الرئيسية بلوق الصفحة 222

متى تصح التورية؟ وما هي الضرورة فيها؟

السؤال:

متى تصح التورية؟ وإذا كانت للضرورة فقط فما المعتبر في الضرورة؟

 

الجواب:

الحمد لله

– التورية لغةً هي: إخفاء الشيء، من وَرَّى يُوَرِّي تَوْرِيَةً.

قال الله عَزَّ و جَلَّ: { فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } [ المائدة / 31 ].

و قال عَزَّ من قائل: { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } [ الأعراف / 26 ].

وأما معناها الاصطلاحي فهو: أن يقول القائل كلامًا يظهر منه معنى يفهمه السامع ولكن يريد منه القائل معنى آخر، كأن يقول له ليس معي درهم في جيبي فيُفهم منه أنّه ليس معه أي مال أبدًا، ويكون مراده أنه لا يملك درهماً لكن يملك دينارًا مثلًا.

وتُعد التورية من الحلول الشرعية لتَجَنُّب حالات الحرج التي قد يقع الإنسان فيها عندما يسأله أحدٌ عن أمرٍ وهو لا يريد إخباره بالواقع من جهة، ولا يريد أن يكذب عليه من جهة أخرى.

وتصح التورية من القائل إذا دعت الحاجة أو المصلحة الشرعية لها، ولا ينبغي أن يكثر منها بحيث تكون ديدنًا له، ولا أن يستعملها لأخذ باطل أو دفع حق.

* قال النووي:

قال العلماء:‏ فإن دعَت إلى ذلك مصلحة شرعيَّة راجحة على خداع المخاطب، أو دعت إليه حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب: فلا بأس بالتعريض،‏ فإن لم تدع إليه مصلحة ولا حاجة: فهو مكروه وليس بحرام، فإن توصل به إلى أخذ باطل أو دفع حق فيصير حينئذ حرامًا، وهذا ضابط الباب. ” الأذكار ” ( ص ‏380 ).

– وهذا فصل حول التورية من كتاب ” ماذا تفعل في الحالات الآتية؟ “:

إذا أحدث الرجل في صلاة الجماعة فماذا يفعل في هذا الموقف المحرج؟.

الجواب: عليه أن يأخذ بأنفه فيضع يده عليه ثم يخرج.

والدليل: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف ” – سنن أبي داود ( 1114 )، وهو في “صحيح سنن أبي داود ” ( 985 ).

قال الطيبي: أمر بالأخذ ليخيل أنه مرعوف، وليس هذا من الكذب، بل من المعاريض بالفعل، ورُخِّص له في ذلك لئلا يسوِّل له الشيطان عدم المضي استحياء من الناس ا.هـ ” مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 3 / 18 ).

وهذا من التورية الجائزة والإيهام المحمود رفعًا للحرج عنه، فيظن من يراه خارجًا بأنه أصيب برعاف في أنفه …

إذا واجه المرء المسلم ظروفًا صعبة محرجة يحتاج فيها أن يتكلم بخلاف الحقيقة لينقذ نفسه، أو ينقذ معصومًا، أو يخرج من حرج عظيم، أو يتخلص من موقف عصيب: فهل من طريقة غير الكذب ينجو فيها من الحرج ولا يقع في الإثم؟.

الجواب: نعم توجد طريقة شرعية ومخرج مباح يستطيع أن يستخدمه عند الحاجة ألا وهو ” التورية ” أو ” المعاريض “، وقد بوَّب البخاري – رحمه الله – في صحيحه ” باب المعاريض مندوحة عن الكذب ” – صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ( 116 ) -.

والتورية هي الإتيان بكلام له معنى قريب يفهمه السامع ومعنى آخر بعيد يقصده المتكلم تحتمله اللغة العربية ويشترط أن لا يكون فيها إبطال حق ولا إحقاق لباطل، وفيما يلي التوضيح بأمثلة من المعاريض التي استخدمها السلف والأئمة أوردها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ” إغاثة اللهفان “:

ذكر عن حماد رحمه الله أنه إذا أتاه من لا يريد الجلوس معه قال متوجعًا: ضرسي، ضرسي، فيتركه الثقيل الذي ليس بصحبته خير.

