الرئيسية بلوق الصفحة 234

ما هما القلتان الواردة في كتب الفقه؟ وما مقدارهما؟

السؤال:

ما معنى القلتان في الفقه؟ وما مقدارهما؟

 

الجواب:

الحمد لله

ورد لفظ ” القلتين ” في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبَث ” – وفي لفظ: ” لم ينجسه شيء ” -. رواه الترمذي ( 67 ) وأبو داود ( 63 ) والنسائي (52 ) وابن ماجه ( 517 ).

وهو حديث مختلف فيه كثيرا، والأصح فيه أنه موقوف على عبد الله بن عمر من قوله، كما رجحه الأئمة: المزي وابن تيمية وابن القيم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 35 ).

وقال ابن القيم:

ورجَّح شيخا الإسلام: أبو الحجاج المزي، وأبو العباس بن تيمية وقفه، ورجح البيهقي في ” سننه ” وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب.

قال شيخنا أبو العباس أي: ابن تيمية -: وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه، فنقل ابنه ذلك عنه.

قلت: ويدل على وقفه أيضًا: أن مجاهدًا – وهو العلَم المشهور الثبت – إنما رواه عنه موقوفًا، واختلف فيه على عبيد الله وقفًا ورفعًا.

” شرح مختصر سنن أبي داود ” ( 1 / 78 ).

وكما اختلف العلماء – رحمهم الله – في صحة الحديث فقد اختلفوا في تقدير القلتين، ولم يأتِ نصٌّ في تحديد مقدار القلتين.

وقد ذكر ابن القيم – رحمه الله – وجوهًا كثيرة في الطعن في الحديث، ومنها عدم تحديد القلتين مع شدة الحاجة لمعرفة ذلك.

قال ابن القيم:

الرابع: أن حاجة الأمة – حضرها وبدوها – على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فإن الناس لا يكتالون الماء ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما ولا عرضهما ولا عمقهما، فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب وتكليف ما لا يطاق؟.

فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان، قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية؛ فإنها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها كعدد الجلدات ونصب الزكوات وعدد الركعات وسائر الحدود الشرعية.

الخامس: أن خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين، فمن قائل ألف رطل بالعراقي، ومن قائل ستمائة رطل، ومن قائل خمسمائة، ومن قائل أربعمائة، وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدًا، فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين واضطربت أقوالهم في ذلك فما الظن بسائر الأمة؟ ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها.

السادس: أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا، منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس وإذا بال فيه لم ينجسه، ومنها: أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قلتين إلا رطلًا مثلًا أن ينجس الماء ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه، ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة, فمحال أن يجيء شرع بتنجس الأول وطهارة الثاني,   وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجسها، إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها …

” حاشية تهذيب سنن أبي داود ” ( 1 / 87 ).

والخلاصة:

أن الحديث ضعيف، وأنه لا يُعلم مقدار القلتين حتى عند من صححه.

 

والله أعلم.

اللحن في القراءة وصلاة التراويح بين البيت والمسجد

السؤال:

لقد اجتمعت أنا وأعضاء المركز الإسلامي في مدينتنا وقررنا أن نحضر أحد الحفاظ لكتاب الله ليؤم في صلاة التراويح، شريطة أن يكون متقنًا لحفظه وتلاوته, ناطقًا للحروف على وجهها الصحيح, وكلف إحضاره مبلغًا كبيرًا، فلما قدم أعجب الناس به إعجابًا عظيماً لسرعته وحسن صوته، ولكن ظهرت المشكلة التي كنت أخشاها, فالرجل يظهر في قراءته كثيرًا من اللحن الجلي كعدم النطق الصحيح لثلاثة من الحروف، وتغيير عدد طفيف من الحركات من جراء السرعة، ولكن إحقاقًا للحق: فإن جميع هذه الأخطاء تكاد تنعدم عند قراءته للفاتحة.

المشكلة أن إعفاءه من مهمته قد يؤدي إلى فتنة بيننا أعضاء المركز الإسلامي، لذلك ما هو المخرج؟ وبما أنني أفتقد الخشوع في صلاتي: فإنني أوثر البقاء في بيتي والصلاة وحيدًا أو مع مجموعة من الرفقة التي تعاني نفس مشكلتي.

فما نصيحتكم؟ وهل ندعه يرأس باقي الصلوات المفروضة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قراءة القرآن باللحن ممنوعة من حيث الأصل، في الصلاة وخارجها، ومن وقع منه اللحن فهذا لا بد من نصحه بالرفق واللين ليصوِّب خطأه.

واللحن في الصلاة منه ما يبطلها ومنه ما لا يبطلها، فاللحن الجليّ يبطل الصلاة في الفاتحة فقط عند جماهير العلماء، بخلاف غيرها، وسبب تفريقهم بين الفاتحة وغيرها لكونها ركنٌ في الصلاة، ولهذا وجبت قراءتها دون غيرها، ولا تصح الصلاة من غير قراءتها.

وما دام إمامكم لا يلحن في الفاتحة: فلا نرى مسوِّغًا للطعن في صلاته أو هجر المسجد من أجل قراءته، ويسعكم ما وسع غيركم من المصلين إلا أنه يجب عليكم نصحه وتذكيره بالرفق واللين.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:

إذا كان الإمام يلحن في قراءة الفاتحة فهل تبطل صلاة مَن خلفه مِن المأمومين؟.

فأجاب:

إذا كان الإمام يلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى وجب تنبيهه والفتح عليه، فإن أعاد القراءة مستقيمة فالحمد لله, وإلا لم تجز الصلاة خلفه, ووجب على الجهة المسئولة عن الإمامة عزله، واللحن الذي يحيل المعنى مثل أن يقرأ ( أنْعَمْتَ علَيْهِم ) بكسر التاء أو ضمها أو ( إيَّاكَ نعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعين ) بكسر الكاف.

