الرئيسية بلوق الصفحة 140

حكم تملك وتأجير واستئجار صالونات تجميل النساء وحكم العمل فيها

حكم تملك وتأجير واستئجار صالونات تجميل النساء وحكم العمل فيها

السؤال:

هل يجوز امتلاك الصالون النسائي أو العمل فيه؟

 

الجواب:

الحمد لله

صالونات تجميل النساء لا تخلو – غالبا – من مخالفات شرعية، فإذا خلت من تلك المخالفات: أبيح تملكها، وجاز العمل فيها، ومن تلك المخالفات:

  1. عمل النمص للحواجب، والوشم في الجسم، والوصل للشعر بالباروكة.
  2. استعمال مواد تجميل تحتوي على مواد كيميائية ضارَّة بالبدن.
  3. تجميل المتبرجات، أو المحجبات حجابا يكشف الوجه، وفي ذلك إعانة لهنَّ على معصيتهن في التبرج، وتسبب في إظهار الزينة المحرَّمة عليهن أمام الأجانب.
  4. الاطلاع على العورات من خلال إزالة الشعر من مكان العورات، أو من خلال لبس ملابس العرس، والتي غالبًا ما تكون فاضحة.
  5. قص الشعر، أو صبغه، تشبهاً بكافرة، أو فاسقة.
  6. استعمال الأظافر الصناعية، والرموش المستعارة.
  7. وضع العطور ذوات الرائحة الفاتنة على النساء المتجملات.
  8. قيام الرجال بتجميل النساء! وهذا منكر شنيع.

وهذه بعض فتاوى لعلماء اللجنة الدائمة فيما سبق ذِكره والتنبيه عليه:

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة:

تذهب بعض النساء إلى المشاغل النسائية التي يوجد بها عاملة كوافير، وتقوم هذه العاملة بحلق شعر المرأة الغير مرغوب فيه، بما في ذلك شعر العورة المغلظة! خصوصا ليلة زفافها، كما تقوم عاملة الكوافير بنمص شعر الوجه، ووصل شعر الرأس لمن ترغب في ذلك، فما حكم الشرع في هذا العمل؟ وجهونا، وبينوا لنا الحكم، أثابكم الله؟

فأجابوا:

النمص وهو: إزالة شعر الحواجب، والوصل وهو: وصل شعر الرأس بشعرٍ آخر، كلاهما كبيرة من كبائر الذنوب، لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعلتهما، أو فعلت واحداً منهما، ولا يجوز كشف العورة إلا للزوج، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) ، ومن حفظ الفرج: وجوب ستره، وتحريم النظر إليه، إلا لمن أحله الله له، أو عند الضرورة للعلاج الذي لا يمكن إلا بكشفها من أجله.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 131 ، 132 ).

  1. وقال علماء اللجنة الدائمة – أيضا -:

لا يجوز استخدام الأظافر الصناعية، والرموش المستعارة، والعدسات الملونة؛ لما فيها من الضرر على محالها من الجسم، ولما فيها – أيضا – من الغش، والخداع، وتغيير خلق الله.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 133 ).

  1. وقالوا – أيضا -:

لا مانع من تزين المرأة لوضع المكياج على وجهها، والكحل، وإصلاح شعر رأسها، على وجه لا تشبه فيه بالكافرات، ويشترط – أيضا – أن تستر وجهها عن الرجال الذين ليسوا محارم لها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 129 ).

  1. وقالوا – أيضا -:

الأصل: أنه لا يجوز للمرأة التطيب بما له رائحة عطرة إذا أرادت الخروج من بيتها، سواء كان خروجها إلى المسجد، أم إلى غيره؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ” أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية ” رواه أحمد والنسائي والحاكم من حديث أبي موسى – رضي الله عنه -.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 124 ، 125 ).

فإذا خلت محلات التجميل من هذه المخالفات: جاز تملكها، والعمل فيها، وإلا حرُم تملكها، وتأجيرها، واستئجارها، وحرم العمل فيها.

 

والله أعلم.

حديث: ” أبغض الحلال إلى الله الطلاق “.

حديث: ” أبغض الحلال إلى الله الطلاق “.

السؤال:

ما هو مصدر: ” أبغض الحلال عند الله الطلاق ” هل هو حديث أم ماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الحديث مداره على الراوي الثقة: ” معرف بن واصل “، عن الإمام الثقة ” محارب بن دثار “، المتوفى سنة ( 116هـ ) ، وهو من طبقة التابعين، ولكن جاء عن ” معرف ” على وجهين:

الأول: مسندًا متصلًا عن معرف بن واصل، عن محارب، عن ابن عمر – رضي الله عنهما -عن النبي صلى الله عليه وسلم.

– رواه محمد بن خالد الوهبي عن معرف، هكذا، مسندًا، كما عند أبي داود (2178)، ومن طريقه البيهقي في ” السنن الكبرى” (7/322)، وابن عدي في “الكامل” (6/2453).

الثاني: مرسلًا من حديث معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بدون ذكر ابن عمر.

– رواه هكذا خمسةٌ من الأئمة الثقات: أحمد بن يونس – على اختلاف عليه -، يحيى بن بكير، وكيع بن الجراح، عبد الله بن المبارك، أبو نعيم الفضل بن دكين.

– كما عند أبي داود في “السنن” (2177)، والبيهقي في “السنن الكبرى” (7/322)، وابن أبي شيبة في “المصنف” (5/253)، وذكره السخاوي في “المقاصد الحسنة” (11)، والدارقطني في “العلل” (13/225).

ولمَّا رأى المحدِّثون أنَّ مَن رواه مرسلًا أوثق وأكثر ممَّن رواه مسندًا متصلًا رجحوا الوجه المرسل، ونصوا على أن من رواه متصلًا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخطأ ووهم.

قال ابن أبي حاتم:

” قال أبي: إنما هو محارب، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا ” انتهى.

“العلل” (1/431) .

وكذا أعله الخطابي في “معالم السنن” (4/ 231).

وقال الدارقطني – رحمه الله -:

” والمرسل أشبه ” انتهى.

” العلل ” (13/225).

 

 

وقال البيهقي – رحمه الله -:

” هو مرسل، وفي رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر موصولًا، ولا أراه حفظه ” انتهى. ” السنن الكبرى ” (7/322).

وقال ابن عبد الهادي – رحمه الله – عن وجه الإرسال:

” وهو أشبه ” انتهى.

” المحرر في الحديث ” (1/567).

وكذا رجح السخاوي في “المقاصد الحسنة” (ص/11) وقال:

” وصنيع أبي داود مشعر به فإنه قدم الرواية المرسلة ” انتهى.