وأحضر سفيان الثوري إلى مجلس الخليفة المهدي فاستحسنه، فأراد الخروج فقال الخليفة لا بد أن تجلس فحلف الثوري على أنه يعود فخرج وترك نعله عند الباب، وبعد قليل عاد فأخذ نعله وانصرف فسأل عنه الخليفة فقيل له أنه حلف أن يعود فعاد وأخذ نعله.

وكان الإمام أحمد في داره ومعه بعض طلابه منهم المروذي فأتى سائل من خارج الدار يسأل عن المروذي والإمام أحمد يكره خروجه فقال الإمام أحمد: ليس المروذي هنا وما يصنع المروذي ها هنا وهو يضع إصبعه في كفه ويتحدث لأن السائل لا يراه.

* ومن أمثلة التورية أيضًا:

لو سألك شخص هل رأيت فلانًا وأنت تخشى لو أخبرته أن يبطش به فتقول ما رأيته وأنت تقصد أنك لم تقطع رئته وهذا صحيح في اللغة العربية أو تنفي رؤيته وتقصد بقلبك زمانًا أو مكانًا معينًا لم تره فيه، وكذلك لو استحلفك أن لا تكلم فلانًا: فقلت: والله لن أكلمه، وأنت تعني أي لا أجرحه لأن الكلم يأتي في اللغة بمعنى الجرح. وكذلك لو أرغم شخص على الكفر وقيل له اكفر بالله، فيجوز أن يقول كفرت باللاهي. يعني اللاعب. إغاثة اللهفان: ابن القيم 1/381 وما بعدها 2/106-107، وانظر بحثًا في المعاريض في الآداب الشرعية لابن مفلح 1/14. هذا مع التنبيه * هنا أن لا يستخدم المسلم التورية إلا في حالات الحرج البالغ ولذلك لأمور منها:

– أن الإكثار منها يؤدي إلى الوقوع في الكذب.

– فقدان الإخوان الثقة بكلام بعضهم بعضًا لأن الواحد منهم سيشك في كلام أخيه هل هو على ظاهره أم لا؟.

– أن المستمع إذا اطلع على حقيقة الأمر المخالف لظاهر كلام الموري ولم يدرك تورية المتكلم يكون الموري عنده كذابًا وهذا مخالف لاستبراء العرض المأمور به شرعًا.

– أنه سبيل لدخول العجب في نفس صاحب التورية لإحساسه بقدرته على استغفال الآخرين.

” ماذا تفعل في الحالات الآتية؟ “.

 

والله أعلم.

هل التأكيد على طلب العلم في حق المرأة مثل الرجل؟

السؤال:

أود أن أسأل عن العلم للمرأة، هل يحث الإسلام على تعليم المرأة كما يحثه للرجل؟ وأود أن أسأل عن رأيك في المجاملات المبالغ بها التي تصل حد الكذب، وهو ما يسمى ” وجهنة “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا فرق في حكم طلب العلم بين الرجل والمرأة، وما ورد في الحث عليه وبيان فضله فيشمل كلا الجنسين.

عن أنس قال: قال رسول الله عليه وسلم: ” طلب العلم فريضة على كل مسلم وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر “. رواه ابن عبد البر في ” جامع بيان العلم ” من طرق كثيرة، وحسَّنه – لكثرة طرقه -: المزي، وأقره السيوطي كما في ” شرح سنن ابن ماجه ” ( ص 20 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 72 ).

* وفي ” شرح السندي على سنن ابن ماجه “:

قوله ” على كل مسلم ” أي : مكلف، ليخرج غير المكلف من الصبي والمجنون، وموضوعه: الشخص، فيشمل الذكر والأنثى.

وقال السخاوي في ” المقاصد “: ألحق بعض المصنفين بآخر هذا الحديث ” ومسلمة “، وليس لها ذكر في شيء من طرقه، وإن كانت صحيحة المعنى. انتهى.