أما اللحن الذي لا يحيل المعنى مثل أن يقرأ ( ربِّ العَالَمين ) أو ( الرحمن ) بالفتح أو الضم فإنه لا يقدح في الصلاة.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 99 ).

* وسئل الشيخ – رحمه الله – أيضًا -:

إمام يلحن في القرآن، وأحيانًا يزيد وينقص في أحرف الآيات القرآنية، ما حكم الصلاة خلفه؟.

 فأجاب:

إذا كان لحنه لا يحيل المعنى فلا حرج في الصلاة خلفه مثل نصب ” رب ” أو رفعها في ( الحمد لله رب العالمين ) ، وهكذا نصب الرحمن أو رفعه ونحو ذلك، أما إذا كان يحيل المعنى فلا يصلى خلفه إذا لم ينتفع بالتعليم والفتح عليه، مثل أن يقرأ ( إيَّاكَ نعْبُدُ ) بكسر الكاف، ومثل أن يقرأ ( أنعمت ) بكسر التاء أو ضمها, فإن قبل التعليم وأصلح قراءته بالفتح عليه صحت صلاته وقراءته، والمشروع في جميع الأحوال للمسلم أن يعلم أخاه في الصلاة وخارجها؛ لأن المسلم أخو المسلم, يرشده إذا غلط, ويعلمه إذا جهل, ويفتح عليه إذا ارتج عليه القرآن.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 98 ، 99 ).

ثانيًا:

وقولك: إنه لا يحسن نطق بعض الحروف: فقد يكون إبداله لبعض الحروف بحروفٍ أخرى من المعفو عنه، وقد يكون من أوجه القراءات، وعليه: فلا إنكار في الحالتين.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” أو يبدِّل حرفًا ” أي: يُبدل حرفا بحرفٍ، وهو الألتغُ، مثل: أنْ يُبدِلَ الرَّاءَ باللام، أي: يجعلَ الرَّاءَ لاماً فيقول: ” الحمدُ لله لبِّ العالمين ” فهذا أُمِّيٌّ – والأمي هو الذي لا يحسن قراءة الفاتحة لا غيباً ولا من المصحف -؛ لأنه أبدلَ حرفًا مِن الفاتحة بغيرِه.

ويُستثنى مِن هذه المسألةِ: إبدالُ الضَّادِ ظاءً فإنَّه معفوٌّ عنه على القولِ الرَّاجحِ وهو المذهبُ، وذلك لخَفَاءِ الفَرْقِ بينهما، ولا سيَّما إذا كان عاميًّا، فإنَّ العاميَّ لا يكادُ يُفرِّقُ بين الضَّادِ والظَّاءِ، فإذا قال: ” غير المغظوب عليهم ولا الظالين ” فقد أبدلَ الضَّادَ وجعلها ظاءً، فهذا يُعفى عنه لمشقَّةِ التَّحرُّز منه، وعُسْرِ الفَرْقِ بينهما لا سيَّما مِن العوامِ.

فالإِبدال كما يلي:

  1. 1. إبدالُ حَرْفٍ بحَرْفٍ لا يماثلُه، فهذا أُمِّيٌّ.
  2. 2. إبدالُ حَرْفٍ بما يقارِبُه، مثل: الضَّاد بالظَّاءِ، فهذا معفوٌّ عنه.
  3. 3. إبدالُ الصَّادِ سيناً، مثل: السراط والصراط، فهذا جائزٌ بل ينبغي أنْ يقرأَ بها أحياناً؛ لأنها قِراءةٌ سبعيَّةٌ، والقِراءة السبعيَّةُ ينبغي للإِنسانِ أنْ يقرأَ بها أحيانًا، لكن بشرط أن لا يكون أمامَ العامَّةِ؛ لأنك لو قرأتَ أمامَ العامَّةِ بما لا يعرفون لأنكروا ذلك، وَشَوَّشْتَ عليهم. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 246 ، 247 ).

ثالثًا:

وأما صلاتك للتراويح في البيت: فهو أفضل إذا كان هذا أدعى للخشوع، وكان في الصلاة إطالة عن صلاة المسجد، وأوقعت صلاتك في آخر الليل، ولم تحدث فتنة بسبب فعلك هذا، فإذا تحققت هذه الأمور فلا مانع من صلاتك للتراويح في البيت بل هو أفضل.

عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة – قال: حسبت أنه قال: من  حصير  – في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه, فلما علم بهم جعل يقعد, فخرج إليهم، فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم, فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة “. رواه البخاري ( 698 ) ومسلم ( 781 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتي التحية، كذا قال بعض أئمتنا.

ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: ما يشرع في البيت وفي المسجد معًا فلا تدخل تحية المسجد؛ لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة. ” فتح الباري ” ( 2 / 215 ).

والاحتمال الذي ذكره الحافظ أقرب إلى الصواب.

* وقال ابن قدامة:

والتطوع في البيت أفضل … ولأن الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، وهو من عمل السر، وفعله في المسجد علانية، والسر أفضل.

” المغني ” ( 1 / 442 ).

والخلاصة:

يجب التفريق بين لحن الإمام في الفاتحة وفي غيرها، فلحنه في الفاتحة بما يغير المعنى يبطل الصلاة وبما لا يغيِّر المعنى لا يبطلها، وفي كلا الحالتين يجب عليكم نصحه وتذكيره، وإمامكم خلت صلاته من اللحن فيها، وأما في غيرها فعلى ما ذكرناه لك من التفريق بين أنواع الإبدال في الحروف، ولا مانع من صلاتك وحدك أو مع مجموعة في البيت إذا كان ذلك من غير فتنة في المركز بينكم وبين المصلين، وكانت الصلاة في آخر الليل، وفيها من الإطالة والخشوع ما ليس في صلاة المسجد.

