الرئيسية بلوق الصفحة 2

الصفات

بسم الله الرحمن الرحيم

فوائد وقواعد ومسائل من كتب شيخ الإسلام

قال – رحمه الله -:

فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه فيعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات ونحو ذلك.

كما يعلم أن له ربا وخالقا ومعبودا ولا يعلم كنه شيء من ذلك بل غاية علم الخلق هكذا يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب.

قلت له: أفيجوز أن يقال إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير؟ فقال: هذا لا يمكن.

فقلت له: من قال إن الظاهر غير مراد بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة قلنا له أصبت في المعنى لكن أخطأت في اللفظ وأوهمت البدعة وجعلت للجهمية طريقا إلى غرضهم وكان يمكنك أن تقول تمُر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله – تعالى -ليست كصفات المخلوقين وأنه منـزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه.

ومن قال الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وبعض الأشعرية وغيرهم فقد أخطأ.

ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إن له صفات سبعا الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر وينفون ما عداها وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفى ما سواها وغلاتهم يقطعون بنفى ما سواها.

وأما المعتزلة فإنهم ينفون الصفات مطلقا ويثبتون أحكامها وهى ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير وأما كونه مريدا متكلما فعندهم أنها صفات حادثة أو إضافية أو عدمية وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس حيث زعموا أن الصفات كلها ترجع إلى سلب أو إضافة أو مركب من سلب وإضافة فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل.

ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصراً نافذاً وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله ولهذا كانوا يقولون إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه ويقولون إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة والأشعرية مخانيث المعتزلة.

وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور والأشعرية الجهمية الإناث ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية وأما من قال منهم بكتاب \”الإبانة\” الذي صنفه الأشعرى في آخر عمره ولم يُظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة لكن مجرد الانتساب إلى الأشعرى بدعة لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب شر..أ.هـ

مجموع الفتاوى (6/258-260) .

من مقالات موقع مداد – 27 شوال 1428 (08-11-2007)

التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

التوبة نوعان واجبة ومستحبة

فالواجبة هي التوبة من ترك مأمور أو فعل محظور وهذه واجبة على جميع المكلفين كما أمرهم الله بذلك في كتابه وعلى ألسنة رسله.

والمستحبة هي التوبة من ترك المستحبات وفعل المكروهات.

فمن اقتصر على التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين، ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين، ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين إما الكافرين وإما الفاسقين قال الله – تعالى -: {وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم} سورة الواقعة 7 12، وقال تعالى: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنـزل من حميم وتصلية جحيم} [سورة الواقعة 88 -94]، وقال تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [سورة فاطر 32]، وقال – تعالى -: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} [سورة الإنسان 3-6]، وقال: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين – إلى قوله – كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون -إلى قوله- ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون} [سورة المطففين 7- 28].

قال ابن عباس: تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشرب بها المقربون صرفا.

والتوبة رجوعٌ عما تاب منه إلى ما تاب إليه. فالتوبة المشروعة هي الرجوع إلى الله وإلى فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وليست التوبة من فعل السيئات فقط كما يظن كثير من الجهال لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من القبائح كالفواحش والمظالم، بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من التوبة من فعل السيئات المنهي عنها، فأكثر الخلق يتركون كثيرا مما أمرهم الله به من أقوال القلوب وأعمالها وأقوال البدن وأعماله وقد لا يعلمون أن ذلك مما أمروا به أو يعلمون الحق ولا يتبعونه فيكونون إما ضالين بعدم العلم النافع وإما مغضوبا عليهم بمعاندة الحق بعد معرفته.

وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يدعوه في كل صلاة بقوله: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ولهذا نزه الله نبيه عن هذين فقال تعالى: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما عند عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [سورة النجم 1- 4].

فالضال الذي لا يعلم الحق بل يظن أنه على الحق وهو جاهل به كما عليه النصارى قال تعالى: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [سورة المائدة 77].

والغاوي الذي يتبع هواه وشهواته مع علمه بأن ذلك خلاف الحق كما عليه اليهود قال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} [سورة الأعراف 146]، وقال – تعالى -: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث}..الآية [سورة الأعراف 175- 176].

مجموع الرسائل والمسائل (2/227-229)

من مقالات موقع مداد – 27 شوال 1428 (08-11-2007)

نبذة مختصرة عن حياة إحسان العتيبي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

هذه نبذة مختصرة عن حياة شيخنا الشخصية، أسأل الله أن يثبته على دينه، وقد استفدت منه بعضها ولم يمنع من الجواب على أن لا يكون فيها إلا المعلومات المجردة.

