الرئيسية بلوق الصفحة 142

حكم استعانتها بصديقتها لحلق شعر العانة

السؤال:

هل يجوز أن تزيل لي صديقتي المقربة لي جدّا شعر منطقة العانة ؟ أنا أخاف جدّا، وأنا أتضايق من هذا الشعَر، وإن أزالت لي صديقتي سيكون بيننا يمين أن لا تنطق بأي شيء تراه، فأنا بحاجة لإزالته، واستحي أن أتحدث لأمي أن تزيله لي!

 

الجواب:

الحمد لله

حلق شعر العانة من سنن الفطرة ، وقد وقتت الشريعة في بقائه من غير حلق أربعين يوما، والأصل أن يحلق كل مكلَّف شعر عانته بنفسه، إلا من كان عاجزا عن ذلك لكبر سن، أو مرض.

وما تريد الأخت السائلة فعله هو من المحرَّمات، ومن القبائح، ولا يليق بالمسلمة فعله من غير ضرورة، وكونها تخاف من إزالته ليس بعذر، فهذا الأمر لا يتطلب شجاعة وجرأة، والطرق كثيرة في إزالته، وبعض هذه الطرق سهل ويسير.

ولا ينفع للإباحة أن تجعل صديقتها تُقسم على عدم إخبار أحدٍ بما تراه، ولو جاز هذا الفعل للضرورة لكانت أمها أولى بأن تحلق لها شعر عانتها.

وقد وردت النصوص الصحيحة الصريحة بتحريم اطلاع الرجل على عورة الرجل ، والمرأة على عورة المرأة، وقد أجمع العلماء على هذا التحريم.

عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ ).

رواه مسلم ( 338 ) .

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فأما الرجل مع الرجل: فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة … وحكم المرأة مع المرأة حكم الرجل مع الرجل.

” المغني ” ( 7 / 80 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

والنساء عن النساء في العورة الخاصة كما قال صلى الله عليه وسلم: ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة )، وكما قال: (احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يراها، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحيى منه )، ( ونهى أن يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد )، وقال عن الأولاد: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرِّقوا بينهم في المضاجع )، فنهى عن النظر واللمس لعورة النظير؛ لما في ذلك من القبح، والفحش، وأما الرجال مع النساء: فلأجل شهوة النكاح، فهذان نوعان، وفي الصلاة نوع ثالث.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 113 ).

وقال ابن حجر – رحمه الله -:

…. وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع … والمرأة إلى عورة المرأة على ذلك بطريق الأولى، ويستثنى الزوجان فلكل منهما النظر إلى عورة صاحبه.

” فتح الباري ” ( 9 / 338 ، 339 ).

والخلاصة:

لا يحل لك الطلب من صديقتك أن تحلق لك شعر العانة، ولا أن تمكنيها من فعل ذلك، وإن خالفتِ هذا وقعتِ – وإياها – في كبيرة من كبائر الذنوب، ولست معذورة في هذا الأمر؛ لأنه يتيسر العثور على طريقة سهلة لإزالة ذلك الشعر.

ويجوز هذا الفعل لضرورة العجز عن الحركة، والمرض، وذهاب العقل، وما يشبه هذه الأعذار التي لا يتمكن منها الرجل والمرأة من حلق شعر العانة.

 

 

والله أعلم.

حكم الدفاع عن النفس والمال وهل من يقتل يكون شهيدا وتفصيل معنى الشجاعة

حكم الدفاع عن النفس والمال وهل من يقتل يكون شهيدا وتفصيل معنى الشجاعة

السؤال:

ورد في أحد الأحاديث أنه جاء رجل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وسأله عن رجل يريد أخذ ماله فقال له: ” لا تعطه مالك ” إلى أن قال له: ” هو في النار “.

هل معنى هذا أنه بلغ منزلة الشهداء مثل الشهيد الذي يموت في المعركة وله نفس الكرامات منها عدم سؤاله في القبر، وهو من الأحياء عند ربهم؟ وهل يعتبر من قتل شخصا يريد أن يسرقه ليس آثما؟ وهل الدفاع عن النفس فرض عين؟ وكيف يصبح الإنسان شجاعا؟ هل بتقوية الإيمان فقط أم بخوض معارك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نص الحديث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. رواه مسلم ( 140 ).

وقوله صلى الله عليه وسلم في حق المقتول دون ماله إنه ” شهيد ” نصٌّ في أن له أجر الشهيد الوارد في السنَّة، لكن لا يلزم من هذا أنه في درجته ومنزلته؛ لما هو معروف من تفاوت درجات شهداء القتال أنفسهم فيما بينهم، كما أن أحكام شهيد القتال الدنيوية لا تطبَّق عليه، لذا فهو يغسَّل ويكفَّن.

قال النووي – رحمه الله -:

واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:

أحدها: المقتول في حرب بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.

والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون, والمطعون, وصاحب الهدم, ومن قتل دون ماله, وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا فهذا يغسل ويصلى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء, ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.

والثالث: مَن غلَّ في الغنيمة وشبهه من وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل, ولا يصلى عليه, وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة.  ” شرح مسلم ” ( 2 / 65 ).

 

ثانيا:

كما أنَّ الحديث نصٌّ في عدم إثمه إن قتلَ مَن أراد أخذ ماله؛ إذ هو مأذون له في الشرع أن يقاتله، ولو أدى ذلك إلى قتله له.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما أحكام الباب ففيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلاً أو كثيراً لعموم الحديث، وهذا قول لجماهير العلماء.

وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا كالثوب والطعام, وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير.

” شرح مسلم ” ( 2 / 65 ).

ثالثا:

لا يختلف العلماء في وجوب الدفاع عن الحريم، وأما الدفاع عن المال فجائز غير واجب، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ” فلا تعطه مالك ” أي: لا يلزمك أن تعطيه.

وأما حكم الدفاع عن النفس: ففيه خلاف بين العلماء:

فذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب الدفاع عن النفس، ولا فرق عندهم بين أن يكون الصائل مسلماً أو كافراً أو بهيمة.

واختلف الشافعية على أقوال ثلاثة، أظهرها: وجوب الدفاع عن النفس في حال كان الصائل كافراً أو بهيمة، وأما إن كان مسلماً: فلا يجب الدفاع عن النفس، بل يجوز الاستسلام له.

وذهب الحنابلة إلى وجوب الدفاع عن النفس إلا في زمان الفتنة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 28 / 103 – 105 ):

– اختلف الفقهاء في حكم دفع الصّائل على النّفس وما دونها:

فذهب الحنفيّة – وهو الأصحّ عند المالكيّة – إلى وجوب دفع الصّائل على النّفس وما دونها، ولا فرق بين أن يكون الصّائل كافرا أو مسلما، عاقلا أو مجنونا، بالغا أو صغيرا، معصوم الدّم أو غير معصوم الدّم، آدميًّا أو غيره.

واستدلّ أصحاب هذا الرّأي بقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ).

فالاستسلام للصّائل إلقاء بالنّفس للتّهلكة؛ لذا كان الدّفاع عنها واجبا.

وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن كان الصّائل كافرا والمصول عليه مسلما وجب الدّفاع, سواء كان هذا الكافر معصوما أو غير معصوم، إذ غير المعصوم لا حرمة له، والمعصوم بطلت حرمته بصياله، ولأنّ الاستسلام للكافر ذلّ في الدّين، وفي حكمه كلّ مهدور الدّم من المسلمين، كالزّاني المحصن، ومن تحتّم قتله في قطع الطّريق ونحو ذلك من الجنايات.

كما يجب دفع البهيمة الصّائلة، لأنّها تذبح لاستبقاء الآدميّ، فلا وجه للاستسلام لها، مثلها ما لو سقطت جرّة ونحوها على إنسان ولم تندفع عنه إلاّ بكسرها.

