الرئيسية بلوق الصفحة 243

حكم قتل الزانية من ذويها ( جرائم الشرف )

السؤال:

أنا الآن طالبة في السنة النهائية من الجامعة قسم التاريخ، وقد طلب مني تحضير بحث حول الجدل القائم حول  “القتل للشرف” في الأردن، وسمعت تقارير بأن الملك عبد الله الثاني صرح بتطبيق القوانين المانعة لتعرض النساء للقتل من أجل لشرف بصرامة.

وسؤالي هو: ما هي الآيات القرآنية التي يستند إليها الرجال والتي تبرر قتلهم لقريباتهم من أجل موضوع الشرف؟ وأيضا، هل توجد آيات قرآنية تحث على ممارسة القتل من أجل الشرف؟

لقد قرأت في موقعكم الآية التالية: “والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا” سورة النساء، الآية 15.

هل هذه هي الآية التي تؤيد القتل من أجل الشرف؟ وشكرا.

الجواب:

الحمد لله:

  1. إن من أعظم الكبائر التي يلقى العبد بها ربَّه قتل النفس التي حرَّم الله.

قال الله تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه وأعدَّ له عذاباً عظيماً }  [ النساء / 92 ].

عن أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور”. رواه البخاري ( 2510 ) ومسلم ( 88 ).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً”. رواه البخاري ( 6469 ).

  • ولا يجوز قذف المحصنات بالزنا، ولا يثبت الزنا إلا بشهادة أربع ذكور يرون واقعة الزنا رأي العين، ويرون الفرْج في الفرْج، أو باعتراف الزاني أو الزانية بغير إكراه، وما عدا ذلك،  فمن قذف امرأة مسلمة بالزنا فإنه يجلد ثمانين جلدة.

قال تعالى:{ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} [ النور / 4 ].

وعن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “… اغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمرَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجمت”. رواه البخاري ( 2575 ) ومسلم ( 1698 ).

  • وقد جعل الله تعالى حدوداً معيَّنة للزاني والزانية، فجعل حدَّ الرجم للمحصن منهما، وجلد مائة لمن لم يحصن.

قال تعالى { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}[ النور / 2 ].

وعن جابر أن رجلا من”أسلَم” أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: ” هل بك جنون؟ ” قال: لا، قال:” هل أحصنت؟” قال: نعم فأَمر به أن يرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدرك بالحرة فقتل. رواه البخاري ( 4969 ) ومسلم ( 1691 ).

  • ولا ينبغي لأحد أن يقيم الحدود إلا بإذن السلطان، فإن لم يكن سلطان يحكم بالشرع فلا يجوز لعامة الناس أن تقيم الحدود، ومن فعل ذلك أثم، ولو وكِّل أمر إقامة الحدود لعامة الناس لانتقم بعضهم من بعض فأزهقت أرواح وقطِّعت أيدي.

قال القرطبي: لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود. ” تفسير القرطبي ” ( 2 / 245 ، 246 ).

وقال ابن رشد القرطبي: وأما من يقيم هذا الحد – أي: جلد شارب الخمر – فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود.  ” بداية المجتهد ” ( 2 / 233 ).

وقال الشوكاني: عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهي إلى أقوالهم من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون لا ينبغي لأحد يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده وأمَته. ” نيل الأوطار ” ( 7 / 295 ، 296 ).

  • وعلى أهل المرأة أن يمنعوها من الخروج أو المحادثة ومن كل ما يمكنها من فعل المنكر ولو كان ذلك بالحبس أو التقييد، أما القتل فلا، وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن سؤال فيه مثل الحالة التي نحن بصدد ذكر الصواب فيها، فأجاد رحمه الله بذكر التوجيه والحكم، وهذا نص السؤال والجواب:

سئل رحمه الله عن امرأة مزوَّجة بزوجٍ كاملٍ ولها أولاد فتعلقت بشخصٍ من الأطراف أقامت معه على الفجور، فلما ظهر أمرها سعَت في مفارقة الزوج، فهل بقيَ لها حق على أولادها بعد هذا الفعل؟ وهل عليهم إثم في قطعها؟ وهل يجوز لمن تحقق ذلك منها قتلها سرّاً؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم؟

فأجاب:

الحمد لله

          الواجب على أولادها وعصبتها أن يمنعوها من المحرمات، فإن لم تمتنع إلا بالحبس: حبسوها، وإن احتاجت إلى القيد قيَّدوها، وما ينبغي للولد أن يضرب أمَّه، وأمَّا برُّها  : فليس لهم أن يمنعوها برَّها، ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء، بل يمنعوها بحسب قدرتهم، وإن احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها وكسوها، ولا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتلٍ ولا غيره، وعليهم الإثم في ذلك. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 177 ، 178 ).

  • بل وأعظم من ذلك لو أن رجلا وجد رجلاً مع امرأته فليس له أن يقتله حتى يأتي بأربعة شهداء، فإن كان قد دخل البيت مغتصباً فله قتله بينه وبين ربِّه، فإن جاء بشهود لم يُقتل وإلا قُتل به.

عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة الأنصاري قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، قال سعد: بلى والذي أكرمك بالحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم. رواه مسلم ( 1498 ).

وعن المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيتُ رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنَا أغير منه والله أغير مني. رواه البخاري ( 6454 ) ومسلم ( 1499 ).

