الرئيسية بلوق الصفحة 153

لديها أصدقاء! من الشيعة! يعتقدون بخرافة تتعلق بديوان ” حافظ الشيرازي “

لديها أصدقاء! من الشيعة! يعتقدون بخرافة تتعلق بديوان ” حافظ الشيرازي ”

السؤال:

لدي صديقان يؤمنان بالشعوذة من خلال شعر ” خواجة حافظ شيرازي ” والذي أصبح متحدًا مع الخالق! بعد أن قام باليقظة مدة أربعين يومًا وليلة بالجلوس في دائرة! وفي صباح اليوم الأربعين من يقظته ذهب لسيده وشرب كأسا من الخمر أعطاه إياه سيده وقد حضر الوعي الكوني أو الوعي الإلهي، وأصحابي يؤمنون الآن أنه بعد الدعاء لروحه والبقاء على تواصل معه فإنهم سوف يعرفون ما يحدث في المستقبل القريب، وأود أن أذكر أنهم من الشيعة، لذلك أود منكم أن تشرحوا الأمر بما يناسبهم ومعتقداتهم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الشيرازي المذكور في السؤال هو : محمد بن بهاء الدين المعروف ” حافظ الشيرازي “، وهو من أبرز شعراء الغزل في الأدب الفارسي، وهو شيعي متصوف!.

وقد ولد ” حافظ الشيرازي ” في أوائل القرن الثامن في مدينة ” شيراز “- وهي مدينة إيرانية تقع جنوب غربي جبال زاغروس، وتبعد عنها العاصمة طهران باتجاه الشمال بما يقارب ( 1500 كم ) – عام 726 هـ  تقديرًا لا جزمًا -، وتوفي ( عام 791 هـ )، ودفن في شيراز في حديقة سميت فيما بعد بـ ” الحافظية ” تكريمًا له.

وأما ما ذكرتْه الأخت السائلة عنه فقد جاء تفصيل ذلك في بعض تراجمه حيث جاء فيها:

أنه كان لحافظ الشيرازي تجربتان فاشلتان: في الشعر، وفي الحصول على معشوقته! فدفعه ذلك الفشل إلى أن يختار العزلة في شمال شيراز يعرف بضريح ” بابا كوهي “! فلزمه أربعين يومًا, حتى زعم بعدها أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أطعمه طعامًا سماويًّا! ولقَّنه أبياتًا من الشِّعر فصار شاعرًا غزليًّا! وأسلمت له معشوقته لكنه ابتعد عنها إعراضًا عن الدنيا!.

وقد وُجد في شعره من الزندقة والإلحاد ما جعل بعض العلماء يرفضون المشي في جنازته والصلاة عليه، وقد كتبت في شخصيته كتب كثيرة وشُرح ديوانه، ورَفع من شأنه بعض أئمة الكفر من أهل الأدب الغربي.

 

 

ثانيًا:

وأما قولها بأن بعض الناس يؤمنون بالشعوذة في شعر الشيرازي: فمقصودها: شعره الذي بثه في ديوانه ” الذي تُرجم إلى حوالي سبع وعشرين لغة. فيه نحو سبعمائة قطعة من الشعر، منها ما يقرب من خمسمائة مصوغة فـي هذا الضرب من الشعر الفارسي الذي يدعى بالغزل.

وقد أطلق الشاعر” عبد الرحمن جامي ” – توفي عام 898 هـ –  فـي كتابه ” نفحات الأنس ” على حافظ لقب ” لسان الغيب وترجمان الأسرار! وفسّره بأن صاحب هذا اللقب كشف عن كثير من الأسرار الغيبية والمعاني الحقيقية التي التفّت بألبسة المجاز “.

انظري مقالا بعنوان ” حافظ الشيرازي لسان الغيب وترجمان الأسرار ” للدكتور عبد الكريم اليافي، ” مجلة الآداب الأجنبية ” الصادرة عن ” اتحاد الكتاب العرب ” بدمشق، العدد ( 127 ) صيف 2006 م.

وأما الشعوذة فيه: فلها طريقتان مشتهرتان في ” إيران ” إلى الآن:

الأولى:

عن طريق شراء مغلَّف من المغلَّفات التي تباع في الشوارع والتي يحتوي كل واحد منها على مقطع من شعر حافظ مع شرح يسير، يعتقد المشتري أن ” فأله ” في هذا المغلَّف! فيعتقدون أن ما خرج لهم هو ما سيحصل معهم في حياتهم ومستقبلهم! أو يخبرهم طالعهم – زعموا – بحقيقة واقعهم أو ماضيهم.

الثانية:

أنه لا يكاد يخلو بيت إيراني من ” ديوان حافظ ” – ويسمَّى ” فال حافظ ” – فيقوم هؤلاء في الأعياد الدينية وغيرها يأخذون طالعهم من الديوان، إذ يقوم الشخص المتقدم في السن أو من عُرف عنه صفاء النية بفتح عشوائي لصفحة من ” ديوان حافظ ” ومن ثَم يقرأ الشعر الموجود بصوت مرتفع ويقوم بتفسيره مع محاولة لأخذ إشارات من الشعر بشأن نية صاحب الفال

وبعض المتدينين! يبدؤون بقراءة الفاتحة لروح حافظ، ثم يقبِّلون الديوان، ومع الدعاء يفتحون إحدى الصفحات ليروا ما يخبرهم به شاعرهم.

ومن الأقوال الشائعة ” أي حافظ، انظر إليَّ أنا طالب الأسرار وأنت كاشف الحظ، أقسم عليك بالقرآن الذي حفظته في صدرك  وبـ ” شاخ نبات “! التي عشقتَها أن تأخذ لي الطالع “.

انظري مقال ” الإيرانيون يقرؤون الفاتحة لروح الشيرازي ويستخيرون بأشعاره ” على موقع ” الجزيرة نت “، الثلاثاء، 22 / 3 / 1428 هـ ، الموافق 10 / 4 / 2007 م.

 

ثالثًا:

وأما حكم فعل هؤلاء فهو فعل الجاهليين مع الأزلام، فقد كانوا يستقسمون بالأزلام حين يريدون سفرًا أو زواجًا أو تجارة، وهو أمر نصَّ الله تعالى على تحريمه في كتابه الكريم، فقال ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) المائدة/ 3.

وحكم الاستسقام بالأزلام يجري على فعل أولئك مع المصحف الشريف ! فكيف لا يجري في ديوان شيعي صوفي؟!.

1.*  قال أبو بكر بن العربي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وأن تستقسموا بالأزلام } معناه: تطلبوا ما قسم لكم، وجعله من حظوظكم وآمالكم ومنافعكم، وهو محرم فسق ممن فعله فإنه تعرض لعلم الغيب، ولا يجوز لأحد من خلق الله أن يتعرض للغيب ولا يطلبه; فإن الله سبحانه قد رفعه بعد نبيه إلا في الرؤيا. فإن قيل: فهل يجوز طلب ذلك في المصحف؟ قلنا: لا يجوز فإنه لم يكن المصحف ليعلم به الغيب; إنما بينت آياته، ورسمت كلماته ليمنع عن الغيب; فلا تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدكم له. ” أحكام القرآن ” ( 3 / 38 ).

  1. * وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وبعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل فإذا نظر ذِكر النار قال : ” هذا فأل غير جميل “، وإذا نظر ذِكر الجنة قال: ” هذا فأل طيب “، وهذا في الحقيقة مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام.” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 115).

 

رابعًا:

وبما أن أولئك الأشخاص من ” الشيعة “: فلا خير يُرجى منهم إن علموا ضلال فعلهم مع ديوان الشيرازي؛ لأنهم على اعتقاد فاسد أصلاً ! ولعلَّ أصولهم القائمة على الإيمان بالخرافات والأساطير جعلت الطريق ممهدًا سهلًا للإيمان بما يفعله قومهم مع شعر الشيرازي.

فالواجب عليهم ترك عقيدة الرفض، والاستقامة على هدي القرآن والسنَّة، ولن يقبل الله من أحدٍ عملًا إن كان على غير ملة الإسلام، ولا إسلام إلا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وبلَّغه الصحابة الكرام عنه للناس كافة.

 

خامسًا: وننبه الأخت السائلة إلى ضرورة تجنب أولئك الأشخاص ولو بنيَّة دعوتهم؛ من جهتين:

الأولى: أنه ليس في الإسلام ” صداقات ” بين الرجال والنساء الأجنبيات عنهم، فما يوجد في الغرب من علاقات بين الجنسين باسم الصداقة ترفضه الشريعة الإسلامية، ولم يعُد خطره خافيًا على أصحاب العقول والفطَر السليمة.

* سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

ما حكم العلاقة بين الجنسين مع العلم أن النية صالحة وليست خبيثة؟!.

فأجاب:

الواجب على الرجل أن لا يلتقي مع المرأة الأجنبية عنه، ويجب عليه الحذر من أن يختلي بالمرأة ومن أي التقاء ومن أي محادثة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما )، ويقول عليه الصلاة والسلام ( وإياكم والدخول على النساء ) قيل: أفرأيت الحمو؟ قال: ( الحمو الموت )، ويقول الله تعالى لنساء نبيه: ( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ).

فالذي ينبغي: أن الرجل يأخذ بالحزم والبعد عن محادثة النساء؛ فإن المحادثات قد تؤدي إلى ما هو أشر منها؛ فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإغلاق وسائل الشر من أسباب السلامة بتوفيق الله، ومن فتح على نفسه باب شر يوشك أن يلج فيه، إلا من عصمه الله. نسأل الله العصمة والهداية. ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 60 / 113،114 ).

الثانية: خشية افتتان الأخت السائلة بأصل اعتقاد أولئك الرجال وهو ما هم عليه من ” الرفض ” أو الافتتان بالعقيدة الجديدة والتي قد أحلنا على حكم معتقدها، وقد قال حثَّ سلفنا الصالح على ضرورة الابتعاد عن الشبهات وأهلها وعللوا ذلك بأن ” الشبهات خطَّافة والقلوب ضعيفة “.

