الرئيسية بلوق الصفحة 228

هل يجوز له الأخذ من لحيته حتى لا يتعرض للأذى؟

السؤال:

سيتزوج صديقي في إحدى الدول الإسلامية، وهو مستقيم ويتبع السنة ( يعفي لحيته ) ولله الحمد، وأسأل الله الهداية للجميع، والدولة التي سيسافر إليها تحتجز الأشخاص الملتحين – خصوصًا الذين تكون لهم أصول باكستانية – في المطار ثم تقوم الشرطة السرية بمتابعتهم، وصديقي لا يريد أن يسبب صعوبات لعائلة زوجته، حيث من المتوقع أن تتم متابعتهم ويتعرضون لمضايقات من قبل الحكومة، لذلك فإنه يرغب في تهذيب لحيته قليلًا لهذه المناسبة فقط ثم يطلقها مرة أخرى، وهو لم يكن ليقصر لحيته لولا الأسباب المذكورة.

 

الجواب:

الحمد لله

إعفاء اللحية واجب شرعي، وحلقها محرم، وحرمتها محل اتفاق بين العلماء.

* قال ابن حزم:

واتفقوا على أن حلق اللحية مثلة لا يجوز.

” المحلى ” ( 2 / 189 ).

وأما حلقها خوفًا من الاعتقال أو تعرض معفيها للأذى: فإن هذا الخوف ليس على درجة واحدة، فمنه ما يكون ظنًّا راجحًا، ومنه ما يكون ظنًّا مرجوحًا، ومنه ما يستوي طرفاه، ومنه ما يكون وهمًا.

والأظهر أنه لا يجوز له حلق لحيته أو تخفيفها إلا في حالة وقوع الأذى وفي حالة الظن الراجح، ولا يجوز فيما عداه.

ويدخل هذا الفعل في باب الضرورة، قال تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) [ البقرة / من الآية 173 ] ، أو في باب الإكراه، قال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ النحل / الآية 106 ].

ويجب أن يكون الأذى الذي يمكن أن يلحقه مما لا يمكن تحمله، لا مجرد المضايقة والسؤال والتحقيق، فإن هذه الأمور لا يسلم منها حالق اللحية، وهي لا تجيز لصاحبها الوقوع في الإثم.

وللإكراه شروط لا بدَّ من تحققها حتى يجوز للمسلم أن يترخص بفعل الحرام أو قوله إذا حصل له، ومعرفتها أمر هام لادعاء كثيرين أنهم مكرَهين وليس كذلك.

* قال ابن قدامة:

– ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور:

أحدها:‏ أن يكون من قادرٍ بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه، وحكي عن الشعبي‏:‏ إن أكرهه اللص‏‏ لم يقع طلاقه وإن أكرهه السلطان وقع، قال ابن عيينة:‏ لأن اللص يقتله.

وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع، والذين أكرهوا عماراً لم يكونوا لصوصاً,‏ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار‏:‏ ‏” ‏إن عادوا فعُد‏ “‏؛ ولأنه إكراه فمنع وقوع الطلاق كإكراه اللصوص.

الثاني‏:‏ أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه.

الثالث: أن يكون مما يستضر به ضررا كثيرا,‏ كالقتل والضرب الشديد، والقيد‏,‏ والحبس الطويل، فأما الشتم والسب‏‏ فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير.

فأما الضرر اليسير فإن كان في حق من لا يبالي به‏:‏ فليس بإكراه، وإن كان في بعض ذوي المروءات على وجه يكون إخراقًا بصاحبه,‏ وغضًّا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره، وإن توعد بتعذيب ولده‏:‏ فقد قيل‏:‏ ليس بإكراه؛ لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى: أن يكون إكراها؛ لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه,‏ فكذلك هذا.‏  ” المغني ” ( 7 / 292 ).

وقال بعض الفقهاء: إن جواز ارتكاب المحرم – ما عدا القتل – أو الكفر إنما هو بعد وقوع الأذى لا قبله، ولم يعدوا الوعيد من باب الإكراه.

والصواب: أن التهديد مِن قادرٍ على الفعل له حكم الإكراه، وبخاصة إذا سبق تكرر مثل هذه الحوادث، وهو قول الإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.

* قال ابن قدامة:

والرواية الثانية: أن الوعيد بمفرده إكراه، قال في رواية ابن منصور‏:‏ حد الإكراه إذا خاف القتل‏,‏ أو ضربًا شديدًا وهذا قول أكثر الفقهاء, وبه يقول أبو حنيفة والشافعي؛ لأن الإكراه لا يكون إلا بالوعيد؛ فإن الماضي من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره عليه‏,‏ ولا يخشى من وقوعه وإنما أبيح له فعل المكره عليه دفعًا لما يتوعده به من العقوبة فيما بعد, وهو في الموضعين واحد‏,‏ ولأنه متى توعده بالقتل وعلم أنه يقتله فلم يبح له الفعل‏‏ أفضى إلى قتله وإلقائه بيده إلى التهلكة ولا يفيد ثبوت الرخصة بالإكراه شيئًا. ” المغني ” ( 7 / 292 ).

ويجب التنبه إلى أنه يجب أن يكون السفر إلى ذلك البلد ضروريًّا، فإن لم يكن كذلك فلا يجوز له ارتكاب المحرم من أجل دخوله له، وليس رؤية الأهل والأقارب أو العمل في تلك البلاد من الضرورات التي تجيز الذهاب إليها، وكثير من الأسر تلتقي في دول أخرى أو في الحج والعمرة، فليس ثمة ضرورة عند كثيرين في ذهابهم لتلك البلدان التي يقع فيها الأذى والضرر على أهل العلم والدين والاستقامة.

وإذا كان الأذى يُدفع بتخفيف اللحية فلا يحلقها بل يكتفي بالتخفيف، فالحلق أشد من التخفيف.

على أننا نقول إنه لم تعد الدول تأخذ الناس على أشكالهم، بل على أسمائهم، ومن كانت صورته بلحية وفي الواقع بدونها كان أدعى للتهمة، فليُعلم هذا؛ ليُعلم أن كثيراً من الناس ليس عندهم إلا الوهم والشك، وبخاصة أن السائل يقول إن صاحبه سيعفي لحيته بعد أن يصل لبيته! وهذا يؤكد ما قلناه، وهو أن الأذى قد يكون متوهمًا، وقد يكون مجرد كلام وسؤال دون تعريض صاحب اللحية للضرب والضرر.

 

والله أعلم.

