الرئيسية بلوق الصفحة 152

هل يجوز قول رجل لامرأة أجنبية عنه “أحبكِ في الله” وقول امرأة لرجل أجنبي عنها مثل ذلك؟

هل يجوز قول رجل لامرأة أجنبية عنه “أحبكِ في الله” وقول امرأة لرجل أجنبي عنها مثل ذلك؟

السؤال:

أود أن أسأل: في الحديث الصحيح أن رجلًا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ به رجل فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أعلمتَه؟ ) قال: لا، قال: ( أعلمه ) قال: فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له.

سؤالي: هل بالإمكان أن أقول لامرأة مسلمة: أحبكِ في الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(أَعْلَمْتَهُ؟) قَالَ: لَا. قَالَ ( أَعْلِمْهُ ) قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. رواه أبو داود ( 5125 )، وصححه النووي في ” رياض الصالحين “، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
  2. وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ ). رواه الترمذي ( 2392 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

ثانيًا:

ولتفصيل المسألة الواردة في سؤال الأخ الفاضل لا بدَّ من تقسيمها إلى قسمين اثنين:

الأول منهما: هل تشمل النصوص الواردة في ثواب المتحابين في الله وما أعدَّ الله تعالى لهم من الأجور ما لو كان الحب فيه تعالى بين الرجال والنساء؟ والجواب: أن ظاهر النصوص لا يمنع من هذا، وأن المتحابين في الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأنهم يثابون على حبهم ذاك بما جاء في النصوص من ثواب الحب فيه تعالى.

والقسم الثاني: هل يصح أن تجهر المرأة بتلك الكلمة لرجل أجنبي عنها أو العكس؟ والجواب: أن وجود المحبة في الله بين الرجل والمرأة لا يلزم منه إخبار كل طرف بتلك المحبة للطرف الآخر، وأن الثواب الحاصل لهم في الآخرة هو على وجود المحبة في القلب لا على الجهر بقولها في الدنيا.

وأما حكم البوح والجهر بتلك الكلمة من الرجل للمرأة الأجنبية عنه – والعكس – ففيه قولان:

الأول: جعل ذلك ممنوعاً بين رجل وامرأة أجنبية عنه، وحصره بزوجته ومحارمه، والمرأة كذلك تقول الكلمة لبنات جنسها ولمحارمها.

* قال المنَّاوي – رحمه الله -:

( إذا أحب أحدكم عبدًا ) أي: إنسانًا… فالمراد: شخص من المسلمين قريب أو غيره، ذكرًا أو أنثى، لكن يظهر تقييده فيها بما إذا كانت حليلته أو محرَمه.

” فيض القدير ” ( 1 / 319 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

ظاهر الحديث لا يتناول النساء، فإن اللفظ ( أحد ) بمعنى واحد، وإذا أريد المؤنث إنما يقال ” إحدى ” لكنه يشمل الإناث على التغليب، وهو مجاز معروف مألوف، وإنما خص الرجال لوقوع الخطاب لهم غالبًا، وحينئذ إذا أحبت المرأة أخرى لله: ندب إعلامها. ” فيض القدير ” ( 1 / 318 ).

الثاني: جوازه بشرط أمن الفتنة بينهما – وهو الأرجح -، وله صور:

لأولى: قول تلك الكلمة من امرأة مجهولة العين لشيخ أو طالب علم معروف العين؛ لأن الفتنة مأمونة لجهالتها، ولا ينطبق هذا على المرأة التي تتصل بشيخ من هاتف يظهر رقمه، أو ترسل رسالة ببريد عليه عنوانها، أو ترسلها من جوالها؛ لأن هذا الأمر يجعل التواصل معها ممكنًا.

الثانية: أن تكون المرأة معلومة العين وتقولها لشيخ كبير من أهل العلم والتقوى ممن تؤمن الفتنة عليه.

الثالثة: أن تكون القائلة مجهولة العين وتقول تلك الكلمة لشيخ كبير تؤمن عليه الفتنة.

وهذه الصورة الثالثة هي أهون الصور وأسهلها، هو ما حصل عمليًّا مع مشايخنا الكبار، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من خلال تلقيه تلك الكلمة من امرأة سائلة لا يُعرف من هي، وقد أجابها الشيخ رحمه الله بالرد الشرعي على كلمتها، وبيَّن في أجوبته شمول الثواب والأجور للمتحابين في الله تعالى ولو كانوا رجالاً ونساءً.

 

 

 

  1. فقد بعثت سائلة للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رسالة من خلال برنامج ” نور على الدرب ” قالت فيها:

يعلم الله كم أحبكَ في الله، وأطلب منك – يا شيخنا – أن توجه إليَّ نصيحة لوجه الله كما تنصح إحدى بناتك في ديني وخلُقي، أرجو ذلك.

فأجابها الشيخ:

أحبكِ الله الذي أحببتِنا له، والله جل وعلا أخبر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن المتحابين في جلاله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) ذكر منهم اثنين ( تحابَّا في الله اجتمعا في ذلك وتفرقا عليه )، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( يقول الله يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )، فالتحاب في الله من أفضل خصال الإيمان ومن أفضل القربات …

” نور على الدرب ” ( شريط 513 ).

  1. وبعثت سائلة أخرى للبرنامج نفسه برسالة قالت فيها:

إلى سماحة الشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن باز، لك جلُّ احترامي وتقديري وإعجابي وإكباري لشخصك، وإني أخبرك بأني ” أحبك في الله ” وأتمنى أن ألقاك وأتعرف عليك إن وفقني الله في زيارة البيت الحرام، وباختصار: فإني أعتبرك في ضميري وأتمنى لك دوام الصحة والعافية، وأدعو الله أن يكثر من أمثالك: إني فتاة أبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة، معلمة لمادة التربية الإسلامية ….

فأجاب:

فجوابي لك أيتها الأخت لله في محبتك لي في الله: أقول: أحبكِ الله الذي أحببتني له، وأسأل الله أن يجعلنا – وسائر إخواننا – من المتحابين في جلاله، والمتواصين بالحق والصبر عليه، فقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) هذا الحديث متفق على صحته، وذكر فيه ” رجلين تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه “، وأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا تمثيل، وهو يشمل الرجلين، والمرأتين، والرجل والمرأة، إذا كان الحب في الله جل وعلا، وفي طاعته سبحانه وتعالى ….

” نور على الدرب ” ( شريط 593 ).

وبما سبق من التفصيل يكون الجواب على سؤال الأخ الفاضل، وما ذكرناه من حكم قول المرأة للرجل ” أحبك في الله ” هو نفسه حكم قول الرجل للمرأة، ولا فرق، فالقيود والضوابط هي نفسها.

وليحذر الإخوة الكتاب والأخوات الكاتبات في المنتديات من التساهل في هذا الأمر، ولسنا نعني بجهالة المرأة في جوابنا تلك الكاتبة التي يسهل مخاطبتها بعد تلك الكلمة ويمكن معرفة عينها، وإنما نعني السائلة المجهولة التي تقول كلمتها وينتهي الأمر عند ذلك، وكل واحد من الشباب والشابات يجد في قلبه أثرًا لتلك الكلمة والتي ينبغي أن يخشيا من عواقبها، ولا نظن أحدًا يجادل في ذلك إلا أن يكون مكابراً، ولذا فإن قول المرأة الكبيرة في السن لتلك الكلمة لطالب علم ليس أثرها كقول شابَّة لها، وإن قول شاب لهذا الكلمة لشابة مثله ليس أثرها كقوله لامرأة كبيرة في السن، وقد تنبَّه العلماء رحمهم الله لهذا الأمر فمنعوا من تشميت المرأة الشابة ومن السلام عليها ومن تعزيتها من رجل أجنبي عنها إن كان ثمة فتنة يمكن أن تحصل من ذلك، وهذه الكلمة الرقيقة أولى بالمنع في حال توقع الفتنة بها . ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 166 ) قالوا:

ورد السلام منها – أي: المرأة – على مَن سلَّم عليها لفظًا واجب، وأما إن كانت تلك المرأة شابَّة يُخشى الافتتان بها، أو يخشى افتتانها هي أيضاً بمن سلَّم عليها: فالسلام عليها وجواب السلام منها حكمه الكراهة عند المالكية والشافعية والحنابلة، وذكر الحنفية أن الرجل يرد على سلام المرأة في نفسه إن سلمت هي عليه، وترد هي أيضا في نفسها إن سلم هو عليها، وصرح الشافعية بحرمة ردها عليه. انتهى.