ومما يؤكد خطأ محمد بن خالد الوهبي الذي رواه متصلًا، أنه رواه أيضًا عن رجل آخر بالسند نفسه، فروى ابن ماجه (2018) وغيره عن محمد بن خالد، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر به .

وهذا دليل على وقوع الاضطراب من محمد بن خالد، فالحديث من رواية معرف، وليس عبيد الله، ثم إن عبيد الله بن الوليد الوصافي هذا ضعيف جدًّا، وصفه النسائي بالترك، بل قال وقال الحاكم: روى عن محارب أحاديث موضوعة. وقال أبو نعيم الأصبهاني: يحدث عن محارب بالمناكير، لا شيء. انظر ” تهذيب التهذيب ” (7/55).

وللحديث شاهد عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه -، رواه الدارقطني في ” السنن ” (4/ 35)، وابن عدي في “الكامل” (2/ 694) بلفظ: ” ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق “، وله ألفاظ أخرى، ولكن إسناده ضعيف جدًّا لا يصلح للاستشهاد به.

فالحاصل أن الحديث صح مرسلًا، من طريق محارب بن دثار الإمام التابعي الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أراد الاستدلال به وجب أن ينبه إلى إرساله، فقد ذهب أكثر المحدثين إلى رد الحديث المرسل.

يقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

” يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” أبغض الحلال إلى الله الطلاق ” وهذا الحديث ليس بصحيح، لكنَّ معناه صحيح، أن الله تعالى يكره الطلاق، ولكنه لم يحرمه على عباده للتوسعة لهم، فإذا كان هناك سبب شرعي أو عادي للطلاق صار ذلك جائزاً، وعلى حسب ما يؤدي إليه إبقاء المرأة، إن كان إبقاء المرأة يؤدي إلى محظور شرعي لا يتمكن رفعه إلا بطلاقها فإنه يطلقها، كما لو كانت المرأة ناقصة الدين، أو ناقصة العفة، وعجز عن إصلاحها، فهنا نقول: الأفضل أن تطلق، إما بدون سبب شرعي، أو سبب عادي، فإن الأفضل ألا يطلق، بل إن الطلاق حينئذٍ مكروه ” انتهى.

“لقاءات الباب المفتوح” (لقاء رقم: 55، سؤال رقم: 3).

ويقول ابن الملقن في “البدر المنير” (8/67):

” قلت: قد صححه الحاكم، كما سلف، وقد أيده رواية محمد بن خالد الموصولة السالفة عن أبي داود، ورواية ابن ماجه من طريق آخر سلفت أيضًا، فترجحت إذا ” انتهى.

 

وفي مجموع فتاوى ابن باز م/30 – (ج 25 / ص 253):

106 – ما صحة حديث: ” أبغض الحلال إلى الله الطلاق “.

ج: الحديث صحيح رواه النسائي وجماعة بإسناد صحيح، وهو يدل على أن ترك الطلاق أفضل إذا لم تدع الحاجة إليه.

 

والله أعلم.

تزوجت برجل فتبين لها أنه مرجئ وسيء الخلق وطلبت منه الطلاق, فماذا لها من حقوق؟

تزوجت برجل فتبين لها أنه مرجئ وسيء الخلق وطلبت منه الطلاق, فماذا لها من حقوق؟

السؤال:

أنا فتاة ملتزمة – ولله الحمد -، أستمع لكبار مشايخ أتباع السلف في مصر، والمملكة السعودية، ابتلاني الله بعريس خدعني بأنه ملتزم، وبعد كتب كتابي عليه: اكتشفت أنه مرجئ! دينه فاسد! وكنت قد اتفقت معه ألا يتزوج عليَّ، ووافق على هذا الاتفاق، وظل طوال سنة يأخذ مني حقه في الاستمتاع المسموح له به في الشرع، دون أن يدخل بي، وعند إتمام الزواج قال لي: إنه رجع في كلامه، وسيعدد عليَّ، ورأيت منه فساداً أخلاقيًّا كبيرا جدًّا، مما دفعني لطلب الطلاق، وقد وافق بسهولة؛ لأنه رأى مني رفضاً لكل أخلاقه غير الملتزمة، ولكنه رفض إعطائي أي شيء، سوى نصف المؤخر، فرفع والدي عليه قضية ” تبديد قائمة المنقولات “.

ملحوظة: لم نشتر شيئا من العفش، وهو عليه نصف العفش، وأبي النصف الآخر، ولكن أبي يقول لي: إنه من حقي أن آخذ قيمة ” قائمة المنقولات ” كلها؛ تعويضا عما لحق بي من ضرر، فأنا منذ سنة معلَّقة. ماذا أفعل؟ وهل الذهب من حقي أم لي النصف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

السؤال غير واضح في بعض مفرداته، وثمة صعوبة في فهم المراد من كلام الأخت السائلة، فهي تقول ” وكنت قد اتفقت معه ألا يتزوج عليَّ، ووافق على هذا الاتفاق “، فهل هذا كان شرطاً قبل إنشاء العقد، أم كان اتفاقاً وديًّا بينكما بعد العقد؟ وكلاهما ملزم له بالوفاء، لكن لو كان شرطاً فإنك تملكين فسخ العقد إن خالفه، وهو هنا لم يخالفه، لكنه أخبرك بأنه سيعدد، وهذا لا يعدُّ نقضاً للشرط حتى يفعله، وإن كان ما جرى بينكما لا يعدو كونه اتفاقاً في وقت الود: فهو ملزم له ديانة، لكنه لا يؤثر على العقد، ولا تملكين فسخ العقد لو فعله.

وخلاصة الأمر هنا:

إذا وعد الزوجُ زوجتَه أنه لن يتزوج عليها: فإنه يجب عليه الوفاء بوعده، ولا يحل له مخالفته، فإن خالفه: فإنه يأثم، إلا أنه ليس لها الحق في طلب الفسخ، إلا أن يكون الوعد بمفهوم الشرط.

وإذا اشترطت المرأة ذلك على الزوج: فإن على الزوج الالتزام بالشرط، فإذا تزوج عليها: فإنها تخيَّر بين البقاء مع زوجها وإلغاء شرطها، وبين فسخ النكاح، وأخذ حقوقها كاملة.

ولا فرق بين أن يكون الوعد أو الشرط شفويًّا أم مكتوبا، إلا أن كتابته أفضل لأنه يحفظ لها حقها من الضياع والنسيان والجحود.