قال أبو عمر ابن عبد البر: في هذا الحديث النهي عن قتل من هذه حاله؛ تعظيماً للدم، وخوفاً من التطرق إلى إراقة دماء المسلمين بغير ما أمرنا الله به من البينات أو الإقرار الذي يقام عليه، وسدّ الباب الافتيات على السلطان في الحدود التي جعلت في الشريعة إليه وأمر فيها بإقامة الحق على الوجوه التي ورد التوقيف بها. ” التمهيد ” ( 21 / 253 ).

وقال: يريد والله أعلم أن الغيرة لا تبيح للغيور ما حرم عليه، وأنه يلزمه مع غيرته الانقياد لحكم الله ورسوله، وأن لا يتعدى حدوده، فالله ورسوله أغير، ولا خلاف علمته بين العلماء فيمن قتل رجلا ثم ادعى أنه إنما قتله؛ لأنه وجده مع امرأته بين فخذيها ونحو ذلك من وجوه زناه بها ولم يعلم ما ذكر عنه إلا بدعواه أنه لا يقبل منه ما ادعاه وأنه يقتل به إلا أن يأتي بأربعة شهداء يشهدون أنهم رأوا وطئه لها وإيلاجه فيها ويكون مع ذلك محصنا مسلما بالغا أو من يحل دمه بذلك فإن جاء بشهداء يشهدون له بذلك نجا وإلا قتل، وهذا أمر واضح لو لم يجيء به الخبر لأوجبه النظر؛ لأن الله حرم دماء المسلمين تحريما مطلقا فمن ثبت عليه أنه قتل مسلما فادعى أن المسلم قد كان يجب قتله لم يقبل منه رفعه القصاص عن نفسه حتى يتبين ما ذكر وهكذا كل من لزمه حق لآدمي لم يقبل قوله في المخرج منه إلا ببينة تشهد له بذلك. ” التمهيد ” ( 21 / 256 ).

وقال ابن القيم رحمه الله: وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: ليس هذا من باب دفع الصائل بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي، وعلى هذا فيجوز له فيما بينه وبين الله تعالى قتل من اعتدى على حريمه سواء كان محصناً أو غير محصنٍ معروفاً بذلك أو غير معروفٍ كما دل عليه كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة. ” زاد المعاد ” ( 5 / 406 ، 407 ).

وقال رحمه الله: فلو أذن له في قتله لكان ذلك حُكماً منه بأن دمه هدر في ظاهر الشرع وباطنه، ووقعت المفسدة التي درأها الله بالقصاص، وتهالك الناس في قتل من يريدون قتله في دورهم ويدعون أنهم كانوا يرونهم على حريمهم، فسدَّ الذريعة وحمى المفسدة وصان الدماء، وفي ذلك دليل على أنه لا يقبل قول القاتل ويقاد به في ظاهر الشرع. ” زاد المعاد ” ( 5 / 408 ).

وقال – في معنى الغيرة في الحديث -: فلما حلف سعد أنه يقتله ولا ينتظر به الشهود عجب النبي صلى الله عليه وسلم من غيرته وأخبر أنه غيور وأنه صلى الله عليه وسلم أغير منه والله أشد غيرة، وهذا يحتمل معنيين:  

– أحدهما: إقراره وسكوته على ما حلف عليه سعد أنه جائز له فيما بينه وبين الله ونهيه عن قتله في ظاهر الشرع ولا يناقض أول الحديث آخره.  

– والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك كالمُنكِر على سعد فقال: ” ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم ” يعني : أنا أنهاه عن قتله وهو يقول بلى والذي أكرمك بالحق، ثم أخبر عن الحامل له على هذه المخالفة وأنه شدة غيرته ثم قال: ” أنا أغير منه والله أغير مني ” وقد شرع إقامة الشهداء الأربعة مع شدة غيرته سبحانه، فهي مقرونة بحكمة ومصلحة ورحمة وإحسان فالله سبحانه مع شدة غيرته أعلم بمصالح عباده وما شرعه لهم من إقامة الشهود الأربعة دون المبادرة إلى القتل وأنا أغير من سعد وقد نهيته عن قتل. وقد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا الأمرين وهو الأليق بكلامه وسياق القصة . ” زاد المعاد ” ( 5 / 408 ).

وأما إذا ثبتت الشهادة أو اعترف أولياء المقتول فلا قصاص ولا دية، وهو الصواب الذي ثبت عن عمر رضي الله عنه.

قال ابن القيم – رادّاً على من ظن أن في المسألة خلافاً بين الصحابة -: والذي غرَّه ما رواه سعيد بن منصور في سننه: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينا هو يوما يتغدى إذ جاءه رجل يعدو وفي يده سيف ملطَّخ بدم ووراءه قوم يعدون فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبَنا، فقال له عمر رضي الله عنه: ما تقول؟ فقال له: يا أمير المؤمنين إني ضربتُ بين فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحدٌ فقد قتلتُه، فقال عمر: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إنه ضرب السيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر رضي الله عنه سيفه فهزه، ثم دفعه إليه، وقال: إن عادوا فعُد.

– فهذا ما نقل عن عمر رضي الله عنه.  