وضع المصحف في حقيبة عند القدمين، وكيف يفعل بأوراق كتب فيها آيات

السؤال:

أحاول حفظ سورة البقرة، وأحمل مصحفي في حقيبة الظهر،  وأضع هذه الحقيبة ( أحيانًا ) على أرضية السيارة على مقربة من قدمي،  فهل يعد ذلك من احتقار القرآن؟ كما أقوم أيضًا بتصوير الصفحة التي أرغب في حفظها وأرددها طوال اليوم، لكن بعد أن أتمكن من حفظها ماذا أفعل بتلك الورقة؟ هل يجوز أن أتخلص منها بإلقائها؟ أخبرني أحد الإخوة أن أحرقها وألا أرميها في النفايات.

 

الجواب:      

الحمد لله

أولا:

ذكرنا سابقًا فتوى للشيخ محمد بن صالح العثيمين في تحريم سماع القرآن من السماعات التي تكون تحت الأقدام، وقد ذكر الشيخ أن هذا من إهانة كتاب الله، ونرى أن ما جاء السؤال وهو وضع الحقيبة التي فيها القرآن عند الأقدام أولى أن تكون داخلة في الإهانة، لأن فيها المصحف نفسه.

ثانيا:

وأما بالنسبة للورقة التي كتبت فيها آيات من القرآن فإن لها حكم المصحف، ومن العلماء من رأى إتلافها بطريقة الدفن، ومنهم من قال بحرقها، وذهب آخرون إلى غسله بالماء.

فقد صرّح الحنفيّة والحنابلة بأنّ المصحف إذا صار بحالٍ لا يقرأ فيه ، يدفن كالمسلم، فيجعل في خرقةٍ طاهرةٍ، ويدفن في محلٍّ غير ممتهنٍ لا يوطأ، وقد روي أنّ عثمان بن عفّان دفن المصاحف بين القبر والمنبر, أمّا غيره من الكتب فالأحسن كذلك أن تدفن.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

أما المصحف العتيق والذي تخرق وصار بحيث لا ينتفع به بالقراءة فيه فإنه يدفن في مكان يصان فيه كما أن كرامة بدن المؤمن دفنه في موضع يصان فيه.

” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 599 ).

وقال الحليمي: يغسل المصحف البالي بالماء.

وأما الإحراق: فقد كرهه الحنفية، وفعله عثمان – رضي الله عنه – في قصة حرق المصاحف المشهورة، ولم يُنقل إنكار أحدٍ عليه.

والذي نراه أن الأمر واسع، ويفعل المسلم ما يتيسر دون عناء وتكلف.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

الواجب إذا كان هناك آيات في بعض الأوراق، أو البسملة، أو غير ذلك مما فيه ذكر الله: فالواجب أن يُحرق أو يدفن في أرض طيبة، أما إلقاؤه في القمامة: فهذا لا يجوز؛ لأن فيه إهانة لأسماء الله وآياته، ولو مُزِّقت؛ فقد تبقى كلمة الجلالة أو الرحمن أو غيرها من أسماء الله في بعض القطع، وقد تبقى بعض الآيات في بعض القطع.

والمقصود: أن الواجب إما أن يُحرَّق تحريقًا كاملًا، وإما أن يُدفن في أرض طيبة، مثل المصحف الذي تَمَزَّق وقلَّ الانتفاع به؛ يدفن في أرض طيبة، أو يُحرَّق، أما إلقاؤه في القمامات، أو في أسواق الناس، أو في الأحواش: فلا يجوز, ولا يضر تطاير الرماد إذا أحرق. ” فتاوى نور على الدرب ” ( 1 / 418 ).

* وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

هل يجوز حرق أوراق من المصحف الشريف إذا خيف عليها الامتهان‏؟‏.

فأجاب:

نعم، إذا درس المصحف وتمزق وخشي عليه من الامتهان أصبح في حالة لا يمكن الانتفاع به والقراءة فيه: فلا بأس أن يحرق أو يدفن في أرض طاهرة؛ لأن كلا من الأمرين فعله الصحابة – رضي الله عنهم -، فقد دفنوا المصاحف، وكذلك حرقوا المصاحف لما جمعوا الناس على مصحف واحد، وهو مصحف عثمان – رضي الله عنه -, وحرقوا ما عداه من بقية المصاحف، فالمصحف إذا كان في حالة لا يمكن الانتفاع به لتمزقه فإنه إما أن يدفن في مكان طاهر وإما أن يحرق.‏

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 75 ).

 

والله أعلم.

 

يصوم فقط ولا يؤدي بقية الشعائر الإسلامية الأخرى

السؤال:

ما حكم الموحد الذي يصوم فقط, ولا يؤدي بقية الشعائر الإسلامية الأخرى – مع الأخذ بالاعتبار قوله تعالى في الحديث القدسي: ” كل عمل ابن ادم له … ” الخ ؟.

 

الجواب:      

الحمد لله

قد بيّنا في عدة أجوبة حكم تارك الصلاة ، وأنه كافر بالنص وإجماع الصحابة، وعليه: فمن ترك الصلاة وقام بغيرها من الأعمال من صيام وصدقة وغيرهما لم ينفعه ذلك، وهذه فتاوى أهل العلم في هذه المسألة واضحة بيِّنة.

  1. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى :

ما حكم صيام من لا يصلي إلا في رمضان، بل ربما صام ولم يصل؟.

فأجاب:

كل من حُكِمَ بكفره بطلت أعماله قال تعالى: ( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) وقال تعالى: ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).

وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يكفر كفراً أكبر إذا كان مقرًّا بالوجوب ولكنه يكون كافراً كفراً أصغر، ويكون عمله هذا أقبح وأشنع من عمل الزاني والسارق ونحو ذلك، ومع هذا يصح صيامه وحجه عندهم إذا أداها على وجه شرعي، ولكن تكون جريمته عدم المحافظة على الصلاة، وهو على خطر عظيم من وقوعه في الشرك الأكبر عند جمع من أهل العلم، وحكى بعضهم قول الأكثرين أنه لا يكفر الكفر الأكبر إن تركها تكاسلًا وتهاونًا وإنما يكون بذلك قد أتى كفرا أصغر، وجريمة عظيمة، ومنكرًا شنيعًا أعظم من الزنا والسرقة والعقوق وأعظم من شرب الخمر نسأل الله السلامة.

ولكن الصواب والصحيح من قولي العلماء: أنه يكفر كفراً أكبر نسأل الله العافية؛ لما تقدم من الأدلة الشرعية، فمن صام وهو لم يصل: فلا صيام له ولا حج له. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 9 / 280 ، 281 ).

