الرئيسية بلوق الصفحة 164

أسئلة مهمة حول اعتقاد أهل السنَّة في أسماء الله تعالى وصفاته

أسئلة مهمة حول اعتقاد أهل السنَّة في أسماء الله تعالى وصفاته

السؤال:

هل صفات الله كلها متشابهة أم أنها صفات متعددة ومختلفة وكل صفة تختلف عن الأخرى؟ وكذلك الأسماء هل كلها معناها واحد ومتشابهة أم أن كل اسم يدل على معنى مغاير للآخر؟ وهل يجوز أن نقول إن صفات الله لا منتهى لها وكذلك الأسماء أم أن لها نهاية وهي محصورة وأن الله قد علمها وأحصاها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن صفات الله تعالى متباينة من حيث معانيها، فصفة ” القدرة ” ليست هي صفة ” العزة ” وليست هي صفة ” العلم “، ولا يقول عاقل بأنها متشابهة من حيث معانيها، وسيأتي توضيح ذلك وتبيينه فيما يأتي.

 

ثانيًا:

ومن اعتقاد أهل السنَّة والجماعة في أسماء الله تعالى: أنها مترادفة من حيث دلالتها على ذاته عز وجل، ومتباينة من حيث دلالتها على معانيها.

ولتوضيح ذلك نقول: إن أسماءه تعالى ” القدير ” ” العليم ” ” العزيز ” ” الحكيم ” – مثلًا – كلها تدل على ذات واحدة وهي ذات الله المقدَّسة، فهي بهذا الاعتبار مترادفة.

وفي الوقت نفسه فإن صفة ” القدرة ” ” العلم ” ” العزة ” ” الحكمة ” تختلف بعضها عن بعض، فهي بهذا الاعتبار متباينة.

– فصارت أسماء الله تعالى الحسنى: أعلام مترادفة وأوصاف متباينة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فالله سبحانه أخبرنا أنه عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوُّع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.

” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 59 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص

فـ ” الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم ” كلها أسماء لمسمّى واحد وهو الله سبحانه وتعالى، لكن معنى ” الحي ” غير معنى ” العليم “، ومعنى ” العليم ” غير معنى ” القدير “، وهكذا.

وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليها، كما في قوله تعالى ( وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )، وقوله ( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ) فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: ” عليم ” إلا لمن علم، ولا ” سميع ” إلا لمن سمع، ولا ” بصير ” إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل. ” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” ( ص 8 ).

وهكذا يقال في أسماء القرآن وأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء اليوم الآخر، فهي مترادفة من حيث دلالتها على شيء واحد – القرآن أو الرسول أو اليوم الآخر-، وهي في الوقت نفسه متباينة من حيث أن كل اسم من أسماء ما سبق يحمل صفة غير الأخرى، فصار الأسماء باعتبار معاني الأسماء متباينة.

 

ثالثًا:

ومن معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى- على القول الراجح الصحيح -: أنها غير محصورة بعدد معيَّن، وهكذا القول في صفاته تعالى؛ فإن لله تعالى أسماء قد استأثر بها في علم الغيب عنده، وهذه الأسماء تحمل صفات، فصارت أسماؤه وصفاته غير محصورة بعدد معيَّن.

ومما يستدل به على هذا الاعتقاد:

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ ” اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي “: إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا ) رواه أحمد ( 3704 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة “( 199).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملَك مقرب ولا نبي مرسل، كما في الحديث الصحيح ( أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ )، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام:

قسم سمَّى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.

وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده.

وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه، ولهذا قال (اسْتَأْثَرْتَ بِهِ ) أي: انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به لأن هذا الإنفراد ثابت في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه. ” بدائع الفوائد ” ( 1 / 174 – 176 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

ليُعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 328 ).

ولينظر – للفائدة –  ” مجموع الفتاوى ” لابن تيمية ( 22 / 482 – 486 ).

  1. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ ( اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ). رواه مسلم ( 486 ).

فالصفات – كما ذكرنا – تتبع الأسماء، فكل اسم ثابت لله تعالى فيه صفة تليق بجلاله عز وجل.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فأخبر أنه لا يُحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها فكان يُحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يعبَّر عنها بأسمائه.

” درء تعارض العقل والنقل ” ( 3 / 332 ، 333 ).

  1. ومن أسمائه تعالى ما يجوز أن يُشتق منها أفعال، وأفعال الله لا منتهى لها.

وصفات الله عزَّ وجلَّ ذاتِيَّة وفعليَّة، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله تعالى، وأفعال الله لا منتهى لها.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تعالى ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) لقمان/ 27.

” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” ( ص 21 ).

* وقال الشيخ علوي السقاف – حفظه الله -:

القاعدة العاشرة:

” صفات الله عَزَّ وجَلَّ ذاتِيَّة وفعليَّة، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله، وأفعاله لا منتهى لها “، ( وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ ).

” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة ” ( ص 22 ).

* وقال – أيضًا -:

القاعدة الحادية والعشرون:

” صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة – كما مرَّ في القاعدة الثامنة -، وأسماء الله لا حصر لها، فمنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده. ” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة ” ( ص 26 ).

وقد ظنَّ بعضهم أن أسماء الله تعالى محصورة بعدد معين وهو العدد تسعة وتسعون! وقد نقل النووي رحمه الله اتفاق العلماء على أن أسماء الله تعالى غير محصورة في هذا العدد، وقد سبق في جواب السؤال رقم ( 41003 ) الدليل على نفي الحصر بهذا العدد، مع ذِكر أقوال أهل العلم في الرد على من فهم أن أسماء الله تعالى محصورة في هذا العدد.

والخلاصة في هذا الباب: أن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله لا حصر لها، ولا يشك بهذا من اطلع على أدلة الكتاب والسنَّة ووقف على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وضبط اعتقاده في الأسماء والصفات بقواعد منضبطة.

 

والله أعلم.

أحوال شرب المرأة دواء لتنزيل دم الحيض وأحكامها

أحوال شرب المرأة دواء لتنزيل دم الحيض وأحكامها

السؤال:

أنا ممن يعانين بمرض يسمَّى ” فشل المبايض المبكر ” وهو عدم نزول الدورة الشهرية إلا بعلاج، فهل يجوز لي أنزل الدورة في شهر رمضان، حيث إنه يمكنني أيضًا عدم إنزالها إذ خيار الدورة الشهرية بيدي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– إن استعمال علاج أو شرب دواء يسبِّب نزول دم الحيض لا يخلو من أحوال ثلاثة:

الأولى: أن يكون من أجل تنزيل دم الحيض في موعده المعتاد.

الثاني: أن يكون من أجل تنزيله في غير موعده.

الثالثة: أن يكون من أجل تنزيله علاجًا، وهو لا ينزل أصلًا إلا بشرب دواء.

