأة من بني تميم، وكان عبادة نصرانيا، فأسلمت امرأته وأبى أن يسلم، ففرَّق عمر بينهما. انتهى.

 

 

والإجماع قائم على هذا الحكم، لا فرق بين ابتداء النكاح واستدامته، فلا يحل اجتماع كافر مع مسلمة بعقد زواج البتة.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

فحرَّم الله عز وجل على الكفار نساء المؤمنين لم يبح واحدة منهن بحال، ولم يختلف أهل العلم في ذلك. ” الأم ” ( 5 / 153 ).

فإذا أسلم الزوج الكافر بعد إسلام زوجته: رجعت إليه على عقد الزوجية نفسه وهو أحق بها من نفسها، وإن لم يدخل في الإسلام حتى انتهت عدتها – وهي حيضة واحدة أو وضع الحمل -: فتملك نفسها، فإن انتظرته ولم تتزوج غيره، ودخل بعدها في الإسلام فترجع له على عقدها الأول، ولا يحتاجان لتجديد النكاح، وهذا هو القول الراجح ، وكل خلاف في المسألة لا يشمل: صحة عقد الزوجية بينها وبين زوجها، فلا يخلو بها ولا يمسها، ومن باب أولى لا يشمل حل جماعه لها، ومن زعم من أهل الهوى من المعاصرين أن عقد الزوجية بينهما قائم وأنه يحل لها أن تمكنه من جماعها: فقد افترى على الشرع افتراء عظيمًا، وقال على الله ما لم يحكم به، وحسبه أنه أسير الغرب يلبي لهم رغباتهم في تزوير الأحكام الشرعية، وهو يعلم أن تحريفه هذا الحكم الشرعي بعذر عدم تمزيق الأسرة وتشتيتها أنه غير نافعه؛ لأن الحكم في الآخرة سيكون كذلك ففريق في الجنة وفريق في السعير.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني وقتادة كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيًّا أسلمت امرأتُه فخيَّرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه.

وعبدالله بن يزيد الخطمي هذا له صحبة، وليس معناه أنها تقيم تحته وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص، فمتى أسلم: فهي امرأته ولو مكثت سنين.

فهذا قول سادس، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة، وعليه تدل السنَّة كما سيأتي بيانه، وهو اختيار شيخ الإسلام. ” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 646 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

الذي دلَّ عليه حُكمُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبلَ انقضاء عِدتها: فهي زوجتُه، وإن انقضت عدتها: فلها أن تنكِحَ من شاءت، وإن أحبَّت انتظرته، فإن أسلم: كانَتْ زوجته مِن غير حاجة إلى تجديد نكاح.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 137 ).

ومن نقل عن ابن القيم رحمه الله غير هذا فقد افترى عليه، فابن القيم رحمه الله يرى أن الزوجة المسلمة تحرم على زوجها الكافر بمجرد إسلامها، لكن يرى أن العقد يصير جائزًا لا لازمًا، ويتوقف استمرار الحياة الزوجية الشرعية بينهما على إسلامه ، وأنه لا حاجة لتجديد العقد حتى لو طالت المدة بين إسلامهما =، وأن لها أن تنكح من شاءت إذا انتهت عدتها ، ولا يقول ابن القيم – ولا غيره من أهل الإسلام – أن لها أن تمكنه من وطئها!.

ويرى رحمه الله أن القول بتحريم الزوج الكافر على زوجته التي أسلمت قبله، وأنه لا سبيل لها عليها إذا أسلم بعدها إلا برضاها ورضا وليها وبمهر جديد أن هذا هو ما فيه تنفير عن الإسلام، بخلاف ما رجحه هو وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأيضًا فإن في هذا تنفيرًا عن الإسلام؛ فإن المرأة إذا علمت – أو الزوج – أنه بمجرد الإسلام يزول النكاح ويفارق من يحب ولم يبق له عليها سبيل إلا برضاها ورضا وليها ومهر جديد: نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كلٌّ منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله ولا فراق بينهما إلا أن يختار هو المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه.

وأيضًا: فبقاء مجرد العقد جائزًا غير لازم من غير تمكين من الوطء: خير محض ومصلحة بلا مفسدة، فإن المفسدة إما بابتداء استيلاء الكافر على المسلمة فهذا لا يجوز كابتداء نكاحه للمسلمة وإن لم يكن فيه وطء كما لا يجوز استيلاؤه بالاسترقاق، وإما بالوطء بعد إسلامها، وهذا لا يجوز أيضًا، فصار إبقاء النكاح جائزًا: فيه مصلحة راجحة للزوجين في الدِّين والدنيا من غير مفسدة، وما كان هكذا: فإن الشريعة لا تأتي بتحريمه.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 694، 695 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

من آثار الخلل في فهم قدرة الله تعالى وما يتعلق بها

من آثار الخلل في فهم قدرة الله تعالى وما يتعلق بها

السؤال:

أتوق إلى أن أحسن من إسلامي، ولدي سؤال عن صفات الله، وأنا أطرح هذا السؤال لأني لست من أهل العلم، وأنا أعيش فى بيئة يعتقد فيها الناس أن لله قدرة على الدخول والعيش فى مخلوقاته كالبشر والحيوانات والجماد! وهم يستدلون بنزول الله للسماء الدنيا لإثبات ادعائهم هذا، فأرجو أن تقوموا بتوضيح الرأي الإسلامي الراجح بخصوص هذا السؤال، وكيف يمكن شرح الإجابة الصحيحة لضمان أن يسود الرأي الراجح؟ وأرجو أن تأخذوا بعين الاعتبار أني لست من أهل العلم.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الذي تنقله أيها السائل الكريم هو اعتقاد فاسد اعتقده أولئك القوم نتيجة جهلهم بحقيقة قدرة الله تعالى، واستدلالهم بنزول الله تعالى إلى السماء الدنيا على ما يقولونه سببه جهلهم بصفة النزول لله تعالى ومن قبل جهلهم بربهم تعالى وما يستحقه من صفات الجلال والإكرام.

وبيان ذلك:

  1. أما فيما بقدرة الله تعالى فيجب أن يعتقد المسلم أنها لا تتعلق بالمستحيلات؛ ولكنها تتعلق بالممكنات – أو بالجائزات -.

ومثال المستحيلات التي لا تتعلق بها قدرة الله:

أ. فيما يتعلق بالله تعالى: اتخاذ الشريك، والصاحبة، والولد؛ لأن إيجادها نقص لا يليق بالله عز وجل، قال تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) الأنعام/ 101.

فالذي يقوله أهل السنَّة أن قدرته تعالى لا تتعلق بها؛ كمالًا له تعالى؛ لأنها نقص لا يليق بالرب عز وجل، فكيف يكون ربًّا متفردًا أحدًا صمدًا ثم يكون معه شريك؟! وكيف يكون ربًّا وهو يحتاج لزوجة وولد؟! ومثله يقال فيما ذكره السائل عن أولئك الجهلة من اعتقادهم أن قدرة الله تتعلق بما ذكروه من مستحيل وهو أن يكون الله – عياذًا به – داخلَ شيء من مخلوقاته، وهذا من النقص الذي يُنزَّه الرب تعالى تعالى عنه، فهو – عز وجل – فوق مخلوقات بائن منهم ، مستوٍ على عرشه.

ب. وفيما يتعلق بغيره تعالى: كون الشيء ساكنًا متحركًا، أو أسود أبيض، فهذه ليست بشيء، وهي لا تسمَّى ” شيئًا ” في لسان العرب، وعليه: فهي لا تدخل في عموم قوله تعالى: ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) الطلاق/ 12.

 

فهذه لا تتعلق بها القدرة لكونها شيئًا خارج الذهن، فهي ليست شيئًا حتى يقال هل يقدر الله تعالى عليها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولا ريب أن الله على كل شيء قدير، كما نطق به القرآن في غير موضع، فإن قدرته من لوازم ذاته والمصحح لها الإمكان، فلا اختصاص لها بممكن دون ممكن، لكن الممتنع لذاته: ليس شيئًا باتفاق العقلاء فلا يعقل وجوده في الخارج، فإنه لا يعقل في الخارج كون الشيء موجودًا معدومًا، أو متحركًا ساكنًا أو كون أجزاء الحركة المتعاقبة مقترنة في آنٍ واحد، أو كون اليوم موجودًا مع أمس وغدًا وأمثال ذلك.

وحينئذ فمثل هذا لا يدخل في عموم الكتاب.

وأما الممتنع لغيره – وهو ما علم الله أنه لا يكون، وأخبر أنه لا يكون، وكتب أنه لا يكون -: فهذا لا يكون؛ لعدم إرادته، وأنه لا يكون، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا لو شاء لفعله كما أخبر القرآن في غير موضع أنه لو شاء الله لآتى كل نفس هداها، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، وأمثال ذلك.

” الصفدية ” ( 2 / 109 ).

 

* وقال الشيخ محمد السفاريني – رحمه الله -:

بقدرةٍ تعلقت بممكن *** كذا إرادة فَعِ واستبن

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 192 ).

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – شارحًا -:

– قوله: ( واقتدر بقدرة تعلقت بممكن ): أي من صفات الله تعالى القدرة.

لكن المؤلف قيَّد القدرة قال: ( تعلقت بممكن ): وتعلقت بالواجب أيضًا؟

نعم، بالواجب من باب أولى.

تعلقت بالمستحيل؟ لا؛ لأن المستحيل ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مقدورًا عليه، لكن المستحيل الذي يُتَصَوَّرُ ذهنًا أنه مستحيل:

  1. مستحيلٌ لذاته.
  2. ومستحيل لغيره.

