الرئيسية بلوق الصفحة 223

تتساءل عن الزواج وهل هو باختيارها أو قدر الله لها

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين

أما بعد

سؤالي هو سؤال كل فتاة تأخرت في الزواج، وهو:

هل الزواج قسمة ونصيب؛ لأني سمعت من أحد المشايخ في القناة الفضائية يقول: لا بل هو اختيار، فكيف يكون كذلك وأنا لا أملك – مثلي مثل أي فتاة – هذا الحق في الاختيار، فأرجو من فضيلتك إفادتي أفادكم الله لما فيه خير وصواب، وأرجو تدعيم فتواكم بالقرآن أو السنة، وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن للإنسان دخلًا في زواجه، فهو يتزوج بمحض إرادته، ويبحث عمن تناسبه من ذوات الدين أو الجمال أو النسب، وهو يلام إن فرَّط في اختيار ذات الدين، ويؤجر إن أحسن الاختيار لنفسه ولأبنائه.

وليس يعني حرية اختياره للزوجة أنه لم يكن يعلم الله تعالى به أولًا، ويُكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فكل شيء قدَّره الله أزلًا كما قال تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ القمر / 49 ]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن أولَّ ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد ” رواه الترمذي ( 3319 ) وصححه، فليس هذا مختصًّا بالزواج وحده بل وفي كل أفعال الخلق.

والرزق قدَّره الله أزلًا وكتبه على عبده، ومع ذلك أُمر العبد بالسعي لتحصيله، وهو يبذل وسعه في حسن اختيار الوظيفة الملائمة من حيث العمل والراتب.

والأجل قدَّره الله تعالى أزلًا، وكتبه على عبده، ومع ذلك يسعى العبد لحفظ حياته بالبعد عن التهلكة، وأكل وشرب ما يلائم هذا الحفظ.

والسعادة والشقاوة قدَّرها الله تعالى أزلًا، وكتبهما على عباده، ومع ذلك لا يرضى الخلق لأنفسهم الشقاوة، ويسعون لتحصيل السعادة وبذل الأموال في تحصيلها.

وهكذا الأمر في الزواج، فهو وإن كان قد قدَّره الله عز وجل أزلًا، فإن هذا لا يعني أن لا يبذل الزوج الأسباب للزواج من ذات الدين، وهو بذلك يسعى لتحصيل مقصود الشرع.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” تُنكح المرأة لأربعٍ: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك” رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ).

والأمر كذلك بالنسبة للزوجة وأوليائها، فليس أول من يطرق باب الزواج يُزوَّج، بل لا بدَّ من اختيار صاحب الخلق والدين، والبحث والسؤال عمن يتقدم للزواج.

عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ” رواه الترمذي ( 1084 ) وحسنه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1868 ).

وقد عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان بن عفان وعلى أبي بكر الصدِّيق – رضي الله عنهما – كما رواه البخاري ( 3783 ).

وأما ما يتناقله بعض العامة من قول الله تعالى ” اسعَ يا عبدي وأنا أسعى معك ” فليس هو آية ولا حديثًا قدسيًّا، ومقصود الجملة صحيح، وهو الطلب من العبد أن يبذل الأسباب في الرزق والزواج وغيرهما.

 

والله أعلم.

بنى بيتًا بالقروض الربوية فكيف يتوب من ذلك؟

السؤال:

هناك من يعلم بأن القروض ذوات الفوائد هي ربا، ومع ذلك يأخذه ويبني منزلًا، وإن أراد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى كيف يتخلص من ذلك المنزل؟ هناك من يقول ذلك المنزل لا تجوز فيه الصلاة، هل لصاحب المنزل أن لا يصلي فيه أو حتى غيره؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الرّبا محرّم ساءً كان لبناء البيوت أو غيرها، والتوبة في الربا تختلف بين كونها من المرابي آكل الربا وبين كونها من المقترض بالربا، فإذا دفع المرابي المالَ لطالبه وأخذ منه أزيد مما أعطاه: فإن من تمام توبته إرجاع هذا الزائد إلى صاحبه.

وأما إن كانت التوبة من دافع الربا: فإنه لا يؤمر بمثل ما أُمر به آكل الربا، حيث كان دافعًا لا آكلًا, فلم يبق أمامه إلا التوبة النصوح، وهي أن يندم على ما فعل، ويتمنى أنه لم يفعل، وأن يعزم من كل قلبه على أن لا يعود لمثله، وأن يكثر من الطاعات، كالصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن؛ لقوله تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } [ هود / 114 ].

وعليه: فمن أخذ قرضًا ربويًّا لبناء مسكن أو شرائه: فإن الواجب عليه التخلص من العقد بإنهائه وإبطاله إن كان في أوله ولم تلزمه الزيادات الربوية، فإن ثبتت في ذمته واستقرت ولم يكن بدٌّ من دفعها، أو تاب بعد الانتهاء من دفعها جميعها: فليس يؤمر إلا بما ذكرناه من تحقيق شروط التوبة النصوح.