أما الحالة الأولى: فلا إشكال في جوازها، ولدم الحيض حينئذٍ أحكامه المعروفة.

وأما الحالة الثانية: وهي إذا ما كان من أجل تنزيل دم الحيض في غير موعده: فإننا نقول: إنه يجوز للمرأة استعمال علاج أو شرب دواء يسبِّب نزول دم الحيض، على أن ذلك مشروط بشروط:

  1. أن يكون الدواء مباحًا – وهو شرط مشترك مع الحالة الأولى والثالثة -.
  2. أن يكون تنزيل دم الحيض لمقصود مباح ، كعلاج.

فإن كان الدواء محرَّمًا أو كان لغير مقصود شرعي – كتعجيل عدة طلاق، أو كإفطار في رمضان -: حرُم استعمال ذلك العلاج، وحرم شرب ذلك الدواء، ويكون حكم فعل ذلك – بخصوص الإفطار في رمضان – كحكم من تعمَّد السفر من أجل الإفطار.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويجوز التداوي لحصول الحيض، إلا في رمضان لئلّا تفطر، قاله أبو يعلى الصغير. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 315 ).

* وقال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

( ويجوز ) لأنثى ( شرب دواء ) مباح ( لحصول الحيض لا قرب رمضان لتفطره ) كالسفر للفطر. ” كشاف القناع ” ( 1 / 218 ).

وهل إذا فعلت المرأة ذلك لذلك المقصود غير الشرعي تنطبق أحكام الحيض عليها، ويكون دمها دم حيض؟ خلاف بين العلماء، وقد ذهب المالكية إلى عدم اعتبار الدم دم حيض، وإلى أنها تعدُّ طاهرة ويلزمها الصوم – مع قضائه احتياطًا – والصلاة، ولا تنقضي به عدة.

والأصح عند الشافعية اعتبار دمها دم حيض تنطبق عليها أحكامه.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 18 / 327 ، 328 ):

صرَّح الحنابلة بأنه يجوز للمرأة شرب دواء مباح لقطع الحيض إن أمن الضرر، وذلك مقيد بإذن الزوج؛ لأن له حقا في الولد، وكرهه مالك مخافة أن تدخل على نفسها ضررًا بذلك في جسمها.

كما صرحوا بأنه يجوز للمرأة أن تشرب دواء مباحًا لحصول الحيض، إلا أن يكون لها غرض محرم شرعًا كفطر رمضان: فلا يجوز.

ثم إن المرأة متى شربت دواء وارتفع حيضها: فإنه يحكم لها بالطهارة، وأما إن شربت دواء ونزل الحيض قبل وقته: فقد صرح المالكية بأن النازل غير حيض وأنها طاهر، فلا تنقضي به العدة، ولا تحل للأزواج، وتصلِّي وتصوم؛ لاحتمال كونه غير حيض، وتقضي الصوم دون الصلاة احتياطاً لاحتمال أنه حيض

وقد صرح الحنفية بأنه إذا شربت المرأة دواء فنزل الدم في أيام الحيض: فإنه حيض وتنقضي به العدة. انتهى.

* وقال النووي – رحمه الله -:

ولو شربت دواء للحيض فحاضت: لم يلزمها القضاء، وكذا لو شربت دواء لتلقي الجنين فألقته ونفِست: لم يلزمها قضاء صلوات مدة النفاس على الصحيح من الوجهين. ” المجموع ” ( 3 / 10 ).

وعند الشافعية – أيضًا – اعتبار نزول الدم بشرب الدواء في باب العدة.

* سئل ابن حجر الهيتمي الشافعي – رحمه الله -:

عن من استعجلت حيضها بدواء فهل تنقضي به عدتها أم لا؟.

فأجاب بقوله:

نعم، كما صرحوا، ومن ثمَّ صرحوا أيضًا بأنها لو استعجلته: لم تقض أيامه.

” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 162 ).

والذي يظهر لنا: التفريق بين الصلاة والصوم وبين العدَّة؛ لأن مقصود العدة براءة الرحم وليس ذات نزول الحيض، ولتعلق انقضاء العدة بحق غيرها، فينبغي معاملتها بنقيض قصدها، فتترك الصلاة والصوم إذا شربت دواء لتنزل دم الحيض في غير أوانه، ولا تنقضي به عدتها.

وفي ” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 1 / 537 ):

ثم أجاب شيخنا لما سُئل عن امرأة عالجت دم المحيض هل تبرأ من العدة؟ بأن الظاهر: أنها لا تحل.

وتوقَّف عن ترك الصلاة والصيام، والظاهر – على بحثه – أن لا يُتركا، وإنما قال ” الظاهر ” لاحتمال أن استعجاله لا يخرجه عن الحيض كإسهال البطن انتهى.

قلت: لا يلزم من إلغائه في باب العدة إلغاؤه في العبادة؛ إذ لا ملازمة بين البابين؛ فإن الدفعة حيض في باب العبادات وليست حيضًا في باب العدة، والفرق بين البابين: أن المقصود في العدة براءة الرحم وإذا جعل له دواء لم يدل على البراءة لاحتمال أنه لم يأت إلا بالدواء، وأما في باب العبادات فيحتمل أن لا يلغى بما قال إن استعجاله لا يخرجه عن كونه حيضًا كإسهال البطن انتهى. والله أعلم.

ويحتمل أن يُلغى؛ لأنه لم يخرج بنفسه، وهذا إذا جعل له دواء استعجل به قبل أوانه. انتهى.

 

ثانيًا:

وليُعلم أن ما سبق ذِكره هو في المرأة التي لها موعد لحيضتها فتستعجل إنزاله في غير وقته، وهل الأمر كذلك مع الأخت السائلة – وحالتها هي الحالة الثالث-؟ والجواب: لا؛ لأنَّ الدم عندها لا ينزل أصلًا لمرض، ولا ينزل إلا بدواء، فليس ثمة موعد لحيضتها تستبقه، فلا ينطبق ما ذكرناه سابقًا عليها.

وكيف يكون حكمها إذًا؟ الجواب: فيه تفصيل:

  1. فإن كان إنزال الدم لا يتعيَّن عليها كل شهر مرَّة أو في أيام رمضان: فلا تشرب الدواء لإنزال دم الحيض من أجل الإفطار، وإن فعلت فتكون كمن له سفرة غير متعيَّن موعدها فجعلها في رمضان قاصًدا الفطر فيها، فيأثم على قصده، وإن فعلت ذلك فحكمها كما فصَّلناه في الحالة الثانية.
  2. وإن كان إنزال الدم يتعيَّن عليها – طبيًّا وعلاجيًّا – في كل شهر مرة، أو تحديداً في وقت معيَّن وكان ذلك شهر رمضان: فلا يظهر لنا في فعلها أي حرج؛ لأن عادة النساء نزول دم الحيض مرة كل شهر، والجواز إما أن يكون من باب ضرورة العلاج، أو من باب إزالة العيب بإرجاعها إلى أصل الخلقة، وهي لم تستعجل تنزيل دم حيضها عن وقته لأنه لا وقت له سابق أصلاً، فليس ما سبق من كلام وأحكام ينطبق عليها ساعتئذٍ، وينطبق عليها جميع أحكام الحيض من حيث أحكام الصلاة والصيام والعدَّة.