ثانيا:

ولا شك أن بدعة الإرجاء بدعة خبيثة، فإذا انضاف إليه سوء الخلق: فقد جمع صاحبها بين شرَّين، وسوءيْن، في الاعتقاد، والسلوك، ومثله لا يُحتمل في البقاء معه، فمن حقك – إن ثبت عليه ما تقولين – طلب الطلاق، وأخذ حقوقك كاملة، وفي حال أنه لا يوافق على التطليق، وإعطائك حقوقك: فيمكنك مخالعته، بالتنازل عن شيء من حقك ليرضى بتطليقك، ويكون ما تتنازلين عنه سحتاً عليه؛ لأنه يجب عليه دفع حقوقك كاملة، ومنها المهر المؤخر، دون نقص، إلا بطيب نفس منك.

ولسنا في صدد في النصح لك بالصبر عليه، ومحاولة هدايته، فإنه يبدو أن الأوان قد فات في ذلك، ولعلَّ بدعة زوجكِ الإرجائية أن تكون أثَّرت على سلوكه المنحرف؛ فإن هذا نتيجة طبيعية عند أكثرهم؛ لما يدعو إليه الإرجاء من تمييع الدين، والتساهل في فعل المعاصي.

ثالثا:

وإذا كان الاتفاق بينكما في العقد على أن لك نصف العفش عليه: فإنه يجب عليه دفع ذلك لك، إما بشرائه حقيقة، أو بتقدير قيمته بالمال، ودفع ذلك المال لك.

وكذا من حقك أن تأخذي الذهب إن كان هو مهرك، أو جزء منه، فمن حقك المهر كاملاً، المقدَّم منه، والمؤخَّر.

وليس من حقك أخذ شيء اشتراه للمنزل؛ فإن هذا له، وهو يملكه، وأما بخصوص تأخر الطلاق: فإنه يُلزم بالنفقة عليك حتى يطلِّق، وليس لك أخذ شيء من ماله، أو متاعه مقابل تأخره في الطلاق.

وإذا طلَّقك: فمن حقك عليه – كذلك – ما يسمى ” متعة الطلاق “، وفيها خلاف بين العلماء فيمن يستحقها من المطلقات، فمنهم من ذهب إلى العموم فقال: تعطى المتعة لكل مطلقة، قبل الدخول أو بعده، سمي المهر أم لم يسمَّ، وذهب آخرون إلى أنه في المطلقة قبل الدخول ممن لم يسمَّ لها مهر، وفي قول ثالث لأنها للمطلقة قبل الدخول ولو سمي لها مهر.

والأخذ بالقول الأول هو الأحوط، وقد رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين: الشيخ الشنقيطي، والشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمهم الله -، والذي يرجحه القاضي عندكم هو الذي عليكم الأخذ به.

 

 

 

 

ونسأل الله تعالى أن يصلح حال زوجك، وأن يثبتك على الخير والهدى، وأن يبدلك خيرا منه، ونوصيك بالاستمرار بالالتزام بمنهج السلف اعتقادا، وسلوكا، وبالاستمرار في الاستماع للعلماء الكبار من أهل السنَّة، ولا تجعلي فشل زواجك هذا حاجزاً بينك وبين الاستمرار في طلب العلم، والاستقامة على طريق الحق.

 

والله أعلم.

تزكية العلماء لكتاب ” فقه السنَّة ” والرد على من طعن به

تزكية العلماء لكتاب ”  فقه السنَّة  ” والرد على من طعن به

السؤال:

أنا طالب من ” الصين “, أستفيد كثيرا في الفروع من الفقه من كتاب ” فقه السنَّة ” للسيد سابق – رحمه الله تعالى -، ولكن بعض إخوتي قال لي: إن الآراء الشاذة في هذا الكتاب كثيرة, لذلك لا تجوز لك – وأنت طالب – أن تستفيد منه لكي لا تلتبس عليك الراجح بالمرجوح، والصحيح بالسقيم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن يكتب لك أجر طلبك للعلم، وأن يوفقك معه للعمل الصالح، فلم يمنعك بُعد ديارك، من السؤال والتحري لدينك، والاستفسار عن مسائل الحق والصواب.

ثانيا:

لم يُصب صاحبك في نقده اللاذع لكتاب ” فقه السنَّة ” للشيخ سيد سابق – رحمه الله -، فالكتاب ليس فيه آراء شاذَّة، وما انتقده عليه بعض العلماء ليس لأن المنتقَد من المسائل شاذٌّ، بل يقال عنها ضعيفة، أو مرجوحة، أو غيرها أقوى منها؛ وهذا الكتاب نفع الله به خلقا لا يُحصون، ولا يزال العلماء وطلبة العلم يوصون بقراءته والنظر فيه والاستفادة منه، وقد تميز بسلاسة أسلوبه، وسهولة عباراته، وقوة أدلته، وحسن ترتيبه وتبويبه، ويكفيه أنه ليس كتابا مذهبيًّا يتعصب فيه لمذهب معيَّن، وقد صدر الكتاب في وقت كان للمتعصبين للمذاهب صولة وجولة، ولذا فقد انتقد هؤلاء كتاب فقه السنَّة لما تبنَّى به صاحبه من الدليل منطلقاً لمعرفة الأحكام الشرعية.

وأما أهل العلم والفضل فلم يبخسوا الكتاب حقَّه، بل أثنوا عليه وعلى صاحبه بما يستحقانه، وليس يعني هذا عدم وجود أخطاء حديثية وفقهية فيه، بل هذا لا يخلو منه كتاب، وما ذكره المؤلف من قضايا فقهية إنما هي راجحة عنده بما توصل إليه من خلال النظر والبحث، ولا تثريب عليه في ذلك، ومثل هذا لا يُنتقد إلا بما يظهر للباحث الناقد أنه خطأ، أو أنه ضعيف، أو مرجوح، ولن يسلم الناقد من منتقد كذلك في نقده، وهكذا هو حال البحث والكتابة في مسائل الفقه الاجتهادية، وأما من حيث العموم: فهو كتاب علمي نافع، وهذه طائفة من ثناء كبار أهل العلم في زماننا على الكتاب الذي – كما يقول الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – قد وُفِّق صاحبه أيما توفيق في اختيار عنوانه، وهو غير مسبوق إليه -.

 

 

  1. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

استشير سماحتكم في الكتاب التالي ” فقه السنَّة “؟.