أمّا إن كان الصّائل مسلماً غير مهدور الدّم فلا يجب دفعه في الأظهر، بل يجوز الاستسلام له، سواء كان الصّائل صبيًّا أو مجنونا، وسواء أمكن دفعه بغير قتله أو لم يمكن، بل قال بعضهم: يسنّ الاستسلام له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” كن كابن آدم ” – يعني هابيل – ولما ورد عن الأحنف بن قيس قال: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ” إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النّار. قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول؟  قال: إنّه أراد قتل صاحبه “.

ولأنّ عثمان – رضي الله عنه – ترك القتال مع إمكانه، ومع علمه بأنّهم يريدون نفسه، ومنع حرّاسه من الدّفاع عنه وكانوا أربعمائة يوم الدّار وقال: من ألقى سلاحه فهو حرّ، واشتهر ذلك في الصّحابة – رضي الله عنهم – فلم ينكر عليه أحد.

ومقابل الأظهر – عند الشّافعيّة – أنّه يجب دفع الصّائل مطلقاً، أي سواء كان كافرا أو مسلما، معصوم الدّم أو غير معصوم الدّم، آدميًّا أو غير آدميّ؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ).

وفي قول ثالث عندهم: أنّه إن كان الصّائل مجنونا أو صبيًّا فلا يجوز الاستسلام لهما؛ لأنّهما لا إثم عليهما كالبهيمة.

وذهب الحنابلة إلى وجوب دفع الصّائل عن النّفس في غير وقت الفتنة؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) .

ولأنّه كما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها.

أمّا في زمن الفتنة، فلا يلزمه الدّفاع عن نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” فإن خشيت أن يبهرك شعاع السّيف، فألق ثوبك على وجهك “.

ولأنّ عثمان – رضي الله عنه – ترك القتال على من بغى عليه مع القدرة عليه، ومنع غيره قتالهم، وصبر على ذلك, ولو لم يجز لأنكر الصّحابة عليه ذلك.

انتهى.

والأظهر من الأقوال: وجوب الدفاع عن النفس، وهو قول الجمهور، لكن ينبغي التنبه إلى أن الصائل يُدفع بالأسهل فالأسهل، ولا يجوز مباشرة قتله مع القدرة على دفعه بغير القتل، ولو بالهرب.

 

 

 

رابعا:

والسؤال عن الشجاعة يقتضي منا تبيين بعض المسائل حولها، ومنها:

أ. أن فضيلة الشجاعة هي حيث تكون لتحقيق منفعة في الدين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومما ينبغي أن يعلم أن الشجاعة إنما فضيلتها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله، وإلا فالشجاعة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد في سبيل الله: كانت إمَّا وبالاً عليه إن استعان بها صاحبها على طاعة الشيطان، وإما غير نافعة له إن استعملها فيما لا يقربه إلى الله تعالى. ” منهاج السنة النبوية ” ( 8 / 86 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله –:

والشجاعة تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك بعنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال: ” ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب “، وهو حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه.

” مدارج السالكين ” ( 2 / 308 ).

ب. وليس الشجاع هو من قَتل كثيرا، بل الشجاع هو قوي القلب، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب، فإذا أضيف إليهما قوة في البدن كان شجاعا كاملا، ولا شك أن النبي صلى الله عليه كان أشجع الناس، كما وصفه أصحابه – رضي الله عنهم -، ومنهم من كان يتقي به في المعركة، وهو من الأبطال، ولما فرَّ بعض أصحابه من ” حنين ” ثبت وقاتل.

عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ, وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ وَقَالَ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا. رواه البخاري ( 2665 ) ومسلم ( 2307 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكمال الشجاعة هو الحلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ليْس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب “.

” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 432 ) .

وقال – رحمه الله -:

والشجاعة تفسر بشيئين:

أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف، والثاني: شدة القتال بالبدن، بأن يقتل كثيرا ويقتل قتلا عظيما.

والأول: هو الشجاعة، وأما الثاني: فيدل على قوة البدن وعمله.

وليس كل من كان قوي البدن كان قوي القلب ولا بالعكس، ولهذا تجد الرجل الذي يقتل كثيرا يقال: إذا كان معه من يؤمِّنه إذا خاف أصابه الجبن وانخلع قلبه، وتجد الرجل الثابت القلب الذي لم يقتل بيديه كثيرا ثابتا في المخاوف، مقداما على المكاره، وهذه الخصلة يحتاج إليها في أمراء الحروب وقواده ومقدميه أكثر من الأولى؛ فإن المقدَّم إذا كان شجاع القلب ثابتاً أقدم وثبت ولم ينهزم فقاتل معه أعوانه، وإذا كان جبانا ضعيف القلب ذل ولم يقدم ولم يثبت ولو كان قوي البدن.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة في أئمة الحرب ولم يقتل بيده إلا أبيّ بن خلف، قتله يوم ” أُحُد “، ولم يَقتل بيده أحداً لا قبلها ولا بعدها، وكان أشجع من جميع الصحابة، حتى أن جمهور أصحابه انهزموا يوم ” حنين ” وهو راكب على بغلة والبغلة لا تكر ولا تفر وهو يقدم عليها إلى ناحية العدو وهو يقول:

أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب

فيسمِّي نفسه، وأصحابه قد انكفوا عنه، وعدوه مقدم عليه، وهو مقدم على عدوه على بغلته والعباس آخذ بعنانها، وكان عليٌّ وغيره يتقون برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أشجع منهم وإن كان أحدهم قد قتل بيده أكثر مما قتل النبي صلى الله عليه وسلم. ” منهاج السنة النبوية ” ( 77 – 79 ).

ج. وأما كيف يكتسب هذه الشجاعة؟ فيمكنه ذلك من خلال أمور، منها:

  1. تقوية قلبه بالإيمان والتوكل والثقة بالله تعالى.
  2. قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والنظر في غزواته.
  3. قراءة سير الشجعان من مجاهدي الإسلام وأبطاله.

 

والله أعلم.

حكم تقشير الوجه وشده؟

حكم تقشير الوجه وشده؟

السؤال:

ما حكم تقشير الوجه للمرأة وشد الوجه بالطرق الحديثة والأشعة أو باستعمال الإبر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

التقشير هو إزالة الجلد ليتجدد بجلد آخر، وقد يكون سبب هذا الفعل إزالة عيب في الجلد نتيجة حرق أو تمزق، وقد يكون لأجل نضارة الوجه وتجميله، فإن كان للأول فهو جائز؛ لأن إزالة العيب يبيح هذا الفعل، وإن كان للثاني فلا يجوز؛ لأنه من تغيير خلق الله، ومن التجمل بما لا يباح شرعا.

وقد سئل عن هذه الظاهرة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –

فأجاب:

رأيي في هذه الظاهرة أنها إن كانت من باب التجميل: فحرام؛ قياسا على النمص والوشم ونحوهما.

وإن كانت لإزالة عيب كحفر في الوجه وسواد في الوجه الأبيض ونحو ذلك: فلا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للرجل الذي قطع أنفه أن يتخذ أنفا من ذهب. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 17 / السؤال رقم 3 ).

وعمليات شد الوجه يقصد بها غالبًا التزين وإزالة التجاعيد، وهي من تغيير خلق الله، وذكرنا أن منها ما هو ضروري فهو جائز، ومنها ما هو تحسيني وهو محرم؛ لأنه يدخل في تغيير خلق الله، وذكرنا من أمثلته عمليات ” شد الوجه “.

ويضاف إلى ما ذكرناه من أحكام في الجوابين السابقين الأضرار التي تسببها هذه بعض العمليات.

ولا حرج في إزالة تحسين الوجه والعمل على نضارته بغير التقشير من استخدام بعض الأدوية المباحة أو الأغذية، وبشرط عدم التسبب بضرر الوجه.

 

والله أعلم.

فوائد شرب أبوال الإبل

فوائد شرب أبوال الإبل

السؤال:

أرجو من فضيلتكم تزويدي بالجواب العلمي – إن توصل العلم له – وذلك بشأن الحديث الصحيح عن شرب أبوال الإبل – عافاكم الله – .

