الرئيسية بلوق الصفحة 156

هل تقسيم الأضحية أثلاثًا مُلزم؟ وكيف يوزعها من ليس في بلده أحد من المسلمين؟

هل تقسيم الأضحية أثلاثًا مُلزم؟ وكيف يوزعها من ليس في بلده أحد من المسلمين؟

السؤال:

أنا أحد الطلاب المبتعثين وأرغب في أن أضحي، وأعلم أن الأضحية تقسم إلى ثلث للبيت وثلث هدية وثلث صدقة للفقراء، علما أنه هنا في المدينة التي أدرس فيها لا يوجد فقراء مسلمين، والمسلمون المقيمون يقولون إنهم يتصدقون بالثلث الصدقة للمركز الإسلامي، فهل يصح ذلك، أو ما هي الحلول الأخرى التي يمكنني عملها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لم يرد في السنَّة المرفوعة أن المضحِّي يُلزم بتقسيم أضحيته ثلاثة أثلاث له وللفقراء ولأهله وجيرانه، وإنما صحَّ الأمر بالأكل والادخار والإطعام، وليس فيه تحديد نسبة معينة، ولذا قال بعض العلماء بالقسمة الثلاثية، وقال آخرون: يأكل نصفًا ويتصدق بالنصف الآخر، والأمر في ذلك واسع، والمهم أن يصل للفقراء والمساكين منها شيئا وجوبا، وأن يفرح أهله بإطعامهم منها استحبابًا.

وقد صحَّ ذلك التقسيم الثلاثي عن طائفة من علماء الصحابة رضي الله عنهم:

– عن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لأهلك وثلث لك وثلث للمساكين.

– وعن ابن مسعود رضي الله عنه كان يبعث بالبدن مع علقمة ولا يمسك عما يمسك عنه المحرم ثم يأمره إذا بلغت محلها أن يتصدق ثلثاً ويأكل ثلثًا ويبعث إلى ابن أخيه عبد الله بن عتيبة بن مسعود ثلثًا.

– وهذا التقسيم لطيف، وعليه العمل عند جمهور العلماء، وهو خير ما يؤخذ به ويُفعل.

 

ثانيًا:

واعلم أنه يجوز لكم إعطاء النصارى الذين يجاورونكم أو ممن تعرفونهم، ممن ترون الحاجة إلى تأليف قلوبهم للإسلام، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

ويجوز أن يُطعِم منها – أي: الأضحية – كافرًا، وبهذا قال الحسن وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال مالك: غيرهم أحب إلينا، وكره مالك والليث إعطاء النصراني جلد الأضحية.

ولنا: أنه طعام له أكلُه فجاز إطعامه للذمي كسائر طعامه، ولأنه صدقة تطوع فجاز إطعامها الذميَّ والأسير كسائر صدقة التطوع، فأما الصدقة الواجبة منها: فلا يجزئ دفعها إلى كافر لأنها صدقة واجبة فأشبهت الزكاة وكفارة اليمين.

” المغني ” ( 11 / 109 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

إذا كان الجار كافرًا – يعني: غير مسلم – لا يزعجك عن عبادتك في أي شيء، هل يجوز أن تعطيه الأضحية، ومن الشاة التي تذبح من أجل ولادة امرأتك؟.

نريد من سماحتكم توضيح ذلك.

فأجابوا:

تجوز الهدية إلى الكافر من الأضحية والعقيقة، وذلك إحسانًا إلى الجار، وأداء لحق الجوار. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 26 / 108 ).

– ويُتجنب إعطاء الكافر الحربي منها.

 

ثالثًا:

ومما سبق يتضح لك – أخي السائل – أنك إذا ذبحت أضحيتك فلك أن تأخذ منها قدرًا لنفسك ولأهل بيتك ولو وصل القدر إلى النصف، وإن تيسر لك البحث عن فقراء من المسلمين لتعطيهم منها فافعل ذلك ولا تقصِّر، وإن كان المركز الإسلامي يقوم عنك بهذه المهمة فلك أن توكِّله بها، ويمكنك توزيع أجزاء منها على أصدقائك المسلمين وزملائك – ولو كانوا غير فقراء -، كما يجوز لك أن تتحرى فقراء الكفار ومن ترغب بتأليف قلبه على الإسلام لتعطيه أجزاء من أضحيتك، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منك صالح عملك، ونوصيك بنفسك وأهلك خيراً، فأنت في بلاد الغربة وتحتاج أن تقوي إيمانك بالطاعات والعبادات، فاجعل لها في حياتك نصيبًا وافرًا، وتحرَّ أصدقاء صالحين من المسلمين تجاورهم وتصاحبهم لتستعين بهم على طاعة ربك تعالى، وتتعاون وإياهم على صلاح نفسك وأسرتك – إن كانوا معك -.

 

والله أعلم.

هل يجوز عمل عروض ” سحر تمثيلي “؟ وهل يجوز حضوره؟

هل يجوز عمل عروض ” سحر تمثيلي “؟ وهل يجوز حضوره؟

السؤال:

ما رأيكم في مشاهدة الصغار لبعض عروض الأطفال التي تتناول موضوع ” السحر ” وما شابه ذلك؟ فقد أقام الإخوة في مسجدنا عرضًا يتناول موضوع السحر ولكني لم أرد لأبنائي أن يذهبوا فمنعتُهم، فما رأيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي فهمناه من السؤال أنه يتم في المسجد عروض من قبل أطفال فيها ما يسمى ” خفة يد ” أو ” سحر تمثيلي “، فإن كان هذا هو الواقع: فقد أحسنتِ في منع أبنائك من حضور تلك العروض التي يجري فيها ذلك المنكر، وقد أساء أولئك الذين رضوا بذلك وقاموا على تنفيذه، وتزداد الإساءة حين يكون العرض في المسجد وحين يكون على يد أطفال، فنرجو أن لا يتكرر منهم هذا الفعل، وعليهم واجب تربية أطفال المسلمين على الأخلاق النبيلة وتعليمهم العلم النافع وتنشئتهم على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة من غير دخن ولا خلل، وإن كان ثمة نصح منكم لهم وإنكار فليكن باللين والرفق.

وليُعلم أن السحر الذي ذمَّه الله تعالى وحذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يسمَّى ” سحر التخييل ” وقد ذكره الله تعالى في كتابه الكريم في قوله ( فَإِذَا حِبَالُهُم وَعِصِيُّهُم يُخَيَّل إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِم أَنَّهَا تَسْعَى ) طه/ 66، فقد سمَّى الله تعالى عملهم ذاك سحرًا، وقد سمَّاهم سحرة، كما أن من شأن مثل تلك العروض أن تهوِّن من شأن السحر والسحرة، وهذا خلل من أولئك القائمين على مثل تلك العروض في باب تربية النشء بالإضافة إلى الوقوع في الإثم في الفعل ذاته.

* سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ما حكم مشاهدة ” السحر التمثيلي ” سواء كان على الطبيعة أو على التلفاز؟.

فأجاب:

لا يجوز مشاهدة السحر سواء كان حقيقيًّا أو تمثيليًّا تخييليًّا، لا يجوز؛ لأنه باطل، ولا يجوز للإنسان مشاهدة الباطل؛ لأنه إذا شاهده: فقد أقره، إلا إذا كان يشاهده من أجل القيام بإنكاره والعمل على إزالته: فلا بأس بذلك، أما أن يشاهده ساكتًا ومتكلمًا بذلك: هذا حرام، لأنه لهو بالباطل ” انتهى. نقلًا عن موقع الشيخ حفظه الله على هذا الرابط:

http://www.alfawzan.ws/node/4827

 

* وسئل الشيخ – حفظه الله – أيضًا -:

يكثر في الإجازة الصيفية إقامة المهرجانات التي تقام بقصد الترفيه، ويحصل فيها ألعاب ” السيرك ” وإحضار أشخاص يقوم بعضهم بالمشي على الحبال وسحب السيارات بشعره وأكل الجمر، وغير ذلك من الأمور، علمًا بأن بعضهم تظهر على سيماهم الصلاح، فما حكم فعلهم هذا.

