الرئيسية بلوق الصفحة 227

ما الفرق بين إرادة الله ومشيئته؟

السؤال:

أريد أن أسأل عن الفرق بين إرادة الله ومشيئته؟

 

الجواب:

الحمد لله

الإرادة إرادتان: كونية قدرية، وشرعية دينية، والمشيئة قسم واحد وهي المشيئة الكونية القدرية، وهي بمعنى الإرادة بقسمها الأول، وفيما يلي تفصيل ذلك من كلام أهل العلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

الإرادة في كتاب الله تعالى نوعان: إرادة خلقية قدرية كونية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية الدينية: هي المتضمنة للمحبة والرضا، والكونية: هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، كقول المسلمين: ” ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن “، وهذا كقوله تعالى: ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء ) [ الأنعام / من الآية 125]، وقوله عن نوح: ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ) [ هود / الآية 34 ].

فهذه الإرادة تعلقت بالإضلال والإغواء، وهذه هي المشيئة، فإن ما شاء الله كان، ومنها قوله: ( ولكن الله يفعل ما يريد ) [ البقرة / من الآية 253 ] أي: ما شاء خلقه لا ما يأمر به.

وقد يريد بالإرادة: المحبة، كما يقال لمن يفعل الفاحشة: هذا فَعَل ما لا يريده الله تعالى، وقد يريد المشيئة كما يقولون لما لم يكن: هذا لم يرده الله.

وأما الدينية: فقول الله: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [ البقرة / من الآية 185 ]، وقوله: ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا ) [ النساء / الآية 26 – 28 ]، وقوله: ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) [ المائدة / من الآية 6 ]، وقوله: ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا ) [ الأحزاب / من الآية 33 ].

فهذه الإرادة في هذه الآيات ليست هي التي يجب مرادها كما في قوله: ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام )، وقول المسلمين: ” ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن “، بل هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: ” هذا يفعل ما لا يريده الله ” أي: لا يحبه، ولا يرضاه، ولا يأمر به.

” منهاج السنة ” ( 3 / 16 ، 17 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومشيئة الله: هي إرادته الكونية، وهي نافذة فيما يحبه وما لا يحبه، ونافذة على جميع العباد بدون تفصيل، ولابد من وجود ما شاءه بكل حال، فكل ما شاء الله وقع ولا بد، سواء كان فيما يحبه ويرضاه أم لا. ” شرح العقيدة الواسطية ” ( 1 / 215 ).

وقال:

أقسام الإرادة: الإرادة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: إرادة كونية: وهذه الإرادة مرادفة تمامًا للمشيئة، فـ ( أراد ) فيها بمعنى ( شاء )، وهذه الإرادة:

أولا: تتعلق فيما يحبه الله وفيما لا يحبه.

وعلى هذان فإذا قال قائل: هل أراد الله الكفر؟ فقل: بالإرادة الكونية نعم أراده، ولو لم يرده الله عز وجل ما وقع.

ثانيًا: يلزم فيها وقوع المراد، يعني: أن ما أراده الله فلا بد أن يقع، ولا يمكن أن يتخلف.

القسم الثاني: إرادة شرعية: وهي مرادفة للمحبة، فـ ( أراد ) فيها بمعنى ( أحب )، فهي:

أولًا: تختص بما يحبه الله، فلا يريد الله الكفر بالإرادة الشرعية ولا الفسق.

ثانيًا: أنه لا يلزم فيها وقوع المراد، بمعنى: أن الله يريد شيئاً ولا يقع، فهو سبحانه يريد من الخلق أن يعبدوه، ولا يلزم وقوع هذا المراد، قد يعبدونه وقد لا يعبدونه، بخلاف الإرادة الكونية.

فصار الفرق بين الإرادتين من وجهين:

  1. 1. الإرادة الكونية: يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية: لا يلزم.
  2. 2. الإرادة الشرعية: تختص فيما يحبه الله، والكونية: عامة فيما يحبه وما لا يحبه.

فإذا قال قائل: كيف يريد الله تعالى كوناً ما لا يحبه، بمعنى: كيف يريد الكفر أو الفسق أو العصيان وهو لا يحبه؟!.

فالجواب: أن هذا محبوب إلى الله من وجه، مكروه إليه من وجه آخر، فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة، مكروه إليه لأنه معصية.

ولا مانع من أن يكون الشيء محبوباً مكروهًا باعتبارين، فها هو الرجل يقدم طفله الذي هو فلذة كبده وثمرة فؤاده، يقدمه إلى الطبيب ليشق جلده ويخرج المادة المؤذية فيه، ولو أتى أحد من الناس يريد أن يشقه بظفره – وليس بالمشرط – لقاتله، لكن هو يذهب إلى الطبيب ليشقه، وهو ينظر إليه، وهو فرح مسرور، يذهب به إلى الطبيب ليحمي الحديد على النار حتى تلتهب حمراء، ثم يأخذها ويكوي بها ابنه، وهو راض بذلك، لماذا يرضى بذلك وهو ألم للابن؟ لأنه مراد لغيره للمصلحة العظيمة التي تترتب على ذلك. ” شرح العقيدة الواسطية ” ( 1 / 222 – 224 ).