ونسأل الله تعالى أن يكتب الأجر لأختنا السائلة على حرصها على هداية الناس، وعلى غيرتها على دين الله أن تنسب إليه الشعوذات والخرافات، ونسأل الله أن يثبتها على الحق، وأن يوفقها لما فيه هدايتها ونفعها.

والله أعلم.

حقيقة المذاهب الفقهية وأصل وجودها، وهل المسلم مُلزم باتباع أحدها؟

حقيقة المذاهب الفقهية وأصل وجودها، وهل المسلم مُلزم باتباع أحدها؟

السؤال:

لقد ولدت مسلما ولدي سؤال عن الإسلام: هناك العديد من المسلمين يسألونك على أي مذهب أنت ( سني أم سلفي أم غير ذلك )، فهل عليَّ كمسلم أن أنتمي لأي من هذه المذاهب؟ إذا كنت تؤمن بالله ورسوله وتؤدي الصلوات الخمس وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت أليست هذه شروط الإسلام دون التزام بمذهب أو غير ذلك؟ وقد سمعت العديد من المسلمين يحرمون سماع أحد الخطباء لأنه لا يتبع أي مذهب.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس في تشريعات الإسلام وأحكامه ما يوجب على المسلم أن ينضم تحت مظلة مذهب من المذاهب الفقهية المتنوعة كالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرها، بل وأصحاب المذاهب نفسها لم يدْع واحدٌ منهم أحدًا ليكون تابعًا له مقلدًا لفتواه، بل وقد صح عنهم كلمات رائعات في التحذير من تقليدهم وصح عنهم الوصية بالأخذ من كتاب الله تعالى ومن سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن تعلم أن الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم ليس يُعرف في زمانهم مثل هذا التمذهب، ولا التابعون، ولا أتباعهم، وهذه هي خير القرون، بل وأصحاب المذاهب أنفسهم لم يكونوا متمذهبين! وإلا فما هو مذهب الشافعي نفسه ؟ وما هو مذهب مالك نفسه ؟ لقد كان مذهبهم اتباع نصوص الوحي والتفقه في فهمها وفق ما وقفوا عليه من أقوال الصحابة والتابعين ووفق ما رزقهم الله من بصيرة ودراية، وهو ما يُمكن أن يُطلق عليه ” مذهب أهل الحديث ” وعليه أمثال البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وألوف مثلهم.

ومن حكمة الله تعالى أنه أراد رفع شأن طائفة من أولئك الأئمة – وهم الأئمة الأربعة – وأن يجعل لهم ذِكرًا حسنًا بين النَّاس فسخَّر لهم تلامذة يأخذون عنهم علمهم ويدونونه وينشرونه، وجاء بعدهم من أتباعهم أئمة فقه وحديث فصارت هذه المذاهب مدارس فقهية لها حضورها في حياة الناس، وانتشرت بحسب قوة وكثرة وشهرة أتباع كل مدرسة، وبحسب تبني الحكَّام لأحد تلك المذاهب.

وهذا كله لم يغيِّر من الحكم الشرعي الأصيل وهو أن المُسلم لا يُلزم باتباع مذهب من المذاهب الفقهية السابقة ولا غيرها، ولا مانع من دراسة الفقه وفق منهج أحدها لكن لا يحل لمن عرف أن الحق مع غير صاحب المذهب أن يبقى على الخطأ بل يجب عليه اتباع الصواب، ولذا فقد انتشرت الآن – بفضل الله – مدرسة ” الفقه المقارن ” فصارت تُعرض المسألة على الطلاب بأدلتها وأقوال العلماء ثم تناقش تلك الأدلة والأقوال ويرجَّح في نهاية المطاف بينها حتى يُعلم القوي منها من الضعيف، والصواب منها من الخطأ، وعلى هذا المنهج تسير الجامعات وتُكتب المؤلفات، وعليه يسير فقهاء العالَم وعلماؤه في مؤتمراتهم ومجالسهم الفقهية ولجان الفتوى في غالب بلدان العالَم.

وبما ذكرناه يتبين لك أصل وجود المذاهب، وحقيقتها، وأنك غير ملزم باتباع أحدها، وفي الوقت نفسه فإن غالب المسلمين لا يستطيعون الأخذ مباشرة من الكتاب والسنَّة فيحتاجون لعلماء يسألونهم ويستفتونهم، وهذا المسلم غير ملزم بسؤال عالِم معيَّن، بل له أن يسأل كلَّ من يظن فيه خيرًا من حيث علمه ودينه، وقد يتنوع الأخذ عن أولئك بحسب المتيسر مشافهة، وقراءة, وسماعًا، ومشاهَدة، والأمر واسع غير مضيَّق على أحد بفضل الله.

وبه يتبين أن القائل بعدم حضور الجمعة عند المتبعين للنصوص والآخذين من الأئمة جميعهم ما يرونه صواباً موافقاً للكتاب والسنَّة: خطأ في القول وخطأ في الحكم، وهذا تفريق بين المسلمين ليس له وجه في شرع الله تعالى، فعلى قائل ذاك القول التوبة والكف عن القول على الشرع بما ليس بحق، والكف عن زرع الفُرقة بين المسلمين، وخاصة إن كانوا في بلاد الغُربة، وبالأخص إن كانوا في بلاد الكفر.

ثانيًا:

ولا بدَّ من التنبيه على أننا نعني بما سبق المذاهب الفقهية المتعلق أمرها بمسائل الفقه، ولسنا نعني به المذاهب الاعتقادية كالشيعة والأشاعرة وغيرهما من المذاهب العقائدية المخالفة لاعتقاد الصحابة والتابعين واعتقاد أئمة الفقه والحديث، وهم بالضرورة مخالفون للكتاب والسنَّة، فهنا لا خيار للمسلم ليتبع ما يشاء بل هو مُلزم باعتقاد السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم؛ إذ لا خير في اتباع غيرهم، بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بضلال كل فرقة ومذهب وطائفة خالفت ما عليه أولئك الصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان.

ثالثًا:

وقد احتمل سؤال السائل في نظرنا الاختلاف الفقهي والعقائدي – والأول أقرب لمراده -، وقد سبق منا بيان الشأن فيهما بما يتناسب مع طبيعة أجوبة الموقع.

 

والله أعلم.

درجة حديث ( ثَلاَثٌ مِنَ العَجْزِ – أو الجفاء – فِي الرَّجُلِ ) وبيان صحة معناه

درجة حديث ( ثَلاَثٌ مِنَ العَجْزِ – أو الجفاء – فِي الرَّجُلِ ) وبيان صحة معناه

السؤال:

ما صحة حديث ( ثَلاَثٌ مِنَ العَجْزِ فِي الرَّجُلِ: أَنْ يَلْقَى مَنْ يُحِبُّ مَعْرِفَتَهُ فَيُفَارِقَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَالثَّانِي: أَنْ يُكْرِمَهُ أَحَدٌ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ كَرَامَتَهُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقَارِبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ فَيُصِيبَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَهَا وَيُؤَانِسَهَا، وَيُضَاجِعَهَا فَيَقْضِي حَاجَتَهُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِي حَاجَتَهَا مِنْهُ ) رواه الديلمي في ” مسند الفردوس “؟ وإن كان ضعيفًا هل من معناه صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث المذكور في السؤال له ألفاظ متقاربة، وهو حديث ضعيف جدًّا، لا يصح بوجه من الوجوه، وقد جاء مختصرًا ومطوَّلًا.

أما المختصر فهو بلفظ:

( لا يَقَعَنَّ أحدُكم على امرأتِه كما تَقَعُ البَهيمةُ وليكنْ بينهما رسولٌ ) قيل: وما الرسولُ؟ قال: ( القُبْلةُ والكَلامُ ).

* قال الحافظ العراقي – رحمه الله -:

( رواه ) أبو منصور الديلمي في ” مسند الفردوس ” من حديث أنس، وهو منكر. ” إحياء علوم الدين، ومعه تخريج الحافظ العراقي ” ( 2 / 50 ).

وأما المطوَّل: فله ألفاظ منها ما جاء في السؤال، ومنها:

عن أنس قال: قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ثَلاثةٌ مِن الجَفَا: أنْ يُؤاخِي الرَّجلُ الرَّجلَ فَلا يَعرِف له اسْمًا وَلاَ كُنْية، وَأن يُهيِّئ الرجلُ لأخيهِ طَعاماً فَلاَ يُجِيبه، وأن يَكونَ بَيْن الرجُلِ وَأهلِه وِقاعٌ مِن غَير أن يُرسِلَ رسُولًا: المِزاحُ والقُبَل؛ لا يَقَع أحدُكم على أَهلِهِ مِثلَ البَهِيمة على البهيمةِ ). وضعفه الشيخ الألباني في ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 179 حديث رقم 6075 ).

 

ثانيًا:

– وأما ما احتواه النص من معاني فهي معانٍ صحيحة في الجملة:

أما الجملة الأولى: فلم يصح فيها شيء مرفوع، لكن صحَّ ذلك عن بعض التابعين، وهو معنى صحيح لا يحتاج مثله لحديث مرفوع.

وأشهر ما ورد في المسألة من الأحاديث المرفوعة حديثان:

  1. حديث ابن عمر ( إِذا آخَيْتَ رَجُلًا فَسَلْهُ عَنِ اسْمِهِ واسْمِ أبيهِ فإنْ كانَ غَائِباً حَفِظْتَهُ وإنْ كانَ مَرِيضاً عُدْتَهُ وإِنْ ماتَ شَهِدْتَهُ ). وهو حديث ضعيف جدًّا كما نبَّه عليه الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 1725 ).
  2. عَنْ يَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ الضَّبِّيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنْ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ ). رواه الترمذي (2392 ) وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا نَعْرِفُ لِيَزِيدَ بْنِ نَعَامَةَ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ. انتهى.