فأجاب:

هذا من الشيطان، هذا الفعل من الشيطان، لا أحد يأكل الجمر، ولا أحد يشرب ماء حارًّا، فكيف يأكل الجمر، يكذب، لكن يُظهر للناس أنه يأكل الجمر، وهو في الحقيقة لا يصل الجمر إليه، الجمر لا يصل إليه ولا إلى جسمه، كذلك السيارة هو بجانبها،… ولا يجوز للمسلمين أن يقروا هذا الشيء ولو كان يسمُّون هذا من الحيل، ويسمُّونه من الفنون، ويسمُّونه ما يسمونه يعني : نفتح الباب للسحر، نفتح الباب للشعوذة، هذا أمر لا يجوز، ويجب على ولاة الأمور منعه، يجب عليهم منعه في الحال، وأن لا يُقر، وليس لأحد من طلبة العلم يسكت على هذا الشيء.

http://www.alfawzan.ws/AlFawzan/Fata…x?PageID=13510

 

وإن كان سؤالكم عن غير هذا الذي ذكرناه: فنرجو إعادة مراسلتنا، مع توضيح المقصود، شاكرين لكم جهودكم في العناية بأبنائكم وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة.

 

والله أعلم.

 

 

الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة، ومواضع اتفاقهما وافتراقهما

الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة، ومواضع اتفاقهما وافتراقهما

السؤال:

ما الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

عرَّف الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى البدعةَ بتعريف جامع فقال:

” فكل مَن أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه: فهو ضلالة، والدين منه بريء “. ” جامع العلوم والحكم ” ( 2 / 128 ).

فصارت أركان البدعة:

  1. الإحداث.
  2. أن يضاف هذا الإحداث إلى الدين.
  3. ألا يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي؛ بطريق خاص أو عام.

 

ثانيًا:

و ” المصلحة ” في اللغة: المنفعة، سواء أكانت دنيوية أم أخروية.

و ” المرسلة ” في اللغة: المُطلقة.

و ” المصلحة المرسلة ” في الاصطلاح: هي المنفعة التي لم يرد فيها دليل خاص باعتبارها أو إلغائها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان تعريف ” المصالح المرسلة ” -:

وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه. ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 342 ، 343 ).

 

ثالثًا:

ومن أوضح ما يفرَّق به بين البدعة والمصلحة المرسلة أمران:

  1. أن البدعة في البدع موضوعها: الغايات، والمصلحة المرسلة موضوعها: وسائل تحقيق الغايات.
  2. أن البدعة قام السبب – ويُطلق عليه ” المقتضي ” – لفعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم تُفعل، وأما المصلحة المُرْسَلَة: فلم يقمْ المقتضي لفعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وعليه: فمن جعل المصلحة المرسلة هي البدعة أو كالبدعة: فقد أخطأ، بل البدعة مضادة للمصالح المرسلة.

* قال الشاطبي – رحمه الله -:

فلما كان هذا الموضع مزلة قدم لأهل البدع أن يستدلوا على بدعتهم من جهته: كان الحق المتعين النظر في مناط الغلط الواقع لهؤلاء حتى يتبين أن ” المصالح المرسلة ” ليست من البدع في وِرد ولا صَدر … .

إذا تقررت هذه الشروط: عُلم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة؛ لأن موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل، والتعبدات من حقيقتها: أن لا يعقل معناها على التفصيل. ” الاعتصام ” ( 1 / 373 – 386 ) وقد أطال التقرير هناك فليرجع إليه.

 

رابعًا:

وننقل هنا كلاما علميّا يضبط مسألة الفروقات والاتفاقات بين البدع والمصالح المرسلة نختم به الجواب ونرجو أن يكون نافعًا مفيدًا.

* قال الشيخ محمد بن حسين الجيزاني – وفقه الله -:

أ. وجوه اجتماع البدعة والمصلحة المرسلة:

  1. أن كلا من البدعة والمصلحة المرسلة مما لم يعهد وقوعه في عصر النبوة، ولا سيما المصالح المرسلة، وهو الغالب في البدع، إلا أنه ربما وجدت بعض البدع – وهذا قليل – في عصره، كما ورد ذلك في قصة النفر الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم.
  2. أن كلا من البدعة – في الغالب – والمصلحة المرسلة خال عن الدليل الخاص المعين، إذ الأدلة العامة المطلقة هي غاية ما يمكن الاستدلال به فيهما.

ب. وجوه الافتراق بين البدعة والمصلحة المرسلة:

  1. تنفرد البدعة في أنها لا تكون إلا في الأمور التعبدية، وما يلتحق بها من أمور الدين بخلاف المصلحة المرسلة فإن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل معناه، وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عُرضت على العقول تلقتها بالقبول فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية.
  2. وتنفرد البدعة بكونها مقصودة بالقصد الأول لدى أصحابها؛ فهم – في الغالب – يتقربون إلى الله بفعلها، ولا يحيدون عنها، فيبعد جدًّا – عند أرباب البدع – إهدار العمل بها؛ إذ يرون بدعتهم راجحة على كل ما يعارضها، بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإنها مقصودة بالقصد الثاني دون الأول، فهي تدخل تحت باب الوسائل؛ لأنها إنما شرعت لأجل التوسل بها إلى تحقيق مقصد من مقاصد الشريعة، ويدل على ذلك أن هذه المصلحة يسقط اعتبارها، والالتفات إليها شرعًا متى عورضت بمفسدة أربى منها، وحينئذٍ فمن غير الممكن إحداث البدع من جهة المصالح المرسلة.
  3. وتنفرد البدعة بأنها تؤول إلى التشديد على المكلفين وزيادة الحرج عليهم، بخلاف المصلحة المرسلة فإنها تعود بالتخفيف على المكلفين ورفع الحرج عنهم، أو إلى حفظ أمر ضروري لهم.
  4. وتنفرد البدعة بكونها مناقضة لمقاصد الشريعة، هادمة لها، بخلاف المصلحة المرسلة فإنها – لكي تعتبر شرعًا – لا بد أن تندرج تحت مقاصد الشريعة، وأن تكون خادمة لها، وإلا لم تعتبر.
  5. وتنفرد المصلحة المرسلة بأن عدم وقوعها في عصر النبوة إنما كان لأجل انتفاء المقتضي لفعلها، أو أن المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه، بخلاف البدعة فإن عدم وقوعها في عهد النبوة كان مع قيام المقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، وانتفاء المانع.

 

والحاصل: أن المصالح المرسلة إذا روعيت شروطها كانت مضادة للبدع مباينة لها، وامتنع جريان الابتداع من جهة المصلحة المرسلة؛ لأنها – والحالة كذلك – يسقط اعتبارها ولا تسمى إذ ذاك مصلحة مرسلة، بل تسمى إما مصلحة ملغاة أو مفسدة.  “قواعد معرفة البدع ” ( ص 19 ، 20 ).

 

والله أعلم.

 

كيف يزكي مدخره من راتبه الشهري؟

كيف يزكي مدخره من راتبه الشهري؟

السؤال:

أنا أعمل في شركة منذ سنتين تقريبًا، وأدخر قسطًا كبيرًا من راتبي كل شهر، في الشهر العاشر تجمع لي قيمة النصاب حينها، وبقي المبلغ يزيد وينقص، ولكن لم ينزل عن النصاب، الآن أنا في الشهر الحادي والعشرين, والمبلغ أصبح تقريبًا الضعف، والنصاب قد تغير، اختلطت علي الأمور، ولم أعد أفهم ماذا أفعل، ما هو النصاب الذي أعتمده، القديم أم الجديد؟ ما هو المبلغ الذي أعتمده، هل هو الأخير أم الذي حال عليه الحول؟

 

الجواب:

الحمد لله

أسهل الطرق في حساب زكاة الراتب بالخطوات الآتية:

  • أن تحدد الشهر الذي بلغ فيه ما تدخره من الراتب نصاب الزكاة، ونصاب الزكاة هو قيمة (85) غرامًا من الذهب من عيار (24)، فإذا كانت قيمتها – على سبيل المثال – عشرة آلاف ريال، وبلغت مدخراتك هذا الرقم: حينها تدون عندك اسم الشهر الذي بلغت فيه مدخراتك النصاب الزكوي.
  • فإذا مر عام كامل من بداية هذا الشهر الذي دونته عندك باليوم والتاريخ: نظرت في جميع ما لديك من مدخرات الراتب وأديت الزكاة عنها كلها بمقدار (2.5%).