وأما ما وجدناه من كلام أهل العلم مما ينطبق عليها : فهو ما رأيناه عند المالكية.

ففي ” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 1 / 537 ، 538 ):

وأما إذا تأخر عن وقته ولم يكن بالمرأة ريبة حمل فجعل له دواء ليأتي : فالظاهر أنه حيض؛ لأن تأخير الحيض إذا لم يكن حمل: إنما يكون لمرض، فإذا جعل دواء لرفع المرض: لم يخرجه عن كونه حيضاً، وقد يتلمح ذلك من قول المصنف ” استعجاله “، فتأمله، والله تعالى أعلم. انتهى.

 

 

 

فالخلاصة:

إذا كان لا يتعيَّن شرب ذلك الدواء وتناول ذلك العلاج عليكِ في شهر رمضان: فلا يحل لكِ فعل ذلك، وتلزمك أحكام الحيض في باب العبادات دون باب العدة.

وإن كان يتعيَّن عليك شرب ذلك الدواء وتناول ذلك العلاج في شهر رمضان: فافعلي ذلك من غير أدنى حرج.

 

والله أعلم.

يعمل في مجال بيع بضائع معيَّنة ويريد بيع غيرها لزبائن شركته لحسابه الشخصي

يعمل في مجال بيع بضائع معيَّنة ويريد بيع غيرها لزبائن شركته لحسابه الشخصي

السؤال:

أعمل عند رجل في بيع المستلزمات الطبية الخاصة بجراحات العيون، فهو يبيع مستلزمات العمليات فقط كالمشارط والخيوط وما أشبهه، فهل يجوز لي المتاجرة في العدسات اللاصقة لحسابي الشخصي خارج نطاق العمل مع هذا الرجل، علماً بأني سأستفيد من خبراتي التي استفدتها معه وسأبيع لنفس العملاء؟.

وللتوضيح: فمجال التجارة فيما يخص العيون فيه عدة مجالات منفصلة عن بعضها قد تقوم بالجمع بينها أو بين بعضها بعض الشركات وقد تتخصص في مجال معين من هذه المجالات، مثلًا: مجال العدسات اللاصقة، مجال النظارات، مجال مستلزمات العمليات، مجال الأدوية، مجال الأجهزة الطبية الخاصة بتجهيز أقسام العيون في المستشفيات والعيادات.

الرجاء من سعادتكم شرح الأمور بشيء من التفصيل، ولكم جزيل الشكر، وجزاكم الله خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

لم يظهر لنا مانع من العمل الذي ذكرتَ على أن تلتزم بشروط الجواز، وهي:

  1. أن لا يكون منك عملٌ لمصلحتك الشخصية أثناء وقت دوامك؛ لأن الموظف أجير خاص، والأجير الخاص هو من قُدّر نفعه بالزمن فيلزمه تفريغ هذا الزمن للعمل فقط.

 

  1. أن لا تبيع شيئًا مما تبيعه شركتك – أي: المستلزمات الطبية الخاصة بجراحات العيون -؛ لأنك مؤتمن على بيع ذلك لحساب شركتك، ودُفع لك الراتب من أجل هذا، وبيع شيء من ذلك لمصلحتك لا يحل لك، وما عدا ذلك من البضائع المتعلقة بغير مجال مستلزمات جراحة العيون فلا حرج من بيعك لزبائن شركته وغيرهم، ولو كنتَ عرفتهم عن طريق شركتك.

 

والله أعلم.

 

هل يحل المال الذي تدفعه الشركة شهريًّا لموظفيها في أنظمة التقاعد؟

هل يحل المال الذي تدفعه الشركة شهريًّا لموظفيها في أنظمة التقاعد؟

السؤال:

أعيش وأعمل هنا في ” سيرلانكا “، وهي دولة غير مسلمة – كما هو معلوم -، ومعظمنا يعمل في القطاعات الخاصة والتي لا تضمن لموظفيها ما يسمَّى ” معاش التقاعد “، غير أن هذه القطاعات ملزمة من الحكومة باتباع إحدى طريقين لضمان توفير مبلغ من المال للموظف لما بعد التقاعد، هاتان الطريقتان هما: الأولى: ما يسمَّى ” صندوق الادخار “، وهذه طريقة تتولى الإشراف عليها الحكومة نفسها، حيث يقوم الموظف بتحويل ( 20 – 25 % ) من مرتبه إلى هذا الصندوق، يقوم هو بدفع ( 8 % ) والشركة التي يعمل لديها ( 12 % ) في حالة الـ ( 20 % )، أو ( 10 % ) والشركة التي يعمل لديها ( 15 % ) في حالة الـ ( 25 % ).

والطريقة الثانية: هي ما يسمَّى بـ ” صندوق القطاع الخاص ” والذي يشرف عليه البنك المركزي، وفي هذه الطريقة تقوم الشركة بتحويل مبلغ مالي شهري من راتب الموظف إلى الصندوق.

والفرق بين الطريقتين: أن الموظف في الحالة الأولى لا يستطيع الاستفادة من هذه المدخرات إلا عند بلوغ سن التقاعد وهو ( 55 سنة )، أما الطريقة الثانية: فإن الموظف يمكنه استرجاع جميع الأموال التي استقطعت من راتبه بمجرد انتهاء عقده مع الشركة التي يعمل لديها أو بمجرد خروجه منها.

وفي كلتا الحالتين تقوم الجهات المشرفة على هذه الأموال بالمتاجرة ودخول سوق الأسهم .. الخ، بما يعني أن أموالنا المدخرة لديهم لم تكن جامدة وبالتالي فإن فوائد هذه المبالغ تضاف سنويّاً إلى المبلغ الأصلي، وتستمر هذه العملية هكذا إلى أن يتقاعد الموظف ( في الحالة الأولى ) أو يخرج من الشركة ( في الحالة الثانية )، عند ذلك له الحق في أخذ الأموال المدخرة طوال السنين الماضية مضافاً إليها فوائد تلك السنوات.

السؤال هو: ما حكم أخذ هذه الفوائد؟.