ونرجو منكم استعمال الحكمة في النصيحة، وبذل النصح للمخالفين بالرفق واللين، ونرجو أن لا تكونوا سبب فرقة بين المسلمين، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

نزول المني من جماع الليل نهارًا هل يفسد الصيام؟

السؤال:

بعد عملية الجماع ليلًا ينزل المنى من فتحة الفرج نهارًا، فهل هذا يبطل الصيام؟ وهل يجب الاستحمام لأداء الصلاة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نزول المني نهارًا بعد جماع الليل لا يبطل الصيام، وقد أبيح لنا الأكل والشرب والجماع من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، قال تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ … } [ البقرة / من الآية 187 ] ، وهذا بالضرورة سيبقي آثارًا بعد طلوع الفجر من الشبع والري والاستمتاع، وهذه آثار معنوية، وما تبقى من آثار حسيَّة – كبقايا طعام في فمه، ومني يتدفق منه – فالواجب عليه إزالته بغسل الفم من الطعام، وبالاغتسال من نزول مني الجماع.

فإذا استمر نزول المني فترة، أو عاود الرجوع مرة أخرى بغير شهوة جديدة: فهو من بقايا المني القديم, فلا يوجب غسلاً جديداً ولا إبطال صيام.

ثانيًا:

ولا يجب الغسل من نزول المني مرة أخرى بعد الاغتسال؛ لأن السبب واحد فلا يوجب غسليْن، وإنما يجب الغسل إذا نزل بشهوة جديدة.

 

والله أعلم.

هل يترك عمله ويذهب لصلاة التراويح؟

السؤال:

أنا أعمل في مركز شرطة، وأحيانًا يحدث أن أستلم مرتين بالأسبوع ولا أتمكن خلال الاستلام من مغادرة المركز لظروف العمل ولأوامر رؤسائي، فهل يجوز لي أن أغادر المركز وأخالف أوامرهم لأداء صلاة التراويح في المسجد القريب من المركز؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لو كان عملُك في محل تجاري أو مؤسسة مدنية لما جاز لك ترك العمل من أجل القيام بنافلة، فكيف وعملُك يتعلق بالأمن وهو أمر هام تتعلق به أرواح الناس وأمنهم؟.

فلا تحرص على نافلة على حساب التفريط في واجب، ويمكنك أن تؤدي التراويح في مكان عملك مجزَّأة على حسب الفراغ والسعة، أو في آخر الليل في بيتك، وقد يُكتب لك الأجر كاملًا إن علم الله منك صدقاً في أدائها إن لم يتيسر أداؤها في العمل أو في البيت.

* سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

بعض الناس يذهب ليعتمر فيترك عائلته أو وظيفته أو المسجد الذي يصلي به أو يؤذن به، فما كلمتكم لهم؟.

فأجاب:

لا ينبغي أن نتقرب إلى الله بنافلة مع إخلالنا بواجب، النوافل لا يُتقرب بها إلا إذا أدينا الواجبات، فمن ضيَّع بيته أو ضيَّع عمله، أو إمام ضيع إمامته: فهذا لا يعتبر مأجورًا، بل يعتبر مأزورًا وآثمًا.

جريدة  ” الرياض ” الجمعة 03 رمضان 1423هـ العدد 12558 السنة 38 .

* وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

أعمل في أحد المحلات التجارية ولا أستطيع أن أصلي صلاة التراويح في المسجد نظراً لأن مواعيد العمل تكون مِن بعد المغرب إلى قرب السحور، هل آثم على ذلك؟ وكيف أعوِّض هذا الثواب الذي فاتني؟.

فأجاب الشيخ:

لا تأثم بترك التراويح؛ لأن التراويح سنَّة، إن أقامها الإنسان كان له أجر، وإن لم يقم بها فليس عليه إثم.

وإذا علم الله تعالى من نيتك إنه لولا اشتغالك بما يجب عليك من عقد الأجرة على هذا العمل لقمت بهذه التراويح: فإن فضل الله واسع، يثيبك سبحانه وتعالى على ما كان من نيتك. ” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 255 ).

 

والله أعلم.

وقفات النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء في الحج

السؤال:

ما الوقفات التي وقف النبي صلى الله عليه فيها للدعاء؟

 

الجواب:

الحمد لله

الذي يظهر لنا أن الوقفات المقصودة في السؤال هي ما ورد في وقفاته صلى الله عليه وسلم في الدعاء في الحج، وقد ذكر أهل العلم أنها ست وقفات.

قال ابن القيم:

فقد تضمنت حجته ست وقفات للدعاء:

الموقف الأول: على الصفا، والثاني: على المروة، والثالث: بعرفة، والرابع: بمزدلفة، والخامس: عند الجمرة الأولى، والسادس: عند الجمرة الثانية.

” زاد المعاد ” ( 2 / 287 ، 288 ).

وتفصيل هذه الوقفات:

  1. الدعاء على الصفا والمروة: يكون باستقبال البيت في الدعاء بعد التكبير ثلاثًا، وبين ما ورد في السنة من الذِّكر.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يقول: الله أكبر, وهو رافع يديه كرفعهما في الدعاء ثلاث مرات، ويقول ما ورد ومنه: ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده “, ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة، وينزل متجهاً إلى المروة. ” الشرح الممتع ” ( 7 / 268 ).

ويكون الدعاء في ابتداء الأشواط لا في انتهائها، إذ ليس ثمة دعاء على المروة عند نهاية الأشواط.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وبه نعرف أيضاً أن الدعاء على الصفا والمروة يكون في ابتداء الأشواط لا في انتهائها، وأن آخر شوط على المروة ليس فيه دعاء؛ لأنه انتهى السعي، وإنما يكون الدعاء في مقدمة الشوط كما كان التكبير أيضاً في الطواف في مقدمة الشوط، وعليه فإذا انتهى من السعي عند المروة ينصرف، وإذا انتهى من الطواف عند الحجر ينصرف، ولا حاجة إلى التقبيل، أو الاستلام، أو الإشارة، والذي نعلل به دون أن يعترض معترض أن نقول هكذا فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم.