أما المستحيل لذاته: فهو مستحيل لا يمكن، لو أن أحدًا أراد أن يقول: هل الله قادر على أن يخلق مثله؟: لقلنا: هذا مستحيل، لكن الله قادر على أن يخلق خلقًا أعظم من الخلق الذي نعلمه الآن، ونحن نعلم الآن أن أعظم مخلوقٍ نعلمه هو العرش، العرش أعظم من كل شيء من المخلوقات التي نعلمها، ومع ذلك نعلم أن الله قادر على أن يخلق أعظم من العرش، لكن الشيء المستحيل لذاته هذا غير ممكن، نعلم أنه يستحيل في العادة ليس في ذاته أنه لا يقع، خسوف القمر في أول الشهر هذا مستحيل حسب العادة، ونعلم أيضًا أنه لا يمكن أن يَهِلَّ الهلال ثم تخسف الشمس بعد غروبها بعد الغروب، هذا نعلم علم اليقين أنه لن يكون، لكن لذاته أو لغيره؟ لغيره، أي: حسب ما أجرى العادة، وإلا فإن الله قادر على أن يكسف القمر في أول الشهر وعلى أن يهل الهلال ثم تخسف الشمس بعد غروبها.

 

إذن: قول المؤلف: ( تعلقت بممكن ): نقول: ضده المستحيل، فالمستحيل لا تتعلق به القدرة؛ لأنه على اسمه مستحيل، لكن يجب أن نعلم حتى لا يتوهم واهم أننا خصصنا ما عممه الله أو قيدنا ما أطلقه: يجب أن نعلم أن المستحيل نوعان:

  1. مستحيل لذاته.
  2. ومستحيل لغيره.

فالمستحيل لذاته: ما لا يمكن أن تتعلق به القدرة، كما مثَّلنا وقلنا: لو قال قائل: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟: قلنا: هذا مستحيل لذاته؛ لأن المماثلة مستحيل أدنى ما نقول: أن نقول: أن هذا مخلوق والرب خالق، فتنتفي المماثلة على كل حال.

الشيء الثاني: المستحيل لغيره، بمعنى أن الله تعالى أجرى هذا الشيء على هذه العادة المستمرة التي يستحيل أن تنخرم، ولكن الله قادر على أن يخرمها، هذا نقول: إن القدرة تتعلق به، فيمكن للشيء الذي نرى أنه مستحيل بحسب العادة أن يكون جائزًا واقعًا بحسب القدرة، وهذا الشيء كثير كل آيات الأنبياء الكونية من هذا الباب مستحيل لغيره، انشقاق القمر للرسول عليه الصلاة والسلام مستحيل لغيره لكن لذاته غير مستحيل؛ لأنه وقع والله قادر على أن يشق القمر نصفين، بل قادر على أن يشق الشمس نصفين.

 

ونحن نقول: لا بد في ذلك من التفصيل: وهو أن المستحيل لذاته لا تتعلق به القدرة؛ لأنه ليس بموجود، ولا يمكن أن يوجد ولا يفرضه الذهن.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 192 – 196 ).

 

  1. وأما خطؤهم المتعلق بنزول الرب تبارك وتعالى: فهو ظنهم أن نزول الله تعالى كنزول المخلوقين، فلما وقع في قلوبهم التشبيه ظنوا ما يلزم من نزول البشر من المخالطة وصيرورته أسفل ما نزل منه أن هذا هو ما يلزم الاعتقاد بنزول الله تعالى، وهذا ظن فاسد واعتقاد باطل ، فالله تعالى قال عن نفسه ( ليس كمثله شيء ) وهذا كافٍ لبيان أن نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ليس كنزول خلقه، وهكذا ينبغي الاعتقاد في سائر صفاته، كالاستواء والغضب والوجه واليدين والعلم والرحمة وغيرها من الصفات، لا فرق بين الصفات الذاتية منها والصفات الخبرية والصفات الفعلية، بل كلها سواء في كونها ليست كصفات أحدٍ من خلقه.

وبما ذكرناه يتبين لك – إن شاء الله – وجه الخلل في فهم أولئك القوم، وخطورة ذلك الاعتقاد في ربهم تعالى، وكيف يمكنك الرد عليهم.

 

والله أعلم.

 

حكم اقتناء ” الهامستر ” و ” خنزير غينيا “؟

حكم اقتناء ” الهامستر ” و ” خنزير غينيا “؟

السؤال:

هل يجوز الاحتفاظ بـ ” الهمستر ” و ” خنزير غينيا “، وتربيتهما كحيوانات أليفة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الهمستر ” – أو الهامستر Hamster – و ” خنزير غينيا ” – Guinea pig – من القوارض، كالفئران والسنجاب.