 

والله أعلم.

كان يأخذ أغراضًا من العمل فكيف يتصرف بعد التوبة؟

السؤال:

أنا موظف بمؤسسة حكومية، وكنت آخذ بعض الأقلام والورق الأبيض الفارغ وبعض الدباسات والطامس الأبيض وأذهب بها إلى المنزل، وبعد ذلك منَّ الله عليَّ بالتوبة والاستقامة والحمد لله، ولكن كيف أعمل بهذه الأدوات حتى يرتاح ضميري، علمًا أني لا أتذكر من أي مكتب أخذتها؟ فماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله تعالى حفظ الأمانة، وحرَّم أخذ أموال الناس بغير حق، ويجب على من استهواه الشيطان ففعل ذلك أن يُرجع الحقوق إلى أصحابها بعد استغفاره ربه تعالى وندمه وعزمه أن لا يعود لمثلها.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء/ الآية 29].

عن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” … والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلغت؟ “. رواه البخاري ( 6578 ) ومسلم ( 1832 ).

وليس عليك – أخي – أن تكشف نفسك لمؤسستك، ويكفيك أن ترجع الأغراض عينها أو ما يماثلها أو قيمتها، ويمكنك إظهار تقديمها على أنها تبرع لا على أنها مسروقات مرتجعة، وتكفي غلبة الظن لمعرفة المكتب الذي أُخذت منه تلك الأغراض، فإن لم يتبين لك معرفته ولم يغلب على ظنك: فيكفي إرجاعها إلى المؤسسة نفسها.

واحمد الله تعالى أن يسَّر لك التوبة وأن هداك إلى الاستقامة، وهذا من النعم التي تستوجب شكر الله تعالى، فكم من الموظفين عاشوا وماتوا على سرقة أموال مؤسساتهم وأخذ الرشاوى من المراجعين، وكم من الناس تأتيه الهمة للتوبة ثم ينتكس ولا يباشر، فاحمد الله واسأله المزيد من فضله وتوفيقه.

 

والله أعلم.

هل يخالف الأمر ويصلي في مكان مكيف؟

السؤال:

إذا كنت في مقر عملي ومستلم موقعًا حساسًا، وإدارتي تقول يمنع دخولك المباني المجاورة، علمًا بأن الجو شديد الحرارة، وكذلك لكي أقوم بالوضوء للصلاة، علمًا أن الإدارة تمنع الدخول إلى المبنى، فكيف أصلي؟ علمًا بأن الموقع الذي تحت الحراسة من قبلنا – حتى ولو كنت داخل المبنى – هو أمام ناظري وأرى موقع الحراسة, وأيضًا آخذ قسطًا من الراحة تحت المكيف لشدة الحرارة، فهل يجوز دخولي هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب على الموظف والعامل الالتزام بما يؤمر به من قِبَل رب العمل ما لم يكن الأمر فيه معصية؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وحتى لو خالف الأمر هواه أو ما تعوَّد عليه من كماليات الحياة؛ لأنه رضي بهذا العمل ولم يرغمه عليه أحد، وبخاصة إذا كان العمل في أماكن حساسة، فلا ينبغي أن يمشي كل واحد على هواه، ويجب على كل موظف أن يلتزم بما تعاقد عليه.

وفي مثل الحال المسئول عنها: نرى أنه يجب الالتزام بما أُمرتَ به من عدم دخول المباني المجاورة، حتى لو كان الجو شديد الحرارة، فأنت من رضي بهذا العمل، والمهم أن لا تؤخر الصلاة عن وقتها، فإن منعوك من الصلاة في وقتها: فلا طاعة لهم، لكن منعهم لك من دخول المباني المجاورة ليس فيه مخالفة شرعية، فيجب عليك الالتزام به.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فالواجب على الموظف أن يؤدي الأمانة بصدق وإخلاص وعناية، وحفظًا للوقت حتى تبرأ الذمة ويطيب الكسب ويرضي ربه وينصح لدولته في هذا الأمر أو للشركة التي هو فيها أو لأي جهة يعمل فيها، هذا هو الواجب على الموظف, أن يتقي الله وأن يؤدي الأمانة بغاية الإتقان وغاية النصح؛ يرجو ثواب الله ويخشى عقابه؛ ويعمل بقوله تعالى: ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ” [ النساء / من الآية 58 ].

ومن خصال أهل النفاق الخيانة في الأمانات كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ” آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان “. متفق عليه، فلا يجوز للمسلم أن يتشبه بأهل النفاق, بل يجب عليه أن يبتعد عن صفاتهم, وأن يحافظ على أمانته وأن يؤدي عمله بغاية العناية, ويحفظ وقته ولو تساهل رئيسه ولو لم يأمره رئيسه فلا يقعد عن العمل أو يتساهل فيه, بل ينبغي أن يجتهد حتى يكون خيرًا من رئيسه في أداء العمل والنصح في الأمانة وحتى يكون قدوة حسنة لغيره. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 5 / 40 ).

 

والله أعلم.