* وهكذا ما جاء من النصوص في شأن العلم سواء في الكتاب أو السنة نحو قوله عز وجل:

{ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } [ الزمر / 9 ] ، وقوله عز وجل: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات  } [ المجادلة / 11 ].

لك ينبغي على المرأة تجنب المحاذير الشرعية في طلبها للعلم، فلا يجوز لها مخالطة الرجال ولا يجوز لها السفر من غير محرم.

        ثانيًا:

– أما حكم المجاملات ففيها تفصيل:

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله-:

في بعض الظروف تقتضي المجاملة بأن لا نقول الحقيقة، فهل يعتبر هذا نوعًا من الكذب؟.

 

فأجاب:

هذا فيه تفصيل، فإن كانت المجاملة يترتب عليها جحد حق أو إثبات باطل لم تجز هذه المجاملة.

أما إن كانت المجاملة لا يترتب عليها شيء من الباطل إنما هي كلمات طيبة فيها إجمال ولا تتضمن شهادة بغير حق لأحد ولا إسقاط حق لأحد فلا أعلم حرجًا في ذلك. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 5 / 280 ).

 

والله أعلم.

الدليل على عرض الأعمال الشامل يوم الحساب

السؤال:

قال الشيخ المنجد في ” شرح الأربعين النووية ” أن هناك عرضًا للأعمال على الله كل يوم وكل أسبوع وكل عام، وذكر الأدلة على هذه الثلاثة، وذكر أن هناك عرضًا شاملًا بعد موت الإنسان ولم يذكر الدليل على ذلك فما هو الدليل على ذلك الأخير – بارك الله فيكم -؟

 

الجواب:

الحمد لله

قال ابن القيم:

ونظير هذا أيضًا: رفع الأعمال وعرضها على الله، فإن عمل العام يُرفع في شعبان، كما أخبر به الصادق المصدوق أنه ” شهر ترفع فيه الأعمال، قال: فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم “، ويُعرض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس، كما ثبت ذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويُعرض عمل اليوم في آخره، والليلة في آخرها، كما في حديث أبي موسى الذي رواه البخاري عن النبي ” إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل “، فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يوم الاثنين والخميس، والعرض فيها أخص من العرض في شعبان، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كلُّه وعُرض على الله وطُويت الصحف، وهذا عرض آخر. ” طريق الهجرتين ” ( ص 133 ، 134 ).

 

– ولا نعلم دليلًا خاصًّا على هذه المسألة.

 

والله أعلم.

حكم بطاقة فيزا مؤسسة الراجحي

السؤال:

هناك بطاقة فيزا من بنك الراجحي قد أعطيت للعديد ممن قد حولوا رواتبهم على هذا المصرف، والسؤال: ما حكم استخدام مثل هذه البطاقة مع العلم أن تعاملها يختلف اختلافًا كبيرًا عن البنوك الربوية، حيث إن المصرف يأخذ قيمة المشتريات بدون زيادة، لكن وجه الشبهة هو في زيادة مقدارها ( 18 ريالًا ) عند كل عملية صرف نقدي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

من المحاذير في استعمال البطاقات: تغطية المصرف للشراء مع أخذ فائدة من صاحب البطاقة مقابل تلك التغطية، وهذا النوع من البطاقات يمكِّن صاحبها من السحب بأكثر مما يملك، والمحذور الثاني هو أخذ نسبة على المال المسحوب؛ ولو كانوا يسمونها خدمات، فالخدمات لا تتغير بتغير المبلغ المسحوب.

أما أخذ عمولة ثابتة مقابل أي سحب نقدي من بنوك أخرى: فقد صدر قرار من ” المجمع الفقهي ” بجوازه.

* ونص القرار ويحمل الرقم ( 108 ) ( 2 / 12 ):

أولًا: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازما على السداد ضمن فترة السماح المجاني.

ثانيًا: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدين.