ففي ” الموسوعة العربية العالمية “:

” الهمستر القارض “: من أنواع القوارض الصغيرة القصيرة المكتنزة ذات الفراء، التي تعيش في أوروبا وآسيا، وغالبية أنواع الهمستر لها ذَنَب صغير وتجويف فموي يساعدها على تخزين كمية كبيرة من الغذاء، وهناك حوالي 15 نوعًا من الهمستر، ومن أشهر الأنواع: الهمستر الذهبي، والهمستر الشائع. انتهى.

وفيها:

” خنزير غينيا ” له رأس كبير وأذنان صغيرتان وأرجل قصيرة، ….

الخنازير الغينية ليست خنازير حقيقية، بل هي قوارض، كما هو الحال مع القنادس، والفئران، والسناجب، يبلغ طول الخنزير الغيني نحو 25 – 35 سم، وهو يزن نحو 0,5 كجم، وله رأس كبير وأذنان صغيرتان وأرجل قصيرة. انتهى.

 

ثانيًا:

ومن جعل لتلك القوارض حكم الفئران: لم يجوِّز تربيتهما، كما ذُكر هذا في ” الهامستر ” – تحديدًا – في جواب سابق، وفي الفئران – عموما – في جواب سابق كذلك.

ومن جعلهما غير ملحقيْن بحكم الفئران، وأن كونهما من القوارض لا يعني بالضرورة أن يكون لهما حكم الفئران – كما هو الظاهر فيما نقلناه آنفاً عن ” الموسوعة العربية ” -: فإنه لا يرى حرجًا من تربيتهما إن لم يثبت ضرر طبي في وجودهما في البيوت، أو جراء مخالطتهما.

وسواء جعلنا لتلك القوارض حكم الفئران أم لم نفعل: فإن حكم اقتنائهما وتربيتهما من أجل الاختبارات والأبحاث الطبية هو الجواز، وهو واقع ذينك الحيوانين في عالم الأبحاث.

 

* ففي ” الموسوعة العربية “:

والخنازير الغينية يتم إنتاجها بوصفها حيوانات أليفة أو لاستخدامها في التجارب الأحيائية والطبية ….

وقد استَخدم العلماء هذه الحيوانات في تجارب أدَّت إلى تطوير العديد من العقاقير، واستُخدمت الخنازير الغينية أيضًا في الأبحاث في مجالات السلوك والوراثة والتغذية. انتهى.

وأما ” الهامستر ” فإن استخدامه في عالم الأبحاث أشهر من أن يُذكر، فقد وقفنا على نقولات كثيرة تنص على استخدامه في تلك الأبحاث.

 

ثالثًا:

والحيوان المحرَّم أكله إن لم يُنص في الشرع على حرمة اقتنائه – كالكلب -: فإنه لا حرج في اقتنائه ابتداء ، وإن نُصَّ على تحريم ثمنه أو النهي عن بيعه – كالميتة -: لم يجز اقتناؤه ولا بيعه.

ولا يلزم من كون الحيوان محرَّماً أكله أنه لا يجوز تربيته وبيعه – كالحمار والبغل -.

كما لا يلزم من جواز قتله أنه لا يجوز اقتناؤه وبيعه إن كان فيه منفعة – كالفهد والنمر يتخذان للصيد -، ومثله يقال في المحرَّم لاستخباث النفوس السوية له – كالحشرات والدود -.

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 280، 281 ):

اتفق الفقهاء على عدم جواز بيع الحشرات التي لا نفع فيها، إذ يشترط في المبيع أن يكون منتفعًا به، فلا يجوز بيع الفئران، والحيات، والعقارب، والخنافس، والنمل، ونحوها؛ إذ لا نفع فيها يقابل بالمال، أما إذا وجد من الحشرات ما فيه منفعة: فإنه يجوز بيعه، كدود القز، حيث يخرج منه الحرير الذي هو أفخر الملابس، والنحل حيث ينتج العسل.

وقد نص الحنفية والشافعية والحنابلة على جواز بيع ” دود العَلَق “؛ لحاجة الناس إليه للتداوي بمصه الدم، وزاد ابن عابدين من الحنفية ” دود القرمز “، قال: وهو أولى من دود القز وبيضه فإنه ينتفع به في الحال، ودود القز في المآل.

كما نص الشافعية على جواز بيع اليربوع والضب ونحوه مما يؤكل، وقال الحنابلة: بجواز بيع الديدان لصيد السمك. ….

وقد وضع الحصكفي من الحنفية ضابطا لبيع الحشرات، فقال: إن جواز البيع يدور مع حل الانتفاع. انتهى.

والعَلَق – بفتح العين واللام -: جمع علَقة، وهي حشرة سوداء تشبه الدود تكون في الماء فإذا شربته الدابة تعلق بحلقها.