بالطبع نحن كموظفين ليس لنا الخيار في هذا الاستقطاع الشهري، سواءً كان في الطريقة الأولى أو الثانية، فكل الموظفين ملزمون باتباع إحدى الطريقتين، لكن في حالتي – والحمد لله – فالشركة التي أعمل فيها تتبع الطريقة الثانية، بما يعني أني سآخذ مدخراتي بمجرد خروجي من الشركة، فما حكم أخذي للفوائد التي ستأتي مع المبلغ الأصلي؟ والتي تُقدر بنسبة ( 10 % ) للموظف و ( 15% ) للشركة، فإذا كان أخذ هذه الفوائد لا يجوز: فمعنى ذلك أن أموال هذا الموظف المسكين كانت راكدة لا قيمة لها طوال السنين التي كان يعمل فيها! فما رأيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما لا شك فيه أن أنظمة التقاعد المذكورة في السؤال هي أنظمة محرَّمة لا يحل للموظف أن يشترك بها طوعًا واختيارًا؛ لأنها تقوم على المقامرة والاستثمار المحرَّم، وقد بينَّا حرمة هذه الأنظمة في إجابات كثيرة.

وقد بينَّا في بعض تلك الأجوبة أنه لا إثم على من أُجبر على الدخول في أنظمة التقاعد المحرَّمة، لكن ليس له مما يُدفع له إلا ما استقطع من راتبه طوال عمله، وأما ما جاءه من زيادة محرَّمة على ما أُخذ منه فهو مال خبيث عليه أن يتخلص منه في أي وجوه الخير شاء على أن لا يرجع نفع ذلك المال له، فلا يقضي به ديْنًا, ولا يبذله لأحد ممن يجب عليه نفقته.

 

ثانيًا:

وأما ما تدفعه الشركة لموظفها ليُستثمر المال كله في جهات يَحرم الاكتساب منها كالادخار في البنوك الربوية، والمضاربة بالأسهم الربوية والمحرمة، والاستثمار في أماكن اللهو والفساد: فله أحوال:

  1. أن تدفعه الشركة من طيب نفسٍ منها لموظفيها زيادة على رواتبهم، فهذا المال يجوز للموظفين أخذه دون ما زاد عليه من الفوائد الربوية والربح من مجالات محرَّمة.
  2. أن تدفعه الشركة عن غير طيب نفسٍ منها بل بقوة القانون، ويكون هذا المال من مالها الخاص، فهذا المال لا يجوز للموظفين أخذه لا عند التقاعد ولا عند انتهاء العمل في الشركة، بل عليهم إرجاعه للشركة نفسها، فتوزَّع الزيادة المحرَّمة في وجوه الخير وترد الأموال التي دفعتها الشركة مكرَهة إليها، إلا أن تطيب نفوسهم فيما بعد بأن يتملكها الموظف فتكون حلالًا له.
  3. أن تدفعه الشركة للموظف لكنه يكون في الأصل جزء من راتب الموظف نفسه! وهذا ما تفعله بعض الشركات والمصانع، فإنها تخصم هذه الزيادة – التي تُلزمها بها الحكومات – من رواتب موظفيها ثم تردها إليهم على أنها من أموالها، وهنا تحل هذه الزيادة التي تدفعها الشركة لأنها حق مسلوب للموظف من تلك الشركة.

 

 

ثالثًا:

وأما تعطيل المال وتجميده بما لا يعود نفعه على الموظف: فهذا ليس عذرًا حتى يلج باب المحرمات ويأخذ تلك الفوائد الربوية والزيادة الخبيثة من الكسب المحرَّم.

وليوصِ كل موظف اشترك في مثل هذه الأنظمة المحرَّمة أهلَه بأن يطيبوا كسبهم فلا يأخذوا لأنفسهم ما زاد عن الحق الذي لهم بعد موتهم.

 

– ونسأل الله أن ييسر لك الخير حيث كان، وأن يعينك على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

هل يحضرون عرسًا يَدفع فيه أهلُ العروس مهرًا! لأهل العريس أم يقاطعونه؟

هل يحضرون عرسًا يَدفع فيه أهلُ العروس مهرًا! لأهل العريس أم يقاطعونه؟

السؤال:

هناك نظام عندنا في الهند تتبعه الكثير من الأسر، هذا النظام هو: أن أسرة العريس يطلبون مهرًا من أسرة العروس، قد يكون هذا المهر مبلغاً ماليّاً، أو قد يكون أمرًا عينيًّا إما أثاث أو ما شابه ذلك، نعم بالتأكيد فالعريس يدفع مهر العروس ولا مشكلة في هذا الأمر، ولكنهم يصرون على أخذ هذا المهر الذي ما أنزل الله به من سلطان، وقد قرأنا فتواكم حول هذا الموضوع وخلصنا إلى أن هذا الفعل يتنافى مع تعاليم الإسلام.

لكن سؤالي هو في جواز حضور عرس أو وليمة من يأخذ هذا المهر؛ لأن بعض الأسر تستفيد من هذا المبلغ في عمل الوليمة، فهل يجوز لنا حضور مثل هذه الوليمة إذا علمنا أنهم استخدموا هذا المبلغ في وليمتهم؟ وماذا لو كان صاحب العرس أحد الأقارب فلم نذهب للوليمة، ألا يُعد ذلك قطعا للرحم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إن العادة السيئة المنتشرة في ” الهند ” والتي تقضي بدفع أهل العروس مهر! – مالًا أو أثاثًا – لأهل العريس هي في الأصل عادة هندوسية، ونأسف أن يكون توارثها عنهم شريحة كبيرة من المجتمعات المسلمة، وقد صدرت فتاوى متعددة من علماء المسلمين هناك في تحريم هذا الفعل، كما صدر قانون رسمي يمنع منها، ولكن لا يستجيب كثيرون لهذين الأمرين.

فهذا الدفع لأهل العريس محرّم، وذكرنا في جوابِ آخر وجوب تضافر الجهود للحد من هذه الظاهرة السيئة ومنعها، ونرى أن من أعظم ما يمكن فعله للمساهمة في الحد من تلك الظاهرة هو: مقاطعة ذلك العرس الذي يَبذل فيه أهل العروس – ظلمًا – مهرًا – مالًا أو متاعًا – لأهل العريس، ونرى أن حضور مثل تلك الأعراس يتعارض وإنكارنا عليها، ورغبتنا في الحد منها، ولو كان أهل العريس من الأقرباء أو الأرحام أو الأصدقاء؛ فإنه لا ينبغي أن يكون لذلك تأثير في منع أنفسنا من حضور تلك الأعراس، وخاصة إذا علمنا أن المال قد استعمل في صناعة وليمة للعرس؛ فإن الطعام – حينئذٍ – يكون محرَّمًا؛ لأنه مال أُخذ بغير طيب نفسٍ فيكون سحتًا ومحرَّمًا.

عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ( أَلَا وَلَا لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ). رواه أحمد ( 34 / 560 )، وصححه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1459 ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( لاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ فَلاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ). رواه البخاري ( 2303 ) ومسلم ( 1726 ).

