الرئيسية بلوق الصفحة 107

من أين يُحرم الحاج للحج أو العمرة؟

السؤال:

أريد الحج هذه السنة بإذن الله وأريد أن أسافر من الرياض إلى جدة عن طريق الجو “بالطائرة” فمتى أحرم بالضبط؟

 

الجواب:

الحمد لله

إذا أردت الحج أو العمرة جوًّا أو برًّا أو بحرا فيجب عليك أن تحرم من الميقات، وميقاتك في هذه الحالة إذا قدمت من الرياض إلى جدة يكون من ” قرن المنازل ” ويسمَّى حاليًّا ” السيل الكبير ” أو ” وادي محرم “.

* قال الشيخ بن جبرين حفظه الله:

فأما المواقيت المكانية فأولها: ذو الحليفة لأهل المدينة، وتبعد عنها نحو ستة أميال ويسميها العامة أبيار علي، والثاني: الجحفة، وتبعد عن مكة ثلاث مراحل وقد خربت ويحرم الناس من رابغ قبلها بقليل وهي ميقات لأهل الشام ومصر والمغرب إذا لم يمروا بالمدينة، الثالث: ” قرن المنازل ” يبعد عن مكة مرحلتان ويعرف الآن ” بالسيل الكبير ” وأعلاه غربا يعرف بـ” وادي محرم” وهو ميقات لأهل نجد والطائف ومن مرَّ بذلك، الرابع: يلملم.

 ومن لم يكن في طريقه ميقات: أحرم إذا حاذى أقربها إليه سواء كان طريقه برًّا أو بحراً أو جوًّا ويحرم راكب الطائرة إذا حاذى الميقات أو يحتاط قبله حتى لا يجاوزه قبل إحرامه، فمن أحرم بعد ما جاوز الميقات فعليه دم جبران، والله أعلم.

” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 198 ).

* وسئلت اللجنة الدائمة:

كان الحجاج السودانيون في الزمن الماضي حدود إحرامهم للحج الجحفة، وكانت الباخرة تطلق الصفارة وتعلن حدود الإحرام للحجاج، ولكن بعد وصول الطائرات أصبح إحرام الحجاج السودانيين من جدة، وبعد حضورهم إلى جدة يقضون بها أيّامًا طويلة وهم بملابسهم العادية. السؤال: هل الإحرام من جدة جائز؟ هل يجوز لهم الإحرام في نفس اليوم من حضورهم، أم على حسب ما يرونه مناسب؟

فأجابت:

جدة ليست ميقاتاً لحج أو عمرة إلا للمستوطنين أو المقيمين بها، وكذا من وصل إليها لحاجة غير عازم على حج أو عمرة، ثم بدا له أن يحج أو يعتمر. أما من كان له ميقات قبلها كذي الحليفة بالنسبة لأهل المدينة وما وراءها، أو حاذاها برًّا أو جوًّا، وكالجحفة لأهلها ومن حاذاها برًّا أو بحرا أو مر بها جوًّا، وكــ “يلملم: كذلك، فإنه يجب عليه أن يحرم من ميقاته أو مما يحاذيه جوًّا أو بحراً أو برًّا.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عبد الرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان، عبد الله ابن قعود” فتاوى اللجنة الدائمة ” الفتوى رقم (4575) ( 11 / 130، 131 ).

وينبغي أن يعلم أن الأصل في هذه المواقيت المكانية هو ما رواه البخاري في صحيحه ( 1748 ) ومسلم ( 1181 ) عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم، هنَّ لأهلهن ولكل آتٍ أتى عليهن مِن غيرهم ممن أراد الحج والعمرة فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة “.

وأما بالنسبة لجواز الإحرام إذا حاذى الإنسان ميقاتًا من هذه المواقيت ولا يلزمه أن يصل إلى نفس الميقات إذا كان في طائرة أو سفينة: هو ما أخرجه البخاري ( 1458 ) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما فُتح هذا المصران – يعني: الكوفة والبصرة – أتَوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّ لأهل نجد قرنًا وهو جورٌ عن طريقنا، وإذا أردنا قرناً شق علينا قال: فانظروا حذوها من طريقكم فحدَّ لهم ذات عرق.

* قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

” فانظروا حذوها ” أي: اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها من غير قبل فاجعلوه ميقاتًا. ” فتح الباري ” ( 3 / 389 ).

ويحسن بنا أخيرًا أن نذكر جوابًا للشيخ ابن باز رحمه الله لما سئل عن حكم من جاوز الميقات دون أن يحرم سواء كان لحج أو عمرة أو لغرض آخر:

فأجاب رحمه الله بقوله:

من جاوز الميقات لحجٍّ أو عمرة ولم يحرم وجب عليه الرجوع والإحرام بالحج والعمرة من الميقات؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك بقوله ” يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ويهل أهل الشام من الجحفة ويهل أهل نجد من قرن ويهل أهل اليمن من يلملم “. فإذا كان قصده الحج أو العمرة يلزمه الإحرام من الميقات الذي يمر عليه فإذا كان من طريق المدينة أحرم من ذي الحليفة، وإن كان من طريق الشام أو مصر أو المغرب أحرم من الجحفة من رابغ الآن وإن كان من طريق اليمن أحرم من يلملم وإن كان من طريق نجد أو الطائف أحرم من وادي قرن ويسمى حاليًّا ” السيل ” ويسميه بعض الناس ” وادي محرم ” فيحرم من ذلك بحجة أو عمرة أو بهما جميعًا .. إلخ فتاوى إسلامية ( 2 / 201 ).

وينبغي أن يعلم أنه ليس من السنة أن يحرم الإنسان قبل الميقات تعبدًّا لأنَّ هذا ليس من السنة وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام إلا إذا كان الإنسان في طائرة أو سيارة فلا يتمكن من الوقوف عند محاذاة الميقات فهذا يحتاط بما يغلب على ظنه أنه لن يتجاوز الميقات إلا وهو محرم.

* قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

فلم ينقل عن أحدٍ ممن حجَّ من النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرًا.

” فتح الباري ” ( 3 / 387 ).

 

ملاحظة:

يخطئ بعض الناس في معرفة الإحرام فيظن بعضهم أنه فقط لبس الرداء        والإزار، وليس الأمر كذلك بل هو نية الدخول في النسك مع وجوب لباس الرداء والإزار قبل مجاوزة الميقات.  ” الشرح الممتع ” ( 7 / 78 ).

 

والله أعلم.

المسبوق في الصلاة هل يسلّم ثم يُكمل صلاته؟ وهل الركعة التي يدركها تكون في حقّه الأولى؟

السؤال:

1) إذا أدرك الشخص صلاة الجماعة في موضع بعد الركوع الأخير من الصلاة هل الواجب عليه أن يستكمل صلاته بعد تسليم الإمام أم الواجب عليه أن يسلم ثم يستأنف صلاته.