  1. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

يعيب بعض علماء المسلمين على المسلم الذي يصوم ولا يصلي، فما دخل الصلاة في الصيام، فأنا أريد أن أصوم لأدخل مع الداخلين من باب ” الريان “، ومعلوم أن رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، أرجو التوضيح وفقكم الله؟.

فأجاب:

الذين عابوا عليك أن تصوم ولا تصلي: على صواب فيما عابوه عليك؛ وذلك لأن الصلاة عمود الإسلام، ولا يقوم الإسلام إلا بها، والتارك لها كافر خارج عن ملة الإسلام، والكافر لا يَقبل الله منه صيامًا، ولا صدقة، ولا حجًّا ولا غيرها من الأعمال الصالحة؛ لقول الله تعالى: ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ) [ التوبة / الآية 54 ].

وعلى هذا فإذا كنت تصوم ولا تصلي فإننا نقول لك: أن صيامك باطل غير صحيح، ولا ينفعك عند الله، ولا يقربك إليه.

وأما ما وهمته من أن رمضان إلى رمضان مكفرًا لما بينهما فإننا نقول لك: إنك لم تعرف الحديث الوارد في هذا؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” الصلوات الخمس؛ والجمعة إلى الجمعة؛ ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر “، فاشترط النبي عليه الصلاة والسلام لتكفير رمضان إلى رمضان أن تجتنب الكبائر، وأنت أيها الرجل الذي لا يصلي ويصوم لم تجتنب الكبائر، فأي كبيرة أعظم من ترك الصلاة، بل إن ترك الصلاة كفر، فكيف يمكن أن يكفر الصيام عنك؟! فترك الصلاة كفر، ولا يقبل منك الصيام.

فعليك يا أخي أن تتوب إلى ربك، وأن تقوم بما فرض الله عليك من صلاتك، ثم بعد ذلك تصوم، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: ” ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك, فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات لكل يوم وليلة “، فبدأ بالصلاة ثم ثنى بالزكاة بعد ذكر شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله.

” فتاوى نور على الدرب ” ( فتاوى الصلاة ).

  1. وسئل الشيخ رحمه الله تعالى :

ما حكم صيام تارك الصلاة؟.

فأجاب بقوله:

تارك الصلاة صومه ليس بصحيح ولا مقبول منه؛ لأن تارك الصلاة كافر مرتد؛ لقوله تعالى: ( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءٰاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة “؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر “؛ ولأن هذا قول عامة الصحابة إن لم يكن إجماعًا منهم، قال عبد الله بن شقيق – رحمه الله – وهو من التابعين المشهورين: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، وعلى هذا فإذا صام الإنسان وهو لا يصلي فصومه مردود غير مقبول، ولا نافع له عند الله يوم القيامة، ونحن نقول له: صل ثم صم، أما أن تصوم ولا تصلي فصومك مردود عليك؛ لأن الكافر لا تقبل منه العبادة.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 42 ).

ونحن بدورنا ننصحك بما نصحك به الشيخ ابن عثيمين أن تتقي الله تعالى وتبدأ بالصلاة ثم تتبعه باقي العبادات، ولا تفرِّق بين العبادات والطاعات فتطبق ما تشاء وتدع ما تشاء.

وإياك أن تستدل بما لا يصلح دليلًا لفعلك؛ فحديث: ” إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ” هو في بيان عظيم فضل الصيام, وليس في بيان جواز ترك الصلاة!!.

 

والله أعلم.

كيف يقوم بالدعوة مع الكفار؟

السؤال:

كيف أقوم بدعوة الكافرين؟ كيف أجعلهم يؤمنون أنه لا إله إلا الله؟ كيف أجعلهم يعتقدون أن الإسلام هو دين الحق؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يجب أن يُعلم أن رسالة الإسلام رسالة للعالمين، وقد كان النبي يُبعث لقومه، وبُعث النبي صلى الله عليه وسلم للناس جميعًا، قال تعالى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) [ الأعراف / من الآية 158 ] ، وقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) [ سبأ / من الآية 28 ] ، وقـال تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) [ الفرقان / الآية 1 ] ، وعليه: فالبشر جميعًا مدعون إلى الدخول في هذا الدين.

ثانيًا:

وهناك أصول يجب مراعاتها في الدعوة إلى الله مع هؤلاء الكفار، ومنها:

  1. تبليغهم دين الله تعالى كما أنزله الله، وعلى وجه بيِّن واضح لا لبس فيه، وبلغتهم التي يعرفونها ويفهمون معانيها؛ لأن الحجة لا تقام على هؤلاء إلا بتوصيل الدين الصحيح لهم، والدين المشوَّه المحرَّف هو بطبيعته منفِّر فكيف سيقتنع به هؤلاء، ومن هؤلاء المحرِّفة الذين يدعون إلى إسلام محرَّف: الرافضة والصوفية والقاديانية وأمثالهم.

قال تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [ آل عمران / الآية 85 ] ، وقال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) [ المائدة / من الآية 67 ] .

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله:

أما بالنسبة إلى ولاة الأمور، ومن لهم القدرة الواسعة: فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان، بالطرق الممكنة، وباللغات الحية التي ينطق بها الناس، يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية وبغيرها.

” الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ” ( ص 17 ).

  1. ويجب على الداعية أن يكون عالماً بشبهات الكفار حول دين الإسلام فيفندها، وأن يكون ملمّاً بتناقضات دينهم فيصل من خلالها لتشكيكهم فيه.

قال تعالى: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) [ الأنبياء / الآية 18 ]، وقال تعالى: ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) [ الأنعام / من الآية 149 ] ، وقال تعالى: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) [النساء / الآية 82 ].

  1. ويجب مراعاة التلطف في الدعوة واستعمال الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن كلٌّ في مكانه الذي يستحقه.

قال تعالى لموسى وفرعون: ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) [ طه / الآية 43 – 44 ] ، وقـال تعالى: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [ النحل / الآية 125 ] .

  1. وعلى الداعية أن يبدأ مع الكافر بالأمر الأهم وهو توحيد الله تعالى.

قال تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران / الآية 64 ]، وقال تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ … ) [ النحل / من الآية 36 ].

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل عندما أرسله داعيًا إلى أهل اليمن أن يبدأ بالتوحيد ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب, فليكن أول ما تدعوهـم إلى أن يوحدوا الله تعالى, فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم, فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس “. متفق عليه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله –:

بدأ بالشهادتين لأنهما أصل الدين، الذي لا يصح شيء إلا بهما، فمن كان غير موحـد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار والوحدانية.