فأجاب:

كتاب طيب، ومفيد، ” فقه السنَّة ” كتاب طيب، ومفيد، وفيه علم كثير، فننصح باقتنائه، ومراجعته، والاستفادة منه، وما قد يقع فيه من زلة، أو خطأ: فهو مثل غيره من العلماء، كل عالِم له بعض الخطأ، وبعض النقد، فإذا أشكل على طالب العلم، أو على طالبة العلم بعض المسائل: عليه أن يسأل أهل العلم عما أشكل عليه، وأنا لم أقرأه، ولكن قرأت بعضه، فرأيت فيه خيرا كثيرا، وفوائد، فإذا أشكل على طالب العلم شيئا من المسائل – أو على طالبة العلم شيئاً من المسائل -: فعليها أن تتثبت، وعليه أن تتثبت، حتى يسأل أهل العلم، وحتى يراجع الأدلة التي ذكرها المؤلف، وذكرها غيره، حتى تتم الفائدة، فكل واحد من أهل العلم يُؤخذ من قوله، ويترك، كلُّ واحدٍ له أغلاط، قد ينسى، وقد يغلط، وقد يشتبه عليه الدليل، فليس صاحب كتاب ” فقه السنَّة ” معصوما، ولا غيره من العلماء، ولكن الواجب على طلبة العلم – وطالبات العلم – أن يكون عند الجميع من اليقظة، والانتباه، وتحري الحق ما يمنع الوقوع في الخطأ، ولا يتوقف طالب العلم على مسألة ذكرها بعض العلماء، أو كذا طالبة العلم؛ فإن على من توقف عندها أن يسأل، وأن يتبصر، ويراجع الأدلة إن كان عنده قوة في ذلك، وإلا أن يسأل خواص العلماء الذين يظن فيهم الخير، والعلم، حتى يفيدوه، وحتى يرشدوه إلى ما هو الصواب.  ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 489 ).

  1. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن كتاب ” فقه السنَّة “؟.

فأجاب:

لا شك أنَّه مِن خير الكتب؛ لأن فيه مسائل كثيرة مقرونة بالأدلة، لكنه لا يسلم من الأخطاء، وكما قال ابن رجب – رحمه الله – في مقدمة ” القواعد الفقهية “، قال: ” يأبى الله العصمة لكتابٍ غير كتابه، ولكن المنصف من اغتفرَ قليلَ خطأ المرءِ في كثير صوابه “.

الكتاب لا شك أنه نافع، لكن لا أرى أن يقتنيه إلا طالب علم يميز بين الصحيح والضعيف؛ لأن به مسائل ضعيفة كثيرة، ومن ذلك القول باستحباب صلاة التسبيح.

” كتاب العلم ” ( ص 103 ).

وقول الشيخ العثيمين – رحمه الله – ” به مسائل ضعيفة كثيرة “: فيه نظر، ومع ذلك فهو – رحمه الله – لم يقل بوجود مسائل شاذة في الكتاب.

ونقده لترجيح الشيخ سيد سابق باستحباب صلاة التسابيح: إنما هذا بحسب ما ظهر للشيخ – رحمه الله – من ضعف الحديث الوارد فيها، وأما القول باستحباب صلاتها: فقد قال بها أئمة من السلف، بل هو قول جمهور العلماء.

ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 150 ، 151 ):

اختلف الفقهاء في حكم ” صلاة التسبيح “، وسبب اختلافهم فيها: اختلافهم في ثبوت الحديث الوارد فيها:

القول الأول: قال بعض الشافعية: هي مستحبة وقال النووي في بعض كتبه: هي سنَّة حسنة، واستدلوا بالحديث الوارد فيها ….

القول الثاني: ذهب بعض الحنابلة إلى أنها لا بأس بها، وذلك يعني الجواز، قالوا: لو لم يثبت الحديث فيها: فهي من فضائل الأعمال، فيكفي فيها الحديث الضعيف، ولذا قال ابن قدامة: إن فعلها إنسان فلا بأس فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها … .

والقول الثالث: أنها غير مشروعة، قال النووي في ” المجموع “: في استحبابها نظر؛ لأن حديثها ضعيف ، وفيها تغيير لنظم الصلاة المعروف، فينبغي ألا يفعل بغير حديث، وليس حديثها بثابت، ونقل ابن قدامة أن أحمد لم يثبت الحديث الوارد فيها، ولم يرها مستحبة، قال: وقال أحمد: ما تعجبني، قيل له: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح، ونفض يده كالمنكر. انتهى.

ونحن نرجح ما قاله النووي – رحمه الله – من ضعف حديثها، وعدم استحبابها – بل ولا نرى جواز فعلها -، وإنما ذكرنا أقوال العلماء ليُعلم حقيقة الخلاف فيها، وأن ما اختاره الشيخ سيد سابق ليس منكرا،  ولا شاذًّا، وأنه قد يكون ترجيحه ذاك ضعيفاً عند من علماء دون آخرين.

  1. وسئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

ما هي الكتب التي تنصح بها شابًّا ناشئاً في حياته العلمية؟.

فأجاب:

ننصح له أن يقرأ – إذا كان مبتدئا-: من كتب الفقه: ” فقه السنَّة ” للسيد سابق، مع الاستعانة عليه ببعض المراجع، مثل ” سبُل الإسلام “، وإن نظر في ” تمام المنَّة “: فيكون هذا أقوى له، وأنصح له بـ ” الروضة الندية “.

نقلا عن ” مجلة الأصالة ” العدد الخامس ( ص 59 ).

والشيخ – رحمه الله –  له اهتمام خاص بالكتاب، ومعرفة تامة به، وله عليه انتقادات جمعها في كتابه المشهور ” تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة “، ولم يتمه، وهو إذا أثنى على الكتاب وجعله مصدراً للمبتدئ: فهو على دراية بما يقول، وهو يؤكد ما ابتدأنا به كلامنا من ذكر صفات الكتاب، بما يجعل المبتدئ ينظر فيه، ويأمن على نفسه.

 

والله أعلم.

أهلها رافضة، فكيف تتصرف معهم، وبخاصة في موضوع الزواج؟.

أهلها رافضة، فكيف تتصرف معهم، وبخاصة في موضوع الزواج؟.

السؤال:

يا شيخ أمي وأبي شيعة، وأمي التي جابت دين جديد تقول لي: يا أتباع عثمان، وشتم، وسب، وأبي لا يعرف أني سنية، متأذية – يا شيخ – كثير.

– أريد النصيحة، وخاصة في موضوع الزواج، لا أعرف ماذا أفعل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

فإن من عظيم نعَم الله تعالى على العبد أن يهديه للإسلام الذي ارتضاه الله تعالى دينا خاتما للأديان، ولم يكن لهذا الدِّين أن يصل لأقطار الأرض لولا أن يسَّر الله رجالا خصَّم بمزيد فضل ليكونوا حملةً له، بذلوا الغالي والنفيس من أجله، وقدموا التضحيات العظيمة في سبيل نشره، وها هي الأرض تشهد لهم بتفرق موتهم في أقطارها، ذلك هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسَلين، ولذا كان مبغضهم والطاعن فيهم زنديقا مرتدًّا؛ لأنه يريد النيل من الإسلام نفسه.

فاحمدي الله تعالى دوماً أن اختاركِ الله تعالى لتكوني من أهل السنَّة حملة الدين الصحيح الذي أرسل الله تعالى به رسولَه صلى الله عليه وسلم.

