الرئيسية بلوق الصفحة 216

خلاف بين زوجين على مال الزوجة ونفقتها على البيت

السؤال:

لدي دخل شهري مقداره 300 دولارًا، وهو ليس من أموال زوجي، وأصرفها كلها في شراء تموينات البيت وأشياء للأطفال واحتياجاتي، ويرفض زوجي أن يدفع من أمواله شيئًا لشراء طعام للبيت إذا نقص، ويقول: بأنني أفنيت جميع أمواله، ويظن بأنني أسرف في إنفاق المال في شراء تموينات البيت، وإن لم أقم بشراء الحليب ورقائق الذرة وصابون الغسيل فإننا سنبقى بدونها حتى يشعر هو بحاجتنا لها. هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لنا.

 

الجواب:

الحمد لله

الإنفاق على البيت والزوجة والأولاد إنما هو على الزوج دون الزوجة، والأصل أن المرأة محبوسة عن التكسب والعمل بسبب حق الزوج وقيامها بأعمال البيت.

– قال البخاري رحمه الله: وجوب النفقة على الأهل والعيال.

وروى حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول “.

* قال الحافظ ابن حجر:

الظاهر أن المراد بالأهل في الترجمة الزوجة … ومِن جهة المعنى أنها محبوسة عن التكسب لحق الزوج ، وانعقد الإجماع على الوجوب.

” فتح الباري ” ( 9 / 625 ).

* وقال الطبري:

الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده.

” فتح الباري ” ( 9 / 623 ).

وإذا كان للمرأة عمل يشغلها عن القيام بواجباتها تجاه زوجها وأبنائها فلزوجها أن يمنعها منه إلا أن تكون قد اشترطت ذلك عليه عند عقد الزواج.

وللزوج أن يتفق مع زوجته على اقتسام راتبها مقابل سماحه لها بالعمل، ومقابل نقله لها ذهابًا وإيابًا.

* قال الشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله -:

تملك الزوجة مالها، ولها حق التصرف فيه، فتهدي منه، وتتصدق، وتبرئ غريمها، وتتنازل عن حق لها كديْن وميراث لمن تشاء من قريب أو من بعيد، وليس لزوجها حق الاعتراض عليها إذا كانت رشيدة عاقلة، ولا يملك زوجها حق التصرف في مالها إلا برضاها، ولكن إذا كانت لها وظيفة تشغلها عن بعض حقه: فله منعها منها إلا بشرط، ويجوز أن يتفق الزوجان على اقتسام راتبيْهما فيأخذ الزوج منها مقابل سماحه بمزاولة العمل، ومقابل نقله لها ذهابًا وإيابًا.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 674 ).

ويجوز للزوجة أن تدفع من مالها ما تطيب به نفسها لنفقات البيت دون أن تلزم بذلك، وليس لها أن تمنَّ في نفقتها هذه، ولا يحل للزوج أن يضيق عليها ليأخذ منها ما لا تطيب نفسها به فالمال مالها، والنفقة إنما تجب عليه هو دونها، وهذا الإنفاق هو أحد سبب قوامة الرجل، كما قال تعالى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } [ النساء / 34 ].

* قال الشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله -:

لا شك أن الزوجة أحق بمهرها ومالها الذي ملكته بكسب أو هبة أو إرث أو غير ذلك، فهو مالها وهي التي تملك التصرف فيه دون غيرها، ولكن إذا سمحت به أو ببعضه لزوجها: جاز ذلك وصار له حلالًا، كما قال تعالى: { وآتوا النساء صدقاتهن نِحلة فإن طبْنَ لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا } [ النساء / 4 ]، فاشترط أن تطيب بذلك نفسها، ولا حاجة إلى رضى أولادها ولا غيرهم إذا كانت عاقلة رشيدة.

ولكن لا يجوز له سوء معاملتها إذا منعته مالها، فلا يضيق عليها ويضارها إذا لم تعطه؛ لأن اختصاصها هي أحق به، والله أعلم.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 675 ).

والواجب على الزوجة أن تتقي الله تعالى في النفقة، فالإسراف في المباحات منهي عنه، والتبذير في غير المباحات من المحرمات.

 

والله أعلم.

حكم قول الزوج ” عليَّ الحرام “

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا سؤالي – أطال الله في عمرك ورعاك -: عندي أخ أهداني سيارة وأخذت السيارة منه، وبعد فترة – وليست بالقصيرة حوالي سنة – حضر إلي وكانت السيارة فيها تهريب ماء وقام بإصلاح التهريب، ولكنه لم يفلح, فقد زاد الطين بلة، فقلت له: ليتك ما فعلت وتركتها على مبنا الشايب فغضب مني وقال: لا تنس بأنها سيارتي وإن اشتريتها منك فغضبت أنا أيضًا ورميت عليه المفاتيح وقلت له: ” عليَّ الحرام ما عاد آخذها منك ” وبعد فتره عاد لي – يا شيخنا – وهو يحمل الأسف ليعيد السيارة لي فأعلمته بأني حرمت من أهلي ولا أستطيع، وأخذ في خاطره مني، واليوم – يا سيدي – أنا لا أريد أن أخسر أخي ولا زوجتي. أفيدوني، أفادكم الله.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه المسألة من مسائل الاختلاف المشهورة بين أهل العلم، وقد تعددت أقوال العلماء فيها إلى حوالي عشرين قولًا.