– ويتفرع على ذلك:

أ. جواز أخذ مصدرها من العميل رسومًا مقطوعة عند الإصدار أو التجديد، بصفتها أجرًا فعليًّا على قدر الخدمات المقدمة منه.

ب. جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه، شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد.

ثالثًا: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراضًا من مصدرها، ولا حرج فيه شرعًا إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة، وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعًا كما نص على ذلك المجمع في قراره رقم 13 ( 10 / 2 ) و ( 13 ( 1 / 3  ).

رابعًا: لا يجوز شراء الذهب والفضة وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة. انتهى.

* قال الشيخ بكر أبو زيد:

بطاقة لها غطاء كامل من مال حاملها فلا تسمح بالسحب الفوري، ولا التحويل الآلي إلا على حسابه، ورصيده لدى مصدرها، فهي بهذا الوصف جارية على الأصل الشرعي: الحل والجواز.

وهذا حكم النوع الأول من: ” البطاقات “: ” بطاقة الصرف الآلي “، وهذا النوع من البطاقات بهذا الوصف ليس محل بحث هنا، لعدم وجود أي شائبة تعتري الأصل وهو ” الحل ” ما لم يحصل لها شرط، أو وصف إضافي ينقلها من الحل إلى المنع، ويحولها إليه، وقد تقدم بيانه مع التنبيه المتقدم في معرفة تأثير: أن البنك يستثمر الرصيد، ويستفيد منه الفوائد الربوية. ” البطاقة الائتمانية ” ( ص 18 ).

 

وذكرنا فتوى اللجنة الدائمة من أنه: ” لا مانع من استخدام البطاقة المذكورة؛ إذا كان المشتري لديه رصيد يغطي المبلغ المطلوب “.

 

والله أعلم.

حكم مقدمات الزنى من التقبيل واللمس والخلوة

السؤال:

ما حكم من كان يتمتع في النساء بحيث لا يزني من قبلات وغيره؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس الزنا هو فقط زنا الفرْج، بل هناك زنا اليد وهو اللمس المحرَّم، وزنا العين وهو النظر المحرَّم، وإن كان زنا الفرْج هو الذي يترتب عليه الحد.

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنَّى وتشتهي، والفرْج يصدق ذلك كله ويكذبه “. رواه البخاري ( 5889 ) ومسلم ( 2657 ).

ولا يحل للمسلم أن يستهين بمقدمات الزنا كالتقبيل والخلوة والملامسة والنظر فهي كلها محرّمات، وهي تؤدي إلى الفاحشة الكبرى وهي الزنا.

قال الله تعالى: { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلًا } [ الإسراء / 32 ].

والنظرة المحرمة سهم من سهام الشيطان، تنقل صاحبها إلى موارد الهلكة، وإن لم يقصدها في البداية ولهذا قال تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ‌‌‌‌‌‌‌. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهم ويحفظن فروجهن } [ النور / 30 – 31 ].

فتأمل كيف ربط الله تعالى بين غض البصر وبين حفظ الفرج في الآيات، وكيف بدأ بالغض قبل حفظ الفرج لأن البصر رائد القلب.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار، وحفظ الفروج، وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين، ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب ووقوع الفاحشة، وغض البصر من أسباب السلامة من ذلك، ولهذا قال سبحانه: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ‌‌‌‌‌‌‌‌}، فغض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة، وإطلاق البصر والفرج من أعظم أسباب العطب والعذاب في الدنيا والآخرة، نسأل الله العافية من ذلك.

وأخبر عز وجل أنه خبير بما يصنعه الناس، وأنه لا يخفى عليه خافية، وفي ذلك تحذير للمؤمن من ركوب ما حرم الله عليه، والإعراض عما شرع الله له، وتذكير له بأن الله سبحانه يراه ويعلم أفعاله الطيبة وغيرها. كما قال تعالى: { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } [ غافر / 19 ]. ” التبرج وخطره “.

فعلى المسلم أن يتقي الله ربَّه في السر والعلن، وأن يبتعد عما حرَّمه الله عليه من الخلوة والنظر والمصافحة والتقبيل وغيرها من المحرَّمات والتي هي مقدمات لفاحشة الزنا.