واصبري على ما تجدينه من أذى وضرر في سبيل الحفاظ على تلك النعمة العظيمة، وليكن على بالك دوماً أخواتك اللاتي صبرنَ على ضيم الكفار وعذابهم، كسميَّة والدة عمَّار بن ياسر، والتي قدَّمت نفسها رخيصة في سبيل ربها، ودينها، وغيرها كثير من الصابرات على دينهن ممن يعشن بين ظهراني أهاليهن من الكفار، والملحدين.

ثانيا:

وننصحك بكتم هدايتك عن والدك؛ خشية من إيقاع الأذى أو الضرر عليك، واحرصي على عدم المواجهة مع والدتك؛ خشية من نقل خبرك لوالدك، أو لأقربائك، واستمري على تعلم شرع الله تعالى بتأنٍّ وتروٍّ، ومثل هذه المواقف تحتاج منك لزيادة العلم والإيمان، حتى تستطيعين مواجهة صعاب الفتنة، واسألي الله تعالى دوماً العفو، والمعافاة في دينك ودنياك.

ثالثا:

وبخصوص موضوع زواجك: اعلمي أنه لا ولاية لوالدك عليكِ ما دام أنه على مذهب التشيع الباطل، وإنما وليُّك هو المسلم السنِّي ممن هو أقرب إليك نسبا، كجدك، أو أخيك، أو عمِّك، فإن لم يوجد منهم من هو كذلك: فتكون ولاية تزويجكِ للقاضي المسلم السنِّي، فإن استطعتِ التخلص من تسلط أهلك عليك بأن زوجوك هم: فلا تختاري إلا ما يحل لك تزوجه، وهو رجل مسلم سنِّي، وإذا كان وليك هو والدك: فيمكنكما إعادة العقد فيما بعد عند قاضٍ مسلم سنِّي.

وإن تخلصتِ من تسلط أهلك بالخروج الكلي من البيت: فاحرصي أن تكوني في أيدٍ أمينة موثوقة، ويمكن بعدها لقاضٍ شرعي أن يزوجك من واحدٍ من أهل السنَّة.

واعلمي أن تزوجك بواحد من أهل ديانة أهلك: باطل، لا يحل لك الموافقة عليه، ويجب عليك بذل ما تستطيعين في سبيل إيقافه، ومنعه.

 

والله أعلم.

الفرق بين الاعتقاد المخرج من الملة، والوسوسة

الفرق بين الاعتقاد المخرج من الملة، والوسوسة

السؤال:

ما السبيل إلى التفريق بين الاعتقاد المخرج من الملة، وبين الوسواس؟ وهل هناك كتاب فقه للموسوسين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ثمة فرق كبير بين الاعتقاد المخرج من الملَّة، وبين الوسواس:

  1. فالأول: فيه عقد القلب على اعتقاد خبيث، والجزم به، وهو ما يؤدي إلى ظهور آثار له، كالجهر بالقول به، أو ظهور أفعال للجوارح على صاحبه.

وأما الوسوسة: فهي مرض، وتخيلات، وأوهام، وترهات، لا يعقد القلب على اعتقاد مخالف للشرع، مضاد له، ولا يظهر له أثر على اللسان، ولا على الجوارح.

  1. والأول: صاحبه خبيث الباطن، خبيث الظاهر، والثاني: صاحبه طاهر الباطن، طاهر الظاهر.
  2. والأول: يستقر الاعتقاد السيئ في قلبه، ويستمر مع صاحبه، ويقويه، ويفرح به، وأما الموسوس: فلا يستقر في قلبه شيء من الاعتقاد ذاك، ولا يجد فسحة في قلبه ليستمر مع صاحبه، وتجد صاحبه حزيناً لوجوده، يسوؤه أن مرَّ ذلك الاعتقاد على قلبه.
  3. والأول: كافر، خارج من ملة الإسلام، إذا انطبقت عليه الشروط، وانتفت عنه الموانع، والثاني: مؤمن، ومن علامة إيمانه: تسلط الشيطان عليه بالوسوسة الاعتقادية المخالفة لشرع الله تعالى، وتعاظم ظهور ذلك الاعتقاد السيئ على لسانه وجوارحه: من علامات الإيمان.

ثانيا:

ولسنا نعلم بوجود كتاب فقه للموسوسين، وكيف يمكن لمسلم أن يؤلف مثل هذا الكتاب؟! ليس في الشرع أحكام خاصة تتعلق بالموسوسين، بل يجب عليهم الالتزام بما جاء في الكتاب والسنَّة من أحكام، والوسوسة مرض يجب على صاحبه بذل ما يستطيع للتخلص منه، وذلك بتقوية إيمانه بالأعمال الصالحة، وبالعلم، وبالأذكار الشرعية، والأدعية، كما يجب على من ابتلي بهذا المرض أن يُطلق له العنان ليتسلط على قلبه، بل واجبٌ عليه دفعه، والتخلص منه.

ويوجد في المكتبة الإسلامية كتبٌ تُعنى بأحكام الوسوسة، وبيان تأثيرها على أحكام الطهارة، والصلاة، والطلاق، والاعتقاد، وغير ذلك، كما يوجد كتب تُعنى بذم الوسوسة، والتحذير من طرق الشيطان في الإيقاع بها.

وننصح كل من ابتلي بمرض الوسوسة أن يقرأ الفصل الذي أفرده ابن القيم في كتابه ” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 126 ) فما بعده، وكتاب ذم الموسوسين ” لابن قدامة، وكتاب ” تلبيس إبليس ” لابن الجوزي، رحمهم الله جميعا، ومن الكتب المعاصرة في هذا: ” الوسوسة وأحكامها في الفقه الإسلامي ” للدكتور حامد بن مدَّه بن حميدان الجدعاني.

وثمة أشرطة نافعة كثيرة في بيان هذا المرض، وعلاجه، وتجدها في موقع الصوتيات الشهير: ” طريق الإسلام “.

 

والله أعلم.

التربية العقدية للطفل في صغره بين من يؤيد ومن يمنع

التربية العقدية للطفل في صغره بين من يؤيد ومن يمنع

السؤال:

نحن لم نتعود على سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ الطفولة؛ حيث إن التربية في بلدنا كانت تتم حسب العرف، وليس حسب الدِّين، وأرغب الآن على تعويد صغاري على اتباع السنة النبوية؛ لإيماني الشديد بأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وإنما يوحى إليه، وما يقوله حتى ولو لم نفهمه هو عين الصواب، لكن زوجي يقول: إن تعويد الأطفال على الأدعية النبوية – قبل دخول الخلاء، وقبل الخروج من المنزل، وعدم اللعب في الخارج عند المغرب، وبعد الغروب، وكثرة التعوذ من الشيطان، وغيره من وصايا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – يربكهم، ويصيبهم بالوسواس، وأن الحديث أصلاً عن الشيطان للأطفال غير محبب ويخوفهم.