* قال ابن القيم:

وهذه المسألة فيها عشرون مذهبًا للناس ونحن نذكرها ونذكر وجوهها والراجح منها بعون الله تعالى وتوفيقه. ” زاد المعاد ” ( 5 / 302 ).

* وبعد أن ذكر ثلاث عشر مذهبًا قال:

فهذه أصول المذاهب في هذه المسألة، وتتفرع إلى أكثر من عشرين مذهبًا.

وقد ذكر القرطبي – رحمه الله – سبب اختلاف العلماء في المسألة، ولخص الحافظ ابن حجر قوله، فقال:

قال القرطبي: قال بعض علمائنا: سبب الاختلاف: أنه لم يقع في القرآن صريحًا، ولا في السنَّة نص ظاهر صحيح يعتمد عليه في حكم هذه المسألة, فتجاذبها العلماء, فمَن تمسك بالبراءة الأصلية قال: لا يلزمه شيء, ومن قال إنها يمين أخذ بظاهر قوله تعالى { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } بعد قوله تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك }, ومن قال تجب الكفارة وليست بيمين: بناه على أن معنى اليمين التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى, ومن قال تقع به طلقة رجعية: حمل اللفظ على أقل وجوهه الظاهرة وأقل ما تحرم به المرأة طلقة تحرم الوطء ما لم يرتجعها, ومن قال بائنة: فلاستمرار التحريم بها ما لم يجدد العقد, ومن قال ثلاث: حمل اللفظ على منتهى وجوهه, ومن قال ظهار: نظر إلى معنى التحريم وقطع النظر عن الطلاق.

فانحصر الأمر عنده في الظهار, والله أعلم.

” فتح الباري ” ( 9 / 372 ).

– وأما الذي يترجح عندنا فهو ما أفتى به الشيخ عبد الله الجبرين وهو قوله:

يُنظر في قصده، فإذا كان قصَد الحلف بقوله ” علي الحرام “: فعليه كفارة يمين، وإذا قصد تحريم إدخالها للسوق: فعليه أيضًا كفارة يمين، وإذا كان يقصد بقوله ” علي الحرام ” يعني دخولك أو إدخالك إلى السوق محرم علي: فعليه كفارة يمين.

أما إذا كان يقصد تحريمها هي، أي: أنتِ حرام إذا دخلتُ بكِ: فإن عليه كفارة ظهار المذكورة في سورة المجادلة: تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسَّا، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.

” جريدة الجزيرة ” ( العدد 10414 / 9 محرم / 1422 هـ ).

 

والله أعلم.

حُكم الطلاق وحِكمته وأسبابه

السؤال:

هل على الشخص المطلق عقوبة تصيبه من الله عز وجل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

– ينقسم حكم الطلاق إلى قسمين:

أ. باعتبار حال الزوج أو الزوجة.

ب. باعتبار أصل الطلاق.

أما بالنسبة لحكم الطلاق باعتبار حال الزوج والزوجة: فقد ذكر العلماء أنه تشمله الأحكام الخمسة: الوجوب، الندب، التحريم، الكراهة، الإباحة.

فيجب على الزوج أن يطلِّق امرأته إذا دعاها إلى الصلاة فلم تصل، ويستحب الطلاق إذا تضررت ببقائها مع زوجها لبغضه، ويكره إذا كانت مستقيمة الحال، ويحرم كأن يطلقها في حال الحيض، ويباح كطلاق من لا يحب أو مع سوء خلقها.

وفيما ذكرناه اختلاف بين العلماء في تحديد الحكم المناسب للوصف القائم بحال الزوج أو الزوجة، وهذه بعض أقوالهم:

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

ويجب على الزوج أمر زوجته بالصلاة فإن لم تصل وجب عليه فراقها في الصحيح. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 490 ).

* قال الخطيب الشربيني:

قسَّم جمْع الطلاق إلى ” واجب “: كطلاق المولي، وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأياه, و ” مندوب “: كطلاق زوجة حالها غير مستقيم كسيئة الخلق, أو كانت غير عفيفة, و ” مكروه “: كمستقيمة الحال, وأشار الإمام إلى ” المباح “: بطلاق من لا يهواها ولا تسمح نفسه بمؤونتها من غير استمتاع بها, و ” حرام ” كطلاق البدعي كما قال ( ويحرم البدعي ) لحصول الضرر به.

” مغني المحتاج ” ( 4 / 498 ).

وأما بالاعتبار الثاني وهو حكم الطلاق من حيث الأصل: فقد اختلف العلماء فيه إلى قولين، فمنهم من يرى أن الأصل فيه الإباحة، ومنهم من يرى أن الأصل فيه الحظر والمنع.

* قال القرطبي:

فدل الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة: على أن الطلاق مباح غير محظور، قال ابن المنذر: وليس في المنع منه خبر يثبت. ” تفسير القرطبي ” ( 3 / 126 ).

– وشيخ الإسلام ابن تيمية ممن يرى أن الأصل في الطلاق الحظر والمنع.