” الشرح الممتع ” ( 7 / 352 ).

  1. والدعاء يوم عرفة يستمر إلى غروب الشمس، وعلى الحاج أن يكثر من الدعاء في هذا اليوم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له “.
  2. ويسن للحاج أن يدعو في مزدلفة رافعاً يديه من بعد صلاة الفجر إلى أن يسفر الصبح جدًّا، قال الله تعالى: ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ). [ البقرة / من الآية 198 ] .
  3. والجمرة الأولى هي الصغرى، والثانية هي الوسطى، ويكون ذلك في أيام التشريق لمن تعجل وتأخر، ولا يشرع الدعاء عند الجمرة الكبرى لا في يوم النحر ولا بعده.

 

والله أعلم.

اللحن في القراءة في الصلاة، وأحق الناس بالإمامة، ومقدار ما يقرأ في التراويح.

اللحن في القراءة في الصلاة، وأحق الناس بالإمامة، ومقدار ما يقرأ في التراويح

السؤال:

نحن نصلي في مركز إسلامي في أمريكا، وإمامنا ينطق الطاء ضادًا يقرأ من مواضع متفرقة من القرآن في صلاة التراويح في كل ليلة, وفينا من يحسن القراءة ويحفظ جزءًا كبيرًا من القرآن.

ما حكم إمامة الموصوف؟ وما حكم اختيار مواضع متفرقة من سور القرآن للتراويح؟ وما حكم المأموم الأحسن حفظًا وقراءة عند عدم الإفصاح عن إجادته وحفظه للقرآن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اللحن في القراءة في الصلاة منه ما يبطلها، ومنه ما لا يبطلها، فالذي يبطلها هو اللحن الذي يغيِّر المعنى نحو قول القارئ ” أنعمتُ عليهم “، والذي لا يبطلها نحو قوله: ” ربَّ العالمين ” – بفتح الباء -؛ لأن هذه تغيير حركة الباء هنا لا يغيِّر المعنى، وليس معنى هذا أننا نجيز القراءة باللحن، بل لا بدَّ من تعليم المصلي صحة المخارج، والكلام هنا عن صحة الإمامة، فالإمامة صحيحة، وغيره ممن يتقن القراءة أولى بالإمامة منه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” أو يبدل حرفاً ” أي: يُبدل حرفاً بحرفٍ، وهو الألتغُ، مثل: أنْ يُبدِلَ الرَّاءَ باللام، أي: يجعلَ الرَّاءَ لامًا فيقول: ” الحمدُ لله لَبِّ العالمين ” فهذا أُمِّيٌّ –  والأمي هو الذي لا يحسن قراءة الفاتحة لا غيبًا ولا من المصحف -؛ لأنه أبدلَ حرفًا مِن الفاتحة بغيرِه.

ويُستثنى مِن هذه المسألةِ: إبدالُ الضَّادِ ظاءً فإنَّه معفوٌّ عنه على القولِ الرَّاجحِ وهو المذهبُ، وذلك لخَفَاءِ الفَرْقِ بينهما، ولا سيَّما إذا كان عاميًّا، فإنَّ العاميَّ لا يكادُ يُفرِّقُ بين الضَّادِ والظَّاءِ، فإذا قال: ” غير المغظوب عليهم ولا الظالين ” فقد أبدلَ الضَّادَ وجعلها ظاءً، فهذا يُعفى عنه لمشقَّةِ التَّحرُّز منه، وعُسْرِ الفَرْقِ بينهما لا سيَّما مِن العوامِ.

فالإِبدال كما يلي:

  1. 1. إبدالُ حَرْفٍ بحَرْفٍ لا يماثلُه، فهذا أُمِّيٌّ.
  2. 2. إبدالُ حَرْفٍ بما يقارِبُه، مثل: الضَّاد بالظَّاءِ، فهذا معفوٌّ عنه.
  3. 3. إبدالُ الصَّادِ سينا، مثل: السراط والصراط، فهذا جائزٌ بل ينبغي أنْ يقرأَ بها أحياناً، لأنها قِراءةٌ سبعيَّةٌ، والقِراءة السبعيَّةُ ينبغي للإِنسانِ أنْ يقرأَ بها أحيانا، لكن بشرط أن لا يكون أمامَ العامَّةِ؛ لأنك لو قرأتَ أمامَ العامَّةِ بما لا يعرفون لأنكروا ذلك، وَشَوَّشْتَ عليهم.

قوله: ” أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى ” أي: يَلْحَنَ في الفاتحةِ لحنًا يُحيلُ المعنى.

واللَّحنُ: تغييرُ الحركات، سواءٌ كان تغييرا صرفيًّا أو نحويًّا، فإن كان يغيِّرُ المعنى: فإن المُغيِّرَ أُمِّيٌّ، وإنْ كان لا يغيِّرُه فليس بأُمِّيٍّ، فإذ قال: ” الحمد لله ربَّ العالمين ” بفتح الباء: فاللَّحنُ هذا لا يُحيلُ المعنى، وعلى هذا؛ فليس بأُمِّيٍّ فيجوز أن يكون إماماً بمَن هو قارئٌ، وإذا قال: ” أَهدنا الصراط المستقيم ” بفتح الهمزة فهذا يُحيل المعنى؛ لأن ” أهدنا ” مِن الإِهداء، أي: إعطاء الهديَّة: ( اهدنا ) [ الفاتحة ] بهمزة الوصل مِن الهدايةِ، وهي الدّلالة والتوفيق، ولو قال: ” إياكِ نعبد ” بكسر الكاف: فهذه إحالةٌ شديدةٌ فهو أُمِّيٌّ، ولو قال: ” صراط الذين أنعمتُ عليهم ” بضم التاء, فهذا يُحيلُ المعنى أيضًا.