فلينتبه المسلمون لهذا وليحذروا من كيد الشيطان ومكره، ولسنا نمنع من قول الكلمة بالكلية – وإن كان هو الأحوط – وإنما نجوزها فقط فيما ذكرناه من قيود وضوابط في صورها الثلاث السابقة.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل يجوز الأكل من موائد الراقصات والممثلات والبنوك الربوية؟

هل يجوز الأكل من موائد الراقصات والممثلات والبنوك الربوية؟

السؤال:

يوجد عندنا بعض البنوك الربوية تقوم بعمل خيام لإفطار الصائم، فهل يجوز أكل هذا الأكل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

انتشر في بعض البلاد موائد طعام تصنع في رمضان يقوم عليها مؤسسات خيرية، وشخصيات عرفت بالدين والاستقامة، أو تجار نحسبهم على خير، فمثل هذه الموائد لا حرج على المسلم لو شارك في الأكل منها، وعسى الله أن يكتب الأجر لأصحابها والقائمين عليها، ونرجو أن يكونوا مخلصين وإلا حرموا الأجر .

ومما انتشر أيضا قيام بعض الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات والمؤسسات الربوية كالبنوك على تلك الموائد، ومثل هذه الموائد لا ينبغي التردد في هجرانها وترك الأكل منها، وهذا أقل ما يفعله المسلم إنكارا لمنكرات أولئك وتبكيتا لهم على أفعالهم المحرَّمة والماجنة، فلا يصلح أن يكون المسلم الصائم ضيفا على ” راقصة ” أو ” ممثلة ” يتناول طعام الإفطار على مائدتها ! كما لا يصلح أن يكون ضيفا على من أعلن الله تعالى الحرب عليه وهي البنوك الربوية التي تجاهر بما هو أشد حرمة من الرقص والتمثيل.

ولا يخفى أن أولئك يريدون التقرب إلى الناس بأفعالهم وكسب مزيد من الشهرة، وإلا فلو أرادوا الخير لتركوا ما هم عليه من فجور وأعمال محرَّمة فهو خير ما يقدمونه لأنفسهم، وهم يعلمون أن الله تعالى طيِّب لا يقبل إلا طيِّبا، فلا يصلح أن يكون ثمن الطعام المقدَّم لك أيها المسلم من كشف أولئك لعوراتهن ولا من أخذ تلك المؤسسات الربوية من الناس مالهم بغير حق.

وهذه الدعاية لتلك الراقصات والممثلات ولتلك البنوك الربوية يحرم على المسلم أن يكون جزء منها يسوِّق لهم مشاريعهم المحرَّمة وأفعالهم التي تغضب ربَّه عز وجل، وقد منع العلماء من الدعاية لأولئك بما هو أقل من الأكل عندهم، فلا ينبغي التردد في هجران موائدهم.

 

 

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز تعليق التقاويم والإمساكيات الرمضانية الصادرة من بعض البنوك في المساجد أم لا؟.

فأجابوا:

لا يجوز تعليق التقاويم والإمساكيات الرمضانية الصادرة من بعض البنوك أو المؤسسات التجارية في المساجد؛ لما في ذلك من محذورات شرعية؛ كالدعاية للمعاملات المحرمة، وجعل بيوت الله تعالى محلا لنشر المنتجات التجارية، والدعاية لها، وغيرها من الأمور المنافية لحرمة المساجد، ومناقضتها لما بنيت له، من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وتعليم الناس الخير، وحثهم عليه، وتحذيرهم من الشر، وترهيبهم منه، وكل ذلك داخل في عموم قول الله تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 239 ، 240 ).

وينبغي التفريق بين هذه المسألة وبين تلك التي يقول فيها العلماء بجواز الأكل عند أهل المعاصي وأن لك هنؤه وعليه إثمه وأن لك غنمه وعليه غرمه؛ فإن تلك في الأكل عند شخص بصفته الاعتيادية، أما ما جاء السؤال عنه فهو عن مؤسسات ربوية بصفتها الاعتبارية، وكذا عند الراقصات والممثلات بعملها لا بشخصها، فاختلف الأمر، فيكون سبب الامتناع عن المشاركة في الأكل من تلك الموائد: ما فيها من الدعاية المحرمة ورفع أسهم أولئك العصاة عند الناس.

وعليه: فلو قدمت البنوك الربوية دعايات يمكن الاستفادة منها وحصل المسلم على شيء منها: فإن له أن يستفيد منها بشرط طمس صورة البنك وعنوانه والجمل الدعائية التي عليه.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن:

التقاويم التي توزعها الشركات ذات الأنشطة المحرمة كالبنوك الربوية – مثلًا – فأجاب:

إذا كانت عبارة عن تقاويم فقط ليس عليها دعاية ولا صورة للبنك مثلًا: فاستعمالها لا حرج فيه.

إذا كانت تحمل شعار الشركة وصورة مبناها أو دعاية لخدماتها: فعند ذلك لا تستعمل وتجتنب.

http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=101550

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عمل تقاويم كدعاية للبنوك فهل لنا أن نعلقها في المسجد؟

فأجاب:

معناه: أن البنوك يُهدون تقاويم تُجعل في المساجد أو في المجالس، هذه أمرها سهل:

ما دام التقويم نافعًا: فإنه يُطمس على صورة مبنى البنك أو على الجملة الدعائية، وننتفع.” فتاوى الحرم المدني ” ( شريط رقم 25 ).

وقد ذهب طائفة من العلماء المعاصرين إلى حرمة طعام تلك الموائد لذاته، وأنه ينبغي التفريق بين حال التائبات من المعاصي وأردن التحلل من المال فيجوز الأكل من موائدهن، وبين من هي لا تزال ترتكب المعاصي وتقدِّم هذا الطعام على أنه من مالها المملوك لها فمنعوا من الأكل على موائدهن، ومثله يقال في تجار المخدرات والمرابين.

قال الدكتور أسامة الباز – حفظه الله – بعد أن استعرض أقوال المجيزين والمانعين -:

وعليه: يكون الحكم الشرعي في تناول الطعام المدفوع ثمنه من مال الرقص أو الخمور أو تجارة المخدرات في شهر رمضان وفي غيره جائزًا إذا تابت الراقصة وإذا تاب تاجر الخمور والمخدرات من كسب المال الحرام وصنع هذا الطعام بقصد التحلل من المال الحرام والتخلص من إثمه، أما إذا كان القصد من صنع الطعام للفقراء والمساكين هو التصدق عليهم على ظن أن ما عنده من مال حرام هو مال حلال خالص مملوك له: فإنه لا يحل للمسلم أن يقبل هذه الصدقة أو يتناول هذا الطعام.

فحال هؤلاء الراقصات كحال البغايا اللاتي يتكسبن ما عندهن من المال عن طريق الزنا، حيث منع الله عز وجل من قبول هذا المال منهن أو الإنفاق على النفس منه؛ لما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن أبي مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ) ….

” أحكام المال الحرام ” ( ص 273 ).

فيكون الحكم – إذًا – عدم جواز مشاركة تلك الراقصات وتلك المؤسسات الربوية إما لأن الطعام محرَّم لذاته وإما لأنَّه عمل يُقصد منه الدعاية والشهرة لأفعال محرَّمة وشخصيات فاسدة مفسدة، أو تمنع المشاركة لكلا الأمرين.