* قال – رحمه الله -:

الأصل في الطلاق: الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أن إبليس ينصب عرشه على البحر ويبعث سراياه فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة  فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت، أنت ويلتزمه “، وقد قال تعالى في ذم السحر: { ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه }.

” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 81 ).

* وقال:

ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق: لكان الدليل يقتضي تحريمه، كما دلَّت عليه الآثار    والأصول، ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعبادة لحاجتهم إليه أحيانًا.

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 89 ).

– وممن رجَّح هذا الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

فقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

ما صحة حديث أبغض الحلال عند الله الطلاق؟.

فأجاب:

الحديث هذا ضعيف؛ لأنه لا يصح أن نقول حتى بالمعنى أبغض الحلال إلى الله؛ لأن ما كان مبغوضا عند الله: فلا يمكن أن يكون حلال، لكن لا شك أن الله سبحانه وتعالى لا يحب من الرجل أن يطلق زوجته, ولهذا كان الأصل في الطلاق الكراهة, ويدل على أن الله لا يحب الطلاق لقوله تعالى في الذين يؤلون من نسائهم قال: { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } [ سورة البقرة / 226 ، 227 ]، ففي رجوهم قال:  { فإن الله غفور رحيم } يعني: الله يغفر لهم ويرحمهم وفي عزمهم الطلاق قال: { فإن الله سميع عليم }، وهذا يدل على أن الله لا يحب منهم أن يعزموا الطلاق، وكما نعلم جميعًا ما في الطلاق من كسر قلب المرأة, وإذا كان هناك أولاد تشتت الأسرة، وتفويت المصالح بالنكاح, ولهذا كان الطلاق مكروهًا في الأصل.

” ( فتاوى الحرم ” ( 3 / 260 ).

وعلى كل حال: فإن الزوج الذي يجد من امرأته عشرة حسنة وبيتًا نظيفًا وبشاشة عند اللقاء، وتربية للأولاد، وسكنًا ومودة لا يمكن أن يفرط في هذا ويهدم بيته، ولا يقع الطلاق إلا بسبب فلينظر كل واحد من الزوجين إن كان هو السبب أو يمكن أن يكون هو السبب ليصلح نفسه.

* سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز:

ما هي أسباب الطلاق من وجهة نظر سماحتكم؟.

للطلاق أسباب كثيرة منها: عدم الوئام بين الزوجين بألا تحصل محبة من أحدهما للآخر, أو من كل منهما، ومنها: سوء خلق المرأة, أو عدم السمع والطاعة لزوجها في المعروف ومنها سوء خلق الزوج وظلمه للمرأة وعدم إنصافه لها، ومنها: عجزه عن القيام بحقوقها أو عجزها عن القيام بحقوقه، ومنها: وقوع المعاصي من أحدهما أو من كل واحد منهما, فتسوء الحال بينهما بسبب ذلك، حتى تكون النتيجة الطلاق، ومن ذلك: تعاطي الزوج المسكرات أو التدخين, أو تعاطي المرأة ذلك، ومنها: سوء الحال بين المرأة ووالدي الزوج أو أحدهما، ومنها: عدم عناية المرأة بالنظافة والتصنع للزوج باللباس الحسن والرائحة الطيبة والكلام الطيب والبشاشة الحسنة عند اللقاء والاجتماع.

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 265 ، 266 ).

ومنه يعلم أن المطلِّق لا يتعرض لعقوبة من الله تعالى إذا طلَّق، بل قد يجب عليه الطلاق ويكون آثمًا إن أمسك زوجته؛ وذلك إن كانت تترك الصلاة وتصر على ذلك، أو تأتي بالفواحش والمنكرات في بيته، وهو ما يكون من غيره استحالة العشرة، وهو أفضل من الانفصال بغير طلاق كما هو معمول به في كثير من البلاد الكافرة؛ فهذا الانفصال بغير طلاق يجعل كلا من الزوجين يعيش مع الآخر بغير زواج، وينتج عن ذلك أطفال من الزنا، وهو ما يؤدي إلى فساد المجتمعات.

 

والله أعلم.

امرأة تتنبأ بأشياء تكاد تكون صحيحة ويعتقدون أنها تعلم الغيب!.

السؤال:

امرأة تقول إنها أخلصت في طاعة الله، وأثناء نومها زارها رجل يلبس جلبابًا أبيض، وطاف حولها، وبعد ذلك أصبحت تتنبأ بأشياء تكاد تكون صحيحة، فعرف الناس بها، وأخذوا يترددون عليها، ويقولون: إنها تعلم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، فما حكم هذه المرأة؟ وبم ننصحها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يجوز لأحد أن يدَّعي علم الغيب، ومن ادَّعاه فقد كفر، ولا يجوز لأحدٍ أن يعتقد أن أحدًا يعلم الغيب، ومن اعتقد ذلك فقد كفر.

وقد أخبر الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، وأخبر أن الجن لا يعلمون الغيب.

وإنما قصدنا بذلك الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وأما الغيب النسبي وهو ما يعلمه أناس دون آخرين: فهذا قد يستطيع بعض الناس علمه وإنما يكون البحث في كيفية اطلاعهم عليه، فمنهم من يعرفه بالتجسس ومنهم من يعرفه عن طريق الجن، وكلاهما طريق لا يجوز سلوكه.

* سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

هل الجن يعلمون الغيب؟.

فأجاب:

الجن لا يعلمون الغيب و{ لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } واقرأ قوله تعالى: { فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين } ومن ادعى علم الغيب فهو كافر، ومن صدَّق من يدعي علم الغيب فإنه كافر أيضًا لقوله تعالى: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله }، فلا يعلم غيب السماوات والأرض إلا الله وحده، وهؤلاء الذين يدعون أنهم يعلمون الغيب في المستقبل كل هذا من الكهانة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” أن من أتى عرافًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ” فإن صدَّقه فإنه يكون كافرًا لأنه إذا صدَّقه بعلم الغيب فقد كذَّب قوله تعالى: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله }. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 1 / السؤال رقم 115 ).

* وسئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

عن حكم من يدعي علم الغيب؟.

فأجاب:

الحكم فيمن يدَّعي علم الغيب أنه كافر؛ لأنه مكذّب لله عز وجل ، قال الله تعالى: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون }، وإذا كان الله عز وجل يأمر نبيه محمدًا صلي الله عليه وسلم أن يعلن للملأ أنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فإن من ادَّعى علم الغيب فقد كذب الله عز وجل في هذا الخبر.

ونقول لهؤلاء: كيف يمكن أن تعلموا الغيب والنبي صلي الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؟ هل أنتم أشرف أم الرسول صلي الله عليه وسلم؟! فإن قالوا: نحن أشرف من الرسول: كفروا بهذا، وإن قالوا: هو أشرف، فنقول: لماذا يحجب عنه الغيب وأنتم تعلمونه؟! وقد قال الله عز وجل عن نفسه: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا. إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من  بين يديه ومن خلفه رصدًا }، وهذه آية ثانية تدل على كفر من ادعى علم الغيب، وقد أمر الله تعالى نبيَّه صلي الله عليه وسلم أن يعلن للملأ بقوله: { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ }.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 1 / السؤال رقم 22 ).

والذي يتنبأ بالمستقبل يسمّى ” كاهنًا “، ولا يحل سؤاله ولا إتيانه، وأما صدقهم أحيانًا في تنبؤاتهم فإما أن يكون من باب موافقة القدَر، وإما أن يكون من الجن الذي يسترق السمع، فيلقي الجنُّ الكلمة على الكاهن فيكذب معها مئة كذبة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ عن الكهان فقال: ليس بشيء، فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانًا بشيء فيكون حقًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق يخطفها من الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة.

رواه البخاري ( 5429 ) ومسلم ( 2228 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

قال القرطبي: كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام ويرجعون إلى أقوالهم, وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية, لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم, وثبت النهي عن إتيانهم فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم.

قوله: ” إنهم يحدثوننا أحيانا بشيء فيكون حقا ” في رواية يونس ” فإنهم يتحدثون ” هذا أورده السائل إشكالًا على عموم قوله ” ليسوا بشيء ” لأنه فهم أنهم لا يصدقون أصلًا فأجابه صلى الله عليه وسلم عن سبب ذلك الصدق, وأنه إذا اتفق أن يصدق لم يتركه خالصًا بل يشوبه بالكذب …

قال الخطابي: بيَّن صلى الله عليه وسلم أن إصابة الكاهن أحيانًا إنما هي لأن الجني يلقي إليه الكلمة التي يسمعها استراقًا من الملائكة فيزيد عليها أكاذيب يقيسها على ما سمع, فربما أصاب نادرا وخطؤه الغالب. ” فتح الباري ” ( 10 / 219 ، 220 ).

 

والله أعلم.

من أسقطت بعد شهرين من الحمل، فهل يكون دمها نفاسًا؟

السؤال:

لقد كنت حاملًا وحدث سقوط للحمل بعد أن أتممت الشهرين، وسألت سيدة على علم شرعي هل أصوم رمضان وأصلي، فردت عليّ: بأن نعم، تصومي، وتصلي؛ لأنه لم ينفخ فيه الروح بعد، فيعتبر كأنه استحاضة، وفعلًا صمت وصليت، ولكن أخبرني طبيب آخر بأنه عليَّ الإعادة بالنسبة للصيام ، فما هو الحكم الصحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما سمعته الأخت السائلة من القولين المختلفين يعود إلى الاختلاف في المسألة نفسها، والمسألة فيها خلاف، والصحيح من أقوال أهل العلم أن المرأة إذا أسقطت الجنين متخلقًا: فإنها تترك الصلاة والصيام وتكون نفاسًا، وإن لم يكن متخلقًا: فدمها دم فساد لا تترك الصلاة والصيام، وأقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يومًا.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 318 ، 319 ):

والمراد بالحمل الذي تنقضي العدة بوضعه ما يتبين فيه شيء من خلقه ولو كان ميتًا أو مضغة تصورت, ولو صورة خفية تثبت بشهادة الثقات من القوابل, وهذا عند جمهور الفقهاء – الحنفية والشافعية والحنابلة -، وكذلك إذا كانت مضغة لم تتصور لكن شهد الثقات من القوابل أنها مبدأ خلقة آدمي لو بقيت لتصورت في المذهب عند الشافعية، وهو رواية عند الحنابلة لحصول براءة الرحم به.

