الرئيسية بلوق الصفحة 3

أصول السياسة الشرعية وضوابطها الفقهية

#من_أجوبة_الواتس
أصول السياسة الشرعية وضوابطها الفقهية
السؤال: السياسة الشرعية، ما مرجعيتها وهل لها قواعد أم كلها اجتهادات شخصية حسب محبة فاعلها؟ هل فيها تجرد؟ وما هي الضوابط؟

الجواب:
هذا سؤال في غاية الأهمية، ومزالق الأقدام فيه كثيرة لمن لم يضبطه بضوابط الشرع الحنيف.
السياسة الشرعية ليست مَيْدَانًا للأهواء والتشهيات، ولا تُبنى على العواطف ومحبة الأشخاص أو بغضهم، بل هي باب عظيم من أبواب الفقه الإسلامي، ومبناها على تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وفيما يأتي تفصيل القول في مرجعيتها وقواعدها وضوابطها:
أولا: مرجعية السياسة الشرعية مرجعية السياسة الشرعية هي الكتاب والسنة، وما تفرع عنهما من إجماع وقياس، إضافة إلى المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
قال ابن القيم رحمه الله:
“ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفةٌ للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسةً أمرٌ اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلاً، فهي من الشرع”.
فهي ليست عِلْمًا مُسْتَقِلًّا عن الشريعة، بل هي تطبيق دقيق لأحكامها في واقع الناس المتغير.
ثانيا: هل لها قواعد أم هي اجتهادات شخصية؟
السياسة الشرعية تحكمها قواعد أصولية وفقهية رصينة، وليست اجتهادات مبنية على هوى المتحدث أو حبه لجهة معينة.
من أمهات قواعدها:
– “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”: فلا يجوز للحاكم أو المسؤول أن يتصرف بناء على منفعته الشخصية.
– “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”: عند التعارض.
– “يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”.
– “ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما”.
فهذه القواعد تضبط الاجتهاد وتمنعه من الانفلات، والاجتهاد في السياسة الشرعية محصور في دائرة ما لا نص فيه، أو في تنزيل النص على الواقع.
ثالثا: وأما بخصوص مسألة التجرد، فالتجرد شرط أساسي في السياسة الشرعية.
والمسلم مطالب بالعدل والإنصاف حتى مع المخالفين والأعداء، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة/ ٨.
فتقويم المواقف والأحداث يجب أن يكون بِمِيزَانِ الشرع، لا بِمِيزَانِ التحزب أو التعصب للأشخاص والجماعات.
الحق يُعرف بدليله، والرجال يُعرفون بالحق، وليس العكس. رابعا: للخوض في السياسة الشرعية ضوابط دقيقة، من أهمها:
١. ألا تخالف نَصًّا شَرْعِيًّا قَاطِعًا، فلا سياسة في مورد النص الثابت الدلالة والثبوت.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ”، وهذا أصل عظيم في ضبط التصرفات السياسية.
٢. معرفة فقه الواقع، فلا يكفي في السياسة الشرعية معرفة الحكم الشرعي، بل لابد من الإحاطة الدقيقة بالواقع المراد تنزيل الحكم عليه؛ لئلا يؤدي تطبيق الحكم إلى مفسدة أعظم.
٣. النظر في عواقب الأمور ومآلاتها، فقد يكون الفعل جَائِزًا في أصله، لكن يُمْنَعُ مَآلًا لما يترتب عليه من مفاسد.
٤. أن تصدر من أهل الحل والعقد والعلماء الراسخين، فالسياسة الشرعية والقضايا الكبرى للأمة ليست مَشَاعًا لكل متحدث، ولا لرواد مواقع التواصل، بل مردها لأهل العلم والبصيرة؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء/ ٨٣.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ شوال ١٤٤٧ هـ – ١٥ أبريل ٢٠٢٦ م

(الباطل لا يبرر الباطل)

(الباطل لا يبرر الباطل)