ولا يغتر العاصي بأنه لن يقع في الفاحشة وأنه سيكتفي بهذه المحرمات عن الزنا، فإن الشيطان لن يتركه حتى يحاول به للوقوع في الزنا، كما جاء في الحديث أن ” القلب يشتهي ويتمنى”.

وأجمع العلماء على أن من فعل ما دون الزنا: فعليه التعزير، وجمهور العلماء أنه كالحد ولا يجوز لولي الأمر تركه.

* قال ابن القيم:

وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها ولا كفارة; فإن المعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه الحد ولا كفارة فيه, ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه, ونوع لا حد فيه ولا كفارة; فالأول – كالسرقة والشرب والزنا والقذف -, والثاني: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام, والثالث: كوطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وقبلة الأجنبية، والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير, ونحو ذلك.

فأما النوع الأول: فالحدُّ فيه مغنٍ عن التعزير, وأما النوع الثاني: فهل يجب مع الكفارة فيه تعزير أم لا؟ على قولين: وهما في مذهب أحمد, وأما النوع الثالث: ففيه التعزير قولًا واحدًا, ولكن هل هو كالحد; فلا يجوز للإمام تركه, أو هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته, وتركه كما يرجع إلى اجتهاده في قدره؟ على قولين للعلماء, الثاني قول الشافعي, والأول قول الجمهور.

” إعلام الموقعين ” ( 2 / 77 ).

 

والله أعلم.

أخوه يتعامل مع والديه فقط بجفاء وغلظه ويُشك بأنه مسحور

السؤال:

تغير تعامل أخي الأكبر مع والداي وأخوتي جميعًا، فهو لا يتحدث مع أحد منهم ويتلفظ بألفاظ سيئة مع والديه ويستاء منهم، بينما هو لطيف مع بقية الناس، أشك بأن زوجته قد عملت له سحرًا، أرجو أن تخبرني إذا كان شعوري صحيحًا أم لا؟ وما هو الحل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله تعالى على الأبناء بر الوالدين، وحرَّم عقوقهما، وما تنقله عن أخيك من فعله تجاه والديك هو أمر منكر، وهو من كبائر الذنوب، فالواجب نصحه وتذكيره بما أجبه الله تعالى تجاه والديه وأرحامه.

ولا يجوز لكم اتهام الآخرين بأنهم سحروا أخاكم، فقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الظن، وأخبر أنه ” أكذب الحديث “، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا وكونوا إخوانًا “، رواه البخاري ( 4849 ) ومسلم ( 2563 ).

والواجب عليكم أن تبحثوا عن أسباب فعله هذا تجاهكم، فقد تكون هناك أسباب يمكنكم الوقوف عليها، وإعانته على تجاوزها.

فإن لم يوجد أسباب: فلا مانع أن يكون مسحورًا من قِبَل بعض أهل الشر ممن تُفرحهم الفُرقة بينه وبين أهله، فاعرضوه على من يوثق بدينه وعلمه ليرقيه، ويتبين الأمر، فإن تبين أنه مسحور: فعليكم المداومة على ما يزيل سحره مما ثبت في القرآن والسنَّة.

وفي كل الأحوال: فمثل حالته تحتاج منكم لرويَّة وحكمة في التعامل معه، فسواء كان عاصيًا لربه بسوء تعامله مع أهله أم كان مسحورًا فهو مريض، ويحتاج المريض إلى تلطف لإيصال العلاج المناسب لحالته.

 

والله الموفق.

شركة تبيع الذهب بطريقتين

السؤال:

كيف يكون الدفع عن أي من منتجات الذهب والفضة؟ حيث توجد شركة تبيع منتجات الذهب الخالص (بنسبة 99.99%) وتقدم طريقتين التاليتين للسداد:

  • دفع كامل المبلغ، وعندها يتم شحن المنتج خلال أسبوعين.
  • على دفعات، مقدار الدفعة الأولى 52%، والمبلغ المتبقي 48% يدفع لاحقًا دون أية فوائد، ولا تشحن المنتجات إلا بعد استيفاء كامل الثمن.