ولا يؤمر ببيع البيت ولا بتأجيره، وله أن يسكنه، وأن يصلي فيه من غير حرج.

* قال علماء اللجنة الدائمة – فيمن أخذ قرضًا ربويًّا وبنى به بيتًا ويسأل عن هدمه! -:

إذا كان الواقع كما ذكرتَ: فما حصل منك القرض بهذه الكيفية: حرام؛ لأنه ربا، وعليك التوبة والاستغفار من ذلك، والندم على ما وقع منك، والعزم على عدم العودة إلى مثله.

أما المنزل الذي بنيتَه: فلا تهدمه، بل انتفع به بالسكنى أو غيرها، ونرجو أن يغفر الله لك ما فرط منك. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / 411 ).

 

والله أعلم.

تفصيل أحكام الرهان، وإذا كان الشرط من جانب واحد.

السؤال:

اعلم بأن الشرط أو ما يسمَّى ” الرهان ” حرام ولكن إذا كان الشرط من جانب واحد فهل هو حرام؟ لي صديق قال لي: إذا ربحت بكذا وكذا فلك مني عشاء على حسابي، فقلت له: بأن الرهان من جانب واحد من الممكن أنه حرام. أرجو الإيضاح.

 

الجواب:

الحمد لله

المراهنة التي تجري بين الناس لها صور متعددة ، وهي تنتظم في خمس صور مشهورة:

الأولى: أن تكون مسابقة على عوض من أحد المتسابقين: بأن يقول – مثلًا -: عليَّ مائة دينار إن سبقتَني، أو يقول: عليك مائة ريال إن سبقتُك.

الثانية: أن يتسابقا على عوض من الطرفين: بأن يقول: إن سبقتني فعلي مائة دينار، وإن سبقتُك فعليك مائة دينار.

الثالثة: أن يتسابقا على عوضٍ من طرف خارج عنهما وفي أمورٍ مباحة غير محرمة.

الرابعة: أن يتسابقا على عمل غيرهم: بأن يتراهنا على فوز واحد بشخصه أو فريق بعينه.

الخامسة: التسابق على أمور مبغوضة للشرع محرمة، ولو كانت في أي صورة من الصور السابقة.

* أما أحكامها:

فالأولى منها: جائزة بلا خلاف يُذكر.

* سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ما حكم المسابقة إذا كانت في عِوض من أحد المتسابقين؟.

فأجاب:

حكمها الجواز، وتوضيح المسابقة: إذا كانت على عِوض من أحد المتسابقيْن أن يقول مثلًا: عليَّ مائة ريال إن سبقتني، أو يقول عليك مائة ريال إن سبقتُك.

” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).

وأما الثانية:

فالرهان فيها غير جاهز، ويشمل هذا – عند الجمهور – جميع الألعاب، وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى جوازه إذا كان في مسابقة الخيل والإبل والنصال، ومثله: كل ما يعين على الجهاد كالمسابقة بالمشي والسباحة والمصارعة، وهي من المحبوبات في الشرع مما يعين على تقوية البدن، وكذا في المسائل العلمية الشرعية.

وقول الشيخين هو الصواب، ولهم عليه أدلة كثيرة، منها: مراهنة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة في المصارعة، ومراهنة أبي بكر الصديق لقريش في غلبة الروم.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

المراهنة معلومة عند كثير من الناس، وهي أن يختلف اثنان في شيء فيقول أحدهما: إن كان الأمر على ما أقول: فعليك كذا وكذا – مما يسمونه -، وإن كان الأمر على ما تقول أنت: فعليَّ كذا وكذا – ويسمونه -.

وهذا محرَّم؛ لأنه من الميسر الذي قرنه الله عز وجل بالخمر، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }، وعلى هذا: فهذه المقامرة حرام، وتسمية بعض الناس لها حقًا لا يزيدها إلا قبحًا؛ لأنه جعل الباطل حقًّا وسمَّاه بغير اسمه، وأصبغ عليه صبغة الحل، فيكون كاذبًا فيما ادَّعاه، مخادعًا فيما أظهره، نسأل الله السلامة. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 434 ).

* وفي الاستثناء قال الشيخ – رحمه الله -:

أما إذا قال: إن سبقتَني فعليَّ مائة ريال، وإن سبقتُك فعليك مائة: فهذا لا يجوز إلا في الخيل والإِبل والسهام، لثبوت السنة بذلك.

” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).

* وقد ردَّ ابن القيم – رحمه الله – على من قال إن رهان الصدِّيق لقريش منسوخ بأية تحريم الميسر فقال:

ولا يصح أن يقال: إن قصة الصدِّيق منسوخة بتحريم القمار؛ فإن القمار حُرِّم مع تحريم الخمر في آية واحدة، والخمر حُرِّمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بني النضير، وكان ذلك بعد أحد بأشهر، وأحد كانت في شوال سنة ثلاث بغير خلاف … وهذه الغلبة من الروم لفارس كانت عام الحديبية بلا شك …

” الفروسية ” ( ص 207 ).

