الرئيسية بلوق الصفحة 262

مرتد عن الإسلام يزعم أن سبب ردته هو بعض ما يتعلق بالمرأة من أحكام

مرتد عن الإسلام يزعم أن سبب ردته هو بعض ما يتعلق بالمرأة من أحكام

السؤال:

الحق والحق أقول : أنا خرجت من الإسلام بسبب وضع المرأة ، ديتها نصف دية الرجل ، مباح ضربها ، لزوجها يطلقها متى ما أراد ، وإذا كرهته : أجبرت على البقاء معه .

اسمحوا لي أقول لكم : إن سبب انتصار إسرائيل عليكم هو أنكم ظلمتم النساء ، فالحمد لله الذي أخرجني من الإسلام .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

الإسلام لا يشرف بانتماء أحد إليه ، بل المنتسب للإسلام هو الذي يشرف بانتسابه لخير الأديان وخاتمتها .

وهل تظن أنك تضر الله بكفرك ؟! إنك إنما تضل على نفسك ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) يونس/ من الآية 108 ، الإسراء/ من الآية 15 .

وهل تظن أنك وأمثالك – بل والخلق كلهم لو كانوا مثلك – تنقصون شيئاً من ملك الله بكفركم ؟! قال تعالى – في الحديث القدسي – : ( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ) رواه مسلم ( 2577 ) .

واعلم أن الله تعالى غني عنك وعن أمثالك من الكفرة والمرتدين ، قال تعالى : ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) الزمر/ 7 .

هذا هو واقع حالك ، ونحن لن نجيبك حتى تفكر فيما فعلت ، وترجع إلى الإسلام ، وأنت لم تراسلنا من أجل أن نقنعك بالصواب فيما تفعل ، فإن شئت الاستمرار على ردتك وكفرك : فاستمر ، وانتظر السعير لتخلد فيها أبد الآبدين ، ومن تظن أنك خرجت من الإسلام بسببهن : فإننا نبشرهن أنهن سيتقلبن في نعيم الله في الجنة إن ماتوا على الإسلام ، ولتبق أنت ومن معك يقودكم إبليس في الجحيم ، كما قادكم في دنياكم .

ولكنك لم تخبرنا إلى أي دين خرجت ؟ – هذا إن كنت صادقاً أصلاً في دعواك أنك كنت مسلماً – ، وكنا نود أن نعرف هذا منك حتى نقارن بين حال المرأة في ديننا ، وحالها في الدين الذي انتقلت إليه ! .

وعلى كل حال : فلا يهمنا ذلك كثيراً ؛ لأنك مهما اخترت من دين ، أو نظام ، أو فكر : فإنه لن يعطي المرأة مثل ما أعطاها الإسلام ، ولن يكرمها مثل ما لها من كرامة في دين الله .

 

ثانياً:

ولن نوجه الخطاب لك في دحض أسباب كفرك وردتك ، لكننا سنخاطب المسلمين ، والعقلاء من غير أهل هذا الدين ليروا عظمة هذه الشريعة بأحكامها ، وليعلموا أي إفك يردده أولئك الكاذبون على الإسلام ، والمفترون عليه .

 

ثالثاً:

أما بخصوص دية المرأة : فإن جماهير أهل العلم – ونقل الشافعي وابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وابن تيمية الإجماع عليه – أن دية المرأة على النصف من دية الرجل .

ولا بدَّ من توضيح الحقائق التالية :

  1. إن مجرد تشريع دية للمرأة يدل على كرامتها ومنزلتها ، وقد كانت المرأة في الجاهلية متاعاً لا ترث من أهلها شيئاً ، بل إنها لتورث ! وفي ذلك أنزل الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً ) النساء/ 19 .

روى البخاري ( 4303 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَولَه : كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا ، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا ، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِى ذَلِكَ .

وأما تقدير ذلك بالنصف من دية الرجل : فلذلك حكمٌ لا تخفى ، والمرأة العاقلة تعلم أنه ثمة فروق بينها وبينها الرجل في الحقوق والواجبات والأحكام ، بل وإنها تعلم أنه ثمة فروق بينها وبين الرجل في طبيعة الخِلقة ، فأي شيء يضيرها جعل ديتها نصف دية الرجل ؟! .

  1. وليس يعني تنصيف ديتها أن دمها ليس له اعتبار في الشرع ، بل إن الله تعالى حكم بقتل من يقتلها ، ولو كان من الرجال الأشراف أو الوجهاء أو الأغنياء – إلا إن عفا أولياؤها – وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِى ، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ ) رواه البخاري ( 6484 ) ومسلم ( 1676 ) .

وهو ما طبَّقه النبي صلى الله عليه وسلم عمليّاً ، حيث قتل يهوديّاً قتل امرأة مسلمة .

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ يَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ، فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ ، أَفُلاَنٌ أَوْ فُلاَنٌ حَتَّى سُمِّىَ الْيَهُودِىُّ ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا ، فَجِىءَ بِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ ) رواه البخاري ( 2282 ) ومسلم ( 1672 ) .

  1. وليُعلم أن المرأة لا تدخل في ” العاقلة ” التي تدفع دية الخطأ عن القاتل منهم ، فإذا قتل أحدٌ آخر خطأ فإنه يجب على عاقلته أن تدفع الدية لأهل القتيل ، والعاقلة هم ذكور العصَبة من نسب ، أو قرابة ، سمُّوا بذلك لأنهم يأتون بالإبل – وهي دية القتيل – ويعقلونها – أي : يربطونها – عند باب القتيل .

والذي ننبه عليه هنا أمور مهمة :

الأول : أن المرأة لا تشارك في دفع الدية ، بل هي خاصة بالرجال .

والثاني : أنها لا تشارك في الدية حتى لو كانت هي القاتلة ! .

والثالث : أنها ترث من الدية التي تدفعها عاقلة قاتل من ترثه ! .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 225 ) :

وقال الفقهاء : لا يُؤخذ من النساء والصبيان والمجانين ؛ لأن الدية التي تحملها العاقلة فيها معنى التناصر ، وهؤلاء ليسوا من أهل النصرة . انتهى.

فأين سلب حقوق المرأة ؟ وأين هضم حقوقها في هذه التشريعات ؟ وها هي ترى أنها لا تشارك في دفع الدية ، ولو كانت هي القاتلة ، وأنها ترث ما يؤخذ من دية من ترثه من المقتولين .

  1. ونحن نسأل العقلاء من أهل الأرض : هل خسارة الأسرة بفقد المرأة منهم كخسارة الرجل ؟! إن الجواب سيكون بالنفي قطعاً – عند أهل الفطر السليمة والعقول الرجيحة – ؛ لأن الرجل هو الذي يعمل ويكسب ، بخلاف المرأة ؛ فإن الله تعالى لم يكلفها نفقة زوجها وأولادها ، ولو كانت غنية ، بل جعل ذلك على الزوج ، ويصدق هذا على عموم الرجال من الأسرة حيث يكون منهم الكسب ، والحماية ، والعناية بأفراد الأسرة ، بخلاف المرأة التي لم يكلفها الله تعالى بشيء ذلك البتة .

رابعاً:

وأما بخصوص ضرب الزوجة : فإنه ليس كما يصوره الغرب الكافر ، ولا من يقلده من الأبواق المستأجرة من غيرهم ، فالأمر له ضوابط وشروط ، وليس على إطلاقه ، وما يحدث من بعض المسلمين من تجاوزات فيه فإنما يرجع عليهم ، لا على الشرع المطهر .

– ولينظر تفصيل هذه المسألة في جوابنا على سؤال من غير مسلم حول قضية ضرب الزوجة في جواب آخر.

– وثمة جواب أوسع وأشمل من هذا ، وهو جواب سؤال بعنوان ضرب الزوجة ، أنواعه ، وأحكامه ، وآثاره .

