الرئيسية بلوق الصفحة 211

شاب تزوج من امرأة سيئة، وحصلت مشكلة عائلية، فماذا الحل؟

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة الشيوخ الموقرون

تحية طيبة وبعد

– وأرجو أن يتسع صدركم لقراءة هذه الرسالة وأن يصلني منكم ردٌّ شاملٌ بإذن الله.

القصة بدأت منذ عدة سنوات عندما غادر ابني الوحيد دولة قطر التي تربى وتعلم فيها حتى بلغ سنه السابعة عشر، وانتقل إلى القاهرة للدراسة الجامعية في الأكاديمية العربية للعلوم البحرية، ولقد أقام في محل إقامتنا بالقاهرة في شقة مواجهة لشقة خاله الطبيب والمتزوج وقتها حديثًا وأشرف عليه لبعض الوقت.

ومع بدء الحياة الجديدة في القاهرة تعرف ابني الوحيد على فتاة تكبره في السن بحوالي أربع سنوات، ومن وسط اجتماعي وثقافي وعائلي غير متكافئ، ولقد حاولنا بكل الطرق منع استمرار هذه العلاقة وبكل الوسائل لدرجة أنى سافرت خصيصًا وذهبت وقابلت والدها في ورشة السيارات التي يمتلكها- وكانت سيارة ابني فيها للتصليح- وأبلغته أنى غير راضٍ عن علاقة ابني مع ابنته وأعتذر له عن ذلك، وهذا لأن هذه العلاقة لن تنتهي بالزواج لأسباب عديدة شرحتها له، وبدا لي أنه تفهَّم موقفي، وكان كل هذا في حضور ابني وخاله.

مرَّ على ذلك أقل من ثلاث سنوات كنت خلالها أتابع حياته بالطرق العادية، ولكن أي تصرفات مريبة أعاملها بكل حسم.

وتخرج من الأكاديمية وعاد إلى قطر حيث التحق بعمل يتناسب جيِّدًا مع تخصصه الهندسي والبحري فيQatar navigation ، ومرت عدة شهور قليلة، وبعد تخرجه من الأكاديمية بحوالي أسبوع واحد فقط تحركت كل الشياطين لوضعنا أمام الأمر الواقع وتم عقد قران ابني على هذه الفتاة في حفل لم يحضره سوى أهلها وكل الحضور- ومنهم طبعًا والدها- على علم كامل بعدم رضانا عن هذه الزيجة، وبضغط من هذه الفتاة ترك عمله وعاد إلي القاهرة بوعد إصلاح ما صنعه!! ولحقته بعد ذلك بعدة أسابيع قليلة لإصلاح ما يمكن، وتحت الإلحاح العائلي طلَّق ابني هذه الفتاة ووافقنا على مضض على طلبه بضرورة سفره إلي أمريكا لسوء حالته النفسية، وبحجة العمل هناك أو الدراسة وسافر فعلًا، ولكنه اصطحب معه خلسة بدون علمنا هذه الفتاة وتظاهر بعكس ذلك لأكثر من سنة حتى رزق بولد منها، وتدخلت عاطفة الأمومة ووافقت على لم الشمل ونسيان ما فعل من عقوق وكذب وتدليس على والديه وطلبت منه العودة من أمريكا وتكفلت باستضافته هو وزوجته غير المرضي عنها على أمل أن يصلح الله ما بينهما المتوتر وحالهما المتردي، وكذلك تعهدت بإيجاد عمل له في قطر حيث مازلت أعمل فيها، وبالفعل وبعون الله تم ذلك واستلم عمله فعلًا، ومازال فيه، ولكن لكثرة المشاكل بينه وبين زوجته بل وتطاوله عليها أحيانًا بالضرب أمامنا طلبت منه وشجعته على أن يستقل بنفسه وحتى لا نكون أمام الآخرين السبب المعلن في أي مشاكل بينهم قد تؤدي إلي الطلاق والذي دائما ما يصرح به! ومرت الأيام ووضح أن ما تعشمنا فيه كان سرابًا، وبدا واضحًا سوء نية هذه الزوجة ومدى حقدها علينا ومدى استغلالها لزوجها وعدم حرصها على ما يكسبه والإسراف والتبذير المتعمد، بل وحرصها على استغلال كل ما يمكن ماديًّا ومعنويًّا، ولم يعيا مدى المعاناة التي تحملناها كوالدين مقهورين، ومازلنا نتحملها من أجل لم الشمل، بل وأساءت تقدير حب الجدة لحفيدها ومنعتها من رؤيته وتطاولت عليها وأبدت التحدي كمن ملكت الأرض وما عليها، وفي المقابل لم يتحرك الابن الضال بل كان يلتمس لها العذر، وعلى الرغم من كل ذلك وخلال هذه الفترة عاد ابني للإقامة معي ليضغط مصاريفه لاحتمال تركه للعمل، وأثناء ذلك أخفى عني ما قد نمى إلي علمه بتمديد فترة عمله وخطط لإحضار زوجته فيما بعد، ولكل ذلك ولضعف ابني وعدم تصديه لزوجته- التي يدعي حبها والحقيقة التي أراها هي غير ذلك تمامًا- قررت مقاطعته وطلبت منه مغادرة منزلي خاصة وهو ليس في حاجة لي لدخله العالي وتوقع وصول زوجته، وبالفعل عاد مرة أخرى واستأجر لنفسه شقه وأحضر زوجته منذ حوالي شهرين، وخلالهما توجد فقط محاولات ضعيفة للإصلاح لن تكون مجدية لاشتراطه عدم معاتبته على ما فعل وعدم معاقبته على زواجه بدون رضانا وكأن شيئًا لم يكن!! وبكل بساطة ننسى ما أصابنا ونتسامح!! كما لو أننا من الملائكة ليس من البشر.