الحمد لله
١. الواجب على المسلم أن يزن الأمور بميزان الشرع ومآلات الأفعال، لا أن يزن الشرع بأهواء الرجال والتحزبات.
٢. ما صدر من تهنئة للنصارى بـ “عيد الفصح” هو مُنْكَرٌ ومخالف لإجماع علماء الأمة، وقد نقل الإمام ابن القيم الإجماع على تحريم تهنئة الكفار بشعائرهم، فالفعل مَذْمُومٌ ومَرْفُوضٌ.
٣. الثناء على الرافضة والترحم عليهم -وهم الذين يسبون الصحابة، وقد تلطخت أيديهم بدماء مئات الآلاف من أهل السنة- هو أَيْضًا مُنْكَرٌ عَظِيمٌ، وخلل جسيم في عقيدة “الولاء والبراء”.
٤. مكمن الخلل عند كاتب المنشور -وأراه وجماعته قد فرحوا لهذه المخالفة لأجل المماحكة-أنه ينطلق من عصبية حزبية؛ فهو لا يبحث عن الحق، بل يحاول استخدام انحراف فعل “التهنئة” كغطاء أو مبرر لانحراف حزبه وجماعته في “موالاتهم” للرافضة.
٥. منهج أهل السنة والجماعة قائم على العدل والقسط، فنحن نرد الباطل الأول، ونرد الباطل الثاني، ولا نداهن في دين الله أحدا.
٦. تنازل أي أحد في باب “التوحيد بتهنئة النصارى” لا يبرر تنازل غيره في باب” الولاء والبراء وموالاة الرافضة”، وكلاهما قد ضل عن سواء السبيل في هذه المسائل.
٧. كلا الفعلين انحراف عن المنهج الشرعي الصحيح.
٨. المقارنة بينهما من باب “المفاضلة بين السيئات”.
٩. تبرير أحدهما هو مسلك أهل الأهواء.
١٠ الواجب إنكار المنكريْن مَعًا، وتجريد المتابعة للحق بالدليل، لا بالتعصب للأشخاص أو الرايات.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦ شوال ١٤٤٧
١٣ أبريل ٢٠٢٦

لا أملك سيولة نقدية.. هل تسقط عني الزكاة؟ (زكاة شركات التطوير العقاري )

#من_أجوبة_الواتس
السؤال:
سائل يقول: رجل يملك شركة تطوير عقاري (يشتري الأراضي، يعمرها، ثم يبيعها)، ويقول إنه لا تجب عليه الزكاة؛ لأنه لا توجد لديه سيولة نقدية تبقى حَوْلًا كَامِلًا، حيث يعيد استثمار الأموال فَوْرًا في شراء أراضٍ جديدة، ويزكي فقط عن أمواله التي عند العملاء. فهل قوله صحيح، أم تجب الزكاة في الأرباح وحسابات الشركة كَامِلَةً؟

الجواب:
الحمد لله
وجوب الزكاة هو الصحيح والموافق لأصول الشرع، وما يظنه صاحب الشركة من سقوط الزكاة عنه بسبب عدم بقاء السيولة النقدية لديه حَوْلًا كَامِلًا؛ هو فَهْمٌ خَاطِئٌ لأحكام زكاة عروض التجارة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولا: نشاط التطوير العقاري -شراء الأراضي بنية البناء عليها وبيعها للتربح- يُعد شَرْعًا من “عروض التجارة”.
وفي عروض التجارة، لا يُشترط أن يحول الحول على النقود بعينها، بل العبرة بحولان الحول على أصل رأس المال منذ بلوغه النصاب.
وتحول رأس المال من نقود إلى أراضٍ أو عقارات قيد الإنشاء، ثم إلى نقود مُجَدَّدًا؛ لا يقطع الحول، بل هو حقيقة التجارة.
ثانيا: الأرباح الناتجة عن البيع لا يُشترط لها حول مستقل، بل القاعدة الشرعية أن: “حول الربح هو حول أصله”.
فما ينتج من أرباح يُضم إلى أصل رأس المال، ويُزكى معه في نهاية الحول المالي للشركة.
ثالثا: وطريقة حساب الزكاة لشركات التطوير العقاري: أن يحدد صاحب الشركة يَوْمًا في السنة -نهاية حوله المالي-، ويقوم بعملية جرد وحساب كما يأتي:
١. يقيّم جميع الأراضي والعقارات، سواء كانت منتهية أو قيد الإنشاء، المعدة للبيع بسعر السوق الحالي، وليس بسعر التكلفة.
٢. يضيف إليها ما لديه من سيولة نقدية في الصندوق أو البنك، إن وجدت.
٣. يضيف إليها الديون المرجوة السداد، كالأقساط التي له عند العملاء.
٤. يطرح من المجموع الديون الحالّة التي على الشركة -التزامات، مستحقات مقاولين، أقساط أراضٍ… إلخ-.
٥. يخرج الزكاة عن الصافي بنسبة ربع العشر (٢.٥٪).
وعليه:
الزكاة واجبة في كل ما تملكه الشركة من أصول معدة للبيع، ولا يعفيه من الزكاة كونه يشتري أَرَاضِيَ جديدة بالسيولة المتوفرة. فعليه أن يتقي الله ويحسب زكاته وِفْقًا للقاعدة الشرعية لعروض التجارة لتبرأ ذمته، قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} البقرة/ ١١٠.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ شوال ١٤٤٧
١٢ أبريل ٢٠٢٦

