الرئيسية بلوق الصفحة 201

تريد معرفة الدين علمًا وعملا.

سؤالي هو:

إننا بصفتنا مسلمين علينا العمل بكتاب الله وسنَّة نبيِّنا محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، وأنا إن شاء الله حريصة لذلك لمرضاة الله، وقد ظهرت فتن واختلطت الإفتاءات.

– المهم، أسأل كيف أعلم وسيلة العمل بكتاب الله وسنَّة نبيِّه عليه السلام.

– أريد العمل بما أنزل الله وما أمر وأسأل كيف ذلك إن شاء الله؟.

– و كيف أجد الأحكام والأوامر؟

وأنا الحمد لله أقرأ القرآن وكتب السيرة والأحاديث فهل من شي يفهمني أحكام الله وسننه ونواهيه وما إلى ذلك من الكتاب والسنَّة؟. و جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

إن أوامر الله تعالى ونواهيه موجودان في كتاب الله تعالى وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وقد بيَّن ذلك العلماء في كتبهم سواء الحديثية أو الفقهية، ويمكن للإنسان أن يطلع على كتب أصول الفقه ويرى القواعد والضوابط التي ذكرها العلماء لمعرفة الأوامر والنواهي.

وقد جمع بعض العلماء كتبًا خاصَّة في ” آيات الأحكام “، وآخرون جمعوا كتبًا في ” أحاديث الأحكام “، ثم تتابعت الشروحات لهذه الكتب وهذه المتون فكان منها ” أحكام القرآن ” للجصاص، و ” نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ” و ” سبل السلام شرح بلوغ المرام “، و ” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام “.

فتستطيعون الوصول لأحكام الله تعالى وأوامره ونواهيه عن طريقين:

الأول: الكتب الموثوق بها.

والثاني: العلماء الموثوق بهم.

قال الشيخ ابن عثيمين:

ولنيل العلم طريقان:

أحدهما: أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها، والتي ألَّفها علماء معروفون بعلمهم، وأمانتهم، وسلامة عقيدتهم من البدع والخرافات …

الثاني: أن تتلقى ذلك من معلم موثوق في علمه ودينه، وهذا الطريق أسرع وأتقن للعلم؛ لأن الطريق قد يضل فيه الطالب وهو لا يدري، إما لسوء فهمه، أو قصور علمه، أو لغير ذلك من الأسباب … وإذا جمع الطالب بين الطريقين: كان ذلك أكمل وأتم، وليبدأ الطالب بالأهم فالأهم، وبمختصرات العلوم قبل مطولاتها، حتى يكون مترقيًّا من درجة إلى درجة أخرى، فلا يصعد درجة حتى يتمكن من التي قبلها، حتى يكون صعوده سليمًا. ” كتاب العلم ” ( ص 64 ، 65 ).

وأما العمل بما أنزل الله: فلا يمكن أن يكون قبل العلم بما أنزل الله، فعليكم بالعلم قبل العمل حتى يكون العمل موافقًا لما يحب الله ويرضاه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن: عثمان بن عثمان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النَّبي صلَّى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.

وقال الحسن البصري:

ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا نزلت وماذا عنى بها.

وقد قال تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن }، وتدبر الكلام إنما يُنتفع به إذا فُهم، وقال: { إنَّا جعلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون }، فالرسل تبيِّن للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وعليهم أن يبلغوا الناس البلاغ المبين، والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما بلغه الرسل، والعقل يتضمن العلم والعمل، فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر: لم يكن عاقلًا، ولهذا لا يعدُّ عاقلًا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره، فالمجنون الذي لا يفرق بين هذا وهذا قد يلقي نفسه في المهالك، وقد يفر مما ينفعه. ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 108 ).

والعمل بما أنزل الله يكون بالوقوف على الأوامر وتنفيذها، وعلى النواهي والابتعاد عنها، وعلى القصص والأخبار وتصديقها والاعتبار بما فيها من عظات وعبَر.

 

والله أعلم.

هل يجوز تبليغ الإسلام بوسائل محرَّمة كالموسيقى؟

السؤال:

سؤال من نصراني:

كيف للموسيقى الإسلامية أن تبلغ رسالة القرآن؟ هل يجب في الدين الإسلامي تبليغ رسالة القرآن؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا: الموسيقى في شرعنا محرَّمة غير جائزة، لا استعمالًا لآلاتها، ولا سماعًا لنغماتها وأصواتها، وقد قال بالتحريم عامة أهل العلم.

والذي ينظر في الموسيقى المصاحبة للغناء ويعرف أثرها: لا يشك في تحريمها ووجوب منعها؛ لأنها بريد للفواحش كالزنا والعلاقات المحرَّمة، وغالب كلمات تلك الأغاني تدعو للمحرمات وسيء الأخلاق.