صحيح أن جزءًا من توفيرك من راتبك إنما دخل الحساب قبل شهر أو شهرين فقط، ولم يحل عليه حول كامل، لكن إخراجك الزكاة عن جميع المال تعتبر تعجيلًا في أدائها عن قدر المال الذي لم يمكث حولًا كاملًا في الحساب، وتعجيل الزكاة جائز، وهو – لا شك – أولى من تأخيرها وأوجب، وأجره أعظم عند الله تعالى، وأسهل في الحساب وضمان عدم الاضطراب أو الخلل فيه.

* يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

” الزكاة عن الرواتب الشهرية – أحسن شيء، وأسهل شيء، وأسلم شيء – أن تعد شهرًا معينًا لإحصاء مالك، وتخرج زكاته جميعًا.

مثال ذلك: إنسان اعتاد أنه كلما دخل شهر رمضان أحصى الذي عنده وأخرج الزكاة، حتى راتب شعبان الذي قبل رمضان يخرج زكاته، هذا طيِّب، ويستريح الإنسان في الحقيقة، ما وجدنا أريح من هذا أبدًا.

فإذا قال قائل: شعبان الذي قبضت لم يمض عليه إلا أيام؟

فنقول: تكون زكاته معجلة، ويجوز أن الإنسان يعجل الزكاة لمدة سنة أو سنتين.

وحينئذ نقول: أحسن شيء أن يجعل الإنسان شهرًا معينًا يحصي ماله كله، ويخرج زكاته الذي تم حوله والذي لم يتم ” انتهى. ” مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ” (18/175).

 

والله أعلم.

 

المنشطات الرياضية والجنسية وحكم تناولهما

المنشطات الرياضية والجنسية وحكم تناولهما

السؤال:

ما حكم بيع وشراء وتناول المنشطات الرياضية والجنسية؟ لقد أخبرني بعضهم أن ذلك ليس حرامًا لأنها ليست مخدرات، وطالما أنها لا تضر فلا بأس من تناولها أيضا، بل قد أخبرني أحد الأطباء وقال: لا بأس من تناولها؛ لأنها لا تضر الجسم، شرط أن لا تتجاوز الجرعة الواحدة (20 مل ). فما رأي الشرع في هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بيان أضرار المنشطات الرياضية.

تعريف المنشطات في اللغة: يقال: نشط الرجل في عمله ينشطُ  نشاطًا فهو  نشيط إذا خفَّ وأسرع، ولا يختلف التعريف الفقهي للنشاط عن التعريف اللغوي.

ويقصد بالمنشطات المحظورة رياضيًّا في الاصطلاح الرياضي: استعمال أية مادة من شأنها أن تزيد نشاط اللاعب نشاطًا غير طبيعي مما يجعله ينافس بطريقة غير عادلة، وهذه المنشطات عبارة عن عقاقير مصنعة، وقد تكون مواد طبيعية تؤخذ بكميات غير طبيعية وبطرق غير معتادة تساهم في رفع اللياقة البدنية بشكل غير طبيعي، وأغلبها مواد مخدرة، وقد قسمت اللجنة الطبية التابعة للجنة الاولمبية الدولية المنشطات المحظورة رياضيّا إلى خمسة أقسام هي:

١. المنبهات للجهاز العصبي.

  1. المثبطات للجهاز العصبي.
  2. الهرمونات البنائية.
  3. العقاقير المسيطرة على الدورة الدموية.
  4. مدرات البول.
  5. هرمون النمو.
  6. الهرمونات الكورتيزونية.

وقد أثبتت الأبحاث الطبية أن تعاطي المنشطات الرياضية يؤدي إلى أمراض نفسية: كاضطراب المزاج، والشعور بالكآبة، والرغبة في العدوانية، وأمراض عصبية كالجنون.

وأمراض عضوية: كمرض الذبحة القلبية المؤدي للموت، وأمراض الكلى، وأورام البروستاتا، والعجز الجنسي المؤدي إلى العقم، والخلل الهرموني.

ويمكن إيضاح الأضرار الصحية التي تؤكد الأبحاث الطبية أن تعاطي المنشطات الرياضية يسببها في النقاط التالية:

  1. الإدمان. 2. الاكتئاب النفسي. 3. الالتهاب الكبدي. 4. التهاب المعدة المؤدي إلى القرحة. 5. أمراض عصبية مختلفة. 6. الأرق والهلوسة. 7. الإسهال والغثيان. ٨. عدم الاتزان. 9. أمراض الرئة والقلب. 10. عدم الشهية للطعام. ١١. ارتخاء العضلات. 12. زيادة إفرازات الدموع والأنف. 13. الطفح الجلدي. 14. هبوط التنفس المؤدي إلى الموت. 15. أمراض الكلى. 16. أورام البروستاتا. 17. ظهور علامات الذكورة الجسدية في الإناث. 18. العنة أو العقم نتيجة استخدام هرمون ” التستوستيرون ” – هرمون الذكورة.

 

ثانيًا:

حكم تناول المنشطات الرياضية:

يمكن الكشف عن حكم تناول المنشطات الرياضية من خلال الأضرار الصحية التي تسببها المنشطات الرياضية للرياضي نفسه.

يتضح من خلال العرض السابق للأمراض التي تنشأ عن تناول المنشطات الرياضية، وما ذكره أهل الاختصاص عن مدى الضرر الصحي الذي يترتب على تعاطي المنشطات الرياضية، إما بشكل سريع أو على المدى البعيد: أن استخدم المنشطات الرياضية غير جائز؛ لما يترتب عليه من أضرار قد تؤدي بحياة الشخص المتعاطي لهذه المنشطات، وقد قال الله تعالى ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) النساء/29، وقال تعالى ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) – رواه ابن ماجه بإسناد حسن -.

فالإسلام حرم على المسلم أن يتسبب في هلاك نفسه وقتلها، كما حرم عليه أن يضر نفسه بأي وجه من أوجه الضرر.

باختصار من رسالة ماجستير بعنوان ” النوازل في الأشربة ” ( ص 229 – 234 ) للشيخ زين العابدين بن الشيخ بن ازوين، بإشراف الشيخ  سعد بن تركي الخثلان.

 

 

ثالثًا:

بيان أضرار المنشطات الجنسية.

توصل الأطباء إلى علاج أغلب حالات العجز الجنسي، واكتشفوا العديد من الطرق والوسائل المفيدة منها:

العلاج بالأدوية المنشطة التي تؤخذ عن طريق الفم على هيئة أقراص مثل:  “الفياجرا”، و ” السيالس “.

العلاج بالحقن الموضعية التي تقوم بتوسيع الشرايين.

العلاج بإعطاء تحاميل صغيرة عبر مجرى البول.

العلاج بالأجهزة المساعدة عن طريق العمليات الجراحية، وهذه الطريقة لا يلجأ إليها إلا في حال فشل الطرق السابقة.

وهذه الطرق العلاجية بعضها له أضرار، وآثار جانبية، خصوصاً المنشطات التي تؤخذ عن طريق الفم، وكذلك الأجهزة المساعدة.

فجميع الأدوية المنشطة التي تؤخذ عن طريق الفم على هيئة أقراص قد تسبب:

الصداع، والاحتقان الأنفي، وألم المعدة مع سوء الهضم، وفرط الحساسية من النور، وبعض الآلام في أسفل الظهر أو العضلات.

وكذلك تناول تلك الأدوية دون استشارة الطبيب من طرف المرضى الذين يعانون من أمراض انسداد الشرايين قد يعرضهم لأضرار؛ لأن الكثير من هؤلاء يتناول دواء ” الناتيرايت “، وهذا الدواء يتفاعل بشدة مع عقار ” الفياجرا “، حيث يقوم ” الفياجرا ” بمنع هذا الدواء من التحلل في جسم المريض، وذلك يؤدي إلى نزول الضغط الشديد، الذي قد يؤدي إلى الموت.