 

والله أعلم.

هل المحرمات حرِّمت لأننا نجدها في الجنة؟ وهل هي جائزة في الجنة؟!

هل المحرمات حرِّمت لأننا نجدها في الجنة؟ وهل هي جائزة في الجنة؟!

السؤال:

طُلب من المسلم الابتعاد عن الحرام لأنه يجده في الجنة، فهل هذه العبارة صحيحة أن كل المحرمات والشهوات المحرمة في الدنيا محللة جائزة في الآخرة؟ إذ هناك شهوات كالحب المثلي يقال إنها محرمة في الدنيا والآخرة فكيف يتوقف المسلم عنها عندما ييأس من أن يجدها في الآخرة؟ ما الدافع القوي لتركها في الدنيا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

عبارة ” طُلب من المسلم الابتعاد عن الحرام لأنه يجده في الجنة “: خطأ إذا فُهم أنها على عمومها؛ إذ ليس كل ما حرَّمه الله تعالى علينا نجده في الآخرة، وإنما جاء ذلك في أشياء معدودة كتحريم لبس الحرير وتحريم شرب الخمر وتحريم الشرب بآنية الذهب والفضة؛ فإن هذه الأشياء يجدها المسلم في الجنة بما هو لائق بفضل الله وبما هو لائق بتلك الدار.

عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهُ فِي الْآخِرَةِ, وَمَنْ شَرِبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ لَمْ يَشْرَبْ بِهِمَا فِي الْآخِرَةِ ) ثُمَّ قَالَ ( لِبَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَشَرَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَآنِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ). رواه النسائي في ” السنن الكبرى ” ( 6869 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ( 384 ).

ولا يصح بحال أن يقال إن هذه قاعدة في كل ما حرَّمه الله تعالى علينا في الدنيا أننا نجده في الآخرة، إلا أن يقال بالقياس فيما جاء في محرمات لها نظير في الجنة من جنسها، كمثل تحريم الزنى مع وجود الحور العين، وتحريم المعازف والغناء المحرَّم مع وجود غناء الحور العين، ولهذا قال من قال من العلماء إن وقع في شيء من تلك المحرمات ولقي الله تعالى بها غير توبة أو حد أو مغفرة من الله تعالى أنه يُحرم من جنسها في الآخرة، وهذا القياس الذي قاله بعض العلماء غير بعيد عن الصواب لكننا لا نجزم به.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

من صام اليوم عن شهواته: أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته: عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، وشاهد ذلك قوله تعالى ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) الأحقاف/ 20 الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ). ” لطائف المعارف ” ( ص 147 ).

* وقال ابن القيم رحمه الله – وهو يعدد العقوبات التي تقع على الزاني إذا لم يتب -:

ومنها: أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن، والله سبحانه وتعالى إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك مَن تمتع بالصور المحرمة في الدنيا، بل كل ما ناله العبد في الدنيا من حرام : فاته نظيره يوم القيامة. “روضة المحبين ” ( 365 – 368 ).

وننبه إلى أن تلك الأحاديث لها معانٍ أخرى غير ما ذكرناه عن الإمامين ابن رجب وابن القيم رحمهما الله.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وكذلك قوله ( لم يشربها في الآخرة ) معناه عندنا: إلا أن يُغفر له فيدخل الجنة ويشربها، وهو عندنا في مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بذنبه، فإن عذبه بذنبه ثم دخل الجنة برحمته: لم يُحرمها إن شاء الله، ومن غُفر له: فهو أحرى أن لا يُحرمها، والله أعلم.

وعلى هذا التأويل يكون معنى قوله عليه السلام ( حُرمها في الآخرة ) أي: جزاؤه وعقوبته أن يُحرمها في الآخرة، ولله أن يجازي عبدَه المذنب على ذنبه وله أن يعفو عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا الذي عليه عقد أهل السنَّة أن الله يغفر لمن يشاء ما خلا الشرك، ولا ينفذ الوعيد على أحد من أهل القبلة، وبالله التوفيق.

وجائز أن يدخل الجنة إذا غَفر الله له فلا يَشرب فيها خمرًا ولا يَذكرها ولا يَراها ولا تشتهيها نفسه، والله أعلم. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد “( 15 /7).

 

ثانيًا:

وعبارة ” كل المحرمات والشهوات المحرمة في الدنيا محللة جائزة في الآخرة “: باطلة قطعًا، فهل في الجنة سحاق ولواط وزنا وسرقة وقتل – مثلًا -؟! حاشا لله أن يكون الأمر كذلك وليست هذه الجنة التي وُعد بها المتقون، بل ولا النار فيها هذه الأفعال والمحرمات القبيحة، فكيف للجنة التي أعدها الله للأتقياء والأنقياء أن تكون فيها مثل تلك المحرمات التي حرَّمها الله تعالى على عباده في الدنيا؟!.

ثالثًا:

وللوقوف على طرق دفع الشهوة الجنسية المحرَّمة: انظر جواب السؤال رقم (20068 ) ففيه تفصيل مفيد.

 

والله أعلم.

 

 

نبذة عن كتاب ” التوابين ” لابن قدامة، ووقفة مع قصة توبة ” ذي الرِّجل “

نبذة عن كتاب ” التوابين ” لابن قدامة، ووقفة مع قصة توبة ” ذي الرِّجل ”

السؤال:

قرأت في كتاب ” التوابين ” لابن قدامة عن أحد عبَّاد بني إسرائيل ويُدعى ” ذو الرِّجل “، أريد أن أعرف مدى صحة القصة من ناحية السند؟ وما رأيكم بالكتاب المذكور؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كتاب ” التوابين ” من الكتب المشتهرة، وهو من تأليف الشيخ موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي رحمه الله ( توفي 803 هـ )، وقد ذكر فيه مائة وثلاثين قصة توبة، ابتدأها بذكر التوابين من الملائكة عليهم السلام، وذكر تحته قصة الملَكين ” هاروت وماروت ” ولا نراه وافق الصواب في ذِكر أن الملَكين وقعا في معصية ثم تابا، ثم ذكر التوابين من الأنبياء عليهم السلام، ثم التوابين من ملوك الأمم الماضية، ثم التوابين من الأمم، ثم التوابين من آحاد الأمم الماضية، ثم ذكر أخبار التائبين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر التوابين من ملوك هذه الأمة، ثم ذكر سبب توبة جماعة من هذه الأمة رحمة الله عليهم، ثم ذكر أخبار جماعة من التوابين، ثم ختم الكتاب بذكر أخبار جماعة ممن أسلموا.

والكتاب حقق نصوصه كثير من الشيوخ وطلاب العلم ودور النشر، ومن أبرز من قام على تحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤط، وقد قال في مقدمة تحقيقه للكتاب – في بيان ذِكر مصادر المؤلف في كتابه ومنهجه فيه -:

وقد استمد رحمه الله أخبار كتابه هذا مما قصه الله تعالى علينا في كتابه المبين، ومما تحدث به نبينا الكريم مما هو مدون في الصحاح والسنن والمسانيد، كما اعتمد بعض الكتب التي تُعنى بالرقائق والوعظ مثل مصنفات الحافظ ابن أبي الدنيا المتوفى سنة ( 281 هـ ) ، و ” تنبيه الغافلين ” للإمام أبي الليث السمرقندي المتوفي سنة (373هـ‍ )، و ” ملتقط الحكايات ” للإمام ابن الجوزي المتوفي سنة ( 579 هـ )، وما سمعه من أستاذه المشهود له بالفضل والعلم والمعرفة الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفي سنة ( 561 هـ )، فكان هذا الكتاب أوفى وأوسع وأجمع من الكتب التي سبقته في موضوعه.

وغير خافٍ أن طريقة العرض التي اختارها المؤلف لسرد الأخبار في كتابه هذا مشوقة محببة، تحكيها صورة جذابة، وتشرحها جملٌ سهلة مألوفة، يجني القاري منها العبرة والفائدة في لطف ويسر واشتياق.