تريد أن تتوب وتسأل عن صلاتها وصيامها قبل التوبة

السؤال الأول:

أنا فتاة أبلغ من العمر ( 23 سنة ), وغير متزوجة، وكنت أمارس العادة السرية منذ زمن طويل، والآن قد أقلعت عنها ولله الحمد، وقد ضيعت الكثير من الصلوات بسبب هذه العادة السيئة، وليس هذا فقط, فقد انتهكت حرمة شهر رمضان ومارستها في نهاره وأنا صائمة، والسؤال – يا شيخ – ماذا يجب علي أن أفعل تجاه الصلوات التي ضيعتها مع العلم أنني لا أدري كم عددها؟ وأيضًا ماذا يجب علي أن أفعل تجاه ذلك اليوم الذي أفسدت صيامه؟ هل يجب علي قضاؤه فقط أم ماذا أفعل – مع أنه قد مضى عدة رمضانات على ذلك الشهر الذي أفسدت يوماً من أيامه – ؟.

السؤال الثاني:  

كنت في الفترة السابقة إذا حضت بعد دخول وقت الصلاة لا أقضي تلك الصلاة التي دخل وقتها وأنا ما زلت طاهرة، أما الآن وقد نبهتني إحدى الأخوات – جزاها الله خيرًا – فأقضي الصلاة بعد الطهر مباشرة في وقت غير منهي عن الصلاة فيه مثل أن أقضي صلاة العشاء قبل صلاة الظهر والعصر في وقت صلاة العصر, هل هذا صحيح أم أنتظر وقت الصلاة –  صلاة العشاء مثلًا – وأقضيها فيه؟ وماذا يجب علي تجاه الصلوات التي لم أقضها مع أنني حضت وقد دخل وقتها ولا أدري كم عددها؟.

السؤال الثالث:  

في أثناء الصلاة أعاني من عدم الخشوع بسبب وسوسة الشيطان فماذا علي أن أفعل؟.

– أرجو من فضيلتكم الدعاء لي بالخشوع في الصلاة.

وفي الختام أرجو من فضيلتكم التكرم بالإجابة على أسئلتي, فأنا بحاجة ماسَّة جدًّا إلى معرفة الجواب الشافي، كما أرجو من فضيلتكم الدعاء لي بأن يثبتني الله على دينه, وأن يرزقني حسن الخاتمة, وأن يرزقني زوجًا صالحًا, ورفقة صالحة تعينني على الخير، وجزاكم الله خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نحمد الله تعالى أن وفقكِ للتوبة، ونسأله عز وجل أن يثبتكِ على الحق، وأن يزيدك هدى وتوفيقًا.

ولتعلمي أن الصلاة شأنها عظيم، وتاركها واقع في الكفر، فاحمدي الله تعالى أن نجاكِ منه، واعلمي أنه لا قضاء على تارك الصلاة إلا أن يكون ناسيًا لها أو نائمًا عنها، أما المتعمد فلا قضاء عليه؛ لأن الصلاة لها أوقات مخصوصة، ولا يحل أداؤها قبل وقتها ولا بعده.

والصحيح من أقوال أهل العلم أن الاستمناء محرم.

ثانيًا:

إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة فإنه يلزمها أداء هذه الصلاة بعد طهرها مباشرة، ولا يجوز تأخير تلك الصلاة إلى وقت مثيلتها من اليوم نفسه، بل الواجب أن تبادر إلى أدائها.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى :

إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة، فما الحكم؟ وهل تقضي الصلاة عن وقت الحيض؟.

فأجاب بقوله:

إذا حدث الحيض بعد دخول وقت الصلاة كأن حاضت بعد الزوال بنصف ساعة مثلًا: فإنها بعد أن تتطهر من الحيض تقضي هذه الصلاة التي دخل وقتها وهي طاهرة؛ لقوله تعالى: ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) .

ولا تقضي الصلاة عن وقت الحيض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم  في الحديث الطويل: ” أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ “، وأجمع أهل العلم على أنها لا تقضي الصلاة التي فاتتها أثناء مدة الحيض.

أما إذا طهرت وكان باقياً من الوقت مقدار ركعة فأكثر: فإنها تصلي ذلك الوقت الذي طهرت فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر “، فإذا طهرت وقت العصر أو قبل طلوع الشمس وكان باقياً على غروب الشمس أو طلوعها مقدار ركعة: فإنها تصلي العصر في المسألة الأولى والفجر في المسألة الثانية.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 191 ) .

ثالثًا:

وأما بالنسبة للخشوع في الصلاة: فيمكنك الاطلاع على كتاب ” 33 سببًا للخشوع في الصلاة ” وهو موجود في موقعنا وفيه تفصيل في هذا الموضوع واستيفاء لمسائله، وهو تحت هذا الرابط:

http://63.175.194.25/books/khushoosalat/arabic.html

 

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يثبتك على الحق، وأن يزيدك علمًا وهدًى وتوفيقًا، وأن ييسر لك زوجًا صالحًا.

والله أعلم.