وقال الحنفية – وهو قول آخر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة -: لا تنقضي به العدة; لأن الحمل اسم لنطفة متغيرة, فإذا كان مضغة أو علقة لم تتغير ولم تتصور فلا يعرف كونها متغيرة إلا باستبانة بعض الخلق.

أما إذا ألقت نطفة أو علقة أو دمًا أو وضعت مضغة لا صورة فيها: فلا تنقضي العدة به عندهم.

وقال المالكية: إن كان دما اجتمع بحيث إذا صب عليه الماء الحار لم يذب يعتبر حملًا تنقضي العدة بوضعه. انتهى.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا كان الجنين قد تخلق, بأن ظهرت فيه أعضاؤه من يد أو رجل أو رأس حرم عليه جماعها مادام الدم نازلًا إلى أربعين يومًا, ويجوز أن يجامعها في فترات انقطاعه أثناء الأربعين بعد أن تغتسل, أما إذا كان لم تظهر أعضاؤه في خلقه فيجوز له أن يجامعها ولو حين نزوله, لأنه لا يعتبر دم نفاس, إنما هو دم فاسد تصلي معه وتصوم. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 422 ، 423 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:

إذا أسقطت المرأة ما تبين فيه خلق الإنسان من رأس أو يد أو رجل أو غير ذلك فهي نفساء لها أحكام النفاس فلا تصلي ولا تصوم ولا يحل لزوجها جماعها حتى تطهر أو تكمل أربعين يومًا, ومتى طهرت لأقل من أربعين وجب عليها الغسل والصلاة والصوم في رمضان حل لزوجها جماعها …

أما إذا كان الخارج من المرأة لم يتبين فيه خلق الإنسان بأن كان لحمة ولا تخطيط فيه أو كان دمًا: فإنها بذلك تكون لها حكم المستحاضة لا حكم النفاس ولا حكم الحائض, وعليها أن تصلي وتصوم في رمضان وتحل لزوجها … لأنها في حكم المستحاضة عند أهل العلم. ” فتاوى إسلامية ” ( 1 / 243 ).

* وقال الشيخ ابن عثيمين:

قال أهل العلم: إن خرج وقد تبيَّن فيه خلق إنسان: فإن دمها بعد خروجه يعد نفاسًا، تترك فيها الصلاة والصوم، ويتجنبها زوجها حتى تطهر، وإن خرج الجنين وهو غير مخلَّق: فإنه لا يعتبر دم نفاس، بل هو دم فساد، لا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام ولا من غيرهما.

قال أهل العلم: إن خرج وقد تبيَّن فيه خلق إنسان: فإن دمها بعد خروجه يُعدُّ نفاسًا، تترك فيه الصلاة والصوم ويتجنبها زوجها حتى تطهر، وإن خرج وهو غير مخلَّق: فإنه لا يعتبر دم نفاس بل هو دم فساد لا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام ولا من غيرهما.

قال أهل العلم: وأقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يومًا …

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 304 ، 305 ).

 

والله أعلم.

سؤال القبر ونعيمه وعذابه لمن احترق أو أكلته السباع

السؤال:

حسب علمي فإن والدتي كانت مسلمة، ولكنهم حرقوا جثتها بعد موتها، فكيف سيتم سؤالها في القبر؟ هذا الأمر يقلقني جدًّا فأرجو الإجابة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأمر بالنسبة إلى قدرة الله تعالى أيسر مما يظنه السائل، فالله تعالى على كل شيء قدير، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن حالةٍ مشابهة، وفيها أمرُ رجل أولادَه أن يحرقوه بعد موته، وأن يذروا نصفه في البر ونصفه الآخر في البحر، وأن الله تعالى أمر بجمع نصفيه.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له “.

رواه البخاري ( 3294 ) ومسلم ( 2756 ).

فقد يقال إن كل من تفرَّق بدنه بحرق أو بأكل السباع له فإن الله تعالى يجمع بدنه بأمره عز وجل.

ثانيًا:

ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن العذاب والنعيم يقعان على الروح والبدن، وأن الأصل أنهما يقعان على الروح وحدها، وقد يلحق بالبدن نعيم أو عذاب.

لذا فإن السؤال والنعيم والعذاب لا يتعلق بالجسد على كل حال لأنه معرض للفناء، والأصل أنه في ذلك كله للروح، لكن قد يلحق بالبدن شيء منه إلى أن يأذن الله له بالفناء، فإن كان فانيًا أصلًا: فإما أن يأمر الله به فيجمع – كما سبق – وإما أن يقع ذلك كله على الروح وحدها.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن عذاب القبر هل هو على النفس والبدن أو على النفس دون البدن؟ والميت يعذب في قبره حيًّا أم ميتًّا؟ وإن عادت الروح إلى الجسد أم لم تعد: فهل يتشاركان في العذاب والنعيم أو يكون ذلك على أحدهما دون الآخر؟.

فأجاب:

بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعَّم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن …

بل قد ثبت في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة …

فلْيعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعَّمة أو معذَّبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل له معها النعيم والعذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها، وقاموا من قبورهم لرب العالمين.

ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين، واليهود، والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 282 – 284 ).