* قال الصنعاني – رحمه الله -:

والأحاديث دالَّة على تحريم مال المسلم إلا بطيبة من نفسه وإن قلَّ، والإجماع واقع على ذلك . ” سبل السلام ” ( 3 / 61 ).

ولعلَّ في انتشار مقاطعة العلماء وطلبة العلم والعقلاء لمثل هذه الأعراس أن يساهم في الحد من ظاهرة أخذ أموال الناس بغير حق، والأرحام والأقرباء أولى الناس بالإنكار لأن دعوتهم للحق أوجب عليكم من غيرهم، وحضوركم لأعراس تعرفون ما فيها منكر يُضعف إنكاركم بل يقضي عليه، فاستعينوا بالله تعالى، وليقوِّ بعضكم بعضاً في الإنكار والمقاطعة لتلك الأعراس، وعسى الله أن يجعل في ذلك خيرًا كثيرًا.

 

والله أعلم.

هل يجوز له أن يحجِّج أمَّه من زكاة ماله؟

هل يجوز له أن يحجِّج أمَّه من زكاة ماله؟

السؤال:

أنا رجل ميسور الحال، وقد قررت أن أحجج أمي هذا العام، فهل يجوز اعتبار المبلغ الذي سوف أرسله لها لتستخدمه في نفقات الحج من زكاة مالي؟ بمعنى آخر: هل من أوجه نفقات زكاة المال أن أصرفها في إسقاط فريضة الحج عن أمي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا كانت الوالدة لا تملك من المال ما تحج به: فإنه يسقط عنها الحج حتى تكون قادرة؛ لقول الله سبحانه وتعالى ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) آل عمران/ 97، وفسِّرت الاستطاعة بالزاد والراحلة.

ثانيًا:

وهل يجب على الابن الميسور تحجيج والديه؟ الظاهر عدم وجوب ذلك، ومن فعله فإنما يفعله من باب البر المستحب لا الواجب.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فلا ريب أن الحج إنما يجب مع الاستطاعة كما قال عز وجل ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) آل عمران/ 97 ، وثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال – لمَّا ذكر أركان الإسلام -: ( وحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا ) وما دامت الوالدة لا تستطيع الحج: لا يلزمها الحج، ولا يلزمك تحجيجها، لكن إذا فعلتَ ذلك: فهو من باب القربات ومن باب البر والصلة ومن باب الإحسان فيها، تحقيقًا لرغبتها، وإعانة لها على الخير والفضل.

” نور على الدرب ” ( شريط رقم 489 ).

ثالثًا:

وإذا أراد الابن أن يحجج والديه أو أحدهما فهل يشترط أن يكون قد حجَّ هو من قبل؟ هذا هو الأفضل والأولى، ولكنه ليس حتمًا واجبًا، ومن فعل خلافه فيصح فعله ويصح حج والديه.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز للإنسان أن يُرسل والديه إلى الحج قبل أن يذهب هو إلى الحج؟.

فأجابوا:

الحج فريضة على كل مسلم حر عاقل بالغ مستطيع السبيل إلى أدائه، مرة في العمر، وبر الوالدين وإعانتهما على أداء الواجب أمر مشروع بقدر الطاقة، إلا أن عليك أن تحج عن نفسك أولًا، ثم تعين والديك إن لم يتيسر الجمع بين حج الجميع، ولو قدمت والديك على نفسك: صحَّ حجُّهما.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 70 ، 71 ).

رابعا:

وهل يجوز أن يكون المال الذي يحجِّج به الابنُ والديه أو أحدهما من زكاة ماله؟ اختلف العلماء في جواز ذلك وقد ذهب جمهورهم إلى عدم دخول الحج في مصارف الزكاة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 23 / 323 ، 324 ):

ذهب جمهور العلماء ( الحنفية والمالكية والشافعية والثوري وأبو ثور وابن المنذر وهو رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: إنه الصحيح ) إلى أنه لا يجوز الصرف في الحج من الزكاة؛ لأن سبيل الله في آية مصارف الزكاة مطلق، وهو عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، لأن الأكثر مما ورد من ذكره في كتاب الله تعالى قصد به الجهاد، فتحمل الآية عليه.

وذهب أحمد في رواية، إلى أن الحج في سبيل الله فيصرف فيه من الزكاة، لما روي أن رجلًا جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا خرجت عليه فإن الحج من سبيل الله.

فعلى هذا القول لا يعطى من الزكاة من كان له مال يحج به سواها، ولا يعطى إلا لحج الفريضة خاصة، وفي قول عند الحنابلة: يجوز حتى في حج التطوع.

انتهى.

* وقال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

” ولا يُعطى منها في الحج ” في رواية اختارها في المغني وصححها في ” الشرح “، وقاله أكثر العلماء؛ لأن ( سبيل الله ) حيث أُطلق ينصرف إلى الجهاد غالباً، والزكاة لا تُصرف إلا لمحتاج إليها كالفقير، أو مَن يَحتاجه المسلمون كالعامل، والحج لا نفع فيه للمسلمين ولا حاجة بهم إليه، والفقير لا فرض في ذمته فيسقطه، وإن أراد به التطوع: فتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة أو صرفها في مصالح المسلمين: أولى. ” المبدع شرح المقنع ” ( 2 / 387 ).

وخالف الإمام أحمد – في رواية عنه – فأجاز دفع الزكاة في الحج، وقد اشترط حذَّاق القائلين بهذه الرواية ثلاثة شروط:

  1. أن يكون الراغب بالحج فقيرًا لا يجد ما يحج به.
  2. وأن يكون ذلك الحج من زكاة غيره لا من زكاة ماله نفسه.
  3. وأن يكون ذلك من أجل حجة الإسلام لا لحج التطوع.

 

* قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

” وعنه – يعني: الإمام أحمد -: يُعطى الفقير ” فهو من السبيل، نصَّ عليه، وهو المذهب، وروي عن ابن عباس وابن عمر؛ لما روى أبو داود – وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود  ” – أن رجلًا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ( اركبيها فإن الحج في سبيل الله ).

ويشترط له الفقر، ومعناه: أن يكون ليس له ما يحج به سواها، وقيل: لا، وهو ظاهر ” الوجيز ” فيجوز للغني كوصيته بثلثه في السبيل ذكره أبو المعالي.

” قدر ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه ” جزم به غير واحد؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض والتطوع له عنه مندوحة، ولكن ذكر القاضي جوازه في النفل كالفرض، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وصححه بعضهم لأن كلاًّ ( في سبيل الله) والفقير لا فرض عليه فهو منه كالتطوع، فعلى هذا يدفع إليه ما يحج به حجة كاملة وما يعينه في حجه، وعلم منه أنه لا يجوز أن يحج من زكاة نفسه كما لا يجوز أن يغزو بها. ” المبدع شرح المقنع ” ( 2 / 387 ، 388 ).