خسر أموالًا في التجارة وسافر وعليه ديون, فكيف يتصرف؟

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين, وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مشكلتي هي أنني كنت أقيم في دولة عربية, ودخلت في شراكة مع أحد مواطني هذه الدولة, وسلمني مبلغ ( 31000 ريال ) لكي أتاجر في بيع وشراء السيارات، منه رأس المال, ومني أن أشتري وأبيع, والربح مناصفة بيننا، كانت الأمور على ما يرام في بادئ الأمر، ولكن تضاءل البيع بصورة كبيرة جدًّا, وبدأت أصرف من رأس المال, ولم أتوقف عن شراء السيارات بغية تعويض ما قد صرف من رأس المال، ولا أخفي أنني صرفت جزءًا كبيرًا من رأس المال في مفسدة وفي معصية الله سبحانه وتعالى علوًّا كبيرًا، وآخر ما في الأمر بعت جزء من السيارات بخسارة  ( 11000 ريالًا ) ، هذا والله على ما أقول شهيد، وهاجرت إلى دولة أوربية منذ سنتين وعملي لا يكفيني مصاريفي الخاصة.

ماذا أفعل والرجل في انتظار أن أسدد له، وهناك أيضًا مبلغ ( 12000 ريالا ) دين علي من بعض الأصدقاء من بلدي ممن يقيمون معي في هذه الدولة وهم يعرفون حقيقة الظروف الصعبة التي مررت بها.

أفيدوني جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب عليك – أخي – التوبة إلى الله تعالى؛ وذلك بسبب تفريطك في الأمانة، وتعديك على أموال الناس بالباطل، وكذا بسبب المعصية التي ذكرتَ في سؤالك، ومن شروط التوبة الصادقة: الإخلاص، والندم والعزم على عدم العود إلى هذه المعصية.

هذا، ولْتعلم أن حقوق الناس لا يكفي فيها ما ذكرناه من شروط التوبة حتى تُرجع الحقوق إلى أهلها.

* قال القرطبي:

قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو إما أن يكون حقًّا لله أو للآدميين …, فإن كان الذنب من مظالم العباد: فلا تصح التوبة منه إلا بردِّه إلى صاحبه والخروج عنه – عيناً كان أو غيره – إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادرًا: فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه, … ولا يصر العبد على الذنب, … والإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه، ومنه صر الدنانير أي: الربط عليها؛ وقال قتادة: الإصرار: الثبوت على المعاصي.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 199 ، 200 ).

وقد وقع منك تفريط في حفظ الأمانة، وخيانة لها بعد ذلك، وفي ذلك من الوعيد ما يجب عليك أن تقف عليه وينبغي لنا أن نحذرك من مغبة الاستمرار عليه.

عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر “.

رواه البخاري ( 34 ) ومسلم ( 58 ).

ونرجو أن لا تكون نيتك منذ بداية العمل أن تأخذ المال لنفسك، وإلا فأنت معرَّض لوعيد شديد آخر، ونبشرك أنك إن لم تكن كذلك: فإن الله سيسهل لك أمرك ويفرج عنك كربك، ويفتح عليك لتؤدي ديْنك، أو يؤدي عنك في الآخرة.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله “. رواه البخاري ( 2257 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

إذا نوى الوفاء مما سيفتحه الله عليه: فقد نطق الحديث بأن الله يؤدي عنه إما بأن يفتح عليه في الدنيا, وإما بأن يتكفل عنه في الآخرة, فلم يتعين التقييد بالقدرة في الحديث …

قوله: ” أتلفه الله ” ظاهره أن الإتلاف يقع له في الدنيا، وذلك في معاشه أو في نفسه، وهو علَم من أعلام النبوة؛ لما نراه بالمشاهدة ممن يتعاطى شيئًا من الأمرين, وقيل: المراد بالإتلاف عذاب الآخرة, قال ابن بطال: فيه الحض على ترك استئكال أموال الناس, والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة, وأن الجزاء قد يكون من جنس العمل …

وفيه: الترغيب في تحسين النية, والترهيب من ضد ذلك, وأن مدار الأعمال عليها. ” فتح الباري ” ( 5 / 54 ).

فالذي ننصحك به الآن أن تنوي بصدق أداء ما عليك من مال تجاه أصحاب الحقوق، وأن تكتب بعد صدق النية لأهل الحقوق تعتذر لهم عن تقصيرك وتأخرك، وتعدهم بالسداد، وأن تعمل قدر استطاعتك أعمالاً مشروعة مباحة، وأبشر بفتح من الله وإعانة.

 

والله الموفق.

هل تقبل التوبة إذا لم يُقم الحد على الشخص؟

السؤال:

أنا عندي سؤال محيرني وأفكر فيه، إذا أقدم شخص متزوج أو غير متزوج على الفواحش والكبائر من سرقة وغيبة وربًا وغيره ودام عليها وقتًا طويلًا, ثم عرف الله وتاب لله توبة نصوحة خالصة لوجه الله تعالى واستسمح الذين اغتابهم ورد الذي سرق وتخلص من الربا والذي بينه وبين الله من زنا وشرب وتقصير في صلاة تاب منه ولم يعد إليه ولكنه لم يُحدَّ, فهل الله تعالى يقبل توبته ويقبل عبادته مهما كثرت ذنوبه؟ أو يمكن أن لا يقبل الله توبته وتكون عبادته مردودة؟ وهل الله ينجيه من عذاب القبر ومن دخول النار؟ وماذا عليه أن يعمل ليتلافى العذاب ويرضي الله سبحانه وتعالى؟ وجزاك الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

نحمد الله تعالى أن وفقك للتوبة والرجوع إليه، ونسأله عز وجل أن يثبتك على الهداية، وأن يزيدك علمًا وهدًى وتوفيقًا.