وقد صححه البوصيري عن يزيد بن نعامة من كلامه فقال – رحمه الله -:

رواه أبو بكر بن أبي شيبة مرسلًا بسند صحيح.

” إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ” ( 5 / 497 ).

والأخوة المرادة هنا هي الأخوَّة الخاصَّة، وقد جاء في بعض ألفاظه ” إذا أحبَّ ” كما رواه كذلك الإمام هنَّاد بن السري في ” الزهد ” ( 1 / 275 ).

 

ثالثًا:

وأما الجملة الثانية: وهي ( أَنْ يُكْرِمَهُ أَحَدٌ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ كَرَامَتَهُ ): فمعناها – كما جاء في بعض ألفاظ الأثر – أن يهيِّئ الرجل لأخيه طعاماً فلا يجيبه، وهذا مما يوقع الوحشة بين الأخوين، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ من كان صائمًا تطوعًا أن يُفطر ويأكل من طعام أخيه؛ تأليفًا للقلوب وإزالة للوحشة بينهما.

عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِي أَنَّهُ قَالَ: صَنَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا فَأَتَانِي هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمَّا وُضِعَ الطَّعَامُ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ” إِنِّي صَائِمٌ ” فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ ) ثُمَّ قَالَ لَهُ ( أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ يَوْمًا إِنْ شِئْتَ ). رواه البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 4 / 279 ) وحسَّنه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 4 / 210 )، والألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 / 11 ).

 

رابعًا:

وأما الجملة الثالثة: وهي: ” أَنْ يُقَارِبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ فَيُصِيبَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَهَا وَيُؤَانِسَهَا، وَيُضَاجِعَهَا فَيَقْضِي حَاجَتَهُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِي حَاجَتَهَا مِنْهُ “: فهي صحيحة المعنى وقد ذكر العلماء أن من آداب الجماع أن يسبقه الزوج بالكلام والتقبيل وأن لا يباشر بالجماع دونهما، كما نبَّهوا على حق المرأة في الاستمتاع بزوجها، فلا ينبغي له إذا أولج فأنزل أن يقوم عنها حتى يعلم أنها قضت حاجتها منه.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وممَّا ينبغي تقديُمُه على الجِماع: ملاعبةُ المرأة، وتقبيلُها، ومصُّ لِسانها، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلاعبُ أهله، ويُقَبلُها. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 253 ).

* وقال الغزالي – رحمه الله -:

ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضاً نَهْمتها؛ فإن إنزالها ربما يتأخر فتَهيجُ شهوتُها، ثم القعود عنها إيذاءٌ لها، والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقاً إلى الإنزال، والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها، ولا يشتغل الرجل بنفسه عنها فإنها ربما تستحي. ” إحياء علوم الدين ” ( 2 / 50 ).

فتبين مما سبق أن الحديث الوارد نصُّه في السؤال لا يصح من حيث إسناده، ويصح من حيث معانيه التي اشتمل عليها.

 

والله أعلم.

ما الباقيات الصالحات؟ وهل صحيح أنها لا تزول بالمقاصة يوم القيامة؟

ما الباقيات الصالحات؟ وهل صحيح أنها لا تزول بالمقاصة يوم القيامة؟

السؤال:

أرجو من فضيلتكم بيان المراد بـ ” الباقيات الصالحات ” حيث أنه من المعلوم عند الحساب يوم القيامة وعند القصاص بين العباد فإنه يؤخذ من حسنات الظالم وتُعطى للمظلوم، فإن فنيت يؤخذ من سيئات المظلوم وتطرح على الظالم.

السؤال هنا: هل الباقيات الصالحات من جملة الحسنات اللاتي ممكن أن تؤخذ من الظالم لتعطى للمظلوم؟ أم أنها باقية لذلك فهي سمِّيت بالباقيات الصالحات؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء رحمهم الله في المراد بـ ” الباقيات الصالحات ” في قوله تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ) الكهف/ 46، وفي قوله تعالى ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ) مريم/ 76، فقال بعضهم: إنها قول ” سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر “، وقال آخرون: إنها جميع أعمال الخير، وهو ما رجحه من المتقدمين: الإمام الطبري، ومن المتأخرين: الشيخ الشنقيطي رحمهما الله.

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: هنّ جميع أعمال الخير، كالذي رُوي عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة، وعليها يجازى ويُثاب، وإن الله عزّ ذكره لم يخصص من قوله (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا ) بعضًا دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ” تفسير الطبري ” ( 18 / 35 ، 36 ).

وانظر كلام الشيخ الشنقيطي في جواب السؤال رقم ( 22241 ).

ومما يدل على أن عموم الأقوال والأعمال الصالحة هو الصواب في معنى “الباقيات “: ما رواه الترمذي – ( 2470 ) وصححه – عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتصدقوا بها إلا كتفها، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ ) قَالَتْ: عائشة: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا، قَالَ: ( بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا ).

 

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

أي: ما تصدقتَ به: فهو باق، وما بقي عندك: فهو غير باق، إشارة إلى قوله تعالى ( مَا عِنْدَكم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ ) النحل/ 96. ” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 142 ).

 

ثانيًا:

وأيّاً كان المراد من اللفظة فإنه لا يرد الإشكال الذي ذكره الأخ السائل من كون أجور هذه الأقوال أو الأعمال تنتقل بالمقاصة يوم القيامة؛ لأن المراد بقوله تعالى ” الباقيات” لا التي لا تزول مهما جاء به المسلم المكلف بدليل الاتفاق على زوالها بالردة، وإنما يعني بالباقيات مقارنة بما سبق ذِكره من أمور الدنيا الفانيات كالمال والبنين.

* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

فقدم ( الباقيات ) للتنبيه على أن ما ذكر قبله إنما كان مفصولا لأنه ليس بباققٍ، وهو المال والبنون، كقوله تعالى: ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) الرعد/ 26، فكان هذا التقديم قاضيًا لحق الإيجاز لإغنائه عن كلام محذوف، تقديره : أن ذلك زائل أو ما هو بباق والباقيات من الصالحات خير منه، فكان قوله ( فأصبح هشيماً تذروه الرياح ) الكهف/ 45 مفيدًا للزوال بطريقة التمثيل وهو من دلالة التضمن، وكان قوله: (والباقيات ) مفيدًا زوال غيرها بطريقة الالتزام، فحصل دلالتان غير مطابقتين وهما أوقع في صناعة البلاغة، وحصل بثانيتهما تأكيد لمفاد الأولى فجاء كلامًا مؤكدًا موجزًا .

ونظير هذه الآية آية سورة مريم قوله: ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردًا) مريم/ 76 فإنه وقع إثر قوله ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًّا. وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثًا ورئيًا ) مريم/ 73 ، 74 الآية   ” التحرير والتنوير ” ( 15 / 333 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي- رحمه الله -:

وتأمل كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ذكر أن الذي فيها نوعان: نوع من زينتها يتمتع به قليلًا ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما لحقته مضرته وهو المال والبنون، ونوع يبقى وينفع صاحبه على الدوام، وهي الباقيات الصالحات.  ” تفسير السعدي ” ( ص 479 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ) أي: الأعمال الباقية، التي لا تنقطع إذا انقطع غيرها، ولا تضمحل، هي الصالحات منها، من صلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وقراءة وتسبيح وتكبير وتحميد وتهليل وإحسان إلى المخلوقين وأعمال قلبية وبدنية، فهذه الأعمال ( خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْر مَرَدًّا ) أي: خير عند الله ثوابها وأجرها، وكثير للعاملين نفعها وردها، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه؛ فإنه ما ثَمَّ غير الباقيات الصالحات عمل ينفع، ولا يبقى لصاحبه ثوابه ولا ينجع.

ومناسبة ذِكر الباقيات الصالحات – والله أعلم -: أنه لما ذكر أن الظالمين جعلوا أحوال الدنيا من المال والولد وحسن المقام ونحو ذلك علامة لحسن حال صاحبها: أخبر هنا أن الأمر ليس كما زعموا، بل العمل الذي هو عنوان السعادة ومنشور الفلاح: هو العمل بما يحبه الله ويرضاه.  ” تفسير السعدي ” ( ص 499 ).

ففي الآيتين الحث على القيام بالأعمال والأقوال التي لا تفنى بموت المسلم بل تبقى له وتكتب له في صحائفه، وتوضع له في ميزانه، ويرى أثرها في قبره وحشره وجنته، ولكن هذا لا يعني أنها لا تؤخذ منه أجورها إذا جاء يوم القيامة بمظلمة لأحد من المسلمين ولم يتب منها في دنياه ولم يعف عنه ربه تعالى، بل كل ما جاء به من أعمال جليلة في الإسلام كالصلاة والصيام والصدقة قابل للأخذ من أجوره لتُعطى لصاحب المظلمة، وهذا هو المفلس على الحقيقة، وقد جاء في السنَّة النبوية الصحيحة ما يحذِّر المسلم صراحة من هذا الإفلاس يوم القيامة.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ ؟ ) قَالُوا: المُفلِسُ فِينَا مَن لاَ درْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ ( إِنَّ المُفْلِسَ منْ أُمَّتِي يَأتِي يَوْمَ القِيَامَة بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاة وَيَأتي قَد شَتَمَ هَذَا وَقَذَف هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دمَ هًذَا وضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذا مِنْ حَسَنَاتهِ وَهَذا مِنْ حَسَنَاتهِ فَإِنْ فَنيَت حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحًتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّاَرِ ). رواه مسلم ( 2581 ).

فالحديث نصٌّ في المسألة، ومهما قيل في معنى الباقيات الصالحات فإنها قابلة لأخذ أجورها منه إن جاء بمظلمة لأحد، ولذلك جاء التحذير من النبي صلى الله عليه وسلم لكل ظالم أن يتحلل من مظلمته في الدنيا قبل أن يأتي يوم القيامة والذي ليس فيه مجال للتحلل بل هي الحسنات تؤخذ منه وتُعطى لصاحب المظلمة وهي السيئات تؤخذ من ذاك وتلقى على الظالم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ). رواه البخاري ( 6169 ).