رابعًا:

حكم تناول المنشطات الجنسية:

إن استعمال المنشطات الجنسية تعتريه حالتان:

الحالة الأولى:  أن يكون لحاجة داعية إليه من نحو كبَر، أو علاج مرض: فيكون استعمالها أمرًا مباحًا شرعًا؛ لأن الإسلام يأمر المسلم بالتداوي، وأخذ أسباب العلاج، من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم ) – رواه الترمذي وصححه – وأبو داود وابن ماجه -، وقد يكون مندوبًا شرعًا كأن يترتب عليه تحصيل الذرية التي أوصت نصوص الشرع بطلبها، ومن تلك النصوص قول الله تعالى ( فَالآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) البقرة/ 187، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) – رواه أبو داود والنسائي وهو صحيح -.

إلا أنه ينبغي مراعاة الضوابط التي يذكرها أهل الاختصاص فهم أهل الذكر في هذا  المجال، ومن جملة الضوابط التي يذكرونها ما يأتي:

أ. أن لا يتناول المريض بالعجز الجنسي تلك المنشطات إلا بعد استشارة طبيب ثقة مختص.

ب.  أن لا يعتمد اعتمادًا كليًّا على تلك المنشطات، بحيث لا يستطيع الجسم القيام بواجباته إلا بها.

ج. أن يراعي عدم الإسراف في تناولها؛ لما قد يترتب على الإسراف في تناولها من الأضرار التي قد تؤدي بحياته.

الحالة الثانية  استعمال المنشطات الجنسية لتحصيل زيادة في المتعة ونحو ذلك، فالحكم في هذه الحالة يكون بالنظر لما يترتب على تعاطي هذه المنشطات من غير حاجة، وقد ذكر أصحاب الاختصاص أن استعمال الأدوية المنشطة من قبل الأصحاء لزيادة المتعة قد يؤدي إلى أضرار بالغة، حيث تؤكد الأبحاث الطبية أن تناول الأصحاء للمنشطات الجنسية يؤدي إلى آثار عكسية على المدى البعيد؛ لأن المنشطات تعطي للجسم نشاطاً قد يستمر ساعات معدودة، ثم ما يلبث الجسم أن يدفع ثمن ذلك النشاط إرهاقًا وتعبًا، ومعلوم أنّ ما أدى إلى ضرر راجح أو خالص: تأبى إباحته نصوص الشرع وقواعده الكلية.

قال في ” المراقي “:

والحكم ما به يجيءُ الشرع *** وأصل كل ما يضر المنع.

باختصار من رسالة ماجستير بعنوان ” النوازل في الأشربة ” ( ص 237 – 240 ) للشيخ زين العابدين بن الشيخ بن ازوين، بإشراف الشيخ  سعد بن تركي الخثلان.

 

والله أعلم.

 

أنواع اللقاحات الطبية وحكم التطعيم بها

أنواع اللقاحات الطبية وحكم التطعيم بها

السؤال:

اللقاحات الطبية التي تُعطى للأطفال هي موضع تساؤلي، فالنظرية السائدة تقول: إنه بمجرد إعطاء الطفل نسبة بسيطة من فيروسات المرض الفلاني – وهو ما يعرف باللقاح – فإنه بذلك يكتسب مناعة ضد هذا المرض بقية حياته.

لكن قلقي زاد بخصوص هذا الأمر بعد أن قرأت أن اللقاحات التي تعطى للأطفال معظمها يستخلص من الدم الفاسد للأحصنة، ومن قيح بعض الأبقار المريضة، ومن دم الخنزير، ومن مخ الأرانب، ومن كلية الكِلاب، ومن رحم الدجاج، والقائمة تطول.

فالذي أريد أن أعرفه هو حكم هذه الأشياء، وهل يجوز للآباء أن يعطوا لأبنائهم هذه اللقاحات، وإن كانت هذه المعلومات التي قرأتها صحيحة فمعنى هذا أن أطفال العالم يُحقنون بمواد نجسة ومتعفنة، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ( لم يجعل الله دواء أمتي في دائها )؟! فما العمل إذًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

التلقيح – ويسمَّى ” التحصين ” و ” التطعيم ” –  يجعل جسم متناوله يصنع مواد تُعرف بـ ” الأجسام المضادة ” ووظيفتها : مقاومة الأمراض، ولا تسبِّب – في الأصل – الأمراض لمتناولها، وما يحدث من أعراض جانبية جرَّاء أخذها لا يقارن بما لها من نفع مستقبلي بإذن الله.

وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: التحصين ( التمنيع ) النشط، مصطلح آخر للتلقيح، ويحتوي اللقاح على مواد من شأنها تحفيز المناعة في الجسم لإنتاج أجسام مضادة لمرض معد معين، وهذه الأجسام المضادة تحمي الشخص إذا ما أصيب بالكائن الحي المسبب للمرض.

ويحتوي اللقاح على مادة قوية تكفي للبدء في إفراز الأجسام المضادة، ولكنها ليست بالقوة التي تسبب المرض فعلاً، ومعظم اللقاحات تحتوي على البكتيريا المسببة للمرض أو فيروسات ميتة، ويحتوي بعضها الآخر على الجراثيم الحية، ولكن في حالة ضعيفة حتى لا تسبب المرض، وتُعرف اللقاحات باسم ” الذوفانات “، حيث تُصنّع من سموم تفرزها الكائنات المسببة للمرض، وتُعالج هذه السموم كيميائيّاً بحيث تعطي المناعة دون أن تسبب المرض.  انتهى.

ثانيًا:

وحكم التطعيم يرجع إلى حكم المواد المستعملة فيه والآثار المترتبة عليها، وهي أقسام:

القسم الأول: ما كان منها مواد مباحة الاستعمال في الأصل، ولها آثارها النافعة.

وهذه لا شك جائزة، بل هي من نعَم الله تعالى العظيمة على الخلق، وقد ساهم هذا الإنجاز الطبي في القضاء على انتشار أوبئة كثيرة.

* قال الشيخ سعد بن ناصر الشثري – حفظه الله -:

” ومن المسائل المتعلقة بالأوبئة والأمراض المعدية: حُكم أخذ اللقاح الذي يعطى من أجل الوقاية من هذه الأمراض، فنقول: اللقاح الذي يُعطى على نوعين:

النوع الأول: ما عرف أثره بالتجربة أنه يقي بإذن الله من هذا المرض، ومثل هذا له أحكام العلاج وهو نوع من أنواع العلاج؛ وذلك لدخوله في قوله صلى الله عليه وسلم (تداووا )، فيأخذ حكم التداوي، وبعض الفقهاء استشكل أخذ اللقاح وقال: إن هذا اللقاح مرض مخفَّف يُنقل إلى الجسد ليتمكن الجسم من محاربة المرض الثقيل ( ليتعود البدن على مقاومة المرض )، قالوا: فكيف نستجيز إدخال مرض إلى الجسد؟ والأظهر: أن هذا العمل لا حرج فيه، بل هو من القربات؛ لأن إدخال الضرر هنا لا يترتب عليه ضرر بل يترتب عليه مصلحة لوقاية متعاطي هذا اللقاح من المرض الشديد، فهذا دليل على عدم المنع من أخذ هذا اللقاح “. انتهى من محاضرة بعنوان ” أحكام فقهية تتعلق بالأوبئة “.

http://www.al-adwa.net/?p=181

وسواء كانت هذه المواد المباحة الاستعمال من الفيروسات أو البكتريا أو حتى السموم فكلها داخل فيما يجوز تناوله إن كان له آثار نافعة محمودة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 257 ): ” يجوز التّداوي بالسّمّ حتّى عند من يقول بنجاسته إن غلبت السّلامة من ضرره، ويرجى نفعه، لارتكاب أخفّ الضّررين، ولدفع ما هو أعظم منهما، بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك أو معرفة المتداوي به، وعدم ما يقوم مقامه ممّا يحصل التّداوي “. انتهى

القسم الثاني: ما كان منها مواد مباحة الاستعمال، ولكنَّها تسبِّب أضرارًا للبدن أكثر من النفع، أو لا يكون فيه نفع أصلًا.