* قال ابن القيم:

واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب: ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر: وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. ” الروح ” ( ص 58 ).

* وسئل الشيخ ابن عثيمين:

إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر؟.

فأجاب:

نعم، ويكون العذاب على الروح؛ لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمرًا غيبيًّا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فني واحترق لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / السؤال رقم 155 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:

أما من مات بالغرق أو بالحرق أو بأكل السباع: فإن روحه يأتيها نصيبها من العذاب والنعيم، ويأتي جسده من ذلك في البر أو البحر، أو في بطون السباع ما شاء الله من ذلك، لكن معظم النعيم والعذاب على الروح التي تبقى؛ إما منعمة وإما معذبة، فالمؤمن تذهب روحه إلى الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن روح المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، يأكل من ثمارها، والكافر تذهب روحه إلى النار ).

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( / 338 ).

 

والله أعلم.

كتابة ” صلعم “، ولماذا لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة؟

السؤال:

لماذا لم يتزوج النبي محمد ( صلعم ) أثناء حياة السيدة خديجة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

استحب العلماء الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتب اسمه، وقال بعضهم: بل يكتفي باللفظ، قال الخطيب البغدادي: ” رأيتُ بخط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كثيرًا ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابةً، قال: ” وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظًا “.

وأما كتابة الرمز ” ص ” وأقبح منه ” صلعم ” فلا يجوز، وهو فعل الكسالى، فترى أحدهم ينشط لكتابة كتابٍ كاملٍ، ويكسل عند كتابة الصلاة والسلام على رسول الله.

* وقد ذكر الأستاذ عبد القادر المغربي نقلًا عن الشيخ زكريا الأنصاري:

أن الكاتب الذي كان أول من رمز للتصلية بحروف ” صلعم ” قطعت يده والعياذ بالله تعالى، والشيخ زكريا الأنصاري توفي في القرن العاشر للهجرة – سنة 926 هـ – .

وفي كتاب ” التذكرة التيمورية ” ( ص 229 ):

كلمة ” صلعم ” لا تجوز، بل الواجب التصلية والتسليم.

وقد أشار إلى المنع من هذا من قبل الفيروز آبادي في كتابه ” الصلات والبُشر ” فقال:

ولا ينبغي أن ترمز الصلاة كما يفعله بعض الكسالى والجهلة وعوام الطلبة، فيكتبون صورة ” صلعم ” بدلًا من ” صلى الله عليه وسلم “. انتهى.

* وقال العلامة أحمد شاكر – رحمه الله تعالى – عن هذه الرموز والألفاظ المبتدعة – قال عنها: اصطلاح سخيف. انتهى.

وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين:

من آداب كتابة الحديث – كما نص عليه علماء المصطلح -: أن لا يرمز إلى هذه الجملة بكلمة ” ص “، وكذلك لا يعبر عنها بالنحت مثل ” صلعم “، ولا ريب أن الرمز أو النحت يفوت على الإنسان أجر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه إذا كتبها ثم قرأ الكتاب من بعده، وتلا القارئ هذه الجملة صار للكاتب الأول مثل ثواب من قرأها، ولا يخفى علينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال – فيما ثبت عنه -: أن من صلَّى عليه – صلى الله عليه وسلم – مرة واحدة صلَّى الله عليه عشرًا، فلا ينبغي للمؤمن أن يحرم نفسه الثواب والأجر لمجرد أن يُسرع في إنهاء ما كتبه.

” كتاب العلم ” ( ص 172 ).

ثانيًا:

السيدة خديجة رضي الله عنها كانت أول امرأة تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت أحب زوجاته إليه، أنجبت له ولدين وأربع بنات وهم: القاسم – وكان يكنى به -، وعبد الله، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة.

عندما بعث الله سبحانه وتعالى النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانت السيدة خديجة رضي الله عنها هي أول مَن آمن بالله ورسوله، وأول من أسلم من النساء والرجال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة يصليان سرًّا إلى أن ظهرت الدعوة، وعندما كذَّبه قومه كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تخفِّف عنه وتهون عليه ما يلقى منهم.

وعندما جاءه الوحي من الله سبحانه وتعالى وأنزل عليه قوله {  اقرأ بسم ربك الذي خلق } رجع مسرعًا إلى السيدة خديجة خائفًا، وقال لها: ” زمِّلوني “، ثبَّتت قلبه وأثنت عليه، وانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وكان تنصر في الجاهلية، وكان يقرأ الخط العربي، وكان شيخًا قد عمى، فقالت: اسمع من ابن أخيك ما يقول، فقال: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره، فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى.

وكانت السيدة خديجة امرأة عاقلة، جليلة، متديِّنة، مصونة، كريمة، وهي من خير النساء، ومن أهل الجنة، فقد أمر الله – تعالى – رسوله أن يبشرها في الجنة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضلها على سائر زوجاته، وكان يكثر من ذكرها بحيث أن عائشة كانت تقول: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صديقات خديجة فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد.

رواه البخاري ( 3607 ) ومسلم ( 2435 ) وعند ” إني قد رزقتُ حبها “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتثبته وتسكنه وتبذل دونه مالها، فأدركت عزة الإسلام، واحتملت الأذى في الله، وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها.