أنا مقتنعة يا فضيلة الشيخ بالتربية العقيدية منذ سن الصغر، وأن السنَّة – والفروض طبعاً – إن لم تزرع في الصغر فلن يتعودوا عليها، فما رأيك؟ وأريدك أن تحكم بيننا، علما بأنني لست إنسانا كاملا، وأحاول قدر جهدي أن ألتزم بشرائع الله، وأعوض أي تقصير، أو جهل سابق بحكم عدم تربية أهلنا لنا على شرائع الإسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

إن تربية الأولاد من أشق الأعمال على الوالدين، ولذا فإن الأجر يعظم لهما على حسن تربيتهم، والعناية بهم، دينيًّا، وسلوكيًّا، ويكون الأولاد بذلك مصدر سعادة، وأجر الوالدين؛ حيث يكتب الله أجور أعمالهم وطاعاتهم لوالديهم؛ لأنهما السبب في وجودهم، والسبب في تربيتهم، وصلاحهم.

وإن أول ما ينبغي للوالدين الحرص عليه في تلك التربية: هو العناية بأولادهم في جانب الاعتقاد، فيتربَّى الأولاد منذ صغرهم على تعظيم الله تعالى، وعلى القيام بأوامره، والابتعاد عن نواهيه، وعلى حفظ كلامه القرآن الكريم؛ تعظيما لقائله.

ولا يختلف الأمر بخصوص الأدعية والأذكار التي تحفَّظ للولد في صغره، بل هو يصب في ذلك التعظيم بالله تعالى، فيتعلم الولد أنه لا ينجيه من الشر إلا الله، وأن الله تعالى مالك الملك، فيتعود على طلب حاجته من ربه عز وجل، وهذا كله يرسِّخ جانب الاعتقاد السليم في قلب الولد منذ صغره.

ولا نرى لاعتراض أحدٍ على ذلك وجها، بل إننا لنشد على يد كل مربي يسعى في غرس الاعتقاد الصحيح في قلب الأولاد منذ صغرهم، وإننا لنحث الآباء والأمهات على تصحيح المسار في جانب التربية على هذا الاعتقاد السليم.

وإننا لنعجب ممن يخالف في هذا وهو يرى أن الأولاد يتربون على الخوف من الأوهام والخيالات والأشياء المجهولة، فكثيراً ما يُسمع تخويف الأولاد من ” العَو “! أو ” الغول ” أو ” الشبح “! فكيف يرضى المسلم أن تكون مثل الاعتقادات مغروسة في قلب ولده، ولا يرضى أن يتربى على الخوف من الله، والاستعاذة به تعالى؟! وتتنوع الاعتقادات الفاسدة في حياة الأولاد منذ صغرهم بتنوع بيئاتهم، وثقافة مجتمعاتهم، وقد أدركنا بعض تلك البيئات إذا انكسر سنُّ ولد منهم خاطب الشمس قائلاً لها: ” يا شمس خذي سن الحمار! وأعطيني سن الغزال! “، نعم، يخاطب الشمس، ويطلب منها، ويعتقد أن تقبل، وتبدِّل، وكل ذلك برعاية وعناية الآباء والأمهات، فأي وجه لإنكار التربية على العقيدة الصحيحة، والطلب من الله تعالى أن يرزقه خيراً مما أَخذ منه، وأنه تعالى وحده القادر على ذلك؟!.

ولننظر – بإنصاف – إلى السنَّة النبوية لتكون حكما بيننا وبين مخالفينا:

هذا النبي صلى الله عليه وسلم يُردف خلفه ” غلاما ” صغيرا، ويوصيه بوصايا، ولنتأمل هذه الوصايا لذاك الغلام ما هي:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: ” يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ “.

رواه الترمذي ( 2516 ) وقال: حديث حسن صحيح.

فهذه وصايا النبي صلى الله عليه لذلك الغلام، ولنتأملها مرة أخرى، وسنجد فيها أعظم قواعد الاعتقاد الصحيح، وأدق تفاصيله، بل إن هذه الأبواب قد ضلَّ في عدم فهمها طوائف كثيرة منتسبة للإسلام، راحت تسأل الأموات، والأحجار، وتستعين بالجن، والشياطين، وضلت في باب القضاء والقدر.

وهذه الوصايا الجليلة كانت موجهة من نبي هذه الأمة، ومعلمها، صلى الله عليه وسلم، لغلام صغير، ولم يمنع صغر سنِّه من غرس الاعتقاد الصحيح في قلبه، ونفسه.

قال الدكتور محمد بن عبد العزيز بن أحمد العلي – حفظه الله -:

مما يؤخذ من هذا الجزء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم – أي: قوله: ” يا غلام: إني أعلمك كلمات “ الأمور التالية:

  1. وجوب تعليم الناس العقيدة الصحيحة، وتربيتهم عليها، وعلى العلم النافع، ويكون ذلك بأسلوب مختصر، وكلِم جامع واضح، فلو تأملت هذا الحديث: لوجدته جامعا لمسائل عقدية كثيرة بأسلوب موجز.
  2. الحرص على تربية الناشئة على العلم النافع، ويبدأ بتربيتهم على العقيدة الصافية الخالصة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وجَّه هذه الكلمات النافعات إلى ابن عباس وهو صغير؛ إذ قال له: ” يا غلام: إني أعلمك كلمات)؛ ليتربى الشاب المسلم على معرفة الله وتوحيده، وحفظ حدوده، يلجأ إلى الله في الرخاء والشدة، ويسأله ويســتعين به، ويتوكل عليه عز وجل، فيصبح شجاعا مقداما؛ لأنه يعلم أنه لا يملك أحد من البشر له نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله تعالى، ولأن الله معه ينصره ويؤيده وييسر له أموره، ما دام متمسكا بشرع الله إخلاصا واتباعا.

فعلى الجميع الحرص على غرس الإيمان في نفوس الأبناء، وتربيتهم على فهم أصول الإيمان، والعمل بأحكام الإسلام، وتعويدهم على المراقبة والمحاسبة منذ الصغر، قبل أن تصلهم الفلسفات الإلحادية، والشبهات البدعية، والشهوات المغرضة، وغير ذلك مما تشنه تلك الحملات المسعورة من حرب ضروس ضد شباب الأمة ذكورا وإناثا، مرة باسم التثقيف، وباسم التسلية والترفيه مرات أخرى.

” مجلة جامعة أم القرى “، العدد 23، شوال 1422هـ، ديسمبر ( كانون الأول ) 2001 م

وبما سبق تعلمين أننا معك في تعليم أولادكم القرآن، والأذكار، والأدعية، والتربية على العقيدة السليمة، وغرس ذلك في قلوبهم منذ الصغر.