هذا هو الحال الذي وصلت إليه مع ابن أعتبره عاقًّا، تجاهل توسلات والديه وفضل التزوج من فتاة من أسرة غير متكافئة مع أسرته علميًّا وأدبيًّا، بل وارتضى أن يرتمي في أحضان الشياطين من الجن والإنس ومنهم والدها الذي ادعي تفهمه لموقفي ولم يكن أهلًا للثقة وارتضى زوجًا لابنته على الرغم من معارضة والديه لهذه الزيجة بطرق ولأسباب لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، قد يكون منها الاستعانة بالسحر، وقد يكون منها الطمع في المال الوفير الذي كانت تتمتع به أسرة الزوج الغافل المسحور.

والسؤال الذي يلح علي الآن: ما هو حكم الشرع والدين في هذا المشكلة، وفي هذا الابن غير المعترف بأخطائه العديدة والمستهتر بمشاعر والديه والذي تزوج من فتاة لمجرد معاداة والديه وبحجة ممارسة حقه في الاختيار بصرف النظر عن ما فيه من شبهات؟ وهل طرده من منزلي ومقاطعته وحرمانه من كل ود وعطف ردًّا على ما بدأ به هو- وسبق شرحه- فيه ما يغضب الله؟ بل وهل حث الآخرين على تجاهله ونبذه خارج العائلة ردًّا على ضعفه وعدم ردعه لزوجته التي تتبجح هي وأسرتها فيه ما قد يكون علاجا له من هذه الغفلة؟ وإلا فما هو مدى العقاب الذي يستحقه في الدنيا قبل الآخرة؟ وهل ما أمر به سيدنا رسول الله عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن يكون هو الحل الأمثل، ألا وهو الطلاق؟ وما حكم منعه من الميراث؟.

– أعتذر لطول رسالتي وجزاكم الله كل خير ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

– مقدمه إليكم: الراعي المقصر في تربية وحماية ابنه فشرد!! والراضي والقانع بما حكم الله وقضاه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي ظهر لنا من هذه المشكلة أن الجميع فيها قد وقع في الخطأ، وهو ما سبَّب طولًا للمشكلة وتشعبها وتعقدها.

  1. فأنتم وقعتم في أخطاء شرعية متعددة، ومنها:
  • أنكم سمحتم بسفر ابنكم وهو في سن مبكرة إلى ” القاهرة “، ولم يكن ذلك صحيحًا، فهو في سن المراهقة، ولا يعرف ما ينفعه ويضره، والذي وقع فيه خير دليل.
  • سماحكم له بالدراسة المختلطة في الجامعة، والاختلاط المحرَّم لا ينتج إلا الشر والسوء والفحش.
  • سماحكم له بالسكن وحده في شقة، وخلوة هذه الشاب في هذا السن وفي تلك الديار مع نفسه في شقة لا يأتي إلا بالضرر والسوء.
  • ضغطكم عليه ليطلق امرأته التي يحبها، وهو ما قد يكون سبب له من الضيق والهم ما رأيتم بعض آثاره.
  • ثم سماحكم له بالسفر وحده إلى ” أمريكا ” وهي بلاد الكفر والفجور خطأ، والسفر إلى بلاد الكفر محرَّم إلا لضرورة، وأنتم تقولون إن السفر كان من أجل نفسيته! فماذا سيرى هناك ويسمع ليخفف على نفسه ويرجع إلى ربه ودينه وعقله؟.
  • مقاطعتكم له وطرده من المنزل أيضًا من الأخطاء، فرعاية الأبناء تحت نظر الأهل خير من رعايتهم بعيدًا عنهم، ولعل هذا مما سبب الجفاء وزاد من الفُرقة بينكم وبينه.
  • عدم رضاكم عن طلبه للمسامحة مع نسيان الماضي، وعدم توبيخه، ففي ظننا أنكم أخطأتم بهذا، ومثل هذه الأمور لا ينفع فيها العتاب، فأخطاؤه ظاهرة، وأنتم كنتم سببًا في بعضها، فالتلاوم والتباحث فيها قد يزيد الأمور شرًّا وفُرقة، بينما يمكنكم الاستفادة مما حصل من خلال مخالطتكم له ومعيشتكم معه بالتدرج واللين.