واعلم – أخي – أنه لا يجوز للمسلم أن يستعظم ذنبه الذي تاب منه؛ لأن رحمة الله وعفوه ومغفرته أعظم من ذنوبه.

وما كان من ذنوبك متعلقًا بالعباد فالواجب عليك إرجاع الحقوق إلى أصحابها، وما كان بينك وبين ربك تعالى يكفيك التوبة والاستغفار والندم والعزم على الرجوع إلى تلك الذنوب، وليس من شرط التوبة منها أو من بعضها أن يقام الحد على التائب منها، فالستر بستر الله تعالى منها، وتحقيق التوبة الصادقة خير من الاعتراف لإقامة الحد عليها، ونحن نرى أن أحسنت في توبتك بالاستغفار والندم وإرجاع الحقوق إلى أهلها، فلا يأتينك الشيطان من قبَل توبتك ليفسدها عليك، واعلم أن الله تعالى يبدل سيئاتك حسنات إذا أعقبتَ توبتك بالعمل الصالح، وقد ذكر الله تعالى ذلك في التوبة من أكبر الذنوب وهي الشرك والقتل والزنا، فقال تعالى: ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً . إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا . ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 71 ] .

والحدود التي لم تبلغ السلطان هي التي يجب إقامتها، وأما التي لم تبلغه: فإن الأفضل التوبة منها والاستتار بستر الله تعالى.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الحدود إذا بلغت الحاكم الشرعي وثبتت بالأدلة الكافية: وجب إقامتها، ولا تسقط بالتوبة بالإجماع، وقد جاءت الغامدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبة إقامة الحد عليها بعد أن تابت، وقال في حقها: ” لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم “، ومع ذلك قد أقام عليها الحد الشرعي، وليس ذلك لغير السلطان.

أما إذا لم تبلغ العقوبة السلطان: فعلى العبد المسلم أن يستتر بستر الله، ويتوب إلى الله توبة صادقة، عسى الله أن يقبل منه.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 15 ).

وقالوا –  ردًّا على من رغب بإقامة الحد وشك في قبول التوبة من الزنا -:

إذا تاب الإنسان إلى ربه توبة صادقة خالصة: فإن الله سبحانه وتعالى قد وعد بأنه سيقبل توبة التائب، بل ويعوضه حسنات، وهذا من كرمه وجوده سبحانه وتعالى، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيمًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 70 ] .

والتوبة من شروطها: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما تقدم منه، والعزم على أن لا يعود إليه، وإن كان حق من حقوق الآدميين: فيطلب منهم المسامحة.

وقد ثبت عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – في بيعة النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” … فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له “، وقد حثَّ صلى الله عليه وسلم على التوبة الصادقة، وقال في قصة ماعز: ” هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه “، وروى مالك في ” الموطأ ” عن زيد بن أسلم وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أيها الناس, قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، مَن أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه مَن يُبدِ لنا صفحته: نُقِم عليه كتاب الله “.

فعليك بالتوبة الصادقة، والمحافظة على الصلوات مع الجماعة، والإكثار من الحسنات.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 44 ، 45 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز أن يقول القائل عبارة ” لكم تحياتي “؟

السؤال:

في نهاية الخطابات الرسمية بين الدوار الحكومية وبالأخص الخاتمة يذكر: (ولكم تحياتي) أو ( ولكم تحياتنا ) وكما هو معروف بأن التحيات لله وحده لا شريك له، فما رأيك بهذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

منع بعض أهل العلم هذه اللفظة – كما في ” معجم المناهي اللفظية ” للشيخ بكر أبو زيد ( ص 185 ) – لكن لم يظهر لنا أنها كذلك، بل الصواب جواز قولها دون حرج.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين –  رحمه الله – عن هذه الألفاظ ” أرجوك “، “تحياتي”، و ” أنعم صباحًا “، و ” أنعم مساءً “؟.

فأجاب بقوله:

لا  بأس أن تقول لفلان ” أرجوك ” في شيء يستطيع أن يحقق رجاءك به.

وكذلك” تحياتي لك “، و ” لك منى التحية “، وما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) ، وكذلك ” أنعم صباحا ” و ” أنعم مساءً ” لا بأس به، ولكن بشرط ألا تتخذ بديلًا عن السلام الشرعي.

” المناهي اللفظية ” ( السؤال الثامن ).

وفي السؤال التاسع والعشرين سئل الشيخ – رحمه الله -: عن عبارة  لكم تحياتنا وعبارة أهدي لكم تحياتي؟.

فأجاب قائلًا:

عبارة ” لكم تحياتنا “، و ” أهدي لكم تحياتي ” ونحوهما من العبارات: لا بأس بها، قال الله تعالى: ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [ النساء / من الآية 86 ].

والتحية من شخصٍ لآخر جائزة، وأما التحيَّات المطلقة العامة فهي لله، كما أن الحمد لله، والشكر لله، ومع هذا فيصح أن نقول: ” حمدتُ فلانًا على كذا ” و “شكرتُه على كذا “، قال الله تعالى: ( أن اشكُر لي ولوالديك ) [ لقمان / من الآية 14 ].