 

والله أعلم.

أخوهنَّ له سوابق سيئة فهل يأثمون بأخذ الحيطة منه؟ وهل لوالدتهم طاعة عليهن هنا؟.

أخوهنَّ له سوابق سيئة فهل يأثمون بأخذ الحيطة منه؟ وهل لوالدتهم طاعة عليهن هنا؟.

السؤال:

ما حكم الشرع في موقفي أنا وأخواتي اتجاه أخي الذي يكبرنا بـعشرة أعوام تقريباً الذي علِمنا عنه من خلال كثرة ارتداده للسجن بسبب إما تعاطيه للمخدرات، أو الاتجار فيه, ومشاكل المشاجرات مع الجيران، هذا كله عبر السنوات الماضية منذ صغرنا إلى الآن، هذا كله ويدَّعي ببراءته أنها مكائد من الآخرين، وللأسف يصدقه والداي, وبعد وفاة والدي زادت مشاكله حيث يسكن الآن مع والدتي, وهو غير متزوج، وعاطل عن العمل، ويسكن في بيت الورثة، ويستفيد من إيجار محل الورثة, إلا أننا لم نخلص من مشاكله، وآخرها محاولة استدراج الأطفال الذكور من جيران أمي؛ لإعطائهم الخمر، والفعل الفاحش بهم، حيث رفع أحد آباء هؤلاء قضية عليه لمحاولة التحرش بابنه، ولا نعلم تفاصيل القضية، ولكن الذي نراه الآن أنه طليق حر, ويمثل دور البريء أمام أمي, ولكن أنا وأخواتي لدينا أطفال أكبرهم عمر العشر سنوات، وهو دائما يحاول أن يجذب حبَّهم وودهم له عند زيارتنا للوالدة، وهذا ما يضايقنا، وأمي تلزمنا بأن نسلم عليه، ونؤمنه على أبنائنا, وبعد الحادث الأخير قررنا أن لا نزور أمي في المنزل الذي تقطن فيه، بل نجتمع في منزل إحدى أخواتي، حيث طلبنا من أمي أن تزورنا فيه لمواصلتها, ولكن أقامت أمي الدنيا ولم تقعدها، حيث دعت على أختي المسكينة بأسوأ أنواع الدعوات، وعلى أبنائها أن يصيبهم ما ابتلي به أخي, وهي غاضبة علينا الآن، فهل موقفنا في عدم الذهاب لمنزل أمي صائب أم خاطئ؟ فأنا أخاف أن يكون هذا عقوقا لها, ولا نعلم كيف سيكون الأمر حيث اعتدنا التجمع في رمضان معها والعيد، فأمي الآن وحيدة كل هذه الأفكار تتعبني، أين الصواب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يجوز للمسلم أن يلصق تهمة بغيره وهو منها بريء، وبخاصة إذا تعلقت التهمة بالطعن بعرضه، واتهامه بارتكاب الفحش، وهو القذف المحرَّم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ “. رواه مسلم ( 2564 ).

ولا يؤخذ المسلم بالظن في الاتهام، وقد نهينا عن اتباع مثل هذا الظن، وبناء الأحكام عليه.

قالَ تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ) [ الحجرات / من الآية 12 ].

وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا ).

رواه البخاري ( 4849 ) ومسلم ( 2563 ).

ثانيا:

ولسنا نسهِّل من أمر الاختلاط بأصحاب الشبهات، والسوابق الإجرامية، ومن تظهر عليهم قرائن الفساد في سلوكهم وأخلاقهم، فهما مسألتان: الأولى: التصريح بالقذف بفعل الفاحشة، فهذا لا يجوز إلا باعتراف الفاعل، أو شهادة أربعة شهود، والثانية: التعامل مع من يظهر منه سلوك مشين، أو يصاحب أهل الفساد والانحلال، فهذا لا نحكم عليه بفعل فاحشة بسبب سلوكه ذاك، وفي الوقت ذاته نحتاط لأنفسنا، وأولادنا منه، ولو كان أبا، أو أخا، أو عمًّا، أو خالا، فهذه المسألة غير تلك.

ثالثا:

والوالدان مأموران بالنظر فيما يصلح أولادهم فيفعلونه, وفيما يفسدهم فيُبعدونهم عنه، ويحمونهم منه، وهي الوقاية التي أمرهما الله تعالى بها في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) [ التحريم / الآية 6 ].

وإن الله سائل كل راعٍ عن رعيته، والوالدان مسئولان عن أودهم، فرَّطوا، أو نصحوا لهم.

عن ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا “. رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

رابعا:

وإذا رأيتم أن من مصلحة أولادكم البُعد عن خالهم، وعدم تمكينه من رؤيتهم، فضلاً عن ملامستهم، والاختلاء بهم: فلا تترددوا في فعل ذلك، بل احرصوا عليه، وابذلوا من أجله جهدكم.

ولا عبرة برأي والدتكِ في هذا الباب، ولا طاعة لها عليك إن كنتِ ترين خطر تلك العلاقة التي تريد والدتك أن تكون بين أولادك وخالهم، فأنتِ ووالدهم هما المسئولان عن أولادكم، لا جدتهم، ورأيكم له ما يؤيده ويقويه، وذلك لما لخالهم من أحوال، وصفات، فالأمر ليس افتراء محضا عليه، وليست المسألة خلافات شخصية، بل لموقفهم ما يسوغه، ويبرره.

 

خامسا:

وننصحكم بأمرٍ وسط، وهو زيارة والدتكِ في وقت تجزمون به بعدم وجود خالهم في البيت، وإذا اضطررتم لتلك الزيارة، أو حضر في غير موعده: أن لا يفارقك أولادك، وأن لا يتمكن من الاختلاء بهم، ولو غضبت أمك من هذا الموقف، ودعت عليك وعلى أخواتك، واعلموا أنه لا قيمة لغضبها، ولا وزن لدعائها، فإنها تدعو بإثم، ولا يستجيب الله لها، بل يؤجركم على صبركم، وتحملكم، ونرى أن قطع زيارتها بالكلية قد يسيء إليها كثيرا، فاحرصوا على تحقيق الزيارة، مع الأمن من مكر أخيكم أن يسول له الشيطان فعل ما تندمون على تساهلكم معه طيلة العمر – لا قدَّر الله ذلك عليكم -.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن رجل سُرق له مبلغ، فظنَّ في أحد أولاده أنه هو أخذه، ثم صار يدعو عليه، وهجره، وهو بريء، ولم يكن أخذ شيئا، فهل يؤجر الولد بدعاء والده عليه؟.