* وقال – رحمه الله -:

وهذه المراهنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه هي من الجهاد الذي يُظهر الله به دينه ويعزه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناة في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة جنسها يُعد للجهاد بخلاف جنس الصراع، فإنه لم يعد للجهاد، وإنما يصير مشابهًا للجهاد إذا تضمن نصرة الحق وإعلائه، كصراع النبي صلى الله عليه وسلم ركانة.

وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أريد بها الفخر والعلو في الأرض وظلم الناس كانت مذمومة، فالصراع والسباق بالأقدام ونحوها إذا قصد به نصر الإسلام كان طاعة، وكان أخذ السَبَق به حينئذ أخذًا بالحق لا بالباطل.

” الفروسية ” ( ص 203 ، 204 ).

والثالثة:

جائزة أيضًا.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

وإذا كان العوض من طرف ثالث لم يشارك المتسابقين: فهذا لا بأس به في المسابقات الجائزة غير المحرّمة، مثل أن يقول: تسابقوا على الأقدام والذي يسبق منكم له مائة ريال، أو تصارعوا والذي يصرع منكم له مائة ريال: فهذا لا بأس به؛ لأنه يعتبر مكافأة، وتشجيعًا. ” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال 65 ).

وأما الرابعة:

فمعاملة محرمة؛ وهي ميسر واضح، وكل طرف إما أن يكون غانمًا أو غارمًا، ولن يكون سالمًا، وهو ما يضبط معاملة الميسر، وهم لم يشاركوا بأبدانهم فلا استثناء لهم.

وأما الخامسة:

فالمعاملة محرمة – أيضًا – لحرمة اللعبة ذاتها حتى لو لم يكن فيها رهان.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

كثيرًا ما نلعب مع بعض ذوي الأموال الكثيرة الورق ” البلوت “، والفائز منا يعطيه هؤلاء 200 ريال فهل هذا حرام ومن القمار؟.

فأجاب:

هذه اللعبة على الوجه المذكور حرام ومن القمار، والقمار هو الميسر المذكور في قوله سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } [ المائدة / 90 ، 91 ]، فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله ويحذر هذه اللعبة وغيرها من أنواع القمار، ليفوز بالفلاح وحسن العاقبة والسلامة مما يترتب على هذه اللعبة من الشرور الكثيرة المذكورة في الآيتين.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 388 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

– المغالبات ثلاثة أنواع:

  1. فما كان معينًا على ما أمر الله به في قوله: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } : جاز بجُعل وبغير جُعل.
  2. وما كان مفضيًا إلى ما نهى الله عنه كالنرد والشطرنج: فمنهي عنه بجُعل وبغير جُعل.
  3. وما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة راجحة كالمسابقة والمصارعة: جاز بلا جعل.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 227 ).

 

والله أعلم.

حكم الدم الذي يسبق دم الحيض

السؤال:

ما حكم الدم الذي يسبق دم الحيض الغزير هل يبطل الصلاة أم الصلاة تبطل عند رؤية الدم الغزير؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما ترينه من دم قبل العادة الشهرية إن كان غير متصل بدم الدورة: فليس هو دم حيض، بل هو استحاضة، ويجب عليكِ الصلاة والصيام ويحرم الانقطاع عنهما من أجله، وإن كان متصلًا بدم الدورة فهو دم حيض تحرم معه الصلاة والصيام والجماع.

ومن حيث العموم: فإن معرفتكِ لصفات دم الحيض تريحك من عناء السؤال وترفع عنكِ الإشكال، فإذا كان ما رأيتيه مطابقًا لهذه الصفات فهو دم حيض تحرم معه الصلاة والصيام، وما كان غيره فهو دم استحاضة – وهو ما تسميه النساء ” النزيف ” – وهو لا يمنع الصلاة ولا الصيام ولا الجماع.

 

والله أعلم.

قضاء الدَّين عن الميت من قبل الورثة، والتفريط في الأمانة

السؤال:

أنا شاب توفي والدي رحمه الله وأنا المسئول عن أهلي وأموالهم وعندما توفي كان في ذمته دين فقضينا ما نعرفه منه، وبعد فترة وجدنا في أوراقه الخاصة أموالًا لأشخاص لا نعرفهم، وليس لدينا ما نسددهم به، فبحثت عن بعضهم ووجدتهم وسامحوا والبعض الآخر لا زلت أبحث عنهم، ولقد تحملت المبلغ في ذمتي، فهل هذا جائز على الرغم من أنهم لا يعرفونني حتى يقبلوا بتحملي للمبلغ؟ وكما أخبرتكم بأنني المتصرف في أموال أسرتي وأنا للحق لم أحفظ الأمانة كما يجب, وأهلي يقولون لي خذ ما تحتاجه بقدر الضرورة، ولكي أكون صادقا فلقد تجاوزت حد الضرورة إلى اللعب على غير الوجه الصحيح, وأنا والله العظيم أريد إبراء ذمتي، وأريد أن أتوب لوجه الله وأستقيم، ووالله إنني صادق وأرى أن ما شرحت لكم يقف في طريق توبتي وإنابتي لله وإبراء ذمتي، أفيدوني في الحالتين التي شرحت لكم، جزاكم الله كل خير عن المسلمين والمسلمات في كل زمان ومكان.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب على الأبناء بر والديهم في الحياة وبعد الممات، ومن برّهم بعد الممات قضاء ديونهم، وإرجاع الحقوق إلى أهلها.