2) لنفرض أن رجلًا أدرك مع الجماعة الركعة الثالثة على سبيل المثال. سؤالي هو: عندما يقف ليستكمل صلاته هل ستكون قراءته سرية أم جهرية، فهل يعني ذلك أنه يقضي ما فاته على سبيل المثال الركعة الأولى جهرية أو يقال أنه يتم صلاته وفي هذه الحالة تكون قراءته سرية لأنهما الركعتين الأخيرتين من صلاته (أرجو أن تكون قد فهمت قصدي). أنا أفهم أنه قد يكون هنالك اختلاف في جهات النظر حيال هذه المسألة كما هو مشار إليه في الترجمة الإنجليزية لبلوغ المرام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من أدرك شيئاً من صلاة الإمام، ولو كان ذلك في آخر لحظة قبل السلام فإنه تلزمه هذه الصلاة ولا يحل له أن ينقضها فإن سلم الإمام قام فأتم صلاته لأنه لما دخل المسجد والناس يصلون وجب عليه اللحاق بهم على الحال التي يكونون عليها من سجود وركوع وغير ذلك.

عن معاذ بن جبل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام  على حال فليصنع كما يصنع الإمام ” .رواه الترمذي ( 935 ).

والحديث: قال الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي: صحيح .

   ثانيًا:

 وأما كونه لا يسلم مع الإمام وإنما يتم ما فاته:

أ. فعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: ” بينما نحن نصلي مع النبي  صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا “.

رواه البخاري ( 995 ) ومسلم ( 948 ).

–  فالدليل عام بالإتمام حتى ولو فاتته الصلاة ولم يدرك إلا آخرها.

– وقد فاتت صلاة الفجر يومًا رسول الله فلم يدرك منها إلا الأخيرة فلم يسلم مع الإمام وإنما قام فأتم.

ب. وعن المغيرة بن شعبة أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك قال المغيرة: ” فتبرز رسول الله  صلى الله عليه وسلم قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أخذت أهريق على يديه من الإداوة وغسل يديه ثلاث مرات ثم غسل وجهه ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه ثم أقبل قال المغيرة فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى لهم فأدرك رسول الله  صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال أحسنتم أو قال قد أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها  “. رواه مسلم ( 640 ).

ثالثًا:

أما الجواب على سؤال هل يتم المسبوق ما لم يدرك أم أنه يقضي ما فاته؟

فالصحيح أنه يتم ما فاته وأن ما صلاه مع الإمام هو أول صلاته وأن الركعتين أو الركعة التي أدركها هي الأولى عنده فيقوم ليصلي ما بقي لا ما فاته وذلك لحديث المغيرة السابق.

* قال الإمام الخطابي:

قوله ” فأتموا “: دليل على أن الذي يدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء قد تقدم سائره وإلى هذا ذهب الشافعي في أن ما أدركه المسبوق من صلاة إمامه هو أول صلاته وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه.

وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: هو آخر صلاته وإليه ذهب أحمد بن حنبل وقد روي ذلك عن مجاهد وابن سيرين واحتجوا بما روي في هذا الحديث من قوله عليه السلام وما فاتكم فاقضوا قالوا والقضاء لا يكون إلا للفائت.

– وذكر أن أكثر الرواة اجتمعوا على قوله ” وما فاتكم فأتموا ” – ثم قال:

قلت: وقد يكون القضاء بمعنى الأداء للأصل، كقوله تعالى { فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } ( الجمعة / 10 )، وكقوله { فإذا قضيتم مناسككم } (البقرة/200 )، وليس شيء من هذا قضاء لفائت.

فيحتمل أن يكون قوله ” وما فاتكم فاقضوا ” أي: أدوه في تمام، جمعاً بين قوله ” فأتموا ” وبين قوله ” فاقضوا ” ونفيا للاختلاف بينهما. ” معالم السنن ” ( 1 / 298).

   وقد ردَّ على أهل القول الآخر الحافظ ابن حجر أيضا فقال:

إن أكثر الروايات ورد بلفظ ” فأتموا ” وأقلها بلفظ ” فاقضوا ” وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا واختلف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالباً لكنه يطلق على الأداء أيضا ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا }.ويَرِدُ بمعانٍ أخر فيحمل قوله هنا ” فاقضوا “: على معنى الأداء أو الفراغ فلا يغاير قوله ” فأتموا ” فلا حجة فيه لمن تمسك برواية ” فاقضوا ” على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته حتى استحب له الجهر في الركعتين وقراءة السورة وترك القنوت بل هو أولها وإن كان آخر صلاة إمامه لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه.

وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التشهد  وقول ابن بطال إنه ما تشهد إلا لأجل السلام لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد ليس بالجواب الناهض على دفع إيراد المذكور.

واستدل ابن المنذر لذلك أيضا على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى.” فتح الباري ” ( 2 / 119 ).

 

والله  أعلم.

الجمع بين حديث ( لو أنفق مثل أحد ذهبًا ) وحديث ( أجر خمسين منكم ).

السؤال:

قرأت في صحيح الجامع حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة أن أقواماً من المسلمين في زمن ضعف الدين يكون أجر العامل منهم أجر خمسين من الصحابة. وما سبب حيرتي هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وقال أيضا: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ ذلك مد أحد الصحابة أو نصيفه.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ذهب العلماء في الجمع بين الحديثين إلى أقوال كلها صحيحة، وبه يعرف أنه لا تعارض بين نصوص الوحي لأن كلها من عند الله.

أ. قال الحافظ ابن حجر:

حديث ” للعامل منهم أجر خمسين منكم “: لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية .

وأيضا: فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به مَن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم مِن زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد.

فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة. ” فتح الباري ” ( 7 / 7 ).

ب. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام:

ليس هذا على إطلاقه بل هو مبني على قاعدتين:

إحداهما: أن الأعمال تشرف بثمراتها.

والثانية: أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله وبالعكس لقوله عليه السلام: ” بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتي ” يريد المنفردين عن أهل زمانهم.

إذا تقرر ذلك فنقول:

الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله عليه السلام لخالد بن الوليد رضي الله عنه ” لو أنفق أحدكم مثل أحُدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ” أي: مدَّ الحنطة، والسبب فيه: أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها ولذلك قال عليه السلام: ” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ” جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته.

وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين، وإظهار شعائر الإسلام: فإن ذلك شاق على المتأخرين لعدم المُعين، وكثرة المنكر فيهم كالمنكر على السلطان الجائر، ولذلك قال عليه السلام ” يكون القابض كالقابض على الجمر ” لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة؛ فكذلك المتأخر في حفظ دينه.

وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر فعلى هذا ينزل الحديث. انتهى . انظر ” عون المعبود ” ( 11 / 333 ).

ج. وقال شيخ الإسلام رحمه الله:

وقد يكون لهم – أي: للمتأخرين – من الحسنات ما يكون للعامل منهم – أي: من الصحابة – أجر خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا مَن يعينهم على ذلك لكن تضعيف الأجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقي يحصل مثله لأحد كما في الصحيحين عنه  صلى الله عليه وسلم ” لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه “. ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 65 ، 66 ).

وقال:

ومع هذا فما للمتأخرين كرامة إلا وللسلف من نوعها ما هو أكمل منها.

وأما قوله: ” لهم أجر خمسين منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون على الخير أعوانًا “: فهذا صحيح إذا عمل الواحد من المتأخرين مثل عملٍ عَمِلَه بعضُ المتقدمين كان له أجر خمسين لكن لا يتصور أن بعض المتأخرين يعمل مثل عمل بعض أكابر السابقين كأبي بكر وعمر فإنه ما بقي يبعث نبيٌّ مثل محمدٍ يُعمل معه مثلما عَملوا مع محمَّدٍ  صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله: ” أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره ” – مع أن فيه لينا – فمعناه: في المتأخرين مَن يشبه المتقدمين ويقاربهم حتى يبقى لقوة المشابهة والمقارنة لا يدري الذي ينظر إليه أهذا خير أم هذا، وإن كان أحدهما في نفس الأمر خيرا.