 

الجواب:

الحمد لله

الحديث الذي أشار إليه الأخ السائل حديث صحيح، وفيه أن قوما جاءوا المدينة النبوية فمرضوا فأشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالشرب من ألبان الإبل وأبوالها، فصحوا وسمنوا، وفي القصة أنهم ارتدوا وقتلوا الراعي، ثم أدركهم المسلمون وقتلوهم.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْغِنَا رِسْلًا قَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ فَانْطَلَقُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ … . رواه البخاري ( 2855 ) ومسلم ( 1671 ).

اجتووا: أصابهم الجوى وهو داء في البطن.

رِسلا: لبنا.

الذوْد: ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل.

وأما عن فوائد أبوال وألبان الإبل الصحية فهي كثيرة، وهي معلومة للمتقدمين والمتأخرين من أهل العلم والخبرة من أهل الطب والبادية.

 

قال ابن القيم – رحمه الله -:

قال صاحب القانون – أي: الطبيب ابن سينا -:

وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي وهو النجيب، انتهى.

” زاد المعاد ” ( 4 / 47 ، 48 ).

 

وقد جاء في جريدة ” الاتحاد ” الإماراتية العدد11172، الأحد 6 محرم 1427 هـ ، 5 فبراير 2006 م:

أهم ما تربى الإبل من أجله أيضًا حليبها، وله تأثير ( فعَّال ) في علاج كثير من الأمراض، ومنها ( التهابات الكبد الوبائية، والجهاز الهضمي بشكل عام وأنواع من السرطان وأمراض أخرى )·

 

 

وقد جاء في بحث قامت به الدكتورة ” أحلام العوضي ” نشر في مجلة ” الدعوة ” في عددها ( 1938 ، 25 صفر 1425هـ 15 أبريل 2004 م )، حول الأمراض التي يمكن علاجها بحليب الإبل، وذلك من واقع التجربة: أن هناك فوائد جمة لحليب الإبل، وهنا بعض ما جاء في بحث الدكتورة ” أحلام “:

أبوال الإبل ناجعة في علاج الأمراض الجلدية كالسعفة – التينيا-، والدمامل، والجروح التي تظهر في جسم الإنسان وشعره، والقروح اليابسة والرطبة، ولأبوال الإبل فائدة ثابتة في إطالة الشعر ولمعانه وتكثيفه، كما يزيل القشرة من الرأس، وأيضًا لألبانها علاج ناجع لمرض الكبد الوبائي، حتى لو وصل إلى المراحل المتأخرة والتي يعجز الطب عن علاجها. انتهى.

وجاء في صحيفة ” الجزيرة السعودية ” العدد 10132، الأحد ، ربيع الأول 1421هـ، نقلاً عن كتاب ” الإبل أسرار وإعجاز ” تأليف: ضرمان بن عبد العزيز آل ضرمان، وسند بن مطلق السبيعي، ما يأتي:

أما أبوال الإبل فقد أشار الكتاب إلى أن لها استعمالات متعددة مفيدة للإنسان دلت على ذلك النصوص النبوية الشريفة، وأكَّدها العلم الحديث، … وقد أثبتت التجارب العلمية بأن بول الإبل له تأثير قاتل على الميكروبات المسببة لكثير من الأمراض.

ومن استعمالات أبوال الإبل: أن بعض النساء يستخدمنها في غسل شعورهن لإطالتها وإكسابها الشقرة واللمعان، كما أن بول الإبل ناجع في علاج ورم الكبد وبعض الأمراض، مثل الدمامل، والجروح التي تظهر في الجسم، ووجع الأسنان وغسل العيون. انتهى.

وقال الأستاذ الدكتور عبد الفتاح محمود إدريس:

وأبيِّن في هذا الصدد ما ينفع بول الإبل في علاجه من الأمراض، قال ابن سينا في ” قانونه “: ( أنفع الأبوال بول الجمل الأعرابي وهو ” النجيب ” )، وبول الإبل يفيد في علاج مرض ” الحزاز ” – الحزاز: قيل: إنه وجع في القلب من غيظ ونحوه -، وقد استخدمت أبوال الإبل وخاصة بول الناقة البكر كمادة مطهرة لغسل الجروح، والقروح، ولنمو الشعر، وتقويته، وتكاثره، ومنع تساقطه، وكذا لمعالجة مرض القرع، والقشرة، وفي رسالة الماجستير المقدمة من مهندس تكنولوجيا الكيمياء التطبيقية ” محمد أوهاج محمد “، التي أجيزت من قسم الكيمياء التطبيقية بجامعة ” الجزيرة ” بالسودان، واعتمدت من عمادة الشئون العلمية والدراسات العليا بالجامعة في نوفمبر ( 1998م ) بعنوان: ( دراسة في المكونات الكيميائية وبعض الاستخدامات الطبية لبول الإبل العربية ) ، يقول محمد أوهاج:

إن التحاليل المخبرية تدل على أن بول الجمل يحتوي على تركيز عالٍ من: البوتاسيوم، والبولينا، والبروتينات الزلالية، والأزمولارتي، وكميات قليلة من حامض اليوريك، والصوديوم، والكرياتين.

وأوضح في هذا البحث أن ما دعاه إلى تقصي خصائص بول الإبل العلاجية هو ما رآه من سلوك بعض أفراد قبيلة يشربون هذا البول حينما يصابون باضطرابات هضمية، واستعان ببعض الأطباء لدراسة بول الإبل؛ حيث أتوا بمجموعة من المرضى ووصفوا لهم هذا البول لمدة شهرين، فصحت أبدانهم مما كانوا يعانون منه، وهذا يثبت فائدة بول الإبل في علاج بعض أمراض الجهاز الهضمي.

كما أثبت أن لهذا البول فائدة في منع تساقط الشعر، ويقول:

إن بول الإبل يعمل كمدر بطيء مقارنة بمادة ” الفيروسمايد “، ولكن لا يخل بملح البوتاسيوم والأملاح الأخرى التي تؤثر فيها المدرات الأخرى، إذ إن بول الإبل يحتوي على نسبة عالية من البوتاسيوم والبروتينات، كما أنه أثبت فعالية ضد بعض أنواع البكتيريا والفيروسات، وقد تحسن حال خمس وعشرين مريضاً استخدموا بول الإبل من الاستسقاء، مع عدم اضطراب نسبة البوتاسيوم، واثنان منهم شفوا من آلام الكبد، وتحسنت وظيفة الكبد إلى معدلها الطبيعي، كما تحسن الشكل النسيجي للكبد، ومن الأدوية التي تستخدم في علاج الجلطة الدموية مجموعة تسمى FIBRINOLTICS، تقوم آلية عمل هذه المجموعة على تحويل مادة في الجسم من صورتها غير النشطة PLASMINOGEN إلى الصورة النشطة PLASMIN، وذلك من أجل أن تتحلل المادة المسببة للتجلط FIBRIN أحد أعضاء هذه المجموعة هو UROKINASE الذي يستخرج من خلايا الكلى أو من البول كما يدل الاسم (12 URO  ) .

وقد كشف عميد كلية المختبرات الطبية بجامعة الجزيرة السودانية البروفسير ” أحمد عبد الله أحمداني ” عن تجربة علمية باستخدام بول الإبل لعلاج أمراض الاستسقاء وأورام الكبد، فأثبتت نجاحها لعلاج المرضى المصابين بتلك الأمراض، وقال في ندوة نظمتها جامعة ” الجزيرة “:

إن التجربة بدأت بإعطاء كل مريض يوميًّا جرعة محسوبة من بول الإبل مخلوطاً بلبنها حتى يكون مستساغاً، وبعد خمسة عشر يوماً من بداية التجربة انخفضت بطون أفراد العينة وعادت لوضعها الطبيعي، وشفوا تماماً من الاستسقاء.