 

* وإذا كنت أيها المراسل لنا مغترّاً بحال المرأة في الغرب : فإليك ما تشيب منه الرؤوس :

  1. 79 % من الرجال في أمريكا يضربون زوجاتهم ضرباً يؤدي إلى عاهة .
  2. 17 % منهن تستدعي حالاتهن الدخول للعناية المركزة .
  3. حسب تقرير ” الوكالة المركزية الأمريكية للفحص والتحقيق ” : هناك زوجة يضربها زوجها كل 18 ثانية في أمريكا .
  4. في فرنسا هناك مليونا امرأة معرضة للضرب سنويّاً .

وقالت أمينة سر الدولة لحقوق المرأة ” ميشيل اندريه ” : حتى الحيوانات تعامل أحيانًا أفضل من النساء ، فلو أن رجلًا ضرب كلباً في الشارع سيتقدم شخص ما يشكو لجمعية الرفق بالحيوان ، لكن لو ضرب رجل زوجته في الشارع : فلن يتحرك أحد في ” فرنسا ” .

  1. 60 % من الشكاوى الليلية التي تتلقاها شرطة النجدة في باريس هي استغاثة من نساء يسيء أزواجهن معاملتهن .
  2. في بريطانيا : 77 % من الأزواج يضربون زوجاتهن .
  3. أكثر من 50 % من القتيلات في بريطانيا كن ضحايا الزوج ، أو الشريك ! وتتلقى الشرطة البريطانية 100 ألف مكالمة سنويّاً ؛ لتبلغ شكاوى اعتداء على زوجات ، أو شريكات ! .

ينظر مقال : ” ماذا يريد مشروع الشرق الأوسط الكبير من المرأة المسلمة ؟ ” للدكتورة لينا الحمصي .

وإذا كنت ترى أن ” إسرائيل ” هي النموذج الذي يجب الاقتداء به في التعامل مع المرأة : فإليك هذه الحقيقة المذهلة :

جاء في تقرير وزارة الداخلية الإسرائيلية في عام 1417 هـ يبين أن 20 ألف امرأة تعرضن للضرب من الأزواج خلال عام ! وأن 122 لقين مصرعهن بسبب الضرب!. ” مجلة الأسرة ” ، صفر ، 1420 .

فلعلك أن تصحو من غفلتك ، وتستيقظ من غفوتك .

خامساً:

وأما تشريع الطلاق في الإسلام : فمن أعظم الشرائع وأحكمها ، وقد عجزت الأنظمة والقوانين البشرية أن تضبط أحكام الأسرة بما يكفل بقاءها ، ونموها ، كما هو الأمر في الأحكام الشرعية الربانية .

وكون الطلاق بيد الرجل : ليس فيه إلا ما يساهم في بقاء الأسرة ونموها ، واستمرارها ، والمرأة تعلم قبل الرجل أن الطلاق لو كان بيدها لدمرت كثير من الأسَر ، وتشتت شملها ؛ لأن المرأة بطبعها تمتلك من الصفات البشرية ما يجعلها غير قادرة على ضبط مواقفها وتصرفاتها فيما يتعلق بزوجها ، والذي خلق الزوجين الذكر والأنثى علم ذلك ، ومن أجله جعل الطلاق بيد الزوج ، فهو الذي ينشئ الأسرة ، ويبحث عن زوجة تساهم معه في بناء أسرته ، فإذا رأى ما لا يمكنه معه العيش معها : فإنه يسرحها بإحسان ، ويعطيها حقوقها ، وأما الأنظمة والأديان المحرَّفة فإن من كان منهم يمنع الطلاق من أصله : فهو يحكم بما يناقض الفطرة السليمة ، والعقل الراجح ، وهو يدمر الأسرة ولا يبنيها ، وماذا يفعل الرجل إذا علم أن امرأته على علاقة محرمة مع آخر ؟ وماذا يفعل من كره زوجته لاتصافها بسوء الأخلاق ؟ لا يجد هؤلاء علاجاً لأحوالهم إلا بالخروج من دينهم ! أو ضرب نسائهم ضرباً شديداً ، أو قتلها ، وكل ذلك مضاد لما أراده الله تعالى من إنشاء الأسرة ، ونموها ، والطلاق في شرع الله تعالى له حكَم عظيمة ، وهو في أصله مكروه ، لكنه يجب في بعض الأحوال ، كما أنه يكون مستحبّاً في أخرى .

وإذا كرهت المرأة زوجها لسوء في طباعه ، أو أخلاقه : فإنه ثمة تشريع في دين الله تعالى الإسلام يبيح لها طلب ” الخلع ” ، وهو تنازل منها عن مؤخر الصداق ، أو دفع مهرها لزوجها ليسرحها ، ويطلقها ، وقد أوجب بعض العلماء ذلك على الزوج إن كان الأسباب التي تدعيها الزوجة حقيقية ، واستحبه آخرون ، وعلى كل حال : فهو مخرج للمرأة التي تكره زوجها ، ولا تطيق البقاء معه .

وفي بعض الحالات : يُجبر الزوج من قبَل القاضي الشرعي على التطليق ، كأن يكون مسيئاً لها بضرب أو شتم ، ويستمر على ذلك ، ولا يريد إصلاح حاله ، وغير ذلك من الحالات ، كما أن القاضي يملك أن يطلِّقها في حال رفض الزوج ذلك ، أو في حال غيابه ، وتضررها من ذلك .

* ولا يحل للزوج أن يضيق على زوجته كي يضطرها إلى التنازل عن حقوقها ، أو شيء منها.

سادساً:

أما زعم هذا المرتد أن إسرائيل انتصرت على المسلمين بسبب ما في الإسلام من أحكام تتعلق بالمرأة : فهو كذب مخالف للواقع ، فلا ما جاء به من أحكام صحيح نسبتها للإسلام ، وما صحَّ منه فلم يفهمه على وجهه الصحيح ، ولا إسرائيل تعد منتصرة على المسلمين بسبب ذلك ، ولا يخفى على عاقل أن أسباب استمرار اليهود في حكم ” فلسطين ” إنما سببه – للأسف – التفرق بين المسلمين ، وحب الزعامة والدنيا ، وإلا فإن اليهود أحقر من أن يكون لهم دولة ، فضلا أن تكون دولتهم نتيجة احتلال ، وقوة منهم ؛ فهم أحقر ، وأجبن من أن يستطيعوا مقاتلة أحد ، فضلاً أن يكون الجانب المقاتَل هم المسلمون ، وعلى كل حال : فلا تزال حياتهم يملؤها الرعب والخوف والقلق ، ولن تهنأ لهم حياة ، ولن يشعروا بطعم العزة والحرية والسعادة ؛ لمَا عندهم مما يستوجب غضب الله تعالى وسخطه عليهم إلى يوم القيامة ، ومن سلط الله اليهودََ عليه من المسلمين : فلتركهم دينهم ، وتخليهم عن اتباع شرعه .

وليتأمل العقلاء حال اليهود الذي يثني عليهم من زعم أنه كان مسلماً فارتد :

  1. قال تعالى : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) البقرة/ 65 .
  2. وقال تعالى : ( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) الأعراف/ 166 .
  3. وقال تعالى : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) المائدة/ 60 .
  4. وقال تعالى : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) الجمعة/ 5 .
  5. وقال تعالى : ( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) المائدة/ 70 .
  6. وقال تعالى : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) المائدة/ 13 .

فانظر لهذا كيف يثني على من كذَّب المرسلين ، وقتلهم ، ومن حرَّف كلام الله وبدّله ، ومن مسخ الله إخوانهم إلى قردة وخنازير ! وجرائم اليهود في الماضي والحاضر أشهر من أن يذكَّر بها ، لكن من طمس الله بصيرته ، وأضلَّه على علم : فلا نملك له شيئاً .