فهذا فيه بشرى للمتأخرين بأن فيهم من يقارب السابقين كما جاء في الحديث الآخر ” خير أمتي أولها وآخرها وبين ذلك ثبج أو عوج، وددت أنى رأيت إخواني، قالوا: أوَلَسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي “: هو تفضيل للصحابة فإن لهم خصوصية الصحبة التي هي أكمل من مجرد الأُخُوَّة.

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 370 ، 371 ).

 

  1. ونود لفت نظر السائل والإخوة جميعا، إلى أن لفظ الحديث الوارد في السؤال وهو ” خير القرون قرني “: لا أصل له بهذا اللفظ، وإن كثر استعماله في كتب أهل السنة، ثم هو خطأ من حيث المعنى، إذ لو كان هذا لفظه لقال بعده ” ثم الذي يليه “! لكن لفظ الحديث ” ثم الذين يلونهم “، ولفظ الحديث الصحيح: ” خير الناس قرني ” و ” خير أمتي قرني “.

 

والله أعلم.

التوفيق بين موقف ابن آدم مِن قتل أخيه له مع حديث (وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)

التوفيق بين موقف ابن آدم مِن قتل أخيه له مع حديث (وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)

السؤال:

هل هناك تعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) وبين قول هابيل ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) المائدة/ 28؟ أفتوني مأجورين، بارك الله فيكم، ودمتم للدين خادمين.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا سؤال دقيق الملحظ، ورفع الإشكال فيه يكون بمعرفة معنى الآية الكريمة في رد ابنِ آدم المقتول على أخيه.

وقد اختلف المفسرون في سبب قول ابن آدم المقتول ظلما ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) فقال بعضهم: إنه لم يكن مأذونا لابن آدم المصول عليه أن يدافع عن نفسه تجاه أخيه الذي أراد قتله بل كان عليه أن يستسلم له، وقال آخرون: إن الأمر ليس كذلك بل السبب في ذلك القول أنه لا يحل له قتل أخيه الذي صرَّح له بأنه سيقتله، ولذا فإن القتل قد حصل غيلة، ولعلَّ هذا السبب أن يكون هو الأرجح، وبه يتبين معنى الآية وأنه ليس فيها دلالة على عدم مدافعة القاتل، وهو ما رجحه إمام المفسِّرين الإمام الطبري رحمه الله حيث قال:

وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ولم يمانعه ما فَعَل به، فقال بعضهم: قال ذلك إعلاما منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتلَه ولا بسطَ يده إليه بما لم يأذن الله جل وعز له به

وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله وقال ما قال له مما قصَّ الله في كتابه إلا أن الله عزّ ذِكْره فرضَ عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عزَّ ذِكْره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلما، وأن المقتول قال لأخيه: ” ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك “؛ لأنه كان حراما عليه مِن قتل أخيه مثلُ الذي كان حراما على أخيه القاتل من قتله، فأمّا الامتناع من قتله حين أراد قتله: فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه كان المقتول عالما بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله فترك دفعَه عن نفسه، بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ، فإذْ كان ذلك ممكنا ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورا بترك منع أخيه مِن قتله: يكون جائزا ادِّعاءُ ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب تسليمُه

” تفسير الطبري ” ( 10 / 213 ، 214 ).

ومن قال بخلاف ما رجحه الطبري رحمه الله وقال إن الآية تدل على عدم جواز مدافعة القاتل وأنه ينبغي الاستسلام للقتل: فلا يسعه إلا القول بأن هذا شرع من قبلنا وأنه جاء في شرعنا ما ينسخه، أو يقول إن هذا الأمر يُحمل على أحوال معيَّنة كحال الفتنة العظيمة، وبكلا التخريجين للآية قال طائفة من أهل العلم.

قال أبو بكر الجصَّاص – رحمه الله -:

قوله تعالى ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) قال ابن عباس: معناه: لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به، ولم يُرد أني لا أدفعك على نفسي إذا قصدت قتلي، فروي أنه قتل غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها، وروي عن الحسن ومجاهد أنه كُتب عليهم إذا أراد رجل قتله أن يتركه ولا يدفعه عن نفسه.

قال أبو بكر: وجائز في العقل ورود العبادة بمثله، فإن كان التأويل هو الأول: فلا دلالة فيه على جواز ترك الدفع عن نفسه بقتل مَن أراد قتله وإنما فيه أنه لا يبدأ بقتل غيره، وإن كان التأويل هو الثاني : فهو منسوخ لا محالة، وجائز أن يكون نسخه بشريعة بعض الأنبياء المتقدمة، وجائز أن يكون نسخه بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، والذي يدل على أن هذا الحكم غير ثابت في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الواجب على مَن قصده إنسانٌ بالقتل أن عليه قتله إذا أمكنه وأنه لا يسعه ترك قتله مع الإمكان : قوله تعالى ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) الحجرات/ 9 ، فأمَر الله بقتال الفئة الباغية ولا بغيَ أشد من قصد إنسان بالقتل بغير استحقاق، فاقتضت الآية قتل مَن قصد قتل غيره بغير حق.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مستفيضة ( مَن قُتِلَ دُونَ نَفْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) – رواه الترمذي والنسائي وأبو داود بإسناد صحيح من حديث سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه دون قوله ( دُونَ نَفْسِهِ ) -، وروى عبد الله بن الحسين عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ ) – رواه ابن ماجه وهو صحيح – فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدافع عن نفسه وأهله وماله شهيد، ولا يكون مقتولاً دون ماله إلا وقد قاتل دونه.

” أحكام القرآن ” ( 4 / 45 ).

وأما حمْل الآية على الاستسلام للقتل في الفتنة: فقد قال به طائفة من الحنابلة والشافعية، وهو متوافق مع حديث سَعْد بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَليَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( كُنْ كَابْنَيْ آدَمَ ) وَتَلاَ يَزِيدُ ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ ) الآيَةَ. رواه الترمذي ( 2194 ) وصححه، وأبو داود ( 4257 ).

وعليه يُحمل فعل عثمان رضي الله عنه حيث استسلم لقتل الخوارج ولم يقاتلهم، وينبغي تقييد الفتنة – عند من يقول بها – بأنها التي يترتب على المدافعة فيها شَرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة فيها غير مجدية.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقوله ” وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ ” أي: يلزم من صال عليه آدمي أو بهيمة أن يدافع عن نفسه وجوبا؛ لقوله تعالى ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195، ومَن استسلم للصائل الذي يريد قتله فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، ووقع فيما نهى الله عنه، ولقوله تعالى ( وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) البقرة/ 191، فأمر بقتلهم حتى عند المسجد الحرام مع حرمته وتعظيمه، ولقوله عليه الصلاة والسلام ( حين سئل ): أرأيتَ إن قاتلني؟ قال ( قاتله ) – رواه مسلم -، ولأن نفسه محترمة وأمانة عنده، ومسؤول عنها أمام الله، فوجب عليه أن يدافع عنها، ولأنها نفس محترمة، ونفس الصائل نفس معتدية ليس لها حرمة، ومعلوم أنه يجب فداء النفس المحترمة بالنفس المعتدية، وأن تتلف النفس المعتدية لإبقاء النفس المحترمة، فهذه تدل على وجوب المدافعة عن النفس.