وذكر أنه جرى تشخيص لأكباد المرضى قبل بداية الدراسة بالموجات الصوتية، وتم اكتشاف أن كبد خمسة عشر مريضاً من خمس وعشرين في حالة تشمع، وبعضهم كان مصاباً بتليف الكبد بسبب مرض البلهارسيا، وقد استجاب جميع المرضى للعلاج باستخدام بول الإبل، وبعض أفراد العينة من المرضى استمروا برغبتهم في شرب جرعات بول الإبل يوميًّا لمدة شهرين آخرين، وبعد نهاية تلك الفترة أثبت التشخيص شفاءهم جميعاً من تليف الكبد، وقال:

إن بول الإبل يحتوي على كمية كبيرة من البوتاسيوم، كما يحتوي على زلال ومغنسيوم، إذ إن الإبل لا تشرب في فصل الصيف سوى أربع مرات فقط ومرة واحدة في الشتاء، وهذا يجعلها تحتفظ بالماء في جسمها لاحتفاظه بمادة الصوديوم، إذ إن الصوديوم يجعلها لا تدر البول كثيراً؛ لأنه يرجع الماء إلى الجسم.

وأوضح أن مرض الاستسقاء ينتج عن نقص في الزلال، أو في البوتاسيوم، وبول الإبل غني بهما.

وأشار إلى أن أفضل أنواع الإبل التي يمكن استخدام بولها في العلاج هي الإبل البكرية.

وقد أشرفت الدكتورة ” أحلام العوضي ” المتخصصة في الميكروبيولوجيا بالمملكة العربية السعودية على بعض الرسائل العلمية امتداداً لاكتشافاتها في مجال التداوي بأبوال الإبل، ومنها رسالتا ” عواطف الجديبي “، و ” منال قطان “، ومن خلال إشرافها على رسالة الباحثة ” منال القطان ” نجحت في تأكيد فعالية مستحضر تم إعداده من بول الإبل، وهو أول مضاد حيوي يصنع بهذه الطريقة على مستوى العالم، ومن مزايا المستحضر كما تقول الدكتورة أحلام:

إنه غير مكلف، ويسهل تصنيعه، ويعالج الأمراض الجلدية: كالإكزيما، والحساسية، والجروح، والحروق، وحب الشباب، وإصابات الأظافر، والسرطان، والتهاب الكبد الوبائي، وحالات الاستسقاء، بلا أضرار جانبية، وقالت:

إن بول الإبل يحتوي على عدد من العوامل العلاجية كمضادات حيوية ( البكتيريا المتواجدة به والملوحة واليوريا ) ، فالإبل تحتوي على جهاز مناعي مهيأ بقدرة عالية على محاربة الفطريات والبكتريا والفيروسات، وذلك عن طريق احتوائه على أجسام مضادة، كما يستخدم في علاج الجلطة الدموية، ويستخرج منه FIBRINOLYTICS، والعلاج من الاستسقاء ( الذي ينتج عن نقص في الزلال أو البوتاسيوم، حيث إن بول الإبل غني بهما )، كما أن في بول الإبل علاجاً لأوجاع البطن وخاصة المعدة والأمعاء، وأمراض الربو وضيق التنفس، وانخفاض نسبة السكر في المرضى بدرجة ملحوظة، وعلاج الضعف الجنسي، ويساعد على تنمية العظام عند الأطفال، ويقوي عضلة القلب، ويستخدم كمادة مطهرة لغسل الجروح والقروح، وخاصة بول الناقة البكر، ولنمو الشعر وتقويته وتكاثره ومنع تساقطه، ولمعالجة مرض القرع والقشرة، كما يستخدم بول الإبل في مكافحة الأمراض بسلالات بكتيرية معزولة منه، وقد عولجت به فتاة كانت تعاني من التهاب خلف الأذن يصاحبه صديد وسوائل تصب منها، مع وجود شقوق وجروح مؤلمة، كما عولجت به فتاة لم تكن تستطع فرد أصابع كفيها بسبب كثرة التشققات والجروح، وكان وجهها يميل إلى السواد من شدة البثور، وتقول الدكتورة أحلام:

إن أبوال الإبل تستخدم أيضاً في علاج الجهاز الهضمي، ومعالجة بعض حالات السرطان، وأشارت إلى أن الأبحاث التي أجرتها هي على أبوال الإبل أثبتت فاعليتها في القضاء على الأحياء الدقيقة كالفطريات والخمائر والبكتريا.

وأجرت الدكتورة ” رحمة العلياني ” من المملكة العربية السعودية أيضا تجارب على أرانب مصابة ببكتريا القولون، حيث تم معالجة كل مجموعة من الأرانب المصابة بداوء مختلف، بما في ذلك بول الإبل، وقد لوحظ تراجع حالة الأرانب المصابة التي استخدم في علاجها الأدوية الأخرى باستثناء بول الإبل الذي حقق تحسنا واضحا. ” مجلة الجندي المسلم ” ( العدد 118، 20 ذو القعدة 1425 هـ، 1 / 1 / 2005 م ).

 

والله أعلم.

مقدار دعاء القنوت وترتيله

مقدار دعاء القنوت وترتيله

السؤال:

ما حكم ترتيل دعاء القنوت وتطويله لأكثر من ( 20 دقيقة )، مع ما يتخلله من دعاء أشبه ما يكون بالكلام؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

القنوت في صلاة الوتر سنة مستحبة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت بعض الأحاديث في بيان صيغة دعاء القنوت.

عن الْحَسَن بْن عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قال:

عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ:

” اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ “.  رواه أبو داود (1425) والترمذي (464) وحسنه، وصححه ابن عبد البر في ” الاستذكار ” (2/285) والنووي في ” الأذكار ” (86).

ثانيا:

الزيادة على الصيغة الواردة لا بأس بها، فإن المقام مقام دعاء، والدعاء أمره واسع، والزيادة فيه مشروعة، كما أنه لا يتعين الالتزام بالصيغة المأثورة، بل يجوز الدعاء بكل صيغة مأثورة وغير مأثورة.

يقول النووي – رحمه الله – في ” المجموع ” (3/477-478):

” قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قول من قال يتعين ( أي الدعاء الوارد ) شاذ مردود، مخالف لجمهور الأصحاب، بل مخالف لجماهير العلماء، فقد حكى القاضي عياض اتفاقهم على أنه لا يتعين في القنوت دعاء … وقال صاحب الحاوي: يحصل بالدعاء المأثور وغير المأثور ” انتهى.

وجاء في ” الموسوعة الفقهية ” (34/63):

” وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة ” انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في ” الشرح الممتع ” (4/52):

” ولو زاد على ذلك فلا بأس لأن المقام مقام دعاء ” انتهى.

 

 

 

ثالثا:

ما هو مقدار القنوت؟ وهل يشرع التطويل فيه أم لا؟.

إذا تأملنا في حديث الحسن بن علي السابق، نجد أن الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم له دعاء مختصر موجز، لا يكاد يستغرق الدقائق المعدودات، مما يدل على أن الأولى في دعاء القنوت هو الاختصار والاقتصار على جوامع الدعاء.

جاء في مغني المحتاج (1/369) :

” قال في المجموع عن البغوي: وتكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، وقال القاضي حسين: ولو طَوَّلَ القنوت زائدًا على العادة كُره ” انتهى.

ولكن لما جاء عن بعض الصحابة الزيادة في دعاء القنوت، والتوسع في صيغته ( انظر سنن البيهقي 2/210-211).

دل ذلك على أنه لا حرج من التطويل أحيانًا بالقدر الذي لا يشق على الناس، خاصة في العشر الأواخر من رمضان، حين يلتمس الناس ليلة القدر.

جاء في الموسوعة الفقهية (34/63):

” وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة “.

قال المجد ابن تيمية: فقد صح عن عمر – رضي الله عنه – أنه كان يقنت بقدر مائة آية، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ” انتهى.

يقول ابن القيم في ” بدائع الفوائد ” (4/921): 

– ” اختلف قوله ( يعني الإمام أحمد ) في قدر القيام في القنوت:

فعنه: بقدر ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ), أو نحو ذلك، وقد روى أبو داود، وسمعت أحمد سئل: عن قول إبراهيم: القنوت قدر ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت )، قال: هذا قليل، يعجبني أن يزيد.

وعنه: كقنوت عمر.

وعنه: كيف شاء.