– القرمز: نوع من الدود يكون في عصارته صبغ أحمر قانٍ، ويسمى ذلك الصبغ ” القرمز “.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” والحشرات ” الحشرات لا يصح بيعها، والعلة: أنه ليس فيها نفع، فبذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال، وعُلم من هذا التعليل أنه لو كان فيها نفع: جاز بيعها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ومن النفع: العلَق لمص الدم، والديدان لصيد السمك

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 8 / 118 ).

* وقال الدكتور صالح بن عبد الله اللحيدان – حفظه الله -:

ينبغي أن ندرك أن تمثيل الفقهاء بالحشرات هنا إنما هو باعتبار زمنهم وما جرت عادة الناس به فيها وإلا فإن للحشرات أنواعاً من المنافع في الوقت الحاضر؛ إذ أصبح كثير منها يتم الانتفاع بها داخل المختبرات العملية، إما بجعلها محلاًّ للتجربة العلمية للتوصل بها إلى النظريات العلمية المساعدة في تطوير العمل الطبي، وإيجاد الحلول لكثير من الإشكالات الطبية، وإما باستخلاص المضادات الحيوية والعلاجات منها مباشرة، من السموم وغيرها، وهذه منافع معتبرة بلا شك تؤهلها لأن تكون أموالًا .

والفقهاء قد استثنوا بعض الحشرات فأباحوا بيعها لما فيها من المنافع كدود القز وبِزره، والنحل، والعلق – وفيه منفعة المص للدم -، وعللوا ذلك بما فيها من المنافع للناس، فدل ذلك على أن المنفعة هي المناط، وقد جاء هذا مصرحًا به في ” الدر المختار ” حيث قال بعد ذكره بيع الحشرات وما يستثنى منها: ” والحاصل أن جواز البيع يدور مع حلِّ الانتفاع “، ….

كما أنهم حين نصوا على عدم مالية الحشرات أو عدم جواز بيعها: لم يعللوا المنع إلا بعدم النفع فيها، فدل هذا كله على أن الأمر يدور مع الانتفاع وعدمه، فإذا كان فيها منفعة كانت أموالًا متقومة مبادلة بالمال، وهو الحاصل في العصر الحاضر في أنواع غير قليلة من الحشرات. انتهى.

بحث ” العناصر المكونة لصفة المالية عند الفقهاء ” ضمن ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 73 / 214 – 216 ).

فمن قام بتربية ما جاء في السؤال – وما في حكمهما – من أجل الأبحاث العلمية والاختبارات الطبية: فلا حرج في فعله، ولا في بيعه لها، ومن قام بتربيهما من أجل المنظر والبهجة: فالامتناع عنه أولى؛ لما فيه من خلاف.

 

والله أعلم.

حكم تغطية المحرِمة وجهها في حال عدم وجود رجال أجانب وفي حال وجودهم

حكم تغطية المحرِمة وجهها في حال عدم وجود رجال أجانب وفي حال وجودهم

السؤال:

قالت عائشة رضي الله عنها: ” الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلاَّ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلاَ تَتَبَرْقَعُ وَلاَ تَلَثَّمُ وَتَسْدُلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ “، فهل معنى ذلك أن النقاب سنَّة وليس واجباً حيث ذكرت ” إن شاءت “؟ وهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة المحرمة الكشف عن وجهها طول فترة الإحرام وحولها رجال كما هو في الحج؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأثر المذكور في السؤال قد رواه البخاري – مختصرًا – معلَّقًا ( 2 / 652 )، ووصله البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 5 / 47 ) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من قولها، وصححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 4 / 212 ).

 

ثانيًا:

والنهي عن النقاب للمرأة المحرمة ثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (… وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ ). رواه البخاري ( 1741 ).

 

ثالثًا:

وأما قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت “: فلا يفهم منه أن تغطية الوجه ” جائز ” أو ” مستحب ” في الأصل، بل هو واجب على الراجح، وكلامها رضي الله عنها في ” المحرِمة “، والنهي عن انتقاب المرأة ولبسها للقفازين حال الإحرام هو نهي عن لباس خاص في حال خاصة وهي الإحرام، وهو يدل على أن النساء يسترن وجوههن وأيدين في الأصل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وثبت في الصحيح أن المرأة المحرمة تُنهى عن الانتقاب والقفازين، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفيْن في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.

” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 371 ، 372 ).

 

رابعًا:

وأكثر العلماء – وقد نقل فيه بعضهم الإجماع عليه – أن إحرام المرأة في وجهها، وأنه لا يجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها إلاَّ لحاجة، وقد يجب عليها كحال وجود رجال أجانب بقربها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

قال – أي: الخِرَقي -: ” والمرأة إحرامها في وجهها فإن احتاجت سدلت على وجهها “.

وجملة ذلك: أن المرأة يحرُم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه، لا نعلم في هذا خلافًا، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافًا.

” المغني ” ( 3 / 311 ).