  1. الاسم: إحسـان بن محمـد بن عايـش العتيـبي، أبو طارق.
  2. المواليد: فلسطين، والإقامة الطويلة: الكويت، والجنسية: أردنية، والأصل: من الطائف، مواليد 1965 م.
  3. دراسته الأكاديمية: بكالوريس شريعة من كلية الدعوة الإسلامية في \” لبنان \”.
  4. سنة التخرج: 1982 م، مدرسة أنس بن مالك، خيطان.
  5. درس سنة في كلية جامعية متوسطة -هندسة مدنية – ولم يكمل لعدم رغبته في هذا النوع من الدراسة.
  6. عمل في وزارة الأوقاف الكويتية مؤذناً، وإماماً وخطيباً متطوعاً – منذ عام 1985 م إلى عام 1989 م، وقد أنهت الوزارة عمله بسبب خطبة جمعة تكلم فيها عن محمد الغزالي وكتابه السيء \” السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث \”.
  7. درس خلال تلك الفترة على الشيخ عمر الأشقر في جامعة الكويت مستمعاً، وكان بفضل الله من أبرز طلبته، ومعه بحوث كلفه بكتابتها، وامتحانات عقدها لطلبته وعليها توقيع الشيخ وثناؤه.

وكانت دروسه على مدى عامين، وفي مادة (تفسير آيات الأحكام).

ودرس كذلك على أخيه الشيخ محمد الأشقر، وكانت المادة \” الفقه الحنبلي \” وكانت من كتاب \” نيل المآرب \” ولم ينته الكتاب بسبب أزمة الخليج.

وكانت الدراسة في مسجده في الكويت مسجد العدواني -.

ودرس في جامعة الكويت مستمعاً أيضاً على الدكتور عبد العال سالم مكرم مادة \” النحو \”.

  1. ودرس على أبرز طلبة العلم في الكويت كثيراً من كتب العقيدة والفقه، وقطعة من \” سنن الترمذي \” مع تخريج أحاديث كل باب، وكذا \” الإحكام في أصول الأحكام \”، و \” زاد المعاد \” لابن القيم.
  2. وكان شيخنا يعتبر أن شيخه الأكثر إفادة له هو الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -، حيث استفاد من أشرطته جدّاً، فسمع له \” شرح كتاب التوحيد \” و \” شرح العقيدة الواسطية \” و \” شرح مقدمة التفسير \” و \” تفسير سورة سبأ \” و \” شرح كتابه الأصول من علم الأصول \” و \” شرح المقدمة الآجرومية \” ومجموعة كبيرة متفرقة من \” شرح بلوغ المرام \” و \” شرح زاد المستقنع \” وغيرها.

والذي يحضر لشيخنا ويسمع له يعرف تأثره بالشيخ ابن عثيمين طريقة وعلماً واختياراً.

  1. وقد قام بفضل الله بتدريس كتب كثيرة بعد قدومه للأردن بعد انتهاء أزمة الخليج وعلى مدى عشر سنوات، ومنها:
  2. \” كتاب التوحيد \”.
  3. \” العقيدة الواسطية \”.
  4. \” الأصول من علم الأصول \” مرتين -.
  5. \” عمدة الأحكام \” إلا البابين الأخيرين وقد درست عليه أوله.
  6. \” الروضة الندية \”.
  7. \” مقدمة أصول التفسير \”.
  8. شرح سورة البقرة وآل عمران.
  9. شرح سورة الأنعام.
  10. شرح سورة سبأ.
  11. \” روائع البيان في تفسير آيات الأحكام \” للصابوني مرتين مع التنبيه على أخطاء المؤلف، وقد أعلن شيخنا عن وجود كتابٍ, له يتعقب فيه أخطاء الصابوني بمثل ما عمل مع الشيخ \” عبد الله علوان \”.
  12. \” المنظومة البيقونية \”.
  13. \” المقدمة الآجرومية \”.
  14. \” شرح كتاب الرقاق \” من صحيح البخاري.
  15. قطعة من \” العقيدة السفارينية \”.
  16. فتاوى \” الباب المفتوح \” للشيخ العثيمين – رحمه الله -.
  17. \” السيرة النبوية الصحيحة \” للشيخ أكرم ضياء العمري.
  18. شرح كتاب \”الأدب \” من صحيح البخاري مستمر إلى الآن -.
  19. قراءة \” فتاوى اللجنة الدائمة \” – مستمر إلى الآن -.
  20. وقد شارك منذ سنتين في الإنترنت، ورد على أسئلة كثيرة، وناقش فيها بعض المخالفين لأهل السنَّة، وكتب مقالات نافعة إن شاء الله، ومجموعها يبلغ أكثر من ألفي صفحة، وقد جمع بعضها ووعد بنشرها.
  21. وكتب في الصحف والمجلات الأردنية بعض المقالات مثل: أحكام صلاة الكسوف، وترجمة الشيخ ابن باز وابن عثيمين – رحمهما الله -.
  22. وقد تطوع في الإمامة والخطابة في الأردن مدة أربع سنوات.
  23. ولشيخنا أبي طارق بعض المؤلفات منها ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط.