والقول بجواز صرف الزكاة في تحجيج غير القادرين هو الأصوب عندنا، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير: أُعطيَ ما يحج به.

” الاختيارات ” ( ص 105 ) ويعني رحمه الله: يُعطى من الزكاة

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

هل الزكاة مسموح بصرفها على إركاب وإنفاق الحج لفقراء المسلمين الذين لا يملكون شيئًا لأداء الفريضة والذين هم معفون منها؟.

فأجابوا:

يجوز صرف الزكاة في إركاب فقراء المسلمين لحج فريضة الإسلام، ونفقتهم فيه؛ لدخوله في عموم قوله تعالى ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ) من آية مصارف الزكاة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 10 / 38 ).

وعليه: فيجوز لك أن تحجِّج أمَّك من زكاة مالك، وإن احتطت وخرجت من الخلاف فحججتها من حرِّ مالك: فهو أفضل، ونرجو الله أن يتقبل منك ومنها.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز للمسلم أداء ديْنه من زكاة ماله؟ وهل يجوز دفع أجرة بيت مَدين من الزكاة؟

هل يجوز للمسلم أداء ديْنه من زكاة ماله؟ وهل يجوز دفع أجرة بيت مَدين من الزكاة؟

السؤال:

أخي عليه ديون ضخمة – عدة ملايين – وله بيتان – أي: أسرتان – يعني: متزوج زوجتين – ولأخي في ذمتي مبلغ من المال لا يتجاوز مئة ألف، واتفقت معه أن أقسطه له على مدى سنة كمصرف لأسرتيه، كما له في ذمة بعض أهله ما يقارب هذا المبلغ لكن لا يريدون التسديد ورد ماله حاليّاً، فهل يجوز أن أدفع له من زكاة مالي لأسدِّد أجرة بيته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يفرِّج كرب أخيك وأن ييسر له قضاء ديْنه، ونشكر لك حرصك على تبرئة ذمتك بسداد ما عليك من ديْن له، وكون السداد سيكون أقساطاً لا يؤثر بل نراه أفضل له ولأسرتيه حتى يجد ما ينفقه عليهم.

ونحذِّر من يجد ما يؤدِّي ديْنه ولا يفعل من عاقبة ذلك، وقد سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ظلماً فقال ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ) رواه البخاري ( 2166 ) ومسلم (1564).

* قال النووي – رحمه الله -:

قال القاضي وغيره: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه، فمطل الغني: ظلم، وحرام، ومطل غير الغني: ليس بظلم، ولا حرام؛ لمفهوم الحديث، ولأنه معذور.

” شرح مسلم ” ( 10 / 227 ).

 

ثانيًا:

وأما قولك ” فهل يجوز أن أدفع له من زكاة مالي لأسدِّد أجرة بيته؟ “: فهو محتمل عندنا لأمرين:

الأول: أنك إن كنتَ تقصد أنك تريد سداد ديْنك لأخيك من زكاة مالكِ: فهذا لا يحل لك؛ لأنك لا تكون بذلك قد وضعت مالك في مصارفه الشرعية، بل تكون وضعتها فيما يعود نفعه عليك!.

الثاني: أنك لا تريد بذلك المال أن يكون سدادًا لديْنك، بل تريد جعل دفع أجرة بيوت أخيك من زكاة مالك بالإضافة لالتزامك بسداد الديْن، وعلى هذا الاحتمال نقول: إنه يجوز لك في حال ولا يجوز في حال أخرى.

أما الحالة غير الجائزة: فهي أن تدفع أجرة البيتين من زكاة مالك بعد مرور الحول على مالك؛ لأن في فعلك هذا تأخيراً للزكاة عن الدفع، ودفع الزكاة واجب على الفور، وإنما يُسمح بالتأخير اليسير لا ما تفعله بعض لجان الزكاة من تقسيم الزكاة للفقراء على دفعات شهرية! وإنما الواجب هنا إخراج الزكاة على الفور وصرفها في مصارفها الشرعية، وهذا قول جمهور العلماء، وهو المفتى به عند الحنفية.

  1. ففي ” الدر المختار ” لمحمد الحصكفي الحنفي ( 2 / 271 ، 272 ):

( وافتراضها عمري ) أي: على التراخي، وصححه الباقاني وغيره ( وقيل: فوري ) أي : واجب على الفور ( وعليه الفتوى ) كما في ” شرح الوهبانية ” ( فيأثم بتأخيرها ) بلا عذر ( وترد شهادته ) لأن الأمر بالصرف إلى الفقير معه قرينة الفور وهي أنه لدفع حاجته وهي معجلة فمتى لم تجب على الفور لم يحصل المقصود من الإيجاب على وجه التمام وتمامه في ” الفتح “. انتهى. و ” الفتح ” هو ” فتح القدير ” لابن الهمام الحنفي.

  1. وفي ” حاشية الدسوقي ” لمحمد عرفة الدسوقي المالكي ( 1 / 500 ):

وأما بقاؤها عنده وكل ما يأتيه أحد يعطيه منها فلا يجوز كما قاله شيخنا ” عدوي “. انتهى.

  1. وفي ” المجموع شرح المهذب ” للنووي الشافعي ( 5 / 218 ):

الزكاة عندنا يجب إخراجها على الفور، فإذا وجبت وتمكن من إخراجها: لم يجز تأخيرها، وإن لم يتمكن: فله التأخير إلى التمكن، فإن أخر بعد التمكن: عصى وصار ضامنا، فلو تلف المال كله بعد ذلك : لزمته الزكاة، سواء تلف بعد مطالبة الساعي أو الفقراء أم قبل ذلك، وهذا لا خلاف فيه. انتهى.

  1. وفي ” المغني ” لابن قدامة الحنبلي ( 2 / 539 ):

فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو ذي حاجة شديدة: فإن كان شيئًا يسيرًا: فلا بأس، وإن كان كثيرًا: لم يجز، قال أحمد: لا يجري على أقاربه من الزكاة في كل شهر، يعني: لا يؤخر إخراجها حتى يدفعها إليهم متفرقة في كل شهر شيئًا.

فأما إن عجلها فدفعها إليهم أو إلى غيرهم متفرقة أو مجموعة: جاز؛ لأنه لم يؤخرها عن وقتها. انتهى.

وأما الحالة الجائزة: فهي إن كانت تلك الأجور للبيتين قبل حلول وقت الزكاة، فيكون هذا من باب تعجيل الزكاة، وهذا جائز على الراجح، وهو قول أكثر أهل العلم.

 

 

 

* قال الترمذي – رحمه الله -:

وقد اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها، فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها، وبه قال سفيان الثوري قال : أحب إليَّ أن لا يعجلها، وقال أكثر أهل العلم إن عجلها قبل محلها: أجزأت عنه، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.