والعجيب من هذا المرتد أنه لم يجد إلا اليهود ليوهم الناس بهم أنهم أعطوا المرأة حقوقها ، وأنها مكرَّمة عندهم ! وكل من له اطلاع على دين اليهود وأخلاقهم يعلم أن المرأة لا تخرج عن كونها نجسة وسلعة رخيصة عندهم – ولذلك فهي لا ترث عندهم إن كان لها أخ ذكر ، وأما الزوجة فلا ترث من زوجها شيئاً – ولا ننسى ما قاله رئيس وزرائهم الهالك ” مناحيم بيجن ” عندما طلب من الإسرائيليات أن ينجبن الأولاد ، سواء كان ذلك بطريق شرعي أو غير شرعي ! .

وأما كتابهم المقدس ! فإنه يمجد الساقطات أمثال ” يهوديت ” و ” استير ” و ” راحاب ” ، ويفرد لشربهن الخمر ، وتبرجهن ، وسوء أخلاقهن أسفاراً ! .

وفي نجاسة المرأة عند اليهود يقول كتابهم المقدس ! في سفر ” اللاويين ”  :

كلِّم بني اسرائيل قائلاً : إذا حبلت امرأة وولدت ذكراً : تكون نجسة سبعة أيام ، كما في أيام طمث علتها تكون نجسة .

ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوماً في دم تطهيرها ، كل شيء مقدس لا تمسّ ، وإلى المقدس لا تجيء ، حتى تكمل أيام تطهيرها .

وإن ولدت أنثى : تكون نجسة أسبوعين ، كما في طمثها ، ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم تطهيرها .

فهكذا هي المرأة عند اليهود ، والعجيب أن مدة نجاستها في الذكر ضعف نجاستها في الأنثى ! وهذا ليس له سبب  كما هو الأمر في الدية عندنا ، فالإنجاب واحد ، ولا فرق بين كون المولود ذكراً أو أنثى ، وهي نجسة العين أيام طمثها ، لا تؤاكَل ، ولا تُخالَط في البيوت ، ولا تسكن مع زوجها ! وكل ثياب أو فراش تمسه فهو نجس ! وغير ذلك من الأحكام التي هي غاية في السوء والقبح .

وقد جاء في ” سفر اللاويين ” إصحاح 15 :

20 وكل ما تضطجع عليه في طمثها : يكون نجساً ، وكل ما تجلس عليه يكون نجساً .

21 وكل من مسَّ فراشها : يغسل ثيابه ، ويستحم بماء ، ويكون نجساً إلى المساء .

22 وكل من مسَّ متاعاً تجلس عليه : يغسل ثيابه ، ويستحم بماء ، ويكون نجساً إلى المساء .

23 وإن كان على الفراش ، أو على المتاع الذي هي جالسة عليه عندما يمسه : يكون نجساً إلى المساء .

24 وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه : يكون نجساً سبعة أيام ، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجساً .

25 وإذا كانت امرأة يسيل سيل دمها أياماً كثيرة في غير وقت طمثها ، أو إذا سال بعد طمثها : فتكون كل أيام سيلان نجاستها كما في أيام طمثها أنها نجسة .

26 كل فراش تضطجع عليه كل أيام سيلها : يكون لها كفراش طمثها ، وكل الأمتعة التي تجلس عليها : تكون نجسة كنجاسة طمثها .

27 وكل من مسَّهن : يكون نجساً ، فيغسل ثيابه ، ويستحم بماء ، ويكون نجساً إلى المساء . انتهى.

وفي ديننا الحنيف أعلنها نبينا صلى الله عليه وسلم بوضوح ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ ) رواه البخاري ( 281 ) ومسلم ( 371 ) ، وأباحت لنا شريعتنا المطهرة مؤاكلتها ، ومجامعتها ، وإنما حرُم على المسلم الجماع في الفرج .

عَنْ أَنَسٍ بنِ مالِك : أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ ) فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا : مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ . رواه مسلم ( 320 ) .

وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ورأسه على حجر إحدى نسائه ، وكانت تكون حائضاً .

عن ميمونة رضي الله عنها قال : لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى إِحْدَانَا وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ حَائِضٌ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا حَائِضٌ فَيَتَّكِئُ عَلَيْهَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيْهَا ، أَوْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا قَاعِدَةً وَهِيَ حَائِضٌ فَيَتَّكِئُ فِي حِجْرِهَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ فِي حِجْرِهَا . رواه أحمد ( 44 / 415 ) وحسَّنه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1 / 213 ) .

– وليعلم العقلاء حال المرأة عند اليهود في جوانب أخرى من الحياة ، فهم يجبرون المرأة أن تتزوج أخي زوجها بعد موت زوجها ! .

جاء في ” سفر التثنية ” إصحاح 25 :

5 إذا سكن إخوة معاً ، ومات واحد منهم ، وليس له ابن : فلا تصر امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي ، أخو زوجها يدخل عليها ، ويتخذها لنفسه زوجة ، ويقوم لها بواجب أخي الزوج .

6 والبكر الذي تلده : يقوم باسم أخيه الميت ؛ لئلا يمحى اسمه من إسرائيل .

7 وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه : تصعد امرأة أخيه إلى الباب ، إلى الشيوخ ، وتقول : قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسماً في إسرائيل ، لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج .

8 فيدعوه شيوخ مدينته ، ويتكلمون معه ، فان أصر وقال لا أرضى أن أتخذها .

9 تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ ، وتخلع نعله من رجله ، وتبصق في وجهه ، وتصرخ وتقول : هكذا يُفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه .

10 فيدع اسمه في إسرائيل بيت مخلوع النعل . انتهى.

فأي الدينين أكرم المرأة ، ورفع شأنها ، وأعلى منزلتها ؟! .

وينظر في جواب ” المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية ” .

 

والله الهادي إلى سواء السبيل .

 

الزواج بين الزاني والزانية ( هل يتزوجان بعد أن زنيا )؟

السؤال الأول :

زنى شاب مسلم ببنت مسلمة وأفقدها عذريتها ولكنه تاب إلى الله فهل الشاب ملزم بأن يتزوج هذه البنت لكي يستر عليها ثم يطلقها بعد ذلك لأن ثقته فيها انعدمت نظراً لأنها لم تستطع الحفاظ على عذريتها أفيدونا أفادكم الله يا سماحة الشيخ .

السؤال الثاني :

إذا زنى شخصين ثم تابا ، فهل يجوز لهما أن يتزوجا بعد التوبة أم أن هذا حرام ؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

– اختلف العلماء في حكم الزواج من ” الزانية ” على قولين :

الأول : عدم جواز نكاح المسلم العفيف المسلمةَ الزانيةَ ، إلا إذا أظهرت توبتها من ذلك ، وهو مذهب الحنابلة ، وبه يقول بعض الفقهاء والمفسرين .

– وهو قول ابن حزم ، وشيخ الإسلام ابن تيمية  – كما سيأتي النقل عنه – ، وابن القيم ،

– وانظر ما كَتَبَه في إبطال قول من أباح تزوج الزواني في ” إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ” ( 1 / من ص 77 ) ، وهو يرى أنّ تحريم ذلك من محاسن مذهب الإمام أحمد ، والشوكاني وصدِّيق حسن خان .

والثاني : يرى جواز نكاح الزانية قبل التوبة ، وهو  ما يقول به الأئمة الثلاثة  – أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله – .

 

ثانياً :

– أدلة المحرِّمين للنكاح :

قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } .

حديث أبي مَرْثَد الغنوي :

وكان رجلاً شديداً وكان يحمل الأسارى من مكة إلى المدينة ، قال : فدعوتُ رجلاً لأحمله وكان بمكة بغي يقال لها ” عَنَاق ” – وكانت صديقته – خرجت فرأت سوادي في ظل الحائط ، فقالت : من هذا ؟ مَرْثَد مرحباً وأهلا يا مرثد انطلق الليلة فبتْ عندنا في الرحل ، قلت : يا عَنَاق إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرَّم الزنا قالت يا أهل الخيام هذا الدُلْدُل هذا الذي يحمل أسراكم من مكة إلى المدينة فسلكت الخَنْدَمة فطلبني ثمانية ، فجاءوا حتى قاموا على رأسي ، فبالوا ، فطار بولهم علي وأعماهم الله عني ، فجئت إلى صاحبي فحملته ، فلما انتهيت به إلى الأراك فككت عنه كَبْلَه ، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أنكح ” عَنَاقَ ” ؟ فسكت عني ، فنزلت { الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } فدعاني فقرأها علي وقال : لا تنكحها .  رواه الترمذي ( 3117 ) وأبو داود ( 2051 ) و النسائي ( 3228 ) وصحيح أبي داود ( 1806 ) .

قوله تعالى : { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } .

قال ابن العربي :

قوله تعالى : { محصنات غير مسافحات } : يعني عفائف غير زانيات ، وقد استدل بها من حرَّم نكاح الزانية , وهو الحسن البصري , وقال : إنه شرط في النكاح الإحصان ، وهو العفّة . ” أحكام القرآن ” ( 1 / 514 ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

وكذلك { والمحصنات من المؤمنات } : الحرائر ، وعن ابن عباس : هنّ العفائف ، فقد نقل عن ابن عباس تفسير { المحصنات } بالحرائر ، وبالعفائف ، وهذا حق .

فنقول مما يدل على ذلك قوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب . اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين } .

”  المحصنات ” قد قال أهل التفسير : هن العفائف ، هكذا قال الشعبي والحسن والنخعي والضحاك والسدي ، وعن ابن عباس : هن الحرائر ، ولفظ ” المحصنات ” إن أريد به ” الحرائر ” فالعفة داخلة في الإحصان بطريق الأولى ; فإن أصل المحصنة هي العفيفة التي أحصن فرجها ، قال الله تعالى : { ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها } ، وقال تعالى : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } وهن العفائف ، قال حسان بن ثابت :

حصان رزان ما تزن بريبة    وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

ثم عادة العرب أن الحُرّة عندهم لا تُعرف بالزنا ; وإنما تعرف بالزنا الإماء ، ولهذا ” لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم هند امرأة أبي سفيان على ألا تزني قالت : أَوَتَزْني الحُرّة ؟ ” ، فهذا لم يكن معروفاً عندهم ، والحرة خلاف الأمَة ، صارت في عرف العامَّة أن الحرة هي العفيفة ; لأن الحرة التي ليست أمَة كانت معروفة عندهم بالعفة ، وصار لفظ ” الإحصان ” يتناول الحرية مع العفة ; لأن الإماء لم تكن عفائف ، وكذلك ” الإسلام ” هو ينهى عن الفحشاء والمنكر ، وكذلك المرأة المتزوجة زوجها يحصنها لأنها تستكفي به ولأنه يغار عليها ، فصار لفظ ” الإحصان ” يتناول : الإسلام والحرية والنكاح ، وأصله إنما هو العفة ; فإن العفيفة هي التي أحصن فرجها من غير صاحبها كالمحصن الذي يمتنع من غير أهله ، وإذا كان الله إنما أباح من المسلمين وأهل الكتاب نكاح المحصنات ” والبغايا ” لسن محصنات : فلم يبح الله نكاحهن .

”  مجموع الفتاوى ” ( 32 / 121 ، 122 ) .

 

* واستدل ابن القيم لصحة تفسير الإحصان هنا بالعفة بوجوه :

أحدها : أن الحرية ليست شرطاً في نكاح المسلمة .

الثاني : أنه ذكر الإحصان في جانب الرجل كما ذكره في جانب المرأة ، فقال : { إذا آتيتموهن أجورهن محصنين } ، وهذا إحصان عفة بلا شك ، فكذلك الإحصان المذكور في جانب المرأة .

الثالث : أنه سبحانه ذكر الطيبات من المطاعم والطيبات من المناكح ، فقال تعالى : { اليوم أُحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب… } الآية ، والزانية خبيثة بنص القرآن ، والله سبحانه وتعالى حرَّم على عباده الخبائث من المطاعم والمشارب والمناكح ، ولم يبح لهم إلا الطيبات ، وبهذا يتبين بطلان قول من أباح تزوج الزواني .

– وقد بينّا بطلان هذا القول من أكثر من عشرين وجهاً في غير هذا الكتاب .

”  أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 419 ) .

 

ثالثاً :

أدلة المجوِّزين :

عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عندي امرأة هي من أحب الناس إليَّ ، وهي لا تمنع يد لامسٍ ، قال : طلِّقها ، قال : لا أصبر عنها ، قال : استمتع بها . رواه النسائي ( 3229 ) ، وأبو داود ( 2049 ) .

-عموم قوله تعالى  – بعد تعداد المحرَّمات من النساء – { وأحل لكم ما وراء ذلكم } .

قالوا : وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة .

عموم قوله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم } .

قالوا : وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة .

وقد قالوا بتأويل وادعاء نسخ آية ” النور ” .

 

رابعاً :

الرد على المبيحين .

وأما الذين خالفوا في وجه الاستدلال بالآية  : فقد ذكروا لها تأويلاً ونسخاً :

– أما التأويل : فقالوا : إن المراد بالنكاح : الوطء .

– وقالوا في النسخ : نسخها قوله تعالى : { وأنكحوا الأيامى منكم } .

وممن قال به : سعيد بن المسيب والشافعي .

– وقد ردَّ شيخ الإسلام  – رحمه الله  على تأويلهم الآية بأن المراد به الوطء فقال :

والذين لم يعملوا بهذه الآية ذكروا لها تأويلا ونسخا :

أما التأويل : فقالوا : المراد بالنكاح الوطء ، وهذا مما يظهر فساده بأدنى تأمل .

أما ” أولا ” : فليس في القرآن لفظ ” نكاح ” إلا ولا بدّ أن يُراد به العقد ، وإن دخل فيه الوطء أيضاً ، فأما أن يراد به مجرد الوطء : فهذا لا يوجد في كتاب الله قط .

 وثانيها ” : أن سبب نزول الآية : إنما هو استفتاء النبي صلى الله عليه وسلم في التزوج بزانية فكيف يكون سبب النزول خارجاً من اللفظ ؟ ! .

الثالث ” : أن قول القائل ” الزاني لا يطأ إلا زانية ” ، أو ” الزانية لا يطؤها إلا زان ” : كقوله : ” الآكل لا يأكل إلا مأكولاً ، والمأكول لا يأكله إلا  آكل ، والزوج لا يتزوج إلا بزوجة ، والزوجة لا يتزوجها إلا زوج ” ; وهذا كلام ينزه عنه كلام الله .

 الرابع ” : أن الزاني قد يَستكره امرأةً فيطؤها فيكون زانياً ولا تكون زانيةً ، وكذلك المرأة قد تزني بنائمٍ ومكرَه – على أحد القولين – ولا يكون زانياً .

 الخامس ” : أن تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة ، وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه .

 السادس ” : قال : { لا ينكحها إلا زان أو مشرك } فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنه زان ، وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية ، فلا حاجة إلى التقسيم .

 السابع ” : أنه قد قال قبل ذلك : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك .

 ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 113 ، 114 ) .

وقد ردَّ عليهم  – رحمه الله  في قولهم بالنسخ ، فقال :

وأما ” النسخ ” فقال سعيد بن المسيب وطائفة : نسخها قوله : { وأنكحوا الأيامى منكم } ، … وقول من قال : هي منسوخة بقوله : { وأنكحوا الأيامى منكم } : في غاية الضعف ; فإن كونها زانية وصف عارض لها يوجب تحريماً عارضاً : مثل كونها محرمة ومعتدّة ومنكوحة للغير ; ونحو ذلك مما يوجب التحريم إلى غاية ، ولو قدر أنها محرمة على التأبيد لكانت كالوثنية ومعلوم أن هذه الآية لم تتعرض للصفات التي بها تحرم المرأة مطلقا أو مؤقتا ; وإنما أمر بإنكاح الأيامى من حيث الجملة ; وهو أمر بإنكاحهن بالشروط التي بينها وكما أنها لا تنكح في العدة والإحرام لا تنكح حتى تتوب .  