فمن المطبوع:

  1. \” الصوم، أحكام ومسائل \”.
  2. \” أحكام التعدد في ضوء الكتاب والسنَّة \”.
  3. تصحيح ومراجعة \” دليل الهدى من سيرة المصطفى \” للدكتور يحيى اليحيى.
  4. \” صفحات مشرقة في حياة الشيخ ابن عثيمين \”.
  5. كتاب \” تربية الأولاد في الإسلام \” لعبد الله علوان في ميزان النقد العلمي.
  6. \” الفوائد العِذاب فيما جاء في الكلاب \”.

ومن المخطوط وهو جاهز للطبع -:

  1. \” الدعاء، حُكمه، حِكمته، شروطه، آدابه، من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية \”.
  2. \” صلاة الكسوف، أحكام ومسائل \”.
  3. الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتاب \” تربية الأولاد في الإسلام \”.
  4. \” مقالات منتقاة من الانترنت \”.
  5. \” الأوائل \”، وهو مجموع من كلام شيخ الإسلام.

ونسأل الله له القبول والمزيد من فضله.

  1. وشيخنا له زوجتان، و (12) من الأولاد: (8) من الذكور، و (4) من الإناث. ستة منهم يحفظون القرآن كاملاً بفضل الله واثنان منهم يحفظون حوالي 4 آلاف حديث وواحد يحفظ حوالي ألفين.
  2. وأكبر أولاده: طارق (14) سنة، وداود (12 ونصف) وهما يحفظان كتاب الله – تعالى -كاملاً منذ أكثر من (4) سنوات، ويحفظان حوالي (1000) حديث ومنها كتاب \” عمدة الأحكام \” كاملاً، وحوالي (400) حديث من كتاب \” رياض الصالحين \”، وأوائل أحاديث \” بلوغ المرام \”، ويحفظان بعض المتون العلمية، وكثيراً ما رأيناهما معه في مجالسه يذكرون له الحديث بنصه عندما يستدل به ويأتون بالآية التي يراها مناسبة للاستدلال.

والرابع: مالك وقد أتمَّ كتاب الله حفظاً، والباقي: يحفظون ما بين جزئين و عشرة أجزاء.

  1. وقد قرأ شيخنا أبو طارق معظم كتب الشيخ الألباني – رحمه الله – واستمع لأشرطة كثيرة، وحصلت لقاءات عديدة بينهما، وقد زار شيخُنا الشيخَ الألباني مرات عديدة، وزاره الشيخ الألباني في بيته، وقد كتب شيخنا ورقات في ترجمة الشيخ الألباني كشف عن جوانب رائعة كثيرة من حياته بعكس من كتب ترجمة لنفسه ورد على غيره بزعم أنها ترجمة للشيخ الألباني.
  2. وقد تخرَّج على يد شيخنا كثير من الطلبة وبعض الطالبات حيث كان يدرِّس بعض الأخوات من وراء حجاب بحضور بعض الشباب ولكثير منهم دروس قائمة الآن في إربد، وهم ما بين مدرس وطبيب وإمام وخطيب وبعضهم يعمل مديراً في المراكز الإسلامية في \” أمريكا \” ومنهم دعاة متفرغون.
  3. ولشيخنا مناقشات كثيرة مع الحزبيين والتكفيريين والفرق المنحرفة كالصوفية والرافضة والأحباش، وقد نصر الله به السنة وخذل به البدعة والمبتدعة.
  4. وأخيراً: كان لشيخنا من قديم مناقشات مع مدعي السلفية في مسائل الإيمان، وما كنا نظن أن أولئك المدعين على ضلال وانحراف، ولم يكن شيخنا يطلعنا على تلك المناقشات رجاء أن يرجعوا إلى الصواب، ثم كان يصل له كلام منهم عليه، وكنتُ أحد من يسمع هذا الكلام، وهو صابر عليهم، حتى فضحهم الله على يد كبار أهل العلم في العالم فبينوا ضلالهم وانحرافهم وأمروهم بطلب العلم والتلقي على من حسُن معتقده، وشيخنا أبو طارق – حفظه الله – على ما هو عليه يسير على نهج سلفه الصالح منهجا وعقيدة وطلباً، ففضح الله خصومه، وعرف القاصي والداني أنهم السبب في نشر الإرجاء وتفريق الصف.

حفظ الله شيخنا، وجعله شوكة في حلوق أعداء السنة.

وهذا جزء من وفاء الدين علينا.

من مقالات موقع مداد بتاريخ – 27 شوال 1428 (08-11-2007)

أحكام الربح في تنظيم الرحلات والاستئجار من الباطن.