فإذا عُلم هذا: يتبين أنه ليس في شرعنا ما يسمى ” موسيقى إسلامية “، وهي تسمية فيها من التناقض ما فيها فكيف تنسب تلك المحرَّمة إلى الإسلام؟.

وتبليغ دين الله عز وجل لا يكون– عندنا – إلا بالوسائل الشرعيَّة، دون المحرَّمة كاستعمال الموسيقى أو الاختلاط ومصاحبة الأجنبيات وما شابه ذلك.

يقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن بازرحمه الله تعالى-:

ومن أراد صلاح المجتمع الإسلامي، أو صلاح المجتمعات الأخرى في هذه الدنيا بغير الطريق والوسائل والعوامل التي صلح بها الأولون: فقد غلط، وقال غير الحق.

فليس إلى غير هذا من سبيل، وإنما السبيل إلى إصلاح الناس وإقامتهم على الطريق السوي: هو السبيل الذي درج عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- ودرج عليه صحابته الكرام، ثم أتباعهم بإحسان إلى يومنا هذا وهو العناية بالقرآن العظيم، والعناية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوة الناس إليهما والتفقه فيهما، ونشرهما بين الناس عن علم وبصيرة.

” مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ” ( 1 / 249 ).

وقال الشيخ محمد الصالح العثيمينرحمه الله:

والوسائل ليس لها حد شرعي، فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصود، ما لم يكن منهيًّا عنه بعينه، فإن كان منهيًّا عنه بعينه: فلا نقربه، فلو قال: أنا أريد أن أدعو شخصًا بالغناء والموسيقى لأنه يطرب لها ويستأنس بها وربما يكون هذا جذبا له فأدعوه بالموسيقى والغناء هل نبيح له ذلك؟ لا، لا يجوز أبدًا، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها ولها أثر: فهذه لا بأس بها، فالوسائل غير المقاصد، وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها يقول هذه جائزة وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حدَّ لها، فكل ماكان وسيلة لخير فهو خير.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 15 ، ص 48 ).

ثانيًا:

نعم، يجب على المسلمين أن يبلغوا رسالة القرآن ولا يتوانون عن ذلك.

قال تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } [ آل عمران / 104 ].

وقد فضَّل الله تعالى هذه الأمة من أجل أنها تعمل عمل الأنبياء وهو تبليغ دين الله تعالى.

قال تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [ آل عمران / 110 ].

وبما أن الله تعالى أوجب علينا تبليغ دينه وقد كنتَ أنتَ السائل عن حكم ذلك الأمر: فإننا ندعوك إلى ما هو خير لك دنيا وآخرة، وهو الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وهذا هو الدين الذي يقبله الله تعالى { إن الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران / 19 ]، { ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [ آل عمران / 85 ].

وهذا الدين الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو دين الأنبياء والرسل من قبل، وهو يدعو إلى توحيد الله تعالى، وإلى معالي الأخلاق، فهو حري بأن يلتزمه العقلاء والحريصون على السعادة الدنيوية والأخروية.

 

والله أعلم.

الخطأ في الكتابة والترجمة بغير قصد، ومعنى بعض الأدعية وصحتها

السؤال:

نقرأ الكتب لنزداد علمًا بالإسلام، غالبًا ما تكون الأدعية باللغة العربية، أحيانًا تكون الترجمة موجودة ولكننا ندعو ونأمل أن يكون الشخص الذي ترجمها ذا علم جيد بالإسلام، وبعض الأذكار فيها شرك، أنا أحب قراءة الأذكار، ولكنني أصبحت أخاف منها خوفًا من الوقوع في الشرك، فمن يكون خطأ هذا، هل هو خطئي أم خطأ من كتب الكتاب؟.

سؤالي هو أن المسلمين الذين يقرءون الأذكار وهم يظنون بأنهم يحسنون صنعًا ولكنهم يقعون في الشرك دون أن يدروا، هل هذا خطأ من يكتب الكتاب؟ هل أذكار ” تنجينا ” من الشرك؟.

ما معنى هذا الذكر ” الله رب محمد صلى الله عليه وسلم، نحن عبَّاد محمد صلى الله عليه وسلم ” هل هناك إثم أعظم من هذا الذكر؟ وما معني ” اللهم خير لي واختر لي ولا تكلني إلى اختياري ” وما معنى جزاكم الله خيرًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– الخطأ مرفوع عن هذه الأمة، وليس على من أخطأ دون قصد جناح.

قال الله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ الأحزاب / 5 ].

وقال تعالى: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [ البقرة / 286 ]، وقد استجاب الله تعالى للمؤمنين فقال: ” نعم ” كما رواه مسلم ( 125 ) من حديث أبي هريرة، وقال: ” قد فعلت ” كما رواه مسلم ( 126 ) من حديث ابن عباس.