”  مجموع الفتاوى ” ( 32 / 114 ، 115 ) .

وقال ابن القيم :

ولا يخفى أن دعوى النسخ للآية بقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } : مِن أضعف ما يقال ، وأضعف منه : حمل النكاح على الزنى . ” زاد المعاد ” ( 5 / 114 ) .

وقال الشنقيطي  رحمه الله – :

وأما قول سعيد بن المسيب والشافعي بأن آية { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } منسوخة بقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } : فهو مستبعد ؛ لأن المقرر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنه لا يصح نسخ الخاص بالعام ، وأن الخاص يقضي على العام مطلقاً ، سواء تقدم نزوله عنه أو تأخر ، ومعلوم أن آية { وأنكحوا الأيامى منكم } الآية أعم مطلقا من آية { الزاني لا ينكح إلا زانية } الآية ، فالقول بنسخها ممنوع على المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين ..” أضواء البيان” ( 6 / 81 ).

 

 

خامساً :

وأما ما استدلوا به من حديث ” لا ترد يد لامس ” : فقد ردَّ عليهم به شيخ الإسلام ابن تيمية ، فقال :

وقد احتجوا بالحديث الذي فيه : ” إن امرأتي لا ترد يد لامس ، فقال : طلِّقها ، فقال : إني أحبها ، قال : فاستمتع بها ” الحديث ، رواه النسائي ، وقد ضعَّفه أحمد وغيره فلا تقوم به حجة في معارضة الكتاب والسنة ; ولو صح لم يكن صريحا ; فإن من الناس من يؤول ” اللامس ” بطالب المال ; لكنه ضعيف . لكن لفظ ” اللامس ” قد يراد به من مسها بيده وإن لم يطأها فإن من النساء من يكون فيها تبرج وإذا نظر إليها رجل أو وضع يده عليها لم تنفر عنه ، ولا تمكنه من وطئها ، ومثل هذه نكاحها مكروه ; ولهذا أمره بفراقها ولم يوجب ذلك عليه ; لما ذكر أنه يحبها ; فإن هذه لم تزن ولكنها مذنبة ببعض المقدمات ; ولهذا قال : لا ترد يد لامس : فجعل اللمس باليد فقط ولفظ ” اللمس والملامسة ” إذا عني بهما الجماع لا يخص باليد بل إذا قرن باليد فهو كقوله تعالى : { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم } .

وأيضاً : فالتي تزني بعد النكاح ليست كالتي تتزوج وهي زانية ; فإن دوام النكاح أقوى من ابتدائه .  ”  مجموع الفتاوى ” ( 32 / 116 ) .

 

سادساً :

معنى قوله تعالى { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فإن قيل : فقد قال : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } ؟ قيل : هذا يدل على أن الزاني الذي لم يتب لا يجوز أن يتزوج عفيفة كما هو إحدى الروايتين عن أحمد ، فإنه إذا كان يطأ هذه وهذه وهذه كما كان : كان وطؤه لهذه من جنس وطئه لغيرها من الزواني ، وقد قال الشعبي : من زوَّج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها .

و ” أيضاً ” : فإنه إذا كان يزني بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة إلى أن تمكن منها غيره كما هو الواقع كثيراً ، فلم أر من يزني بنساء الناس أو ذكران إلا فيحمل امرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة .

و ” أيضاً ” : فإذا كان عادته الزنا استغنى بالبغايا فلم يكف امرأته في الإعفاف فتحتاج إلى الزنا . 

و ” أيضاً ” : فإذا زنى بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا بنسائه كما هو الواقع ، فامرأة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة ، وإن استحلت ما حرَّمه الله كانت مشركة ; وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك ، فلا يكاد يعرف في نساء الرجل الزناة المصرّين على الزنا الذين لم يتوبوا منه امرأة سليمة سلامة تامة ، وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الأجانب إذا رأت زوجها يذهب إلى النساء الأجانب …

فقوله : { الزاني لا ينكح إلا زانية } إما أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زنا ، أو أن ذلك يفضي إلى زناها ، وأما الزانية : فنفس وطئها مع إصرارها على الزنا زنا .

 ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 120 ، 121 ) .

 

سابعاً :

معنى : { والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك } :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

المتزوج بها إن كان مسلماً فهو زانٍ ، وإن لم يكن مسلماً فهو كافر ، فإن كان مؤمناً بما جاء به الرسول من تحريم هذا وفعله فهو زانٍ ; وإن لم يكن مؤمناً بما جاء به الرسول فهو مشرك ، كما كانوا عليه في الجاهلية كانوا يتزوجون  البغايا ، يقول : فإن تزوجتم بهن كما كنتم تفعلون من غير اعتقاد تحريم ذلك فأنتم مشركون وإن اعتقدتم التحريم فأنتم زناة ؛ لأن هذه تمكن من نفسها غير الزوج من وطئها فيبقى الزوج يطؤها كما يطؤها أولئك ، وكل امرأة اشترك في وطئها رجلان فهي زانية ; فإن الفروج لا تحتمل الاشتراك ; بل لا تكون الزوجة إلا محصنة ، ولهذا لما كان المتزوج بالزانية زانياً كان مذموماً عند الناس ; وهو مذموم أعظم مما يذم الذي يزني بنساء الناس .

 ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 116 ، 117 ) .

 

ثامناً :

والخلاصة :

قال ابن القيم :

وأما نكاح الزانية فقد صرح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور ، وأخبر أن من نكحها فهو إما زانٍ أو مشرك ، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا ، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده : فهو مشرك ، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه : فهو زان ، ثم صرح فقال :

{ وحُرِّم ذلك على المؤمنين } [ النور / 3 ] ، ولا يخفى أن دعوى نسخ للآية بقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور / 34 ] من أضعف ما يقال ، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى ، إذ يصير معنى الآية ” الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة ،

والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك ” ، وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا . 

”  زاد المعاد ” ( 5 / 114 ) .

وقال ابن قدامة :

وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين :

أحدهما : انقضاء عدتها ، فإن حملت من الزنا فقضاء عدتها بوضعه ، ولا يحل نكاحها قبل وضعه … .

والشرط الثاني : أن تتوب من الزنا …

وقال : وإذا وجد الشرطان حلَّ نكاحها للزاني وغيره في قول أكثر أهل العلم ، منهم أبو بكر وعمر وابنه وابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة والزهري والثوري والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي .

”  المغني ” ( 7 / 108 ، 109 ) .

ومن استدل بعموم { وأنكحوا الأيامى منكم } وقوله { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فيرد عليه بما نقلنا عن الشنقيطي  – رحمه الله  – بأن الخاص يقضي على العام .

 

والله أعلم.

 

زنت أخته وستر عليها ووضع مولودها في مسجد! فما عليه؟ وما أحكام ذلك المولود؟

زنت أخته وستر عليها ووضع مولودها في مسجد! فما عليه؟ وما أحكام ذلك المولود؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يا شيخ تعرضت لفتنة كبيرة وهذه هي القصة:

إني الأخ الأكبر في أسرة كبيرة ، متدينة ، ومترابطة ، وأوضاعها ميسورة ، ومستورة ، والحمد لله ، تتكون من الكثير الإخوان والأخوات ، الأب : شيخ كبير في السن ، ومريض , وترك المسؤولية عليَّ ، والأم : كبيرة ، ومريضة أيضاً , أنا متزوج ، ولي أطفال ، ويوجد إخوة ، وأخوات ، لي ، في سن الزواج , وأنا أبذل ما أستطيع في رعايتهم ، وإصلاحهم ، والاهتمام بهم ، وتزويجهم .