وخالف في ذلك بعض الحنابلة، ووافقهم ابن تيمية وابن القيم، ومن المعاصرين: الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمهم الله، فقالوا: إن المرأة المحرمة ليس إحرامها في وجهها، وإن لها أن تغطي وجهها حتى مع عدم وجود رجال أجانب، وإنها ممنوعة من لبس النقاب ليست ممنوعة من تغطية وجهها بغيره، وأما أكثر العلماء فقد ذهبوا إلى أن منعها من النقاب والبرقع لا لكونهما لباسًا من الألبسة بل لكونهما غطاءً للوجه.

وهنا يأتي كلام عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت “، فالجمهور حملوا قولها على أن ذلك السدل لستر الوجه عن نظر الرجال الأجانب، والمخالفون قالوا إنها رضي الله عنها لم تبيِّن ذلك هنا كما بينته في مواضع أخرى، فدلَّ قولها ” إن شاءت ” في السدل: على أن للمحرمة أن تستر وجهها حتى مع عدم وجود رجال أجانب، وأنها لا تكون بذلك مرتكبة لمحظور من محظورات الإحرام.

فالجمهور جعلوا وجه المرأة كرأس المُحرِم، الأصل فيه وجوب كشفه، ومن احتاج لستره: ستره وعليه الفدية، وكذا وجه المحرمة تستره بمرور رجال أجانب بقربها، وبعض العلماء أوجب عليه الفدية إن مسَّ الساتر وجهها بإرادتها، وهو قول ضعيف.

والمخالفون جعلوا وجهها كبدن المحرِم، فهو يُمنع من ستره بألبسة معيَّنة ولا يمنع من ستره بغيرها، فلو سترته بساتر: فلا فدية عليها ولو مسَّ وجهها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو غطَّت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه: جاز بالإتفاق، وإن كان يمسه: فالصحيح أنه يجوز أيضًا، ولا تُكلَّف المرأةُ أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعود، ولا بيد، ولا غير ذلك، فإن النبى صلى الله عليه وسلم سوَّى بين وجهها ويديها، وكلاهما كبدن الرجل، لا كرأسه وأزواجه صلى الله عليه وسلم كنَّ يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة.

ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ” إحرام المرأة فى وجهها “، وإنما هذا قول بعض السلف، لكن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهاها أن تنتقب، أو تلبس القفازين، كما نهى المُحرم أن يلبس القميص والخف مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب، فلهذا يُنهى عنه باتفاقهم، ولهذا كانت المُحرمة لا تلبس ما يُصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه فإنه كالنقاب. ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 26 / 112 ، 113 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وجه المرأة كبدنِ الرجل، يحرم ستره بالمفصَّل على قدره، كالنقاب والبرقع، بل وَكَيَدِها، يحرم سترها بالمفصَّل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب: فلم ينه عنه البتة، ومَن قال إن وجهها كرأس المحرم: فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرم؛ لما جعل الله بينهما من الفرق. ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 664 ).

وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

فيحرم على المرأة أن تغطي وجهها، وهذا هو المشهور من المذهب، وذكروا هنا ضابطًا، أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا ضعيف، فهذا إن أرادوا به أنه المحل الذي يمنع فيه لباس معين: فهذا صحيح، وإن أرادوا به التغطية: فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهي المرأة عن تغطية وجهها، وإنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب أخص من تغطية الوجه؛ لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه، كما نهي الرجل عن لباس الجسم، ولباس الرأس.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 7 / 165 ).

والخلاصة عند هؤلاء الأئمة: أن المرأة المحرمة غير مأمورة بكشف وجهها، وأنها منهية عن ستر وجهها حال إحرامها فقط بالنقاب والبرقع واللباس المفصَّل على قدر وجهها.

فيتلخص معنى قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت ” أنها رضي الله عنها لا ترى وجوب كشف المرأة المحرمة لوجهها في حال عدم وجود رجال أجانب، وهو يؤيد ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم، فللمرأة المحرمة أن تبقى ساترة لوجهها – بغير نقاب – حتى لو لم يوجد رجال أجانب يمكن أن ينظروا إليها، وإن شاءت كشفته، فيكون ما ثبت عنها رضي الله من فعلها في الكشف بعد تجاوز الرجال الأجانب لا يخالف ما ثبت من قولها من التخيير بين كشف الوجه وستره.

 

 

خامسًا:

وعلى القولين السابقين فليس معنى قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت ” أنها تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، فهي – رضي الله عنها – تقول ” تَسْدُلُ الثوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ ” في حال كانت المرأة المحرمة بعيدة عن أعين الرجال الأجانب، وأما في حال وجود رجال أجانب يمكن أن يروا وجه المحرمة فإنه يتعين عليهن تغطية وجوههن بالسدل، كما ثبت ذلك عنها رضي الله من فعلها، وثبت عن أسماء أختها وغيرهما من الصحابيات.