قال الشيخ ابن عثيمين – في شرح الآية -:

قوله تعالى: { إن نسينا أو أخطأنا }: ” النسيان ” هو ذهول القلب عن معلوم؛ يكون الإنسان يعلم الشيء، ثم يغيب عنه؛ ويسمى هذا نسيانًا، كما لو سألتك: ماذا صنعت بالأمس؟ تقول: ” نسيت “؛ فأنت فاعل؛ ولكن غاب عنك فعله؛ و ” الخطأ “: المخالفة بلا قصد للمخالفة؛ فيشمل ذلك الجهل؛ فإن الجاهل إذا ارتكب ما نهي عنه فإنه قد ارتكب المخالفة بغير قصد للمخالفة…

وفي فوائد الآية قال الشيخ – رحمه الله -: ومنها: أن النسيان وارد على البشر؛ والخطأ وارد على البشر؛ وجهه: قوله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا }، فقال الله تعالى: ” قد فعلت “، وهذا إقرار من الله سبحانه وتعالى على وقوع النسيان، والخطأ من البشر. ” تفسير الفاتحة والبقرة ” ( 3 / الآية 286 ).

وعليه: فمن أخطأ في الكتابة أو الطباعة أو الترجمة: فليس عليه إثم، إلا أنه ينبغي التنبيه إلى ضرورة الاعتناء بالكتب الشرعية، وأن تتم مراجعتها مرات متعددة، وأن يقوم على ترجمتها الثقات من أهل الخبرة.

 

ثانيًا:

لفظ ” نحن عبَّاد محمد ” هو لفظ شركي صريح، فنحن لا نعبد إلا الله وحده، والنبي صلى اله عليه وسلم عابد لا معبود، مربوب ليس برب، وكل من عبد غير الله تعالى فقد كفر، قال تعالى: { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } [ الإسراء / 23 ].

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

وفي هذه الآية خاصة: الإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مربوب لا رب، عابد لا معبود؛ فهو داخل في قوله: { تعبدوا }، وكفى به شرفًا أن يكون عبْدًا لله – عز وجل –، ولهذا يصفه الله تعالى بالعبودية في أعلى مقاماته؛ فقال في مقام التحدي والدفاع عنه: { وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا } [ البقرة / 23 ]، وقال في مقام إثبات نبوته ورسالته إلى الخلق: { تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده } [ الفرقان / 1]، وقال في مقام الإسراء والمعراج { سبحان الذي أسرى بعبده } [ الإسراء / 1 ]، { فأوحى إلى عبده ما أوحى } [ النجم / 10 ].

أقسام العبودية:

تنقسم العبودية إلى ثلاثة أقسام:

1- عامة، وهي عبودية الربوبية، وهي لكل الخلق، قال تعالى:  { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا } [ مريم: 93 ]، ويدخل في ذلك الكفار.

2- عبودية خاصة، وهي عبودية الطاعة العامة، قال تعالى: { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا } [ الفرقان: 63 ]، وهذه تعم كل من تعبد لله بشرعه.

3- خاصّة الخاصّة، وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن نوح: { إنه كان عبدًا شكورًا } [ الإسراء : 3 ]، وقال عن محمد: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } [ البقرة: 23 ]، وقال في آخرين من الرسل: { وأذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } [ ص: 45 ].

فهذه العبودية المضافة إلى الرسل خاصة الخاصة؛ لأنه لا يباري أحد هؤلاء الرسل في العبودية. ” القول المفيد شرح كتاب التوحيد ” ( 1 / 32 – 34 ).

 

 

 

ثالثًا:

أما الدعاء الثاني: فمعناه صحيح، وقد ورد في حديث لكنه ضعيف، ولفظه: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا قال: ” اللهم خر لي واختر لي “.

وقد رواه الترمذي ( 3516 )، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث زنفل، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ويقال له: زنفل العرفي، وكان سكن عرفات، وتفرد بهذا الحديث، ولا يتابع عليه. وقد ضعّفه أيضًا الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 1515 ).

– ويغني عنه: حديث الاستخارة في صحيح البخاري من حديث جابر رضي الله عنه.

 

رابعًا:

– أما الدعاء بـ ” جزاك الله خيرًا ” فهو دعاء مشروع، وله معنى عظيم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من صُنِع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء “. ‌رواه الترمذي ( 2035 )، وصحّحه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6368 ).‌

قال الحافظ المباركفوري:

– ” فقال لفاعله ” أي: بعد عجزه عن إثابته، أو مطلقًا.

– ” جزاك الله خيرًا ” أي : خير الجزاء ، أو أعطاك خيرًا من خيري الدنيا والآخرة.

– ” فقد أبلغ في الثناء ” أي: بالغ في أداء شكره، وذلك أنه اعترف بالتقصير، وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه, ففوَّض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى، قال بعضهم: إذا قصَّرت يداك بالمكافأة: فليطل لسانك بالشكر والدعاء.

” تحفة الأحوذي ” ( 6 / 156 ).