أحكام الربح في تنظيم الرحلات والاستئجار من الباطن.

السؤال:

إذا استأجرت مزرعة ودفعت المبلغ كَامِلًا من مالي، ثم دعوت مجموعة من الناس للذهاب معي وعائلتي، وجمعت منهم مَبْلَغًا يغطي التكلفة ويزيد بحيث أذهب أنا وعائلتي دون أن ندفع، مع تحقيق ربح إضافي لي، فهل في هذا حرمة؟

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الاستفسار يتعلق بمسألة تأجير المنفعة -التأجير من الباطن- وأخذ عمولة على التنظيم، والحكم فيه يعتمد تَفْصِيلًا على طبيعة الاتفاق الذي تم بين المستأجر وبقية الأشخاص، ويمكن تقسيمه إلى حالتين:

الحالة الأولى:

إذا أخبر المستأجر الناس أنه يجمع التكلفة ليتقاسموها معا بسعر التكلفة، ثم زاد عليهم المبلغ سِرًّا ليغطي تكلفة عائلته ويحقق رِبْحًا، فهذا غير جائز؛ لأن فيه كَذِبًا ومخالفة للاتفاقض والتغرير بهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ”.

الحالة الثانية:

إذا استأجر المزرعة ودفع ثمنها مقدمًا، فقد ملك منفعتها لتلك الفترة.

وإذا عرض على الناس الانضمام للرحلة مقابل مبلغ محدد، كأن يقول: تكلفة الشخص كذا، ووافقوا بطيب نفس دون أن يوهمهم أن هذا هو سعر التكلفة الأصلي، فهذا جائز شَرْعًا. الربح في هذه الحالة حلال، وذهابه مع عائلته مَجَّانًا يُعد جزءًا من هذا الربح نظير تنظيمه وتأجيره للمنفعة التي يملكها.

تنبيه (١):

شرط إضافي مهم:

يُشترط لجواز الحالة الثانية ألا يكون صاحب المزرعة الأصلي قد اشترط عليه عدم تأجيرها لغيره، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} المائدة/ ١.

تنبيه (٢):

ما ذكرناه من الحكم فإنه ينطبق على مثل ما جاء في السؤال، كرحلة عمرة، أو عزومة طعام، وما يشبههما.

والله أعلم

 

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ – ١٥ يونيو ٢٠٢٦

الفروق المنهجية الجلية بين اجتهاد ابن مسعود وبدع المتأولين في الصفات

كتب الشيخ غالب الساقي حفظه الله :

أجمعت الأمة على أن من أنكر حرفا من القرآن الكريم يكون كافرا ومع ذلك عندما أنكر ابن مسعود رضي الله عنه أن المعوذتين من المصحف عذرته الأمة ولم تكفره ولم تفسقه ولم تبدعه ٠ وهذا دليل قاطع على أن التكفير العام الذي يتمسك به الحدادية لا يستلزم تكفير المعين حتى تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي عنه موانعه ٠
انتهى
فعلقت على كلامه بقولي:
موقف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بحك المعوذتين كان متعلقا بمصحفه الشخصي وبما بلغه من العلم في مرحلة “الصحف” وقبل استقرار “المصحف الإمام”.
هو لم ينكر شيئا من المصحف العثماني الذي أجمعت عليه الأمة لاحقا، بل إن استقرار الإجماع على المصحف الإمام جعل الأمة قاطبة -بمن فيهم ابن مسعود- تلغي المصاحف الشخصية وتعتمد العرضة الأخيرة المكتوبة في المصحف الإمام.
​هذا التحرير يدفع اللبس بالكلية؛ لأن رتبة الإجماع بعد صدور المصحف الإمام أصبحت قطعية لا يسوغ معها خلاف، بخلاف المرحلة التي سبقتها حيث كان الصحابي معذورا بالتأويل وبناء الحكم على ما بلغه من الوحي في كتابته الشخصية قبل حصول التواتر والإجماع العام.
انتهى
فعلق الأخ “هادي طلفاح” على تعليقي فقال:
هذا ما نحتج به على إعذار المتأولين، أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يتحقق عنده الإجماع على كون المعوذتين من المصحف وإلا لسلم بالإجماع، كذلك المتأولين(كذا) عندهم شبهات عقلية ونقلية ولم يتحقق عندهم الإجماع على المسألة التي يتأولونها بعينها وإلا لم يتأولوها لأن الإجماع حجة عندهم، فتعليقك لا ينفي الاستدلال يا شيخ بل يؤكده.
انتهى
وتعليقي عليه :
الحمد لله
هذا القياس فاسد، والاستدلال به على إعذار المتأولين باطل قَطْعًا، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
أن الخلاف مع ابن مسعود رضي الله عنه كان في “ثبوت” كون المعوذتين من القرآن المكتوب في المصحف، وليس في “تأويل” النص الثابت.
هو -رضي الله عنه- لم يعارض النص بعقله، ولم يحرف معناه، بل ظن أنهما مجرد دعاء وتعويذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين، فلما تبين له التواتر وإجماع الصحابة رجع إليه ووافقهم.
أما المتأولون فهم يقرون بثبوت النص، لكنهم يحرفون معناه الظاهر إلى معان باطنية بناء على شبهات عقلية وفلسفية.
الوجه الثاني:
أن إعذار من خفي عليه الدليل أو الإجماع في مسألة علمية قبل أن تبلغه الحجة شيء، والإصرار على منهجية كلية تعارض الوحي بالعقل وتخالف إجماع السلف الصالح شيء آخر تَمَامًا.
المتأولون -المحرّفون- للصفات لا يقفون عند مجرد الجهل بمسألة، بل يؤسسون قواعد كلامية ترد النصوص، ويستمرون عليها جِيلًا بعد جيل، ويردون فهم الصحابة عَمْدًا.
الوجه الثالث:
إجماع الصحابة والتابعين على إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت معلوم بالضرورة لكل من طالع كتب السنة، ولم يجهل المتأولون هذا الإجماع، بل طعنوا فيه أو زعموا أن العقل يقضي بخلافه، وهذا مشاقة لسبيل المؤمنين، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء/ ١١٥.
الوجه الرابع:
أن الأصل في الدين الاتباع وترك الابتداع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌرواه ابن ماجه.
وأهل التأويل -التحريف- فارقوا المحجة البيضاء في باب الأسماء والصفات، وقدموا عقولهم على النقل.
فالفرق شاسع جِدًّا بين زلة عالم أو شبهة عرضت لصحابي في مسألة ثبوتية قبل استقرار الإجماع -ورجوعه للحق فور بلوغه-، وبين طوائف تبني عقائدها على أصول فاسدة، وتجعل التأويل والتحريف دِينًا تدين الله به وتوالي وتعادي عليه.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٤ حزيران ٢٠٢٦ م