” سنن الترمذي ” ( 3 / 63 ).

 

والخلاصة:

لا يجوز لك دفع أجور بيتي أخيك تأخيرًا للزكاة عن وقتها، ويجوز لك تعجيلًا لها قبل حلول وقتها، ولا يجوز لك سداد ديْنك من زكاة مالك.

 

والله أعلم.

هل يجوز للزوج أن يخفي قدْر راتبه ومقدار دخله عن زوجته؟

هل يجوز للزوج أن يخفي قدْر راتبه ومقدار دخله عن زوجته ؟

السؤال:

هل لي أن أخفي الرقم الحقيقي للمرتب عن زوجتي ؟ ليس للهو به مع امرأة أخرى، بل للقيام بواجبي تجاه والدي وأشقائي، أو أي شخص آخر أرغب في مساعدته بطريقة سرية تحفظ كرامته أمام الزوجة، لا سيما أن هناك آباء وأمهات تأبى كرامتهم أن تعرف زوجة ابنهم أنهم يتلقون مساعدة منه، كذلك للادخار والاستعانة على ما قد يحدث لا قدر الله، وقد أخبرني غير واحد أن هناك أحاديث شريفة تبيح للزوج ذلك.

الرجاء الإفادة بهذه الأحاديث إن كانت موجودة؟

 

الجواب:

الحمد لله

تتعدد الأسباب عند الأزواج لإخفاء قدر رواتبهم ودخلهم عن زوجاتهم، وأشهر هذه الأسباب:

  1. خشيتهم من كثرة طلبات الزوجة لو عرفت بوجود مال بيد زوجها أكثر من النفقة الواجبة.
  2. اعتقاد بعضهم أنها من طرق إثبات الرجولة.
  3. للادخار، حيث يرون أنهم أقدر على ذلك من النساء.
  4. النفقة على والده أو والدته أو أحد من أهل بيته، حيث يرى بعض الرجال أنه لو علمت الزوجة بذلك فقد تحول دون إعطاء تلك النفقة أو أنها تقلل منها، وبعضهم يرى أنه من المحرج لأهله علمُ زوجة ابنهم أنه ينفق عليهم.
  5. رغبة الزوج بالتصدق الشهري في سبيل كمن يُستقطع من راتبه في وجوه الخير فيخشى أن تحول الزوجة دون ذلك أو أنها تقلل منها .

وكل ذلك من الأسباب المقنعة لإخفاء الزوج راتبَه ودخلَه عن زوجته، وأفضل من ذلك : أن يُظهر الزوج قدر راتبه ومقدار دخله، ويتعاون مع زوجته على ما فيه خير دنياهم وأخراهم، من حيث الادخار والإنفاق على المحتاجين وإكرام أهله، ويكون مع ذلك ضبط للنفقات من قبَل الزوجة، ونرى أن المصارحة بحقيقة الراتب والدخل مع التعاون على الخير أفضل من الإخفاء، كما أنه قد يعتري الزوج مرض مفاجئ أو موت فلا تدري الزوجة ماذا له وماذا عليه، كما أن بعض الأزواج يموت ولا يدري أحدٌ أين خبَّأ ماله، ولو كان ثمة مصارحة وتعاون بين الزوجين لما كان لشيء من هذا أن يحصل.

أما من حيث الشرع فلم نجد في السنَّة النبوية ما يُلزم الزوجَ بإظهار قدْر دخله، ولم نجد ما يحثه على إخفائه، والمهم أنه يجب عليه أن ينفق على زوجته وبيته بالمعروف، وليس له أن يقصِّر في النفقة من أجل الادخار أو الإنفاق على غيرهم؛ فهم أولى الناس بماله وإنفاقه.

 

والله أعلم.

هل يجوز للأب أو الأم بيع عقار لهما لأحد أولادهما؟ وماذا لو كان وحيدًا؟

هل يجوز للأب أو الأم بيع عقار لهما لأحد أولادهما؟ وماذا لو كان وحيدًا؟

السؤال:

ورثت بيتًا من والدي، وقد قررت بيعه، وعرضت الأمر على إخوتي ورفضوا شراءه فقررتْ بنتي الوحيدة شراءه مني ولكن بدفع ثمنه على فترات وليس مرة واحدة، وقد قررت استخدام المال في سفر الحج.

فهل هناك أي موانع شرعية من بيعه لابنتي الوحيدة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

بيع الوالد أو الوالدة شيئًا من أملاكهما لأحد أولادهما الذكور والإناث لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون البيع بعد عرض الأرض أو العقار على جميع الأولاد ليشتري منهم الأعلى سعرًا، فيتم البيع لصاحب الأعلى سعرًا، وفي هذه الحال تكون ثمة رغبة لأكثر من واحد في الشراء.

الثاني: أن تكون الرغبة في الشراء من واحد منهم، فيشتريه هذا القادر منهم، لكن يشترط هنا أن لا يكون البيع حيلة للتوصل إلى هبة محرمة، فيُطلب منه سعر أقل بكثير من سعر السوق؛ لأنه بذلك يكون الفرقُ هبةً يلزمه العدل فيه بين أولاده جميعًا، ولا مانع من تخفيض السعر لكن بشيء معقول.

وما سبق هو حكم من أراد أن يبيع شيئًا من أملاكه لأحد أولاده، أما في حال أن يكون ولد واحد – ذكرًا أو أنثى – فلا يرِد ما ذكرناه مما سبق؛ لأن المحذور في التفاضل في العطية والمحاباة في السعر ليسا موجوديْن في مسألة الأخت السائلة، فإذا تمَّ البيع للابنة بسعر السوق أو كان ثمة محاباة كبيرة، وتم البيع بالنقد أو بالأقساط: فكل ذلك لا حرج فيه ولا مانع منه، بل ويجوز لها أن تهب عقارها كله لابنتها، على أن لا يكون قصدها من الهبة الإضرار بورثتها إذا كانت لا تملك غيره من المال، وأما مع ملكها لغيره فلا حرج عليها في هبته لابنتها، وكل ذلك لم يكن من الأخت السائلة – ولله الحمد – فهي قد باعت عقارها لابنتها ولم تهبه وإنما نذكر ذلك ليكتمل الجواب لمن يطلع عليه.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز لشركة أن تشترط على تاجر أن لا يشتري بضاعة منافسة؟

هل يجوز لشركة أن تشترط على تاجر أن لا يشتري بضاعة منافسة؟

السؤال:

أنا عملت عقدًا مع إحدى الشركات لمدة ثلاث سنوات وطريقة العقد هي كالتالي:

  1. أن تلتزم الشركة بتوفير جميع المستلزمات للمحل من بضاعة بجميع أصنافها التي تنتجها الشركة بحيث تكون لي الأولية في منتجات الشركة من الناس الآخرين والتزامات أخرى على الشركة كثيرة.
  2. التزامي أنا بعدم بيع بضاعة أو جلب بضاعة في المحل لشركات منافسة للشركة والتزامي بعمل الديكورات على حسابي الخاص وتجهيز المحل تجهيز كامل.