 

والله أعلم.

كيف يتوب من الكذب؟

السؤال:

عندما يكذب أي شخص في أي موضوع ومازالت الكذبة مستمرة, فكيف الخروج والتوبة من تلك الكذبة؟ وهل الحقيقة مطلوبة أم محاولة نسيان الموضوع – بالرغم من استمرار السؤال عن ذلك الموضوع -؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الكذب محرَّم، ولا يجوز إلا في حالات خاصة ومنه الكذب في الحرب وللإصلاح وبين الزوجين تأليفًا للقلوب وإدامة للمودة، فإذا كذب المسلم في غير هذه الحالات فالواجب عليه التوبة والاستغفار والندم على فعله والعزم على عدم العوْد إليه، وإذا كان الكذب قد ترتب عليه أذى للآخرين وأخذ حقوقهم فإن عليه واجبًا آخر وهو رفع الأذى وإرجاع الحقوق إلى أهلها.

– وقد جعل الشرع مجالًا للتورية عند الاضطرار إليه، وهو يغنيه عن الكذب.

قال ابن القيم:

الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلِّم وقصده وإرادته، ونسبة إلى السامع وإفهام المتكلم إياه مضمونه، فإذا أخبر المتكلمُ بخبرٍ مطابقٍ للواقع وقصَدَ إفهام المخاطَب: فهو صدق من الجهتين، وإن قصد خلاف الواقع وقصد مع ذلك إفهام المخاطَب خلاف ما قصد بل معنى ثالثًا لا هو الواقع ولا هو المراد: فهو كذب من الجهتين بالنسبتين معًا، وإن قصد معنى مطابقًا صحيحًا وقصد مع ذلك التعمية على المخاطب وإفهامه خلاف ما قصده: فهو صدقٌ بالنسبة إلى قصده، كذبٌ بالنسبة إلى إفهامه، ومن هذا الباب ” التورية ”   و ” المعاريض “, … وقد ظهر بهذا أن الكذب لا يكون قط إلا قبيحًا، وأن الذي يحسن ويجب إنما هو ” التورية “، وهي صدق، وقد يطلق عليها الكذب بالنسبة إلى الإفهام لا إلى العناية – أي: الأصل -. ” مفتاح دار السعادة ” ( 2 / 36 ، 37 ).

 

والله أعلم.

الدخول بالخطيبة قبل إعلان الدخول، والاقتراض بالربا للزواج.

السؤال:

أنا شاب خاطب منذ 3 سنوات بكتاب شرعي، أي: أن خطيبتي هي زوجتي على سنة الله ورسوله، وقد حصلت خلوة بيننا منذ شهر ونصف، وكانت نتيجتها الحمل، فسارعت لعمل حفلة الزفاف، ولكن نقصني المال فلم أجد من يدينني سوى بالفائدة، فهل يجوز أن [ آخذ ديْنًا ] بالفائدة لكي أستر هذا الوضع ولأُبعد عني شر المهانة والذل؟ والله العظيم إني مضطر لذلك جدًّا جدًّا جدًّا وكاره له، ولكنني طرقت كل الأبواب ولا حياة لمن تنادي، أفيدوني بسرعة جزاكم الله كل خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كان الواجب عليك الصبر وعدم الدخول على زوجتك حتى تكون جاهزًا وتعلن ذلك، والمفاسد التي تترتب على دخول العاقدين على نسائهم قبل إعلان الدخول كثيرة، وما حصل معك قد يحصل مع غيرك ولا يعلن الدخول على زوجته، فكيف سيصدق الناس – بل حتى القضاء الشرعي – أن الحمل هو من زوجها؟ وقد يكتب الله تعالى للزوج الوفاة، فماذا سيكون مصير هذه الزوجة وما في بطنها؟.

ثانيًا:

الربا من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة / 275 ].

ولا يجوز أخذ مالٍ بربا حتى لو كان من أجل الزواج، ولو أنك صبرت وطرقت أبوابًا أخرى لكان يمكنك أن تجد حاجتك دون الوقوع في الحرام، ولا بدَّ أنك ستتعب في إيجاد الطريق الحلال التي تجنبك الوقوع في الحرام؛ وذلك بسبب فعلك الذي كان يمكن أن يؤدي إلى مفاسد كبيرة، وهو ممنوع شرعًا.

سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

هل يحل للشاب العاجز عن تكاليف الزواج، هل يحل له أن يقترض من بنوك ربويَّة أو من بنك التسليف أو يطرق باب فلان وفلان ليعين نفسه على العفاف؟.