ولا شك أن مطالعته بحرارة وشوق توقظ في الإنسان التقوى التي تحمله على التقرب من الله وحده بما يقوم به من انسلاخ عن الرذائل وبعد عن أسبابها، ومن تحل بالفضائل والتماس أسبابها وميسراتها، جعلنا الله بمن يستمعون القول فيتبعون أحسنه (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).

انتهى من ” مقدمة تحقيق كتاب التوابين ” ( ص 4 ، 5 ).

ولما كانت قصص الكتاب فيها حكايات توبة تائبين من الأمم السابقة وجدنا فيما ينقله المصنف رحمه الله ما يحتاج لتوقف ومراجعة ونقد؛ لما في بعض ما ينقله من نكارة في المتن وغرابة في السياق، ومخالفة للشرع وخصوصاً ما كان النقل فيه عن الأمم السابقة، كما في القصة موضع السؤال، ولذا رأينا انتقاد بعض العلماء لبعض ما جاء في الكتاب من قصص وحكايات، ومن هؤلاء المنتقدين السخاوي رحمه الله حيث قال:

في كتاب ” التوابين ” لشيخ الإسلام الموفق بن قدامة أشياء ما كنت أحب له إيرادها خصوصًا وأسانيدها مختلة.” الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ” ( ص 108 ).

 

ثانيًا:

وأما القصة التي رغب الأخ السائل السؤالَ عنها فقد ذكرها ابن قدامة رحمه الله تحت عنوان ” توبة ذي الرِّجل ” ثم قال:

أخبرنا محمد أنا علي بن محمد أنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا الحسين بن صفوان أنا عبد الله بن محمد حدثني محمد بن الحسين عن موسى بن داود عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته فمكث بذلك زمانًا طويلًا فأشرف يومًا فإذا هو بامرأة فافتتن بها وهمَّ بها فأخرج رجله لينزل إليها فأدركه الله بسابقة فقال: ما هذا الذي أريد أن أصنع ورجعتْ إليه نفسه وجاءته العصمة فندم، فلما أراد أن يعيد رجله في صومعته قال: هيهات هيهات رِجل خرجتْ تريد أن تعصي الله تعود معي في صومعتي لا يكون والله ذلك أبداً فتركها والله معلقة من الصومعة تصيبها الرياح والأمطار والشمس والثلج حتى تقطعت فسقطت فشكر الله عز وجل له، فأنزل في بعض الكتب ( وذو الرِّجل ) يذكُره بذلك.

انتهى ( ص 79 ) القصة رقم ( 30 ).

وبالتأمل في القصة نجد:

  1. أنها حديث عن توبة عابد من عبَّاد بني إسرائيل ينقلها بعض التابعين، فليس ثمة إسناد يُمكن أن يُذكر ليتم الحكم على القصة من خلال النظر فيه، وأين ذاك الإسناد في الأصل الذي يربط بين تابعي وبين رجل من بني إسرائيل ؟! لكن ليس على من حدَّث عن بني إسرائيل حرج إذا أداه كما سمعه؛ فقد أذن بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ حَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ قَالَ هَمَّامٌ أَحْسَبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) رواه أحمد ( 18 / 94 ) وصحح المحققون.

* قال السيوطي – رحمه الله – في معنى الحديث -:

قال الشافعي: الحديث عن بني إسرائيل إذا حدثتَ به فأديته على ما سمعته حقًّا كان أو غير حق: لم يكن عليك حرج، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يحدث به إلا عن ثقة. ” تحذير الخواص من أكاذيب القصاص ” ( 72 ، 73 ).

  1. أنه يغلب على عبَّاد بني إسرائيل الجهل والضلال، ولذا لا يُستبعد – لو صحت القصة- عن ذاك العابد مثل ذاك الفعل المنكر.
  2. وفي القصة نكارة واضحة بيِّنة – لو صحت -، حيث عرَّض ذاك العابد رِجلَه للرياح والأمطار والثلوج والشمس حتى تلفت ثم قُطعت فسقطت! ولا ندري على أي شريعة يمكن أن تأتي بهذا الفعل للتائب الذي همَّ بالمعصية، ولا ندري كيف كان يشرب ويأكل ويصلي ويقضي حاجته ورِجله معلَّقة في الهواء! والذي يُعلم في عالم الطب والجراحة أن تعليق الرجل بتلك الطريقة المذكورة في القصة لا يكون معه قطع للرجل وإن حصل فإنه يستغرق وقتًا طويلًا، فهل يمكن لشخص أن يتحمل هذا كل تلك السنين ثم نعجب أن يُجعل ذلك من الشرع وأن يذكر الله تعالى قصته في بعض كتبه المنزَّلة! ولا ندري لم عاقب ذاك العابد الجاهل – لو صح عنه ما نقل في القصة – رِجله فقط! أليس ينبغي أن يعاقب عقلَه الذي فكَّر به بتلك المرأة وقلبَه الذي هواها وعينيه اللتين نظر بهما لها؟! بل إن تلك الأعضاء أولى بالعقوبة لأنها سابقة على حركة الرجل وهي السبب في معصية الرِّجل!.

والخلاصة:

الكتاب جيِّد من حيث الجملة، ولا يخلو من ملاحظات، والقصة منكرة في متنها، لا ينبغي نسبتها لشرع من قبلنا، ولو صحَّت فهي تليق بعابد جاهل لا بشريعة مُحكمة.

 

والله أعلم.

المناطق والأماكن المسمَّاة ” سيدي فلان ” أو ” مولاي فلان ” هل يشرع لنا نطقها بألسنتنا؟

المناطق والأماكن المسمَّاة ” سيدي فلان ” أو ” مولاي فلان ” هل يشرع لنا نطقها بألسنتنا؟

السؤال:

عندنا في المغرب الكثير من الأضرحة أغلبها لمتصوفة، والأماكن التي بها هذه الأضرحة تسمَّى بأسمائهم مثل ” سيدي قاسم ” و ” مولاي يعقوب ” و ” سيدي سليمان”، وغيرها، فهل علينا إثم إذا أطلقنا على هذه الأماكن ” سيدي كذا ” و ” مولاي كذا ” خصوصًا لما قد يحصل من التزكية لأصحاب هذه القبور؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يجوز تسمية الأماكن والمناطق والشوارع فضلًا عن المساجد بمثل ما جاء في السؤال، فلا يطلق عليها ” سيدي فلا ” ولا ” مولاي فلان “ باعتبارين:

الأول: ثبوت النهي عن هذين الاسمين أو الوصفين إلا في حق العبد أن يقولهما لمالكه.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هناك من يسمُّون اسم ” مولاي ” أو ” سِيدي فلان “، فما الحكم في هذه التسمية، ولمن يمكن أن نقول له مولاي فلان أو سيدي فلان؟.

فأجاب:

هذه التسمية لا تنبغي، لا مولاي ولا سِيدي، ينبغي أن لا يسمَّى بها؛ لأنه جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لاَ تَقُل مَوْلايَ فَإنَّ مَوْلاكُم الله ) – رواه مسلم وقد رجَّح جمعٌ من الأئمة شذوذ هذه الزيادة وهي مخالفة لما سيأتي -، وإنما يقال هذا في حق السيد من عبده ومملوكه كما في الحديث الصحيح ( وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي ومَوْلَايَ ) ( لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلَايَ ) – متفق عليه -، يقول العبد المملوك لمالكه: سيدي ومولاي، أما أن يقول الإنسان لأخيه: يا مولاي أو يا سيدي: ينبغي ترك ذلك، ولما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت سيدنا، قال ( السَّيِّدُ اللَّهُ تبارك وتعالى ) – رواه أبو داود بإسناد صحيح – خاف عليهم أن يغلوا عليه الصلاة والسلام فقال ( السَّيِّدُ اللَّهُ تبارك وتعالى )، مع أنه سيِّد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، لكن خشي عليهم من هذه المواجهة أن يقعوا في الغلو، فلا ينبغي لك أن تقول: يا سيدي فلان، أو أنت سيدنا، لزيد أو عمرو، تقول: يا أبا فلان، يا فلان، تدعوه باسمه أو بكنيته، أو نحو ذلك من الأسماء المشهورة التي يتسمَّى بها، لكن ليس فيها سيدي ولا مولاي، هذا هو الذي ينبغي للمؤمن التأدب، مع ما بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم، والتقيد بالآداب الشرعية بالألفاظ والأعمال جميعًا.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 600 ).