تحرير التصحيف في ضَغْطة القبر عند ابن تيمية.

تحرير التصحيف في ضغطة القبر عند ابن تيمية.

​السؤال:
شيخنا الفاضل، وقفت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الأسباب العشرة الرافعة للعقوبة، ولاحظت في السبب الثامن وتحديدا في طبعة (مجموع الفتاوى ج١٠) وكذلك في كتاب “التحفة العراقية” أنه قال: “يبتليه في البرزخ بالصعقة” فهل المراد هنا (الصعقة) أم (الضغطة)؟ أرجو التوجيه.

​الجواب:
الحمد لله
هذا الموضع مما يحتاج إلى تحرير، وقد استوقفني قديما، فدعاني ذلك إلى تتبع ما طُبِع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الباب، وبذل الجهد في جمع أطرافه ومقابلة نصوصه؛ ليتبين الصواب من التصحيف.
​وبعد الاستقراء والمقارنة، يتبين بوضوح أنَّ الصواب قطعا هو: (الضغطة) وليس (الصعقة).
وما وقع بلفظ (الصعقة) إنما هو تصحيف من النُسَّاخ أو الطابعين لتقارب رسم الكلمتين عند خُلوهما من النقط.
​وإليك خلاصة هذا التتبع الاستقرائي الذي يثبت الصواب ويكشف موضع الخلل:
​أولا:
المواضع التي جاءت على الصواب بلفظ (الضغطة):
١. ​قول ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (٧/ ٤٨٨ – ٥٠١) :
“ما يحصل في القبر مِن الفتنة والضغطة والرَّوعة فإنَّ هذا مما يكفَّر به الخطايا”.
٢. ​قوله في “منهاج السنّة” (٦/ ٢٣٨):
“ما يُبتلى به المؤمن في قبره من الضغطة وفتنة الملَكيْن” .

​ثانيا:
المواضع التي وقع فيها التصحيف بلفظ (الصعقة) :
١. ​قوله في “التحفة العراقية” (ص ٣٦٧):
“يبتليه في البرزخ والصعقة؛ فيكفّر بها عنه”.
٢. ​قوله في “مجموع الفتاوى” (١٠/ ٤٥):
“يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه”.

​ومن خلال هذا الجمع والمقابلة، يتأكد أن الخلل وقع في طبعة الجزء العاشر من “مجموع الفتاوى” وفي “التحفة العراقية” بينما السياق العلمي لمرحلة البرزخ وما يقع فيها من ابتلاء يشهد لمعنى (ضغطة القبر) ويرد التصحيف.

​والله أعلم.

✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.
الأحد ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ، ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م

دفع الشبهات عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

#من_أجوبة_الواتس
دفع الشبهات عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
السؤال:
ما التعليق على قول أحدهم:
“قال محمد بن عبد الوهاب النجدي في ضلالاته… لما قرر أن يدخل الإسلام، ويخرج منه كل أهله ولم يُبقِ منه إلا من تبع دعوته النجدية: (وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو، لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت، لا أعرف معنى لا إله إلا الله… فمن زعم من علماء العارض: أنه عرف معنى لا إله إلا الله… فقد كذب وافترى).
المصدر: الدرر السنية الجزء العاشر صفحة ٥١”؟

الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هذا النقل يجمع بين كذب في المقدمة، وبتر لسياق النص المقتبس؛ للتشنيع والتلبيس على العوام.
والرد على هذه الشبهة يتلخص في النقاط الآتية:
أَوَّلًا:
الزعم بأن الشيخ الإمام قرر أن “يخرج من الإسلام كل أهله ولم يبق منه إلا من تبع دعوته” هو كذب مَحْضٌ وافتراء صَرِيحٌ.
فالشيخ لم يكفر الأمة، بل كان يكفر من تلبس بالشرك الأكبر بعد إقامة الحجة عليه بَيَانًا، وقد صرح مرارا بعدم تكفير العوام الذين لم تبلغهم الحجة، فكيف يقال إنه أخرج كل الأمة من الإسلام؟
ثَانِيًا:
الشيخ في هذه الرسالة يتحدث بصدق وتجرد عن واقع الجهل الذي خيم على منطقته -إقليم نجد- في ذلك العصر. والمقصود بقوله: “لا أعرف معنى لا إله إلا الله” أي: المعنى المُفَصَّلَ الدقيق لتوحيد الألوهية، وما يضاده من الشركيات الخفية والظاهرة التي كانت تمارس عند القباب والقبور والأشجار في ذلك الزمان، وليس المقصود الجهل بأصل الإسلام ودخول الدين! فكثير من الناس وبعض المنتسبين للعلم آنذاك كانوا يظنون أن التوحيد هو الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق فقط -توحيد الربوبية-، وهذا كان يقر به طوائف كثيرة من كفار قريش.
ثَالِثًا:
تأمل قوله: “فمن زعم من علماء العارض…” ؛ و”العارض” هي منطقة في نجد.
فهذا يثبت أنه يتحدث عن بيئة جغرافية مَحْدُودَةٍ ساد فيها الجهل بمسائل التوحيد في ذلك الوقت، ولم يعمم حكمه على علماء العالم الإسلامي في الحجاز أو مصر أو الشام أو العراق وغيرها. فلو كان يرى أن الأرض خلت من الموحدين، فلماذا سافر لطلب العلم في البصرة والمدينة والإحساء وتتلمذ على علمائها المسلمين؟
رَابِعًا:
هذا القول يُحسب للشيخ لا عليه؛ فهو يدل على تجرد عظيم وإنصاف من النفس.
فالعالم الرَّبَّانِيُّ لا يخجل من الاعتراف بخطئه القديم إذا تبين له الحق الواضح المبني على الكتاب والسنة النبوية الصافية، كقوله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ”.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٣ يونيو ٢٠٢٦ م

ضوابط وأحكام المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك.

ضوابط وأحكام المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك.

السؤال:
والدي يرغب في شراء عمارة، واقترح إدخال شريك ممول يدفع تكاليف الصيانة وجزءًا من قيمة العمارة، على أن يكون شريكًا مؤقّتًا، بحيث نؤجر العمارة ويأخذ الشريك نسبة من الإيجار، وفي نفس الوقت نسدد له من رأس ماله تدريجيًّا حتى نرد مبلغه كاملًا وتعود العمارة لنا بالكامل. فهل هذه المعاملة جائزة شرعًا؟
الجواب:
هذه المعاملة تُعرف في الفقه الإسلامي المعاصر باسم المشاركة المتناقصة أو المشاركة المنتهية بالتمليك.
والصورة العامة لهذه المعاملة جائزة شرعًا، وهي من الحلول التمويلية المعتمدة، ولكن يُشترط لصحتها التفريق بين كونها شراكة حقيقية وبين كونها قرضًا ربويًّا يجر نفعًا.
الشروط الشرعية لضمان صحة المعاملة:
١. يجب أن يكون الممول شريكًا حقيقيًّا في الملكية.
وهذا يعني أنه يتحمل جزءًا من تكاليف الصيانة الأساسية والهيكلية للعمارة، ويتعرض لمخاطر هلاك العقار بنسبة حصته، وليس مجرد دائن يضمن استرداد رأس ماله كاملًا في كل الأحوال.
٢. في البداية، يتم توزيع الإيجار الصافي بعد خصم مصاريف الصيانة حسب نسبة ملكية كل طرف في العمارة.
ومع قيام الوالد بسداد دفعات مالية لشراء حصص صديقه تدريجيًّا، تزيد نسبة الوالد في الملكية وتزيد حصته من الإيجار، وفي المقابل تقل حصة الصديق من الإيجار بشكل متناسب.
٣. يجب ألا يتم دمج عقد الشراكة وتوزيع الإيجار مع عقد بيع الحصص في عقد واحد ملزم ومترابط يفسد أحدهما الآخر.
يمكن أن يكون هناك وعد بالبيع من الصديق، ولكن عملية شراء الحصص تتم بعقود بيع منفصلة ومستقلة عند سداد كل دفعة.
٥. بحسب قرارات “مجمع الفقه الإسلامي”، يجب ألا يُشترط مسبقًا شراء الحصص بالقيمة الاسمية الثابتة أي ضمان استرداد نفس رأس المال المدفوع للتحايل على الربا.
بل يجب أن يتم شراء حصة الصديق بقيمتها السوقية يوم البيع، أو بسعر يتم التراضي عليه وقت إتمام كل عملية شراء للحصة.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٣ يونيو ٢٠٢٦ م