فإن كان للوالد مال تركه فلا يجوز للورثة أخذ نصيبهم قبل قضاء الدين، وهو مقدم على الوصية، فيكون ترتيب الواجب: الدَّين ثم الوصية ثم الميراث.

وإذا لم يترك الوالد مالًا وكان في ذمته حقوق للآخرين: فمن عفا عن حقه منهم: فخير يقدمه لنفسه ولوالدك.

* قال ابن القيم:

وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأحله منه: أنه ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحي.

فإذا سقط من ذمة الحي بالنص والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه ولو لم يرض به بل ردّه: فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه: أولى وأحرى.

” الروح ” ( ص 121 ، 122 ).

ومن طلب حقَّه: فلا يجب عليكم قضاء ديونه إلا من ماله، فإن لم يكن له مال: فلكم أن تتكفلوا بديْنه برًّا به.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن ديْن الميت لا يجب على الورثة قضاؤه، لكن يُقضى من تركته، ولا يجب على أحدٍ فعل ما وجب على الميت من نذر. ” منهاج السنة ” ( 5 / 232 ).

ولتعلم أن مجرد تكفلك بالدَّيْن لا يبرئ ذمة والدك إلا أن تقضيه، وهو قول الجمهور.

عن جابر قال: توفي رجل فغسلناه وحنطناه وكفناه ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه فقلنا تصلي عليه؟ فخطا خطى ثم قال: أعليه ديْن؟ قلنا: ديناران، فانصرف فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحق الغريم وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم، فصلَّى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: لقد قضيتهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن بردت عليه جلده. رواه أحمد ( 14127 )، وحسنه الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 127 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1812 ).

وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن سيرين والظاهرية: إن الكفالة توجب براءة الأصيل وينتقل الحق إلى ذمة الكفيل فلا يملك الدائن مطالبة الأصيل أصلا كما في الحوالة، واحتجوا بأدلة منها:

أ. قصة ضمان أبي قتادة رضي الله عنه الدينارين عن الميت؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ” أحق الغريم وبرئ منهما الميت؟ “.

قالوا: فدل هذا على أن المضمون عنه بريء من الضمان.

ب. عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتي بالجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه، فإن قيل عليه دين كف عن الصلاة عليه، وإن قيل ليس عليه دين صلى عليه، فأُتي بجنازة، فلما قام ليكبر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه: ” هل على صاحبكم دين؟ ” قالوا: ديناران، فعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وقال: ” صلوا على صاحبكم “، فقال علي رضي الله عنه: هما علي يا رسول الله برئ منهما، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه، ثم قال لعلي بن أبي طالب: ” جزاك الله خيرًا فكَّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة “، فقال بعضهم: هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: ” بل للمسلمين عامة “.

رواه الدارقطني ( 3 / 46 ).

ج. واحتجوا بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل صاحب الدَّين لما تكفل أبو قتادة بديْنه.

والجواب عن هذا:

أ. الكفالة معناها ضم ذمة في حق المطالبة أو في حق أصل الدين على خلاف السابق والبراءة تنافي الضم، ولو أن الكفالة كانت مبرأة: لكانت حوالة، وهما متغايران؛ لأن تغاير الأسماء دليل تغاير المعاني والأحكام في الأصل.

ب. وأما حديث علي فهو حديث ضعيف جدًّا، كما في ” ضعيف الترغيب ” ( 1134 )، ورواه البيهقي ( 6 / 73 ) وقال: والروايات في تحمل أبي قتادة دين الميت أصح.

ج. وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المضمون عنه: فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ضُمن عنه ذلك: فكه عن ذلك المنع، ولأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما امتنع عن الصلاة على مدين لم يخلف وفاء.

واحتجَّ الجمهور بأدلة، منها:

أ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” نفْس المؤمن معلَّقة بدينه حتى يقضى عنه “. رواه الترمذي ( 1079 ) وحسَّنه، وابن ماجه ( 2413 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1811 ).

ب. قوله عليه الصلاة والسلام في قصة أبي قتادة: ” الآن بردت عليه جلدته ” حين أخبره أنه قضى دينه.

وننصحك – أخي-  بتقوى الله تعالى، وعدم تبذير المال فيما سيرجع عليك ضرره في الدنيا والآخرة، ولتعلم أنك مسئول عن رعية ويجب عليك أن تؤدي الأمانة على وجهها الصحيح، وأن تبذل ما في وسعك لدلالتهم على الخير وتحذيرهم من الشر.