وجه الأولى: أنَّه وَسَط من القيام، والثانية: فعل عمر، والثالثة: أن طريقه الاستحباب، فسقط التوقيت فيه ” انتهى.

والأحسن في هذا كله والله أعلم هو الاعتدال، فإن خير الأمور الوسط، وقد نهت الشريعة أن نشق على الناس، ولا أرى من يطيل الدعاء أكثر من عشرين دقيقة إلا وقد شق على من خلفه، وأطال إطالة فاحشة، خاصة إذا اعتاد ذلك في كل ليلة.

 

 

 

 

سئل الشيخ ابن عثيمين السؤال التالي ” فتاوى علماء البلد الحرام ” (152):

” بعض أئمة المساجد في رمضان يطيلون الدعاء، وبعضهم يُقَصّر، فما هو الصحيح؟.

فأجاب – رحمه الله -:

” الصحيح ألا يكون غلو ولا تقصير، فالإطالة التي تشق على الناس منهي عنها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا بلغه أن معاذ بن جبل أطال الصلاة في قومه، غضب عليه غضبًا لم يغضب في موعظة مثله قط، وقال لمعاذ بن جبل: ” يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنتَ؟ “. رواه البخاري (6106) ومسلم (465).

فالذي ينبغي أن يقتصر على الكلمات الواردة، أو يزيد.

ولا شك في أن الإطالة شاقة على الناس وترهقهم، ولا سيما الضعفاء منهم، ومِن الناس مَن يكون وراءه أعمال، ولا يُحِبُّ أن ينصرف قبل الإمام، ويشق عليه أن يبقى مع الإمام، فنصيحتي لإخواني الأئمة أن يكونوا بَيْنَ بَيْنَ، كذلك ينبغي أن يترك الدعاء أحيانًا، حتى لا يظن العامة أن الدعاء واجب ” انتهى.

رابعا:

أما ما سألت عنه من حكم ترتيل دعاء القنوت، وتحسين الصوت به، فقد سئل عنه الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -، فأجاب جوابًا مفصلًا.

سئل – رحمه الله – كما في ” فتاوى البلد الحرام ” (153) ما يلي:

بعض أئمة المساجد يحاول ترقيق قلوب الناس، والتأثير فيهم، بتغيير نبرة صوته أحيانًا، في أثناء صلاة التراويح، وفي دعاء القنوت، وقد سمعت بعض الناس يُنكر ذلك، فما قولكم – حفظكم الله – في هذا؟.

فكان جوابه:

” الذي أرى أنَّه إذا كان هذا العمل في الحدود الشرعية، بدون غلو، فإنه لا بأس به، ولا حرج فيه، ولهذا قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: ” لَو كُنتُ أَعلَمُ أَنَّكَ تَستَمِعُ إِلَى قِرَاءَتِي لَحَبَّرتُهُ لَكَ تَحبِيرًا ” أي: حسَّنتُها وزينتها.

فإذا أحسن بعض الناس صوتَه، أو أتى به على صفة ترقِّقُ القلوب، فلا أرى في ذلك بأسًا، لكنَّ الغلو في هذا، لكونه لا يتعدى كلمةً في القرآن إلا فعل مثل هذا الفعل الذي ذكر في السؤال، أرى أنَّ هذا من باب الغلو، ولا ينبغي فعله، والعلم عند الله ” انتهى.

 

والله أعلم.

يملك محل اتصالات ولا يدري إن كان زبائنه يعصون الله في مكالماتهم

يملك محل اتصالات ولا يدري إن كان زبائنه يعصون الله في مكالماتهم

السؤال:

هناك أخ لديه مركز اتصالات تليفونية, ويعرض له بعض الشبهات في المال الذي يحصله من ذلك المركز؛ حيث يدخل له بعض الفتيات أو الفتيان يتحدثون في الهاتف, وبعد فترة من المكالمة يشك في أنهم يتحدثون مع أصدقاء من الجنس الآخر, فهل يغلق عليهم الخط؟ وهل المال الذي يأخذه منهم على تلك الفترة حرام أم حلال؟ وهل هذا الشك يكفى للحكم عليهم؟ أم لا يحاول أصلاً الاستماع للمكالمة إلا لمن يشك فيهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في المعاملات مع الكفار وغيرهم الحل والإباحة، والأصل في الأعمال التجارية الإباحة كذلك، ومنها بيع الهواتف وفتح مراكز الاتصالات؛ لأن الغالب في استعمال هذه الهواتف أنه للضرورات وقضاء الحاجات من الأعمال المباحة، والاطمئنان على الأهل، وما يكون فيها من أعمال محرمة وكلام غير جائز قليل ونادر، وهذه الأيام يعيش الناس ” ثورة اتصالات ” ولم يعد أحد يعجز عن توفير وسيلة اتصالات له شخصية إلا في النادر من الأشخاص والبلدان.

ولا يجوز لصاحب هذا المركز للاتصالات أن يتجسس على المكالمات؛ لأن الأصل في المكالمات أنها سرية، وهم قد ائتمنوه على ذلك، وحتى لو وقع في قلبه الشك فإنه لا يباح له البحث والتحري على مكالماتهم.

قال النووي – رحمه الله -:

قال إمام الحرمين – الجويني -: وليس للآمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسس واقتحام الدور بالظنون, بل إن عثر على منكرٍ غيَّره جهدَه، هذا كلام إمام الحرمين.

وقال أقضى القضاة الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت, فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها, مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها, فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس, ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك، وكذا لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة, جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار.

الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه, ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار لم يهجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عن الباطن.  ” شرح مسلم ” ( 2 / 26 ).

فإن غلب على ظنه أو تيقن أن الداخل للمحل سيستعمل هذه المكالمة في محرَّم فإن له أن يمنعه بل يجب عليه ذلك.

 

والله أعلم.

 

يقسم العمل بينه وبين زملائه مع علم المدير

يقسم العمل بينه وبين زملائه مع علم المدير

السؤال:

أعمل طبيبًا في وحدة صحية مع زملاء لي، فهل يجوز تقسيم أيام العمل بيننا مع علم مدير العمل، ومصلحة العمل لا تتوقف، علمًا بأن المرتب ثابت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

العامل الأجير مؤتمن على عمله، وقد تم التعاقد معه على العمل بالصورة المعهودة المعروفة، فلا يجوز له أن يتخلف عن عمله إلا بما يأذن به صاحب العمل ومن تم التعاقد معه.

– هذا هو الأصل، وهذه هي القاعدة، وفي مثل حالة السائل الكريم، ينظر:

فإن كان المدير عليكم هو صاحب العمل، أو كانت الجهة المسؤولة عن هذه الوحدة الصحية قد أعطته الحق في تنظيم عملكم وأوقاته بما يراه مناسبًا، فلكم حينئذ أن تقسموا أيام العمل بينكم بما يراه لكم المدير مناسبًا، وذلك لأنكم لم تقصروا في شيء من عملكم، ولم تخونوا أماناتكم.

أما إن كان المدير لا يملك حق تنظيم عملكم، وهو إنما يتغاضى ويتساهل تقصيرًا وإهمالًا، فلا يجوز لكم عندها أن تقسموا أيام العمل بينكم، إذ الواجب التواجد في مكان العمل في جميع الأيام التي تعارف الناس على العمل فيها، فإن لم تقوموا بذلك، فقد قصرتم وأهملتم، والله سبحانه وتعالى سائلكم يوم القيامة.

سئل الشيخ ابن عثيمين السؤال التالي ” فتاوى علماء البلد الحرام ” (366) :

نحن ثلاثة أشخاص نشتغل في عمل واحد، وهذا العمل يكفي له اثنان بل ويزيدون، فهل علينا إثم إذا اتفقنا فيما بيننا أن يتغيب كل منا عن يوم واحد في الأسبوع؟.

فأجاب – رحمه الله -:

” نعم عليكم في ذلك إثم، والواجب أن يشتغل كل من كل في أيام العمل ولا يتخلف ” انتهى .

وسئل – رحمه الله – كما في ” فتاوى علماء البلد الحرام ” (354) :

ما حكم راتب الموظف الذي يتساهل في عمله ولا يؤديه على الوجه الأكمل، هل يصبح حرامًا أم حلالًا؟.