فقه الاستحلال وتأويل قدامة بن مظعون في شرب الخمر.

فقه الاستحلال وتأويل قدامة بن مظعون في شرب الخمر.

 

السؤال:
انتشرت نقاشات حول مسألة “الاستحلال” وحكم الصحابي “قدامة بن مظعون” رضي الله عنه في شربه للخمر، ونُقل كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك.
ونعلم أن الاستحلال نوعان: استحلال عملي، وهو معصية، واستحلال عقائدي، وهو كفر.
فهل كان استحلال قدامة مجرد استحلال عملي، وما هو التوجيه الصحيح لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية؟ ولماذا أقيم عليهم حد شرب الخمر مع كونهم معذورين؟

الجواب:
الحمد لله
فإن التفريق المذكور في السؤال بين نوعي الاستحلال هو تقسيم منهجي صحيح قرره المحققون من أهل السنة، وبيانه كالآتي:
أولا:
أنواع الاستحلال:
١. الاستحلال الاعتقادي القلبي:
وهو أن يعتقد المرء حِلَّ ما حَرَّمَهُ الله مَعْلُومًا من الدين بالضرورة، كالخمر والزنا، فيجعل الحرام حَلَالًا بقلبه.
وهذا كُفْرٌ مُخْرِجٌ من الملة، حتى وإن لم يمارس الشخص هذا المحرم؛ لأن العلة هي تكذيب النص.
٢. الاستحلال العملي الفعلي:
وهو الإقدام على فعل المحرم والمداومة عليه، مع بقاء الاعتقاد الجازم في القلب بأنه حَرَامٌ.
وهذا يُعد من كبائر الذنوب وفاعله تحت المشيئة.
ومن أدلته الحديث الصحيح: “لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ”.
ثانيا:
أما استحلال قدامة بن مظعون رضي الله عنه، فبالنظر إلى الحادثة نفسها، يتضح أن استحلال قدامة ومن معه لم يكن “اسْتِحْلَالًا عَمَلِيًّا” مَحْضًا، أي: لم يشربوا الخمر وهم يعتقدون تحريمها، بل وقعوا في “استحلال اعتقادي متأول”.
فقد شربوا الخمر معتقدين أنها مُبَاحَةٌ لمن عمل الصالحات، متأولين في ذلك قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} المائدة/ ٩٣.
وهنا تبرز دقة منهج أهل السنة؛ فإن الاستحلال الاعتقادي إذا وقع عن “تأويل سائغ” أو “جهل”، فإنه يعذر صاحبه ولا يُكفر حتى تُقام عليه الحجة وتنتفي عنه الموانع.
ولهذا، اتفق الصحابة كعمر وعلي رضي الله عنهما على أنهم لا يُكفّرون بالاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم، بل يُستتابون ويُبين لهم الحق.
فلما أُقيمت عليهم الحجة وزالت الشبهة وعلموا تحريمها؛ أقروا وتابوا، فجُلدوا حد الخمر ولم يُقتلوا للردة.
وكلام ابن تيمية رحمه الله واضح أنه قال بوقوع “قدامة بن مظعون” رضي الله عنه بالاستحلال الاعتقادي، وهذا نص كلامه:
“ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جُلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق، فإن أصروا على الجحود كفروا”.
” الرد على البكري” (ص ٢٥٩).
وقال:
“فإن كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى”.
“مجموع الفتاوى” (٧/ ٦١٩).
ثالثا:
التأويل الذي وقع فيه قدامة رضي الله عنه كان عُذْرًا مَانِعًا من تكفيره وقتله بالردة؛ لأنه لم يقصد معاندة الشرع أو تكذيب النص، بل أخطأ في فهم الآية.
فلما بُيِّن له الحق وعلم تحريمها التام، زالت عنه شبهة الكفر، ولكن بقي الفعل المحرم الذي ارتكبه، فأُقيم عليه الحد -وهو الجلد- طُهْرَةً له من هذا الفعل، باتفاق الصحابة رضي الله عنهم.
رابعا:
ثمة فرق بين الجهل بالحكم والتأويل الفاسد، فالذي يُعذر في شرب الخمر فلا يُقام عليه الحد هو الجاهل جَهْلًا تَامًّا بتحريم الخمر -كحديث العهد بالإسلام، أو من نشأ ببادية بعيدة لا تبلغها الأحكام-، فهذا الجاهل جهله يُسقط عنه الحد تَمَامًا لعدم قيام الحجة عليه أَصْلًا.
أما “قدامة” رضي الله عنه، فلم يكن جَاهِلًا بأصل تحريم الخمر، فهو يعلم أنها حُرمت على المسلمين، ولكنه ظن بـ”تأويل خطأ” أنه يُستثنى من هذا التحريم لكونه من أهل بدر وأحد الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
والتأويل في موضع لا يسوغ فيه التأويل في حكم معلوم ومستقر لا يُسقط الحد الدنيوي بعد انكشاف الحق والتوبة منه.
ولذلك لما احتج قدامة بالآية: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} المائدة/ ٩٣، بيّن له عمر رضي الله عنه خطأ تأويله من نفس الآية، وقال له: “إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر”، فبيّن له أن الشرب ينافي التقوى المذكورة في الآية. وأجمع الصحابة على استتابته وجلده، فكان هذا إِجْمَاعًا على أن مثل هذه الشبهة الجزئية لا تدرأ حد الشرب، بل تدرأ حد الردة.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٢ يونيو ٢٠٢٦ م