وننصحك بمتابعة البحث عن أصحاب الحقوق لأدائها لهم، وابذل ما في وسعك، فإن تمَّ لك ما تريد فذاك، وإلا فلا حرج عليك ولا تثريب، وتصدَّق بمبالغهم عنهم، فإن ظهروا خيِّروا بين إمضاء صدقتك عنهم ومطالبتك، فإن اختاروا مالهم كانت الصدقة لك، وإن اختاروا إمضاء الصدقة أُجروا وبرئت ذمتك.

 

والله أعلم.

هل يجوز لمن أراد السفر أن يصبح مفطرًا؟

السؤال:

يوم رمضان كان 06- 11 – 2002، وكنت في موريتانيا ومسافر إلى مصر في نفس اليوم، لكنني لم أصم بالرغم من أن الشمس ظهرت علي وأنا لا زلت في موريتانيا، وسافرت في نفس اليوم ظهرًا في الطائرة إلى مصر، مع أنه لدي ترانزيت في تونس، ولم أصم كذلك اليوم الذي أمضيت في تونس، وعندما وصلت إلى مصر أكملت صومي لرمضان حيث صمت 28 يومًا الباقية، لكنني اكتشفت أن عليَّ كفارة دون قصد إنما هو جهل فقط مع العلم بأنني مالكي (مذهب الإمام مالك ) فهل هذه كفارة حقيقية؟ فهل أطعم 60 مسكينًا، أم أطعم عن اليومين فقط؟.

أرجو الإفادة أفادكم الله وسدد خطاكم.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس عليكَ كفارة في اليوم الثاني الذي أفطرت فيه في تونس بسبب السفر؛ لقوله تعالى { وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [ البقرة / 184 ].

– وأما اليوم الأول والذي أفطرتَ فيه ظهرًا قبل سفرك: ففيه خلاف بين أهل العلم:

فالجمهور على أن من أصبح صائمًا ثم سافر فليس له أن يفطر يومه ذاك، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة.

وذهب أحمد وإسحق بن راهويه ورجحه المزني من الشافعية إلى جواز الفطر لمن نوى الصيام ثم سافر في النهار، لكنه قال: لا يفطر إلا إذا جاوز البنيان، وهذا القول هو الأصوب والأحوط.

* قال الحافظ ابن حجر:

لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور، قال أحمد وإسحق: بالجواز، واختاره المزني “.

” فتح الباري ” ( 4 / 181 ).

وذهب أنس بن مالك والحسن البصري – وإسحاق بن راهويه في قول آخر – إلى جواز الفطر قبل مغادرة البنيان لمن جزم بالسفر وأعدَّ راحلته.

– ولقولهما المروي عنهما دليل لكنه لا يصح.

عن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت: سنة قال: سنة ثم ركب.

رواه الترمذي ( 799 )، وهو حديث متكلم فيه، وقد صححه الشيخ الألباني في رسالة خاصة، وقال بمقتضاه.

– لكن الفقهاء اتفقوا على عدم جواز تبييت النية للفطر قبل أن يسافر.

* قال ابن عبد البر:

واتفق الفقهاء في المسافر في رمضان أنه لا يجوز له أن يبيِّت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافراً بالنيَّة، وإنما يكون مسافرًا بالعمل، والنهوض في سفره، وليست النية في السفر كالنية في الإقامة؛ لأن المسافر إذا نوى الإقامة: كان مقيمًا في الحين؛ لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل، والمقيم إذا نوى أن يسافر: لم يكن مسافرًا حتى يأخذ في السفر ويعمل عمل المسافر ويبرز عن الحضر: فيجوز له حينئذ تقصير الصلاة وأحكام المسافر. ” التمهيد ” ( 22 / 49 ).

فإن كنتَ ترى قول أنس والحسن وأفطرتَ بناء على ترجيحك لهذا القول: فلا شيء عليك، لا لإثم ولا كفارة، وعليك القضاء، وإن كنتَ ترى قول أحمد – وأولى أن تكون ترى رأي مالك! – وتعلم أنه هو الصواب: فعليك الإثم، ولا كفارة مقابل إفطارك؛ لأنك تعمدت نقض الصوم، وليس على من أخر الصلاة أو الصيام عن وقتهما قضاء ولا كفارة، وعليك التوبة النصوح من فعلك.

وإن كنتَ جاهلًا ولا تدري عن الحكم: فلا إثم عليك – إن شاء الله -، وعليك القضاء لذلك اليوم احتياطًا.

وكبار علماء المالكية – كابن عبد البر وابن العربي والقرطبي – لا يرون الكفارة، وهو الصواب الذي لا ينبغي غيره، خلافًا لبعض علمائهم.

والشيخ ابن عثيمين رحمه الله: يرى عدم جواز الفطر قبل تجاوز البنيان، ويرى أن أفطر بطعام وشراب أن عليه الإثم والقضاء، ومن أفطر بجماع أن عليه الإثم والكفارة والقضاء.