 

  1. أما أخطاء ولدكم فهي واضحة للمتابع لمشكلتكم والقارئ لها، ومنها:
  • دراسته المختلطة، وإقامته وحده، وسفره إلى أمريكا– وقد سبق بيان هذا-.
  • تعرفه على فتاة أجنبية ولقاؤه بها والحديث معها ومصاحبتها: كلها معاصٍ وآثام ما كان ينبغي أن يقع فيها، وقد وردت تحذيرات شرعية كثيرة في الكتاب والسنة من هذه المعاصي ومثيلاتها.
  • تبذيره وزوجته للمال.
  • سماحه لزوجه بأن تمنع أمه من رؤية حفيدها، وكذا سكوته عن تطاولها عليهم.
  1. وأما أخطاء الزوجة فكثيرة وواضحة، ومنها:
  • علاقتها المحرمة مع أجنبي عنها.
  • سفرها مع زوجها إلى بلاد الكفر.
  • تبذيرها للمال.
  • تعديها على أهل زوجها، ومنعهم من رؤية حفيدهم.

وكما ترى أخي السائل فإن الجميع قد وقع في الخطأ، والذي نراه أن يبقى الزواج على ما هو عليه إذا كان ولدكم يرغب بها، ورضا أهل الزوج ليس شرطًا في صحة النكاح وإن كان محبوبًا للشرع، وكونها من أسرة فقيرة لا يعني أنها لا تصلح للزواج، فليس النسب المال والمهنة بدوافع للزواج ولا بموانع منه ابتداءً، ولو قلتم إنكم رفضتم زواج ابنكم منها بسبب خلقها ودينها لكان لكم وجه، وخاصة أنها وقعت في محرمات حتى حصل الزواج.

ولا يحل لكم منعه من الميراث، وخاصة أنه جاءكم طالبًا المسامحة والعفو، فنرى أن تقبلوا منه، وأن تتجاوزا الأمور السابقة– ولا تنسوا أنكم من أسباب حدوثها– وتفتحوا صفحة جديدة، ولعل الأيام القادمة والتي يكبر فيها ابنكم وتزيد أسرته أن يعرف خطأ تصرفاته معكم، ولعل الذكرى والموعظة أن تنبهه إلى ما وقع فيه من أخطاء شرعية.

 

والله الموفق.

ما هي الطير الخضر؟

السؤال:

ما هو القصد من ” طيور خضر “؟ هل هي من الطيور التي نعلمها؟ أم طيور بشكل وبطراز آخر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون } قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل…. رواه مسلم ( 1887 ).

وهذه الطيور هي طيور الجنة لا تشبه ما في الدنيا من طيور إلا في الاسم، ومثله يقال في أنهار الجنة وثمارها وأشجارها وكل ما فيها من نعيم.

قال الله تعالى: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة / 25 ].

* قال ابن عباس رضي الله عنه:

” لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء “.

*  قال المنذري:

رواه البيهقي موقوفًا بإسناد جيد. ” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 321 ). وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3769 ).

* قال ابن كثير- معلقًا على قول ابن عباس-:

يعني: أن بين ذلك بونًا عظيمًا، وفرقًا بيِّنًا في التفاضل.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 278 ).

 

والله أعلم.