وأما علي فسئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته، فظن أن هذا خلاف المنقول عن عمر فجعلها مسألة خلاف بين الصحابة وأنت إذا تأملت حُكميهما لم تجد بينهما اختلافا فإن عمر إنما أسقط عنه القود لما اعترف الولي بأنه كان مع امرأته وقد قال أصحابنا – واللفظ لصاحب ” المغني ” -: فإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص ولا دية لما روي عن عمر – ثم ساق القصة – وكلامه يعطي أنه لا فرق بين أن يكون محصنا وغير محصن وكذلك حكم عمر في هذا القتيل وقوله أيضا فإن عادوا فعد ولم يفرق بين المحصن وغيره، وهذا هو الصواب .  ” زاد المعاد ” ( 5 / 404 ، 405 ).

  • وقد حصل أن زنت بعض النسوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يَقتل أحدٌ من أهلهن امرأة منهن، ومنهن ” الغامدية ” رضي الله عنها.

عن بريدة بن الحصيب قال: … جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت: أراكَ تريد أن تردَّني كما رددتَ ماعز بن مالك، قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: آنت؟ قالت: نعم فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله قال: فرجمها.  رواه مسلم ( 1695 ).

  • هذا وإنّ ما يفعله أهل هذه المرأة التي يدَّعون أنها تستحق القتل: خطأ من وجوه أخرى وهي:
  • أنهم لا يفعلون الأمر نفسه فيما لو زنى أحد أبنائهم أو إخوانهم، وهذا يشبه فعل أهل الجاهلية حيث أباحوا لأنفسهم الزنا دون نسائهم، وهؤلاء يُلوَّث شرفهم وتظهر حميتهم إذا فعلت نساؤهم المنكر دون أن يكون عندهم حمية لدينهم فيما لو فعل أحد أبنائهم أو إخوانهم الأمر نفسه، بل قد يفتخر بعض الآباء بمنكر ولده، ويشجعه عليه.
  • أنهم فتحوا المجال أمام النساء للوقوع في الفاحشة، فسمحوا لها بالدراسة المختلطة والصحبة السيئة والمشاهدة المحرمة والمجالسة المنكرة، فأدى هذا إلى تلف قلبها وتعلقه بالفاحشة، وبعضهم لا يزوِّج ابنته أو أخته ويشترط شروطاً تعجيزية، ثم يريد هؤلاء معاقبتها وهم أولى منها بالعقوبة.
  • أنهم يقتلون لا على فاحشة الزنا بل حتى على مجرد المحادثة أو التعارف المحرم والذي ليس له حد في الشرع بالقتل.
  • أنهم يفتحون الباب لكل من أراد قتل أخته أو ابنته بهذه الحجة الفارغة، وقد يكون سبب القتل: مالها، أو أنها عرفت عنهم أشياء يرغبون بإخفائها أو ما شابه ذلك من الأسباب.
  • ونسمع بين الفينة والأخرى دعوات من الغرب الكافر أو الشرق المنحرف يدعون فيها إلى قتل كل من قتل أخته أو ابنته بسبب الشرف، وهذا الأمر بسبب أنّ كثيراً من القوانين تعفي القاتل إذا قتل أحد أهله لهذا السبب.

ونحن وإن كنا نعلم أن هذا الأمر صواب من وجوه كثيرة لكن لا ينبغي لنا أن ننخدع بهم وبدعوتهم، حيث أن المقصود بهذه الدعوات نزع الغيرة من قلوب أهل المرأة، وترك المجال للنساء بأن تعبث بهنَّ الذئاب.

وينبغي أن تتقي الحكومات ربها في المسلمين فلا تفتح لهم أبواب الفساد، فإن هذا مهلك للأمم والمجتمعات، وعليها أن تنتبه لمكائد الغرب في دعوته هذه.

– وبعدها عليها أن تعلِّم أهل النساء الأحكام الشرعية المتعلقة برؤية المنكر على أهلهم.

10.  وأما الآية التي جاءت في السؤال فهي منسوخة حكماً، وباقية تلاوة، فقد كان حكم الزانية الذي يثبت زناها بأربعة شهود أن تُحبس في البيت حتى تموت، أو ” يجعل الله لهن سبيلاً “، ثم كان الثاني فجعل الله لهن سبيلاً، فكان الحد على من ثبت زناها باعترافها أو بأربعة شهود، وهو جلد مائة للبكر، والتغريب عن بلدها إذا رأى الحاكم ذلك، والرجم للثيب.

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خذوا عني ، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر: جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب: جلد مائة والرجم”.

رواه مسلم ( 1690 ).فليس في الآية ما يدل على قتل الزانية حتى قبل أن تكون منسوخة كما هو بيِّنٌ واضح، فضلاً أن تكون كذلك بعد نسخها.

والله أعلم.

هل الصور الشخصية (الفوتوغرافية) محرمة مثل التماثيل؟

السؤال:

هل الصور الشخصية (الفوتوغرافية) محرمة مثل التماثيل؟  وكيف يمكننا التخلص من هذه التماثيل، هل يجوز لنا أن نهديها لغير المسلمين أو أن نبيعها؟

وجزاك الله خيرا.

الجواب:

الحمد لله:

أولاً:

لا شك أن هناك فرقاً بين حكم الصور الفوتوغرافية وبين حكم التماثيل، فالأولى وقع في حكمها خلاف بين العلماء وهي من الأشياء الحديثة المعاصرة، بينما نجد أن التماثيل كانت موجودةً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، بل قبل زمان نوح عليه السلام، وقد جاء الأنبياء جميعاً ليحذروا الناس منها، وحكمها واضح أنها حرام ووسيلة للشرك.