وننبه إلى حديث ( لاَ تَقُل مَوْلايَ فَإنَّ مَوْلاكُم الله ) قد رواه مسلم ( 2249 ) بلفظ (وَلَايَقُلْ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ مَوْلَايَ فَإِنَّ مَوْلَاكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ )

وقد رجَّح جمعٌ من الأئمة شذوذ هذه الزيادة على أصل الحديث وأوله ( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ … ) وهي مخالفة لما جاء بعد ذلك في الفتوى من أحاديث.

* قال النووي – رحمه الله -:

فقد اختلف الرواة عن الأعمش في ذكر هذه اللفظة فلم يذكرها عنه آخرون، وحذفها أصح. ” شرح مسلم ” ( 15 / 7 ).

 

الثاني: أنه تغلب هذه الأسماء والأوصاف على أهل البدع والضلال من دعاة التصوف المنحرف ومن القبوريين، وإطلاق هذه الأسماء والأوصاف عليهم فيها تزكية لهم.

ولذا فمن أراد أن يسمِّي منطقة فيها شيء من تلك التسميات فليقل ” سيدهم فلان ” أو ” مولاهم فلان “، أو ليحذف كلمة ” سيدي ” و ” مولاي ” ويذكر الاسم مجرَّداً، وقد يكون في الأمر سعة إذا عُرف أن المسمَّى هو من أهل السنَّة والصلاح، وقد يكون ثمة سعة إذا قال التسمية مُكرها أو من باب أنها علَم مجرد، وليحرص كل الحرص على تجنب تلك الأوصاف قدر استطاعته.

* سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

توجد بعض المناطق في مدينتنا تسمَّى على حسب القبة الموجودة فيها للرجل الصالح مثل ” سيدي عمرو ” و ” سيدي راشد “، فإذا تكلمت مع شخص وقلت له: كنت في هذه المنطقة فكيف أسمِّيها؟ لأن بعض طلبة العلم يقولون ” سيدهم راشد ” أو ” نَسيبي راشد ” أرجو التبيان.

فأجاب:

أولًا: لا يجوز بناء القبب على قبور الصالحين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور وأن تجصص وأن يكتب عليها، مخافة الفتنة وأن ينخدع الجهلة ويعبدونها مع الله.

وثانيًا: لا يجوز إطلاق لفظ ” سيدي عمرو ” أو ” سيدي راشد ” فإنه قد يكون من عامة الناس، وقد يكون عنده سيئات وخطايا لا يستحق بها اسم السيد، وإذا أردت تسمية تلك المنطقة: فاحرص على تسميتها بغير ذلك الميت أو صاحب القبة، وإن احتجت إلى تسميته: فلا تجعله سيِّداً لك بل تقول ” سيدهم راشد ” أو تقول ” المدعو راشد ” أو ” المدعو عمرو ” أو ما أشبه ذلك، وقد ثبت أن وفد بني عامر قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ” أنت سيدنا ” فقال ( السَّيِّدُ الله ).

رقم الفتوى ( 5579 ).

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=5579&parent=3831

 

* وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

عندنا في بلدنا بعض الدوائر والقرى تسمى باسم بعض الأضرحة مثل سيدي عقبة, فرأيت بعض الأخوة يتحاشى هذا اللفظ  فما حكم ذلك؟.

فأجاب:

التسمية بأسماء فيها غلو أو فيها محذور: هذا لا يصلُح، لا سيما إذا كانت لشيء فيه غلو في أشخاص، أو يترتب على ذلك الإشادة بهذا الذي يُغلى فيه، فالأولى أن لا يسمَّى بهذه الأسماء، وإذا كان لا بدَّ: فلا تُذكر اللفظة الأولى – يعني: ” سِيدي ” أو ” مولاي ” – بل يُذكر الاسم مجرَّدًا منهما. ” شرح سنن الترمذي ” ( شريط رقم 386 ) بتصرف يسير.

 

والله أعلم.

الروائح الكريهة ما أقسامها؟ وهل تتأذى منها الملائكة كلها؟

الروائح الكريهة ما أقسامها؟ وهل تتأذى منها الملائكة كلها؟

السؤال:

هل كل ما يتأذى منه الإنسان من غيره وينفر منه تتأذى منه الملائكة وتنفر منه إذا فعله الإنسان؟ فمثلًا إذا كان الإنسان صائمًا أو غير صائم وكانت راحته كريهة ينفر منها غيره كأن يكون جسده غير نظيف أو رائحة فمه كريهة أو تخرج منه غازات كريهة وغير ذلك: فهل كل هذه الأشياء تؤذي الملائكة؟ وما الذي يجب على الإنسان فعله حيال ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الروائح الكريهة التي تنبعث من المسلم ليست كلها من باب واحد، ويمكن أن نقسمها إلى أقسام:

  1. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب تناول صاحبها لطعام أو شراب محرَّم، كروائح المدخنين وشاربي الخمر.
  2. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب تناول صاحبها لطعام أو شراب حلال لكن في أصل خلقتها رائحة كريهة إن أُكلت من غير طبخ، كروائح آكلي البصل والثوم النيئين.
  3. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب ابتلاء بمرض، كمن يوجد به بَخَر في فمه أو رائحة لأنفه.
  4. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب طبيعة الخِلقة كمن تخرج من فمه رائحة عند قيامه من نومه، ويلحق به من يُخرج ريحًا من دبره.
  5. روائح كريهة تنبعث من صاحبها بسبب عبادة كرائحة خلوف فم الصائم.
  6. روائح كريهة تنبعث من الإنسان بسبب عمله، كمن يعمل في التمديدات الصحية، أو في نقل القمامة، أو يعمل في الزراعة والأعمال الشاقة فيخرج عرق من بدنه، ومثله من يخرج لجوربيه ورجليه رائحة كريهة.

 

 

 

 

ثانيًا:

وبالتأمل فيما ذكرناه سابقًا يتبين أنه ثمة فروقات بين أقسام الروائح الكريهة السابقة:

  1. فالروائح الكريهة التي تخرج من العصاة كشاربي الخمور والدخان لا يمكن أن يحبها مؤمن ولا تطيب رائحتها لملَك، فهي ريح خبيثة بسبب محرَّم تؤذي عباد الله المؤمنين من البشر والملائكة.
  2. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد نتيجة تناوله طعامًا مباحًا كالبصل والثوم لا يكون مؤذيًا إلا إن ذهب لمسجد أو مصلى عيد أو جنائز بتلك الرائحة، فيكون حينئذٍ مؤذياً للمؤمنين وللملائكة, وأما في غير المساجد : فأمره واسع ولا يكون مؤذيًا لا للعبد ولا للملائكة، ولو كان مثل هذا مؤذياً على الإطلاق لصار البصل والثوم محرَّمين! وليس الأمر كذلك، فعُلم أن الحكم خاص بالمساجد وبالملائكة الكرام الذين يشهدون الجماعة.

* قال سليمان الباجي – رحمه الله -:

وقد نص أصحابنا على المسجد الجامع قال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه وعندي أن مصلَّى العيد والجنائز كذلك…. .