* وقال:

يبدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ لأنه لو طالبهم بالجميع لأول مرة لم يأمن النفرة. ” فتح الباري ” ( 3 / 357 ).

وقد كانت طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوة الكفار هي بيان أصول الدين بالأدلة العقلية الدالة على ثبوت الله وتوحيده وصدقه، وعلى المعاد إمكانًا ووقوعًا، وهكذا كان الأمر في كتاب الله تعالى، وليس هذا استدلالًا بالنصوص فهم لا يؤمنون بها، لكن القرآن والسنة فيهما أدلة عقلية على التوحيد وأصول الدين والمعاد، وذلك مثل الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها على معاد الأبدان، ومثل الاستدلال بالتقسيمات المنطقية العقلية على وحدانية الله تعالى في أسمائه وأفعاله وصفاته.

* قال الشيخ الشنقيطي – وقد ذكر أمثلة متعددة -:

ومن أمثلة السبر والتقسيم في القرآن: قوله تعالى: ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـالِقُونَ ) فكأنه تعالى يقول: لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح:

الأولى: أن يكونوا خُلقوا من غير شيء أي بدون خالق أصلًا.

الثانية: أن يكونوا خَلقوا أنفسهم.

الثالثة: أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم.

ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه، والثالث: هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا.

” أضواء البيان ” ( 4 / 398 ).

ثالثًا:

وعلى المسلم استعمال الوسائل المشروعة في دعوة الكفار مثل: الإذاعة، التلفاز، الهاتف الأشرطة، الكتب، الصحف والمجلات، الإنترنت وغيرها، على أن يراعي الضوابط الشرعية، ولا يقع في الحرام من أجل دعوة الكفار.

وقد نجحت مواقع كثيرة في دعوة الكفار من خلال الرد على رسائلهم بلغاتهم، ومن خلال دعوتهم بتبيين حقائق الإسلام بصورة ميسرة، ونجح شباب عاملون بتكوين قوائم بريدية واستعمالها في الدعوة إلى الله، ونجح آخرون بعمل فلاشات دعوية، وآخرون في غرف ” البال توك ” وهكذا غيرهم بالوسائل المعروفة كالكتب والشريط والصحف.

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتباً إلى ملوك وأمراء العالم يدعوهم إلى الإسلام، وأرسل الدعاة العلماء ليبلغوا دين الله تعالى مواجهة، وعلماؤنا في هذا الزمان يدعون إلى الله تعالى بما ذكرناه من الوسائل، ولهم جهود مشكورة في هذا الباب.

ونسأل الله تعالى أن يوفقك للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجزيك خيرًا على غيرتك على دينه، وأن ييسر لك الخير حيث كان.

 

والله أعلم.

ختم القرآن في رمضان في صلاة التراويح

السؤال:

نحن في أمريكا وسيعقد حلقة قرآن بعد الإفطار في تمام الساعة ( 15 : 7 ) إلى الساعة ( 30 : 7 ) ثم تقام الصلاة للعشاء وبعدها التراويح، وفي حلقة القرآن سيقرأ أحد المسلمين ويستخدم الميكرفون ليسمعه الرجال والنساء، والخطة أن يقرءوا ( 12 وجها ) ثم يكملون في التراويح ( 8 أوجه ) وبذلك يكملوا كل ليلة جزءًا إلى أن يتم ختم القرآن في نهاية الشهر، فهل الجلسة لقراءة القرآن بهذه الطريقة من السنة أم من البدعة؟.

وهل من الأفضل قراءة القرآن على المأمومين أثناء التراويح أم في حلقة القرآن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا حرج عليكم من عمل هذه الجلسة، فقراءة القرآن من واحدٍ منكم واستماع الباقين له أمرٌ مشروع، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه – رضي الله عنهم -.

عَن ابن مَسعودٍ – رضي اللَّه عنه – قالَ: قال لي النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ” اقْرَأْ علَّي القُرآنَ ” قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟، قالَ: ” إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي “, فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية: ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً ) [ النساء / الآية 40 ] قال: ” حَسْبُكَ الآن “, فَالْتَفَتَّ إِليْهِ فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ. رواه البخاري (4763) ومسلم (800).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز:

ويشرع للمسلمين في هذا الشهر العظيم دراسة القرآن الكريم ومدارسته في الليل والنهار تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يدارس جبرائيل القرآن كل سنة في رمضان ودارسه إياه في السنة الأخيرة مرتين، ولقصد القربة والتدبر لكتاب الله عز وجل والاستفادة منه والعمل به وهو من فعل السلف الصالح, فينبغي لأهل الإيمان من ذكور وإناث أن يشتغلوا بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتعقلًا ومراجعة لكتب التفسير للاستفادة والعلم. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز” (11/319، 320).

والأفضل أن لا تكون الليالي في قراءة القرآن فقط، بل يكون معها التعليم لأحكام القرآن والفهم لمعانيه، فإذا أضفتم إلى القراءة تفسيرًا لما تقرؤون فقد جمعتم خيراتٍ متعددة، منها: إصابة السنة في فعلكم، ومنها مدارستكم بالليل وهي أفضل من النهار.

 

فإذا كانت هذه الختمة في صلاة التراويح كانت أفضل – بلا شك – من كونها خارجها، فإذا شقَّ على الناس ختم القرآن في الصلاة فيمكنكم أن تجمعوا بين الخيرين: المدارسة للقرآن قبل الصلاة، والقراءة لباقيه في الصلاة، والأفضل من ذلك أن تُقرأ الآيات التي يشرحها الإمام لكم نفسها في الصلاة؛ لأن ما يُسمع من القرآن مما تُعرف معانيه أدعى للخشوع في سماعه، وأقرب للالتذاذ بالصلاة وإن طالت.

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن, فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. رواه البخاري ( 3048 ) ومسلم ( 2308 ).

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يمكن أن يستفاد من مدارسة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان أفضلية ختم القرآن؟.

فأجاب:

يستفاد منها المدارسة وأنه يستحب للمؤمن أن يدارس القرآن من يفيده وينفعه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام دارس جبرائيل للاستفادة؛ لأن جبرائيل هو الذي يأتي من عند الله جل وعلا، وهو السفير بين الله والرسل.