 فأجاب:

نعم، إذا كان الولد مظلوما: فإن الله يكفِّر عنه بما يظلمه، ويؤجره على صبره، ويأثم مَن يدعو على غيره عدوانا.

” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 303 ).

 

والله أعلم.

ما هو أفضل دعاء للنجاة من هول يوم القيامة؟.

أفضل دعاء للنجاة من هول يوم القيامة؟.

السؤال:

ما هو أفضل دعاء للنجاة من هول يوم القيامة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يوم القيامة يوم عظيم، فيه من الأهوال والمواقف العظام ما يجعل الولدان شيبًا، يصيب الناس فيه من الفزع والهلع ما الله به عليم.

يقول ابن عطية – رحمه الله -:

” أوحش ما يكون الخلقُ في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم ” انتهى. ” جامع البيان ” (8/318).

ولا نرى النجاة من هول يوم القيامة إلا بالعمل الصالح، والقلب السليم، والإخلاص لله تعالى، والتزود من التقوى، فذلك سر الثبات في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وسر يحفظ الله به المرء من الفزع يوم الفزع الأكبر.

يقول الله تعالى:

( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ البقرة / الآية 112 ].

ويقول الله تعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ البقرة / الآية 277 ].

ويقول سبحانه:

( يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ الأعراف / الآية 35 ].

ويقول عز وجل:

( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [الأحقاف / الآية 13 ].

بل تأتي البشارة للمؤمن بالأمان من الفزع يوم القيامة ساعة الاحتضار، يقول الله عز وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) [فصلت / الآية 30 – 31 ].

 

يقول الحافظ ابن كثير – رحمه الله -:

” ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فاتهم من أمور الدنيا ” انتهى.

“تفسير القرآن العظيم” (1/240).

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بشَّرَ الشهيدَ والمُرابط في سبيل الله بالأمن من الفزع يوم القيامة.

عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

” لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ “.  رواه الترمذي (رقم/1663) وقال: هذا حديث صحيح غريب.

وأخرج ابن أبي شيبة في “المصنف” (13/209) عن الجعد أبي عثمان قال:

” بلغنا أن داود عليه السلام قال: ” إلهي ما جزاء من فاضت عيناه من خشيتك؟ قال : جزاؤه أن أؤمنه يوم الفزع الأكبر ” انتهى.

ولم نقف على دعاء خاص مأثور في هذا الباب، إنما هو العمل الصالح، والدعاء العام بما يفتح الله به على العبد.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يأخذ الكتاب باليمين، ويجعلنا يوم الفزع الأكبر آمنين، ويوصلنا برحمته وكرمه إلى جنات النعيم، ويغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

 

والله أعلم.

لماذا لم يكرر ذكر ” الجن ” في سورة ” الناس “؟.

لماذا لم يكرر ذكر ” الجن ” في سورة ” الناس “؟.

السؤال:

لماذا لم يذكر ” الجن ” في سورة ” الناس “، كقوله تعالى: ( برب الناس . ملك الناس . إله الناس )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يقول بعض المفسرين – وأسنده إبراهيم الحربي في “غريب الحديث” (2/421) إلى الفراء – إن الجن يشملهم لفظ: ” الناس “، فهي لفظة تشمل كلا الجنسين: الإنس والجن.

يقول ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

” قوله: ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) يعني بذلك: الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جنهم وإنسهم.

فإن قال قائل: فالجنّ ناس، فيقال: الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس؟.

قيل: قد سماهم الله في هذا الموضع ناسًا، كما سماهم في موضع آخر رجالًا فقال: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) فجعل الجنّ رجالًا، وكذلك جعل منهم ناسًا.

وقد ذُكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث: إذ جاء قوم من الجنّ فوقفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجنّ، فجعل منهم ناسًا، فكذلك ما في التنزيل من ذلك ” انتهى. “جامع البيان” (24/711).

وعلى هذا القول لا يبقى وجه للسؤال عن سبب إهمال تكرار لفظ ” الجن ” في هذه السورة.

ولكن استضعف كثير من أهل العلم هذا القول، وقالوا بأن ” الناس ” جنس مغاير لجنس الجن، ولا يطلق عليه إلا مقيدًا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

” وأما قول الفراء أن المراد من ( شر الوسواس ) الذي يوسوس في صدور الناس: الطائفتين من الجن والإنس، وأنه سمى الجن ناسًا كما سماهم رجالًا وسماهم نفرًا – فهذا ضعيف؛ فإن لفظ ” الناس ” أشهر وأظهر وأعرف من أن يحتاج إلى تنويعه إلى الجن والإنس، وقد ذكر الله تعالى لفظ الناس في غير موضع.

وأيضًا فكونه يوسوس في صدور الطائفتين صفة توضيح وبيان، وليس وسوسة الجن معروفة عند الناس، وإنما يعرف هذا بخبر، ولا خبر هنا.

ثم قد قال: ( من الجنة والناس ) فكيف يكون لفظ ” الناس ” عاما للجنة والناس، وكيف يكون قسيم الشيء قسمًا منه، فهو يجعل الناس قسيم الجن، ويجعل الجن نوعًا من الناس، وهذا كما يقول: أكرم العرب من العجم والعرب، فهل يقول هذا أحد؟!.

وإذا سماهم الله تعالى رجالًا لم يكن في هذا دليل على أنهم يسمون ناسًا، وإن قدر أنه يقال جاء ناس من الجن فذاك مع التقييد، كما يقال إنسان من طين، وماء دافق، ولا يلزم من هذا أن يدخلوا في لفظ ” الناس ” وقد قال تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ).

فالناس كلهم مخلوقون من آدم وحواء، مع أنه سبحانه يخاطب الجن والإنس، والرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجنسين، لكن لفظ ” الناس ” لم يتناول الجن، ولكن يقول: ( يا معشر الجن والإنس ) ” انتهى.

“مجموع الفتاوى” (17/511 – 512).

ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور – رحمه الله -:

” لا يطلق اسم ( النَّاسِ ) على ما يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبعد ” انتهى.

” التحرير والتنوير” (30/557) وانظر أيضًا ” مفاتيح الغيب ” (32/182).

وعلى هذا القول يجاب بأن الحكمة من إفراد بني آدم الذين هم جنس ” الناس ” بالذكر في هذه السورة زيادة التشريف على سائر المخلوقات.

جاء في تفسير “مفاتيح الغيب” (32/180 – 181):

” هذا التكرير يقتضي مزيد شرف ” الناس “، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربًّا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، ولولا أن الناس أشرف مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربًّا وملكا وإلها لهم ” انتهى.

ويقول الشوكاني – رحمه الله -:

” ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ” انتهى.

” فتح القدير ” (5/522).

 

والله أعلم.