 

والله أعلم.

حكم كتابة ( ص ) و ( صلعم )، وهل يجوز كشف وجه المرأة من أجل طلب العلم؟.

السؤال:

لقد اطلعت على كافة موضوعات إباحة سفور المرأة عن وجهها ولكني لم أجد طلبي، فلقد سمعت ذات مرة من التلفاز قول أحدهم أنه يجوز للفتاة أو المرأة الكشف عن وجهها في سبيل طلب العلم – لا أذكر على أي مذهب -, وعندما قيل له عن الحديث في السيدة أسماء قال: إن الرسول ( ص ) قال: ” اختلاف فقهاء أمتي رحمة “, وخاصة أنني أستصعب نقلتي النوعية من السفور إلى الحجاب والجلباب، فدلني على الصواب لأتبعه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

المشروع هو أن نكتب جملة ” صلى الله عليه وسلم “، ولا يجوز الاكتفاء باختصاراتها سواء المخلة مثل ” صلعم “, أو غير المخلة مثل ” ص “، ويمكن للكاتب أن يقولها بلسانه دون الحاجة لكتابتها, ولا لكتابة اختصاراتها.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

” وبما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة في الصلوات في التشهد، ومشروعة في الخطب والأدعية والاستغفار، وبعد الأذان وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره وفي مواضع أخرى: فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب أو مؤلف أو رسالة أو مقال أو نحو ذلك لما تقدم من الأدلة.

والمشروع أن تكتب كاملةً تحقيقًا لما أمرنا الله تعالى به، وليتذكرها القارئ عند مروره عليها ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة على رسول الله على كلمة ( ص ) أو ( صلعم ) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض الكتبة والمؤلفين؛ لما في ذلك من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله: (صلُّوا عليهِ وسلِّموا تسْليمًا ) [ الأحزاب / من الآية 56 ]، مع أنه لا يتم بها المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة ( صلى الله عليه وسلم ) كاملة.

وقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد بها، علمًا بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه.

* فقد قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح في النوع الخامس والعشرين من كتابه:

” الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده ” قال ما نصه: التاسع: أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره؛ فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك فقد حرم حظًا عظيمًا. وقد رأينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء يثبته لا كلام يرويه, فلذلك لا يتقيد فيه بالرواية. ولا يقتصر فيه على ما في الأصل.

وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه نحو عز وجل وتبارك وتعالى، وما ضاهى ذلك، إلى أن قال: ( ثم ليتجنب في إثباتها نقصين: أحدهما: أن يكتبها منقوصة صورة رامزاً إليها بحرفين أو نحو ذلك، والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى بألا يكتب ( وسلم ).

وروي عن حمزة الكناني – رحمه الله تعالى – أنه كان يقول: ”  كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أكتب ( وسلم ), فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: ما لك لا تتم الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبت بعد ذلك صلى الله عليه إلا كتبت ( وسلم ) … إلى أن قال ابن الصلاح: قلت: ويكره أيضًا الاقتصار على قوله: ( عليه  السلام ) “. والله أعلم.

– انتهى المقصود من كلامه – رحمه الله تعالى – ملخصا.

* وقال العلامة السخاوي – رحمه الله تعالى – في كتابه فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي ما نصه:

” واجتنب أيها الكاتب ( الرمز لها ) أي الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة – صورة – كما يفعله ( الكتاني ) والجهلة من أبناء العجم غالبًا وعوام الطلبة، فيكتبون بدلًا من صلى الله عليه وسلم ( ص ) أو ( صم ) أو ( صلعم ), فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلاف الأولى “.

* وقال السيوطي – رحمه الله تعالى – في كتابه تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي :

” ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم هنا وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في شرح مسلم وغيره؛ لقوله تعالى: ( صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) إلى أن قال: ويكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب ( صلعم ) بلى يكتبهما بكمالها ” انتهى المقصود من كلامه – رحمه الله تعالى – ملخصًا.

هذا ووصيتي لكل مسلم وقارئ وكاتب أن يلتمس الأفضل ويبحث عما فيه زيادة أجره وثوابه ويبتعد عما يبطله أو ينقصه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، إنه جواد كريم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 397 – 399 ).

ثانيا:

أما حديث: ” اختلاف أمتي رحمة “: فهو حديث موضوع كما في ” الأسرار المرفوعة ” ( 506 )، و” تنزيه الشريعة ” ( 2 / 402 ).

* وقال الشيخ الألباني – عنه – كما في السلسلة الضعيفة والموضوعة                       حديث رقم: ( 11 ) –:

لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا …

ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: ” وليس بمعروف عن المحدِّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع، وأقرّه زكريا الأنصاري في تعليقه على ” تفسير البيضاوي ” ( ق 92 / 2 ). انتهى.

* وقال ابن حزم – عن هذا الحديث:

وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنّه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنّه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط، وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية – وساقها -. ” الإحكام في أصول الأحكام ” ( 5 / 61 ).