من المواضع ما اتخذ لغير العبادة كالأسواق ونحوها فقد قال مالك رحمه الله ما سمعت بكراهية في دخول الأسواق ممن أكل الثوم والفرق بينهما أن المواضع المتخذة للعبادة لها حرمة يجب أن يتنزه بها عن كريه الروائح  بخلاف المتخذة لغير العبادة فإنه لا حرمة لها فلو منع دخول الأسواق برائحة الثوم لكان ممنوعا من أكله جملة لأن الأسواق بمنزلة سائر المواضع. ” المنتقى شرح الموطأ ” ( 1 / 32 ، 33 ).

* وقال ابن رجب – رحمه الله -:

وقد دلت أحاديث هذا الباب على أن أكل الثوم غير محرمٍ في الجملة، وإنما ينهى من أكله عن دخولِ المسجدِ حتى يذهبَ ريحه، وعلى هذا جمهور العلماءِ.

وذهب إلى تحريمِ أكله طائفةٌ قليلةٌ من أهل الظاهرِ، وروي عن بعض المتقدمين – أيضًا، والنصوصُ الصحيحةُ صريحةٌ برد هذا الكلامِ. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 288).

* الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أحد المشايخ يقول: عجبتُ من أناسٍ يقولون أذكار الصباح والمساء وهم يأكلون الثوم والبصل.

 

فأجاب:

أين وجه العجب؟.

السائل:

يعني: تذهب عنهم الملائكة وتتأذى منهم.

الشيخ:

هذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إن الملائكة تتأذى من آكل البصل، أو إنها تفر منه، لكنه نهى من أكل بصلًا أو ثومًا أن يدخل المسجد وقال ( إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) والمراد: الملائكة الذين في المساجد الذين يعمرونها، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: كل من أكل ثومًا أو بصلًا فرَّت منه الملائكة وتأذت منه: لكان هذا يقتضي أن يكون حرامًا، كما قلنا: إن اقتناء الصور حرام؛ لأن الإنسان إذا اقتنى الصور فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، ولهذا لما فتح الناس خيبر ووقعوا في أكل البصل وكأن النبي صلى الله عليه وسلم كرهها فقالوا: إنها حرمت! فقال عليه الصلاة والسلام ( إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ) فأباحها لهم.

ولهذا نقول: إن أكل البصل والثوم والكراث وما أشبهها من النوابت التي لها رائحة: ليس حرامًا، لكن من أكلها فلا يقرب المسجد؛ لأن الملائكة تتأذى منه.

نعم، لو فرض أن إنسانا أكلها ليجعلها وسيلة لترك الجماعة الواجبة عليه: صارت حينئذ حراما؛ لأنه تحيل على إسقاط الواجب، وهذا كما قال أهل العلم رحمهم الله: إن الإنسان لو سافر في رمضان من أجل أن يفطر: صار السفر حراما والفطر حرامًا، يلزمه أن يصوم حتى في السفر؛ لأنه سافر تحيلًا على إسقاط الواجب، والتحيل على إسقاط الواجبات: لا يسقطه، كما أن التحيل على تحليل المحرمات: لا يجعلها حلالًا.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 151 / السؤال 19 ).

  1. والروائح الكريهة التي تكون نتيجة مرض وابتلاء لا يتأذى منها مؤمن ولا ملَك؛ لأنها ابتلاء من الله تعالى، ولا إرادة فيها للعبد – كمن به سلس ريح أو لفمه رائحة بَخر – لكن مع هذا لا يحل له الذهاب للمسجد، وهو معذور في عدم ذهابه، وإذا كان مرضه طارئاً وكان من قبلُ يصلي في المسجد جماعة كتب له أجر الجماعة، وإن لم يكن يصلي في المسجد جماعة قبْل مرضه فيُعذر بتركها، ويرتفع عنه الإثم ولا يأخذ أجر الجماعة إلا أن ينوي صادقاً فيؤجر على نيته.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا كان فيه بَخَرٌ، أي: رائحةٌ منتنةٌ في الفَمِ، أو في الأنفِ، أو غيرهما، تؤذي المصلِّين: فإنَّه لا يحضرُ؛ دفعاً لأذيَّتِه، لكن هذا ليس كآكلِ البصلِ؛ لأنَّ آكلَ البصلِ فَعَلَ ما يتأذَّى به النَّاسُ باختيارِه، وهذا ليس باختيارِه، وقد نقول: إنَّ هذا الرَّجُلَ يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ لأنَّه تخلَّفَ بغير اختيارِه فهو معذورٌ، وقد نقول: إنه لا يُكتبُ له أجرُ الجماعةِ لكنه لا يأثمُ، كما أنَّ الحائضَ تتركُ الصَّلاةَ بأمره اللهِ ومع ذلك لا يُكتب لها أجرُ الصَّلاةِ فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم جَعَلَ تَرْكَها للصَّلاةِ نقصاً في دينِها.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 323 ).

  1. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد نتيجة طبيعة الخلقة كريح الفم عند التغير بسبب النوم يمكن إزالتها بالمضمضة أو بالسواك، والريح التي يخرجها العبد من دبره تزول رائحتها في وقت يسير وهي علامة صحة للبدن وحبسها فيه ضرر، ولا يُمنع العبد من تعمد إخراجها، والممنوع منها هو إيذاء الناس برائحتها فمن تعمَّد إخراج الريح في مجتمع من الناس قاصدًا إيذاء الحضور: أثم، ويمكن أن يقال إنه آذى بذلك الملائكة.
  2. والروائح الكريهة التي تخرج من المسلم بسبب طاعة الصيام لا يمكن أن تتأذى منها الملائكة ولا يكاد يسلم منها أحد، وهي أطيب عند إلى الله من رائحة المسك، كما صحَّ بذلك الحديث، فقد روى البخاري ( 1795 ) ومسلم ( 1151 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ). وقد كره بعض العلماء التسوك بعد الزوال إبقاء لهذه الرائحة التي هي أثر عبادة.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

ولا أكره في الصوم السواك بالعود الرطب وغيره وأكرهه بالعشي؛ لما أحب من خُلوف فمِ الصائم. ” الأم ” ( 8 / 155 ).

وهم منازَعون في هذا، بل التسوك مشروع في كل النهار ويندب عند كل وضوء وكل صلاة، ومع هذا فالمنازِعون يعترف أكثرهم بأن السواك لا يزيل الرائحة لأن مصدرها المعدة، لكنهم يقولون إن الله تعالى لم يتعبدنا بذات الرائحة، وإنما قيل هذا تشجيعاً للمسلم على الصوم، وبينًا لعظم شأنه عند ربه تعالى مع رائحته تلك، وتحذيرًا لغيره من التنفير منه.

* قال الكاساني – رحمه الله -:

أما الحديث: فالمراد منه تفخيم شأن الصائم والترغيب في الصوم والتنبيه على كونه محبوبًا لله تعالى ومرضيه, ونحن به نقول أو يحمل على أنهم كانوا يتحرجون عن الكلام مع الصائم لتغير فمه بالصوم فمنعهم عن ذلك ودعاهم إلى الكلام.

” بدائع الصنائع ” ( 2 / 106 ).

  1. والروائح الكريهة التي تخرج من العبد المسلم نتيجة عمل مباح لا يؤاخذ عليه المسلم بل يُمدح لعمله، لكنه يؤمر أن يُنظف نفسه ويطيبها بعد انتهاء عمله، وخاصة عند الصلاة، وبالأخص عند ذهابه للمسجد، فإن ذهب للمسجد بتلك الرائحة آذى المؤمنين والملائكة، وإن كان في عمله فلا يؤذي أحدًا؛ إذ لا يمكن الفصل بين العمل والرائحة، لكن عند انتهاء عمله يمكنه فصل الرائحة عن ثيابه وبدنه بالتنظف والتطهر، وهذا كان سبب تشريع غسل الجمعة على المسلمين.

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رواه البخاري ( 861 ) ومسلم ( 847 ).

– كُفاة: خدم.

– تَفَل: رائحة كريهة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد ذكرنا أن هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحةٌ كريهةٌ، كالفجل وغيره، وأن أحمد نص عليه.