الجواب:

لا يحل للشاب أن يستقرض من البنوك الربويَّة ليتزوج؛ وذلك لأن الربا محرَّم من كبائر الذنوب ملعون فاعله، وربما لا يبارك الله له في هذا الزواج، ولا يحل له – أيضًا – أن يستجدي الناس ويذهب إلى البيوت يطرق: أعطوني أعطوني، بل قد قال الله عز وجل { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله }، فنقول له: استعف واصبر حتى يغنيك الله من فضله وانتظر الفرج من الله؛ ولهذا لم يرسل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي قال: ” لا أجد ولا خاتمًا من حديد ” لم يقل: استقرض من إخوانك، ولم يقل: اسأل الناس، بل قال – لما قال: ” ولم أجد خاتمًا من حديد ” – ” زوجتُكها بما معك من القرآن “. ” اللقاء الشهري ” الشريط ( 12 ).

 

والله أعلم.

هل التعويض عن مصادرة البضاعة يدخل في التأمين المحرَّم؟

السؤال:

نحن نعمل كشركة لشحن البضائع من سوريا إلى أوكرانيا ونستلم مبلغا على كل كيلو غرام من الزبائن أصحاب البضائع وقد دأبنا من بداية العمل بأن الشركة مسؤولة عن توصيل البضائع علما أن الوضع هنا لا يخضع للقانون أي إن أي مؤسسة حكومية مثل أجهزة الأمن أو الضرائب أو الجمارك أو النيابة أو غيرها تستطيع أن تلفق لنا أي سبب لمصادرة البضائع بهدف الابتزاز المادي فنضطر لحل المشكلة بالمال وقد يأخذ ذلك وقتا ونحن ندفع هذا المبلغ لاسترداد حقنا لأنهم يصادرون البضاعة بدون وجه حق وغالبًا ما تحل هذه المشاكل ولكنها تأخذ أشهرًا أحيانًا، وقد اتفقنا مع الزبائن من بداية العمل أن أي مصادرة للبضائع تتكفل الشركة بتعويض الزبون عن كل كيلو غرام يقابله مبلغًا من المال وهو خمس دولارات بغض النظر عن القيمة الفعلية للبضاعة علمًا بأننا نأخذ عن كل كيلو غرام شحن مبلغ دولارًا واحدًا وهو عبارة عن أجرة الشحن ولا نأخذ شيئًا مقابل التعويض، أي: أننا لو ألغينا التعويض فلن يتغير أجرة الشحن، وفي حال استرداد البضاعة ترد لصاحبها ويرد لنا التعويض، أما في حال لم نتمكن من استردادها فيكتفى بالمبلغ الذي عوض وتنتهي القضية، فما حكم هذا الأمر – أي: التعويض – هل هو داخل في التأمين المحرم أم هو قضية أخري بما أننا لا نأخذ زيادة على أجرة الشحن مقابل التعويض؟.

 

الجواب:

الحمد لله

عقد التأمين هو عقد بين طرفين، وهو من عقود الميسر الدائرة بين الغُنم والغُرم، ولو أنكم زدتم على سعر الشحن ولو شيئًا يسيرًا من أجل التعويض الذي تدفعونه لأصحاب البضائع لكان من عقود التأمين المحرَّمة، لكنكم قلتم إنكم لا تأخذون مبلغًا زائدًا على مبلغ الشحن.

والذي ظهر لنا أنكم تقدمون هذه الخدمة من أجل جلب الزبائن، وأنكم في حال مصادرة البضاعة تدفعون من خاصة مالِكم لا من مالِ صاحب البضاعة، ويكفي أن يُعرف أن ثمن التعويض خمسة أضعاف سعر الشحن!

وعليه: فعملكم هذا جائز فيما يظهر لنا.

 

والله أعلم.

هل في الإسلام نقاط ضعف تمكن الكفار من مهاجمته؟

السؤال:

كمسلمين جدد، فنحن نواجه صعوبات كثيرة وانتقادات شديدة من غير المسلمين، بسبب المحيط حولنا، هل يجب أن لا نكون منفتحين في الكلام عن مواطن ضعفنا ونحاول أن نناقش الموضوع من جهة غير دفاعية ونبدو وكأننا نعتذر أو نستر على الأخطاء؟

سبب هذا السؤال أننا إذا ظهرنا وكأننا ننكر ونموه عن نقطة ضعف ظاهرة فلن يجعلنا هذا نجتاز هذا الموقف، ربما بعض المسلمين يظن بأننا لو حاولنا أن نحل مشاكلنا علنًا فإن هذا سوف يساعد الكفار في هجومهم على الإسلام. أرجو النصيحة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس في الإسلام – بحمد الله – نقاط ضعف يخشى منها المسلم، فالإسلام هو دين الله تعالى المحكم، وقد قال تعالى: { وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا } [ الأنعام / 115 ]، قال بعض أهل العلم في معناها: أي: صدقٌ في الأخبار، عدلٌ في الأحكام.

وقد امتن الله تعالى علينا بإكمال الدين وإتمام النعمة فقال: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا } [ المائدة / 3 ].