 

الفوائد المنهجية من شروح الشيخ يوسف الغفيص العقدية

الفوائد المنهجية من شروح الشيخ يوسف الغفيص العقدية 👇🏻

هل تسافر إلى بلد أجنبي للدراسة؟

السؤال:

هل يجوز سفر الفتاة غير المتزوجة إلى بلد أجنبي للدراسة بها، علما بأن فرصة الدراسة هناك غير متوفرة بالبلد التي تعيش بها، مدة الدراسة سنة وتعتبر بعثة يتهافت عليها الكثير من العاملين بهذا المجال، و تم الترشيح لها- دون سعي إليها- من قبل رئيسة القسم لعلمها بكفاءتي وحبي للعمل بهذا المجال.

ملاحظة: الجهة الممولة لهذه البعثة جهة خاصة مسيحية.

برجاء الإسراع بالرد لأن الموضوع عاجل جدًّا، فالمطلوب مني أن أتخذ قرارًا سريعًا فيه، وشكرًا،  والسلام عليكم ورحمة الله بركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يجوز للمرأة السفر إلى بلاد الكفر سواء كان للدراسة أو العمل، لما في ذلك من مخالفات شرعية: مثل السفر بدون محرم، والإقامة في بلاد الكفر، والدراسة أو العمل المختلط.

فتحرم الإقامة في بلاد الكفر سواء للنساء أو للرجال إلا لمن كان له عذر في ذلك، كعلاج أو علم لا يتوفران في بلاد المسلمين– مع ضرورة التقيد في الشرع في العلاج والدراسة-، أو كان ذلك للتجارة أو الدعوة بشرط عدم الإقامة الدائمة.

وينبغي في هذا المعذور أن تتوفر فيه شروط ومنها الزواج ليحفظ نفسه من الشهوات والعلم ليحفظ نفسه من الشبهات.

وبيئة الكفر أشد خطرًا على النساء، فلتحذر كل امرأة مسلمة منها، وليكن حفظ دينها هو أكبر همها، ولتعلمي أنكِ لم تستطيعي المحافظة على دينكِ وحجابكِ في تلك البيئة الكافرة، ودين المسلم هو رأس ماله فلا ينبغي له التفريط فيه، والمرأة ضعيفة ويُطمع بها سفرًا وحضرًا فكيف في بلاد الكفر وحيدة؟.

و ” لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم “، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حكم واضح بيِّن، ولو كان سفرها إلى العمرة أو الحج فإنه لا بدَّ أن يكون معها محرم، فإن لم يوجد فلا تُعد مستطيعة ويسقط عنها فرض الحج.

وكوْن الكثير يتهافت على هذه البعثة ليس بمسوِّغ لقبولها؛ وذلك لوجود المخالفات الشرعية فيها، وكثير من الناس لا يهتمون بمعرفة الحكم الشرعي في أفعالهم فضلًا عن تطبيق الأحكام المخالفة لهواهم، ولذلك فإننا نشكر لك سؤالك عن معرفة الحكم الشرعي، وظننا أنكِ لن تقبلي هذه البعثة ولا لك الدراسة لما فيها من مخالفات متعددة.

وكون الجهة الممولة لهذه البعثة هي جهة نصرانية فإن ذلك يوجب الريبة منها، ولا تتوقعي منهم إلا الشر أثناء الدراسة، وهذا يزيدنا طمأنينة بالمنع من قبول تلك البعثة والسفر إليها.

 

والله أعلم.

هل السيئات والحسنات تكتبان على الصغير قبل البلوغ؟

السؤال:

قرأت في أحد المواقع التالي : عندما يبلغ الطفل سن البلوغ يبدأ حساب أعماله من الحسنات والأعمال الصالحة والسيئات، وإذا مات يتم إغلاق كتاب أعماله ويكتب إما إلى الجنة أو النار بحسب ميزان الأعمال الصالحة والسيئات.

وسؤالي هو:

هل الحسنات والسيئات لا يتم حسابها قبل البلوغ؟

 

الجواب:

الحمد لله

أما السيئات: فلا تُكتب على مَن كان دون البلوغ؛ لأن كتابتها تكون على المكلَّفين، ولا تكليف لمن كان دون البلوغ.

عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل – أو يفيق – “. رواه أبو داود (4398) والنسائي ( 3432 ) وابن ماجه ( 2041 ).

وأما الحسنات: فإنها تكتب له ولمن كان سببًا فيها.

* قال ابن القيم – وقد حسَّن حديث عائشة -:

وأما قوله ” رفع القلم عن ثلاثة “: فلم يُرد به النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصح إسلامه، ولا ذِكره، ولا قراءته، ولا صلاته، ولا صيامه، فإنه لم يخبر أن قلم الثواب مرفوع عنه، وإنما مراده بهذا الحديث رفع قلم التأثيم، وأنه لا يكتب عليه ذنب.