فالحاصل: أنه يجب الدفاع عن نفسه، لكن هل يُستثنى من هذا شيء؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم : يُستثنى من ذلك حال الفتنة – نعوذ بالله من الفتنة – إذا اضطرب الناس وافتتنوا وصار بعضهم يقتل بعضا لا يدري القاتل فيما قَتَل ولا المقتول فيما قُتِل، فتنة مائجة، فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدفع، واستدلوا بقول النبي – عليه الصلاة والسلام – ( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ) فقيل: يا رسول الله  أرأيت إن دخل بيتي هل أقتله أم لا؟ قال ( لاَ تَقْتُلْهُ ) – هذان حديثان الأول متفق عليه والثاني رواه الترمذي وأبو داود وقد سبق -، وقال – عليه الصلاة والسلام – ( فَإِنْ بَهَرَكَ شُعَاع السَّيْف فَأَلْقِ رِدَاءَكَ عَلَى وَجْهِكَ ) – رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح – يعني: واستسلم، واستدلوا أيضا بفعل عثمان رضي الله عنه فإن الصحابة طلبوا منه أن يدفعوا عنه الذين خرجوا عليه، ولكنه – رضي الله عنه – أبَى، وقال: ” لا تقاتلوا “، فإذا كانت فتنة: فلا تقاتل.

والصواب: أن الفتنة إذا كان يترتب على المدافع فيها شَرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة لا تجدي لكثرة الغوغاء : ففي هذه الحال لا يجب الدفع، وإلا وجب الدفع لما ذكرت فيما سبق، وتُحمل النصوص الواردة في ذلك على هذه الحال، وكذلك ما ورد عن عثمان رضي الله عنه؛ لأن عثمان رأى أن أهل المدينة لو دافعوا لالتهمهم هؤلاء الخارجون؛ لأنهم عدد كبير لا طاقة لأهل المدينة بمدافعتهم.

ويرى بعض العلماء أنه يلزم الدفع مطلقا، وأن الأحاديث الواردة في ذلك فيما إن كان الإنسان لا يستطيع المدافعة؛ لأن مدافعته إذا كان لا يستطيع: لا فائدة منها .

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 389 – 391 ).

وبما ذكرناه يتبين معنى الآية الكريمة وأنها إما أنها غير دالة على المنع من المدافعة، أو أنها تحمل على المنع فتكون منسوخة، وأنه لا يصح الاستدلال بها إلا على حالة الفتنة العظيمة التي يُعجز عن ردها، وهذا عند بعض العلماء، وأما الجمهور فيخالفون في ذلك ويوجبون مدافعة الفتنة بالقتال.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

 

استعمال بطاقات الائتمان للشراء من خارج البلاد

استعمال بطاقات الائتمان للشراء من خارج البلاد

السؤال:

أريد أن أشتري برامج كمبيوتر من خلال الإنترنت ولكن الدفع يجب أن يكون باستعمال بطاقات الائتمان فهل هذا جائز؟

لدي بطاقة استعملتها من قبل للشراء من خارج البلد أو عندما أسافر، كنت حريصًا جدًّا على الدفع في الوقت المحدد أو حتى الدفع مقدما قبل الشراء لتجنب الربا.

في الحديث الذي رواه جابر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده وقال كلهم سواء. رواه مسلم في صحيحه.

– ألغيت البطاقة بسبب الفقرة المذكورة في العقد عن الربا الذي يجب أن أوقعه.

كل مرة أحتاج للشراء من خارج البلاد أذهب للبنك (يتعامل بالربا) وأشتري بطاقات نقدية مدفوعة مقدمًا ( برسوم إضافية ) وأرسلها بالبريد المسجل ( برسوم إضافية مرة أخرى ) للبائع وهذا يستغرق الكثير من الوقت والرسوم، ولكنني أتجنب استعمال بطاقات الائتمان فهل يجوز استعمال بطاقات الائتمان لمثل هذا الشراء إذا دفعت القيمة مقدمًا؟

لا أريد أن أستعمل ميزات البطاقة ولكن فقط لكي أتمكن من الشراء عالميًّا، هذه المشكلة يواجهها الكثير من المسلمين في بلدي.

 

الجواب:

الحمد لله

تكرر هذا السؤال من قبل وذكرنا:

عرضنا السؤال التالي على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

 بطاقة الفيزا تشتمل على شرط ربوي إذا تأخرت عن التسديد جعلوا عليّ غرامة لكن المكان الذي أقيم فيه في أمريكا لا يمكن لي أن أستأجر سيارة ولا محلًّا وكثير من الخدمات العامة لا تمكن إلا ببطاقة الفيزا وإذا لم أتعامل بها أقع في حرج كبير لا أطيقه، فهل التزامي بالتسديد في وقت معين حتى لا يصبح عليّ ربا يبيح لي التعامل بهذه البطاقة في وضع الحرج الذي أعيش فيه؟

فأجاب – حفظه الله – بما يلي: إذا كان الحرج متيقنًا واحتمال التأخير عن التسديد ضعيف، فأرجو أن لا يكون فيها بأس.

فيلاحظ الشرطان في الإجابة، وهما: 1. وجود الحرج، وأنه لا مناص من استخدامها. 2. أن يلتزم بالتسديد ولا يتأخر.

 

والله أعلم.

ماذا يحصل للإنسان بعد الموت بالتفصيل؟

السؤال:

سأكون ممتنًا إذا كتب الشيخ مقالًا مفصلًا عن ترتيب ما يحصل بعد الموت فمثلًا عندما يوضع الجسد في القبر والملائكة تأتي وتسأل، هل يعاقب أم لا؟ ونهايته ستكون في الجنة أم في النار؟ والنفخ في الصور، وقيام الموتى، ومجيء الله سبحانه والجنة عن يساره، والحساب، والصراط، والحوض، ونهر الحياة،…الخ.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:  

إذا مات ابن آدم وخرجت روحه ووضع في قبره فإنه عندئذٍ سيكون في أول مراحل الآخرة لأن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة.

 

ثانيًا:

يأتيه الملكان الموكلان به يسألانه عما كان يؤمن به في الدنيا عن ربه وعن دينه وعن نبيه فإن أجابهم بخير فذلك خير وإن لم يجبهم فإنهم يضربونه ضربًا مرًّا أليمًا.

وإن كان من أهل الصلاح جاءه ملائكة بيض الوجوه وإن كان من أهل الفساد جاءه ملائكة سود الوجوه.

عن البراء قال: ” خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد  فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر ثلاث مرات أو مرتين ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس حتى يجلسون منه مد البصر معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة يجيء ملك الموت فيقعد عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فيفتح لهم فيستقبله من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة قال فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان ما عملك فيقول قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة فيأتيه من طيبها وروحها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول ابشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح حتى يجلسون منه مد البصر ثم قال ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه قال فتفرق في جسده قال فتخرج فينقطع معها العروق والعصب كما تنزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسموح فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى سماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط قال فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه طرحًا وقال ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق قال فيعاد روحه في جسده ويأتيه الملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له وما دينك فيقول هاه هاه لا أدري قال فينادي مناد من السماء أفرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار قال فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه وقبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة “.