( مثال ذلك: الثمن الإجمالي لقطعة الذهب 830 دولارًا أمريكيًّا، فتكون الدفعة الأولى – أي 52% من الثمن – 430 دولارًا، ويكون المبلغ المتبقي هو 400 دولارًا).

 

الجواب:

الحمد لله

من المعلوم أن من شروط بيع وشراء الذهب بالنقود في الإسلام أن يحصل التقابض عند العقد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” الذهب بالذهب والفضة بالفضة مِثلًا بمِثل سواء بسواء يد بيد …، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد  ” رواه مسلم ( 1578 ).

والأوراق المالية – البنكنوت – تقوم مقام النقدين الذهب والفضة، ولما كان بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وعكسه لا يجوز شرعًا إلا يدًا بيد، ويشترط أيضًا أن يكون مثلًا بمثل إذا كان التقابل بين سلعتين من جنس واحد: فإن شراء الذهب والفضة بمقابلة بدل نقدي أو ذهبي أو فضي مؤجلًا حرام، وهي معاملة فاسدة يجب فسخها.

* وعليه فإننا نقول في المسألتين:

الأولى: أنها معاملة جائزة بشرط قبض المنتج المشترى من قِبَل المشتري، فإذا قبضها وصارت في ملكيته فإن له أن يوكلهم بعدها في شحنها إلى حيث يريد.

أما أن يدفع المبلغ ولا يستلم المنتَج: فإنه يكون قد تخلف شرط القبض وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم ” يدًا بيد “.

وأما المسألة الثانية: فهي غير جائزة لتخلف الشرطين، فالدفعة الأولى من المبلغ ليست هي ثمن المنتج، وعليه فيكون قد تخلف شرط المثلية، وهو المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم ” مِثلًا بمِثل “، وكذا قد تخلف شرط القبض، وهو ما ذكرناه في المسألة الأولى.

والحل الشرعي لهذه المعاملة: هو أن يُشترى المنتج الذهبي والفضي بالمبلغ كاملًا ويُدفع للبائع، على أن يُستلم هذا المنتج بعد دفع المبلغ مباشرة ودون تأخير.

– وللمشتري أن يوكل البائع بشحن هذا المنتج بمعاملة جديدة مفصولة عن المعاملة الأولى.

 

والله أعلم.

حكم السمسرة

السؤال:

هل يجوز للمسلم أخذ أجر العمولة؟ هناك شركة تبيع منتجات الذهب الخالص (99.99%) وتقدم برنامج العمولات التالي:

  • كل زبون يُحضر 10 زبائن جددًا بعد شرائهم منتجات ذهبية سيحصل على 400 دولارًا.
  • وكل مرة يُحضر فيها أحد الـ (10) العشرة الزبائن السابقين بعشرة (10) زبائن جدد بعد شراء منتجات ذهب: فستدفع الشركة 800 دولارًا كعمولة له وللشخص الذي عرفه على الشركة ( يحصل كل منهما على 400 دولار ).

وإليك المثال التالي:

  • إذا اشترى ” علي ” قطعة ذهب، فإنه يصبح زبونًا.
  • عندما يُحضر ” علي ” عشر زبائن (10) جدد ( سعيد وسعد وسامي وهادي وفهد وناصر وهاني وطاهر وشاكر وأحمد ) وقام كل واحد منهم بشراء منتج من الذهب وأصبح زبونًا جديدًا، فإن ” عليًّا ” سيحصل على عمولة قدرها 400 دولار.
  • وإذا تمكن ” فهد ” – ( وهو أحد العشرة الزبائن الجدد الذين أحضرهم ” علي ” ) – من إحضار عشر (10) زبائن آخرين يشترون من منتجات الشركة: فإن كلاًّ من ” فهد ” و ” علي ” سيحصل على 400 دولار.