ولما قيل له ما ورد عن أنس رضي الله عنه قال:

ورد عن أنس رضي الله عنه في الفسطاط أنه أراد أن يسافر والسفينة على الشاطئ أتى بسفرته وأفطر، لكن هذا خلاف ما عليه عامة الصحابة، والله عز وجل يقول: { أو على سفر }.

هذا الرجل إن كان طالبَ علم، وفهِم من هذا الحديث أنه جائز: فليس عليه شيء. ” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال رقم 781 ).

 

والله أعلم.

شراء أسهم بطريقة غير شرعية

السؤال:

ما حكم شراء الأسهم عن طريق الشركة ثم بيعها كذلك عن طريقها واستلام المبلغ منهم ثم تسديده عن طريق الأقساط الشهرية بالزيادة؟.

مثال: اشتروا لي أسهمًا بمبلغ 50,000 وباعوها بمبلغ 49,000 واستلمت هذا المبلغ بشرط تسديدهم56,000 على أقساط شهرية.

 

الجواب:

الحمد لله

إن المحذورات في بيع وشراء الأسهم متعددة كثيرة، ومنها شراء أسهم الشركات التي تتاجر بالمحرمات، أو المؤسسات الربوية، أو في شركات تضيف إلى أرباحها فوائد البنوك التي تودع أموالها فيها.

ومن المحرمات – كذلك -: الشراء ممن لا يملك، والبيع لما لا يُملَك، وعدم دفع الثمن في مجلس العقد للتحايل في الحصول على النقد مقابل دفع أكثر مما قبض، وهو ما يسمَّى ” بيع العينة “، وهو المشار إليه في السؤال، إذ هو لم يدفع الـ ( 50,000 ) إنما كانت في الذمة، وتوصل بها إلى أن قبض ( 49,000 ) مقابل دفع فائدة ربوية قدرها ( 7000 ).

أو يدخل في بيع ” الدَّين بالدَّين “، وهو محرَّم أيضًا، قال ابن المنذر – كما في ” المغني ” ( 4 / 52 ) -: أجمع أهل العلم على أن بيع الدَّيْن بالدَّيْن لا يجوز، وقال أحمد: إنما هو إجماع.

– ولعل المحاذير الأخرى موجودة في هذه المعاملة كذلك.

وقد ذكرت فتوى مفصَّلة للمجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي المخالفات الشرعية التي يُجرى تداولها في بيع وشراء الأسهم في البوصلة، ومما ذكروه مما يتعلق بالسؤال:

خامسًا:

إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف – أي: على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع – بالكيفية التي تجري في السوق المالية ( البورصة ): غير جائزةٍ شرعًا لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك اعتمادًا على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلِّمه في الموعد، وهذا منهيٌّ عنه شرعًا لما صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ” لا تبع ما ليس عندك “، وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم “.

سادسًا:

ليست العقود الآجلة في السوق المالية ( البورصة ) من قبيل بيع السلم الجائز في الشريعة الإسلامية، وذلك للفرق بينهما من وجهين:

أ . في السوق المالية ( البورصة ) لا يُدفع الثمن في العقود الآجلة في مجلس العقد، وإنما يؤجل دفع الثمن إلى موعد التصفية، بينما الثمن في بيع السلَم يجب أن يدفع في مجلس العقد.

ب . في السوق المالية ( البورصة ) تُباع السلعة المتعاقد عليها وهي في ذمة البائع الأول وقبل أن يحوزها المشتري الأول عدة بيوعات، وليس الغرض من ذلك إلا قبض أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشترين غير الفعليين مخاطرة منهم على الكسب والربح كالمقامرة سواء بسواء، بينما لا يجوز بيع المبيع في عقد السلم قبل قبضه.

” فتوى لمجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ” ( مكة ) القرار الأول، الدورة السابعة.

 

والله أعلم.

حكم السحب من غير مصدر بطاقة الائتمان

السؤال:

لقد قرأت في أحد المنتديات عن حرمة استخدام صراف ليس بتابع لبنكك وذلك بسبب الفائدة الربوية في ذلك، وأنا أدرس في بلد أجنبي وملزم بإيداع أموالي في هذه البنوك الربوية، فما حكم هذا؟.

ثانيًا: بنكي هذا لديه حساب خاص للطلاب بحيث هناك لا ضرائب للحساب الطلابي, وهذا البنك بعيد عن مسكني، وفي الغالب أضطر إلى استخدام صراف آخر ويأخذون مني مبلغًا معينًا، وما حكم هذا أيضًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الواجب على المسلم ترك التعامل مع البنوك الربوية وهجرها، وتحويل أمواله إلى مؤسسات إسلامية، أو استثمارها فيما يعود عليه بالنفع.

ويحرم على المسلم الإقامة في بلاد الكفر، كما يحرم عليه الدراسة في أماكن الاختلاط، وقد بيَّنا هذا كله في كثير من الإجابات في هذا الموقع فلتنظر.

ثانيًا:

اختلف أهل العلم المعاصرون في جواز سحب المال من غير مصدر البطاقة، فقال بعضهم بحرمة هذا الفعل، قائلين إن العقد يشتمل على قرض وحوالة، وأن البنك المسحوب منه غير مصدر البطاقة يستوفي مبلغًا لقاء تمكين صاحب البطاقة من السحب منه، وهذا المبلغ يستوفيه البنك من البنك الذي أصدر البطاقة.