رواه أبو داود ( 4753 ) وأحمد ( 18063 ).

 

بعد أن يشاء الله تعالى أن تقوم القيامة وأن يحاسب الناس على ما قدموا ويأمر الله بالنفخة الأولى وذلك بآخر يومٍ من أيام الدنيا فتتبدل الأرض غير الأرض فيخرب كل شيء على الأرض الجبال تصبح كثيبًا مهيلًا والسماء تتشقق والكواكب تتناثر والبحار تتسجر وذلك قوله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار } ( إبراهيم / 48 )، وقال تعالى { إنّ يوم الفصل كان ميقاتًا. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا. وفتحت السّماء فكانت أبوابًا. وسيّرت الجبال فكانت سرابًا }  ( سورة النبأ / 17 – 20 ).

وقال تعالى { يوم ترجف الرّاجفة. تتبعها الرّادفة. قلوبٌ يومئِذٍ واجفةٌ. أبصارها خاشعةٌ. يقولون أءنا لمردودون في الحافرة. أئذا كنا عظامًا نخرة. قالوا تلك إذاً كرة خاسرة. فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالسّاهرة } ( سورة النازعات / 6 – 14 )

وقال تعالى: { إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت. وإذا الوحوش حشرت. وإذا البحار سجرت. وإذا النفوس زوجت. وإذا الموءودة سئلت .- بأي ذنب قتلت و إذا الصحف نشرت –  وإذا السماء كشطت – وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت. علمت نفس ما أحضرت }

( التكوير / 1-14).

وقال تعالى: { إذا السماء انفطرت . وإذا الكواكب انتثرت. وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت } ( الانفطار / 1-5 ).

وقال تعالى: { إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت.  وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت. وأذنت لربها وحقت } ( الانشقاق / 1-5 ).

ثم تكون الصعقة الثانية فيبعث الله الناس من قبورهم، قال تعالى { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله . ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون } (  الزمر / 68 ) وذلك بعد أن ترجع الأرواح إلى الأجساد فيقول الكافرون { قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } (  يس / 52 ).

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذٌ بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور”. رواه البخاري ( 3217 ) ومسلم ( 2373 ).

ثم بعد ذلك يكون الحشر وهو قبل أن يعرض الناس على ربهم ويقفون في المحشر أو الموقف وهو موقف شديد الكرب عصيب.

قال تعالى { يوم نحشر المتقين ‎إلى الرحمن وفداً ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا } ( 85- 86 ).

فيقف الناس كما ولدتهم أمهاتهم حفاة عراة غرلًا.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا، قلت: يا رسول الله ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض “. رواه البخاري ( 6162 ) ومسلم ( 2859 ).

 

ثم بعد ذلك تأتي شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس للفصل بينهم.

عن أنس قال: حدثنا محمد  صلى الله عليه وسلم: ” قال إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى  فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد  صلى الله عليه وسلم فيأتونني فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع  فأقول  يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة فقال هيه فحدثناه بالحديث فانتهى إلى هذا الموضع فقال هيه فقلنا لم يزد لنا على هذا فقال لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا قلنا يا أبا سعيد فحدثنا فضحك وقال خلق الإنسان عجولًا ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم حدثني كما حدثكم به وقال ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع  فأقول  يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله”. رواه البخاري ( 7072 ) ومسلم ( 193 ).

ثم العرض: وهو أن تعرض أفعال الخلأئق على الله تبارك وتعالى وذلك قبل الحساب.

قال تعالى { وعرضوا على ربك صفاً . لقد جئتمونا كما خلقناكم أول  مرة } (الكهف/ 48 )،{ ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا} ( الكهف /  49 ).

ثم الحساب: وهو مناقشة العبد بسيئاته وحسناته قبل أن ينصرف من المحشر من بين يدي الله تبارك وتعالى فيسأل عن كل شي عن الصغيرة والكبيرة  قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن عمله فيم عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ فيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه ؟”.  رواه الترمذي ( 2417 ) وصححه .

والمؤمن يعرض الله عليه أعماله عرضًا، فمن ناقشه الله هلك.

عن عائشة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ”  ليس أحد  يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى { فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا } فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب “.

رواه البخاري ( 6172 ) ومسلم ( 2876 ).

غير أن أقوام يدخلون الجنة بغير حساب.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:” خرج علينا النبي  صلى الله عليه وسلم  يومًا فقال عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فرجوت أن يكون أمتي فقيل هذا موسى وقومه ثم قيل لي انظر فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل لي انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة  بغير حساب  فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  فقالوا أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله ولكن هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ النبي  صلى الله عليه وسلم فقال هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال أمنهم أنا يا رسول الله قال نعم فقام آخر فقال أمنهم أنا فقال سبقك بها عكاشة “.

رواه البخاري ( 5378 ) ومسلم ( 220 ).

وهناك تشهد على الكافرين أعضاؤهم.

قال تعالى: { ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون. حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة و إليه ترجعون. وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون }  ( فصلت / 19 – 22 ).

ولكن يستر الله على المؤمنين ويناجيهم بحيث لا يطلع أحد على ذنوبهم ويفضح الكافرين فيناديهم على رؤوس الأشهاد فيخبرهم بما صنعوا.

عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذ عرض رجل فقال يا أبا عبد الرحمن أو قال يا ابن عمر سمعت النبي  صلى الله عليه وسلم في النجوى فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” وقال هشام يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه  فيقرره  بذنوبه تعرف ذنب كذا يقول أعرف يقول رب أعرف مرتين فيقول سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم تطوى صحيفة حسناته وأما الآخرون أو الكفار فينادى على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين “. رواه البخاري ( 4408 ) ومسلم ( 2768 ).

أما الميزان: فقد سئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ

هل هو عبارة عن العدل أم له كفتان؟.

فأجاب: الميزان هو ما يوزن به الأعمال وهو غير العدل كما دل على ذلك الكتاب والسنة مثل قوله تعالى:{ فمن ثقلت موازينه } ( الأعراف / 8 )، { ومن خفت موازينه} ( الأعراف / 9 )، وقوله تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} (الأنبياء / 47 ).

عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده. سبحان الله العظيم”. رواه البخاري ( 6043 ) ومسلم ( 2694 ).

وقال عن ساقي عبد الله بن مسعود: ” لهما في الميزان أثقل من أحد “.

رواه أحمد ( 922 ).

وفي الترمذي وغيره حديث البطاقة وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما: وفي الرجل الذي يؤتى به فينشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجل منها مد البصر فيوضع في كفة ويؤتى له ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة.

وهذا وأمثاله ما يبين أن الأعمال توزن بموازين تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس فهو ما به تبين العدل والمقصود بالوزن العدل كموازين الدنيا، وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 186 ).

* وقال ابن أبي عز الحنفي:

والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان.

” شرح الطحاوية ” ( ص 417 ).