وهذه اللقاحات لا شك في عدم جواز تناولها؛ لما نهينا عنه من الإضرار بأنفسنا في المطعومات والمشروبات والأدوية وغير ذلك.

وقد ذكرنا في جواب سابق: ” أمَّا إذا ثبت بالطب أن تطعيمات معينة تُحدث ضررًا بجسم الإنسان أو أن نسبة تأثيراتها الضارة أكثر من نسبة ما تدفعه من الأمراض فلا يجوز استعمالها حينئذ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ضرر ولا ضرار  ) “. انتهى.

القسم الثالث: ما كان منها مواد محرَّمة أو نجسة في أصلها، ولكنها عولجت كيميائيًّا أو أضيفت إليها مواد أخرى غيَّرت من اسمها ووصفها إلى مواد مباحة، وهو ما يسمَّى ” الاستحالة “، ويكون لها آثار نافعة.

وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: ” وما زالت بعض اللقاحات تصنع من أجزاء أو إفرازات الكائنات المسببة للمرض، وتتكون مجموعة لقاحات أخرى من كائنات حية تشابه تلك التي تسبب المرض، وهذه الكائنات تعطي المناعة ولكنها لا تسبب الأمراض “. انتهى.

وهذه اللقاحات يجوز تناولها لأن الاستحالة التي غيَّرت اسم موادها ومواصفاتها قد غيَّرت حكمها فصارت مباحة الاستعمال.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

” وأما دخان النجاسة: فهذا مبني على أصل وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة – مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادًا وخرسفا وقصرملا ونحو ذلك – ففيه للعلماء قولان: أحدهما: لا يطهر، كقول الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وهو المشهور عن أصحاب أحمد وإحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى: أنه طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك في أحد القولين وإحدى الروايتين عن أحمد. ومذهب أهل الظاهر وغيرهم: أنها تطهر، وهذا هو الصواب المقطوع به؛ فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظاً ولا معنى، فليست محرَّمة ولا في معنى المحرَّم فلا وجه لتحريمها بل تتناولها نصوص الحل؛ فإنها من الطيبات، وهي أيضًا في معنى ما اتفق على حله  فالنص والقياس يقتضي تحليلها.

” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 70 ، 71 ).

القسم الرابع: ما كان منها مواد ضارَّة أو محرَّمة، ولا يُجزم بآثارها، وثمة اختلاف بين الأطباء والمختصين في نفعها وفائدتها.

– وهذه اللقاحات لا يجوز تناولها؛ لما فيه من احتمال تعريض النفس للهلاك والأمراض.

* قال الشيخ سعد بن ناصر الشثري – حفظه الله -:

ومن المسائل المتعلقة بالأوبئة والأمراض المعدية حكم أخذ اللقاح الذي يعطى من أجل الوقاية من هذه الأمراض، فنقول اللقاح الذي يعطى على نوعين:

النوع الأول:… – سبق ذِكره قريبًا -.

النوع الثاني من لقاح الأمراض المعدية: ما لم يتأكد من أثره ولم يعرف بالتجربة بعدُ، أو اختلف كلام الأطباء فيه بحيث لم يعتمد الإنسان على شيء ولم يترجح لديه شيء من أقوالهم : فحينئذ الأصل: المنع من أخذه وعدم جوازه؛ لأنه لم يتأكد من تأثيره في الوقاية من المرض، فنحن تأكدنا من أنه مضر، وأنه يدخل على البدن شيئاً من الضرر ولم نتأكد من أن له فائدةً أعظم منه، ومن ثَمَّ فإننا نمنع منه، لأننا لا نستجيز الإقدام على فعل إلا إذا كان نفعه أكبر من ضرره، فما لم نتأكد من ذلك فالأصل منعه، إذا كان الفعل نتأكد ونجزم بأنه مضر وأن ما يقابل هذا الضرر من الفائدة لم يثبت بعد: فحينئذ يمنع منه “. انتهى من محاضرة بعنوان ” أحكام فقهية تتعلق بالأوبئة “.

http://www.al-adwa.net/?p=181

 

والله أعلم.

 

حكم إبقاء العضو المريض بحجة عدم التشويه ولو أدى إبقاؤه للموت

حكم إبقاء العضو المريض بحجة عدم التشويه ولو أدى إبقاؤه للموت

السؤال:

قرأت إجابتكم المتعلقة بالأدوية الطبية والتي قد تؤدي إلى الوفاة، لكن سؤالي مختلف بعض الشيء، فهناك بعض الناس هنا في الولايات المتحدة – وهم كثر – يصابون بأمراض خبيثة – والعياذ بالله – ولا طريقة لعلاجهم إلا باستئصال أو بتر عضو من أعضائهم، وما لم يفعل ذلك فإن الموت هو النتيجة الحتمية، فبعض هؤلاء المرضى يرفض الخضوع لعملية الاستئصال أو البتر ويفضل الموت؛ لأنه يرى أن الموت أفضل من العيش مشوَّهًا مقعدًا، فهل يُعتبر هذا انتحارًا؟ وما حكم هؤلاء الأشخاص؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء في حكم التداوي، فبعض العلماء يوجبه – وهم الظاهرية – وبعضهم يجعله مستحبًّا – وهم الشافعية ونقل النووي أنه مذهب جمهور السلف -، وفريق ثالث يراه مباحًا – الحنفية والمالكية – وذهبت طائفة إلى أن تركه أفضل – وهم الحنابلة -؟

والصواب: أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، ولعلّ الأصل هو القول باستحبابه.

 

ثانيًا:

وليُعلم أن الخلاف السابق بين العلماء في حكم التداوي إنما هو باعتبار عدم القطع بأن ذاك الدواء يُشفى به ذلك المرض، وإنما الشفاء به من باب المظنونات.

وأما مع القطع بأن ترك التداوي يؤدي إلى تلف عضو صاحبه أو إلى الموت: فالأظهر أن التداوي يكون حينئذٍ واجبًا، وتركه حتى يؤدي بصاحبه إلى الوفاة يكون انتحارًا -ويسمى ” الانتحار بطريق السلب ” ومثله الامتناع عن الطعام أو الشراب المحرَّميْن أصلا حال الضرورة – أو له حكم الانتحار، وقد مثَّل الفقهاء لذلك بأمر شبيه لما جاء في السؤال، وهو وجود عضو متآكل في البدن يسري في البدن لو تركه من غير قطع حتى يموت بسببه، ومثلوا – أيضًا – بوجود جرح نازف في عضو لو تركه صاحبه فإنه يموت بسببه؛ لأن قطع النزف هنا يقيني في وقف سبب الموت، وترك البدن بغير دم سبب يقيني للوفاة، فيتعيَّن على صاحب الجرح ربط جرحه أو حسم الدم بوضع العضو في زيت يغلي أو بكيه بنار حتى تسد أفواه العروق.

* قال ابن هبيرة – رحمه الله -:

لو ترك تاركٌ جرحَه يسيل دمه فلم يعصبه حتى سال منه الدم فمات: كان عاصيًا لله تعالى قاتلاً لنفسه. انظر ” الآداب الشرعية ” لابن مفلح الحنبلي ( 2 / 349 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 34 / 53 ):

للحر البالغ العاقل قطع سِلْعة – أي: ورم ونحوه – من جسده لا خطر في قطعها، ولا في تركها؛ لأن له غرضا في إزالة الشيْن، فإن كان في قطعها خطر على نفسه بقول طبيبين أو طبيب ثقة ولا خطر في تركها، أو زاد خطر القطع : فلا يجوز له قطعها؛ لأن ذلك يؤدي إلى هلاك نفسه، والله يقول ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195، وإن قال الأطباء : إن لم يقطع حصل أمر يفضي إلى الهلاك: وجب القطع، كما يجب دفع المهلكات، ومثل السلعة العضو المتآكل في الأحكام. انتهى.