 

 

 

وأمر آخر:

أنه حتى لو تكن ثمة مقاصة بين صاحب الباقيات الصالحات وصاحب المظلمة: فإنه قد تحبط هذه الحسنات في الميزان إذا غلبت سيئاته.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –  

عن رجل مسلم يعمل عملًا يستوجب أن يُبنى له قصر في الجنة ويغرس له غراس باسمه، ثم يعمل ذنوبًا يستوجب بها النار فإذا دخل النار كيف يكون اسمه أنه في الجنة وهو في النار؟.

فأجاب  

إن تاب عن ذنوبه توبة نصوحًا: فإن الله يغفر له، ولا يحرمه ما كان وَعَده، بل يعطيه ذلك، وإن لم يتب : وُزنت حسناتُه وسيئاتُه : فإن رجحت حسناته على سيئاته: كان من أهل الثواب، وإن رجحت سيئاته على حسناته : كان من أهل العذاب، وما أعد له من الثواب: يحبط حينئذ بالسيئات التي زادت على حسناته، كما أنه إذا عمل سيئات استحق بها النار ثم عمل بعدها حسنات : تذهب السيئات، والله أعلم . ” مجموع الفتاوى ” (4/308 ).

وهذه الفتوى من شيخ الإسلام تشمل من جاء بالباقيات على المعنى الآخر المرجوح؛ لأنه قد صحت الأحاديث أنه تُغرس نخلة في الجنة لمن قال ” سبحان الله ” و ” الحمد لله ” و ” لا إله إلا الله ” و ” الله أكبر ” وهي الباقيات على القول الآخر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَغْرِسُ غَرْسًا فَقَالَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا الَّذِي تَغْرِسُ ) قُلْتُ: غِرَاسًا لِي، قَالَ ( أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى غِرَاسٍ خَيْرٍ لَكَ مِنْ هَذَا ) قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ ( قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ يُغْرَسْ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ ). رواه ابن ماجه ( 3807 ) وحسنه البوصيري وصححه الألباني في ” صحيح الجامع “.

فعُلم من كل ما سبق: أنه لا يعني مجيء المسلم بالباقيات أنها لا تقبل الزوال والانتقال، بل إنها تزول بالردة، والمقاصة، وغلبة السيئات على الحسنات، وإنما يعني بالباقيات ما يقابل الفانيات من متاع الدنيا وزينتها، وهذا شأن الأعمال الصالحة كلها، وقد ثبت النصوص الصحيحة بتعرض أجور تلك الأعمال للحبوط والانتقال، فوجب على المسلم أن يُعنى بالإكثار من الأعمال الصالحة، وأن يتجنب أن يجيء يوم القيامة بما يعرِّض أجور تلك الأعمال للحبوط والانتقال، وليحافظ على أعماله أن تحبط أو تنتقل.

 

والله أعلم.

يشكو تغير حاله إلى الأسوأ فما عاد يستفيد من عالِم ولا يتأثر بموعظة!

يشكو تغير حاله إلى الأسوأ فما عاد يستفيد من عالِم ولا يتأثر بموعظة!

السؤال:

بدأت في طلب العلم عن طريق المحاضرات المسجلة لأهل العلم الكبار، ولكن الآن عند سماعي وعظ الخطيب أو محاضرة لأحد الدعاة ممن هم دون كبار العلماء لا يقرع أذني ولا أقف إلا على أخطائهم فأكاد لا أستفيد بكلمة منهم ولا أتأثر بموعظة ولو شئت لقلت يضيق صدري، وهذا له أثر سيء على نفسي، فقد كان وعظ هؤلاء مما يرقق القلب، حتى مع رفقائي في العمل أصبحت أملُّ حديثهم الذي لا فائدة منه، وكنت عندما أنظر في تراجم أهل العلم أنتشي ويكتنفني السرور وأحب أن  أقلدهم، أما الآن فعند النظر في تراجم العلماء أول ما أشعر به الأسف على نفسي ويركبني الهم فأغلق الكتاب حيث لا أرى نفسي قادراً على مجاراة القوم لا في العلم ولا في العبادة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم – حفظك ربي ورعاك – أن الاعتراف بالتقصير والبحث عما يصلح الحال يعني ذلك أن في القلب خيرًا يجب أن يقوَّى، وأن في النفس طُهراً يجب أن ينمَّى، واللهَ نسأل أن يصلح حالك ويجعلك خيراً مما كنت عليه، لكن يحتاج الأمر منك للبدء بمعالجة نفسك، والأخذ بها لطريق الهدى، وتجنيبها طريق الضلال والتقصير والخطأ.

 

ثانيًا:

واعلم – أخي الفاضل – أن ما تعاني منه سببه ” قسوة القلب “، ولو تأملت حالك لعلمتَ أننا أصبنا في ذِكر السبب، ولم تكن هذه القسوة إلا عقوبة على ما فعلتَه، فالأمر يسير – إن شاء الله – وهو أنك تضع يدك على الجرح لتعالجه، وإنه لو صاحب ذلك شيء من التوجع فإنه لمصلحتك، ومن ثم تبدأ بعلاج تلك الجروح وتداوي تلك القروح.

ومن أسباب قسوة القلوب – عادة -:

  1. الذنوب والمعاصي.

وهذا أمرٌ لا يُنكَر، وكل مسلم يشعر بأن إيمانه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وكل مسلم يعلم أنه كلما ازدادت معاصيه وذنوبه أثَّر ذلك سلبا على هدايته وإيمانه وسعادته.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). رواه الترمذي ( 3334 ) وقال: حسن صحيح ، وابن ماجه ( 4244 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

عن مجاهد في قوله ( بل ران على قلوبهم ) قال: ثبتت على قلوبهم الخطايا حتى غمرتها. انتهى.

والران، والرين: الغشاوة، وهو كالصدى على الشيء الصقيل…. .

– عن مجاهد قال: كانوا يرون الريْن هو الطبع. ” فتح الباري ” ( 8 / 696 ).

  1. أكل الحرام.

سواء كان ذلك بأخذ الربا من البنوك، أو العمل في مجالات محرَّمة، أو الاستيلاء على أموال غيره بالسرقة أو الاحتيال، أو يكون ذلك بأكل الطعام المحرَّم كالذبائح التي لم تُذبح وفق الشريعة الإسلامية، أو بشرب الخمر، أو أكل الخنزير، وغير ذلك.

  1. ترك الطاعات.

وأعظم الطاعات الواجبات، وأعظم الواجبات الصلاة، سواء تركها بالكلية أم تركها مصليّاً لها في جماعة في المسجد، فكل ذلك يؤثِّر في القلب فيقسيه، وقل مثل ذلك في ترك بر الوالدين، وترك صلة الرحم، وغير ذلك مما يعرفه المسلم العاصي من نفسه.

  1. الطعن في العلماء ولمزهم.

ومن أنفس ما يُستدل به على ذلك ما قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله: ” اعلم يا أخي – وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب: بلاه الله قبل موته بموت القلب “.

وهي كلمة كافية لبيان المراد من ذكر هذا السبب، وقد بلونا كثيرين ممن أطلقوا ألسنتهم بالطعن في علماء الأمَّة وقد أصبح حال هؤلاء الطاعنين يُرثى له، وما ذلك إلا بسبب أنهم كذبوا في قولهم عليهم، وافتروا في ادعاءاتهم نحوهم.

ولعلَّ الأسباب أكثر من ذلك – بل هو كذلك – وإنما قصدنا ذِكر أشهر تلك الأسباب وخاصة فيما يتعلق بما كان منك، سواء بسبب ما ذكرته من حالك الذي وصلت له، أو بسبب ما رأيناه ممن يعيش – مثلك – في بلاد الكفر.

لذا نرى أن تبحث عن أسباب تلك القسوة وأن تبدأ بعلاجها رويدًا فرويدًا، ولا تيأس من رحمة الله,  فإن جاهدت نفسك لتصل بقلبك ونفسك إلى بر الأمان فستجد الله تعالى معك يسددك ويوفقك بحسب نيتك وسعيك في إصلاح نفسك، فلا تكونن من اليائسين القانطين.

 

ثالثًا:

نرجو منك أن تعيد الحياة السابقة لك – بعد البدء بعلاج نفسك – وترجع لتستمع أشرطة العلماء ما يتعلق منها بالعلم أو المواعظ، وفي اعتقادنا أنك ستجد تغيُّرا ملحوظًا، على أننا نوصيك أن تستمع للأقوياء من أهل العلم والواعظين؛ وذلك لتجنب ما سبق منك في البحث عن أخطاء لهم، وليس معنى هذا أنهم معصومون بل من شأن الاستماع للأقوياء من العلماء أن لا يكون للشيطان عليك سبيل لتبحث عندهم عن خطأ أو زلل، ومثله يقال في الأقوياء المتحرين في مواعظهم، وهم – بفضل الله -كُثر.

ونوصيك بترك صحبة السوء التي صدتك عن الخير الذي كنتَ عليه، وأن تكثر من الجلوس مع الصحبة الصالحة وأن تحسن اختيارها، فالجليس الصالح كحامل المسك إن لم يُعطيك من الطيب أو تشتري منه فلن تجد منه إلا الريح الطيبة، وجليس السوء كنافخ الكير إن لم يحرق ثيابك فلن تجد منه إلا الريح الخبيثة وقد يجتمع عليك منه الأمران، وكم شاهدنا من جليسي السوء من كان سبباً في منع الخير عن كثيرين بالتحذير من أهل العلم والبحث عن زلات مفتراة وتحميل كلامهم ما لا يحتمل حتى ترك ذلك الكثير أولئك العلماء وانشغل بالردود وترك العبادة والعلم فقسى قلبه، فاحذر من أولئك النفَر أشد الحذر، واستقم على أمر الله تعالى مع صحبة طيبة – ولو قليلة – يأخذون بيدك لبر الأمان ويعينونك على الاستقامة والهداية.