وكذلك قال مالكٌ: الكراثُ كالثوم، إذا وجدت ريحهما يؤذي.

وألحق أصحاب مالكٍ به: كل من له رائحةٌ كريهةٌ يتأذى بها، كالحرَّاث والحوَّات!.

وفيه نظر؛ فإن هذا أثر عملٍ مباحٍ، وصاحبه محتاج إليه، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة.

” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 290 ).

 

والله أعلم.

هل للجن القدرة على التشكل على صورة إنس؟ وهل يظهر في رمضان؟

هل للجن القدرة على التشكل على صورة إنس؟ وهل يظهر في رمضان؟

السؤال:

زميلي يقول إن زوجته يظهر لها جن أحيانًا على صورة أختها وأحيانًا على طبيعته، وهل الجن يظهر في رمضان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يمكن لأحدٍ من الإنس – واستثني من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه الأنبياء – رؤية الجن على أصل خلقتهم، وهي غير معلومة أصلا، فالجزم بأنها على صورة معينة لا يسلم لقائله، واستدل القائلون بعدم إمكانية رؤيتهم على صورتهم الحقيقية بقوله تعالى ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) الأعراف/ 27.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

من زعم من أهل العدالة أنه يَرى الجن أبطلتُ شهادته؛ لأن الله عز وجل يقول (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) إلا أن يكون نبيًّا.

انظر ” أحكام القرآن ” ( 2 / 195 ، 196 ) للقرطبي.

* وقال ابن حزم – رحمه الله -:

وأن الجن حق، وهم خلْق من خلق الله عز وجل، فيهم الكافر والمؤمن، يروننا ولا نراهم. ” المحلى ” ( 1 / 34 ).

ولا ينافي هذا ما ثبت من رؤيتهم على صورة إنسي أو بهيمة، فالقدرة على الرؤية إنما هي منفية عن رؤية صورتهم الحقيقية.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأنه – أي: الشيطان – قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) مخصوص بما إذا كان على صورته التي خُلق عليها. ” فتح الباري ” ( 4 / 489 ).

 

ثانيًا:

وقد جعل الله تعالى لهم القدرة على التشكل على صورة إنس وبهائم، وقد صحت بذلك أدلة، وعُلم ذلك بالواقع المشاهد.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ ). صحيح مسلم ( 2236 ).

والعوامر: الحيات والثعابين التي تكون في البيوت.

– وقد جاء على صورة إنسي لأبي هريرة يدَّعي الفقر والحاجة، وسيأتي الحديث.

وروي أنه قد تشكل على صورة ” سراقة بن مالك “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم، فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم، كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر، قال تعالى ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) الأنفال/ 48.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 44 ، 45 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

لكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرًا، وكذلك بصورة القط الأسود؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 52 ).

* وقال الدكتور عمر الأشقر – حفظه الله -: 

أحيانًا تأتي الشياطين الإنسان لا بطريق الوسوسة، بل تتراءى له في صورة إنسان، وقد يسمع الصوت ولا يرى الجسم، وقد تتشكل بصور غريبة، وهي أحياناً تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها فتزعم أنها من الملائكة، وأحيانًا تسمِّي نفسها بـ ” رجال الغيب “، أو تدَّعي أنها من عالم الأرواح، وهي في كل ذلك تحدث بعض الناس وتخبرهم بالكلام المباشر، أو بواسطة شخص منهم يسمَّى ” الوسيط “، تتلبس وتتحدث على لسانه، وقد تكون الإجابة بواسطة الكتابة، وقد تقوم بأكثر من ذلك فتحمل الإنسان وتطير به في الهواء وتنقله من مكان إلى مكان، وقد تأتي بأشياء يطلبها، ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين الذين يكفرون بالله رب الأرض والسماوات، أو يفعلون المنكرات والموبقات، وقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضل الناس وأفسقهم، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئًا كثيراً لا مجال لتكذيبه والطعن فيه لبلوغه مبلغ التواتر.

” عالم الجن والشياطين ” ( ص 119  ).

 

ثالثًا:

ولا فرق بين شهر رمضان وغيره في رؤية الجن متشكلًا، بل قد ثبت في حديث صحيح أنه جاء متشكلًا على صورة إنسي في شهر رمضان.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ) قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ ) فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ ) فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ) قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ ( مَا هِيَ ) قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ – وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ – فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ) قَالَ: لَا، قَالَ ( ذَاكَ شَيْطَانٌ ). رواه البخاري (3101 ) – معلَّقًا بصيغة الجزم – والنسائي في ” عمل اليوم والليلة ” (ص 533 ).

– والحديث فيه قدرة الجن على التشكل، وفيه ظهوره في رمضان، والصحيح: أن التصفيد في شهر رمضان يكون لمردة الشياطين، لا لعمومهم.

 

 

فقد تبين مما سبق:

  1. أن الجن لا يظهرون لأحد – سوى الأنبياء – على صورتهم الحقيقية.
  2. أنهم يمكن أن يتشكلوا على صورة إنس وبهائم.
  3. أنه لا يمتنع ظهورهم متشكلين في شهر رمضان.

وحتى يكون الرائي صادقا في ادعائه رؤية الجني متشكلًا على صورة معينة – كأخت أو أخ أو صديق – فينبغي أن تكون الرؤية لبدن حقيقي، فإن لم يكن الأمر كذلك فهي صورة خيال، وهي تهيؤات لا حقيقة لوجودها، فالشيطان الذي تشكل لأبي هريرة جاء ببدنه وتكلم وسمع، وهكذا لما تشكل على صورة حيات كانت ببدنها وحركاتها، ولا نظن ما عند أخت زميلك إلا صور ذهنية وخيالات وأوهام، لا أن الجن تشكل على صورة أختها وجاء يكلمها!.

 

 

والله أعلم.

 

هل يأثم من يعمل في مراقبة الدوام ويُجبره مديره على تزوير حضوره وغيابه؟

هل يأثم من يعمل في مراقبة الدوام ويُجبره مديره على تزوير حضوره وغيابه؟

السؤال:

أنا أعمل مهندس حاسب آلي في شركة لتوريد وتركيب أجهزة البصمة وأنظمة الحضور والانصراف للوزارات والهيئات الحكومية، ويوجد عقد بين شركتي وإحدى الجهات الحكومية فيه بند ينص على أن أتواجد دائمًا في الهيئة كأني موظف بها على أن أتابع عمل وكفاءة النظام باستمرار.

في الوقت نفسه يوجد بند آخر بالعقد ينص على أن يقوم المهندس المقيم – أنا – بكل الأعمال التي يطلبها منه مشرف الدوام

وبناءً عليه: فيوميًّا يطلب مني مشرف الدوام – والذي هو مديري المباشر في الهيئة – بالتعديل على أوقات توقيعه في الحضور والانصراف حتى لا يظهر له أبداً في التقارير تأخيرات أو انصراف مبكر، وأحيانًا لا يأتي الدوام مطلقًا ويطلب مني أن أُدخل له توقيع حضور وانصراف على افتراض أنه داوم ذلك اليوم.

فهل يا شيخ أنا مشترك معه في الإثم أم هو يتحمل الإثم وحده؟ مع العلم أن شركتي التي أرسلتني إلى هناك أيضا تعلم بما يحدث وترغمني على الاستمرار في ذلك أو ينهون خدماتي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك ولا ريب أن ما يفعله ذلك المشرف من التخلف عن دوامه أو التأخر عنه والكذب بخصوص ذلك: كله من المحرمات الواضحات، فهو كذب، وتزوير، وأكل مال جهة الدوام بالباطل، ولا شك أنك – أخي السائل – شريك في هذه المحرمات حيث تغطِّي تخلفه عن الدوام وتأخره عنه بتزوير الحقيقة، وقد بينَّا هذه المسألة بوضوح.