ـ وأما الصراط: فقد قال الإمام ابن أبي الغر الحنفي:

ونؤمن بالصراط وهو جسر على جهنم إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط كما قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، فقال: ” هم في الظلمة دون الجسر ” وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليه وروى البيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال: يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه وإذا طفيء قام قال: فيمر ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف دحض – مزلة – فيقال لهم امضوا على قدر نوركم فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالطرف ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملًا فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار فيخلصون فإذا خلصوا قالوا الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا ما لم يعط أحد “”.  ” شرح الطحاوية ” ( ص 415 ).

والصحيح الراجح أن كل الناس يردون الصراط يوم القيامة ويمرون فوقه وهذا معنى قوله تعالى: { وإن منكم إلا واردها } ( مريم / 71 )، ولذا قال تعالى: {ثم ننجي الذين انقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا } ( مريم / 72 ).

عن جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي  صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة  أحد الذين بايعوا تحتها قالت بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت حفصة { وإن منكم إلا واردها } فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله عز وجل { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا } “. رواه مسلم ( 2496 ).

وأما الحوض فهو حوض واسع كبير لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول من يأتي إليه يوم القيامة ثم يتبعه المسلمون ويذاد عنه الكافرون وأهل البدع  والضلالة والعصاة والفسقة من المسلمين.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن حوضي أبعد من آيلة من عدن لهو أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل باللبن ولآنيته أكثر من عدد النجوم وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه قالوا يا رسول الله أتعرفنا يومئذ قال نعم لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غراًّ محجلين من أثر الوضوء  “.   رواه مسلم ( 247 ).

* قال الإمام النووي:

قال القاضي عياض رحمه الله: أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهرة عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا  يختلف فيه. ” شرح مسلم ” ( 15 / 53 ).

ثم بعد ذلك يذهب أصحاب النار إلى النار وأصحاب الجنة إلى الجنة ثم ينادى كل فريق بأنهم مخلدون.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه فيذبح ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا { وهم لا يؤمنون } “. رواه البخاري ( 4453 ) ومسلم ( 2849 ).

وأما أهل المعاصي من المسلمين فقد أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم سيخرجون من النار.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يقول الله من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه فيخرجون قد امتحشوا وعادوا حمما فيلقون في نهر الحياة  فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل أو قال حمية السيل وقال النبي صلى الله عليه وسلم ألم تروا أنها تخرج صفراء ملتوية “.

رواه البخاري ( 6192 ) ومسلم ( 184 ).

ويجعل الله لأهل الجنة بعد ذلك المقام الدائم الذي لا يزول.

عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عز وجل ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون “. رواه مسلم ( 2837 ).

 

و هذا ما أثبتناه بتوفيق من الله تعالى عما يكون بعد الموت لكلا الفريقين: أهل الجنة وأهل النار.

 

 

والله أعلم.

 

في بعض البلدان يكون المهر من الزوجة، وسؤال يتعلق بهذه المسألة.

السؤال:

إذا كان للوالدين ابنًا وبنتًا وبعد بحث طويل وجدا زوج لابنتهما ولكن العريس طلب مهرًا وكان الوالدان ليس لديهم المقدرة على دفع هذا المهر لذلك فهم يحاولون أن يجدوا مهرًا لابنهم لكي يدفعوه مهرًا لابنتهم. بالتأكيد فهم لن يستعملوا مهر ولدهم إلا ليدفعوا مهر ابنتهم.

– أرجو تسليط بعض الضوء وانصحنا لكي نواجه تلك المشكلة.

 

الجواب:

الحمد لله

من الغريب العجيب أن في بعض البلدان يكون المهر من الزوجة أو أهلها ويدفع المهر إلى الزوج أو أهله، وهذا خلاف الأصل حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر الرجل المتزوج أن يلتمس مهرًا و لو خاتمًا من حديد فلما لم يجد جعل المهر بينهما ما كان عنده من القرآن والمهم أن يكون في مسمى العقد شيء من المهر على الزوج ولو قليلًا.

عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم فقالت إني وهبت منك نفسي فقامت طويلًا فقال رجل: زوِّجْنيها إن لم تكن لك بها حاجة، قال: هل عندك من شيء تصدقها؟ قال: ما عندي إلا إزاري، فقال: إن أعطيتَها إياه جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئًا, فقال: ما أجد شيئًا، فقال: التمس ولو خاتَمًا مِن حديد، فلم يجد، فقال: أمَعَكَ من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا – لِسُورٍ سمَّاها – فقال: زوَّجناكها بما معك من القرآن.

رواه البخاري ( 4842 ) ومسلم ( 1425 ).

فالحديث فيه دلالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرض للرجل أن يتزوج إلا بمهر يدفعه الرجل ولم يسأل المرأة شيئًا.

ثم إن من مفهوم القوامة التي أوجبها الله تعالى للرجال على النساء أن يكون الرجل هو الذي يدفع للمرأة لأنه هو معيلها وهي ضعيفة عنده.

قال الله تعالى: { الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا مِن أموالهم . . . } [ النساء / 34 ].

ثم إن المهر حق للمرأة لأن الرجل يستمتع بها والمهر هو بدل الاستمتاع.

قال الله تعالى:{ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة . . .}[ النساء / 24].

* قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -:

( وقوله تعالى { فما استمتعتم  به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } أي: كما تستمتعون بهن  فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك كما قال تعالى { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى  بعض }، وكقوله تعالى { وآتوا النساء صدُقاتهنَّ نِحلة }، وكقوله { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا }. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 475 ).

عن عائشة: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ”  أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له “.

رواه الترمذي ( 1102 ) وأبو داود ( 2083 ) وابن ماجه ( 1879 ).

قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن.

– فمن هذا يتبين أن المهر يكون من الرجل للمرأة لا من المرأة للرجل.

ولذلك من نصحي وإرشادي لكم أن تعملوا على تغيير هذه العادة السيئة واتباع السنة       والصواب الذي لا يجوز مخالفته، وذلك بإقامة الحجة على الناس من القرآن والسُنَّة وأقوال العلماء.

 

 

والله أعلم.

هل يجوز أن نقول يا رسول الله؟

السؤال:

هل يجوز أن نقول يا رسول الله؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يجوز دعاء غير الله لا في الرخاء ولا عند الشدة، ولا يجوز كذلك دعاء الصالحين ولا الأنبياء مهما عظم شأنه ولو كان نبيًّا مقربا، أو ملكا من ملائكة الله؛ لأن الدعاء عبادة.

عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الدعاء هو العبادة “، ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }. رواه الترمذي ( 2895 ) وابن ماجه ( 3818 ).

– والعبادة لا تكون إلا لله فالدعاء لا يكون إلا لله.

وقد قال الله تعالى: { والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم  ولو سمعوا ما استجابوا لكم  ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } ( فاطر/ 13 ).

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:

يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل عجزهم وضعفهم وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك وسماع الدعاء والقدرة على استجابته. ” فتح المجيد ” (  ص 158 ).

ولذا أخطأ البوصيري في البردة حين قال:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به      سواك عند حلول الحادث العمم

وخطَّأه في ذلك كبار العلماء:

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في تعليقه على كتاب ” فتح المجيد ” بشأن ” بردة البوصيري “:

وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: ” لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فأنا عبد الله ورسوله ” وإنما تعظيمه وحبه باتباع سنته وإقامة ملته ودفع كل ما يلصقه الجاهلون بها من الخرافات، فقد ترك أكثر الناس هذا، وشغلوا بهذا الغلو والإطراء الذي أوقعهم في هذا الشرك العظيم.