ومما نوصيك به أن تحرص على الخروج من تلك الديار الكافرة؛ فإن العيش فيها من أعظم أسباب قسوة القلوب؛ لكثرة ما يرى المسلم فيها من الكفر والانحلال والضلال، ولقلة – أو انعدام – ما يرى ويسمع فيها ما يعينه على الهدى والرشاد.

 

رابعًا:

واعلم أخي – بارك الله فيكَ – أن من دواعي الاقتداء بالعلماء في هممهم وأخلاقهم وعبادتهم: النظر في سِيَرهم حتى يورث ذلك رصيدا لطالبِ العلمِ من اجتهادٍ وعزمٍ .

* قال الإمام أبو حنيفة – رحمه الله -: ” الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم “.

* وقال ابن الجوزي – رحمه الله -: ” فالله الله، عليكم بملاحظة سِيَر السلف، ومطالعة تصانيفهم، وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم “.

وقال: ” وليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد. ” صيد الخاطر ” ( ص 440 ).

أما التحبط والتندم بعدم الوصول إلى مرتبتهم: فهذا من الوساوس الشيطانية التي تطرأ على طالبِ العلمِ, ومن الأشياء المستدعية للتعوّق عن الطلب والفتور, فحقيقة العلم هو العمل بالعلمِ والانتفاعِ من غيرِك، وأن تكون مثل أولئك العلماء بالتمام والكمال من المستحيلات، فعليك بالممكن المستطاع، وتشبَّه بهم إن لم تكن مثلهم، وخذ شيئًا من كل واحد منهم يجتمع عند وفيك خير كثير عميم.

وإذا عرفتَ أنَّ رب العزة قصَّ لنا في كتابه القصص للاعتبار والاتعاظ والاقتداء كما قال ( لقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) يوسف/ 111: علمتَ أن تغير الحال بالقصص أمرٌ ممكن مقدور عليه إن جدَّ بذلك الطالب واستفاد حق الفائدة، ولذلك ذكرَ العلماء أن من أسباب ضعف الهمة في الطلب: عدم القراءة في سيرِ الرجال وأحوالهم, فإذا كان ذلك كذلكَ وضعفت همتك وعزفتَ عن القراءة في سيَرهم: كان هذا داء من الشيطان.

واستمع لقوله تعالى ( وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ) هود/ 120 يتبين لك أنَّ أخبار العلماء العاملين والنبهاءِ الصالحين من خَير الوسائل التي تَغرِس في النفوس الفضائل، بل تَبعثها إلى التأسِّي بذوي التضحيات والعزمات لِتَسْمُوَ إلى أعلى الدرجاتِ، وأشرف المقامات.

فعليكَ أخي بالاستعاذة من الكسلِ والعجزِ، وعليك بمداومة الدعاء، واختر وقت نزول الرب تعالى وهو الثلث الأخير من الليل واجعل دعاءك في سجودك، ادع الله تعالى أن يهديك ويوفقك ويسددك ويرقق قلبك ويشرح صدرك، ادعه بصدق وإخلاص، ابكِ على حالك وتذلل له أن يغيِّر حالك إلى أحسن مما كان، وأبشر بما يسرك إن شاء الله، فالكريم لا يرد أحداً صادقاً عن بابه، وقلوب عباده كلها بين أصابعه يقلبها كيف يشاء، فعسى أن نجد منك مبادرة سريعة لهذا وعسى أن تبشرنا قريبًا بأنك في أحسن حال.

 

والله الموفق لا ربَّ سواه.

هل يجوز قول رجل لامرأة أجنبية عنه “أحبكِ في الله” وقول امرأة لرجل أجنبي عنها مثل ذلك؟

هل يجوز قول رجل لامرأة أجنبية عنه “أحبكِ في الله” وقول امرأة لرجل أجنبي عنها مثل ذلك؟

السؤال:

أود أن أسأل: في الحديث الصحيح أن رجلًا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ به رجل فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أعلمتَه؟ ) قال: لا، قال: ( أعلمه ) قال: فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له.

سؤالي: هل بالإمكان أن أقول لامرأة مسلمة: أحبكِ في الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(أَعْلَمْتَهُ؟) قَالَ: لَا. قَالَ ( أَعْلِمْهُ ) قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. رواه أبو داود ( 5125 )، وصححه النووي في ” رياض الصالحين “، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
  2. وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ ). رواه الترمذي ( 2392 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

ثانيًا:

ولتفصيل المسألة الواردة في سؤال الأخ الفاضل لا بدَّ من تقسيمها إلى قسمين اثنين:

الأول منهما: هل تشمل النصوص الواردة في ثواب المتحابين في الله وما أعدَّ الله تعالى لهم من الأجور ما لو كان الحب فيه تعالى بين الرجال والنساء؟ والجواب: أن ظاهر النصوص لا يمنع من هذا، وأن المتحابين في الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأنهم يثابون على حبهم ذاك بما جاء في النصوص من ثواب الحب فيه تعالى.

والقسم الثاني: هل يصح أن تجهر المرأة بتلك الكلمة لرجل أجنبي عنها أو العكس؟ والجواب: أن وجود المحبة في الله بين الرجل والمرأة لا يلزم منه إخبار كل طرف بتلك المحبة للطرف الآخر، وأن الثواب الحاصل لهم في الآخرة هو على وجود المحبة في القلب لا على الجهر بقولها في الدنيا.

وأما حكم البوح والجهر بتلك الكلمة من الرجل للمرأة الأجنبية عنه – والعكس – ففيه قولان:

الأول: جعل ذلك ممنوعاً بين رجل وامرأة أجنبية عنه، وحصره بزوجته ومحارمه، والمرأة كذلك تقول الكلمة لبنات جنسها ولمحارمها.

* قال المنَّاوي – رحمه الله -:

( إذا أحب أحدكم عبدًا ) أي: إنسانًا… فالمراد: شخص من المسلمين قريب أو غيره، ذكرًا أو أنثى، لكن يظهر تقييده فيها بما إذا كانت حليلته أو محرَمه.

” فيض القدير ” ( 1 / 319 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

ظاهر الحديث لا يتناول النساء، فإن اللفظ ( أحد ) بمعنى واحد، وإذا أريد المؤنث إنما يقال ” إحدى ” لكنه يشمل الإناث على التغليب، وهو مجاز معروف مألوف، وإنما خص الرجال لوقوع الخطاب لهم غالبًا، وحينئذ إذا أحبت المرأة أخرى لله: ندب إعلامها. ” فيض القدير ” ( 1 / 318 ).

الثاني: جوازه بشرط أمن الفتنة بينهما – وهو الأرجح -، وله صور:

لأولى: قول تلك الكلمة من امرأة مجهولة العين لشيخ أو طالب علم معروف العين؛ لأن الفتنة مأمونة لجهالتها، ولا ينطبق هذا على المرأة التي تتصل بشيخ من هاتف يظهر رقمه، أو ترسل رسالة ببريد عليه عنوانها، أو ترسلها من جوالها؛ لأن هذا الأمر يجعل التواصل معها ممكنًا.

الثانية: أن تكون المرأة معلومة العين وتقولها لشيخ كبير من أهل العلم والتقوى ممن تؤمن الفتنة عليه.

الثالثة: أن تكون القائلة مجهولة العين وتقول تلك الكلمة لشيخ كبير تؤمن عليه الفتنة.

وهذه الصورة الثالثة هي أهون الصور وأسهلها، هو ما حصل عمليًّا مع مشايخنا الكبار، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من خلال تلقيه تلك الكلمة من امرأة سائلة لا يُعرف من هي، وقد أجابها الشيخ رحمه الله بالرد الشرعي على كلمتها، وبيَّن في أجوبته شمول الثواب والأجور للمتحابين في الله تعالى ولو كانوا رجالاً ونساءً.

 

 

 

  1. فقد بعثت سائلة للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رسالة من خلال برنامج ” نور على الدرب ” قالت فيها:

يعلم الله كم أحبكَ في الله، وأطلب منك – يا شيخنا – أن توجه إليَّ نصيحة لوجه الله كما تنصح إحدى بناتك في ديني وخلُقي، أرجو ذلك.

فأجابها الشيخ:

أحبكِ الله الذي أحببتِنا له، والله جل وعلا أخبر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن المتحابين في جلاله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) ذكر منهم اثنين ( تحابَّا في الله اجتمعا في ذلك وتفرقا عليه )، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( يقول الله يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )، فالتحاب في الله من أفضل خصال الإيمان ومن أفضل القربات …

” نور على الدرب ” ( شريط 513 ).

  1. وبعثت سائلة أخرى للبرنامج نفسه برسالة قالت فيها:

إلى سماحة الشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن باز، لك جلُّ احترامي وتقديري وإعجابي وإكباري لشخصك، وإني أخبرك بأني ” أحبك في الله ” وأتمنى أن ألقاك وأتعرف عليك إن وفقني الله في زيارة البيت الحرام، وباختصار: فإني أعتبرك في ضميري وأتمنى لك دوام الصحة والعافية، وأدعو الله أن يكثر من أمثالك: إني فتاة أبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة، معلمة لمادة التربية الإسلامية ….

فأجاب:

فجوابي لك أيتها الأخت لله في محبتك لي في الله: أقول: أحبكِ الله الذي أحببتني له، وأسأل الله أن يجعلنا – وسائر إخواننا – من المتحابين في جلاله، والمتواصين بالحق والصبر عليه، فقد صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) هذا الحديث متفق على صحته، وذكر فيه ” رجلين تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه “، وأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهذا تمثيل، وهو يشمل الرجلين، والمرأتين، والرجل والمرأة، إذا كان الحب في الله جل وعلا، وفي طاعته سبحانه وتعالى ….