توجيه جملة “حسنات الأبرار سيئات المقربين”

#من_أجوبة_الواتس
توجيه جملة “حسنات الأبرار سيئات المقربين”
السؤال:
هل هذه العبارة صحيحة المعنى “حسنات الأبرار سيئات المقربين” ؟
الجواب:
هذه العبارة ليست حَدِيثًا نَبَوِيًّا، بل هي مقولة مشهورة عن بعض روّاد التزكية والسلوك، كأبي سعيد الخراز وذي النون المصري وغيرهما.
وأما من حيث المعنى؛ فهي صحيحة إذا فُهمت في سياقها الدقيق، ولها توجيه صحيح عند أئمة التحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وتفصيل ذلك من وجوه:
أولا: المقصود بالعبارة ليس تحول الحسنة إلى سيئة حقيقية يعاقب عليها الإنسان، بل المعنى أن مقامات الناس في القرب من الله تتفاوت.
فما يعتبر إِنْجَازًا وعَمَلًا صَالِحًا لعامة الأبرار -كالاقتصار على الفرائض وترك المحرمات مع التوسع في المباحات-، قد يعتبره المقربون نَقْصًا في حقهم، وتَرَاجُعًا عن مقام الإحسان ودوام الذكر، فيعدونه كأنه ذنب يستغفرون منه.
ثانيا: أقرب مثال لتوضيح هذا المعنى هو قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ” أخرجه مسلم.
فالغيْن هنا ليس ذَنْبًا ولا مَعْصِيَةً، بل هو انشغال طارئ ببعض الأمور المباحة أو رعاية شؤون الأمة، وهو بالنسبة لغيره حسنة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لسمو مقامه وكمال قربه يعتبر هذا الانقطاع اليسير عن دوام الشهود كأنه تقصير يوجب الاستغفار.
ثالثا: لا يجوز أن يُفهم من العبارة أن الطاعات والحسنات الحقيقية التي يفعلها الأبرار تُعد سيئات للمقربين؛ فهذا باطل قَطْعًا.
فالطاعة طاعة في حق الجميع، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء/ ٤٠.
وعليه:
فالعبارة صحيحة المعنى إذا حملت على اختلاف المراتب، وأن ترك الأولى والأفضل بالنسبة للمقربين يُعد في ميزانهم العالي نَقْصًا يستوجب التوبة، بينما هو في ميزان غيرهم مباح أو حسنة.
والله أعلم.
✍️ كتبه:أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ شوال ١٤٤٧
١٢ أبريل ٢٠٢٦

ما حكم انتشار عبارة (يا مُعطي لا تُبطي -يعني: لا تتأخر بالإجابة-) كدعاء، والترويج لها بِقُوَّةٍ؟

#من_أجوبة_الواتس
حكم قول “يا معطي لا تبطي” في الدعاء
السؤال:
ما حكم انتشار عبارة (يا مُعطي لا تُبطي -يعني: لا تتأخر بالإجابة-) كدعاء، والترويج لها بِقُوَّةٍ؟