فكلا الطائفتين قالت بأنها تستر وجهها بالسدل – لا بالنقاب – في حال وجود رجال أجانب يمكن أن يروا وجهها.

ومثله يقال في نهي المحرِمة عن لبس ” النقاب ” فإنه لا يلزم منه كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، كما لا يلزم من نهي الرجل عن لبس ” السراويل ” أن يكون عاريًا! فكما أنه يلبس إزارًا ورداءً مع تحريم لبسه للثوب والسراويل فإن المرأة تغطي وجهها بشيء تسدله على وجهها مع تحريم تغطيته بالنقاب تحديدًا.

 

قال علماء اللجنة الدائمة:

ثم إنه لا يُفهم من هذا الحديث أن المحرِمة يجوز لها كشف وجهها إذا كان الرجال الأجانب يرونها، بل يجب عليها أن تسدل الخمار أو النقاب إلى أن يجاوزوها، والأصل في ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ” انتهى.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 171 ، 172 ).

 

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالمرأة المحرمة منهية عن النقاب مطلقًا سواء مرّ بها الرجال الأجانب أم لم يمروا بها، وعلى هذا: فيحرُم على المرأة المحرِمة أن تنتقب، سواء كانت في حج أو في عمرة، والنقاب معروف عند الناس وهو أن تغطي وجهها بغطاء يكون فيه فتحة واحدة من عينيها.

أما حديث عائشة رضي الله عنها – وهو ” كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا … “: فلا يعارض النهي عن الانتقاب، وذلك لأن حديث عائشة رضي الله عنها ليس فيه أن النساء ينتقبن، وإنما يغطين الوجه بدون نقاب، وهذا أمر لا بد منه إذا مرّ الرجال بالنساء فإنه يجب عليهن أن يسترن وجوههن؛ لأن ستر الوجه عن الرجال الأجانب: واجب، وعلى هذا فنقول: لبس النقاب للمحرمة حرام عليها مطلقًا، وأما ستر وجهها: فالأفضل لها كشف الوجه، ولكن إذا مرّ الرجال قريبًا منها: فإنه يجب عليها أن تغطيه، ولكن تغطية بغير النقاب.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 22 / 188 ، 189 ).

 

والله أعلم.

 

موقفنا من أب يريد أن تسافر الأسرة لدول سياحية والأم ترفض ذلك

موقفنا من أب يريد أن تسافر الأسرة لدول سياحية والأم ترفض ذلك

السؤال:

يضغط الأولاد كثيرا على الوالدين للسفر إلى الخارج كما يفعل الكثير من الأقارب، وقد يلين الوالد لرغبتهم، وترفض الأم؛ خشية على أولادها وبناتها المراهقين من الفتن؛ لأن الدول التي يزعمون أنها إسلامية: ليس لها من الإسلام إلا الاسم، وتنتشر فيها المعاصي بأنواعها، والمشكلة: أن الأبناء قد زهدوا في السفر إلى مكة والسياحة الداخلية، ويقولون لوالديهم: مللنا ولن نسافر معكم سافروا واتركونا عند الجدة أو الأخوال.

الوالد يحمِّل الأم مسؤولية الموقف، ويتهمها بالغيرة، والأم تخشى على أبنائها، وتخشى أن تكون سببا في ردة فعل معاكسة يكرهون بسببها التدين، أو أن ينفلتوا بعد أن يكبروا في السفر لوحدهم، وخاصة أنهم يقولون لها: قد كنتِ تسافرين مع أهلك فلم تحرميننا من السفر؟.

فهل تطيعهم مع الالتزام بالقدر الممكن من المحافظة؟ أم تصر على موقفها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد أحسنت الأم غاية الإحسان في رأيها وموقفها، ونحن نرى رأيها في حفظ أولادها ذكورا وإناثا من التلوث بأدواء الفساد والاختلاط والعري الموجود – وللأسف – بكثرة في كثير من الدول الإسلامية التي تُقصد للسياحة.

ونرى أن يكون الأب بصفها ويتخذ الموقف نفسه؛ حتى لا يكون تضاد في العملية التربوية لأولادهم، وحتى لا يتخذ أولئك الأولاد موقفا سلبيّا من والدتهم بتأييد من والدهم.

ونرى أن يتم إقناع الأولاد بالخطر العظيم الموجود في الدول التي تُقصد للسياحة، ويُبيَّن لهم أن من الواجبات الشرعية الملقاة على عاتق والديهم: حفظهم من الشر والمكر والكيد والفساد الذي يُدار من دوائر الفساد تجاه الأسرة المسلمة؛ لتفكيك أوصالها، ولتشتيت شملها، بالتجرؤ على سلطة الوالد، وبالاحتقار للعفاف والمروءة التي تدعو إليها الأمهات الفضليات.