– وفي التصوير خلاف بين العلماء وهو أقسام.

– ولنقرأ ذلك في كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

قال الشيخ ابن عثيمين: وأما الصور بالطرق الحديثة فهي قسمان:

القسم الأول: لا يكون له منظر ولا مشهد ولا مظهر، كما ذكر لي عن التصوير بأشرطة الفيديو فهذا لا حكم له إطلاقا ولا يدخل في التحريم مطلقا، ولهذا إجازة أهل العلم الذين يمنعون التصوير على الآلة الفوتوغرافية على الورق وقالوا: إن هذا لا  بأس به حتى إنه قيل: هل يجوز أن تصور المحاضرات التي تلقى في المساجد؟ فكان الرأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يشوش على المصلين وربما يكون المنظر غير لائق  وما أشبه ذلك.

القسم الثاني: التصوير الثابت على الورق، وهذا إذا كان بآلة فوتوغرافية فورية فلا يدخل في التصوير ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن هذا ملعون؛ لأنه لم يصور في الواقع فإن التصوير مصدر صوَّر يصوِّر أي: جعل هذا الشيء على صورة معينة كما قال الله تعالى: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء }[ آل عمران /6 ]، وقال:{ وصوركم فأحسن صوركم  }[ التغابن / 3 ].

فالمادة تقتضي أن يكون هناك في الفعل في نفس الصورة؛ لأن ” فعل ” في اللغة العربية هذا مقتضاه، ومعلوم أن نقل الصورة بالآلة ليس على هذا الوجه وإذا كان ليس على هذا الوجه فلا نستطيع أن ندخله في اللعن ونقول إن هذا الرجل ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما يجب علينا التورع في إدخال ما ظاهر اللفظ عدم دخوله  فيه: يجب علينا  أيضا التورع في منع ما لا يتبين لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب فكما نتورع في الإيجاب: نتورع أيضا في السلب، وكذلك كما يجب أن نتورع في السلب: يجب أن نتورع في الإيجاب، فالمسألة ليست مجرد تحريم ولكن سيترتب عليها عقوبات فهل نشهد أن هذه العقوبات باللعن وشدة الظلم وما أشبه ذلك؟ لا نستطيع أن نجزم إلا بشيء واضح؛ ولهذا يفرق بين رجل أخذ الكتاب الذي خطته يدي وألقاه في الآلة الفوتغرافية وحرك الآلة فانسحبت الصورة فيقال: إن هذا الذي خرج بهذا الورق رسم الأول، ويقال: هذا خطه ويشهد الناس عليه، وبين أن آتي بخطك أقلده بيدي أرسم مثل حروفه وكلماته فأنا الآن حاولت أن أقلدك، وأن أكتب ما كتبت، وأصور ما صورت أما المسألة الأولى فليس مني فعل إطلاقا، ولهذا يمكن أن أصور في الليل ويمكن أصور إنساناً وقد أغمض عينيه، ويمكن أن يصوِّر الرجل الأعمى، فكيف نقول إن هذا الرجل مصور؟ فالذي أرى أن هذا لا يدخل تحت اللغة، ولا يكون تحت التصوير بناء على المادة التي اشتق منها            ” صور “. ولكن يبقى النظر إذا أراد الإنسان أن يصور هذا التصوير المباح، فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب القصد، فإذا قصد به شيئاً محرماً: فهو حرام، وإن قصد به شيئاً واجباً: كان واجبا، فقد يجب التصوير أحياناً خصوصا الصور المتحركة، فإذا رأينا مثلاً إنساناً متلبسا بجريمة من الجرائم التي هي من حق العباد كمحاولة أن يقتل، وما أشبه ذلك ولم نتوصل بإثباتها إلا بالتصوير: كان التصوير حينئذ واجباً، خصوصاً في المسائل التي تضبط القضية تماماً؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، إذا أجرينا هذا التصوير لإثبات شخصية الإنسان خوفاً من أن يتهم بالجريمة غيره، فهذا أيضا لا بأس به، بل هو مطلوب.      

وإذا صورنا هذه الصورة من أجل التمتع بالنظر فهذا حرام بلا شك، وكالصورة للذكرى؛ لأننا لا نقول إنها غير صورة، هي صورة لا شك، فإذا اقتناها فقد جاء الوعيد فيمن كان عنده صورة أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة. ” الشرح الممتع ” ( 2 / 197 – 200  ).

ثانياً:

وليس من وسيلة للتخلص منها إلا بتحطيمها وتكسيرها، ولا يجوز لكم بيعها ولا إهداؤها، فإن أمكن الانتفاع بها بعد تكسيرها فيجوز لك ذلك كأن تكون تلك التماثيل من خشب أو ذهب أو فضة.

عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيته.  رواه مسلم ( 969 ).

أ. ومن فتاوى اللجنة الدائمة:

لا يجوز للمسلم أن يبيع التماثيل أو يتجر فيها؛ لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من تحريم تصوير ذوات الأرواح وإقامة التماثيل لها مطلقاً والإبقاء عليها.

ولا شك أن في الاتجار فيها ترويجاً لها وإعانة على تصويرها ونصبها في البيوت والنوادي ونحوها.

وإذا كان ذلك محرماً: فالكسب من إنشائها وبيعها حرام، لا يجوز للمسلم أن يعيش منه بأكلٍ أو غيره.