نقلاً عن ابن القيم في ” جلاء الأفهام ” ( ص 234 ).

توفيت السيدة خديجة ساعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيمن في بث دعوة الإسلام قبل هجرته إلى المدينة المنورة بثلاث سنين، ولها من العمر خمس وستون سنة، وأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه في حفرتها وأدخلها القبر بيده، وكانت وفاتها مصيبة كبيرة بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم تحملها بصبر وجأش راضيًا بحكم الله سبحانه وتعالى.

وبعد:

فلا عجب أن يكون من كرامتها أنه لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.

 

والله أعلم.

حكم جمعيات الموظفين

السؤال:

عندنا معاملة نستعملها لا ندرى حلال أم حرام، مثلًا: ثلاثة أو أربعة حتى إلى عشرات يشاركون، كل واحد منهم يعطى 50 ريال في آخر الشهر ويأخذ هذا المبلغ واحد منهم، وهكذا يفعل حتى يأخذه آخر القوم، هل هذا حلال أم حرام؟ غير أننا سمعنا أن كل مبلغ صغير يجر نفعًا كبيرًا دفعة واحدة حرام، أفيدونا، جزاكم الله خيرًا، وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه المعاملة، فذهب بعضهم – ومنهم الشيخ صالح الفوزان – إلى تحريمها بناء على قاعدة ” كل قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا “، وذهب آخرون – وهم الأكثر – إلى جوازها.

وقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في هذه المعاملة وحكمها، فذهب الأكثرية منهم إلى جوازها وحلِّها.

 

والله أعلم.

كيف يدرس ولا يخلو أي مجتمع من جامعة مختلطة؟ وحكم التدخين.

السؤال:

  1. هل التدخين حرام – مع التوضيح -؟.
  2. أنا طالب جامعي، وفي بلدي لا يوجد جامعات من غير اختلاط، أريد أن ترشدوني إلى الطريق الصواب. بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

* سُئل الشيخ ابن باز – رحمه الله – عن حكم التدخين فأجاب:

التدخين ثبت عندنا أنه محرم، وقد علمنا أسبابًا كثيرة لتحريمه من أضراره المتعددة، فهو محرم بلا شك؛ لأنه يشتمل على أضرار كثيرة بينها الأطباء وبينها من استعمله.

فالواجب على كل مسلم تركه والحذر منه؛ لأن الله حرم على المؤمن أن يضر نفسه، فهو يقول سبحانه: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] ويقول جل علا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] .

ثانيًا:

الطريق الصواب هو عدم دخول الجامعات المختلطة، ويستطيع الإنسان أن يدرس بالانتساب أو عن طريق الانترنت أو في بلدان ليس في جامعاتها اختلاط، وأما كون جامعات بلده ليس فيها إلا الاختلاط فليس بعذرٍ لدخولها.

والذي يرى ما في هذه الجامعات المختلطة من معاصٍ ومفاسد لا يشك في حرمة دخولها، ولأن يلقى الإنسانُ ربَّه جاهِلًا في علوم الدنيا خير من أن يلقاه وهو يحمل شهادة عالية ويكون قد خسر دينه.

* سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

هل يجوز للرجل أن يدرس في جامعة يختلط فيها الرجال والنساء في قاعة واحدة علمًا بأن الطالب له دور في الدعوة إلى الله؟.

فأجاب:

الذي أراه أنه لا يجوز للإنسان – رجلًا كان أو امرأة – أن يدرس بمدارس مختلطة؛ وذلك لما فيه من الخطر العظيم على عفته ونزاهته وأخلاقه؛ فإن الإنسان مهما كان من النزاهة والأخلاق والبراءة إذا كان إلى جانبه في الكرسي الذي هو فيه امرأة – ولا سيما إذا كانت جميلة ومتبرجة – لا يكاد يسلم من الفتنة والشر، وكل ما أدَّى إلى الفتنة والشر: فإنه حرام ولا يجوز، فنسأل الله – سبحانه وتعالى – لإخواننا المسلمين أن يعصمهم من مثل هذه الأمور التي لا تعود إلى شبابهم إلا بالشر والفتنة والفساد، حتى وإن لم يجد إلا هذه الجامعة يترك الدراسة إلى بلد آخر ليس فيه هذا الاختلاط، فأنا لا أرى جواز هذا، وربما غيري يرى شيئًا آخر.

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 103 ).

 

والله أعلم.

أيهما يقدِّم الزواج أم الجهاد؟

السؤال:

شيخنا الفاضل

أشكر لكم مثل هذه المواقع، والتي تعرف الناس بدينهم، وأود من فضيلتكم الإجابة على سؤالي، بارك الله فيكم.

إني بين أمرين، وأود منكم توجيهي، في هذه الأيام أفكر بالزواج، وكذلك أفكر بالجهاد، مع العلم إني لا أعلم مكانًا للجهاد حتى أجاهد فيه، وكما تعلمون أن الجهاد في أفغانستان أو في أي مكان غير متاح الآن، وكذلك أفكر في الزواج وأنا لأملك المال الكافي للزواج، وقد يتيسر لمن اجتهد في طلب الزواج، فماذا أفعل؟ هل أستعين بالله وأخرج إلى أرض الله للجهاد والبحث عن مواقعه ومواقع المجاهدين عن الإسلام الحق أم أركن إلى الدنيا وزخرفها وأطلب الزواج والعيش بها؟ أفيدونا مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس هناك تعارض بين الزواج والجهاد، وقد كان المجاهدون يتزوجون قبل ذهابهم إلى الجهاد أو في أرض المعركة، ولم يكن الزواج ليصدهم عن الجهاد.