وقد التزمت بجميع الشروط من قبلي وجهزت المحل وتدينت ديون كثيرة لتجهيزه وبدأت الشركة في المماطلة وكانت لا تنزل بضاعة إلا بعد جهد مني واتصالات على المسئولين علما بأن موسمنا في رمضان.

وبعد مضي أقل من سنَة قررت الشركة تغيير العقد أو إلغائه رغمًا عنِّي، واضطررت أن أوقع على العقد الآخر ولو كان مجحفاً بالنسبة لي لأني متورط في ديون وغيره، والشركة الآن تفرض عليَّ عدم إدخال بعض أنواع البضائع وليست كلها حسب العقد الجديد، بالرغم من عدم التزامها بأولويتي في تنزيل البضائع وقلة إنتاجها حسب متطلب السوق، وأنا الآن متضرر بهذا العقد المجحف ولا أستطيع إلغاءه بسبب الديون والبضاعة الكثيرة الموجودة لدي والعائدة للشركة لأنه في حال الغائي للعقد تلزمني الشركة بتصفية كاملة.

السؤال –  يا شيخ بارك الله فيك -: أنا أخشى من الحرام، وأخاف أن آكل ريالاً واحداً فيه شك، فهل يجوز لي أن أُدخل بضاعة أخرى بدون علم الشركة ولا يعتبر ذلك عدم التزام بالعقد بالرغم من أن الشركة لم تلتزم بأكثر بنود العقد وظالمة ومجحفة بحقي؟.

أيضًا: لو أني جلبت بضاعة أخرى من شركات منافسة للشركة لا يضر ذلك الشركة بشيء سوا أنها شركات منافسة لها وعدم جلبي يضرني أنا ويضر محلي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما يفعله بعض التجار من الاشتراط على الموزِّع لبضائعهم أن لا يشتري بضائع منافسة لبضائعهم هو شرط باطل؛ لما فيه من الجهالة والغرر، وقد سألْنا الشيخَ سليمان الماجد حفظه الله عن شرط التجار هذا فأجاب بفساده، بل بفساد هذه العقود!.

 

* قال الشيخ سليمان الماجد – حفظه الله -:

فإن صورة هذه المسألة هي أن يجري الاتفاق بين الطرفين على مدة معينة كسنَة، أو أكثر، يُعطي وكيلُ السلعة صاحبَ المحل خلالها امتيازا ببيع منتجاته، مع اشتراطه أن لا يبيع أي منتج آخر من نفس النوع لأي وكيل منافس، وذلك بمقابل يأخذه المشتري، والصورة المشهورة هي ما يكون بين محلات التموين ووكلاء تصنيع المشروبات الغازية .

ويستفيد البائع من هذا: ضمان تصريف بضاعته، وعدم منافسة الآخرين له في هذا الزمان والمكان، كما يستفيد المشتري تخفيضًا مجزيًا مقابل ذلك.

ويرد على هذا العقد أن الجهالة والغرر لا يكادان ينفكان عنه؛ فلا يوجد – فيما نعلمه من واقع السوق – اتفاق على كمية معينة؛ بل يكون طلب صاحب المحل من الوكيل مرهوناً بمقدار طلب زبائنه.

ومن أحوال الجهالة: أن السلع التي يبيعها الوكيل ذات أنواع عديدة تصل في المشروبات الغازية إلى خمسة أنواع أو أكثر، ولا يقع الاتفاق على الأعداد المبيعة من كل نوع، وقد يكون بعضها متوافرا للوكيل، أو غير متوافر.

ومما يرد عليه عدم تحقق ملك البائع للسلعة وقت البيع على الصفة التي تم عليها العقد؛ بل هي خام في مستودعاته.

كما يقال بأنه حتى لو تم العقد على مدة معينة، وعلى بضاعة موصوفة مملوكة للبائع وقت الاتفاق: فإن الجهالة والغرر حاصلان في هذا العقد؛ حيث لا يخلو الأمر من حالين:

الأولى: أن يتم تصريف السلع المحددة قبل نهاية مدة العقد؛ فيبقى صاحب المحل ممنوعاً من بيع منتجات منافسة؛ بما يفضي إلى أضرار بالغة؛ ويكون ذلك في مدة مجهولة.

الثانية: أن لا يتم تصريف السلع كلها أو بعضها خلال مدة العقد؛ فيبقى عند المسوق قدرٌ منها مجهولاً في كثرته وقلته، في الوقت الذي يكون مشمولًا بالتخفيض الكبير، لكنه غير مشمول بمدته؛ مما يؤدي بصاحب المحل إلى الجمع بين غنم التخفيض، والسلامة من غرم الامتياز؛ فيتمكن من بيع سلع أخرى يقتضي أصل العقد المنع من بيعها؛ فلا يتحقق العدل بين الطرفين في المعاوضة.

ومن مفاسد هذه العقود: أنها تفوت على المستهلك اختيار الأجود؛ لاسيما إذا كان ذلك في مجال الأدوية، أو حليب الأطفال، وسائر الأغذية.

فبناءً على ذلك: فإن أدلة الشريعة العامة وقواعدها تدل على المنع من إبرام هذه العقود، وأنها فاسدة؛ لما فيها من الغرر والجهالة الظاهرين في العقد، وقد ( نهى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيع الْغرَر ) أخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه، والله أعلم.

http://www.salmajed.com/node/10879

وعليه: بما أنَّه قد تمَّ العقد بينك وبين تلك الشركة، وقد علمتَ حكم ما اشترطوه عليك من منعك من شراء بضاعة منافسة لهم، وقد وقع منهم مخالفة للعقد الأول بينك وبينهم وقد ماطلوا في تزويدك ببضاعتهم: فلا نرى أنه يجب عليك الالتزام بذلك الشرط المجحف، ولك أن تُحضر ما تشاء من بضاعة منافسة مباحة في الشرع، ونرى أنه لا يجوز لك أن تجدد العقد بينك وبينهم في المستقبل، أو تتفق معهم على إلغاء ذلك الشرط الباطل.

وننبه هنا: أن الموزع لبضاعة مصنع أو شركة إن كان المحل مملوكاً لذلك المصنع أو الشركة، وهم من قاموا بتجهيزه، فيكون الموزع هنا موظَّفًا عندهم، فلا يجوز له مخالفة شروطهم فيما يأمرونه بهم، وحكم هذا ليس كحكم الأخ السائل، فهو تاجر يملك محله، وهو من قام بتجهيزه، وحاله ليس كحال الموظف الذي يأتمر بأوامر أصحاب الوظيفة.

 

والله أعلم.