المشكلة برزت عندما : أغوى الشيطان إحدى الأخوات – حفظ الله بنات المسلمين – وجرَّها للوقوع بالزنا ، وهي لم تخبرني إلا وهي في الشهر الثامن ، مصيبة ليست في البال ، تعصر الرجل عصراً , وقد توثر صحيّاً ، ونفسيّاً على كل مَن في البيت ، استرجعت ، وحمدت الله ، والتجأت إليه ؛ ليلطف بنا ، ويعيننا على ما ابتلانا .

لا يوجد لدينا سوى القنوات الإسلامية ، والأخت ليست لعَّابة ، ولا يُعرف عنها هذا ، وكانت انطوائيَّة قليلاً  .

يا شيخ

مفاجأة لا توصف عرفت قصتها , وكيف ضحك عليها الشيطان , وما مدى ضعف عقلها ، وفهمها ، وبداية العلاقة : خلوة في المواصلات الدراسية , والزاني : رجل متزوج ، نصبِّر النفس عن مقابلته ، ولا أعرفه شخصيّاً .

وهي – إن شاء الله – تائبة ، ولم يعلم بها أحد ، ولم تبرز بطنها كثيراً في الحمل , ولم تذهب للمستشفى ، ولم يحس بها أحد ، رغم مخالطة الأهل لها ، قضت وقتها – كما تقول – تتهرب من الأهل ، وتبكي , ولم يعلم بها أحد .

قرأت فتاوى كثيرة ، والتجأت ، وتضرعت إلى الله ليريني الطريق الصحيح للتعامل مع المشكلة ، ولم أستطع استفتاء أحد ؛ للحرج في الموضوع ، شعرتُ أن الموضوع فيه ستر من الله كبير – والله أعلم – لأني – والحمد لله – كنت أدعو الله للأخوات ، والإخوان ، كلهم ، بالزوج الصالح ، دائماً ، وفي عمرة في مكة قبل الحادثة .

ثم يسر الله ، وتابعتْ حملها ، واستطعتُ – بفضل من الله – أن نضع حملها بعملية قيصرية , وكان المولود بنتاً ، وبصحة طيبة .

حاولتُ ، واتصلت بإحدى دور الشئون الاجتماعية لكي أعرف كيف أسلمها ، فجاوبوني بأنه لا بدَّ أن تكون هناك محكمة ، ومقابلة القاضي ، واثنان من الشهود ، فصعب عليَّ الأمر ، وأشار عليَّ أحدهم بأن أضع الطفلة عند باب مسجد .

وقد وضعتها عند باب مسجد معروف ، وكبير ، قبل الصلاة بثلث ساعة بعد إرضاعها ، وأنا أدعو الله أن لا يغضب عليَّ ، واستغفرت الله ، واستودعتها إياه ، فأنا لا أستطيع رعايتها أو كفالتها ، فهذا شيء صعب ، فوق الطاقة ، والأم كذلك هذا رأيها , وهذا المسجد أعرفه فيه رجال كثير ملتزمون ، وأهل خير ، وإن شاء لله أنهم ذهبوا بها إلى دار الرعاية الاجتماعية .

أعلم أن الموضوع كله فوق الطاقة , ولكن شعرت بتيسير ، وستر ، وقوة ، من الله ، والله أعلم ، والحمد لله .

والآن يا شيخ أنا محتار ، وقلق ، فيما فعلت ، أرجو الإرشاد والتوجيه في كل الموضوع والدعاء لنا .

وأرجو الإجابة على هذه الأسئلة :

– هل فعلي وستري على أختي صحيح أم لا ؟ .

– هل علينا عقيقة على الطفلة ؟ .

– هل إثم ترك الطفلة من الكبائر؟ وهل هو قطيعة الرحم؟ وكيف نعالج الوضع؟ وهل كفالة الأيتام تكفر هذا الذنب ؟

– هل إذا خطب رجل هذه الأخت أقول له الحقيقة ؟

– هل يجوز لي أنا أخوها ومعي ولاية من المحكمة بتزويجها بأن أطبق عليها حد الجلد برضاها ؟ وكم هو ؟ وكيف ؟ .

– وهل يجوز عمل عملية ترقيع لها لسترها ؟ .

– هل ترث الطفلة أمها، أو جدها، إذا مات, وهل نوصي بالتصدق بميراثها إذا كان؟.

– أرجوا ذكر الأدلة كما عهدناكم , وآسف على الإطالة ، ولكنها هموم ، وأحزان ، وكرب ، أتمنى أن تزول .

– ادع لي يا شيخ أن يزوج الله أخواتي ، وإخواني ، وإن شاء لله سأبذل الأسباب في ذلك متوكلاً على الله .

– وجزكم الله خيراً ، ونفع بكم الإسلام والمسلمين .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، ونسأل الله العظيم بمنِّه وكرمه أن يحفظ إخوانك ، وأخواتك , وأن يستر على أختك ، ويعفو عنها , وأن يوفقها للتوبة النصوح , وأن يستر على المسلمين أعراضهم ، وأن يعافينا وإياكم وكل مسلم من كل سوء ، وشرٍّ .

 

أخي الكريم

والله إن قلب المسلم ليعتصر ألَماً ، ويمتلئ كدراً ، من مثل هذه الحوادث , الذي من أسبابها :  التهاون في الرقابة , والتقصير في النصح والتوجيه ، والتساهل في خلطة الأجانب بأهل البيت كخلطة السائق , وخروج المرأة من بيتها , كخروجها للعمل ، والزيارة , وعدم التشدد في مثل هذا الخروج ، والمراقبة المستمرة , وكما قيل : ” من مأمنه يؤتى الحذر ” .

وكونك قد دعوت الله أن يحفظ أخواتك ، وإخوانك : هو من الأسباب لحفظ الله تعالى للعبد , ولكن مع بذل الأسباب في ذلك كالسعي في تزويجهن , ومنعهن من الاختلاط ، والنصح والتوجيه , والرقابة .

فالأسباب مطلوب بذلها مع الدعاء , ولا يصح الاتكال على القيام الدعاء فقط ، مع إهمال الأسباب الأخرى .

ثانياً:

وقد أحسنتَ في سترك على أختك ,  وفي تعاملك مع موضوعها بحكمة , وروية , وهذا كان الواجب عليك ، وفي الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) رواه مسلم ( 2699 ) .

ثالثاً:

الواجب أخي الكريم على أختك التوبة النصوح , وأن تجعل هذا الذنب سبباً في صلاحها ، تتوب منه ، وتستغفر لفعله , وتكثر من الدعاء أن يسترها الله في الدنيا والآخرة , وتكثر من الطاعات ، والقربات , وكما قال الفضيل بن عياض : ” بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله ، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله ” .

قال ابن القيم – رحمه الله – :  وقال بعض السلف : إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة , ويعمل الحسنة فيدخل بها النار , قالوا : كيف ؟ قال : يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه ، إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله ، وبادر إلى محوها ، وانكسر وذل لربه ، وزال عنه عُجبه ، وكِبره , ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه ، يراها ، ويمن بها ، ويعتد بها ، ويتكبر بها ، حتى يدخل النار ” . ” طريق الهجرتين ” ( ص 270 ) .

رابعاً:

كان الواجب عليك عدم وضع الولد الذي أنجبته أختك عند باب المسجد , وكان بإمكانك التورية في رعاية هذا الولد في بيتكم ، بحجة الإحسان إليه ، وكفالته , أو توكيل من يكفله ويرعاه من أهل الخير في بيوتهم ؛ لأن ما فعلته هو إهمال ، وتضييع لذلك المولود , ووضعه في دار الرعاية , وإن كان أخف الضررين : لكن لا يمكن أن يجد المولود مثل رعاية أهله ، وولي أمره ، إلا أن يشاء الله ، فلا شك أن رعايته بكنف من يعرفه أدعى للرأفة ، والعناية , والقيام بواجب المسئولية .