الجواب:
الحمد لله
لا يجوز شَرْعًا الدعاء بهذه العبارة، وفيها من سوء الأدب مع الله تعالى والجهل بحكمته ما يوجب التحذير منها وعدم تداولها، وذلك من وجوه:
أولا: الاستعجال المنهي عنه؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال في الدعاء، وجعله سَبَبًا من أسباب المنع وحرمان الإجابة، قال صلى الله عليه وسلم: “يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي”.
وقول القائل: (لا تبطي) هو عين الاستعجال المذموم.
ثانيا: سوء الأدب مع الله جل جلاله؛ فإن الداعي عبد ذليل يطلب من رب عظيم، ومقام العبودية يقتضي التذلل والخضوع والافتقار، لا أن يضع العبد لربه شُرُوطًا، أو يأمره بألا يبطئ عليه، فالله سبحانه حكيم عليم، يعطي في الوقت المناسب بحكمته، لا باستعجال عبده.
ثالثا: الجهل بحكمة التأخير؛ فقد يؤخر الله الإجابة لحكمة عظيمة، كأن يدفع عن العبد سُوءًا، أو يدخرها له في الآخرة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد وغيره أنه قال: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا”، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ:” اللَّهُ أَكْثَرُ”.
ولذلك ينبغي للعبد أن يرضى بتدبير الله، قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة/ ٢١٦.
فهذه العبارة تعد من الاعتداء في الدعاء، ويجب الحذر منها وعدم الترويج لها، وينبغي للمسلم أن يلتزم بالأدعية المشروعة، وأن يدعو ربه بيقين مع تفويض الأمر لحكمته البالغة، وألا يستعجل الإجابة.
والله أعلم
= تتمة:
التفريق بين طلب التعجيل والاستعجال
ذكر بعض الإخوة إشكالين:
أ. إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بتعجيل السقيا بقوله: “عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ”، فكيف يجاب عن الاستدلال به مع ما ذكرناه من المنع؟
والجواب: الحديث فيه “طلب التعجيل” تضرعا وافتقارا، وهذا مشروع ومطلوب، خاصة في دعاء المضطر.
لكن هذا يختلف جِذْرِيًّا عن “الاستعجال” الذي يحمل معنى التذمر أو إصدار الأوامر، كقول القائل: “لا تبطي”.
​ وعبارة “عاجلا غير آجل” هي صفة للشيء المطلوب، أي: نسألك غَيْثًا عَاجِلًا، وهي رجاء من العبد.
أما عبارة “لا تبطي” فهي بصيغة النهي الموجه للخالق جل جلاله، وفيها إشعار باستبطاء فعل الله، وكأن العبد يقول لربه: “لقد تأخرت علي فلا تزد في التأخير”! وهذا يتنافى مع كمال الأدب والتذلل، ويدخل في باب الاعتداء في الدعاء.
ب. ذكر أن الاستعجال هو ترك الدعاء كما جاء مفسرا في الحديث.
والجواب: نعم، النص النبوي: “يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ” مفسر في الحديث نفسه بأنه الاستحسار وترك الدعاء، لقوله: “يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ” أخرجه مسلم.
ولكن، هذا الاستحسار إنما يبدأ شُعُورًا في القلب، وهو استبطاء الإجابة والضجر من تأخرها، ثم يترجم إلى فلتات على اللسان “مثل: لا تبطي”، ثم ينتهي بترك الدعاء. فالنهي عن هذه العبارة هو سد لذريعة الاستحسار، ومنع للقلب من التشكي من حكمة الله في التأخير.

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ شوال ١٤٤٧، ١٢ أبريل ٢٠٢٦

حكم تصوير الأنبياء والصحابة عبر الذكاء الاصطناعي

#من_أجوبة_الواتس
حكم تصوير الأنبياء والصحابة عبر الذكاء الاصطناعي
السؤال:
هل يجوز استخدام برامج الذكاء الاصطناعي لوضع صفات الرسول صلى الله عليه وسلم الخَلْقية، لإنتاج صورة تخيلية له أو للصحابة رضي الله عنهم؟

الجواب:
لا يجوز شَرْعًا استخدام برامج الذكاء الاصطناعي أو غيرها من وسائل التصوير لتخيل أو تجسيد شخص النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غيره من الأنبياء والمرسلين، ولا ساداتنا من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وذلك لوجوه عدة:
أولا: عصمة الأنبياء ومكانتهم؛ فقد عصم الله تعالى أنبياءه وطهرهم، وأوجب توقيرهم وإجلالهم، قال الله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} الفتح/ ٩.
وتجسيدهم في صور متخيلة فيه امتهان لهذه المكانة الجليلة، وتجرئة للناس عليهم.
ثانيا: الكذب على رسول الله؛ برامج الذكاء الاصطناعي تعتمد في توليد الصور على دمج بيانات لصور بشر عاديين، فمهما أتقن الإنسان في الوصف المكتوب، فإن النتيجة ستكون صورة بشرية ملفقة ومكذوبة.
وادعاء أن هذه صورة النبي صلى الله عليه وسلم هو من الكذب الصريح عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ”.
ثالثا: سد الذرائع؛ إن إباحة هذا الفعل باب عظيم من أبواب الفتنة، وذريعة للغلو والتعلق بالصور، أو الاستهزاء والسخرية بمقام النبوة والصحبة، والشريعة الإسلامية جاءت بسد الذرائع المفضية إلى المحرمات.
رابعا: إجماع المجامع الفقهية؛ فقد اتفقت المجامع الفقهية المعاصرة وهيئات كبار العلماء على تحريم تجسيد الأنبياء والصحابة في الأعمال الفنية قَاطِبَةً، واستخدام الذكاء الاصطناعي يأخذ الحكم نفسه بل هو أشد خَطَرًا؛ لإيهامه للناظر بالمطابقة الوصفية الدقيقة.
فالواجب على المسلم أن يكتفي بما ورد في كتب الشمائل من وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يعمر قلبه بمحبته واتباع سنته، دون الخوض في محاولة تجسيد صورته الشريفة.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ شوال ١٤٤٧، ١٢ أبريل ٢٠٢٦