ولو قال: ” إياكَ نعبَد ” بفتح الباء, فهذا لا يُحيلُ المعنى، وكذا: ” إياك نستعينَ ” بفتح النون الثانية: فهذا لا يُحيلُ المعنى، وليس معنى ذلك جوازُ قِراءةِ الفاتحةِ ملحونةً؛ فإنَّه لا يجوز أنْ يَلْحَنَ ولو كان لا يُحيلُ المعنى، لكن المرادُ صِحَّةُ الإِمامةِ.

” الشرح الممتع ” ( 4 / 246 – 248 ).

ثانيًا:

لا يجوز لغير المتقن للقراءة أن يتقدم للإمامة، ولا يجوز للمتقن أن يُخفي نفسه ليتقدَّم غيره ممن لا يحسن القراءة، وقد ذهب بعض الأئمة إلى عدم صحة ائتمام القارئ بالأمي.

والواجب على الأمي أن يصلح قراءته فإن قدر ولم يفعل: فصلاته باطلة إن كان يغيِّر المعنى.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين:

إذا صَلَّى أُمِّيٌّ لا يَعرفُ الفاتحةَ بأُمِّيٍّ مثله: فصلاتُه صحيحةٌ لمساواتِه له في النَّقْصِ، ولو صَلَّى أُمِّيٌّ بقارئ: فإنَّه لا يَصحُّ، وهذا هو المذهبُ.

وتعليل ذلك: أنَّ المأمومَ أعلى حالاً مِن الإِمامِ، فكيف يأتمُّ الأعلى بالأدنى.

والقول الثاني – وهو رواية عن أحمد -: أنه يَصحُّ أن يكون الأُمِّيُّ إمامًا للقارئ، لكن ينبغي أنْ نتجنَّبَها؛ لأنَّ فيها شيئًا مِن المخالفةِ؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ ” , ومراعاةً للخِلافِ.

قوله: ” وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته ” أي: إنْ قَدِرَ الأُمِّيُّ على إصلاح اللَّحنِ الذي يُحيلُ المعنى ولم يُصلِحْهُ: فإنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ، وإن لم يَقْدِرْ: فصلاتُه صحيحةٌ دون إمامتِه إلا بمثلِه.

ولكن الصحيحُ: أنَّها تصحُّ إمامتُه في هذه الحالِ؛ لأنَّه معذورٌ لعجزِه عن إقامةِ الفاتحةِ، وقد قال الله تعالى: ( فاتقوا الله ما استطعتم ) , وقال: ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) ، ويوجد في بعضِ الباديةِ مَن لا يستطيعُ أنْ ينطِقَ بالفاتحة على وَجْهٍ صحيحٍ، فرُبَّما تسمعُه يقرأ ” أَهدنا ” ولا يمكن أنْ يقرأَ إلا ما كان قد اعتادَه، والعاجزُ عن إصلاح اللَّحنِ: صلاتُه صحيحةٌ، وأما مَن كان قادرًا: فصلاتُه غيرُ صحيحةٍ، كما قال المؤلِّف، إذا كان يُحيلُ المعنى. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 248 ، 249 ).

ثالثًا:

ولا ينبغي تقديم من لا يتقن القراءة ولو كان حافظًا، بل الذي يقدَّم في الإمامة هو من يحسن القراءة وذلك بإخراج الحروف من مخارجها، وكذا أن يكون صاحب فقه لأحكام الصلاة.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” الأولى بالإِمامة الأقرأ العالم فقه صلاته “, هل المرادُ بالأقرأ الأجودُ قِراءةً، وهو الذي تكون قراءتُه تامَّةً، يُخرِجُ الحروفَ مِن مخارِجِها، ويأتي بها على أكملِ وجهٍ، أو المرادُ بالأقرأ الأكثرُ قراءةً؟.

الجواب:

المراد: الأجودُ قِراءةً، أي: الذي يقرؤه قراءةً مجوَّدةً، وليس المراد التجويد الذي يُعرف الآن بما فيه مِن الغنَّةِ والمدَّاتِ ونحوها، فليس بشرطٍ أن يتغنَّى بالقرآن، وأن يحسِّنَ به صوتَه، وإن كان الأحسنُ صوتاً أَولى، لكنه ليس بشرط.

وقوله: ” العالم فقه صلاته ” أي: الذي يعلم فِقْهَ الصَّلاةِ، بحيث لو طرأَ عليه عارضٌ في صلاتِهِ مِن سهوٍ أو غيرِه تمكَّنَ مِن تطبيقِهِ على الأحكامِ الشرعيَّةِ.

فلو وُجِدَ أقرأ ولكن لا يَعلمُ فِقْهَ الصَّلاةِ، فلا يَعرفُ مِن أحكامِ الصَّلاةِ إلا ما يعرِفُهُ عامَّةُ الناسِ مِن القراءةِ والرُّكوعِ والسُّجودِ: فهو أَولَى مِن العالمِ فِقْه صلاتِهِ.

ودليلُ ذلك: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ” يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهُم لكتابِ اللهِ “.

وذهبَ بعضُ العلماءِ إلى خِلافِ ما يفيده كلامُ المؤلِّفِ، وهو أَنَّه إذا اجتمعَ أقرأُ وقارىءٌ فَقِيهٌ: قُدِّمَ القارىءُ الفقيهُ على الأقرأ غير الأفقه.

وأجابوا عن الحديث: بأنَّ الأقرأَ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابةِ هو الأفقهُ؛ لأنَّ الصحابةَ كانوا لا يقرؤون عشرَ آياتٍ حتى يتعلَّمُوها؛ وما فيها مِن العِلْمِ والعمل.

ومِن المعلومِ أَنَّه إذا اجتمعَ شخصان، أحدِهما أجودُ قِراءةً والثاني قارىءٌ دونه في الإجادة، وأعلمُ منه بفقهِ أحكامِ الصَّلاةِ، فلا شَكَّ أنَّ الثاني أقوى في الصَّلاةِ مِن الأولِ، أقوى في أداء العملِ؛ لأنَّ ذلك الأقرأَ رُبَّما يُسرعُ في الرُّكوعِ أو في القيام بعدَ الرُّكوعِ، ورُبَّما يطرأُ عليه سهوٌ ولا يدري كيف يتصرَّف، والعالمُ فِقْهَ صلاتِهِ يُدركُ هذا كلَّه، غاية ما فيه أنه أدنى منه جَودة في القِراءةِ، وهذا القول هو الرَّاجحُ.