فجبرائيل لا بد أن يفيد النبي صلى الله عليه وسلم أشياء من جهة الله عز وجل، من جهة إقامة حروف القرآن ومن جهة معانيه التي أرادها الله، فإذا دارس الإنسان من يعينه على فهم القرآن ومن يعينه على إقامة ألفاظه فهذا مطلوب، كما دارس النبي صلى الله عليه وسلم جبرائيل، وليس المقصود أن جبرائيل أفضل من النبي عليه الصلاة والسلام، لكن جبرائيل هو الرسول الذي أتى من عند الله فيبلغ الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمره الله به من جهة القرآن ومن جهة ألفاظه ومن جهة معانيه، فالرسول عليه الصلاة والسلام يستفيد من جبرائيل من هذه الحيثية، لا أن جبرائيل أفضل منه عليه الصلاة والسلام بل هو أفضل البشر وأفضل من الملائكة عليه الصلاة والسلام، لكن المدارسة فيها خير كثير للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة؛ لأنها مدارسة لما يأتي به من عند الله وليستفيد مما يأتي به من عند الله عز وجل.

وفيه فائدة أخرى وهي: أن المدارسة في الليل أفضل من النهار؛ لأن هذه المدارسة كانت في الليل ومعلوم أن الليل أقرب إلى اجتماع القلب وحضوره والاستفادة أكثر من المدارسة نهارًا.

وفيه أيضًا من الفوائد: شرعية المدارسة, وأنها عمل صالح حتى ولو في غير رمضان؛ لأن فيه فائدة لكل منهما, ولو كانوا أكثر من اثنين فلا بأس يستفيد كل منهم من أخيه ويشجعه على القراءة وينشطه، فقد يكون لا ينشط إذا جلس وحده لكن إذا كان معه زميل له يدارسه أو زملاء كان ذلك أشجع له وأنشط له مع عظم الفائدة فيما يحصل بينهم من المذاكرة والمطالعة فيما قد يشكل عليهم كل ذلك فيه خير كثير.

ويمكن أن يفهم من ذلك أن قراءة القرآن كاملة من الإمام على الجماعة في رمضان نوع من هذه المدارسة؛ لأن في هذا إفادة لهم عن جميع القرآن، ولهذا كان الإمام أحمد – رحمه الله – يحب ممن يؤمهم أن يختم بهم القرآن وهذا من جنس عمل السلف في محبة سماع القرآن كله، ولكن ليس هذا موجبًا لأن يعجل ولا يتأنى في قراءته، ولا يتحرى الخشوع والطمأنينة بل تحري هذه الأمور أولى من مراعاة الختمة. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 11 / 331 – 333 ).

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – أيضًا -:

يحرص كثير من الأئمة على أن يختموا القرآن في التراويح والتهجد لإسماع الجماعة جميع القرآن فهل في ذلك حرج؟.

فأجاب:

هذا عمل حسن فيقرأ الإمام كل ليلة جزءًا أو أقل لكن في العشر الأخيرة يزيد حتى يختم القرآن ويكمله هذا إذا تيسر بدون مشقة … وقد عقد العلامة ابن القيم – رحمه الله – بابًا في كتابه: ” جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ” ذكر فيه حال السلف في العناية بختم القرآن, فنوصي بمراجعته للمزيد من الفائدة.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 11 / 333 ، 334 ).

 

والله أعلم.

 

حكم الحقائب المصنوعة من جلود التماسيح والثعابين والفيلة.

السؤال:

ما حكم استخدام الحقائب والمحافظ المصنوعة من جلود التماسيح والثعابين والفيلة؟ وكذلك ما حكم استخدام ناب الفيل بعد موته لاستخراج العاج الذي يستخدم في عدة صناعات؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يختلف – أولًا – حكم استعمال جلود التماسيح والفيلة والثعابين تبعًا للاختلاف في حكم لحومها، فمن رأى أن أكلها جائز: فقد جعل ذكاتها تطهيرًا لجلودها، ومن رأى أنها من الحيوانات المحرم أكلها: فقد رأى بعض العلماء جواز استعمال جلودها بعد دباغها، ومنع من ذلك آخرون، ورأوا أن الدباغ لا يصلح إلا في مأكول اللحم.

والذي نراه – والله أعلم – أن الحيوانات المذكورة في السؤال ليست من المباح أكلها، وأن الدباغ لا يطهر جلودها.

أما التمساح: فهو حرام لأنه من ذوات الأنياب، وهو من الحيوانات البرية لا البحرية.

قال البهوتي:

( ويحل كل حيوان  بحري )؛ لقوله تعالى: ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة ) وقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ماء البحر: ” هو الطهور ماؤه الحل ميتته “. رواه مالك وغيره. ( غير ضفدع ) , فيحرم نصًّا, واحتج بالنهي عن قتله؛ ولاستخباثها, فتدخل في قوله تعالى: ( ويحرم عليهم الخبائث ) ( و ) غير ( حية )؛ لأنها من المستخبثات ( و ) غير ( تمساح ) نصًا؛ لأن له نابًا يفترس به ويؤكل القرش؛ كخنزير الماء؛ وكلبه؛ وإنسانه؛ لعموم الآية والأخبار, وروى البخاري: ” أن الحسن بن علي ركب على سرج عليه من جلود كلب الماء “.

” شرح منتهى الإرادات ” ( 3 / 410 ، 411 ).

وقال النووي:

( وأما ) التمساح فحرام على الصحيح المشهور وبه قطع المصنف – أي: الشيرازي – في ” التنبيه ” والأكثرون, وفيه وجه. ” المجموع ” ( 9 / 34 ).

وأما الأفاعي والثعابين: فهي من المستخباث طبعًا، وقد حرِّم علينا أكل الخبائث، وقد جاء الإذن بقتلها في الحل والحرم، وما كان كذلك فلا يحل أكله.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي –  رحمه الله -:

ومن ذلك حشرات الأرض، كالفأرة، والحيات، والأفاعي، والعقارب، والخنفساء، والعظاية، والضفادع، والجرذان، والوزغ، والصراصير، والعناكب، وسام أبرص، والجعلان، وبنات، وردان، والديدان، وحمار قبان، ونحو ذلك.

فجمهور العلماء على تحريم أكل هذه الأشياء؛ لأنها مستخبثة طبعا، والله تعالى يقول: ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـائِثَ ).

وممن قال بذلك: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وابن شهاب وعروة وغيرهم – رحمهم الله تعالى -، ورخص في أكل ذلك: مالك، واشتراط في جواز أكل الحيات أن يؤمَن سمها.

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل الفأرة، وما ذكر معها من الفواسق، فدل ذلك على عدم إباحتها.