والإسلام أعظم الحسنات، وهو له لا عليه، فكيف يفهم من رفع القلم عن الصبي بطلانه وعدم اعتباره، والإسلام له لا عليه، ويسعد به في الدنيا والآخرة؟.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 907 ).

 

والله أعلم.

زوجها تارك للصلاة وخدعها في البداية بأنه يصلي وبينهما أولاد، فما الحكم؟

السؤال:

تزوجت منذ 4 سنوات وقد سألناه إذا كان يصلي فقال: نعم، وبعد الزواج اكتشفت بأنه لا يصلي ولم أكن أظن بأن الأمر بذلك الخطورة حتى قرأت كتيبًا يقول بأن الزواج يعتبر محرمًا وبقائي معه محرم.

ماذا أفعل الآن ولدي 3 أطفال؟ وإذا استمر في ترك الصلاة فهل أتركه؟

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان زوجك لا يصلي فلا يجوز لك البقاء في عصمته، ولا أن تمكنيه من نفسك بعد أن عرفتِ حكم الله في البقاء معه.

فعليكِ أن تخيريه بين البقاء معكِ والصلاة، أو أن يختار مفارقتك وإعطاءك حقوقك.

* وأما بالنسبة لعقد الزواج فهو عقد صحيح لأنه عُقد وهو تارك للصلاة:

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:

” إذا كانت الزوجة لا تصلي مثل الزوج حين العقد فالعقد صحيح، أما إن كانت تصلي فالواجب تجديد النكاح، لأنه لا يجوز للمسلمة أن تُنكح لكافر “.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله –:

” مادام العقد كان حين تركه للصلاة فهو عقد غير صحيح، وعلى هذا فيجب عليها أن تنعزل عنه، فإذا أسلم جدد العقد، وإذا لم يسلم فسيأتي الله برجل مسلم خير منه “.

وفي كتابه ” حكم تارك الصلاة ” قال – رحمه الله -:

وإذ تبين أن نكاح المرتد لا يصح من مسلم سواء كان أنثى أم رجلًا، وأن هذا مقتضى دلالة الكتاب والسنة، وتبين أن تارك الصلاة كافر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة وقول عامة الصحابة؛ تبين أن الرجل إذا كان لا يصلي وتزوج امرأة مسلمة، فإن زواجه غير صحيح، ولا تحل له المرأة بهذا العقد، وأنه إذا تاب إلى الله تعالى ورجع إلى الإسلام وجب عليه تجديد العقد. وكذلك الحكم لو كانت المرأة هي التي لا تصلي. انتهى.

* وأما بالنسبة لأولادكِ منه: فقد قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

حكم أولاد تارك الصلاة من مسلمة تزوج بها:

فأما بالنسبة للأم فهم أولاد لها بكل حال.

وأما بالنسبة للزوج فعلى قول من لا يرى كفر تارك الصلاة: فهم أولاده يلحقون به بكل حال؛ لأن نكاحه صحيح، وأما على قول من يرى كفر تارك الصلاة – وهو الصواب على ما سبق تحقيقه في الفصل الأول – فإننا ننظر:

فإن كان الزوج لا يعلم أن نكاحه باطل، أو لا يعتقد ذلك، فالأولاد أولاده يلحقون به؛ لأن وطأه في هذه الحال مباح في اعتقاده، فيكون وطء شبهة، ووطء الشبهة يلحق به النسب.

وإن كان الزوج يعلم أن نكاحه باطل ويعتقد ذلك، فإن أولاده لا يلحقون به، لأنهم خلقوا من ماء من يرى أن جماعه محرم لوقوعه في امرأة لا تحل له. ” حكم تارك الصلاة “.

 

 

والله أعلم.

خوارم المروءة وأثرها على العقل والدين والسلوك

السؤال:

قرأت وسمعت محاضرات عديدة عن ” خوارم المروءة “، وهي الأفعال التي لو فعلها شخص انخرمت مروءته كالتصفيق والغناء وحلق اللحية، ولكن أريد أن أعرف ما هو التعريف الحقيقي لكلمة ” مروءة “؟، وماذا يحدث لو انخرمت مروءة شخص نتيجة فعله لهذه الأفعال الخارمة للمروءة؟ هل يؤثر ذلك على نفسه وقلبه وعقله وسلوكه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قال الماوردي:

فالمروءة: مراعاة الأحوال التي تكون على أفضلها حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد ولا يتوجه إليها ذم باستحقاق. ” أدب الدنيا والدين ” ( ص 318 ).