وفي ( 6 / 283 ، 284 ) قالوا:

الامتناع من التداوي في حالة المرض لا يعتبر انتحارًا عند عامة الفقهاء، فمن كان مريضًا وامتنع من العلاج حتى مات: لا يعتبر عاصيًا، إذ لا يتحقق بأنه يشفيه.

كذلك لو ترك المجروح علاج جرح مهلك فمات: لا يعتبر منتحرًا، بحيث يجب القصاص على جارحه، إذ البرء غير موثوق به وإن عالج.

أما إذا كان الجرح بسيطًا والعلاج موثوقًا به، كما لو ترك المجني عليه عصب العِرق: فإنه يُعتبر قد قتل نفسه، حتى لا يسأل جارحه عن القتل عند الشافعية …. فيفهم منه: أن ترك الجرح اليسير لنزف الدم حتى الموت يشبه الانتحار. انتهى مختصرًا.

والبقاء مشوَّهًا بعدم قطع العضو المتآكل أو العضو المريض: ليس عذرًا يبيح للمريض إبقاءه، ولذا كما أنه يجب إزالة الورم إن كان بقاؤه فيه إتلاف للعضو أو أنه يؤدي للموت فكذا يحرم قطعه إن كان قطعه يؤدي إلى هلاكه ولو كان يقصد إزالة الشيْن عن نفسه.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 19 / 207 ، 208 ):

يحرم على الشخص قطع غدة أو عضو متآكل إذا كان في القطع خطر على النفس، وليس في بقائهما خطر أو زاد خطر القطع، وإن كانت تشينه؛ لأنه قد يؤدي إلى هلاك نفسه.

– أما إذا لم يكن في إزالتها خطر: فله إزالتها؛ لإزالة الشين.

– وإن تساوى الخطران أو زاد خطر الترك: فله قطعها. انتهى.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقال بعض العلماء: إنه يجب التداوي إذا ظُن نفعه.

والصحيح: أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: السرطان الموضعي، فالسرطان الموضعي – بإذن الله – إذا قطع الموضع الذي فيه السرطان فإنه ينجو منه، لكن إذا ترك انتشر في البدن، وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواء معلوم النفع؛ لأنه موضعي يقطع ويزول، وقد خَرَّبَ الخَضِرُ السفينةَ بخرقها لإِنجاء جميعها، فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك واجبًا.

وعلى هذا فالأقرب أن يقال ما يلي:

  1. أن ما عُلم أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه: فهو واجب.
  2. أن ما غلب على الظن نفعه، ولكن ليس هناك هلاك محقق بتركه: فهو أفضل.
  3. أن ما تساوى فيه الأمران: فتركه أفضل؛ لئلًا يلقي الإِنسان بنفسه إلى التهلكة من حيث لا يشعر. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 5 / 234 ).

والخلاصة:

أنه إذا كان المرض الذي يصيب عضو المسلم يسري في بدنه ويكون قاتلًا له وليس ثمة طريقة لعلاجه إلا بقطع العضو : فإنه يتحتم قطع العضو، ويحرم الانتظار عليه حتى يسري المرض بالبدن فيقتله، ولا يكون رغبة المريض أن لا يكون مشوَّهاً أو مقعدًا عذرًا له في عدم العلاج بالقطع للمريض، ولو فُرض أن التداوي من المباحات لا من الواجبات ولا المستحبات فإنه من امتنع عن المباح حتى مات كان منتحرًا، وحينئذٍ فلا فرق بين الغذاء والدواء في هذا الباب، وإنما فرَّق من فرَّق بينهما لأن الطعام قطعي النفع للمضطر وليس كذلك الدواء، لكن إن عُلم أن دواء معيَّنًا نافع لمرض – كوقف النزف وقطع العضو – وليس ثمة غيره وأنه إن لم يتداوى مات بسببه: فيتعيَّن حينئذٍ التداوي ويكون واجبًا ويكون تاركه قاتلًا لنفسه.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن الناس قد تنازعوا في التداوي هل هو مباح أو مستحب أو واجب؟.

والتحقيق: أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، وقد يكون منه ما هو واجب وهو: ما يُعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة؛ فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وقد قال مسروق ” من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار “، فقد يحصل أحيانا للإنسان إذا استحرَّ المرض ما إن لم يتعالج معه مات، والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف وكاستخراج الدم أحيانًا.

مجموع الفتاوى (18 / 12) . وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 282 ):

من امتنع من المباح حتى مات: كان قاتلا نفسه متلفاً لها عند جميع أهل العلم.

انتهى.

والقول بوجوب قطع العضو في حال تسببه بتلف نفسه أو تلف أحد أعضائه هو الذي رجحه علماء ” مجمع الفقه الإسلامي “.

 

والله أعلم.

 

صنع سحر عطف لامرأة فتزوجها وأنجبت له فكيف يصنع إذا أراد التوبة؟

صنع سحر عطف لامرأة فتزوجها وأنجبت له فكيف يصنع إذا أراد التوبة؟

السؤال:

يا شيخ حدثني أحد الأشخاص بأنه عمل حرزًا ( عملًا ) لبنت، ومن ثم تزوجها، وأنجبت منه أطفالًا، الآن الرجل يسأل هل هذا حرام أم حلال؟ هل حرام أنه عمل حرزًا للبنت لكي تحبه ومن ثم يتزوجها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما فعله ذلك الرجل ليتزوج تلك المرأة هو ضرب من ضروب السحر، ويسمَّى ” سحر العطف “، وقد جاءت تسميته في الشرع ” التِّوَلة “، وحكم عليه الشرع أنه شرك.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعود قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ ). رواه أبو داود ( 3883 ) ، وابن ماجه ( 3530 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن الأثير الجزري – رحمه الله -:

( التِّوَلة ) بكسر التاء وفتح الواو: ما يُحبِّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، وجعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى.

” النهاية في غريب الحديث ” ( 1 / 200 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والتوَلة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا: شيءٌ كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله. ” فتح الباري ” ( 10 / 196 ).

– وحكم ذلك الرجل دائرٌ بين وقوعه في الشرك الأكبر أو الأصغر.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقوله: ( شِرك ) هل هي شرك أصغر أو أكبر؟.

نقول: بحسب ما يريد الإنسان منها، إن اتخذها معتقداً أن المسبِّب للمحبة هو الله: فهي شرك أصغر، وإن اعتقد أنها تفعل بنفسها: فهي شرك أكبر.

” القول المفيد على كتاب التوحيد ” ( 1 / 129 ).

 

ثانيًا:

وأما ما يجب عليه الآن: فأمور:

  1. التوبة الصادقة والندم على ما فعل، مع العزم على عدم العوْد لمثله.
  2. أن يُتلف ذلك الحرز بالتقطيع أو التحريق، ويفضَّل أن يقرأ عليه قبل ذلك: المعوِّذات والفاتحة وآية الكرسي.
  3. توصية الزوجة بوقاية نفسها بالأذكار الشرعية، مع الوصية بعدم إخبارها بما فعل؛ لئلا تسوء العشرة بينهما.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ومن العلاج أيضًا: إتلاف الشيء الذي يظن أنه عمل فيه السحر من صوف أو خيوط معقدة أو غير ذلك مما يظن أنه سبب السحر, مع العناية من المسحور بالتعوذات الشرعية ومنها التعوذ ” بكلمات الله التامات من شر ما خلق ” ثلاث مرات صباحا ومساء وقراءة السور الثلاث المتقدمة – وهي ” الإخلاص ” و ” الفلق ” و ” الناس ” – بعد الصبح والمغرب ثلاث مرات، وقراءة آية الكرسي بعد الصلاة، وعند النوم .

ويستحب أن يقول صباحا ومساء ” بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ” ثلاث مرات؛ لصحة ذلك كله عن النبي صلى الله عليه وسلم, مع حسن الظن بالله والإيمان بأنه مسبب الأسباب وأنه هو الذي يشفي المريض إذا شاء.  ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 7 / 80 ، 81 ).

 

والله أعلم.