الحجاب في عهد كلاب البعث في سورية

الحجاب في عهد كلاب البعث في سورية
استنكرت بعض التعليقات على منشوري السابق أن نظام البعث كان يمنع الحجاب في المدارس. وهنا أتحدث بصفتي شاهدة على العصر، عما عشناه فعليًّا في مدارسنا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حتى (فطسان) باسل الأسد، ثم استلام بشار الأسد الحكم.
كنتُ في المرحلة الإعدادية غير محجبة، ثم ارتديتُ الحجاب في الصف الأول الثانوي عام 1988. وبسبب تفوقي الدراسي كانت مدرّبة الفتوة تحبني، وبالرغم من ذلك كان أول رد فعل منها على حجابي صفعة (كف متل فراق الوالدين) نزل على خدي.
في ذلك الوقت، كان الحجاب ممنوعًا في المدارس.
مدرستنا كانت مخصصة للإناث، لكن مع وجود معلمين رجال، إضافة إلى الاجتماعات الحزبية والشبيبية التي يقدمها شباب، مما جعل بعض الفتيات يحاولن ارتداء الحجاب في حصص معينة. إلا أن أسماءهن كانت تصل إلى مدرّبة الفتوة، التي لم تكن تتوانى عن معاقبتهن بالضرب والزحف.
وكانت العبارة التي تتكرر عبر الميكروفون كل صباح ونحن ندخل من باب المدرسة:
“شيلي هالخرقة عن راسك يا حيوانة”
خلال “معسكر العاشر”، الذي كنا نقضي فيه أسبوعين أو ثلاثة كمعسكر تدريبي إنتاجي مختلط (بنات وشباب)، كان الحجاب ممنوعًا أيضًا، رغم طبيعة المكان المختلطة. مع العلم أنه لم يكن يُسمح لنا بالتقدم لامتحان الثانوية العامة باسم المدرسة ما لم نؤدِّ هذا المعسكر.
كنا نتحايل بارتداء “السيدارة” العسكرية، ونخيط على أطرافها قطعة قماش لنخفي شعرنا، لكن حتى هذه الوسيلة لم تكن مقبولة دائمًا، وكانت صاحبتها تتعرض للعقوبات بحسب مزاج المدرب أو المدربة. لذلك اضطرت معظمنا إلى خلع الحجاب، وكنتُ من بينهن.
في الصفين الثاني الثانوي والبكالوريا، كنا نتناقل هذه “السيدارة” بين الصفوف، لنغطي بها شعرنا في بعض حصص المعلمين.
بعض المدرسين كانوا يتغاضون، عنا ويحاولون حتى ألا ينظروا إلينا مباشرة (المحجبة التي شالت حجابها)، لكن آخرين، كمدرس “القومية”، كانوا يسخرون منا، ويبلغون الإدارة، فتتولى مدرّبة الفتوة معاقبتنا بشدّ الشعر، أو إجبارنا على الزحف في ساحة المدرسة.
نتيجة لذلك، تركت كثير من الفتيات المدرسة، واتجهن إلى تقديم الثانوية بشكل حر، هربًا من هذه الملاحقة.
عام 1994، وبعد فطسان باسل الأسد، حدث نوع من التقارب بين السلطة والمؤسسة الدينية، إثر انكسار نفسية حافظ مما أتاح لمحمد سعيد رمضان البوطي (كما كان شائعا وقتها) أن يتدخل بوساطة معروفة لافتتاح معاهد الأسد لتحفيظ القرآن في المساجد، وغُضّ الطرف نسبيًا عن حجاب الطالبات، لكن دون تغيير رسمي في القوانين.
بعد استلام بشار الأسد الحكم، تغيّر الوضع، وأُجيز ارتداء الحجاب في المدارس، مع بقاء الطابع العسكري والأمني، واستمرار حضور الفكر الحزبي والعسكرة في جميع مراحل التعليم من الابتدائي وحتى الجامعي، (الطلائع، الشبيبة، اتحاد الطلبة).
أما في المؤسسة العسكرية، فكانت الصلاة خطًا أحمر ومحظورة وممنوغة لكل الجيش بجميع الرتب.
لم يكن يُسمح للعسكري بالصلاة، وأحيانًا حتى بالصيام.
أعرف من أقاربي من ترك الصلاة خلال خدمة العلم خوفًا من العقوبة، التي تصل إلى السجن وتمديد الخدمة.
وهنا أترك المجال للتعليق لكل من عاين هذه المرحلة بنفسه.
لم تكن هناك مصليات في الأماكن العامة.
وإذا اضطررنا للصلاة في المدرسة أو العمل، كنا نفعل ذلك سرًا، بإغلاق المكان أو التستر على بعض، أو حتى الصلاة جلوسًا حتى لا يُكشف أمرنا.
وكان أي تقرير يُرفع بحقنا قد يؤدي إلى استدعاء أمني، وتحقيق، وعقوبات قد تصل إلى الفصل، بتهمة الانتماء الديني المعادي للدولة.
هذه دولة البعث يا سادة…
الدين مخنوق والمخبرون يحيطون بأنفاس المسلمين حتى أذكر في الثمانينات وعقب احداث حماة كانت أمي تنبه علينا: إياكم إذا سمعتم الأذان أن تحركوا شفاهكم بالتشهد!!!
نعم لهذه الدرجة .. ولكل من عاين وعاصر يتفضل ويشاركنا تجربته
الكاتبة : سهير أومري