وقال ابن قدامة:

فأما المروءة: فاجتناب الأمور الدنيئة المزرية به … كالأكل في السوق، يعني به: الذي ينصب مائدة في السوق, ثم يأكل والناس ينظرون، ولا يعني به أكل الشيء اليسير, كالكسرة ونحوها، وإن كان يكشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه, أو يمد رجليه في مجمع الناس, أو يتمسخر بما يضحك الناس به, أو يخاطب امرأته أو جاريته أو غيرهما بحضرة الناس بالخطاب الفاحش, أو يحدث الناس بمباضعته أهله, ونحو هذا من الأفعال الدنيئة, ففاعل هذا لا تقبل شهادته; لأن هذا سخف ودناءة, فمن رضيه لنفسه واستحسنه, فليست له مروءة, فلا تحصل الثقة بقوله …

” المغني ” ( 10 / 171 ).

ومما لاشك فيه أن فعل خوارم المروءة مؤثر على قلب وسلوك فاعله ، وخاصة إذا كان الفعل من المحرَّمات، أو مما يُنقص قدره ومكانته عند الناس.

وبالنظر إلى أسباب خوارم المروءة يتبين أن فعلها مخل للعقل والسلوك والدين والقلب، ومن أسباب فعل الخوارم:

  1. فساد العقل.

قال عمر بن الخطاب: ” كرم المرء: دينه، ومروءته: عقله، وحسبه: خلقه “.

  1. نقصان الدين.

ولا يقدم على خوارم المروءة إلا ناقص الدين.

  1. قلة الحياء.

ففاعل الخارم للمروءة لا يستقبح القبيح، ولا يبالي بكلام الناس، وقلة حيائه تعطيه الجسارة على فعل خوارم المروءة.

ويدل عليه: قوله صلى الله عليه وسلم ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت ” رواه البخاري ( 3296 ).

– انظر ” خوارم المروءة ” لمشهور حسن ( ص 329 ، 330 ).

وقد أجمع العلماء أنه لا تقبل شهادة من فعل ما يخل مروءته.

* قال الشيخ بكر أبو زيد – حفظه الله -:

المروءةُ مِنْ مقاصدِ الشرعِ، وخوارمها من مسقطات الشهادة قضاءً، والشرع يأمر بمعالي الأخلاق، وينهى عن سفاسفها، فكم رأى الراؤون الممثل يفعل بنفسه الأفاعيل في أيِّ عضوٍ مِن أعضائه، وفي حركاته وصوته واختلاج أعضائه، بل يمثل دور مجنونٍ أو معتوهٍ أو أبلهٍ… وعليه: فلا يمتري عاقل أنَّ التمثيل مِن أولى خوارم المروءة، ولذا فهو مِن مسقطات الشهادة قضاءً، وما كان كذلك: فإنَّ الشرع لا يُقرُّه في جملته…. انظر: ” المروءة وخوارمها ” (ص221 ) لمشهور حسن.

وننبه إلى أن بعض العلماء ذكر أن فعل المحرمات من خوارم المروءة ومنه ما ذُكر في السؤال من ” حلق اللحية “، وإنما نبهنا لهذا حتى لا يُظن أن حلقها ليس من المحرمات.

 

والله أعلم.

حكم بيع جوزة الطيب واستعمالها

السؤال:

ما حكم وضع جوز الطيب في الطعام؟ وهل يحل بيعه في محل العطارة أم لا؟ أم أنه محرم أكله وبيعه كالخمور؟.

 

الجواب:

الحمد لله

شجرة ” جوزة الطيب ” معروفة منذ قديم الزمان، وقد كانت تستخدم ثمارها كنوع من البهارات التي تعطي للأكل رائحة زكية ونكهة لذيذة، واستخدمها قدماء المصريين دواء لآلام المعدة وطرد الريح.

وشجرتها ارتفاعها حوالي عشرة أمتار، وهي دائمة الخضرة، ولها ثمار شبيهة بالكومثرى، وعند نضجها يتحول ثمرها إلى غلاف صلب، وهذه الثمرة هي ما يعرف بجوزة الطيب، ويتم زراعنها في المناطق الاستوائية، وفي الهند، وأندونسيا وسيلان.

وتأثيرها مماثل لتأثير الحشيش، وفي حالة تناول جرعات زائدة يصاب المرء بطنين في الأذن وإمساك شديد وإعاقة في التبول وقلق وتوتر وهبوط في الجهاز العصبي المركزي والذي قد يؤدي إلى الوفاة.