فأجاب:

إن راتبه فيه شبهة ينبغي له أن يتقي الله وأن يعتني بعمله حتى لا يكون في راتبه شبهة؛ لأن الواجب عليه أن يؤدي الحق الذي عليه حتى يستحل الراتب، فإذا كان لا يبالي فراتبه بعضه حرام، فينبغي له أن يحذر ويقي الله عز وجل “. انتهى.

ولا عبرة بما ترونه أنتم من كون مصلحة العمل لا تتوقف، فقد تكون الجهة المسؤولة عن العمل قد قصدت زيادة عدد الموظفين من الأطباء لتسهيل العلاج إلى الغاية، أو استعدادًا لأي حالة طوارئ قد تضطر الوحدة الصحية إلى أكبر عدد من الأطباء، أو غير ذلك من الأمور التي قد تكون مقصودة من وجود هذا العدد من الأطباء، ومع وجود هذه الأعذار والاحتمالات، يجب عليكم الالتزام بما اتفقتم عليه مع الجهة التي تدفع لكم الأجرة، فالمسلم لا يخون.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ الأنفال / الآية 27 ].

 

والله أعلم.

 

يسأل: لماذا أغلب أهل الأرض كفار ولماذا يرضى الله لهم بدخول جهنم؟!

يسأل: لماذا أغلب أهل الأرض كفار ولماذا يرضى الله لهم بدخول جهنم؟!

السؤال:

إني أتساءل: لماذا أغلب أهل الأرض غير مسلمين؟ فعلى حد علمي أن حبَّ الله لخلقه يزيد على حب الوالدة لولدها بسبعين مرة، فلماذا الأغلبية غير مسلمين؟ وهل صحيح أنه لن يدخل الجنة إلا المسلمون، وأهل السنَّة على وجه التحديد؟ إذا كان هذا صحيحا فإن معنى ذلك أنه لن يدخل الجنة إلا نسبة قليلة مقارنة بتعداد أهل الأرض كلهم، فلماذا إذاً يرضى الله لأغلب خلقه أن يدخلوا النار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ننبه في بداية الجواب إلى أن ما ذكره السائل مِن ” أن حبَّ الله لخلقه يزيد على حب الوالدة لولدها بسبعين مرة “: لا أصل له في القرآن ولا في السنَّة، والله تعالى لا يحب الظالمين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الكافرين، فكيف يُثبَت حبُّ الله تعالى لعموم خلقه والكثرة الكاثرة هم من تلك الأصناف ؟! بل إنَّ الله تعالى يحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، ويحب المتوكلين، ويحب المقسطين – العادلين -، فهذه الأصناف مِن خلقه هم الذين أثبت الله تعالى حبَّه لهم، ولن يكون هؤلاء – بطبيعة الحال – إلا موحِّدين له غير مشركين به.

 

ثانيًا:

وأما قول السائل ” لماذا أغلب أهل الأرض غير مسلمين؟ “: فالجواب عليه: لأنهم هم من اختار الكفر على الإسلام، ودعنا هنا من المعذورين ممن لم تبلغهم الرسالة، ولنسأل: ما بال من قرءوا عن الإسلام وبلغتهم الدعوة ورأوا الآلاف من أهل دينهم قد سبقوهم إلى الإسلام، ورأوا الملايين تدين بهذا الدين العظيم، ورأوا الآيات البينات تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصدق دعوته وصدق القرآن وإعجازه، وسمعوا المناظرات التي ألجمت خصوم الإسلام ودحرت شبهاتهم، ومع هذا كله – ومعه غيره كثير – لم يؤمنوا بالإسلام ولم يرضوه لأنفسهم دِينًا، بل رضي مليارات منهم بعبادة صليب صنعوه، أو صنم نحتوه، أو قبرٍ شيدوه، ورضي ملايين آخرون بتقديس وعبادة فأر أو بقرة؟!.

إن الحقَّ واضح بيِّن، وإن الآيات الدالات على عظمة الإسلام أكثر من أن تُحصر، وإن الأدلة على بطلان ما يفعله أولئك الكفار لا يُجادل بها عاقل، وإن الفطرة السليمة والعقل الصريح ليرفضان تلك العبادات واتخاذ أولئك الآلهةَ أرباباً من دون الله الواحد الأحد، فها قد بيَّن الله تعالى الحجة وأقام عليهم المحجة، ومع ذلك أبى أكثر الناس إلا كفورًا، ولا تجد أكثر الناس شاكرين موحدين بل كافرين مشركين.

 

ثالثًا:

وأما جواب سؤالك ” فلماذا إذًا يرضى الله لأغلب خلقه أن يدخلوا النار؟ “: فهو أن الله تعالى لم يرض كفرَ أولئك، ولا يحبه منهم، ولكنهم رضوه لأنفسهم، وأما الرب الجليل عز وجل فقد نصَّ في كتابه الكريم على عدم رضاه عن كفر الكافرين فقال تعالى ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) الزمر/ 7 ، فهذا نصٌّ جلي أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر، بل يرضى لهم التوحيد والإسلام، لكنَّهم هم من رضي الكفر لنفسه، وأبى الدخول في سلك الموحدين، والله تعالى لا يجبر أحداً على إسلام ولا على كفر، بل هو عز وجل قد بيَّن طريقي الحق والباطل، والصواب والخطأ، والإسلام والكفر، ثم جعل للخلْق أن يختاروا، مع وعده للمسلمين بالثواب، ووعيده للكفار بالنار، قال تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ) الكهف/ 29 – 31، وقال تعالى ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِل وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا. إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ) الإنسان/ 2 – 6.

وهاك مثالا على بيان هداية الله تعالى لقومٍ هداية دلالة وإرشاد بإرسال الرسول مع الآيات البينات واختيارهم للكفر على الإسلام، وهم قوم ثمود، قال تعالى: ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) فصِّلت/ 17 ، 18، وهؤلاء مثال، ومثلهم كل قوم كفروا بربهم وكذبوا رسولهم، فرضوا بالكفر في الدنيا والخلود في النار في الآخرة، ولهؤلاء الكفار المعاصرين سلف فقد جاءتهم رسل ربهم بالحق، وجعل الله تعالى رسول كل قوم منهم، يعرفونه بصدقه وأمانته، وجعل الله تعالى مع كل واحد منهم آية على مثلها يؤمنها البشر، ومع ذلك فإنهم قالوا عن رسلهم ساحر أو مجنون! وقد طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم آية ليؤمنوا فأراهم انشقاق القمر فقالوا ” سحر ” فصدق فيهم قول الله تعالى ( وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ) الأنعام/ 25، ولم تكتف تلك الأقوام بتكذيب رسل ربهم بل تآمروا عليهم لقتلهم أو نفيهم من ديارهم، قال تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) إبراهيم/ 13، وقال تعالى – على لسان قوم إبراهيم عليه السلام – ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت/ 24، وقال تعالى – عن نبينا عليه السلام – ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) الأنفال/ 30، فإذا كان هذا هو حال من جاءه الرسول من ربه ممن يعرفه، ورأى الآيات بعيني رأسه: فكيف سيكون حال هؤلاء الهنود والصينيين والأوربيين لو أنه جاءهم النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا؟!.

ولما زعم بعض المشركين أن الله تعالى يرضى منهم الكفر وأنه لو لم يكن كذلك لصرفهم عنه: كذَّبهم ربنا تبارك وتعالى وبيَّن أنهم إنما يتبعون أهواءهم وآباءهم الضالين، قال تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا ) النحل/ 35، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) النحل/ 36.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فأوضح في هذه الآية الكريمة أنه لم يكن راضيا بكفرهم، وأنه بعث في كل أمَّة رسولًا، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت، أي: يتباعدوا عن عبادة كل معبود سواه، وأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده، وأن بعضهم حقَّت عليه الضلالة، أي: ثبت عليه الكفر والشقاء .