التكييف الفقهي لعمولة سحب السيولة من المحافظ الإلكترونية

#من_أجوبة_الواتس
التكييف الفقهي لعمولة سحب السيولة من المحافظ الإلكترونية
السؤال:
انتشر مقطع فيديو يقول فيه صاحب محل أن خصم عمولة السحب من المحفظة الإلكترونية من المبلغ المحول يعد من ربا الفضل المحرم، فهل هذا التكييف صحيح؟ وهل تعد هذه المعاملة صرفا أم أجرة؟
الجواب:
ما ذكره المتحدث في المقطع غير دقيق فقهيًَّا؛ فهذه المعاملة لا تدخل في باب الصرف المحرم ولا تعد من ربا الفضل مطلَقًا.
التكييف الفقهي الصحيح لهذه المعاملة: أنها من باب الإجارة على تقديم منفعة مباحة أو الوكالة بأجر.
فصاحب المحل يقدم خدمة متمثلة في توفير السيولة النقدية وإتمام عملية السحب الإلكتروني، وتلك الخدمة يجوز أخذ الأجرة عليها.
والعمولة المستقطعة هنا هي ثمن لمنفعة، وليست مبادلة نقد بنقد بتفاضل حتى تكون رِبًا. وقد قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة/ ٢٧٥.
وهذه المعاملة تشبه السحب من ماكينات الصراف الآلي، فعندما تسحب مبلغًا من بنك غير بنكك، فإن البنك المالك للماكينة يخصم عمولة مقابل استخدام شبكته وتوفير السيولة النقدية في جهازه وتكاليف صيانته وحمايته.
وهذه العمولة تكيف فقهيًَّا على أنها أجرة مقابل خدمة ومنفعة، وليست صرفًا ولا رِبًا.
​وكذلك الحال مع صاحب المحل التجاري الوكيل للمحفظة، فهو يقتطع جزءًا من وقته، ويوفر السيولة النقدية في محله، ويتحمل مخاطر الاحتفاظ بالنقد لإتمام عملية السحب لك.
وما يخصمه من عمولة هو نظير هذه الخدمة، وتعد إجارة أو وكالة بأجر.
​لذا؛ فإن المعاملتين تندرجان تحت باب تقديم المنفعة المباحة التي يجوز أخذ الأجرة عليها، ولا حرج فيها شرعًا.
وعليه، فلا حرج شَرْعًا في أخذ التاجر عمولته مقابل خدمة السحب، وإذا تم الاتفاق على خصمها من نفس المبلغ المحول فلا يضر، ويكون المخصوم هو أجرة الخدمة نَقْدًا، والباقي هو حق العميل.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٢ شوال ١٤٤٧ / ١٠ نيسان ٢٠٢٦