ثانيًا:

والأمر المهم الذي نود التنبيه عليه هنا: أنه لا يجوز لآحاد الناس الكلام في أحكام الإسلام أو في تفسير القرآن وشرح الحديث، بل مرجع ذلك إلى أهل العلم الراسخين.

والذي يحدث هو عرض الشبهة على عامي من عوام المسلمين فيحتار في الجواب عنها أو يجيب عليها خطئًا، أو تبقى في قلبه شبهةً يصعب عليه ردها، { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا } [ النساء / 83 ].

لذا فإننا نقول: إن الله تعالى حفظ لنا الدين بحفظ العلماء وتوفيقهم للفهم الصحيح للذب عن دينه وتبيين حكمه عز وجل للناس، وليس ذلك لعامة الناس بل هو لخاصتهم وهم العلماء.

وقد كان بعض أهل العلم يتحدى أن يأتيه واحد من الناس بآية تخالف آية أو تخالف حديثًا، أو يأتي بحديث يخالف آية أو حديثًا إلا ويبين لهم ما أشكل عليهم، وقد كانوا يعلنون ذلك ويتحدون به العالمين.

وقد وقف الدارقطني ببغداد خطيبًا فقال: يا أهل بغداد لا يستطيع أحدٌ أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حي.

 

والله أعلم.

من هم الغارمون الذين يُعطون من الزكاة؟ ونقل الزكاة لبلد آخر

السؤال:

هل إعطاء زكاة المال للغارمين يكون الإعطاء لهم أنفسهم أم يعطى المال للدائن؟ وهل يجوز إعطاء الزكاة لبلدة أخرى مثل فلسطين ويوجد فقراء فى بلدي؟

 

الجواب:

الحمد لله

يجوز إعطاء الزكاة للغارمين بأنفسهم، كما يجوز دفعه لأصحاب الدَّيْن مباشرة، والثاني أفضل إذا كان المدين لن يدفع المال لصاحبه أو سيدفع شيئًا منه.

وينبغي التنبه إلى أن الغارم هو الذي يغرم بسبب عجز عن نفقة، أو للإصلاح بين متخاصمين، وما شابه ذلك.

ويجوز إعطاء الزكاة للفقراء والمساكين في بلدٍ آخر غير بلد المزكِّي إذا دعت الحاجة لذلك.

– وهذه فتاوى العلماء فيما سبق:

* قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا استدان إنسان مبلغًا مضطرًا إليه؛ لبناء بيت لسكناه، أو لشراء ملابس مناسبة، أو لمن تلزمه نفقته؛ كأبيه ولأولاده أو زوجته، أو سيارة يكد عليها لينفق من كسبه منها على نفسه، ومن تلزمه نفقته مثلًا، وليس عنده مايسدد به الدين: استحق أن يُعطى من مال الزكاة مايستعين به على قضاء دينه.

أما إذا كانت استدانته لشراء أرض تكون مصدر ثراء له، أو لشراء سيارة ليكون من أهل السعة أو الترف: فلا يستحق أن يُعطى من الزكاة.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 10 / 8 ، 9 ).

* وقالوا:

تعطى الزكاة لمن فرضها الله لهم بقوله سبحانه: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم }، ولا تعطى إلا لمن تحقق إسلامه ظاهرًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: ” فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم “، وكلما كان المُعطى من الفقراء والمساكين أتقى وأكثر طاعة فهو أولى من غيره.

والأصل في الزكاة أن تصرف في فقراء البلد التي بها المال للحديث المذكور، وإن دعت حاجة إلى نقلها،  كأن يكون فقراء البلد التي ينقلها إليه أشد حاجة، أو أقرباء للمزكي بجانب أنهم فقراء، أو نحو ذلك: جاز النقل. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 10 / 9 ، 10 ).

 

* وقال الشيخ محمد العثيمين:

– وهل يجوز أن نذهب إلى الدائن ونعطيه ماله دون علم المدين؟

الجواب: نعم يجوز؛ لأن هذا داخل في قوله تعالى { وفي الرقاب } فهو مجرور بـ ” في ” و ” الغارمين ” عطفاً على ” الرقاب “، والمعطوف على ما جُرَّ بحرف يُقدَّر له ذلك الحرف، فالتقدير ” وفي الغارمين “، و ” في ” لا تدل على التمليك، فيجوز أن ندفعها لمن يطلبه.

فإن قال قلئل: هل الأولى أن نسلمها للغارم ونعطيه إياها ليدفعها إلى الغريم، أو ندفعها للغريم؟

الجواب: فيه تفصيل:

إذا كان الغريم ثقةً حريصًا على وفاء ديْنه: فالأفضل بلا شك إعطاؤه إياها ليتولى الدفع عن نفسه حتى لا يخجل ولا يُذم أمام الناس.

وإذا كان يخشى أن يفسد هذه الدراهم: فإننا لا نعطيه، بل نذهب للغريم الذي يطلبه ونسدِّد عنه. ” الشرح الممتع ” ( 6 / 234 ، 235 ).