وعليه إن وقع في ذلك أن يتخلص منه ويتوب إلى الله تعالى عسى أن يتوب عليه، قال تعالى:{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} – طه ( 82 ) – . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 489 ).

ب. وقال علماء اللجنة أيضاً – في حكم رجل صوَّر على ألواح صوراً فرعونية لرجال ونساء وطيور-:

– يجب عليك أن تطمس صور ذوات الأرواح  الموجودة لديك، وألا تنتفع منها بشيء.

– أما الألواح نفسها فانتفع بها بيعاً أو برسم غير ذوات الأرواح عليها، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل توبتك، وأن يخلف عليك، قال سبحانه وتعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب }، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه “.” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 4925 ) .

ومما يؤيد تحريم البيع:

أ. قوله تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه }.

وكل ما حرمه الله تعالى يحرم صنعه وبيعه واقتناؤه، وقد اتفق الفقهاء على أن صنعة التصاوير المجسدة لإنسان أو حيوان حرام على فاعلها.

ب. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام “. رواه البخاري( 2121) ومسلم ( 1581).

قال ابن القيم: وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة  متخذة للشرك على أي وجه، ومن أي نوع كانت صنماً أو وثناً أو صليباً، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك غير الله فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها. وبيعها ذريعة إلى اقتنائها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها؛ فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها. ” زاد المعاد ” ( 5 / 761 ).

ج. عن ابن عباس: قال: قال صلى الله عليه وسلم: ” إن الله إذا حرَّم أكل شيء حرَّم ثمنه”.

رواه أبو داود ( 3488 ). والحديث: صححه ابن القيم في ” زاد المعاد ” ( 5 / 746 ).

قال ابن القيم: وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله إذا حرَّم شيئاً – أو حرَّم أكل شيء – حرَّم ثمنه “، يراد به أمران:

أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملة، كالخمر، والميتة، والدم، والخنزير، وآلات الشرك: فهذه حرام كيفما اتفقت. ” زاد المعاد ” ( 5 / 762 ).

ثالثاً:

ولا فرق في حكم التحريم بين بيعها للمسلمين أو للكفار، فالحديث عام وهو يشمل كل فردٍ في الناس.

قال ابن القيم: ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه، فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما: حرم بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به: حل ثمنه.

وإذا بيع لأكله: حرم ثمنه وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء كأحمد ومالك وأتباعهما إذا بيع العنب لمن يعصره خمراً: حرم أكل ثمنه، بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما: حرم أكل ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل: فثمنه من الطيبات، وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه: حرم ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها. 

فإن قيل: فهل تجوزون للمسلم بيع الخمر والخنزير من الذمي لاعتقاد الذمي حلهما كما بيعه الدهن المتنجس إذا بين حاله لاعتقاده طهارته وحله؟

قيل: لا يجوز ذلك حرام والفرق بينهما أنّ الدهن المتنجس عين طاهرة خالطها نجاسة ويسوغ فيها النزاع، وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا ينجس إلا بالتغير وإن تغير فذهب إلى إمكان تطهيره بالغسل بخلاف العين التي حرمها الله في كل ملة وعلى لسان رسول كالميتة والدم والخنزير فإن استباحته مخالفة لما أجمعت الرسل على تحريمه وإن اعتقد الكافر حله، فهو كبيع الأصنام للمشركين، وهذا هو الذي حرمه الله ورسوله وإلا فالمسلم لا يشتري صنماً. ” زاد المعاد ” ( 5 / 762 ، 763 ).

والله أعلم.

حكم أكل لحم النعام

السؤال:

هل يجوز أن نأكل من لحم النعام؟

الجواب:

الحمد  لله:

نعم، يجوز لكم أن تأكلوا لحم ” النعام “، والله تعالى امتنَّ على عباده بأنه سخر لهم ما في السموات وما في الأرض.

وما يحل أكله من الحيوان يصعب حصره، والأصل في الجميع: الحل في الجملة إلا ما استثني، ويمكن حصر المحرمات فيما يلي:

الأول: الخنزير: فهو محرم بنص الكتاب والسنة وعليه الإجماع.

الثاني: كل ذي ناب من السباع: كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والكلب وغيرها.

الثالث: كل ذي مخلب من الطير: كالصقر، والبازي، والنسر، والعقاب، والشاهين وغيرها.

عن ابن عباس قال أن النبي عليه الصلاة والسلام ” نهى عن كل ذي ناب من السباع ، وعن كل ذي مخلب من الطير “. رواه مسلم ( 1934 ).

الرابع: الحمر الأهلية. عن علي رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة عام خيبر وعن لحوم حمر الإنسيَّة. رواه البخاري ( 5203 ) ومسلم ( 1407 ).

الخامس: ما أمر بقتله كالحية، والعقرب، والفأرة.

السادس: المستخبثات، فإن من الأصول المعتبرة في التحليل والتحريم الاستطابة، والاستخباث، ورآه الشافعي رحمه الله الأصل الأعظم والأعم، والأصل في ذلك قوله تعالى:{ ويحرم عليهم الخبائث}، وقوله تعالى: { يسألونك ماذا أُحل لهم قل أُحل لكم الطيبات}.