ثالثًا:

لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، إلا إذا دعت لذلك ضرورة، كالطبيب المعالج إذا عدمت الطبيبة وبشرط عدم الخلوة، والخاطب للزواج، والشهادة أمام القضاء، ويقتصر فيما سبق على موضع الضرورة دون ما عداه.

وحجاب المرأة ونقابها ليس عائقاً أمام طلب العلم للمرأة، ولا يصح أن تُجعل منافرة ومضادة بين الستر والعلم، ولا بارك الله في علم لا يأتي إلا بمعصية وتهتك للمرأة، وها هي المرأة المتحجبة والمتسترة قد بلغت أعلى المنازل في العلم ونيل الشهادات دون أن تختلط بالرجال أو أن تكشف عن وجهها، وها نحن نرى كثيرًا من الفاشلات في العلم لا يضعن على أجسادهن إلا القليل من الملابس، فمتى كان التهتك يأتي بالعلم والحجاب يمنع منه؟!.

وقد أحسن الشاعر الاُزري بقوله:

ليس الحجاب بمانع تعليمها *  فالعلم لم يرفع على الأزياء

أولم يسع تعليمهن بغير أن * يملأن بالأعطاف عين الرأي

وهو يرد بذلك على المعرّي الذي يحارب تعلّم المرأة بقوله:

علموهن الغزل والنسج والرون * وخلّــوا كتـابـة وقــراءة

فصلاة الفتاة بالحمد والإخلاص * تغنـي عـن يـونس وبـراءة

* وعليه:

فلا نرى صواب قول من قال بجواز كشف الوجه للمرأة في طلب العلم الشرعي، فضلاً أن نرى صواب من قال بكشف ما هو أكثر من الوجه ولغير العلم الشرعي، وفي غير بيئة محافظة كالجامعات والمعاهد المختلطة، وكان ينبغي أن يُقال بالعكس – لو قيل – وهو أنه إذا فسدت البيئات وكثر أهل الشر وجب على المرأة أن يزداد سترها وحياؤها وبُعدها عن مواطن أولئك، لا أن تقترب منهم وتكشف عما يحبون رؤيته.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكِ لما فيه رضاه، وأن يجزيكِ خير الجزاء على سؤالكِ واستفساركِ، وهو يدل على الحياء الذي ينبغي على المسلمات أن يتصفن به، ونوصيكِ بالابتعاد عن مواطن الريبة والاختلاط، ولكِ بشرى من النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله: ” من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه “، فاستعيني بالله تعالى واصبري، وقد تركت النساء المسلمات دينهن وأزواجهن وأوطانهن من أجل الدخول في الإسلام، فهذه النقلة من السفور إلى الحجاب لا شيء مقابل ما فعلتْه أولئك النسوة، وثقي أنك ستكونين موضع ثقة وتشجيع أخواتكِ الفاضلات المتسترات، وسيخففن عنكِ وطأة تلك النقلة، ولا تلتفتي إلى المعوقات من أهل الشر والفساد نساء ورجالاً، فهم لا يحبون لكِ الخير، ولا يتمنوْن لك السعادة والثواب.

 

والله أعلم.

هل يجوز الاحتفاظ بالطيور داخل القفص؟

السؤال:

هل يجوز الاحتفاظ بالطيور داخل القفص؟

 

الجواب:

الحمد لله

يجوز الاحتفاظ بطيور الزينة ومثيلاتها في أقفاص خاصة من أجل منظرها أو صوتها، بشرط تقديم الطعام والشراب لها.

وقد ثبت في الصحيحين – البخاري ( 5778 ) ومسلم ( 2150 ) – أنه كان لأخي أنس بن مالك لأمه يقال له ” أبو عمير “, كان له طائر, وكان اسمه ” النغير “, فأفلت الطائر وحزن عليه الصبي، فمازحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ” يا أبا عمير ما فعل النغير “.

– والنغير: يسمِّيه أهل المدينة ” البلبل “.

– وقد استُدل بهذا الحديث على جواز حبس الطائر؛ لعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي عمير.  انظر ” فتح الباري ” ( 10 / 548 ).

* وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما الحكم فيمن يجمع الطيور ويضعها في قفص؛ وذلك لكي يتسلى بها أولاده؟.

فأجاب:

لا حرج في ذلك إذا أعد لها ما يلزم من الطعام والشراب؛ لأن الأصل في مثل هذا الأمر الحل، ولا دليل على خلاف ذلك فيما نعلم، والله ولي التوفيق.

” فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 1793 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

بيع طيور الزينة – مثل الببغاوات والطيور الملونة والبلابل – لأجل صوتها جائز؛ لأن النظر إليها وسماع أصواتها غرض مباح، ولم يأت نص من الشارع على تحريم بيعها أو اقتنائها، بل جاء ما يفيد جواز حبسها إذا قام بإطعامها وسقيها وعمل ما يلزمها، ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أنس قال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عُمير قال: أحسبه فطيمًا وكان إذا جاء قال: ” يا أبا عُمير ما فعل النُغير؟ “, نغر كان يلعب به …الحديث، والنغر نوع من الطيور، قال الحافظ ابن حجر في شرحه ” فتح الباري ” في أثناء تعداده لما يستنبط من الفوائد من هذا الحديث: وفيه … جواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه، وقص جناح الطير إذ لا يخلو طير أبي عمير من واحد منهما، وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم، وكذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل في خشاش الأرض “, أخرجه البخاري في الصحيح، وإذا جاز هذا في الهرة جاز في العصافير ونحوها.

وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة حبسها للتربية، وبعضهم منع ذلك، قالوا: لأن سماع أصواتها والتمتع برؤيتها ليس للمرء به حاجة، بل هو من البطر والأشر ورقيق العيش، وهو أيضاً سفه؛ لأنه يطرب بصوت حيوان صوته حنين إلى الطيران، وتأسف على التخلي في الفضاء، كما في كتاب ” الفروع وتصحيحه ” للمرداوي ( 4 / 9 ) ، و ” الإنصاف ” ( 4 / 275 ) .

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / 38 – 40 ).

– وقد ورد الوعيد الشديد فيمن مسك حيواناً ولم يطعمه أو يسقيه حتى مات.

عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ” عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً فدخلت فيها النار، قال: فقال: والله أعلم لا أنتِ    أطعمتِها ولا سقيتِها حين حبستها، ولا أنتِ أرسلتِها فأكلتْ من خشاش الأرض “. رواه البخاري ( 2236 ) ومسلم ( 2242 ).

 

والله أعلم.

لا يصلي ولا يصوم ويقيم مع عشيقته ويريد أن يتوب ويتزوجها؟

السؤال:

شخص مسلم فرنسي ولكنه لا يصلي ولا يصوم ويقيم مع عشيقته المسيحية, ويرغب في التوبة والصيام، ولكنه يتحجج بوجود هذه المرأة معه، هل يجوز له أن يتزوجها الآن مع العلم بأن غدًا هو أول أيام رمضان؟ وإذا جاز ذلك فكيف هو السبيل والإجراء الشرعي المتبع؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليعلم هذا الفرنسي وغيره أن ترك الصلاة كفر مخرج من الملَّة، والإسلام لا يرضى لأحد أتباعه أن لا يصلي ولا يصوم ويقيم مع عشيقته.

فالواجب عليكم أن تنصحوه وتبينوا له حقيقة الإسلام، وأنه استسلام لأحكام الشرع، والمسلم – وبخاصة من ترك دينه ودخل في الإسلام – ينبغي أن يكون قدوة للآخرين، وهو لا يمثل نفسه بل يمثل الإسلام الذي دخله والتزمه، فالواجب عليه ترك ما هو فيه من معاصي، والواجب عليه الالتزام بأحكام الشرع وبخاصة الصلاة والتي هي الفاصل بين الإسلام والكفر الأكبر.

ثانيًا:

وأعلموه أن الله غني عن الخلق، وهو الذي يوفقهم لأحسن الأعمال والأقوال والأخلاق، وهو يفرح بتوبة عبده، فيجب عليه المبادرة بالتوبة، وعدم تسويفها، أو تعليقها بحصول أشياء خشية أن يموت ولم يتب، فيلقى ربه بذنوبه ومعاصيه، وقد يلقاه بالكفر.

وبيِّنوا له أن الله تعالى يبدِّل السيئات حسنات، وأن الواجب عليه المبادرة فورًا لترك كل ما هو عليه مما يغضب الله تعالى من ترك الصلاة والصيام والإقامة مع عشيقته.

ثالثًا:

إذا تاب وأناب إلى الله: فليعلم أنه لا يجوز له الزواج من تلك العشيقة، لا لأنها نصرانية، بل لأنها ” زانية ” – على حسب وصفه وكلامه -، ومن شروط نكاح الكتابية – اليهودية والنصرانية – أن تكون محصنة، أي: عفيفة غير زانية ولا لها عشيق، قال الله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) [ النساء / من الآية 5 ] ، فاشترط الله تعالى لنكاحها أن تكون عفيفة، ولا يجوز لمسلم أن ينكح كتابية وهي ليست كذلك، بل لو كانت مسلمة لكنها زانية ما جاز لمسلم عفيف أن يتزوجها، قال تعالى: ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) [ النور / الآية 3 ].

فإذا أراد أن يتزوجها فلا بد أن يكون ذلك بعد توبته ورجوعه للإسلام بأداء الصلاة، وبعد توبته من الزنى، ولا تحل له إلا بعد تركها للزنى، وبراءة رحمها.

وأما نحن فإن واجب النصيحة يحتم علينا أن ندله على خير ما نعلم مما يصلح دينه ودنياه، وهو أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، ويبادر إلى تركها دون تردد ولا تسويف، وأن يبحث عن غيرها من المسلمات المحصنات المؤمنات، فهو إن تاب إلى الله عز وجل أحوج ما يكون إلى من تفهم دينها وتقف بجانبه وتحثه على طاعة الرحمن بعد ذلك الضياع، وأما تلك المرأة فإنها لو تابت من الزنى فلن تكون عونًا له على طاعة الله عز وجل، ولن تكون أمينة على بيته وماله وعرضه، ولن تصلح لتربية أبنائه وبناته، فلا نريد له بهذه النصيحة إلا الخير، وليستعمل عقله قليلًا ويبتعد عن العاطفة ليعلم أن ما نقوله هو عين الصواب.

 

والله الموفق.