 

والله أعلم.

والدهم مسرف وسفيه فهل يعطونه من أموالهم؟ وهل يجب تسديد ديونه؟

السؤال:

والدي مسرف، ويستدين كثيرًا ولا يبالى بذللك، وتتراكم عليه الديون ولا يخبرنا بما عليه من ديون، ولا يخبرنا بما له عند الناس من أموال رغم نصحنا له كثيرًا، ويرغمنا على الاستدانة له رغم أن الله يرزقه بالكثير من المال فيصرفه في يومين، وقد بدأ يخفي عنا المال ولا ينفق على البيت لشهور، ويغيب عن البيت عندما تأتيه الأموال، وعندما يصرفها كلها يستدين ويأخذ منَّا، وأحيانا نخبره أننا استدنا هذه الأموال حتى يعيدها وننفق منها على البيت، فهل علينا إثم؟ وهل علينا تسديد ديونه بعد مماته رغم علمنا بأنه قد باع أملاكه؟ ونحن لا نعرف ديونه ولا نستطيع تسديدها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الإسراف هو: الزيادة، ومجاوزة القصد، والإسراف في المال: هو إنفاقه في غير اعتدال، ووضعه في غير موضعه، وفي الغالب يستخدم في المباحات، قال الله تعالى: { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [ الأعراف / 31 ]، وقد أمر الله تعالى بالاعتدال في الإنفاق، قال الله تعالى: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا, وكان بين ذلك قوامًا } [ الفرقان / 67 ]، وأما الإنفاق في المعصية فهو ” التبذير “، ولعله هو المقصود في السؤال، وهو محرَّم، قال الله تعالى: { ولا تبذر تبذيرًا . إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا } [ الإسراء / 26، 27 ].

ثانيًا:

وما يفعله والدكم – حسب ما جاء في السؤال – هو ما يسمى في اصطلاح الشرع ” سفه “.

والسفه في اللغة: خفة العقل والطيش والحركة، وفي الشريعة: تضييع المال وإتلافه على خلاف مقتضى الشرع والعقل، وقد عرفه بعضهم بالتبذير والإسراف في النفقة, فقد جاء في ” بلغة السالك “: أن السفه هو التبذير, وورد في ” أسنى المطالب ” أن السفيه هو: المبذر, والأصل أن السفه سبب التبذير والإسراف, وهما أثران للسفه, كما يتبين مما قاله الجرجاني في ” التعريفات “: السفه خفة تعرض للإنسان من الفرح والغضب, فيحمله على العمل بخلاف طور العقل ومقتضى الشرع، وجاء في ” دستور العلماء ” ما يؤيد ذلك, حيث قال: ومن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة، ويؤيد هذه التفرقة المعنى اللغوي للسفه من أنه: خفة العقل، وعلى ذلك فالعلاقة بين السفه والإسراف علاقة السبب والمسبب “.

” الموسوعة الفقهية ” ( 4 / 178 ، 179 ).

 

 

ثالثًا:

والواجب على من استرعاه الله رعيَّة أن يحسن في تربيتها ورعايتها، وأن يتقي الله تعالى فيها، وليعلم أن الله تعالى سائله يوم القيامة عن رعيته.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، … وكلكم راع ومسئول عن رعيته “. رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

عن معقل بن يسار المزني قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ما مِن عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنَّة “.

رواه مسلم ( 142 ).

 

رابعًا:

وإذا كانت حال والدكم كما وصفتم فلا يجوز لكم أن تمكنوه من أموالكم ليتصرف بها عن اليمين والشمال بغير وجه حق، ولا يلزمكم إعطاؤه شيئًا من مالكم، بل احتفظوا بمالكم للإنفاق على أنفسكم وعلى أشقائكم وعلى البيت، وهو الواجب على والدكم أصلًا، لكنه لما فرَّط في هذا الأمر فإن الوجوب ينتقل إليكم جميعًا لتتعاونوا على القيام على شؤون البيت.

 

خامسًا:

ويمكنكم استعمال التورية في حال امتناعكم عن إعطاء والدكم المال دون الكذب عليه، والتورية هي: أن تطلق لفظا ظاهرًا – قريبًا – في معنى, تريد به معنى آخر – بعيدًا – يتناوله ذلك اللفظ, لكنه خلاف ظاهره.

– أو المعاريض، وهي: ما يفهم به السامع مراد المتكلم من غير تصريح.

 

سادسًا:

ليس عليكم – شرعًا – سداد ديْنِ والدكم، فإن ترك مالًا فيجب عليكم سداد ديْنه منها قبل الوصية وقبل الميراث، وإن لم يكن قد ترك مالًا فيُستحب لكم الوفاء بديْنه دون الوجوب.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك ديْن أكنت قاضية؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء.