 

ثانيًا:

واعلم أن علم شركتك بما تفعله من تزوير الحقيقة مع ذاك المشرف لا يجعل فعلك جائزًا, بل هم شركاء – بعلمهم ورضاهم – بالإثم، وأصحاب العمل – وهم الجهة الحكومية – لا يرضون بهذا الفعل، ولذا لجأ هذا المشرف إلى التزوير، بل إن تلك الجهات تمنع هذا التزوير وتلاحق فاعله فتعاقبه؛ لأن أخذ من راتبه ما ليس له به حق.

والواجب عليك: الكف فورًا عن فعلك هذا، وإذا كنتَ لا تستطيع مواجهة مشرفك وشركته بإجرائك هذا: فالواجب عليك إيصال خبر هذا المشرف لرؤسائه أو للجهات المسئولة، فتحمي نفسك بهذا الإجراء، وتطيب مطعمك وراتبك، وتوقف ذاك المشرف عند حدِّه، ويكفيك إيصال الخبر إلى الجهات المسئولة لتبرأ ذمتك، وتطلب منهم حمايتك من سطوة ذلك المشرف وأنه يجبرك على هذا الفعل، وليكن منهم حكمة في التصرف فلا بدَّ أن يخرجوك من الصورة، وليبدُ الأمر كأنه أمر مراقبة للتأكد من سير العمل وفق القانون، ولا يسعك غير هذا التبليغ عن حال ذاك المشرف وفعله المحرَّم، وأما السكوت عنه بداعي الوظيفة فلا يجوز لك، وإنما تكسب بسكوتك إثمًا وتأكل بقدْره من راتبك سحتًا، ولو فُرض في أسوأ الحالات أن تُطرد من وظيفتك فاعلم أن أرض الله واسعة، وأن رزق الله تعالى عظيم، ولعلَّ الله تعالى أن يرزقك – لأمانتك – خيرًا من عملك هذا لدينك ودنياك.

 

والله أعلم.

ولدت ابنا له أربع أصابع فقط فكيف تتصرف مع هذا الابتلاء؟

ولدت ابنا له أربع أصابع فقط فكيف تتصرف مع هذا الابتلاء؟

السؤال:

وُلد لي ولد بأربع أصابع فقط في يده اليمنى، وما انزعجت لذلك، غير أني ليلة أمس كنت أرى صورة ليدٍ يمنى وكيف أن الله أبدع صنع الأصابع والكف وغير ذلك فانفجرت بالبكاء، صحيح أنه لا حيلة لي في ذلك، ولا أدري لماذا أصبح ابني هكذا، مع أنه لا يوجد أحد في العائلة بهذه الحالة، حتى أخوه الأكبر فهو كامل الخلقة.

على ما أظن أن هذا شعور طبيعي تشعر به أي أمّ في مثل حالتي، إنني أتألم من ذلك ولكني لا أبدي ألمي هذا ولكنني أفكر أحياناً كيف سأواجهه بالإجابة عن سؤاله إذا سخر منه الأولاد في المدرسة حين يكبر فيأتي ويسألني عن ذلك، فماذا أقول له حينها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إننا نقدِّر – أيتها الأم – مشاعرك تجاه طفلك، ونعيش معك شعورك عندما ترين ابنك قد ابتلاه الله تعالى بما ذكرتِ، وإننا سنقف معك وقفات نرجو أن يكون لها أثر طيب عليكِ لمواجهة هذا الابتلاء وحسن التصرف تجاهه.

  1. يجب عليكِ التأمل في عظيم حكمة الله فيما يقدِّره تعالى من الأشياء، وليس خلْقُ ابنك بأربع أصابع خارجًا عما يجب تأمله، فالله تعالى لا يخلق شيئًا عبثًا إنما يخلقه لحكمة بالغة، ومنه ما يقدِّره تعالى من إصابة بعض خلقه بإعاقات بدنية تتفاوت فيما بينهما، ومن أعظم الحكَم في ذلك أن يكون هذا من باب الابتلاء لوالديه، ثم للابن نفسه إن صار من البالغين المكلَّفين.
  2. نرجو منكِ عدم الالتفات للوراء وعدم الانشغال بالذكريات المؤلمة؛ فالانشغال بمشاعر الحزن والألم والإكثار منها فيه تعطيل للقيام بالواجبات والعمل لمصلحة الطفل، وقد يؤدي بكِ – لا قدَّر الله – إلى التسخّط والاعتراض على فعل الله تعالى.
  3. إننا لا نرى أنَّ خلْق الله تعالى أربع أصابع لابنك فيه عظيم ابتلاء، فقد أكمل الله له عقله وجعله قادرًا على الحركة وهو يأكل وينام ويرى ويسمع في نِعَم عظيمة جليلة تحتاج منكِ لشكرٍ عليها.
  4. نوصيك بالاهتمام بطفلك ليكتسب مهارات يتفوق بها على أقرانه ليعوِّض عليه النقص في خِلقته، فتميزه – مثلًا – بحفظ القرآن وطلب العلم يجعلان منه طفلًا مميزًا يُثنى عليه ولا يشعر معه بالنقص عن أقرانه.
  5. تجنبي التعامل معه بعاطفة مجردة، فلا تظهري أمامه الحزن والأسى حتى لا يشعر بالنقص عن أشقائه وأقرانه.
  6. نبِّهي أشقاءه وشقيقاته إلى ضرورة الانتباه في كلامهم معه وعدم السخرية به، مع التشديد في عقوبة المخالف لهذا.
  7. تعاوني مع إدارة المدرسة والأخصائي الاجتماعي في ضرورة حسن رعايته ومعاقبة من يسخر منه وتجنبيه آثار ذلك إن وقع.
  8. احرصي أن يكون ابنك مِن أهل المساجد لتكون صحبته طيبةً نقية من طلبة العلم وحفاظ القرآن، وهم مَن لا يمكن أن يصدر منهم – إن شاء الله – سخرية به.

وأما حين يكبر: فأفهميه أن الله تعالى قد ابتلى غيره بأشد من ابتلائه هذا، فمنهم الذي لا يستطيع التحرك، ومنهم المجنون، والأعمى، والأصم، والمصاب بسرطان الدم، ومن يغسل كُليته كل يومين مرة، وهكذا في ابتلاءات كثيرة وشديدة قد عافاه الله منها، وليعلم أن ما ابتلاه الله به ليس شيئا بالنسبة لغيرها من الابتلاءات الشديدة، وأعظم من هذا أن يعلم أنه يتقلب في أعظم نعمة وهي الإسلام، وأنه الله تعالى قد جعله من الموحِّدين، وهي نعمة جليلة تحتاج منه لشكر عظيم بقلبه ولسانه وجوارحه، وليعلم أن هذه الدنيا ليست إلا دار اختبار وابتلاء وأحزان وآلام ونقص، وأن السعادة والفرح والكمال إنما هو في جنَّة الخلد فعليه أن يسعى لأن يكون من أهلها.

– ونسأل الله تعالى أن يعينك وييسر أمرك، ونسأله تعالى أن يهديه لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

هل زوج أم زوجها ممن يجوز لها أن تكشف عن وجهها أمامهم؟

هل زوج أم زوجها ممن يجوز لها أن تكشف عن وجهها أمامهم؟

السؤال:

تزوجتْ حماتي مؤخرًا – ما شاء الله – وهذا الشخص الذي تزوجته ليس والد زوجي، لكنه زوج أمِّه، فهل يجوز لي أن أخلع نقابي أمامه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

بينّا فيما سبق مَن هم المحارم مِن الرّجال وليس من أولئك زوج أم زوجك؛ فإنه أجنبي عنك، ليس له حكم والد زوجك، ولا حكم محارمك.

وعليه: فلا يجوز لك إظهار شيء من بدنكِ أمامه؛ لذا فالواجب عليك الاحتجاب أمامه، وليس ثمة خلاف بين العلماء في كونه أجنبيًّا عنك.

 

والله أعلم.