* وعليه: فيحل لحم النعام بلا أدنى ريب، وقد نص الفقهاء على حل النعام في مواضع، منها:

أ. الذبح، فعند ذكر ما يريح الحيوان قالوا: وأن يكون الذبح في العنق لما قصر عنقه، وفي اللبة لما طال عنقه كالإبل والنعام والإوز؛ لأنه أسهل لخروج الروح.

ب. جزاء صيد المحرم، قال الشافعي: فإذا أصاب المحرم نعامة ففيها بدنة. ” الأم “(2 /210).

ج. حل أجزائه، قال ابن حزم: ومن حلف أن لا يأكل بيضا لم يحنث إلا بأكل بيض الدجاج خاصة ولم يحنث بأكل بيض النعام وسائر الطير، ولا بيض السمك لما ذكرنا؛ وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان ” المحلى ” ( 6 / 327 ).

فائدة:

قال الفيومي: والنعامة تقع على الذكر والأنثى والجمع نعام .” المصباح المنير” ( ص 615 ).

والله أعلم.

هل يجوز إعطاء الصدقة للمتسول المشرك أو الكافر؟

السؤال:

هل يجوز إعطاء الصدقة للمتسول المشرك أو الكافر؟

الجواب:

الحمد لله:

وأما بالنسبة للصدقة على المتسول إذا كان مشركاً أو كافراً: فيقال: ليس كل متسول يستحق الصدقة، حيث وجد من لا يستحق من هؤلاء ممن يكون غنيّاً، ومنهم من جعلها مهنته وحرفته.

وأما إذا كان مستحقّاً – على غلبة الظن -: فإنه يُعطى من الصدقة ولو كان كافراً أو مشركاً، وهو قول الحنابلة والمشهور من قول الشافعية.

ومن الأدلة على الجواز:

  1.  قوله تعالى:{ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً }[ الإنسان / 8 ].

قال الإمام الطبري:{ وأسيراً } وهو الحربي من أهل دار الحرب، يؤخذ قهراً بالغلبة أو مِن أهل القبلة يؤخذ فيحبس بحق، فأثنى الله على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء تقربّاً بذلك إلى الله وطلب رضاه ورحمة منهم لهم.” تفسير الطبري ” ( 29 / 209 ).

  •  قوله تعالى:{ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}[ البقرة / 272 ].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقوله تعالى:{ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون }، فبين أن عطية مثل هؤلاء إنما يعطونها لوجه الله، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” في كل ذات كبد رطبة أجر”، فإذا أوصى أو وقف على معين، وكان كافراً، أو فاسقاً، لم يكن الكفر والفسق هو سبب الاستحقاق، ولا شرطا فيه، بل هو يستحق ما أعطاه وإن كان مسلماً عدلاً فكانت المعصية عديمة التأثير، بخلاف ما لو جعلها شرطا في ذلك على جهة الكفار والفساق، أو على الطائفة الفلانية، بشرط أن يكونوا كفاراً أو فساقاً، فهذا الذي لا ريب في بطلانه عند العلماء.” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 251 ).

وأما الصدقة الواجبة: وهي الزكاة، فإنه يُعطى الكافر إن كان ممن يُتألف قلبه للإسلام؛ استدلالاً بقوله تعالى:{ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ..}[التوبة/60].

قال ابن الجوزي: قوله تعالى { والمؤلفة قلوبهم } وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم، وكانوا ذوي شرف، وهم صنفان: مسلمون وكافرون.

فأما المسلمون، فصنفان:

– صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم كعيينة بن حصن والأقرع.

– وصنف كانت نياتهم حسنة، فأعطوا تألفا لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم.

وأما المشركون، فصنفان:

– صنف يقصدون المسلمين بالأذى فتألفهم دفعاً لأذاهم، مثل عامر بن الطفيل.

– وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا كصفوان بن أمية.

وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب ” التلقيح ” وحكمهم باق عند أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة والشافعي: حكمهم منسوخ، قال الزهري: لا أعلم شيئاً نسخ حكم المؤلفة قلوبهم.” زاد المسير ” ( 3 / 457 ).

هذا ويجب التنبه إلى أمرٍ مهم وهو أن الكافر وإن كان يجوز دفع الصدقة له  – الواجبة والمستحبة – فإنه إن كان يستخدم المال المدفوع إليه في المعاصي والفجور كشرب المسكر والزنا وما أشبه ذلك من المعاصي، أو كان عدواً محارباً يتقوى بالمال على أذية المسلمين: فهذا لا تدفع الصدقة له، بل وتحرم ولا تحل.

والله أعلم.

من أحكام الخلع في الإسلام ( زوجها يريد تركها كالمعلقة )

السؤال:

كيف يمكن أن تحصل المرأة على الخلع بدون فقدان المهر، فالزوج يريد أن يتجنب دفع المهر بادعاء تركها المنزل بإرادتها وقد أقامت المرأة دعوة في المحكمة الأمريكية، هل تساعدها المحكمة للحصول على المهر؟ وهي أيضاً تريد أن تحصل على الطلاق، هل إذا حصلت على الطلاق من المحكمة الأمريكية يكفي لأن تتزوج من آخر؟ ولأنه ليس هناك محكمة شرعية هنا كيف تحصل على طلاقها ومهرها والزوج قاس عنيد ويرفض أن يطلقها؟ إنه يريد ضررها وأن يذرها كالمعلقة نرجوا النصيحة!.