وهذا في ابتداء الإمامة، أي: لو حَضَرَ جماعةٌ، وأرادوا أن يقدِّموا أحدَهم، أما إذا كان للمسجدِ إمامٌ راتبٌ فهو أَولى بكلِّ حالٍ ما دام لا يوجدُ فيه مانعٌ يمنعُ إمامتَه.

قوله: ” ثم الأفقه ” أي: إذا اجتمعَ قارئان متساويان في القِراءةِ لكن أحدُهما أَفْقَهُ: فإنَّه يقدِّمُ الأفقهَ، وهذا لا إشكالَ فيه.

والدَّليلُ على أنَّ الأفقه يلي الأقرأ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” يؤم القوم أقرأهم لكتابِ الله، فإنْ كانوا في القِراءةِ سواءً فأعلَمُهُم بالسُّنَّةِ … “.

” الشرح الممتع ” ( 4 / 205 ، 206 ).

رابعًا:

وأما القراءة في التراويح: فالأمر فيها واسع، ويجب مراعاة حال المأمومين نشاطًا وضعفًا، ولا يجوز الإنكار على الأئمة إذا أطالوا في القراءة؛ فقد يكون الإمام قد راعى حال أغلب الناس، ويمكن لهذا أن يذهب لمسجد آخر لا يطيل، وبخاصة أن أمر الإطالة نسبي.

ولا يجوز أن يكون الإمامُ منفِّرًا للناس فيطيل عليهم ويظن أنه إن لم يفعل ذلك فقد أساء! بل الصواب له أن يشجِّع الناس على الصلاة ولو بالتقصير شريطة أن لا يخلَّ بالأركان، ولا يبتدع قراءة سورة معينة في كل ركعة ثانية – مثلًا -، فلأن يصلي الناس صلاة قصيرة تامَّة خير لهم من ترك الصلاة.

قال أبو داود: سئل أحمد بن حنبل عن الرجل يقرأ القرآن مرتين في رمضان يؤم الناس؟ قال: هذا عندي على قدر نشاط القوم، وإن فيهم العمَّال.

قال ابن رجب الحنبلي: ” وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم، وهذا قاله أيضًا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم “. ” لطائف المعارف ” ( ص 18 ).

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما رأيكم – حفظكم الله ونفع بعلومكم – فيما يفعله بعض الأئمة من تخصيص قدر معين من القرآن لكل ركعة ولكل ليلة؟.

فأجاب:

لا أعلم في هذا شيئًا؛ لأن الأمر يرجع إلى اجتهاد الإمام, فإذا رأى أن من المصلحة أن يزيد في بعض الليالي أو بعض الركعات لأنه ينشط, ورأى من نفسه قوة في ذلك, ورأى من نفسه تلذذًا بالقراءة فزاد بعض الآيات لينتفع وينتفع من خلفه, فإنه إذا حسن صوته وطابت نفسه بالقراءة وخشع فيها ينتفع هو ومن ورائه, فإذا زاد بعض الآيات في بعض الركعات أو في بعض الليالي فلا نعلم فيه بأسًا، والأمر واسع بحمد الله تعالى.” فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ” ( 11 / 335 ، 336 ).

 

 

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل ينبغي للإمام مراعاة حال الضعفاء من كبار السن ونحوهم في صلاة التراويح؟.

فأجاب:

هذا أمر مطلوب في جميع الصلوات، في التراويح وفي الفرائض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” أيكم أمَّ الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والصغير وذا الحاجة “، فالإمام يراعي المأمومين ويرفق بهم في قيام رمضان وفي العشر الأخيرة، وليس الناس سواء، فالناس يختلفون، فينبغي له أن يراعي أحوالهم ويشجعهم على المجيء وعلى الحضور, فإنه متى أطال عليهم شق عليهم, ونفَّرهم من الحضور، فينبغي له أن يراعي ما يشجعهم على الحضور ويرغبهم في الصلاة ولو بالاختصار وعدم التطويل، فصلاة يخشع فيها الناس ويطمئنون فيها ولو قليلًا خير من صلاة يحصل فيها عدم الخشوع ويحصل فيها الملل والكسل.

” فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ” ( 11 / 336 ، 337 ).

– وأما ضابط عدم التطويل في الصلاة فقد بيَّنه الشيخ عبد العزيز بن باز، فقد سئل – رحمه الله -: ما الضابط في عدم التطويل, فبعض الناس يشكون من التطويل؟.

فأجاب:

العبرة بالأكثرية والضعفاء، فإذا كان الأكثرية يرغبون في الإطالة بعض الشيء وليس فيهم من يراعى من الضعفة والمرضى أو كبار السن فإنه لا حرج في ذلك، وإذا كان فيهم الضعيف من المرضى أو من كبار السن فينبغي للإمام أن ينظر إلى مصلحتهم.

ولهذا جاء في حديث عثمان بن أبي العاص قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ” اقتد بأضعفهم “، وفي الحديث الآخر: ” فإن وراءه الضعيف والكبير ” – كما تقدم ، فالمقصود أنه يراعي الضعفاء من جهة تخفيف القراءة والركوع والسجود, وإذا كانوا متقاربين يراعي الأكثرية. ” فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ” ( 11 / 337 ، 338).

 

والله أعلم.