” نور على الدرب ” ( شريط 593 ).

وبما سبق من التفصيل يكون الجواب على سؤال الأخ الفاضل، وما ذكرناه من حكم قول المرأة للرجل ” أحبك في الله ” هو نفسه حكم قول الرجل للمرأة، ولا فرق، فالقيود والضوابط هي نفسها.

وليحذر الإخوة الكتاب والأخوات الكاتبات في المنتديات من التساهل في هذا الأمر، ولسنا نعني بجهالة المرأة في جوابنا تلك الكاتبة التي يسهل مخاطبتها بعد تلك الكلمة ويمكن معرفة عينها، وإنما نعني السائلة المجهولة التي تقول كلمتها وينتهي الأمر عند ذلك، وكل واحد من الشباب والشابات يجد في قلبه أثرًا لتلك الكلمة والتي ينبغي أن يخشيا من عواقبها، ولا نظن أحدًا يجادل في ذلك إلا أن يكون مكابراً، ولذا فإن قول المرأة الكبيرة في السن لتلك الكلمة لطالب علم ليس أثرها كقول شابَّة لها، وإن قول شاب لهذا الكلمة لشابة مثله ليس أثرها كقوله لامرأة كبيرة في السن، وقد تنبَّه العلماء رحمهم الله لهذا الأمر فمنعوا من تشميت المرأة الشابة ومن السلام عليها ومن تعزيتها من رجل أجنبي عنها إن كان ثمة فتنة يمكن أن تحصل من ذلك، وهذه الكلمة الرقيقة أولى بالمنع في حال توقع الفتنة بها . ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 166 ) قالوا:

ورد السلام منها – أي: المرأة – على مَن سلَّم عليها لفظًا واجب، وأما إن كانت تلك المرأة شابَّة يُخشى الافتتان بها، أو يخشى افتتانها هي أيضاً بمن سلَّم عليها: فالسلام عليها وجواب السلام منها حكمه الكراهة عند المالكية والشافعية والحنابلة، وذكر الحنفية أن الرجل يرد على سلام المرأة في نفسه إن سلمت هي عليه، وترد هي أيضا في نفسها إن سلم هو عليها، وصرح الشافعية بحرمة ردها عليه. انتهى.

فلينتبه المسلمون لهذا وليحذروا من كيد الشيطان ومكره، ولسنا نمنع من قول الكلمة بالكلية – وإن كان هو الأحوط – وإنما نجوزها فقط فيما ذكرناه من قيود وضوابط في صورها الثلاث السابقة.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل يجوز الأكل من موائد الراقصات والممثلات والبنوك الربوية؟

هل يجوز الأكل من موائد الراقصات والممثلات والبنوك الربوية؟

السؤال:

يوجد عندنا بعض البنوك الربوية تقوم بعمل خيام لإفطار الصائم، فهل يجوز أكل هذا الأكل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

انتشر في بعض البلاد موائد طعام تصنع في رمضان يقوم عليها مؤسسات خيرية، وشخصيات عرفت بالدين والاستقامة، أو تجار نحسبهم على خير، فمثل هذه الموائد لا حرج على المسلم لو شارك في الأكل منها، وعسى الله أن يكتب الأجر لأصحابها والقائمين عليها، ونرجو أن يكونوا مخلصين وإلا حرموا الأجر .

ومما انتشر أيضا قيام بعض الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات والمؤسسات الربوية كالبنوك على تلك الموائد، ومثل هذه الموائد لا ينبغي التردد في هجرانها وترك الأكل منها، وهذا أقل ما يفعله المسلم إنكارا لمنكرات أولئك وتبكيتا لهم على أفعالهم المحرَّمة والماجنة، فلا يصلح أن يكون المسلم الصائم ضيفا على ” راقصة ” أو ” ممثلة ” يتناول طعام الإفطار على مائدتها ! كما لا يصلح أن يكون ضيفا على من أعلن الله تعالى الحرب عليه وهي البنوك الربوية التي تجاهر بما هو أشد حرمة من الرقص والتمثيل.

ولا يخفى أن أولئك يريدون التقرب إلى الناس بأفعالهم وكسب مزيد من الشهرة، وإلا فلو أرادوا الخير لتركوا ما هم عليه من فجور وأعمال محرَّمة فهو خير ما يقدمونه لأنفسهم، وهم يعلمون أن الله تعالى طيِّب لا يقبل إلا طيِّبا، فلا يصلح أن يكون ثمن الطعام المقدَّم لك أيها المسلم من كشف أولئك لعوراتهن ولا من أخذ تلك المؤسسات الربوية من الناس مالهم بغير حق.

وهذه الدعاية لتلك الراقصات والممثلات ولتلك البنوك الربوية يحرم على المسلم أن يكون جزء منها يسوِّق لهم مشاريعهم المحرَّمة وأفعالهم التي تغضب ربَّه عز وجل، وقد منع العلماء من الدعاية لأولئك بما هو أقل من الأكل عندهم، فلا ينبغي التردد في هجران موائدهم.

 

 

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز تعليق التقاويم والإمساكيات الرمضانية الصادرة من بعض البنوك في المساجد أم لا؟.

فأجابوا:

لا يجوز تعليق التقاويم والإمساكيات الرمضانية الصادرة من بعض البنوك أو المؤسسات التجارية في المساجد؛ لما في ذلك من محذورات شرعية؛ كالدعاية للمعاملات المحرمة، وجعل بيوت الله تعالى محلا لنشر المنتجات التجارية، والدعاية لها، وغيرها من الأمور المنافية لحرمة المساجد، ومناقضتها لما بنيت له، من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وتعليم الناس الخير، وحثهم عليه، وتحذيرهم من الشر، وترهيبهم منه، وكل ذلك داخل في عموم قول الله تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 239 ، 240 ).

وينبغي التفريق بين هذه المسألة وبين تلك التي يقول فيها العلماء بجواز الأكل عند أهل المعاصي وأن لك هنؤه وعليه إثمه وأن لك غنمه وعليه غرمه؛ فإن تلك في الأكل عند شخص بصفته الاعتيادية، أما ما جاء السؤال عنه فهو عن مؤسسات ربوية بصفتها الاعتبارية، وكذا عند الراقصات والممثلات بعملها لا بشخصها، فاختلف الأمر، فيكون سبب الامتناع عن المشاركة في الأكل من تلك الموائد: ما فيها من الدعاية المحرمة ورفع أسهم أولئك العصاة عند الناس.

وعليه: فلو قدمت البنوك الربوية دعايات يمكن الاستفادة منها وحصل المسلم على شيء منها: فإن له أن يستفيد منها بشرط طمس صورة البنك وعنوانه والجمل الدعائية التي عليه.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن:

التقاويم التي توزعها الشركات ذات الأنشطة المحرمة كالبنوك الربوية – مثلًا – فأجاب:

إذا كانت عبارة عن تقاويم فقط ليس عليها دعاية ولا صورة للبنك مثلًا: فاستعمالها لا حرج فيه.

إذا كانت تحمل شعار الشركة وصورة مبناها أو دعاية لخدماتها: فعند ذلك لا تستعمل وتجتنب.

http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=101550

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عمل تقاويم كدعاية للبنوك فهل لنا أن نعلقها في المسجد؟

فأجاب:

معناه: أن البنوك يُهدون تقاويم تُجعل في المساجد أو في المجالس، هذه أمرها سهل:

ما دام التقويم نافعًا: فإنه يُطمس على صورة مبنى البنك أو على الجملة الدعائية، وننتفع.” فتاوى الحرم المدني ” ( شريط رقم 25 ).

وقد ذهب طائفة من العلماء المعاصرين إلى حرمة طعام تلك الموائد لذاته، وأنه ينبغي التفريق بين حال التائبات من المعاصي وأردن التحلل من المال فيجوز الأكل من موائدهن، وبين من هي لا تزال ترتكب المعاصي وتقدِّم هذا الطعام على أنه من مالها المملوك لها فمنعوا من الأكل على موائدهن، ومثله يقال في تجار المخدرات والمرابين.

قال الدكتور أسامة الباز – حفظه الله – بعد أن استعرض أقوال المجيزين والمانعين -:

وعليه: يكون الحكم الشرعي في تناول الطعام المدفوع ثمنه من مال الرقص أو الخمور أو تجارة المخدرات في شهر رمضان وفي غيره جائزًا إذا تابت الراقصة وإذا تاب تاجر الخمور والمخدرات من كسب المال الحرام وصنع هذا الطعام بقصد التحلل من المال الحرام والتخلص من إثمه، أما إذا كان القصد من صنع الطعام للفقراء والمساكين هو التصدق عليهم على ظن أن ما عنده من مال حرام هو مال حلال خالص مملوك له: فإنه لا يحل للمسلم أن يقبل هذه الصدقة أو يتناول هذا الطعام.

فحال هؤلاء الراقصات كحال البغايا اللاتي يتكسبن ما عندهن من المال عن طريق الزنا، حيث منع الله عز وجل من قبول هذا المال منهن أو الإنفاق على النفس منه؛ لما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن أبي مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ) ….

” أحكام المال الحرام ” ( ص 273 ).

فيكون الحكم – إذًا – عدم جواز مشاركة تلك الراقصات وتلك المؤسسات الربوية إما لأن الطعام محرَّم لذاته وإما لأنَّه عمل يُقصد منه الدعاية والشهرة لأفعال محرَّمة وشخصيات فاسدة مفسدة، أو تمنع المشاركة لكلا الأمرين.

 

والله أعلم.

هل المحرمات حرِّمت لأننا نجدها في الجنة؟ وهل هي جائزة في الجنة؟!

هل المحرمات حرِّمت لأننا نجدها في الجنة؟ وهل هي جائزة في الجنة؟!