الجواب:

الحمد لله:

  1.  لا يمكن للزوجة أن تحصل على المهر إذا رغبت بالخلع من زوجها، إلا أن يهبها إياه الزوج، ويطلقها، وأما بالطلاق من قِبَل الزوج فيمكن للمرأة أن تحصل على كامل حقوقها.
  • ولا يحل للزوج أن يضيِّق على الزوجة لتخالع نفسها وتفتديها، ولا ينجيه ذلك عند الله عز وجل؛ لأن حق المرأة لا يضيع إذا تنازلت مكرهة فخالعت نفسها.

وهذا ما لم تأتِ الزوجة بفاحشة الزنا، أو أن رفضت طاعته بالمعروف، فترفض أن تخالع، فهنا يجوز له أن يضيِّق عليها، قال الله تعالى:{ ولا تعضلوهن  لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }، فهي وإن كانت مخالعة لتفتدي نفسها منه بعد أن كرهها فضيِّق عليها: فإنه لا يذهب حقها.

– والحال: أن البغض إن كان من الزوجة: فتخالع وتفتدي نفسها، ولا يحل لها أن تجبره على الطلاق، فتجمع بين أخذ حقها وكرهها المقام عند زوجها.

– وإذا كان البغض من الزوج: فلا يحل له أن يضيِّق عليها، لتفتدي نفسها فتخالع، فيجمع بين أخذ مهرها وكرهه لها.

– قال ابن كثير: وقوله:{ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } أي: تضارّوهنّ في العشرة لتترك ما أصدقتَها أو بعضَه أو حقّاً مِن حقِّها عليك، أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله:{ ولا تعضلوهن } يقول: ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي، وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحدٍ واختاره ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 466 ).

  • 3.     ولا يحل للزوج أن يعلق امرأته فلا هي زوجة له، ولا هي مطلقة، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال:{ فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } [ النساء / 129 ].

– قال القرطبي: قوله تعالى:{ فتذروها كالمعلقة } أي: لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن، وهذا تشبيه بالشيء المعلَّق من شيءٍ؛ لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل. ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 407 ).

  •  والمحاكم الأمريكية وغيرها ممن لا يحكم بشرع الله: لا عبرة بطلاقها البتة، فإن كان قد طلقها الزوج شرعاً فأثبتت المحكمة ذلك في سجلاتها وأخذت الزوجة إثباتاً في ذلك: جاز لها أن تعتد بهذا الإثبات.

– وتطليق الزوج الشرعي لا يشترط أن يكون أمام قاضٍ أو شيخٍ، فيكفي أن يطلق بلسانه ويشهد هذا الطلاق امرأته أو غيرها، أو أن يكتب ذلك على ورقة ويثبت أن هذا هو خطه.

  • 5.     فإن لم نعتدَّ بطلاق هذه المحاكم، ولم يطلقها زوجها بل تركها معلقة: فلها أن ترفع أمرها إلى من تثق بدينه وعلمه، فيأخذ دور القاضي الشرعي فيحكم بينهما بما أنزل الله، فإن ثبت ضرره لها وأبى الطلاق: فلهذا المحكَّم أن يطلقها هو من زوجها، ولها أن ترفع – بعد ذلك – قضية في المحاكم الكافرة ليطلقها القاضي غير المسلم منه، وإنما العبرة بتطليق المحكَّم المسلم لا الثاني.
  •  وإن كان من نصيحة فنوجهها أولاً إلى الزوج: أن يتقي الله تعالى في امرأته، فإما أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان، ولا يحل له أن يذرها كالمعلَّقة، ولا يحل له أن يضيِّق عليها لتتنازل له عن حقها.
  • وننصح الزوجة بأن تتقي الله تعالى وأن تحسن إلى زوجها إن كان التقصير منها، ولا يحل لها أن تضيق عليه وهي مبغضة له ليطلقها وتأخذ ما ليس لها بحق.

وننصحها أن تصبر قدر استطاعتها وأن تدعو لزوجها بالهداية والتوفيق .

والله أعلم.

طالت عدّتها إلى ثلاثة أسابيع، فهل تصوم؟

السؤال:

تستمر الدورة عادة لمدة 7 أيام ولكن في هذه الأيام تعدت 7 أيام واستمرت لمدة 3 أسابيع، هل أفطر إذا بدأ رمضان وأنا على هذه الحالة أم أصوم؟

الجواب:

الحمد لله

لا يمكن – عادةً – أن تستمر الدورة ثلاثة أسابيع، فقد تكون الدورة انتهت ودخل عليها دم الاستحاضة وأنت لا تشعرين.

فإن كان لون الدم تغير من الأسود إلى الأحمر فيكون هذا الدم دم استحاضة، لا يمنعكِ من الصوم ولا من الصلاة، وهو غير مانع من الجماع.

فإن فُرض أنه دم حيض: فالصحيح أنه لا حدَّ لأكثره ولا لأقله، فعليكِ – بعد التأكد – أن تمتنعي عن الصيام والصلاة، ويحرم على زوجك الجماع حتى تخرج القصَّة البيضاء – وهي علامة الطهر – أو ينقطع الدم انقطاعًا تامًّا، وبعدها يجب عليكِ ما على الطاهرات من الصوم ومن الصلاة، ويحل لزوجكِ الجماع.

والأيام التي لم تصوميها من رمضان: يجب عليك قضاؤها على كل حال، وليس عليكِ إعادة الصلوات إن تبين أنكِ كنتِ مستحاضة ولستِ حائضًا.