وقد وسَّع الله عليكم في دياركم بأن حباكم أماكن جميلة يمكن للأسرة المحافظة أن تقصدها من غير أن ترى ما يؤذي سمعها وبصرها، وهي متنوعة ما بين صحراء جميلة، وجبال شاهقة، وأراضٍ خصباء، وأجواء ذات طقس معتدل، وبعض الأماكن تكون ممطرة مطرا رقراقا، وعلى رأس ذلك كله: يمكنكم قصد الديار المقدسة في مكة المكرمة، أو المدينة النبوية، بكل يسر وسهولة، والذي ننصحكم به – هنا – أن تجعلوا زيارتكم لتلك الأماكن المقدسة جزء من رحلة طويلة متنوعة ماتعة، تمرون فيها على أكثر من منطقة، تزورون فيها معارفكم، أو تذهبون لأماكن السياحة فيها، ومن ثم يكون جزء من برنامجكم الذهاب لمكة أو المدينة، فتجمعون بين التمتع المباح والعبادة الجليلة.

ولا ينبغي للأسرة المسلمة أن تجعل السفر جزء من حياتها، وليُعوَّد الأولاد على استغلال فرص العطلة بالاشتراك في برامج نافعة، أو دراسة مباحة، ونحن لا نستطيع أن نحرِّم ما أحل الله، ولا أن نضيِّق واسعا على أحد، لكن كل عاقل يرى ما وصلت إليه أحوال المسلمين في بلدانهم: لا يشك لحظة أن الواجب على القائمين على تربية أولادهم أن يحتاطوا في حفظ الأمانة التي أوكلهم الله بحفظها، وها نحن نرى الفساد قد وصل إلى البيوت المغلقة الحصينة من خلال المدارس والقنوات والمجلات والجيران والأقرباء فكيف مع كل هذا يكون التساهل في الذهاب إلى أماكن المنكر والفساد بأرجلنا وبتمويل من أموالنا؟!.

وليكن في ضرب الأمثلة للأولاد نصيب في إقناعهم بالعدول عن فكرة السفر لتلك الأماكن في تلك الدول السياحية، وذلك بذكر وقائع حقيقية لمن رجع بمرض الإيدز، ومن رجع جثة هامدة بسبب جرعة مخدرات أو شرب خمر، ومن رجعت وقد فقدت شرفها، أو تعلقت برجل في تلك الديار فتركت أهلها من أجله، ومن رجع تاركا للصلاة، وهكذا في سلسلة من المنكرات والفساد مما لا يمكن إحصاؤه بسهولة، ولا يعني رجوع بعض الأسر سالمة من الشر والفساد أن يكون هذا هو الأصل، لا، بل هذا من حفظ الله لهم، وأما هم فقد فعلوا من الأسباب ما يكسبهم به الآثام ويجر عليهم الويلات ، وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن ننأى عن الفتن وأماكنها، وأن لا يغتر الإنسان بما عنده من إيمان ويقين؛ فإن الفتن الآن والشهوات أقوى من أن يتحداها المسلم الضعيف، وها هم المتساقطون على الطريق قد كثروا ومنهم من رجع لصوابه فاهتدى ومنهم من ظلَّ على ضلاله فهلك.

سنن أبي داود مشكول – (11 / 397).

عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ – أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ – ) هَكَذَا قَالَ.

رواه أبو داود ( 4319 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

واحذر – رحمك الله – أن تتعرض لسبب لبلاء، فبعيد أن يسلم مقارب الفتنة منها، وكما أن الحذر مقرون بالنجاة: فالتعرض للفتنة مقرون بالعطَب، وندر من يسلم من الفتنة مع مقاربتها على أنه لا يسلم من تفكر، وتصور، وهمٍّ.

” ذم الهوى ” ( ص 126 ).

 

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فما استُعين على التخلص من الشرِّ بمثل البُعد عن أسبابه ومظانِّه.

وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي: أن يُظهر له في مظانِّ الشرّ بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه: ألقاه في الشبكة.

” عدة الصابرين ” ( ص 50 ).

 

ونختم بأن نؤكد على ضرورة تأييد الأب لزوجته في موقفها، وبما أن الأولاد قد رضوا بأن يبقوا عند جدتهم أو أخوالهم فهذا يعني أنهم أهل خير وطاعة، فيستثمر هذا الأمر فيهم، ويوجهون إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم في العطل المدرسية، وقد يكون إصراركم على عدم السفر لتلك البلدان مما يجعلهم يغيرون رأيهم فيقتنعون بالسياحة الداخلية، وبالذهاب للحرمين، وهي نعمة لو يعلمون كم من الملايين يتمنونها وتحترق قلوبهم عندما يرون الصلاة تنقل على الهواء مباشرة من هناك: لكان ذلك مما يجعلهم يغيرون نظرتهم وفكرهم حول السفر لتلك البقاع الطاهرة المقدسة.

 

والله أعلم.