السؤال:

طُلب من المسلم الابتعاد عن الحرام لأنه يجده في الجنة، فهل هذه العبارة صحيحة أن كل المحرمات والشهوات المحرمة في الدنيا محللة جائزة في الآخرة؟ إذ هناك شهوات كالحب المثلي يقال إنها محرمة في الدنيا والآخرة فكيف يتوقف المسلم عنها عندما ييأس من أن يجدها في الآخرة؟ ما الدافع القوي لتركها في الدنيا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

عبارة ” طُلب من المسلم الابتعاد عن الحرام لأنه يجده في الجنة “: خطأ إذا فُهم أنها على عمومها؛ إذ ليس كل ما حرَّمه الله تعالى علينا نجده في الآخرة، وإنما جاء ذلك في أشياء معدودة كتحريم لبس الحرير وتحريم شرب الخمر وتحريم الشرب بآنية الذهب والفضة؛ فإن هذه الأشياء يجدها المسلم في الجنة بما هو لائق بفضل الله وبما هو لائق بتلك الدار.

عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهُ فِي الْآخِرَةِ, وَمَنْ شَرِبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ لَمْ يَشْرَبْ بِهِمَا فِي الْآخِرَةِ ) ثُمَّ قَالَ ( لِبَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَشَرَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَآنِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ). رواه النسائي في ” السنن الكبرى ” ( 6869 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ( 384 ).

ولا يصح بحال أن يقال إن هذه قاعدة في كل ما حرَّمه الله تعالى علينا في الدنيا أننا نجده في الآخرة، إلا أن يقال بالقياس فيما جاء في محرمات لها نظير في الجنة من جنسها، كمثل تحريم الزنى مع وجود الحور العين، وتحريم المعازف والغناء المحرَّم مع وجود غناء الحور العين، ولهذا قال من قال من العلماء إن وقع في شيء من تلك المحرمات ولقي الله تعالى بها غير توبة أو حد أو مغفرة من الله تعالى أنه يُحرم من جنسها في الآخرة، وهذا القياس الذي قاله بعض العلماء غير بعيد عن الصواب لكننا لا نجزم به.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

من صام اليوم عن شهواته: أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته: عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، وشاهد ذلك قوله تعالى ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) الأحقاف/ 20 الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ). ” لطائف المعارف ” ( ص 147 ).

* وقال ابن القيم رحمه الله – وهو يعدد العقوبات التي تقع على الزاني إذا لم يتب -:

ومنها: أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن، والله سبحانه وتعالى إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك مَن تمتع بالصور المحرمة في الدنيا، بل كل ما ناله العبد في الدنيا من حرام : فاته نظيره يوم القيامة. “روضة المحبين ” ( 365 – 368 ).

وننبه إلى أن تلك الأحاديث لها معانٍ أخرى غير ما ذكرناه عن الإمامين ابن رجب وابن القيم رحمهما الله.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وكذلك قوله ( لم يشربها في الآخرة ) معناه عندنا: إلا أن يُغفر له فيدخل الجنة ويشربها، وهو عندنا في مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بذنبه، فإن عذبه بذنبه ثم دخل الجنة برحمته: لم يُحرمها إن شاء الله، ومن غُفر له: فهو أحرى أن لا يُحرمها، والله أعلم.

وعلى هذا التأويل يكون معنى قوله عليه السلام ( حُرمها في الآخرة ) أي: جزاؤه وعقوبته أن يُحرمها في الآخرة، ولله أن يجازي عبدَه المذنب على ذنبه وله أن يعفو عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا الذي عليه عقد أهل السنَّة أن الله يغفر لمن يشاء ما خلا الشرك، ولا ينفذ الوعيد على أحد من أهل القبلة، وبالله التوفيق.

وجائز أن يدخل الجنة إذا غَفر الله له فلا يَشرب فيها خمرًا ولا يَذكرها ولا يَراها ولا تشتهيها نفسه، والله أعلم. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد “( 15 /7).

 

ثانيًا:

وعبارة ” كل المحرمات والشهوات المحرمة في الدنيا محللة جائزة في الآخرة “: باطلة قطعًا، فهل في الجنة سحاق ولواط وزنا وسرقة وقتل – مثلًا -؟! حاشا لله أن يكون الأمر كذلك وليست هذه الجنة التي وُعد بها المتقون، بل ولا النار فيها هذه الأفعال والمحرمات القبيحة، فكيف للجنة التي أعدها الله للأتقياء والأنقياء أن تكون فيها مثل تلك المحرمات التي حرَّمها الله تعالى على عباده في الدنيا؟!.

ثالثًا:

وللوقوف على طرق دفع الشهوة الجنسية المحرَّمة: انظر جواب السؤال رقم (20068 ) ففيه تفصيل مفيد.

 

والله أعلم.

 

 

نبذة عن كتاب ” التوابين ” لابن قدامة، ووقفة مع قصة توبة ” ذي الرِّجل “

نبذة عن كتاب ” التوابين ” لابن قدامة، ووقفة مع قصة توبة ” ذي الرِّجل ”

السؤال:

قرأت في كتاب ” التوابين ” لابن قدامة عن أحد عبَّاد بني إسرائيل ويُدعى ” ذو الرِّجل “، أريد أن أعرف مدى صحة القصة من ناحية السند؟ وما رأيكم بالكتاب المذكور؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كتاب ” التوابين ” من الكتب المشتهرة، وهو من تأليف الشيخ موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي رحمه الله ( توفي 803 هـ )، وقد ذكر فيه مائة وثلاثين قصة توبة، ابتدأها بذكر التوابين من الملائكة عليهم السلام، وذكر تحته قصة الملَكين ” هاروت وماروت ” ولا نراه وافق الصواب في ذِكر أن الملَكين وقعا في معصية ثم تابا، ثم ذكر التوابين من الأنبياء عليهم السلام، ثم التوابين من ملوك الأمم الماضية، ثم التوابين من الأمم، ثم التوابين من آحاد الأمم الماضية، ثم ذكر أخبار التائبين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر التوابين من ملوك هذه الأمة، ثم ذكر سبب توبة جماعة من هذه الأمة رحمة الله عليهم، ثم ذكر أخبار جماعة من التوابين، ثم ختم الكتاب بذكر أخبار جماعة ممن أسلموا.

والكتاب حقق نصوصه كثير من الشيوخ وطلاب العلم ودور النشر، ومن أبرز من قام على تحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤط، وقد قال في مقدمة تحقيقه للكتاب – في بيان ذِكر مصادر المؤلف في كتابه ومنهجه فيه -:

وقد استمد رحمه الله أخبار كتابه هذا مما قصه الله تعالى علينا في كتابه المبين، ومما تحدث به نبينا الكريم مما هو مدون في الصحاح والسنن والمسانيد، كما اعتمد بعض الكتب التي تُعنى بالرقائق والوعظ مثل مصنفات الحافظ ابن أبي الدنيا المتوفى سنة ( 281 هـ ) ، و ” تنبيه الغافلين ” للإمام أبي الليث السمرقندي المتوفي سنة (373هـ‍ )، و ” ملتقط الحكايات ” للإمام ابن الجوزي المتوفي سنة ( 579 هـ )، وما سمعه من أستاذه المشهود له بالفضل والعلم والمعرفة الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفي سنة ( 561 هـ )، فكان هذا الكتاب أوفى وأوسع وأجمع من الكتب التي سبقته في موضوعه.

وغير خافٍ أن طريقة العرض التي اختارها المؤلف لسرد الأخبار في كتابه هذا مشوقة محببة، تحكيها صورة جذابة، وتشرحها جملٌ سهلة مألوفة، يجني القاري منها العبرة والفائدة في لطف ويسر واشتياق.

ولا شك أن مطالعته بحرارة وشوق توقظ في الإنسان التقوى التي تحمله على التقرب من الله وحده بما يقوم به من انسلاخ عن الرذائل وبعد عن أسبابها، ومن تحل بالفضائل والتماس أسبابها وميسراتها، جعلنا الله بمن يستمعون القول فيتبعون أحسنه (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).

انتهى من ” مقدمة تحقيق كتاب التوابين ” ( ص 4 ، 5 ).

ولما كانت قصص الكتاب فيها حكايات توبة تائبين من الأمم السابقة وجدنا فيما ينقله المصنف رحمه الله ما يحتاج لتوقف ومراجعة ونقد؛ لما في بعض ما ينقله من نكارة في المتن وغرابة في السياق، ومخالفة للشرع وخصوصاً ما كان النقل فيه عن الأمم السابقة، كما في القصة موضع السؤال، ولذا رأينا انتقاد بعض العلماء لبعض ما جاء في الكتاب من قصص وحكايات، ومن هؤلاء المنتقدين السخاوي رحمه الله حيث قال:

في كتاب ” التوابين ” لشيخ الإسلام الموفق بن قدامة أشياء ما كنت أحب له إيرادها خصوصًا وأسانيدها مختلة.” الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ” ( ص 108 ).

 

ثانيًا:

وأما القصة التي رغب الأخ السائل السؤالَ عنها فقد ذكرها ابن قدامة رحمه الله تحت عنوان ” توبة ذي الرِّجل ” ثم قال:

أخبرنا محمد أنا علي بن محمد أنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا الحسين بن صفوان أنا عبد الله بن محمد حدثني محمد بن الحسين عن موسى بن داود عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته فمكث بذلك زمانًا طويلًا فأشرف يومًا فإذا هو بامرأة فافتتن بها وهمَّ بها فأخرج رجله لينزل إليها فأدركه الله بسابقة فقال: ما هذا الذي أريد أن أصنع ورجعتْ إليه نفسه وجاءته العصمة فندم، فلما أراد أن يعيد رجله في صومعته قال: هيهات هيهات رِجل خرجتْ تريد أن تعصي الله تعود معي في صومعتي لا يكون والله ذلك أبداً فتركها والله معلقة من الصومعة تصيبها الرياح والأمطار والشمس والثلج حتى تقطعت فسقطت فشكر الله عز وجل له، فأنزل في بعض الكتب ( وذو الرِّجل ) يذكُره بذلك.