” فتح المجيد ” ( ص 155 ).

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين. ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 124 ).

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:

ومِن أنواعه  – يعني الشرك – طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل الشرك. ” فتح المجيد ” ( ص 145 ).

هذا، ولم يُعلم أن صحابيًّا واحدا كان يستغيث بالرسول أو يدعو الرسول ولا نُقِلَ عن عالمٍ يُحتج بقوله إلا ما كان مِن خرافات المنحرفين.

فإذا حزبك الأمر فقل: يا اللــــــــه، فهو الذي يستجيب ويصرف الأمور.

–  فالله تعالى دعانا في القرآن لأن ندعوه وحده وأن لا نلجأ إلى أحدٍ سواه.

وكذلك لم يرد شيء من حديث رسول الله يدعو إلى التوجه إلى رسول الله ودعائه وإنما ورد عكس هذا وهو النهي عن دعاء غير الله.

 

والله أعلم.

هل هناك ذكر لمساواة المرأة بالرجل في القرآن الكريم؟

السؤال:

هل هناك ذكر لمساواة المرأة بالرجل في القرآن الكريم؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مصطلح – المساواة – الذي ينادي به كثير من المفكرين في الشرق والغرب في مجالات الحياة المتعددة مصطلح يقوم على اعوجاج وقلة إدراك لا سيما إن تحدث المتحدث ونسب المساواة للقرآن الكريم أو للدين الحنيف.

ومما يخطئ الناس في فهمه قولهم: الإسلام دين المساواة، والصحيح أن يقولوا: الإسلام دين العدل.

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى -:

وهنا يجب أن نعرف أن من الناس من يستعمل بدل العدل المساواة وهذا خطأ، لا يقال: مساواة؛ لأن المساواة تقتضي التفريق بينهما، ومن أجل هذه الدعوة  الجائرة إلى التسوية صاروا يقولون: أي فرق بين الذكر والأنثى؟ سووا بين الذكور والإناث، حتى إن الشيوعية قالت: أي فرق بين الحاكم والمحكوم؟ لا يمكن أن يكون لأحد سلطة على أحد حتى بين الوالد والولد ليس للوالد سلطة على الولد، وهلمَّ جرًّا.

لكن إذا قلنا بالعدل وهو إعطاء كل أحدٍ ما يستحقه: زال هذا المحذور، وصارت العبارة سليمة، ولهذا لم يأت في القران أبدا: ” إن الله يأمر بالتسوية ” لكن جاء: { إن الله يأمر بالعدل } [ النحل /90 ]، { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } [ النساء / 58 ]، وكذب على الإسلام مَن قال: إن دين الإسلام دين المساواة، بل دين الإسلام دين العدل وهو الجمع بين المتساويين والتفريق بين المفترقين.

أما أنه دين مساواة فهذه لا يقولها مَن يعرف دين الإسلام، بل الذي يدلك على بطلان  هذه القاعدة أكثر ما جاء في القرءان نفي المساواة: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } [ الزمر / 9 ]، { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور } [ الرعد / 16 ]، { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } [ الحديد / 10 ]، {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } [ النساء / 95 ]، ما جاء ولا حرف في القرآن يأمر بالمساواة أبدا إنما يأمر بالعدل، وكلمة العدل أيضًا تجدونها مقبولة لدى النفوس فأنا أشعر أن لي فضلاً على هذا الرجل بالعلم، أو بالمال، أو بالورع، أو ببذل المعروف، ثم لا أرضى بأن يكون مساوياً لي أبدا.

كل إنسان يعرف أن فيه غضاضة إذا قلنا بمساواة ذكر أو أنثى.

” شرح العقيدة الواسطية ” ( 1 / 180-181 ).

وعليه: فالإسلام لم يساو بين الرجل والمرأة في الأمور التي لو ساوى بينهما لظلم أحدهما؛ لأن المساواة في غير مكانها ظلم شديد.

فالقرءان أمر المرأة أن تلبس غير الذي أمر به الرجل، للفارق بين فتنة الجنسين ففتنة الرجل أقل من فتنة المرأة فكان لباسها غير لباسه، إذ ليس من الحكمة أن يأمر المرأة أن تكشف من بدنها ما يكشف الرجل لاختلاف الفتنة في بدنها وبدنه – كما سنبينه -.

ثانيًا:

نذكر بعض الأمور التي أمر الشرع بها المرأة أن تخالف الرجل:

  • القوامة:

قال الله تعالى: { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } [ النساء / 34 ].

قال ابن كثير – رحمه الله تعالى -:

يقول تعالى  { الرجال قوامون على النساء } أي: الرجل قيِّم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت.

{ بما فضل الله بعضهم على بعض } أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك المُلك الأعظم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ” لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ” رواه البخاري من حديث عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء، وغير ذلك.

{ وبما أنفقوا من أموالهم } أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه وله الفضل عليها والإفضال فناسب أن يكون قيِّماً عليها كما قال الله تعالى {وللرجال عليهن درجة } الآية.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { الرجال قوامون على النساء } يعنى أمراء عليهن أي: تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 490 ).

  • الشهادة: إذ جعل القرءان شهادة الرجل بشهادة امرأتين.

قال الله تعالى:{ واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } [البقرة / 282 ].

 

 

قال ابن كثير:

وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة كما قال مسلم في صحيحه ….عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ” يا معشر النساء تصدقن، وأكثِرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة : وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال : تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قالت يا رسول الله: ما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين “.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 336 ).

3- المرأة ترث نصف الرجل:

قال الله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء / 11 ].

قال القرطبي:

ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم.  ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 164 ).

4- اللباس:

– فعورة المرأة تكون في بدنها كله وأقل ما قيل في عورتها أنها لا تكشف إلا الكفين والوجه. وقيل لا تكشف شيئًا من ذلك.

قال تعالى: { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا } [ الأحزاب / 59 ].

– والرجل عورته من السرة إلى الركبة:

قيل لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب حدثنا ما سمعت من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وما رأيت منه ولا تحدثنا عن غيره وإن كان ثقة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ما بين السرة إلى الركبة عورة “. رواه الحاكم في المستدرك ( 6418 ). والحديث: حسَّنه الشيخ الألباني – رحمه الله تعالى- في “صحيح الجامع ” ( 5583 ).

هذا، وقد ذكرنا هذه الأمثلة على سبيل التوضيح للفكرة التي ذكرناها لا على سبيل الحصر ولو أردنا تتبع هذا لطال مقامنا في هذا البحث الواسع ولكننا نسرد بعض الفروقات الأخرى سردًا.

 ومن ذلك: أن الرجل يتزوج أربع نسوة، والمرأة ليس لها إلا زوج واحد.

ومن ذلك: أن الرجل يملك الطلاق ويصح منه، ولا يصح منها الطلاق ولا تملكه.

ومن ذلك: أن الرجل يتزوج من الذمية، والمرأة المسلمة لا تتزوج إلا مسلما.

ومن ذلك: أن الرجل يسافر بلا زوجة أو أحد من محارمه، والمرأة لا تسافر إلا بمحرم .