والله أعلم.

هل مضاعفة أجر الصلاة في مكة خاص بالمسجد الحرام؟

السؤال:

إذا كانت الصلاة في المسجد الحرام تعدل ( مائة ألف صلاة ) في غيره من البقاع، فهل سائر مساجد مكة كذلك؟

الجواب:

الحمد لله

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام يشمل جميع الحرم, أم هو خاص بالمسجد نفسه؟

فأجاب:

في المسألة قولان لأهل العلم، وأصحهما أن المضاعفة تعم جميع الحرم لعموم الآيات والأحاديث الدالة على أن الحرم كله يسمى المسجد الحرام، قال تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ “. [الحج / 25]، والمسجد الحرام هنا يعم جميع الحرم وفي معناها آيات أخرى.

لكن الصلاة في المسجد الذي حول الكعبة لها مزية فضل من وجوه كثيرة منها: كثرة الجمع، والقرب من الكعبة، وإجماع العلماء على مضاعفة الصلاة فيه، بخلاف المساجد الأخرى ففيها الخلاف الذي أشرنا إليه، والله ولي التوفيق[1] .

والله أعلم.


[1] ) ينظر :  مجلة الدعوة  ,  بتاريخ 2 / 5 / 1410 هـ .

ما حكم الصلاة قاعدًا مع القدرة على القيام؟

السؤال:

ما حكم الصلاة جالسًا خاصة لكبار السن في حين أنه في بعض الأحيان يكون من الممكن الصلاة واقفًا؟

الجواب:

الحمد لله

القيام في صلاة الفريضة مع القدرة ركن من الأركان، فمن تركه من غير عذر بطلت صلاته، ومن شق عليه القيام فليجلس إمامًا كان أو مأمومًا.

فإن استطاع أن يقوم بعض الوقت في الصلاة فليفعل – حتى ولو في تكبيرة الإحرام – وليجلس في الباقي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:” ما أمرتكم به من أمرٍ فأتوا منه ما استطعتم “[1]، فإذا وجد في نفسه نشاطًا أثناء الصلاة وكان قد جلس فليرجع إلى القيام؛ لأن عذره قد زال.

وأما في غير الفريضة فيجوز التطوع جالسًا, ولو من غير عذر.

والله أعلم.


[1] ) أخرجه البخاري , كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة , باب : الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم , حديث رقم (7288) , (9/94) , ومسلم , كتاب الفضائل : باب : توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله مما لا ضرورة إليه , حديث رقم (1337) , (4/1830) .

لماذا نبتدئ الصلاة بـ ” الله أكبر “؟

السؤال:

ما الحكمة من أننا نبتدئ الصلاة باسم الجلالة (الله أكبر) وليس غيره من الأسماء كالعظيم أو الرحمن؟ ولماذا نكررها في باقي أعمال الصلاة؟

الجواب:

الحمد لله

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

قوله:” الله أكبر”، لا يجزئ غيره ولو قام مقامها، كما لو قال:” الله الأجل “، أو ” الله أجل”، أو ” الله أعظم “, أو ما شابه ذلك فإنه لا يجزئ؛ لأن ألفاظ الذِّكر توقيفية، يُتوقف فيها على ما ورد به النص، ولا يجوز إبدالها بغيرها, وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام “من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد “[1].

فالواجب أن يقول:” الله أكبر”[2].

والله أعلم.


[1] ) أخرجه مسلم , كتاب الأقضية , باب : نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور , حديث رقم (1718) , (3/1343) .

[2] ) الشرح الممتع (3/ 26 – 27) .

ما حكم الصلوات الآتية: ( التسابيح، الشروق، الدعاء، الصمدية )؟

صلاة التسابيح، صلاة الشروق، صلاة الدعاء، الصلاة الصمدية؟

السؤال:

– ما حكم الصلوات التالية:

صلاة التسابيح، صلاة الشروق، صلاة الدعاء، الصلاة الصمدية؟

الرجاء شرح كيفية أداؤها إذا كانت جائزة و جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله

  1.  صلاة التسابيح:

اختلف أهل العلم في صحة حديثها، والراجح أنه غير ثابت وأنها بدعة.

  •  صلاة الشروق:

ولها شروط خاصة بها وأجر عظيم يجمعها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة “. رواه الترمذي ( 586 )، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6346).

* ونلخص شروط تحصيل أجر صلاة الشروق:

1ـ أن يصلي الفجر في جماعة، وظاهر الحديث أنه يعني في المسجد مع الإمام الراتب إذ لا جماعة متصورة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غيرها.

2ـ أن يذكر الله ما بعد الفجر حتى تشرق الشمس لا أن يجلس يتحدث في أمور الدنيا من تجارة وغيرها.

3ـ ألا يتخللها خروج من المسجد إلا لضرورة لا بد منها، كوضوء أو قضاء حاجة.

4ـ أن يصلي الركعتين المشار إليهما في الحديث.

الثواب: له  أجر حجة وعمرة غير ناقصة بل تامة تامة تامة.

  •  صلاة الدعاء:

لا نعرفها ولم نسمع بها فإن قصد السائل ” صلاة الاستخارة ” – والاستخارة: اسم، واستخار الله طلب منه الخِيَرة، والمراد: طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما -.

  • الصلاة الصمدية:

لا نعرفها ولم نسمع بها.

والله أعلم.