ويرى آخرون جواز هذا التعامل، قائلين إن هذه المعاملة هي حوالة فقط، وإن البنك الذي مكنك من السحب إنما يستوفي أجرةً على تحويل المبلغ لا على إقراضك، مضافًا إليه أجرة استخدام الجهاز وكلفة الكهرباء وخدمة المعلومات التي يزود بها البنكُ صاحبُ الصرافِ صاحبَ البطاقةِ من كشف حساب أو سداد فواتير أو غيرها من الخدمات.

ولعل هذا القول هو الأقرب للصواب، وهو المتوافق مع الأصل في المعاملة وهو الحل، وهو المتوافق مع جاءت به الشريعة من يسر وسهولة، والمحذور هو أخذ نسبة على المبالغ المسحوبة، تتغير بتغير المبلغ، وهذا هو الربا، أما أخذ عمولة ثابتة مقابل أي سحب نقدي من بنوك أخرى: فقد صدر قرار من ” المجمع الفقهي ” بجوازه.

* ونص القرار ويحمل الرقم ( 108 ) ( 2 / 12 ):

أولًا: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازمًا على السداد ضمن فترة السماح المجاني.

ثانيًا: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدين.

ويتفرع على ذلك:

أ. جواز أخذ مصدرها من العميل رسومًا مقطوعة عند الإصدار أو التجديد، بصفتها أجرًا فعليًّا على قدر الخدمات المقدمة منه.

ب. جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه، شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد.

ثالثًا: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراضًا من مصدرها، ولا حرج فيه شرعًا إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة، وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعًا كما نص على ذلك المجمع في قراره رقم 13 ( 10 / 2 ) و ( 13 ( 1 / 3  ).

رابعًا: لا يجوز شراء الذهب والفضة وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة.

انتهى.

ثالثًا:

ويجب أن يكون تعامل الاشتراك شرعيًّا، فلا يجوز أن يشترك في بطاقة تمكنه من السحب من غير أن يكون له رصيد، ليأخذ البنك منه فائدة ربوية على تمكنيه من السحب بما يشاء، أو إلى سقف محدد.

 

والله أعلم.

حكم لقَطة الحرَم

السؤال:

كنت في عمرة ثم وجدت مبلغًا من المال 15 ريال في الغرفة التي أقيم فيها لأبحث عن صاحب المال ولم أجده، وعندما رجعت إلى الرياض تبين لي أنه لا يجوز أخذها فكيف أتصرف فيها الآن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف الفقهاء في لقطة الحرم, فقال الحنفية والمالكية والحنابلة- وهي إحدى الروايتين عن الشافعي- أنها كلقطة الحل, وظاهر كلام أحمد- وهو إحدى الروايتين عن الشافعي-: أن من التقط لقطة من الحرم كان عليه أن يعرِّفها أبدًا حتى يأتي صاحبها; لقوله صلى الله عليه وسلم– كما رواه البخاري ( 1510 ) ومسلم ( 1353 )– من حديث ابن عباس: ” لا تلتقط لقطته إلا من عرفها “، وفي لفظ: ” ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد “– رواه البخاري ( 112 ) ومسلم ( 1355 )– من حديث أبي هريرة.

– وهذا القول: هو الصحيح.

* قال ابن القيم:

وقوله ” ولا يلتقط ساقطتها إلا من عرَّفها ” وفي لفظ ” ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد “: فيه دليل على أن لقطة الحرم لا تملَّك بحال، وأنها لا تُلتقط إلا للتعريف لا للتمليك، وإلا لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا، وقد اختُلف في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحل والحرم سواء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي، ويروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، وقال أحمد- في الرواية الأخرى- والشافعي- في القول الآخر-: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها عرَّفها أبدًا حتى يأتي صاحبها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي وأبي عبيد، وهذا هو الصحيح، والحديث صريح فيه، والمنشد: المعرِّف، والناشد: الطالب ومنه قوله: ” إصاخة الناشد للمنشد “، وقد روى أبو داود في سننه– ( 1719 )- أن النبي صلى الله عليه وسلم ” نهى عن  لقطة   الحاج “، وقال ابن وهب: يعني يترُكها حتى يجدها صاحبها.

قال شيخنا – أي: ابن تيمية -: وهذا من خصائص مكة، والفرق بينها وبين سائر الآفاق في ذلك: أن الناس يتفرقون عنها إلى الأقطار المختلفة، فلا يتمكن صاحب الضالة من طلبها والسؤال عنها، بخلاف غيرها من البلاد.

” زاد المعاد ” ( 3 / 453 ، 454 ).

*  سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما حكم لقطة الحرم؟ وهل يجوز أن يعطيها للفقراء؟ أو ينفقها في بناء مسجد مثلًا؟.