 

ما الذي يُزال في ختان الأنثى، وما يترتب على قطع ما لا يجوز قطعه من أحكام

ما الذي يُزال في ختان الأنثى، وما يترتب على قطع ما لا يجوز قطعه من أحكام

السؤال:

قرأت بعض الفتاوى التي توضح حكم وكيفية الختان، جزاكم الله خيرًا.

سؤالي:

  1. إذا اختتنت المرأة بحيث تم إزالة القلف بالكامل والبظر بالكامل والشفة الصغرى بالكامل فهل هذا جائز؟.
  2. إذا كان هذا الفعل غير جائز فهل للمختتَنة بهذه الطريقة دية قطع عضو؟ وما هي قيمة الدية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية الختان للذكور والإناث.

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

وَاتَّفَقُوا أَن من ختن ابْنه فقد أصَاب، وَاتَّفَقُوا على إباحة الْخِتَان للنِّسَاء.

” مراتب الإجماع ” ( ص 157 ).

وقد اختلف العلماء هل هو واجب أو سنَّة، فقال بعضهم بوجوبه في حق الذكور والإناث، وقال آخرون بسنيَّته، وقال فريق ثالث إنه واجب في حق الذكور وسنَّة ومكرمة في حق الإناث، وهو القول الوسط، وهو قول كثير من العلماء، وهو ما رجحه ابن قدامة المقدسي، حيث قال:

فأما الختان: فواجب على الرجال ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن، هذا قول كثير من أهل العلم. ” المغني ” ( 1 / 63 ).

– وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

ثانيًا:

وختان الأنثى منه ما هو جائز، ومنه ما هو محرَّم ممنوع، أما الأول فهو الختان الشرعي، وهو قطع أدنى جزء من جلدة أعلى الفرج، وهي الجلدة التي تكون كعُرف الديك، وهذا الغشاء يغطي بَظْر الأنثى، وأما الثاني فهو الختان الفرعوني، وهو الذي يتعرض للبظر نفسه وللأشفار الداخلية والخارجية، وهذا ليس من الإسلام في شيء، بل هو محرَّم، وهو يؤثِّر تأثير سلبيًّا على شهوة المرأة، ويجعلها وزوجها يعانون في الجماع، ويشق عليها الولادة، ففيه أضرار بدنية، ونفسية، واجتماعية.

ثالثًا:

ولا خلاف بين فقهاء الإسلام في تضمين من أتلف بظر الأنثى أن عليه الدية كاملة، وهي مائة من الإبل؛ لأنه لا يوجد إلا بظر واحد للأنثى، وأن من أتلف أحد شفري الأنثى أن عليه نصف الدية، فإذا أتلف الشفريْن فعليه الدية كاملة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 32 / 92 ، 93 ):

اتفق الفقهاء على أن في الذَّكَر أو الحشفة دية كاملة، وفي شُفر فرج المرأة: نصف الدية، وفي الشُّفرين: دية كاملة. انتهى.

ومَن يضمن مِن ” الخاتنين ” و ” الخاتنات “؟.

– لا شك أن من يقوم بالختان فيتلف البظر أو الأشفار أو نصفها على أقسام:

  1. فمنهم العالِم بما يفعل المتعدي العامد.

وفعل هؤلاء فيه القصاص أو العفو إلى الدية، فيضمنون الدية من أموالهم فيما أتلفوه، مع ترتب الإثم عليهم، وفعلهم يستحقون به القصاص إن أمكن منه، كما إذا أتلفت خاتنة متعمدة شُفري أنثى فيُفعل بها كما فعلت بالطفلة؛ لأنها خرجت بذلك عن كونها خاتنة – أو خافضة – إلى كونها جانية، وأما إن كان الفاعل رجلًا: فالدية كاملة إن أتلف الشُّفرين ونصف الدية إن أتلف واحداً منهما، ويكون هذا كالطبيب الذي تعمَّد قتل المريض فيكون جانيًا مجرمًا لا طبيبًا.

* قال الشيخ عبد القادر عودة – رحمه الله -:

فالطبيب الذي يجرح مريضًا بقصد علاجه يؤدي واجبا كلف به: فعمله مباح، ولكنه إذا جرح المريض بقصد قتله: فهو قاتل، وعمله جريمة. ” التشريع الجنائي في الإسلام ” ( 1 / 470 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 78 ):

وفي شُفري المرأة قصاص في الأصح عند الشافعية، والحنابلة، وكذلك عند المالكية إن بدا العظم؛ لأن انتهاءهما معروف، فأشبها الشَّفتين، وجَفني العين. انتهى.

فولي الأنثى المجني عليها يخيَّر بين القصاص من الطبيبة – أو الخاتنة – المتعمدة للجناية وبين استيفاء دية ما أتلفت، أو العفو مجانًّا.

والدية هنا مغلظة، وحالَّة غير مؤجلة، وقدرها مائة من الإبل أو ما يعادلها من المال، وتجب في مال الجاني لا تحملها العاقلة.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة.

” المغني ” ( 9 / 488 ).

  1. ومنهم الخاتن الجاهل.

وهؤلاء يضمنون الدية من أموالهم فيما أتلفوه، مع ترتب الإثم عليهم.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

قال الخرقي: ” ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم “.

وجملته: أن هؤلاء إذا فعلوا ما أُمروا به: لم يضمنوا بشرطين: أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ولهم بها بصارة ومعرفة؛ لأنه إذا لم يكن كذلك: لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا: كان فعلًا محرَّمًا فيضمن سرايته، كالقطع ابتداء. ” المغني ” (6 / 133 ).

– السراية: ما ترتب على الفعل ونتج منه.

– والضمان في هذه الحال من ماله لا على عاقلته، ويستحق العقوبة التعزيرية.

وفي ” تبصرة الحكام ” ( 2 / 327 ، 328 ) لابن فرحون المالكي – رحمه الله -:

وإن كان الخاتن غير معروف بالختْن والإصابة فيه, وعرَّض نفسه: فهو ضامن لجميع ما وصفنا في ماله, ولا تحمل العاقلة من ذلك شيئًا، وعليه من الإمام العدل العقوبة الموجعة بضرب ظهره وإطالة سجنه, والطبيب والحجام والبيطار فيما أتى على أيديهم بسبيل ما وصفنا في الخاتن. انتهى.

  1. ومنهم العالِم الذي أخطأت يدُه: فهذا يضمن مع عدم ترتب إثم عليه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فأما إن كان حاذقاً وجنت يده مثل أن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل القطع، أو يقطع السِّلعة من إنسان فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالَّة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا: ضمن فيه كله؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، ولأن هذا فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداء. ” المغني ” ( 6 / 133 ).

السِّلعة: الغدَّة أو الخَرَاج.

والضمان هنا على عاقلته، وهو مذهب الأئمة الأربعة، بل نقل ابن المنذر الإجماع عليه، فقال:

وأجمعوا على أن قطع الخاتن إذا أخطأ فقطع الذكر والحشفة أو بعضها: فعليه ما أخطأ به، يعقله عنه العاقلة. ” كتاب الإجماع ” ( ص 43 ).

 

 

* قال الإمام مالك – رحمه الله -:

الأمر المجتمَع عليه عندنا: أن الطبيب إذا ختن فقطع الحشفة: أن عليه العقْل، وأن ذلك من الخطأ الذي تحمله العاقلة. ” الموطأ ” ( 2 / 852 ).

* قال الزرقاني – رحمه الله -:

” أن عليه العقْل “: الدية كاملة.

” شرح الزرقاني على موطأ مالك ” ( 4 / 221 ).

  1. ومنهم العالِم الذي لم تُخطئ يدُه، وأعطى مهنته حقَّها لكن نتج عن فعله تلف لشيء من أعضاء الأنثى: فهذا لا يضمن ولا يأثم.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وإن كان الخاتن عارفا بالصناعة وختن المولود في الزمن الذي يختتن في مثله وأعطى الصناعة حقها: لم يضمن سراية الجرح اتفاقًا، كما لو مرض المختون من ذلك ومات .  ” تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 195 ).