 

الجواب:

الحمد لله

لا حرج في أخذ أجرة على جلب الزبائن، وهو ما يسمَّى بـ ” السمسرة ” على أن يكون ذلك بعلم الزبون المشتري من هذه البضاعة.

والسمسار هو: الذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع, ويطلق عليه أيضًا ” الدلاَّل “؛ لأنه يدل المشتري على السلع, ويدل البائع على الأثمان.

قال البخاري رحمه الله عند باب ” أجر السمسرة “: ولم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأسًا. ” صحيح البخاري ” كتاب الإجارة.

ويخطىء بعض الناس فيظن أن كل أنواع السمسرة حرام لأن ابن عباس عندما سئل عن معنى قول الرسول صلَّى الله عليه وسلم: ” لا يبع حاضر لباد ” أجاب: ” لا يكون له سمسارًا ” – رواه البخاري ( 2050 ) -؛ لأن كلام ابن عباس إنما هو عن صورة خاصة وهي أن يبيع الحاضر للبادي – والحاضر هو: المقيم في المدن والقرى، والبادي: ساكن البادية – ومعناه: أن يتولى الحضري بيع سلعة البدوي, بأن يصير الحاضر سمسارا للبادي البائع، وهو ما جاء النهي عنه في الحديث دون ما عداه من الصور الأخرى المباحة.

والله أعلم.

حكم مخاطبة النساء في العمل

السؤال:

بداية جزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير لما تقدمونه من خدمات جليلة.

الحقيقة أني من موظفي شركة آرامكو السعودية، وكما لا يخفى عليكم استخدام هذه الشركة للعنصر النسائي في إدارة أعمالها.

سؤالي هو: في بعض الأحيان أضطر للتخاطب مع بعض النساء ومشافهتهن بحكم العمل وإدارته فهل عليَّ إثم في ذلك؟ وهل عملي في هذه الشركة جائز شرعًا أو يجب عليَّ أن أبحث عن عمل آخر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

مما لا شك فيه أن فتنة النساء فتنة عظيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ” ما تركتُ بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ” – رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2704 ) -، لذا فإن على المسلم أن يتقي هذه الفتنة بالبعد عن أسباب الوقوع فيها، ومن أعظم ذلك النظر والخلطة.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

قال الله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } [ النور / 30 ، 31 ].

فهنا يأمر الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام أن يبلغ المؤمنين والمؤمنات أن يلتزموا بغض البصر وحفظ الفرج عن الزنا ثم أوضح سبحانه أن هذا الأمر أزكى لهم.

ومعلوم أن حفظ الفرج من الفاحشة إنما يكون باجتناب وسائلها ولا شك أن إطلاق البصر واختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء في ميادين العمل وغيرها من أعظم وسائل وقوع الفاحشة.

وهذان الأمران المطلوبان من المؤمن يستحيل تحققهما منه وهو يعمل مع المرأة الأجنبية كزميلة أو مشاركة في العمل له.

فاقتحامها هذا الميدان معه أو اقتحامه الميدان معها لا شك أنه من الأمور التي يستحيل معها غض البصر وإحصان الفرج والحصول على زكاة النفس وطهارتها.

وهكذا أمر الله المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها، وأمرهن الله بإسدال الخمار على الجيوب المتضمن ستر رأسها ووجهها؛ لأن الجيب محل الرأس والوجه.

فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال؟ والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير.

وكيف يحصل للمرأة المسلمة أن تغض بصرها وهي تسير مع الرجل الأجنبي جنبا إلى جنب بحجة أنها تشاركه في الأعمال أو تساويه في جميع ما يقوم به؟.

” خطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله “.

والخلاصة: أن العمل إذا كان النظر والخلطة فيه مستمرًّا: فإننا ننصح بترك هذا العمل والبحث عن غيره، أو الانتقال لموقع آخر فيه يخلو من النساء.

وإن كان العمل ليس فيه استمرار الخلطة والنظر بل يأتي أحيانًا في موقع غير موقع عملك: فإننا نرى لك البقاء مع غض البصر وقضاء العمل بأخصر وقت.

 

والله أعلم.