ومن ذلك: أن الصلاة في المسجد حتم على الرجال، وهي على النساء على خلاف ذلك، وصلاتها في بيتها أحب إلى الله.

وهي تلبس الحرير والذهب، ولا يلبسه الرجل.

ومثل ذلك كثير يضني الباحث لو تتبعه.

وكل هذا الذي ذكرنا قائم على اختلاف الرجل عن المرأة؛ لأن الذكر ليس كالأنثى، فقد قال الله تعالى: { وليس الذكر كالأنثى } [ آل عمران / 36 ]، فالذكر يفارق الأنثى في أمور كثيرة في قوته، وفي بدنه، وصلابته، وخشونته، والمرأة  ناعمة لينة رقيقة.

وعقله الذي عرف بقوة إدراكه، وذاكرته، وعرفت بضعف الذاكرة.

وعواطفه التي يتملكها عند غضبه وفرحه، وهي تتأثر بأقل المؤثرات العاطفية، فدموعها لا تلبث أن تستجيب لأقل حادثة عاطفية.

فحتم أن نقول: وليست أحكام الرجل كأحكام الأنثى.

ثالثا:

ولكن الشرع سوَّى بين المرأة والرجل في كثير من العبادات والمعاملات: فمن ذلك أنها تتوضأ كوضوء الرجل، وتغتسل كغسله، وتصلي كصلاته، وتصوم كصيامه إلا أن تكون في حال حيض أو نفاس، وتزكي كما أنه يزكي، وتحج كحجه – وتخالفه في يسير من الأحكام – ويجوز البيع منها ويقبل، وكذا لو تصدقت جاز منها، ويجوز لها أن تعتق من عبيدها ما ملكت يمينها، وغير ذلك كثير لأن النساء شقائق الرجال كما في الحديث:

عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللا، قال: لا غسل عليه، قالت أم سلمة : يا رسول الله هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم، إن النساء شقائق الرجال. رواه الترمذي ( 113 ) وأحمد(25663).

قال الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 98 ): صحيح.

فالخلاصة: أن المرأة تماثل الرجل في أمور وتفارقه في أخرى.

 

والله أعلم.

ماهي القراءات السبع؟ وما هو الدليل عليها؟

السؤال:

قرأت أنه أثناء خلافة عثمان، شُكلت لجنة يشرف عليها زيد بن ثابت لتتبع القرآن الكريم بكامله, لكن هذا النص ” العثماني” لم يوفر قراءة موحدة، حيث أن اللغة العربية الأولى لم يكن فيها حروف علة، كما أن بعض الأحرف الصحيحة لم يكن لها نفس الشكل, وقد أوجدت علامات جديدة للتفريق بين الأحرف المختلفة, لكن ذلك لم يوقف الطرق المتعددة لقراءة القرآن.

ففي النصف الأول من القرن الرابع العاشر توصل إمامُ قراءِ القرآن في بغداد ابن مجاهد لحل لهذه المشكلة, فقد قال أن الكلمة “حرف” يمكن أن تحل مكان “قراءة”, وقد أعلن عن سبع طرق للقراءة الصحيحة؛ لأنه حسب ما يراه فإن قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن القرآن نزل بسبعة أحرف، تعني أن هناك سبع طرق موحاة لقراءة القرآن.

وفي هذه الأيام فإن القراءات المشهورة والمستخدمة هي: ورش ونافع وحفص عن عاصم. أرجو أن تخبرني عن هذه الطرق المختلفة للقراءة, وهل توجد أحاديث تتعلق بهذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم – وفقك الله – أنّ القرآن نزل على حرف واحد أول الأمر ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل يستزيد جبريل حتى أقرأه على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ والدليل على ذلك حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم  “أقرأني جبريل على حرف فراجعته فزادني فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى على سبعة أحرف”. رواه البخاري ( 3047 ) ومسلم ( 819 ).

 

ثانيًا:

ما معنى الأحرف؟

أحسن الأقوال مما قيل في معناها أنها سبعة أوجه من القراءة تختلف باللفظ وقد تتفق بالمعنى وإن اختلفت بالمعنى: فاختلافها من باب التنوع والتغاير لا من باب التضاد والتعارض.

ومعنى ” حرف ” في اللغة: الوجه، قال تعالى:{ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين } [سورة الحج /11 ].

 

ثالثًا:

قال بعض العلماء: إن معنى الأحرف لغات العرب وهذا بعيد لحديث عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ فقرأ  القراءة التي سمعته يقرأ. فقال: هكذا أنزلت. ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت. إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه.

رواه البخاري ( 2287 ) ومسلم ( 818 ).

ومما هو معلوم أن ” هشامًا ” أسدي قرشي، وأن ” عمر ” عدوي قرشي فكلاهما من قريش وليس لقريش  إلا لغة واحدة، فلو كان اختلاف الأحرف اختلافًا في اللغات لما اختلف القرشيان.

وقد ذكر العلماء قرابة أربعين قولاً في هذه المسألة ! والصواب ما قد ذكرنا آنفًا.

والله اعلم.

 

رابعًا:

تبين أن الأحرف نزلت على ألفاظ متعددة كما بينه حديث عمر لأن إنكار عمر وقع على الحروف وليس على المعاني والخلاف بهذه الحروف ليس التضاد ولكنه للتنوع كما قال ابن مسعود (( هو بمنزلة قول أحدكم هلمّ أقبل تعال )).

 

خامسًا:

أما القراءات السبعة فهي ليست من ترتيب الكتاب والسنة ولكنها من اجتهاد ابن مجاهد رحمه الله فظن الناس أن الأحرف السبعة هي القراءات السبعة لاتفاقها في العدد، وإنما جاء العدد مصادفة واتفاقًا أو قصدًا منه ليوافق القراءات السبعة وإن من ظن أن الأحرف هي القراءات هم بعض الجهال من الناس ولا يعرف هذا عن أهل العلم والقراءات السبعة هي إحدى الأحرف السبعة وهي الحرف الذي جمع عثمان عليه المسلمين.

 

سادسًا:

لما نسخ عثمان المصحف نسخه على حرف واحد ولكنه ترك النقط والتشكيل ليتسع هذا الرسم لحمل ما يستطيع حمله من الأحرف الأخرى فجاء المصحف برسمه محتملًا لبعض الأحرف فما احتمله جاءت به القراءة وما لم يحتمله نسخ وذلك لأن الناس أنكر بعضهم على بعض عند اختلافهم في  القراءة فجمعهم عثمان على نسخه واحدة ليجمع شملهم.

 

سابعًا:

قولك إن مجاهدًا ظن أن القراءة تحل محل الحرف فهذا غير صحيح.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه بهذا المعنى: ( … لا لاعتقاده واعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الأحرف السبعة  ) 1هـ مجموعة الفتاوى / ج13 / 210.

 

ثامنًا:

وأما القرّاء السبعة فهم:

1- نافع المدني 2- ابن كثير المكي  3- عاصم الكوفي

4-  حمزة الزيات الكوفي 5- الكسائي الكوفي  6- أبو عمرو بن العلاء البصري       7- عبد الله بن عامر الشامي

وأقواهم سندًا في القراءة: نافع وعاصم، وأفصحهم: أبو عمرو  والكسائي.

ويروي عن نافع ورش وقالون، ويروي عن عاصم حفص وشعبة.

 

 

والله أعلم.