فقه المهر والنفقة في المعاشرة الزوجية.

فقه المهر والنفقة في المعاشرة الزوجية.

 

السؤال:

سائل يسأل عن عدة أمور تتعلق بالمهر والنفقة الزوجية:

١. هل تتغير قيمة المهر المحدد بالدينار الأردني باختلاف أسعار الذهب بمرور الزمن؟

٢. دفع للزوجة مَبْلَغًا من المال لتجهيزات العرس ونواه من المهر المعجل، والآن يرفض أهلها احتسابه من المهر ويعتبرونه من المصاريف، فما الحكم؟

٣. هل يجب على الزوج دفع مؤخر الصداق أثناء استمرار الزواج، أم يُستحق عند الوفاة أو الطلاق كما جرى العرف؟

٤. هل يُلزم الزوج شَرْعًا بدفع مصروف كماليات شهري وعيدية بمبلغ معين، مع العلم أنه يوفر جميع الاحتياجات الأساسية؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

أجيبك يا أخي على استشكالاتك بالترتيب الآتي:

أولا:

المهر المكتوب في العقد بمبلغ محدد من النقد يبقى دَيْنًا ثابتا في الذمة بنفس القيمة، ولا يتأثر بارتفاع أسعار الذهب أو تغير الزمان، ما لم يُنَصَّ في العقد صَرَاحَةً على أن المهر مقدر بوزن معين من الذهب.

ثانيا:

إذا دفع الزوج مَبْلَغًا من المال بنية أنه من المهر المعجل، فالأصل أنه يُحسب منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى”.

ولكن في حال الخلاف وعدم وجود توثيق أو بينة، ولأن العقد كُتب فيه أن المهر غير مقبوض، فالأمر يرجع إلى ما تم الاتفاق عليه أو إلى العرف والشهود وقت الدفع، وفي مثل هذه الحالات يُنصح بالتفاهم والصلح بين الطرفين.

ثالثا:

مؤخر الصداق هو دَيْنٌ ثابت للزوجة، ولكن موعد استحقاقه يخضع لما تم الاتفاق عليه، فإن لم يحدد وقت، رُجع إلى العرف.

والعرف الجاري عندنا -والذي تأخذ به المحاكم الشرعية- أن المؤخر يُستحق بأقرب الأجلين: الوفاة أو الطلاق.

وعليه؛ لا يُلزم الزوج بدفعه أثناء قيام الزوجية إلا إن أراد ذلك تَبَرُّعًا وتَفَضُّلًا منه.

رابعا:

الواجب على الزوج شَرْعًا هو توفير النفقة الأساسية بالمعروف من مسكن ومأكل ومشرب وملبس؛ لقول الله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} الطلاق/ ٧.

أما ما يدفعه الزوج للكماليات أو كمصروف شخصي أو هدايا وعيديات، فهو من باب الإحسان والمعاشرة بالمعروف وليس وَاجِبًا يثبت كدين، وللزوج أن يقدره بحسب طاقته واستطاعته المالية دون إكراه.

والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٢ يونيو ٢٠٢٦ م