واعلم أن ما ذكره بعض أهل العلم كالشافعي من أن كل ما يستخبثه الطبع السليم من العرب الذين نزل القرآن عليهم في غير حال ضرورة الجوع حرام؛ لقوله تعالى: ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَـائِثَ ) استدلال ظاهر لا وجه لما رده به أهل الظاهر من أن ذلك أمر لا يمكن أن يناط به حكم لأنه لا ينضبط؛ لأن معنى الخبث معروف عندهم، فما اتصف به فهو حرام؛ للآية.

ولا يقدح في ذلك النص على إباحة بعض المستخبثات، كالثوم؛ لأن ما أخرجه الدليل يخصص به عموم النص، ويبقى حجة فيما لم يخرجه دليل، كما قدمنا.

ويدخل فيه أيضاً كل ما نص الشرع على أنه خبيث، إلا لدليل يدل على إباحته، مع إطلاق اسم الخبث عليه. ” أضواء البيان ” ( 2 / 237 – 239 ) مختصرًا.

وأما الفيل: فالظاهر فيه أنه من ذوات الناب من السباع، وهي محرمة بالنص.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ومن ذلك الفيل: فالظاهر فيه أنه من ذوات الناب من السباع، وقد قدمنا أن التحقيق فيها التحريم؛ لثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب الجمهور.

وممن صححه من المالكية: ابن عبد البر والقرطبي.

وقال بعض المالكية كراهته أخف من كراهة السبع، وأباحه أشهب، وعن مالك في ” المدونة ” كراهة الانتفاع بالعاج: وهو سن الفيل.

وقال ابن قدامة في ” المغني “: والفيل محرم، قال أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين، وقال الحسن: هو مسخ، وكرهه أبو حنيفة، والشافعي، ورخص في أكله الشعبي.

ولنا نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهو من أعظمها نابا؛ ولأنه مستخبث فيدخل في عموم الآية المحرمة للخبائث ا.هـ.

وقال النووي في ” شرح المهذب “: الفيل حرام عندنا، وعند أبي حنيفة والكوفيين، والحسن، وأباحه الشعبي، وابن شهاب، ومالك في رواية.

وحجة الأولين أنه ذو ناب ا.هـ. ” أضواء البيان ” ( 2 / 235 ).

ثانيًا:

وإذا ثبت أن تلك الحيوانات مما لا يجوز أكلها: فليعلم أن الذكاة لا تحل لحومها، ولا تطهر جلودها، وغير مأكول اللحم لا تبيح الدباغة جلوده.

ثالثًا:

وأما استعمال ناب الفيل: فلا حرج فيه؛ لأنه لا تحله الحياة، فهو كالشعر يجوز استعماله من حيوان مأكول وغير مأكول.

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

إنَّ علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلةً ليس فيه دمٌ سائلٌ، فإذا مات لم يحتبس فيه الدم، فلا ينجس، فالعظْم ونحوه أولى بعدم التنجيس مِن هذا؛ فإنَّ العظم ليس فيه دمٌ سائلٌ، ولا كان متحركاً بالإرادة إلا على وجه التَّبَع، فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دمٌ سائلٌ: فكيف ينجس العظـم الذي ليس فيه دمٌ سائلٌ؟ وإذا كان كذلك: فالعظم، والقرن، والظفر، والظلف، وغير ذلك ليس فيه دمٌ مسفوحٌ فلا وجه لتنجيسه، وهذا قول جمهور السلف.

قال الزهري: كان خيار هذه الأمة يمتشطون بأمشاطٍ مِن عظام الفيل، وقد روي في العاج حديثٌ معروفٌ لكن فيه نظرٌ ليس هذا موضعه، فإنَّا لا نحتاج إلى الاستدلال بذلك. ” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 99 و 101).

والحديث الذي أشار إليه شيخ الإسلام – رحمه الله – وهو حديث ثوبان – رضي الله عنه – أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلاَدَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ.

– وقد رواه أبو داود، وفيه: حُميد الشامي وسليمان المنبهي، وكلاهما مجهولان.

 

والله أعلم.

ما هما القلتان الواردة في كتب الفقه؟ وما مقدارهما؟

السؤال:

ما معنى القلتان في الفقه؟ وما مقدارهما؟

 

الجواب:

الحمد لله

ورد لفظ ” القلتين ” في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبَث ” – وفي لفظ: ” لم ينجسه شيء ” -. رواه الترمذي ( 67 ) وأبو داود ( 63 ) والنسائي (52 ) وابن ماجه ( 517 ).

وهو حديث مختلف فيه كثيرا، والأصح فيه أنه موقوف على عبد الله بن عمر من قوله، كما رجحه الأئمة: المزي وابن تيمية وابن القيم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 35 ).

وقال ابن القيم:

ورجَّح شيخا الإسلام: أبو الحجاج المزي، وأبو العباس بن تيمية وقفه، ورجح البيهقي في ” سننه ” وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب.

قال شيخنا أبو العباس أي: ابن تيمية -: وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه، فنقل ابنه ذلك عنه.

قلت: ويدل على وقفه أيضًا: أن مجاهدًا – وهو العلَم المشهور الثبت – إنما رواه عنه موقوفًا، واختلف فيه على عبيد الله وقفًا ورفعًا.

” شرح مختصر سنن أبي داود ” ( 1 / 78 ).

وكما اختلف العلماء – رحمهم الله – في صحة الحديث فقد اختلفوا في تقدير القلتين، ولم يأتِ نصٌّ في تحديد مقدار القلتين.

وقد ذكر ابن القيم – رحمه الله – وجوهًا كثيرة في الطعن في الحديث، ومنها عدم تحديد القلتين مع شدة الحاجة لمعرفة ذلك.

قال ابن القيم:

الرابع: أن حاجة الأمة – حضرها وبدوها – على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فإن الناس لا يكتالون الماء ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما ولا عرضهما ولا عمقهما، فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب وتكليف ما لا يطاق؟.

فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان، قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية؛ فإنها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها كعدد الجلدات ونصب الزكوات وعدد الركعات وسائر الحدود الشرعية.

الخامس: أن خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين، فمن قائل ألف رطل بالعراقي، ومن قائل ستمائة رطل، ومن قائل خمسمائة، ومن قائل أربعمائة، وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدًا، فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين واضطربت أقوالهم في ذلك فما الظن بسائر الأمة؟ ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها.

السادس: أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا، منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس وإذا بال فيه لم ينجسه، ومنها: أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قلتين إلا رطلًا مثلًا أن ينجس الماء ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه، ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة, فمحال أن يجيء شرع بتنجس الأول وطهارة الثاني,   وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجسها، إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها …

” حاشية تهذيب سنن أبي داود ” ( 1 / 87 ).