فأجاب:

الواجب على من وجد لقطة في الحرم أن لا يتبرع بها لمسجد، ولا يعطيها الفقراء ولا غيرهم، بل يعرفها دائما في الحرم في مجامع الناس قائلًا: من له الدراهم من له الذهب، من له كذا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تحل ساقطتها إلا لمعرف ” وفي رواية إلا لمنشد وهو الذي ينادي عليها، وكذلك حرم المدينة، وإن تركها في مكانها فلا بأس وإن سلمها للجنة الرسمية التي قد وكلت لها الدولة حفظ اللقطة برئت ذمته. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 398 ).

* وفي موضع آخر قال الشيخ – رحمه الله -:

لقطة الحرم لا يحل أخذها إلا لمن يعرف بها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” ولا تحل ساقطتها إلا لمعرِّف ” متفق على صحته.

والواجب على المذكور أن يرد اللقطة المذكورة إلى المحكمة الكبرى بمكة حتى تسلمها للجنة المكلفة بلقط الحرم، وبذلك تبرأ ذمته، مع التوبة إلى الله سبحانه من التقصير إذا كان لم يعرِّفها في المدة الماضية. ” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 10 ).

 

والله أعلم.

حكم المشاركة في الجهاد لغير الملتزم.

السؤال:

أخي يريد الذهاب للجهاد مع أنه ليس ملتزمًا كل الالتزام، ولكنه يقول إذا ذهبت للجهاد وغيرت بيئتي فسوف أتغير، فهل نسمح له بالجهاد مع العلم أن والداي متوفيان، ولكن إخواني الكبار رافضين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا حرج من ذهاب ناقص الإيمان والمتلبس بالمعاصي إلى الجهاد في سبيل الله، وتكملة نقص الإيمان يكون بأداء الواجب وفعل الطاعات – مع ترك المعاصي – والذاهب للجهاد قائم بطاعة يُرجى أن يُكمل به نقصه، ويمكن الاستدلال على صحة ما نقول ببعض أدلة، منها:

أ. أنه لا يستطيع أحد أن ينفي مخاطبة ناقص الإيمان بأوامر الله تعالى التي تدعو إلى الجهاد أو إلى الإعداد له؛ وذلك مثل الخطاب بالصلاة والصيام، فلا فرق بين قوله تعالى { كتب عليكم الصيام } وبين قوله { كتب عليكم القتال }.

ب. والمسلم يبحث عن طاعة تزيد من إيمانه، وتكفر عن سيئاته وتغسل أثر ذنوبه، والجهاد من الطاعات التي ترفع أهله وتكفر سيئاته، قال الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الصف / 10 – 13 ].

فالمسلم المبتلى بفعل المعاصي أولى أن يُحثَّ على الذهاب إلى الجهاد، وأن يُسهَّل له أمره؛ فبه يغسل أثر ذنوبه، وتُكفَّر عنه سيئاته.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

ومن كان كثير الذنوب: فأعظم دوائه: الجهاد؛ فإن الله عز وجل يغفر ذنوبه، كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: { يغفر لكم ذنوبكم }.

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 421 ).

ج. وفي السنَّة الصحيحة إشارة صريحة إلى مشاركة العاصي والفاسق في الجهاد، بل وانتفاع الإسلام والمسلمين بهذه المشاركة.

– عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم  “. رواه البخاري ( 2897 ) ومسلم ( 111 ).

د. وقصة أبي محجن رضي الله عنه في ” القادسية ” مع سعد بن أبي وقاص دليل على ما قلناه من أن المعصية لا تمنع من القتال والجهاد.

والقصة معروفة مشهورة صحيحة السند، وقد صححها الحافظ ابن حجر في ” الإصابة ” ( 4 / 173 )، وفيها أن أبا محجن كان يشرب الخمر، وكان مأسورًا، فأطلقته ابنة سعد بن أبي وقاص ليجاهد على أن يرجع إلى الأسر، فأبلى بلاء حسنًا في قتال أهل الكفر، فلما انتهى القتال رجع إلى القيد والأسر، فلم يقِم عليه سعدٌ رضي الله عنه الحدَّ، فترك أبو محجن شرب الخمر ولم يعُد إليها.

فانظر إلى هذا المبتلى بمعصية شرب الخمر، وكيف أنها لم تمنعه من المشاركة في قتال الكفار، بل إن الجهاد كان سببًا لترك إقامة الحدِّ؛ وذلك لشدة بلائه في جهاده.

* قال ابن القيم رحمه الله:

والظاهر أن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى؛ فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد؛ لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة، وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال، إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت.

” إعلام الموقعين ” ( 3 / 18 ، 19 ).

والخلاصة: أنه لا مانع شرعًا من مشاركة غير الملتزم أو المتلبس بالمعصية في جهاد فرض الكفاية، ولعل الله تعالى يكفر عنه سيئاته ويغفر له ذنبه، ويتقبله في الشهداء، ولا يجب عليه استئذان أشقاءه، والاستئذان لا يكون إلا من الوالدين.

 

والله أعلم.