وقال تعالى في آية الأنعام ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) الأنعام/ 149 ، فملكُه تعالى وحده للتوفيق والهداية هو الحجة البالغة على خلقه، يعني: فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق: فهو فضل منَّا ورحمة، ومَن لم نفعل له ذلك: فهو عدل منَّا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك ديْنًا علينا ولا واجبًا مستَحقًّا يستحقه علينا، بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل.

وحاصل هذا: أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق الخلق، وعلم أن قوماً صائرون إلى الشقاء وقوماً صائرون إلى السعادة، فريق في الجنة وفريق في السعير، وأقام الحجة على الجميع ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبسًا فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك، ثم إنه تعالى وفَّق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقْدِر بها على تحصيل الخير والشر، وصرَف قدرهم وإراداتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء، فأتوا كلَّ ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا طائعين مختارين، غير مجبورين ولا مقهورين.

” أضواء البيان ” ( 7 / 95 ، 96 ).

 

رابعًا:

وأما قولك ” وهل صحيح أنه لن يدخل الجنة إلا المسلمون، وأهل السنَّة على وجه التحديد؟ “: ففيه تفصيل :

أما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم: فنعم، لن يدخل الجنة إلا مسلم؛ لأن الإسلام نسخ الأديان السابقة كلها، وأوجب الله تعالى على خلْقه كلهم الدخول في هذا الدِّين، وأخبر أنه لن يقبل من أحدٍ دِينًا غيره، وأنه مَن لقيه منهم بدين آخر غيره فهو من الخاسرين، قال تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران/ 85.

وأمَّا مِن الأمم السابقة: فإن الجنة يدخلها كل من آمن بنبيِّه وصدَّق رسوله، قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة/ 62.

وأما أن الجنة هي لأهل السنَّة على وجه التحديد: فهو قول عارٍ عن الصحة، بل إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي أجابت دعوته كلهم سيدخلون الجنة، ولا يُحرم منها إلا من ارتد على عقبيه، ونقض إسلامه بما يخرجه منه بالكلية، وأهل البدع الذين خالفوا الشرع، وخاصموا أهل السنة مصيرهم الجنة في نهاية الأمر بفضل الله تعالى ورحمته، ولا يمنع هذا أن يصيب بعض أهل السنة ما يصيبهم من العذاب الذي يستحقونه بسبب ذنوبهم لا اعتقادهم، أو يكون عفو من الله تعالى عن أحد من أهل البدع برحمة منه تعالى وفضل.

ومن فهم مِن حديث الافتراق ومن قوله صلى الله عليه وسلم في الفرَق الثنتين وسبعين المختلفة المخالفة لأهل السنَّة ( كُلُّها في النَّار ) أنهم مخلَّدون في نار جهنم: فقد أخطأ، وخالف إجماع المسلمين، فضلال هذه الفرَق وتوعدها بالنار لا يعني خلودها فيها، الأئمة الذين أخرجوا بعض الفرَق من الإسلام كالرافضة والجهمية قالوا إنها ليست من الفرق الثنتين والسبعين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومَن قال إن الثنتين والسبعين فِرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة: فقد خالف الكتاب والسنَّة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة؛ فليس فيهم مَن كفَّر كلَّ واحد من الثنتين وسبعين فرقة.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 218 ).

والتكفير للمخالفين هو من منهج أهل البدع والضلال، لا من منهج أهل السنَّة والجماعة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والخوارج هم أول من كفَّر المسلمين، يكفرون بالذنوب، ويكفرون مَن خالفهم في بدعتهم ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون مَن خالفهم فيها.  وأهل السنَّة والجماعة يتبعون الكتاب والسنَّة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق.  ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 279 ).

* وقال – عن الفرق الثنتين والسبعين -:

وإنما يكفِّر بعضُهم بعضاً ببعض المقالات.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 218 ).

 

خامسًا:

واعلم – أخيرًا – أن الله تعالى لا يعذِّب بالنار من لم تصله دعوة الإسلام، فالذين يعيشون في زماننا أو قبله ولم يصل لهم خبر الإسلام: فإنهم يختبرون يوم القيامة.

 

والله أعلم.

تفوته أوقات الصلوات في رمضان بسبب النوم فماذا عليه؟

تفوته أوقات الصلوات في رمضان بسبب النوم فماذا عليه؟

السؤال:

في موسم الصيام أشعر بتعب بحيث إنني إذا نمت يفوتني فرضان أو أكثر وأشعر بالذنب, وسؤالي هو إذا نمت عن صلاة الظهر والعصر حتى أتى وقت المغرب وخفت خروج وقت المغرب فماذا أفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله

اعلم أيها الأخ السائل أن أمر تضييع الصلوات عن وقتها عظيم، وقد توعدَّ الله تعالى على ذلك بوعيد شديد فقال: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) [ مريم / الآية 59 ] .

– ومعنى ( غَيًّا ): قال ابن عباس: خسرانًا، وقال قتادة: شرًّا، وقال عبد الله بن مسعود: واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم.

انظر ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 172 ).

قيل لابن مسعود: إن الله تعالى يكثر من ذكر الصلاة في القرآن: ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) ، و ( الذين هم على صلاتهم يحافظون )، و ( ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون )؛ قال: ذلك – أي: ذلك الوعيد – على مواقيتها؛ قالوا: ما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن إلا على تركها؟ قال: تركها كفر.

” تعظيم قدر الصلاة ” للمروزي ( 2 / 5 ) وسنده حسن كما قال محققه.

وإليك تفصيلا رائعا من هذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، يتكلم في كلمات معدودات عن حكم صلاة الجماعة، وحال تاركها، وأجر الذاهب إليها، وحال من علت همته وهو معذور ليذهب للجماعة وليقام في الصف.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ, فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ. رواه مسلم ( 654 ).

ولا يليق بالمسلم أن لا يعرف الصيام إلا في شهر رمضان، فإن في العام أياما فاضلة استحب فيها الصيام كيوم عرفة، وعاشوراء، وفي كل أسبوع يستحب صيام الاثنين والخميس، وفي كل شهر يستحب صيام ثلاثة أيام منه، فلو أنك عوَّدت نفسك على الصيام طيلة العام لم تره حملاً ثقيلاً يجعلك تنام النهار كلَّه وتضيع الصلوات.

ويجب عليك أن تأخذ بالأسباب التي توقظك للصلاة، ولا يجوز لك تعمد ترك الصلاة بعذر النوم وأنت تستطيع الاستيقاظ في أوقات الصلوات، وبخاصة إذا كانت الجماعة واجبة عليك، وإن فرَّطت في هذا الأمر فقد أثمت على ترك الصلاة حتى يخرج وقتها وعلى تركك للجماعة.

وينبغي أن تنظر في سبب تعبك في الصيام، فإن كان تعبك بسبب مرضٍ يبيح لك الفطر: فلا يجوز لك الصيام وعندك رخصة إفطار لم تأخذ بها وفرَّطت بالصلاة لعدم الأخذ بها، وإن كان تعبك بسبب العمل: فيجب عليك أن تأخذ إجازة منه لتتفرغ في هذا الموسم للأعمال الصالحة والعبادات العظيمة، وإن كان بسبب السهر: فيحرم عليك هذا السهر الذي يسبب لك تركا للصلوات حتى يخرج وقتها.

ويجب عليك أن توصي من حولك من أهلك وزوجتك وأولادك بأن يوقظوك للصلاة، ويجب عليهم هم أن يعينوك على طاعة الله تعالى وأداء الصلوات في أوقاتها.

واعتبر أيها الأخ السائل بصيام الأطفال والنساء الضعيفات وكبار السن، فلعل ذلك أن يدفعك للحرص على عدم تفريطك في نهار صيامك، وتفريطك في صلواتك، واعلم أنك قدوة لغيرك فلا تكن سبباً في تفريط غيرك فيما تفرط فيه أنت.