وعليك التوبة ، والاستغفار من هذا التقصير في القيام بالصواب تجاه هذا المولود ، وهذا الفعل من قطيعة الرحم ، ومن التفريق بين الأم وولدها – وإن كان غير شرعي ، فهو ابنها في الواقع ، وفي الشرع – , فإن استطعت استدراك الأمر ، والحصول على رعايته ، بحجة كفالته ، أو أنك توكل من يكفله ويقوم برعايته : كان خيراً ، وأعظم أجراً , وإن لم تستطع ذلك : فالواجب عليك الإحسان إليه – إن استطعت – من بعيد , مع كثرة الدعاء والابتهال إلى الله أن يحفظه ، وأن ييسر له من يقوم برعايته حق الرعاية .

ولعل كفالة الأيتام تكون من أسباب تكفير هذا الذنب , وكذلك القيام بحق الأهل ، والأقارب ، وصلة الرحم , لا سيما الأقرب فالأقرب , فكفالة اليتيم مقابل التخلي عن ذلك المولود , وصلة الرحم والأهل مقابل تلك القطيعة ، مع الإكثار من التوبة والاستغفار , والدعاء للمولود أن يحفظه ربه تعالى ، وأن ييسر له من يقوم بحقه وشأنه حق القيام .

خامساً:

والواجب عليك الستر على أختك ، وعدم إخبار أحد بذلك ، لا خطيبها ، ولا أحد غيره , ولا هي كذلك تخبر أحداً بعد ذلك ، لا زوجاً ، ولا غيره , بل يجب عليها ستر ذنبها .

وفي ” تفسير الطبري ” ( 9 / 583 ) أن رجلاً من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشة ، فأمرَّت الشَّفرة على أوداجها ، فَأُدْرِكت ، فدُووِي جُرْحها ، حتى برئت ، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة ، فقرأت القرآن ، ونَسَكت ، حتى كانت من أنسك نسائهم ، فخطبت إلى عمها ، وكان يكره أن يدلِّسها ، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه ، فأتى عمر ، فذكر ذلك له ، فقال عمر : لو أفشيت عليها لعاقبتك ! إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوّجها إيّاه . انتهى , وساق آثاراً أخرى بمعناها .

سادساً:

والراجح عندنا : عدم جواز عملية ترقيع غشاء البكارة .

سابعاً:  

وليس لأحد أن يقيم الحد على أحد ؛ لأن إقامة الحدود من وظيفة السلطان ، أو من ينيبه .

وفي فتاوى ” اللجنة الدائمة ” ( 22 / 5 ) : لا يقيم الحدود إلا السلطان المسلم ، أو من ينوب عنه ؛ من أجل ضبط الأمن ، ومنع التعدي ، والأمن من الحيف ، وعلى العاصي الاستغفار والتوبة إلى الله ، والإكثار من العمل الصالح ، وإذا أخلص لله في التوبة : تاب الله عليه ، وغفر له ، بفضله وإحسانه ، قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 69 ، 70 ، وقال : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) طه/ 82 ،  وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإسلام يهدم ما كان قبله ، والتوبة تهدم ما كان قبلها ) – روى مسلم ( 121 ) الجملة الأولى منه ، والجملة الثانية ثبت معناها من غير شك – ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ). رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني.

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ بكر أبو زيد . انتهى.

ثامناً:

أما بالنسبة للعقيقة : فقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله :

هل يجوز للأم أن تعقّ عن ولدها من الزنا ، وهل له حق النفقة ؟ .

فأجاب :

نعم لها أن تعقّ ، يستحب لها أن تعقّ عن ولدها ، وعليها أن تنفق عليه إذا قدرت ، فإذا ما قدرت : يُسلَّم للحاضنات في الدولة ، وإذا قدرت : تربّيه ، وتحسن إليه ، وتعقّ عنه .

ويلزمها أن تربِّيه ، وأن تتوب إلى الله مما فعلت ، وهو منسوب إليها ، والذي زنا بها : عليه التوبة ، وليس عليه شيء من النّفقة ، وليس هو ولداً له – ولد زنا – عليه التوبة إلى الله ، والولد لها هي ، ينسب إليها ، وعليها نفقته .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 124 ) .

تاسعاً:

ولد الزنا كغيره من الأولاد من جهة إرثه من أمه ؛ لأنه ولدها ، فيدخل في عموم قول اللَّه تعالى : ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) النساء: من الآية11 ، ولأنه منسوب إليها ، والنسب هو سبب الإرث , بشروط الإرث , فهو لا يرث من جده – مثلاً – مع وجود أمه .

– انظر ” أحكام ولد الزنا ” ( ص 119 ) للشيخ إبراهيم القصيّر .

أما في حال عدم القدرة على دفع الميراث له , كما لو لم يعرف مكانه ، أو لم يمكن الاستطاعة لتوصيل حقه : فيشرع حينئذ التصدق بنصيبه .

والله سبحانه نسأله أن يغفر لأختك ، وأن يستر عليها , وأن يعافينا وإياكم من كل سوء ، وأن يحفظ أعراضنا ، وذرارينا , وأن يستر عيوبنا ، ويغفر ذنوبنا .

 

والله أعلم.

سرقة الأموال والمعلومات عن طريق الإنترنت والصراف الآلي يوجب القطع أم التعزير؟

السؤال:

سرقة الأموال والمعلومات عن طريق الإنترنت والصراف الآلي يوجب القطع أم التعزير؟

 

الجواب:

          الحمد لله

أولاً:

يعدُّ المال من الضرورات الخمس التي جاءت الشرائع السماوية جميعاً بحفظها ، وفي الإسلام من التشريعات ما يؤكد ذلك ، ويؤيد ، ومن أجل ذلك حرَّم الله تعالى التعدي على أموال الآخرين بغير حق ، وحرَّم جميع صور ذلك ، من الربا ، والاختلاس ، والانتهاب ، والسرقة ، الغش ، والغصب ، والإتلاف ، وغير ذلك من صور التعدي مما فيه انتقال تلك الأموال للطرف المعتدي ، أو إفسادها وعدم انتفاع صاحبها به .

ولعلنا نقف هنا وقفة مع صورة حديثة من صور الاعتداء على أموال الآخرين ، وذلك عن طريق اختراق المعلومات الخاصة بالشخص ، وسحب أمواله ، وتملكها ، وهي في عمومها لا تخرج عن كونها ” اختلاساً ” ، أو ” سرقة ” ، على ما يأتي تفصيله ، وفي كل الأحوال هو اعتداء قبيح ، وإثم مبين ، لا يُختلف في تحريم فعله ، ولا في تحريم تملك تلك الأموال ، وأنها سحتٌ مغتصبة .

 

ثانياً:

ومن أجل الحفاظ على أموال الناس حرَّم الله تعالى جميع أنواع الاعتداء عليها ، وتملكها بالباطل ، وتحريم السرقة مما جاء النص عليه في القرآن ، والسنَّة ، والإجماع ، وقد أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بمبايعة النساء على أمور منها : أن لا يسرقن ، فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) الممتحنة/ 12 ، ومن أجل ذلك شرع الله تعالى حدّاً على تلك الجريمة ، وهو قطع اليد اليمنى من الرسغ ، فقال تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) المائدة/ 38 .