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج تسع نسوة، وكان سيد المجاهدين وإمامهم ومقدَّمهم، وكذا كان أصحابه.

وما الذي يمنع المسلم من زواجه حتى لو كان ينوي الذهاب إلى الجهاد؟ إذا كان الذي يمنعه هو الموت هناك فهو مخطئ فكم من المجاهدين لم يموتوا في أرض المعركة وماتوا بين ظهراني أهليهم؟ فلا الذهاب إلى الجهاد يعجل بالأجل، ولا التأخر عنه يباعد منه.

وإذا كان الذي يمنعه هو تركها بلا زوج، فنقول { فالله خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين }، ويمكن للمرأة أن تتزوج غيره لو قدَّر الله عليه الموت، وها هو حنظلة –  رضي الله عنه – يخرج إلى الجهاد في ليلة عرسه، فيقتل شهيدًا، وغسَّلته الملائكة، فلم يمنعه حبُّ الجهاد ورغبته فيه من أن يتزوج بل أن يخرج قبل اغتساله فيفوز في تلك المنقبة.

ونقول أيضًا:

ليس الجهاد بابًا واحدًا فقط وهو جهاد الكفار، بل هناك جهاد الشيطان، وجهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد أهل البدع، وجهاد برّ الوالدين، فإذا أغلق عليك باب فثمَّة أبواب كثيرة، وخاصة أنك تقول إن الذهاب إلى الجهاد غير متيسِّر.

وكل ما سبق ذِكره إنما هو في جهاد الكفاية، فإذا صار الجهاد فرض عينٍ فإنه لا خيار لك، ويجب عليك القتال والجهاد.

وقد فضَّل بعض الفقهاء النكاح على الجهاد؛ وذلك بسبب كونه ” سببًا لوجود الإسلام والمسلم والجهاد سبب لوجود الإسلام فقط “.

* وفي سبب تقديم كتاب النكاح على كتاب الجهاد: قال ابن عابدين:

قدَّمه على الجهاد، وإن اشتركا في أن كلًّا منهما سبب لوجود المسلم والإسلام؛ لأن ما يحصل بأنكحة أفراد المسلمين أضعاف ما يحصل بالقتال، فإن الغالب في الجهاد حصول القتل والذمة. ” رد المحتار ” ( 3 / 4 ).

وللنكاح منافع متعددة، منها:

  1. أن الله قد امتن به على عباده فقال: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ومودة ورحمة } [ الروم / 21 ].
  2. أن الزواج من سنن المرسلين فقد ذكر الله عز وجل ذلك عنهم فقال: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلًا إلى قومهم وجعلنا لهم أزواجًا وذرية } [ الرعد / 38 ].
  3. أنه أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا عامًّا لأمته يخاطب فيه كل شاب: ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ” البخاري ( 1806 ) ومسلم ( 1400 ).
  4. ومن أهم مقاصد النكاح وفوائده: تحصين النفس، وحمايتها من الوقوع في الفاحشة، وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ” فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج “، وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ” – رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ) – و ” إن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ” – رواه مسلم ( 2742 ) -.

* وقال المروزي:

قال الإمام أبو عبد الله – يعني أحمد بن حنبل -: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أربع عشرة، ومات عن تسع، ولو تزوج بشر ابن حارث لتمَّ أمره، ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو، ولا حج ولا كذا، ولا كذا.

انظر ” الإنصاف ” ( 8 / 13 )، و ” كشاف القناع ” ( 5 / 8 ).

وهذا كله في حال أن لا تتوق نفسه المسلم للزواج ويخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة، فإن كان الأمر كذلك: فإن الزواج يقدم على الجهاد الكفائي بلا ريب، بل ويقدَّم على الحج –  وهو من أركان الإسلام – إن كان يتعارض معه.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وإن احتاج الإنسان إلى النكاح وخشي العنت بتركه: قدمه على الحج الواجب، وإن لم يخف: قدَّم الحج، ونص عليه الإمام أحمد في رواية صالح وغيره، واختاره أبو بكر.

وإن كانت العبادات فرض كفاية – كالعلم والجهاد -: قُدِّمت على النكاح إن لم يخش العنت. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 451 ).

* وقال ابن قدامة:

والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح: فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.

الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور: فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وهو ظاهر قول الصحابة رضي الله عنهم، وفعلهم …

القسم الثالث: من لا شهوة له, إما لأنه لم يُخلق له شهوة كالعنين, أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه, ففيه وجهان; أحدهما: يستحب له النكاح; لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلي له أفضل; لأنه لا يحصل مصالح النكاح, ويمنع زوجته من التحصين بغيره, ويضر بها, ويحبسها على نفسه, ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها, ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.

” المغني ” ( 7 / 5 ، 6 ).

 

والله أعلم.