رواه البخاري ( 1754 ) ومسلم ( 1148 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَر الولي أن يحج عنه والأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وقد شبهه بالديْن الذي يجب قضاؤه من تركته، ولما كان الدَّيْن يجب قضاؤه إن كانت له تركة ويستحب قضاؤه إذا لم يكن له تركة: فكذلك الحج. ” شرح العمدة ” ( 2 / 188 ).

وقال:

ومراده بذلك أن الله أحق بقبول القضاء عن المعذور من بني آدم؛ فإن الله أرحم وأكرم، فإذا كان الآدميون يقبلون القضاء عمن مات: فالله أحق بقبوله أيضًا، لم يرد بذلك أن الله يحب أن تقضى حقوقه التي كانت  على الميت وهي أوجب ما يقضى من الديْن، فإن ديْن الميت لا يجب على الورثة قضاؤه، لكن يُقضى من تركته، ولا يجب على أحدٍ فعل ما وجب على الميت من نذر.

والسائل إنما سأل عن الإجزاء والقبول لم يسأل عن الوجوب، فلا بد أن يجاب عن سؤاله.

” منهاج السنة ” ( 5 / 232 ).

ولا تقبلوا من أحدٍ يزعم أن له على أبيكم دينًا إلا بعد التثبت من بيِّنته، وما لم تعلموا عنه لم يكلفكم الله تعالى به، وما لم تستطيعوا قضاءه منها: فلا حرج عليكم، فقد سبق أن قضاء الدَّيْن عن الأب لا يجب في حال قدرة الابن فكيف سيكون واجبًا في حال عجزه عن الوفاء؟.

 

والله أعلم.

يأخذ من مال الشركة في بلاد الكفر فوق راتبه

السؤال:

أنا شاب مقيم في إيطاليا وأنا أعمل في شركة مواصلات، ولي زميل يعمل معي ولنا التصرف التام في الأموال التي تدفع من طرف الزبون وزميلي فإنه يأخذ دائمًا قسطًا من المال ويقول إننا لنا الحق في فعل هذا وذلك بحجة أن صاحب الشركة لا يعطي لنا حقنا مع توضيح لكم أن الراتب الذي نتقاضاه هو حسب شروط قبولنا للعمل.

ونحن نفعل أمراً آخر: فإذا كان أحد الزبائن مِن معارفنا حذفنا المبلغ.

أطلب منكم مساعدتي فإني نصحت زميلي كثيرًا ولكن هو مقتنع بأن الأمر الذي يفعله جائز.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله تبارك وتعالى أداء الأمانة على وجهها، وحرَّم خيانتها وجعل ذلك علامة من علامات المنافقين، قال الله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانت إلى أهلها }، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان “. روه البخاري ( 33 ) ومسلم ( 59 ).

ولا فرق في التحريم بين أن يخون المسلم أمانة أخيه المسلم أو أمانة الكافر، بل إنه بصدقه وأمانته يقدم أنموذجًا جيِّدًا للمسلمين، وقد دخلتْ دول كثيرة في الإسلام بسبب أمانة وصدق التجار المسلمين، وعلى العكس فإنه إذا خان أو كذب كان ذلك سبباً لتنفير الناس عن الدين وصدهم عن سبيل الله.

* قال الشافعي- رحمه الله-:

وإذا دخل رجل مسلم دار الحرب بأمان.. وقدر على شيء من أموالهم لم يحل له أن يأخذ منه شيئًا قلّ أو كثر؛ لأنه إذا كان منهم في أمان فهم منه في مثله، ولأنه لا يحل له في أمانهم إلا ما يحل له من أموال المسلمين، وأهل الذمة؛ لأن المال ممنوع بوجوه أولها إسلام صاحبه، والثاني مال من له ذمة، والثالث مال من له أمان إلى مدة أمانه، وهو كأهل الذمة فيما يمنع من ماله إلى تلك المدة. ” الأم ” ( 4 / 284 ).

وبما أنكم اتفقتم مع الشركة على راتب معيَّن: فإنه لا يحل لكم أن تأخذوا زيادة عليه دون علم أصحاب الشركة، وادعاء أنه لم يعطوكم ما تستحقون ليس بعذر، إذ لو فتح هذا الباب لادعاه كل عامل ولضاعت الحقوق والأمانات.

ولا يحل لكم– كذلك– أن تخصموا على أحدٍ فواتيره، ولا أن تسقطوها بالكلية، فالمال ليس مالكم حتى تفعلوا هذا، ويجب استيفاء الحقوق من أصحابها أيًّا كانوا.

لذا فإن الواجب عليكما التوبة إلى الله تعالى بالإقلاع عن فعلكم هذا، والندم عليه، والعزم على عدم العوْد، مع ضرورة إرجاع الحقوق إلى الشركة تلك التي أُخذت فوق الراتب، وتلك التي أسقطت عن معارفكم وأصدقائكم.

 

والله أعلم.