انتهى ( ص 79 ) القصة رقم ( 30 ).

وبالتأمل في القصة نجد:

  1. أنها حديث عن توبة عابد من عبَّاد بني إسرائيل ينقلها بعض التابعين، فليس ثمة إسناد يُمكن أن يُذكر ليتم الحكم على القصة من خلال النظر فيه، وأين ذاك الإسناد في الأصل الذي يربط بين تابعي وبين رجل من بني إسرائيل ؟! لكن ليس على من حدَّث عن بني إسرائيل حرج إذا أداه كما سمعه؛ فقد أذن بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ حَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ قَالَ هَمَّامٌ أَحْسَبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) رواه أحمد ( 18 / 94 ) وصحح المحققون.

* قال السيوطي – رحمه الله – في معنى الحديث -:

قال الشافعي: الحديث عن بني إسرائيل إذا حدثتَ به فأديته على ما سمعته حقًّا كان أو غير حق: لم يكن عليك حرج، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يحدث به إلا عن ثقة. ” تحذير الخواص من أكاذيب القصاص ” ( 72 ، 73 ).

  1. أنه يغلب على عبَّاد بني إسرائيل الجهل والضلال، ولذا لا يُستبعد – لو صحت القصة- عن ذاك العابد مثل ذاك الفعل المنكر.
  2. وفي القصة نكارة واضحة بيِّنة – لو صحت -، حيث عرَّض ذاك العابد رِجلَه للرياح والأمطار والثلوج والشمس حتى تلفت ثم قُطعت فسقطت! ولا ندري على أي شريعة يمكن أن تأتي بهذا الفعل للتائب الذي همَّ بالمعصية، ولا ندري كيف كان يشرب ويأكل ويصلي ويقضي حاجته ورِجله معلَّقة في الهواء! والذي يُعلم في عالم الطب والجراحة أن تعليق الرجل بتلك الطريقة المذكورة في القصة لا يكون معه قطع للرجل وإن حصل فإنه يستغرق وقتًا طويلًا، فهل يمكن لشخص أن يتحمل هذا كل تلك السنين ثم نعجب أن يُجعل ذلك من الشرع وأن يذكر الله تعالى قصته في بعض كتبه المنزَّلة! ولا ندري لم عاقب ذاك العابد الجاهل – لو صح عنه ما نقل في القصة – رِجله فقط! أليس ينبغي أن يعاقب عقلَه الذي فكَّر به بتلك المرأة وقلبَه الذي هواها وعينيه اللتين نظر بهما لها؟! بل إن تلك الأعضاء أولى بالعقوبة لأنها سابقة على حركة الرجل وهي السبب في معصية الرِّجل!.

والخلاصة:

الكتاب جيِّد من حيث الجملة، ولا يخلو من ملاحظات، والقصة منكرة في متنها، لا ينبغي نسبتها لشرع من قبلنا، ولو صحَّت فهي تليق بعابد جاهل لا بشريعة مُحكمة.

 

والله أعلم.

المناطق والأماكن المسمَّاة ” سيدي فلان ” أو ” مولاي فلان ” هل يشرع لنا نطقها بألسنتنا؟

المناطق والأماكن المسمَّاة ” سيدي فلان ” أو ” مولاي فلان ” هل يشرع لنا نطقها بألسنتنا؟

السؤال:

عندنا في المغرب الكثير من الأضرحة أغلبها لمتصوفة، والأماكن التي بها هذه الأضرحة تسمَّى بأسمائهم مثل ” سيدي قاسم ” و ” مولاي يعقوب ” و ” سيدي سليمان”، وغيرها، فهل علينا إثم إذا أطلقنا على هذه الأماكن ” سيدي كذا ” و ” مولاي كذا ” خصوصًا لما قد يحصل من التزكية لأصحاب هذه القبور؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يجوز تسمية الأماكن والمناطق والشوارع فضلًا عن المساجد بمثل ما جاء في السؤال، فلا يطلق عليها ” سيدي فلا ” ولا ” مولاي فلان “ باعتبارين:

الأول: ثبوت النهي عن هذين الاسمين أو الوصفين إلا في حق العبد أن يقولهما لمالكه.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هناك من يسمُّون اسم ” مولاي ” أو ” سِيدي فلان “، فما الحكم في هذه التسمية، ولمن يمكن أن نقول له مولاي فلان أو سيدي فلان؟.

فأجاب:

هذه التسمية لا تنبغي، لا مولاي ولا سِيدي، ينبغي أن لا يسمَّى بها؛ لأنه جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لاَ تَقُل مَوْلايَ فَإنَّ مَوْلاكُم الله ) – رواه مسلم وقد رجَّح جمعٌ من الأئمة شذوذ هذه الزيادة وهي مخالفة لما سيأتي -، وإنما يقال هذا في حق السيد من عبده ومملوكه كما في الحديث الصحيح ( وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي ومَوْلَايَ ) ( لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلَايَ ) – متفق عليه -، يقول العبد المملوك لمالكه: سيدي ومولاي، أما أن يقول الإنسان لأخيه: يا مولاي أو يا سيدي: ينبغي ترك ذلك، ولما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت سيدنا، قال ( السَّيِّدُ اللَّهُ تبارك وتعالى ) – رواه أبو داود بإسناد صحيح – خاف عليهم أن يغلوا عليه الصلاة والسلام فقال ( السَّيِّدُ اللَّهُ تبارك وتعالى )، مع أنه سيِّد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، لكن خشي عليهم من هذه المواجهة أن يقعوا في الغلو، فلا ينبغي لك أن تقول: يا سيدي فلان، أو أنت سيدنا، لزيد أو عمرو، تقول: يا أبا فلان، يا فلان، تدعوه باسمه أو بكنيته، أو نحو ذلك من الأسماء المشهورة التي يتسمَّى بها، لكن ليس فيها سيدي ولا مولاي، هذا هو الذي ينبغي للمؤمن التأدب، مع ما بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم، والتقيد بالآداب الشرعية بالألفاظ والأعمال جميعًا.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 600 ).

وننبه إلى حديث ( لاَ تَقُل مَوْلايَ فَإنَّ مَوْلاكُم الله ) قد رواه مسلم ( 2249 ) بلفظ (وَلَايَقُلْ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ مَوْلَايَ فَإِنَّ مَوْلَاكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ )

وقد رجَّح جمعٌ من الأئمة شذوذ هذه الزيادة على أصل الحديث وأوله ( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ … ) وهي مخالفة لما جاء بعد ذلك في الفتوى من أحاديث.

* قال النووي – رحمه الله -:

فقد اختلف الرواة عن الأعمش في ذكر هذه اللفظة فلم يذكرها عنه آخرون، وحذفها أصح. ” شرح مسلم ” ( 15 / 7 ).

 

الثاني: أنه تغلب هذه الأسماء والأوصاف على أهل البدع والضلال من دعاة التصوف المنحرف ومن القبوريين، وإطلاق هذه الأسماء والأوصاف عليهم فيها تزكية لهم.

ولذا فمن أراد أن يسمِّي منطقة فيها شيء من تلك التسميات فليقل ” سيدهم فلان ” أو ” مولاهم فلان “، أو ليحذف كلمة ” سيدي ” و ” مولاي ” ويذكر الاسم مجرَّداً، وقد يكون في الأمر سعة إذا عُرف أن المسمَّى هو من أهل السنَّة والصلاح، وقد يكون ثمة سعة إذا قال التسمية مُكرها أو من باب أنها علَم مجرد، وليحرص كل الحرص على تجنب تلك الأوصاف قدر استطاعته.

* سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

توجد بعض المناطق في مدينتنا تسمَّى على حسب القبة الموجودة فيها للرجل الصالح مثل ” سيدي عمرو ” و ” سيدي راشد “، فإذا تكلمت مع شخص وقلت له: كنت في هذه المنطقة فكيف أسمِّيها؟ لأن بعض طلبة العلم يقولون ” سيدهم راشد ” أو ” نَسيبي راشد ” أرجو التبيان.

فأجاب:

أولًا: لا يجوز بناء القبب على قبور الصالحين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور وأن تجصص وأن يكتب عليها، مخافة الفتنة وأن ينخدع الجهلة ويعبدونها مع الله.

وثانيًا: لا يجوز إطلاق لفظ ” سيدي عمرو ” أو ” سيدي راشد ” فإنه قد يكون من عامة الناس، وقد يكون عنده سيئات وخطايا لا يستحق بها اسم السيد، وإذا أردت تسمية تلك المنطقة: فاحرص على تسميتها بغير ذلك الميت أو صاحب القبة، وإن احتجت إلى تسميته: فلا تجعله سيِّداً لك بل تقول ” سيدهم راشد ” أو تقول ” المدعو راشد ” أو ” المدعو عمرو ” أو ما أشبه ذلك، وقد ثبت أن وفد بني عامر قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ” أنت سيدنا ” فقال ( السَّيِّدُ الله ).

رقم الفتوى ( 5579 ).

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=5579&parent=3831

 

* وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

عندنا في بلدنا بعض الدوائر والقرى تسمى باسم بعض الأضرحة مثل سيدي عقبة, فرأيت بعض الأخوة يتحاشى هذا اللفظ  فما حكم ذلك؟.

فأجاب:

التسمية بأسماء فيها غلو أو فيها محذور: هذا لا يصلُح، لا سيما إذا كانت لشيء فيه غلو في أشخاص، أو يترتب على ذلك الإشادة بهذا الذي يُغلى فيه، فالأولى أن لا يسمَّى بهذه الأسماء، وإذا كان لا بدَّ: فلا تُذكر اللفظة الأولى – يعني: ” سِيدي ” أو ” مولاي ” – بل يُذكر الاسم مجرَّدًا منهما. ” شرح سنن الترمذي ” ( شريط رقم 386 ) بتصرف يسير.

 

والله أعلم.