وهذا التقسيم للخاتنين والخاتنات هو نفسه أقسام الأطباء المعالِجين، فلا فرق بين الطبيبة والخاتنة ولا بين الطبيب والخاتن.

 

والله أعلم.

 

 

موظف حكومي دلَّ جهة عمله على شركة صيانة فهل يحل له أخذ مال من تلك الشركة؟

موظف حكومي دلَّ جهة عمله على شركة صيانة فهل يحل له أخذ مال من تلك الشركة؟

السؤال:

أنا محاسب في جهة حكومية، طلب مني في العمل أن أحضر شركة بسعر مناسب لأعمال الصيانة، ولدي صديق متخصص بهذا المجال، فقدمته للجهة الحكومية التي أعمل بها فقام صديقي بإعطائي مبلغاً من المال، فهل هذا المال يدخل تحت مسمَّى ” الرشوة “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في الموظف الذي يتقاضى راتبًا من أصحاب وظيفته أنه لا يحل له التكسب بها، وما يوفِّره أو يربحه أو يُخصم له بسبب وظيفته: فإنه لأصحاب الوظيفة ليس له، وأما هو فله راتبه الذي يستحقه مقابل عمله.

ويجوز في حالتك التي سألتَ عنها أن تأخذ من البائع للجهة الحكومية التي تعمل فيها في حالين:

الأولى: أن تُخبر جهة عملك بأنك ستبحث عن شركة صيانة مناسبة في سعرها وجيدة في عملها لكن بمقابل مادي، إما أن تطلب مبلغًا مقطوعًا أو نسبة من عقد الاتفاق بينهم وبين الشركة.

الثانية: أن تدل الجهة الحكومية على الشركة المناسبة في سعرها والجيدة في عملها ويُعطيك صاحب الشركة مبلغًا من المال من أرباحه هو، ولا يرفع سعره من أجل احتساب ما سيدفعه لك من عمولة أو هدية.

وفي هاتين الحالتين لا يكون ما تأخذه رشوة، بل هو في الأولى ” أجرة “، وفي الثانية ” هدية ” أو ” عمولة ” أو ” سمسرة “.

وإنما يكون ما تأخذه ” رشوة ” إذا طلبتَ من الشركة أن يزيدوا في سعرهم من أجل إعطائك تلك الزيادة، وفي الغالب يكون ثمة من هو أجود منهم عملاً، فتجمع لجهة عملك بين الخيانة في المال والأعمال.

وهذه بعض فتاوى لأهل العلم في التفصيل السابق:

  1. * سئل علماء اللجنة الدائمة:

أخذتُ زبوناً إلى أحد المصانع – أو المحلات – لشراء بضاعة، فأعطاني صاحب المصنع – أو المحل – عمولة على الزبون، هل هذا المال حلال ( العمولة )؟ وإذا زاد صاحب المصنع مبلغاً معيَّناً على كل قطعة يأخذها الزبون وهذه الزيادة آخذها أنا مقابل شراء الزبون لهذه البضاعة، فهل هذا جائز؟ إذا كان غير جائز فما هي العمولة الجائزة؟.

فأجابوا:

إذا كان المصنع أو التاجر يعطيك جزءًا من المال على كل سلعة تباع عن طريقك تشجيعاً لك لجهودك في البحث عن الزبائن، وهذا المال لا يُزاد في سعر السلعة، وليس في ذلك إضرار بالآخرين ممن يبيع هذه السلعة، حيث إن هذا المصنع أو التاجر يبيعها بسعر كما يبيعها الآخرون: فهذا جائز، ولا محذور فيه.

أما إن كان هذا المال الذي تأخذه من صاحب المصنع أو المحل يُزاد على المشتري في ثمن السلعة: فلا يجوز لك أخذه، ولا يجوز للبائع فعل ذلك؛ لأن في هذا إضرار بالمشتري بزيادة السعر عليه. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.  ” فتاوى اللجنة الدائمة “( 13 / 130 ، 131).

  1. * وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هذا المستمع محمد السيد مصري يعمل بالسعودية يقول رجل قام بعمل وسيط بين صاحب مال وشركة مقاولات أو غير ذلك، هل يجوز له أن يأخذ مقابل هذه الوساطة؟ وهل هذا يسمَّى سمسرة؟.

فأجاب:

نعم، يجوز لهذا الذي كان وسيطًا أن يأخذ من المال بقدر أجرته، ولكن إن كان قد شرط ذلك على من كان وسيطًا بينهم: فالأمر ظاهر، وإن لم يشترط: فإن كان هذا الرجل قد نصَّب نفسه لهذه المهنة: استحق الأجر، وإن لم يكن نصَّب نفسه: فإن عمله هذا يكون تبرعًا؛ لأن من كان بينهم وسيطًا لا يفهمون منه إلا التبرع، فإذا كان هذا الرجل معروفًا بأنه ” دلاَّل ” يأخذ الأجرة: فله أجر مثله، وأما إذا كان رجلًا عاديًّا وسعى: فالأصل أنه لا يستحق شيئًا إلا بشرط، فمن الورع له أن لا يأخذ منهم شيئًا.

وخلاصة الجواب الآن: أن هذا الوسيط إن اتفق مع من كان بينهم وسيطًا على شيء معلوم قبل الوساطة: فهذا لا شك في جوازه؛ لأنه من باب المؤاجرة، وإن لم يتفق: نظرنا، فإن كان قد نصَّب نفسه لهذا العمل كالدلالين ومثلهم : فله أجر مثله؛ لأنه إنما عمل بناءً على ما كان معروفًا من أنه صاحب مهنة، وإن لم يكن معروفًا بهذا العمل: فإن الورع أن لا يأخذ شيئًا، لكن إن أَهدى له من كان بينهم وسيطًا شيئًا: فلا حرج عليه في قبوله. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 200 ).

  1. * وسئل الشيخ سليمان بن فهد العيسى – أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -:

شخص لديه مركز تصليح سيارات، وعرض عليه صاحبُ محل قطع غيار أن يعطيه خمسين ريالًا مقابل كل عميل يرسله ليشتري من عنده قطع الغيار التي تحتاجها سيارته، فما الحكم في هذا؟ علمًا أن صاحب مركز التصليح لن يطلب من العميل سوى القطع التي تحتاجها سيارته فعلًا, وصاحب قطع الغيار لن يكون أرفع سعرًا من غيره من أصحاب قطع الغيار.

فأجاب:

إذا كان صاحبُ قطع الغيار سعره كسعر غيره فعلًا، وأنه لا يرفع السعر على هذا المشتري مقابل ما يعطيه لصاحب مركز التصليح، وأن بضاعته كبضاعة غيره في الجودة، وأنه أيضًا لا يحصل من صاحب مركز التصليح ترغيب في الشراء من هذا المحل بالذات لأصل ما يأخذه منه كما يفعله كثير من الوسطاء: فأرى – والعلم عند الله تعالى – أنه لا بأس به إذا توفرت هذه الشروط، ويكون ما يأخذه مثل ما يأخذه السمسار – ” الدلال ” ، ” الوسيط ” – على بيع السلع أو شرائها.

لكنني أرى – أيضًا – أن الأولى أن يخبرَ صاحبُ مركز التصليح العميلَ بأنه يأخذ من صاحب محل قطع الغيار هذا المبلغ كدلالة فقط؛ لتطيب نفسه بذلك، ولئلّا يشك لو علم بأن ما يأخذه إنما كان مقابل رفع السعر عليه.

هذا ولا يخفى أن عادة كثير ممن يشترون لغيرهم أو يدلون على محلات خاصة أنهم يُوزِعون إلى أصحاب البضائع بأن يرفعوا في السعر بالفواتير مقابل شرائهم أو دلالتهم، وقد اطلعت على كثير من ذلك، فيأتون بالفواتير للمشتري، فإذا سأل الحاذق بأحوال هؤلاء الوسطاء عن أسعار تلك السلع بتلك الفواتير: وجد فيها زيادة قد لا تقل عن ( 20 % ) ، فالله المستعان، والله أعلم. ” فتاوى واستشارات الإسلام اليوم ” ( 11 / 6 ) – ترقيم الشاملة -.

 

 

والله أعلم.