والخلاصة:

أن الحديث ضعيف، وأنه لا يُعلم مقدار القلتين حتى عند من صححه.

 

والله أعلم.

اللحن في القراءة وصلاة التراويح بين البيت والمسجد

السؤال:

لقد اجتمعت أنا وأعضاء المركز الإسلامي في مدينتنا وقررنا أن نحضر أحد الحفاظ لكتاب الله ليؤم في صلاة التراويح، شريطة أن يكون متقنًا لحفظه وتلاوته, ناطقًا للحروف على وجهها الصحيح, وكلف إحضاره مبلغًا كبيرًا، فلما قدم أعجب الناس به إعجابًا عظيماً لسرعته وحسن صوته، ولكن ظهرت المشكلة التي كنت أخشاها, فالرجل يظهر في قراءته كثيرًا من اللحن الجلي كعدم النطق الصحيح لثلاثة من الحروف، وتغيير عدد طفيف من الحركات من جراء السرعة، ولكن إحقاقًا للحق: فإن جميع هذه الأخطاء تكاد تنعدم عند قراءته للفاتحة.

المشكلة أن إعفاءه من مهمته قد يؤدي إلى فتنة بيننا أعضاء المركز الإسلامي، لذلك ما هو المخرج؟ وبما أنني أفتقد الخشوع في صلاتي: فإنني أوثر البقاء في بيتي والصلاة وحيدًا أو مع مجموعة من الرفقة التي تعاني نفس مشكلتي.

فما نصيحتكم؟ وهل ندعه يرأس باقي الصلوات المفروضة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قراءة القرآن باللحن ممنوعة من حيث الأصل، في الصلاة وخارجها، ومن وقع منه اللحن فهذا لا بد من نصحه بالرفق واللين ليصوِّب خطأه.

واللحن في الصلاة منه ما يبطلها ومنه ما لا يبطلها، فاللحن الجليّ يبطل الصلاة في الفاتحة فقط عند جماهير العلماء، بخلاف غيرها، وسبب تفريقهم بين الفاتحة وغيرها لكونها ركنٌ في الصلاة، ولهذا وجبت قراءتها دون غيرها، ولا تصح الصلاة من غير قراءتها.

وما دام إمامكم لا يلحن في الفاتحة: فلا نرى مسوِّغًا للطعن في صلاته أو هجر المسجد من أجل قراءته، ويسعكم ما وسع غيركم من المصلين إلا أنه يجب عليكم نصحه وتذكيره بالرفق واللين.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:

إذا كان الإمام يلحن في قراءة الفاتحة فهل تبطل صلاة مَن خلفه مِن المأمومين؟.

فأجاب:

إذا كان الإمام يلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى وجب تنبيهه والفتح عليه، فإن أعاد القراءة مستقيمة فالحمد لله, وإلا لم تجز الصلاة خلفه, ووجب على الجهة المسئولة عن الإمامة عزله، واللحن الذي يحيل المعنى مثل أن يقرأ ( أنْعَمْتَ علَيْهِم ) بكسر التاء أو ضمها أو ( إيَّاكَ نعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعين ) بكسر الكاف.

أما اللحن الذي لا يحيل المعنى مثل أن يقرأ ( ربِّ العَالَمين ) أو ( الرحمن ) بالفتح أو الضم فإنه لا يقدح في الصلاة.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 99 ).

* وسئل الشيخ – رحمه الله – أيضًا -:

إمام يلحن في القرآن، وأحيانًا يزيد وينقص في أحرف الآيات القرآنية، ما حكم الصلاة خلفه؟.

 فأجاب:

إذا كان لحنه لا يحيل المعنى فلا حرج في الصلاة خلفه مثل نصب ” رب ” أو رفعها في ( الحمد لله رب العالمين ) ، وهكذا نصب الرحمن أو رفعه ونحو ذلك، أما إذا كان يحيل المعنى فلا يصلى خلفه إذا لم ينتفع بالتعليم والفتح عليه، مثل أن يقرأ ( إيَّاكَ نعْبُدُ ) بكسر الكاف، ومثل أن يقرأ ( أنعمت ) بكسر التاء أو ضمها, فإن قبل التعليم وأصلح قراءته بالفتح عليه صحت صلاته وقراءته، والمشروع في جميع الأحوال للمسلم أن يعلم أخاه في الصلاة وخارجها؛ لأن المسلم أخو المسلم, يرشده إذا غلط, ويعلمه إذا جهل, ويفتح عليه إذا ارتج عليه القرآن.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 98 ، 99 ).

ثانيًا:

وقولك: إنه لا يحسن نطق بعض الحروف: فقد يكون إبداله لبعض الحروف بحروفٍ أخرى من المعفو عنه، وقد يكون من أوجه القراءات، وعليه: فلا إنكار في الحالتين.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” أو يبدِّل حرفًا ” أي: يُبدل حرفا بحرفٍ، وهو الألتغُ، مثل: أنْ يُبدِلَ الرَّاءَ باللام، أي: يجعلَ الرَّاءَ لاماً فيقول: ” الحمدُ لله لبِّ العالمين ” فهذا أُمِّيٌّ – والأمي هو الذي لا يحسن قراءة الفاتحة لا غيباً ولا من المصحف -؛ لأنه أبدلَ حرفًا مِن الفاتحة بغيرِه.

ويُستثنى مِن هذه المسألةِ: إبدالُ الضَّادِ ظاءً فإنَّه معفوٌّ عنه على القولِ الرَّاجحِ وهو المذهبُ، وذلك لخَفَاءِ الفَرْقِ بينهما، ولا سيَّما إذا كان عاميًّا، فإنَّ العاميَّ لا يكادُ يُفرِّقُ بين الضَّادِ والظَّاءِ، فإذا قال: ” غير المغظوب عليهم ولا الظالين ” فقد أبدلَ الضَّادَ وجعلها ظاءً، فهذا يُعفى عنه لمشقَّةِ التَّحرُّز منه، وعُسْرِ الفَرْقِ بينهما لا سيَّما مِن العوامِ.