وإن كنتَ أخذت بالأسباب ولم تستيقظ لتعب شديد أو مرض فخرج وقتان للصلاة فإنك تبدأ بالأول فالأول إلا أن يضيق وقت الثانية فتبدأ بها، فلو استيقظت قبل غروب الشمس ولم تكن صليت الظهر والعصر، وضاق وقت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب فابدأ بالعصر، ثم صلِّ الظهر بعدها، فالمغرب.

ونسأل الله تعالى أن يعينك على طاعته وحسن عبادته، وأن يعلي همتك في الخير.

 

والله أعلم.

يجتمع أهله كل خميس لقراءة القرآن ولقراءة الأذكار جماعة فهل يجوز لهم وماذا يصنع؟

يجتمع أهله كل خميس لقراءة القرآن ولقراءة الأذكار جماعة فهل يجوز لهم وماذا يصنع؟

السؤال:

ما حكم ما يسمَّى بـ ” الختام “؟ وهو اجتماع مجموعة من الناس كل خميس من كل أسبوع يقرءون فيه القرآن والأذكار؟.

إن عائلتي تمارس هذا الفعل باستمرار، ولكني لم أر له أي دليل من السنَّة، وقد أخبرت والداي أن ذلك بدعة، ولكنهم يقولون إنه يجب عليّ أن أفعل ذلك وأن أشارك الناس هذا الخير، فالجميع يفعل ذلك بما فيهم إمام المسجد، فلماذا أنا بالذات أخالفهم!.

لا أريد أن أفعل شيئا يخالف السنَّة أو يُعد شِركا، لكن بالمقابل لا أريد أن أغضب والداي، فهل من نصيحة فيما يجب عليَّ أن أفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا مانع من الاجتماع على كتاب الله تعالى في يوم محدد ووقت معيَّن على أن يكون ذلك من أجل تدارس كتاب الله وتفسيره، أو لتعلُّم تجويده وتلاوته، على أن لا يكون ذلك التحديد لليوم والتعيين للوقت من أجل اعتقاد فضل فيه دون غيره، بل يكون ذلك من أجل كونه وقت فراغ لأفراد الأسرة، أو بسبب وجود من يقوم بالتعليم في ذلك اليوم والوقت، ولا نعلم في الشرع ما يدل على أفضلية الاجتماع يوم الخميس، لذا فعلى أسرتكم تجنب ذلك الاجتماع مع الاعتقاد بفضله في ذلك اليوم، ونوصيهم باستمراره إن لم يكن يصاحبه مثل ذلك الاعتقاد بل كان لما ذكرناه من أسباب أو لغيرها من مثلها.

وننبه إلى أنه ليس مشروعا- أن يقرأ المجتمعون القرآن جميعًا بصوت واحد، بل يمكن للمجتمعين التناوب على القراءة أو يقرأ واحد والباقي يستمعون، والأكمل أن يكون مع القراءة تعليم لأحكامه وقراءة في تفسير آياته.

* قال ابن الحاج المالكي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ): فالدراسة المذكورة تُشعر بأنهم لم يجتمعوا على التلاوة صوتًا واحدًا متراسلين؛ لأن المدارسة إنما تكون تلقينًا أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم، وأما الاجتماع على صوت واحد: فليس بمرويٍّ عنهم كما تقدم.

” المدخل ” ( 1 / 92 ).

ثانيًا:

وأما الاجتماع من أجل قراءة الأذكار فلا يجوز مطلقًا، بل هو من الذِّكر الجماعي المبتدع، والأذكار المشروع ذِكرها في اليوم والليلة أو مطلقا هي من العبادات الفردية الخاصة والتي لم يشرع من أجلها اجتماع لا في يوم له فضل ولا في غيره مما لا فضل له من باب أولى.

والفرق بين الاجتماع لقراءة القرآن وتعلمه والاجتماع لذكر الله: أن الأول جاء في الشرع ما يحث عليه ويرغب فيه، كما سبق ذِكره والإحالة عليه، وأما الاجتماع لذِكر الله إما بصوت جماعي أو بقيادة أحد في الحلقة: فقد جاء في الشرع ما يمنعه ويحذر منه، وقد ذكرنا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على طائفة تذكر الله تعالى بقيادة وبيَّن لهم أنهم مخالفون للشرع، وقد ذكرنا القصة بطولها في أجوبة متعددة.

وكل ما ورد في الشرع من وصف مجالس الصحابة بـ ” مجالس ذِكر “: فالمقصود به مجالس علم، أو مجالس ذِكر لكن كل واحد يذكر ربَّه وحده سرًّا، ومنه ما رواه معاوية رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ ( مَا أَجْلَسَكُمْ؟ ) قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ ( آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ ) قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ قَالَ ( أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ ).

رواه مسلم ( 2701 ).

* قال ابن الحاج المالكي – رحمه الله -:

وأما خروجه صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال ( ما أجلسكم؟ ) فقالوا: جلسنا نذكر الله: فهذا أفصح بالمراد في الجميع، وكيف كان اجتماعهم؛ لأنهم لو كانوا يذكرون الله جهرًا لم يَحتج صلى الله عليه وسلم إلى أن يستفهمهم بل كان يخبرهم بالحكم من غير استفهام، فلما أن استفهم دلَّ على أن ذِكرهم كان سرًّا، وكذلك جوابهم له صلى الله عليه وسلم بقولهم ” جلسنا نذكر الله ” أدل دليل على أنهم كانوا يذكرون الله تعالى سرًّا؛ إذ أنه لو كان ذكرهم جهرًا لما كان لإخبارهم بذلك معنى زائدًا، إذ أنه صلى الله عليه وسلم قد سمع ذلك منهم، فكان جوابهم أن يقولوا جلسنا لما سمعتَه أو لما رأيتَه منَّا إلى غير ذلك من هذا المعنى؛ لأنهم يتحاشون أن يكون منهم الجواب لغير فائدة، فبان واتضح أن ذكرهم كان سرًّا لا جهرًا على ما روي عنهم في عبادتهم، وقد قال تعالى في محكم التنزيل ( ادْعُوا ربَّكُم تَضُرُّعاً وَخُفْيَة ).

أو كانوا يتذاكرون بينهم ما كان منهم في أمر الجاهلية من عبادة الأوثان وغير ذلك وما منَّ الله عليهم به من معرفة الإيمان والكتاب والسنَّة فتعظم عندهم النعَم عند تذكر ذلك، فيحمدون الله على ما منَّ به عليهم من تلك النعَم التي يذكرونها، ألا ترى إلى ما روي عنهم أنهم كانوا يقعدون في المسجد بعد صلاة الصبح يتذاكرون بينهم الأشياء التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ويتعجبون من أنفسهم والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد يسمعهم فيتبسم أحيانًا من حكاياتهم عن أنفسهم، فقد تكون تلك الحلقة التي خرج صلى الله عليه وسلم عليها قاعدة لذلك المعنى، فحصل لهم ما حصل من المباهاة بها؛ لأنهم إذا تذاكروا ذلك فيه يعرفون قدر نعَم الله عليهم وأن ما منَّ به عليهم ليس بأيديهم ولا بقدرتهم فتعظم نعَم الله تعالى عليهم أن هداهم وأنقذهم وأضل غيرهم وأصمهم وأعماهم فهم لا يسمعون ولا يبصرون كما جاء في محكم التنزيل.

” المدخل ” ( 1 / 92 ، 93 ).

ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافيا ليترك أهلك ما فيه مخالفة للشرع، والبقاء على ما يتوافق مع الشرع من حلقات القرآن علمًا وتعليمًا، وليُحث كلُّ فرد من أفراد الأسرة على الاستمرار في أذكار اليوم والليلة وغيرها من الأذكار كلُّ واحدٍ وحده من غير أن تكون جماعية، وعليك تبليغ أهلك أحكام ما ذكرناه لك بلطف ولين، فإن استجابوا فنعْم ما يفعلون، وإن رفضوا الاستجابة فلا تشاركهم في فعلهم واهجر فعلهم هجرًا جميلًا من غير عنفٍ يتسبَّب في قطيعة بينك وبينهم، ولا تقدِّم رضاهم على رضا الله تعالى.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه صلاح دينكم ودنياكم.

 

والله أعلم.