* أما عن حكمها فقد اختلفت آراء العلماء فيها إلى قولين:

فجمهور العلماء على حرمة استعمال القليل منها والكثير، وذهب آخرون إلى جواز استعمال اليسير منها إذا كانت مغمورة مع غيرها من المواد.

* قال ابن حجر الهيتمي – المتوفى سنة 974 هجرية – عن جوزة الطيب -:

عندما حدث نزاع فيها بين أهل الحرمين ومصر واختلفت الآراء في حلها وحرمتها طرح هذا السؤال: هل قال أحد من الأئمة أو مقلِّديهم بتحريم أكل جوزة الطيب؟.

ومحصل الجواب،- كما صرح به شيخ الإسلام ابن دقيق العيد – أنها مسكرة، وبالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة عليها، وقد وافق المالكية والشافعية والحنابلة على أنها مسكرة فتدخل تحت النص العام ” كل مسكر خمر وكل خمر حرام “، والحنفية على أنها إما مسكرة وإما مخدرة، وكل ذلك إفساد للعقل، فهي حرام على كل حال. انظر: ” الزواجر عن اقتراف الكبائر ” ( 1 / 212 )، و” المخدرات ” لمحمد عبد المقصود ( ص 90 ).

وفي مؤتمر ” الندوة الفقهية الطبية الثامنة ” – ” رؤية اسلامية لبعض المشاكل الصحية ” ” المواد المحرمة والنجسة فى الغذاء والدواء ” – والمعقود بدولة الكويت، في الفترة من 22 -24 من شهر ذي الحجة 1415هـ الذي يوافقه 22 – 24 من شهر مايو 1995، قالوا:

المواد المخدرة محرمة لا يحل تناولها إلا لغرض المعالجة الطبية المتعينة، وبالمقادير التي يحددها الأطباء وهي طاهرة العين.

ولا حرج في استعمال ” جوزة الطيب ” في إصلاح نكهة الطعام بمقادير قليلة لا تؤدي إلى التفتير أو التخدير.

* وقال الدكتور وهبة الزحيلي:

لا مانع من استعمال القليل من جوزة الطيب لإصلاح الطعام والكعك ونحوه‏،‏ ويحرم الكثير؛‏ لأنها مخدِّرة.

والأحوط: هو القول بمنعها ولو كانت مخلوطة مع غيرها وبنسبة قليلة، و” ما أسكر كثيره فقليله حرام “.

وللعلم: فإن ثمرة جوزة الطيب – بذرتها ومسحوقها الخاص – ممنوع استيرادها بالمملكة العربية السعودية، ويقتصر السماح باستيراد مسحوقها المخلوط بغيره من التوابل في حدود النسبة المسموح بها والتي لا تزيد عن 20 %.

 

والله أعلم.

هل يجوز أخذ منحة من دولة عربية مسلمة لا تحكم بشرع الله؟

السؤال:

هل يجوز أخذ منحة من دولة عربية مسلمة لا تحكم بشرع الله لإنجاز مشروع باعتبار أن المنحة لا ترد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

* سئل الشيخ عبد الله بن حميد – رحمه الله -:

ما حكم أموال الدولة الكافرة التي لا تطبق الشريعة الإسلامية؟.

فأجاب:

أموالها لا بأس بها فإن الأموال ليست للدولة فالدولة ليس لها مال خاص وما تجلبه من أموال ليست إلا للمسلمين, ألا ترى أنه يقال: هذا بيت مال المسلمين إنما هو وكلاء فقط يصرفونه على المسلمين وليس المال لهم. ولا بأس بأخذ أموال الدولة غير المسلمة ولا مانع منه, وهو مال للمسلمين المقيمين في تلك الدولة, وإنما الدولة الكافرة هي بمنزلة الوكيل فقط.

والله أعلم. ” فتاوى الشيخ عبد الله بن حميد ” ( ص 278 ).

لبست النقاب فعاداها أهلها وهجروها

السؤال:

أريد أن أستفسر عن حدود طاعة الوالدين إذا كانوا معارضين محاولتي أن أسلك طريق الحق وأنا أعلم أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولكن ماذا إن تعارضت رغبتهم عن قيامي بمستحب؟ وإذا كان مثل النقاب مع العلم أنهم لا يمنعوني عن الحجاب ولكن بدون تغطية الوجه، ولقد قلت لهم إني سأنتقب وقد أخذت هذه الخطوة ولكن والدتي قالت لي إنها لن تكلمني أبدًا، مع العلم أنها لا تغطى شعرها! وقال لي والدي إني لن أخرج من البيت منتقبة، فقلت لهم: إني لن أخرج حتى يرضوا، ولن أخرج من غرفتي في وجود غير المحارم من أزواج أخواتى في البيت، مع العلم أن هذا تقريبا كل يوم، وهذا يمنعني من مجالسة أهلي أو قيامي بأي شيء لهم من مساعدة لأمي أو أن أبرهم كما ينبغي، ولا أريد أن أتخلى عن النقاب، فماذا بإمكاني أن أفعل؟ وهل أخطأت باتخاذي هذا القرار؟ أرجو النصيحة وعدم إهمال نصحي، وجزاكم الله خيرًا، وأسأل الله أن يوفقكم لمساعدة المسلمين، ويهدينا جميعا إلى الحق والعلم.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس هذا بقرار تأخذينه ويمكن لكِ تركه متى شئتِ، بل هو شرع الله تعالى قد عملتِ به، والحقيقة: أننا تأثرنا برسالتكِ هذه، وساءنا أن نجد من الآباء والأمهات من يقف حجر عثرة أمام طريق ستر وهداية أبنائهم وبناتهم، وهم يرون ويسمعون من يسيء إلى أهليهم ويجلب لهم الخزي والعار بالضلال والانحراف، فبدلًا من الفرح بهذه الهداية وتشجيعها نجدهم يغضبون ويهجرون ابنتهم التي أرادت تنفيذ شرع الله بلبسها للنقاب؟.

وأنتِ – أختنا الفاضلة – نوصيكِ بتقوى الله، والبقاء على ما أنتِ عليه، وأن تزيد ثقتكِ بربك تبارك وتعالى، فهو وحده القادر على هدايتهم وتثبيتكِ.

وفكري دائما برضا الله تعالى، ولو أدى هذا إلى سخط الناس، وفي نهاية المطاف سيكتب الله لك الأجر ويُرضي عنكِ أهلكِ.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” من التمس رضا الله بسخط الناس: كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس “. رواه الترمذي ( 2414 ).

وقد قال بعض السلف: ” السعيد مَن أصلح ما بينه وبين الله؛ فإنه من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامد الناس بسخط الله: عاد حامده من الناس ذامًّا له “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – بعد أن ذكر حديث عائشة، وبلفظ آخر موقوفًا عليها -:

هذا لفظ المأثور عنها، وهذا من أعظم الفقه في الدين، والمرفوع أحق وأصدق، فإن من أرضى الله   بسخطهم: كان قد اتقاه، وكان عبدَه الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده، { ومن يتق الله   يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب }، فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة.

ومَن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا كالظالم الذي يعض على يده يقول ” يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلًا يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا “.

وأما كون حامده ينقلب ذامًّا: فهذا يقع كثيرًا ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداء عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 52 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فلا يظن أحدٌ أنه يخلص من الألم البتة، وإنما يتفاوت أهل الآلام في العقول، فأعقلهم مَن باع ألمًا مستمرًّا عظيماً بألم منقطعٍ يسيرٍ، وأشقاهم مَن باع الألم المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر.

فإن قيل: كيف يختار العاقل هذا؟، قيل: الحامل له على هذا النقد والنسيئة، والنفس موكلة بحب العاجل   { كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة } [ القيامة / 20 ]، { إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا } [ الإنسان / 27 ]، وهذا يحصل لكل أحدٍ، فإن الإنسان مدني بالطبع لا بد له أن يعيش مع  الناس، والناس لهم إرادات وتصورات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها فإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب، تارة منهم وتارة من غيرهم، كمن عنده دِين وتُقى حلَّ بين قوم فجار ظلمة ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم، فإن وافقهم أو سكت عنهم سلِم من شرهم في الابتداء، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم فلا بد أن يُهان ويُعاقب على يد غيرهم.

فالحزم كل الحزم في الأخذ بما قالت عائشة أم المؤمنين لمعاوية ” مَن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله   مؤنة الناس، ومَن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا “.

” زاد المعاد ” ( 3 / 15 ).

فعليكِ – أختنا الفاضلة – التفكر فيما نقلناه لكِ من الوحي وأقوال الأئمة، وليس هذا من العقوق لوالديك في شيء، ويمكنك القيام بمساعدة الوالدة، والقيام على شئون البيت في حال عدم وجود أحد من الأجانب، فتجمعين بين القيام بمساعدة والدتك وعدم الاختلاط بالأجانب.

– والزمي الدعاء بالثبات لك، والهداية لأهلك، ولا تيئسي من رحمة الله تعالى.

 

والله يوفقكِ ويرعاكِ.