فالإِبدال كما يلي:

  1. 1. إبدالُ حَرْفٍ بحَرْفٍ لا يماثلُه، فهذا أُمِّيٌّ.
  2. 2. إبدالُ حَرْفٍ بما يقارِبُه، مثل: الضَّاد بالظَّاءِ، فهذا معفوٌّ عنه.
  3. 3. إبدالُ الصَّادِ سيناً، مثل: السراط والصراط، فهذا جائزٌ بل ينبغي أنْ يقرأَ بها أحياناً؛ لأنها قِراءةٌ سبعيَّةٌ، والقِراءة السبعيَّةُ ينبغي للإِنسانِ أنْ يقرأَ بها أحيانًا، لكن بشرط أن لا يكون أمامَ العامَّةِ؛ لأنك لو قرأتَ أمامَ العامَّةِ بما لا يعرفون لأنكروا ذلك، وَشَوَّشْتَ عليهم. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 246 ، 247 ).

ثالثًا:

وأما صلاتك للتراويح في البيت: فهو أفضل إذا كان هذا أدعى للخشوع، وكان في الصلاة إطالة عن صلاة المسجد، وأوقعت صلاتك في آخر الليل، ولم تحدث فتنة بسبب فعلك هذا، فإذا تحققت هذه الأمور فلا مانع من صلاتك للتراويح في البيت بل هو أفضل.

عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة – قال: حسبت أنه قال: من  حصير  – في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه, فلما علم بهم جعل يقعد, فخرج إليهم، فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم, فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة “. رواه البخاري ( 698 ) ومسلم ( 781 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتي التحية، كذا قال بعض أئمتنا.

ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: ما يشرع في البيت وفي المسجد معًا فلا تدخل تحية المسجد؛ لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة. ” فتح الباري ” ( 2 / 215 ).

والاحتمال الذي ذكره الحافظ أقرب إلى الصواب.

* وقال ابن قدامة:

والتطوع في البيت أفضل … ولأن الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، وهو من عمل السر، وفعله في المسجد علانية، والسر أفضل.

” المغني ” ( 1 / 442 ).

والخلاصة:

يجب التفريق بين لحن الإمام في الفاتحة وفي غيرها، فلحنه في الفاتحة بما يغير المعنى يبطل الصلاة وبما لا يغيِّر المعنى لا يبطلها، وفي كلا الحالتين يجب عليكم نصحه وتذكيره، وإمامكم خلت صلاته من اللحن فيها، وأما في غيرها فعلى ما ذكرناه لك من التفريق بين أنواع الإبدال في الحروف، ولا مانع من صلاتك وحدك أو مع مجموعة في البيت إذا كان ذلك من غير فتنة في المركز بينكم وبين المصلين، وكانت الصلاة في آخر الليل، وفيها من الإطالة والخشوع ما ليس في صلاة المسجد.

ونرجو منكم استعمال الحكمة في النصيحة، وبذل النصح للمخالفين بالرفق واللين، ونرجو أن لا تكونوا سبب فرقة بين المسلمين، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

نزول المني من جماع الليل نهارًا هل يفسد الصيام؟

السؤال:

بعد عملية الجماع ليلًا ينزل المنى من فتحة الفرج نهارًا، فهل هذا يبطل الصيام؟ وهل يجب الاستحمام لأداء الصلاة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نزول المني نهارًا بعد جماع الليل لا يبطل الصيام، وقد أبيح لنا الأكل والشرب والجماع من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، قال تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ … } [ البقرة / من الآية 187 ] ، وهذا بالضرورة سيبقي آثارًا بعد طلوع الفجر من الشبع والري والاستمتاع، وهذه آثار معنوية، وما تبقى من آثار حسيَّة – كبقايا طعام في فمه، ومني يتدفق منه – فالواجب عليه إزالته بغسل الفم من الطعام، وبالاغتسال من نزول مني الجماع.

فإذا استمر نزول المني فترة، أو عاود الرجوع مرة أخرى بغير شهوة جديدة: فهو من بقايا المني القديم, فلا يوجب غسلاً جديداً ولا إبطال صيام.

ثانيًا:

ولا يجب الغسل من نزول المني مرة أخرى بعد الاغتسال؛ لأن السبب واحد فلا يوجب غسليْن، وإنما يجب الغسل إذا نزل بشهوة جديدة.

 

والله أعلم.

هل يترك عمله ويذهب لصلاة التراويح؟

السؤال:

أنا أعمل في مركز شرطة، وأحيانًا يحدث أن أستلم مرتين بالأسبوع ولا أتمكن خلال الاستلام من مغادرة المركز لظروف العمل ولأوامر رؤسائي، فهل يجوز لي أن أغادر المركز وأخالف أوامرهم لأداء صلاة التراويح في المسجد القريب من المركز؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لو كان عملُك في محل تجاري أو مؤسسة مدنية لما جاز لك ترك العمل من أجل القيام بنافلة، فكيف وعملُك يتعلق بالأمن وهو أمر هام تتعلق به أرواح الناس وأمنهم؟.

فلا تحرص على نافلة على حساب التفريط في واجب، ويمكنك أن تؤدي التراويح في مكان عملك مجزَّأة على حسب الفراغ والسعة، أو في آخر الليل في بيتك، وقد يُكتب لك الأجر كاملًا إن علم الله منك صدقاً في أدائها إن لم يتيسر أداؤها في العمل أو في البيت.

* سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

بعض الناس يذهب ليعتمر فيترك عائلته أو وظيفته أو المسجد الذي يصلي به أو يؤذن به، فما كلمتكم لهم؟.

فأجاب:

لا ينبغي أن نتقرب إلى الله بنافلة مع إخلالنا بواجب، النوافل لا يُتقرب بها إلا إذا أدينا الواجبات، فمن ضيَّع بيته أو ضيَّع عمله، أو إمام ضيع إمامته: فهذا لا يعتبر مأجورًا، بل يعتبر مأزورًا وآثمًا.

جريدة  ” الرياض ” الجمعة 03 رمضان 1423هـ العدد 12558 السنة 38 .

* وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

أعمل في أحد المحلات التجارية ولا أستطيع أن أصلي صلاة التراويح في المسجد نظراً لأن مواعيد العمل تكون مِن بعد المغرب إلى قرب السحور، هل آثم على ذلك؟ وكيف أعوِّض هذا الثواب الذي فاتني؟.

فأجاب الشيخ:

لا تأثم بترك التراويح؛ لأن التراويح سنَّة، إن أقامها الإنسان كان له أجر، وإن لم يقم بها فليس عليه إثم.

وإذا علم الله تعالى من نيتك إنه لولا اشتغالك بما يجب عليك من عقد الأجرة على هذا العمل لقمت بهذه التراويح: فإن فضل الله واسع، يثيبك سبحانه وتعالى على ما كان من نيتك. ” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 255 ).

 

والله أعلم.