 

الإمام متجه إلى القبلة والمأمومون منحرفون عنها فماذا يصنع؟

السؤال:

ما حكم المأموم في حالة أن الإمام توجه نحو القبلة بيد أن باقي المصلين اصطفوا خلف الإمام في صف معتدل ومتراص غير أنهم ليسوا بمتجهين تجاه القبلة, فهل يجوز للمأموم أن ينحرف باتجاه القبلة ويخرج عن تسوية الصف أم ماذا يفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله

لا يختلف العلماء في أن استقبال القِبلة شرط لصحة صلاة الفريضة والنافلة، وأن ذلك لا يسقط إلا في حالات العذر -، كالجهل بها، أو للمسافر الذي لا يستطيع استقبالها ويمكن أن تفوته صلاة الفرض، أو النافلة في السفر للراكب -.

قال الله تعالى: ( فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) [ سورة البقرة / الآية 144 – 150 ] .

ولا يختلف العلماء في استحباب تسوية الصف، وظاهر النصوص وجوبه.

* وفي ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 331 ، 332 ) لشيخ الإسلام ابن تيمية:

وظاهر كلام أبي العباس – أي: شيخ الإسلام ابن تيمية – أنه يجب تسوية الصفوف; لأنه عليه السلام ” رأى رجلًا باديًا صدره فقال: لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم “, وقال عليه السلام: ” سووا صفوفكم؛ فإن تسويتها من تمام الصلاة “. متفق عليهما، وترجم عليه البخاري بباب: ” إثم من لم يقم الصف “.

قلت: ومن ذكر الإجماع على استحبابه فمراده ثبوت استحبابه لا نفي وجوبه، والله أعلم. انتهى.

لا ينبغي أن يتعارض تسوية المأمومين لصوفهم مع الاتجاه إلى القبلة، فالأصل أن يكونوا متجهين إلى القبلة، وهو من شروط صحة الصلاة.

وإذا عُلم هذا فلا يجوز أن ينحرف واحد منهم عنهم ويتجه وحده إلى القبلة، بل عليه أن يبيِّن لهم خطر فعلهم ومخالفته للشرع، وعليه أن يوجههم جميعاً نحو القبلة.

فإن أبوا ذلك: فليبحث عن مسجد آخر يُقام فيه الصف وفق الشرع، وعليه أن يجمِّل الإمام مسئولية صف مسجده، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يكبر للإحرام حتى يسوي الصفوف من خللها في التقدم والتأخر وعدم سد الفُرَج، فكيف عندما لا تكون الصفوف متجهة إلى القِبلة؟ وهكذا كان عمر وعثمان – رضي الله عنهما – يوكِّلان رجالًا لتسوية الصفوف.

وعلى فرض عدم وجود مسجد آخر وعدم استجابتهم للاتجاه للقبلة: فالواجب عليك أن تتجه وحدك إلى القبلة ولا يقدم تسوية الصف على الاتجاه إلى القبلة، وتسوية الصف واجبة، ولا يمكن أن يصل حكم تسوية الصفوف إلى كونه شرطًا لصحة الصلاة، فكيف إذا عُلم أن الصف – أصلًا – غير شرعي سواء ساووا بين صفوفهم وسدوا الفُرج أم لم يفعلوا؟.

 

والله أعلم.

كان أخوه غنيًّا ثم افتقر, فهل يعطيه الزكاة مع بقاء أساس منزله عنده؟

سؤالي:

أخي كان تاجرا ناجحا ولكون ظروفه الماديَّة ممتازة شرع في بناء من النوع الراقي وبعد فترة انقلب عليه الحال وأصبح من الفقراء، فهل يجوز أن أصرف له الزكاة رغم امتلاك أساس ذلك المنزل الذي يقدر بمبلغ ( 50000 دينارا ) وهو يعول عدد ( 9 أولاد ) وحالهم سيئ جدًّا؟.

أرجو الرد؛ لأنّ موعد الزكاة قد حل منذ ( 10 أيام ) ولم أخرج زكاتي حتى الآن.

 

الجواب:

الحمد لله

دفع الزكاة إلى الأقارب الذين هم من أهلها أفضل من دفعها إلى من هم ليسوا من قرابتك؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، إلا إذا كان هؤلاء الأقارب ممن تلزمك نفقتهم وأعطيتهم من الزكاة ما تحمي به مالك من الإنفاق فإن هذا لا يجوز.

وأخوك الفقير من أقرب الناس إليك، فدفع الزكاة له صلة وصدقة، لكن لا يُعطى من الزكاة – لا منك ولا من غيرك – لتكملة بناء بيته، والأولى أن يبادر إلى بيعه إذا كان يغلب على ظنه عدم قدرته على تكملة بنائه من ماله الخاص؛ لأن بقاء الأساس هكذا من غير بيع له ولا تكملة بناء فيه تضييع للمال بغير وجه مشرع.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين –  رحمه الله -:

كلما كان الإنسان الذي من أهل الزكاة كلما كان أقرب إليك فهو أولى من غيره؛ لأن صدقتك على القريب صدقة وصلة، فيجوز أن تعطي زكاتك من كان قريبًا لك بشرط أن لا تجب عليك نفقته، فإن كانت نفقته تجب عليك: فإنه يجب عليك الإنفاق عليه، ولا يجوز لك أن تدفع زكاتك إليه.

فإذا قدِّر أن لك أخاً لا يرثه إلا أنت وأنت غني تتمكن من الإنفاق عليه وهو فقير: فإنه لا يجوز أن تعطيه زكاتك؛ لأن الواجب عليك أن تنفق عليه من مالك، أما إذا كان هذا الأخ الفقير له أولاد: فإنه يجوز أن تعطيه من زكاتك؛ لأنه إذا كان له أولاد لا تجب عليك نفقته لأنك لست وارثًا له.

” خطبة جمعة ” ( المجموعة السابعة ).

* وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله تعالى :

ما حكم دفع الزكاة للأقارب؟

فأجاب بقوله:

القاعدة في ذلك: أن كل قريب تجب نفقته على المزكي: فإنه لا يجوز أن يدفع إليه من الزكاة ما يكون سببًا لرفع النفقة عنه، أما إذا كان القريب لا تجب نفقته كالأخ إذا كان له أبناء – فإن الأخ إذا كان له أبناء فلا يجب على أخيه نفقته نظرًا لعدم التوارث لوجود الأبناء – وفي هذه الحال يجوز دفع الزكاة إلى الأخ إذا كان من أهل الزكاة، كذلك أيضًا: لو كان للإنسان أقارب لا يحتاجون الزكاة في النفقة، لكن عليهم ديون فيجوز قضاء ديونهم، ولو كان القريب أبًا، أو ابنًا، أو بنتًا، أو أمًّا مادام هذا الدين الذي وجب عليهم ليس سببه التقصير في النفقة.

” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 18 / 414 السؤال رقم 302 ).

 

والله أعلم.

تابا من العلاقة المحرمة فهل ينصحا بالزواج؟

السؤال:

وقع رجل غير متزوج وامرأة غير متزوجة في العلاقة المحرمة وفي الكبائر؛ مثل الزنا وأمور أخرى، وبعد مدة من الإصرار على هذه العلاقة المحرمة أرسل الله الخوف في قلوبهما – ولله الحمد – وأدرك الإثنان مدى الآثام التي ارتكبوها وبدئا في التوبة – اللهم اغفر لهما وتقبل توبتهما الصادقة -، ومنذ أن شعرا بالخوف من الله بدأ الاثنان محو ذنوبهما, وسارا في كل خطوات التوبة, بدءًا من قطع العلاقات بينهما تمامًا, ويسألان الله المغفرة وطلب الغفران بصدق وإخلاص عسى الله يغفر الأوزار التي اقترفوها ويرزقهما الثبات على التوبة حتى الممات, والآن عندي سؤالان:

  • هل يجوز لهذين الشخصين ( المرأة والرجل ) أن يتزوجا بعضهما من بعض ما داما يحافظان على العهد بعدم العودة إلى الآثام مرة أخرى؛ وذلك بأن يتزوجا بالطريقة الحلال دون أن يتقابلا أبداً حتى تجمعهما العلاقة الشرعية؟.
  • بعد توبة هذين الشخصين هل يعد الزواج بينهما أمراً تشجعون عليه أم لا تشجعون عليه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نحمد الله تعالى أن وفقكما للتوبة، ونسأله تعالى أن يثبتكما، وعليكما أن تشكرا الله أن منَّ عليكما بالهداية، ومن تمام شكر هذه النعمة – وهو من شروط التوبة الصادقة – العزم على عدم العودة للذنب، والبعد عن الأسباب الموصلة إليه.

والزنا من كبائر الذنوب، والزاني معرَّض لوعيد الله، لكنه إن تاب توبة نصوحاً: فإن الله يتوب عليه؛ لأن الله تعالى قال: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) [ الفرقان / من الآية 68 – 71 ].

وأما بالنسبة لزواج الزناة: فإنه لا يجوز لهما الزواج إلا بعد التوبة والاستبراء بحيضة، وأما قبل التوبة فلا يحل لهما الزواج.

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم:

لا يجوز الزواج من الزانية حتى تتوب … وإذا أراد رجلٌ أن يتزوجها وجب عليه أن يستبرأها بحيضة قبل أن يعقد عليها النكاح، وإن تبين حملها لم يجز له العقد عليها إلا بعد أن تضع حملها … ” الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ” ( 2 / 584 ).

ومثله عن علماء اللجنة الدائمة كما في ” فتاواهم ” ( 18 / 383 ، 384 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

وإذا أردت أن تتزوجها وجب عليك أن تستبرئها بحيضة قبل أن تعقد عليها النكاح وإن تبين حملها لم يجز لك العقد عليها إلا بعد أن تضع حملها عملًا بحديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الإنسان ماءه زرع غيره.

” فتاوى اللجنة الدائمة في مجلة البحوث الإسلامية ” ( 9 / 72 ) .

وأما لنصيحتنا لكما فهو عدم الزواج من بعضكما، وليس ذلك لأنه حرام، بل لما قد يترتب عليه من تذكر تلك الأيام التي كانت فيها المعصية، وقد يوسوس لكما الشيطان بنزع الثقة فتسوء العشرة بينكما، بخلاف ما لو تزوج كل واحد منكما بغير الآخر.

 

والله أعلم.

هل يجوز أخذ نفقات الحج من والده؟

السؤال:

هل يجوز أن يدفع والدي نفقات الحج عني وعن زوجتي؟ أم هل يجوز له أن يهديني التذكرتين ومصاريف الحج؟ وإذا اخترنا أيًّا من الطريقتين السابقتين فهل يصبح حجنا نافلة؟ وجزاك الله خيرًا.

 

الجواب:      

الحمد لله

لا مانع من أن يتبرع محسنٌ بنفقات الحج لأحدٍ من الناس، ولا يشترط في صحة حج الفرض أو التطوع أن يكون من مال الحاج نفسه، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.

وإذا كان هذا التبرع لقريب: كان أكثر أجرًا، وله مثل أجر حجته إن شاء الله، وما سيفعله والدكَ معك ومع زوجتك في التبرع بتكاليف حجكما أمرٌ يشكر عليه، وهو داخل في قوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) [من المائدة /من الآية 2].

ولا فرق بين الطريقتين اللتين ذكرتَهما في السؤال، ولا يكون حجكم نافلة بل حج فريضة.

وعلى والدِك المتبرع بهذه النفقات أن يكون قد حجَّ من قبْل؛ لأنه مخاطَبٌ بهذا، ولكن عدم حجه لا يمنع من قبول تبرعه وكتابة الأجر له.

ومما يدل على جواز الحج بغير مال الشخص نفسه: جواز دفع الزكاة للراغب بأداء هذه الفريضة، وهو داخل في قوله تعالى – عند تعداد المستحقين للزكاة – ( وفي سبيل الله ) وهو شامل للجهاد والحج.

 

والله أعلم.