      وقد كان في ذلك الحد أبلغ الأثر في منع ضعاف النفوس من التعدي على أموال الآخرين ، ولا يُلتفت إلى من استبشع ذلك طعناً في الدين ، فلا قيمة لاستبشاعه ، وإن اليد التي تعتدي على أموال الآخرين لهي أهون من أن تكرَّم ، وأما وهي أمينة فإنها ثمينة ، لذا فمن اعتدى عليها بالقطع فإن عليه نصف دية ! ، ولذا قال بعض الفقهاء عن ذلك ” كانت ثمينةً لما كانت أمينةً ، فلما خانت هانت ” .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

      وأما القطع : فجعَله عقوبة مثله – أي : مثل الجلد – ، عدلاً وعقوبةَ السارق ، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد ، ولم تبلغ جنايته حدَّ العقوبة بالقتل فكان أليق العقوبات به : إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس ، وأخذ أموالهم . ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 115 ، 116 ) .

ومن المعلوم أنه لا قطع إلا إذا بلغت قسمة المسروق ربع دينار ذهبي فصاعداً ، ووزن الدينار أربعة جرامات وربع ، فعَنْ عَائِشَةَ قالت : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً ) رواه البخاري ( 6407 ) ومسلم ( 1684 ) .

 

ثالثاً:

ولا يختلف ” الاختلاس ” عن ” السرقة ” في الحكم ، فكلاهما محرَّم ، لكنهما يختلفان فيما يوجبه كل واحد منهما ، فالسرقة يترتب عليها حد ” القطع ” ، وأما ” الاختلاس ” : فالتعزير .

ومن أشهر صور الفرق بينهما :

  1. أن السارق لا يمكنك الاحتراز منه ، بخلاف المختلس .
  2. أن السارق يهتك الحرز الذي يوجد فيه المال ، وأما المختلس فإنما يأخذ المال من غير حرز .

وبتطبيق ذلك على المال الموجود في البنوك ، والذي يمكن التوصل له من المعتدي بطريق محرَّم : نجد أن انطباقه على السرقة أقرب من انطباقه على الاختلاس ، فالمال موجود في حرز ، وهو مؤمَّن بما هو أبلغ من أمان البيوت ، حيث جُعلت الأرقام السرية المانعة من دخول أحد عليها إلا صاحبها ، وليس هو كالمختلس يغافلك ليستولي على مالك ، بل يأخذها خفية ، ولا يتوصل – غالباً – أولئك اللصوص لأموال غيرهم إلا ” بسرقة ” بطاقاتهم الائتمانية ، أو سرقة بريدهم الإلكتروني ، فكان أمامهم جدار ينقبونه ، وحرز يهتكونه ، وقفل يكسرونه ، ليتوصلوا لذلك المال ، وهو ما ينطبق على تعريف السرقة .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم ، وترك قطع المختلس ، والمنتهب ، والغاصب : فمِن تمام حكمة الشارع أيضاً ؛ فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه ؛ فإنه ينقب الدور ، ويهتك الحرز ، ويكسر القفل ، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك ، فلو لم يشرع قطعه : لسَرَق الناس بعضهم بعضاً ، وعظم الضرر ، واشتدت المحنة بالسرَّاق ، بخلاف المنتهب ، والمختلس ؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس ، فيُمكنهم أن يأخذوا على يديه ، ويخلِّصوا حقَّ المظلوم ، أو يشهدوا له عند الحاكم .

وأما المختلس : فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه ، وغيره ، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه ، وإلا فمع كمال التحفظ ، والتيقظ : لا يمكنه الاختلاس ، فليس كالسارق ، بل هو بالخائن أشبه .

وأيضاً : فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثلِه غالباً ، فإنه الذي يغافلك ، ويختلس متاعك في حال تخليك عنه ، وغفلتك عن حفظه ، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً ، فهو كالمنتهب .

وأما الغاصب : فالأمر فيه ظاهر ، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب ، ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب ، والنكال ، والسجن الطويل ، والعقوبة بأخذ المال ، كما سيأتي . ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 80 ، 81 ) .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 286 – 289 ) باختصار :

الاختلاس ، والخلْس في اللغة : أخذ الشيء مخادعة عن غفلة ، قيل : الاختلاس أسرع من الخلس ، وقيل : الاختلاس هو الاستلاب ، ويزيد استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللغوي أنه : أخذ الشيء بحضرة صاحبه جهراً مع الهرب به ، سواءً جاء المختلس جِهاراً ، أو سرّاً ، مثل أن يمد يده إلى منديل إنسان فيأخذه .

أ. الغصب أو الاغتصاب : هو أخذ الشيء قهرا وعدوانا .

ب. السرقة : هي أخذ النصاب من حرزه على استخفاء .

ج . الحرابة : هي الاستيلاء على الشيء مع تعذر الغوث .

د. الخيانة : هي جحد ما اؤتمن عليه .

هـ. الانتهاب : هو أخذ الشيء قهراً ، فالانتهاب ليس فيه استخفاء مطلقاً ، في حين أن الاختلاس يستخفى في أوله .

وقالوا :

اتفق الفقهاء على أنه لا قطع على المختطِف ؛ لأن الاختلاس ، والاختطاف : واحد ، ولا قطع على المختلس ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ ) – رواه الترمذي ( 1448 ) والنسائي ( 4971 ) وابن ماجه ( 2591 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” -.

وقالوا :

اتفق الفقهاء على أنه لا قطع في الاختلاس ؛ لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ ) ، ولأنه يأخذ المال على وجه يمكن انتزاعه منه بالاستغاثة بالناس ، وبالسلطان ، فلم يحتج في ردعه إلى القطع . انتهى.

 

رابعاً:

و ” الحِرز ” الذي يضبط الفرق بين السرقة ، والاختلاس : ليس في الشرع ما يبينه ، ويحدد معالمه ، بل مرجع ذلك فيه إلى العُرف ، وحرز كل شيء بحسبه .

قال ابن قدامة – رحمه الله – :

والحِرز ما عُدَّ حِرزاً في العُرف ؛ فإنه لمّا لم ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه : عُلم أنه رد ذلك إلى أهل العرف ؛ لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته ، فيُرجع إليه ، كما رجعنا اليه في معرفة القبض ، والفُرقة في البيع ، وأشباه ذلك . ” المغني ” ( 10 / 246 ) .

فالحِرز ما وُضع لمنع الداخل من الدخول عليه ، ومن كان له مال في شركة ، أو بنك : فإنه لم يمكِّن كل أحدٍ من الدخول عليه ، بل جعل ما يمنعهم من ذلك ، من بطاقة يحملها هو وحده ، ومن رقم سري لا يطلع عليه غيره ، وبهما يستطيع الدخول على ” السيرفر ” الذي يتمكن من خلاله من سحب ماله ، أو تحويله ، وعموم التحكم به ، ومثل هذا لا ينبغي التردد في عدِّه ” حِرزاً ” ، وتطبيق أحكام السرقة على المتعدي عليه .

قال الصنعاني – رحمه الله – :

وتقدم الخلاف في الحرز ، واختلف القائلون بشرطيته ، فقال الشافعي ، ومالك ، والإمام يحيى : إن لكلِّ مالٍ حرزاً يخصه ، فحرز الماشية ليس حرز الذهب والفضة ، وقال الهادوية ، والحنفية : ما أحرز فيه مال : فهو حرز لغيره ، إذ الحرز : ما وُضع لمنع الداخل ألا يدخل والخارج ألا يخرج ، وما كان ليس كذلك : فليس بحرزٍ ، لا لغةً ، ولا شرعاً . ” سبُل السلام ” ( 4 / 26 ) .

 

خامساً:

وما توصلنا إليه قد واقفنا فيه كثيرين ممن بحثوا المسألة بتوسع ، ومنهم من كتب رسالة دكتوراة في معهد القضاء العالي بالمملكة العربية السعودية ، بعنوان : ” نوازل السرقة أحكامها وتطبيقاتـها القضائية ” ، وهو الشيخ فهد بادي المرشدي ، ومما قال في نتائجها :

  1. الدخول إلى بيانات الحاسب الآلي بطريق غير مأذون فيه للقيام بالتحويل الإلكتروني غير المشروع للأموال : يُعتبر سرقة لمال محرز ، ما لم يكن هناك إهمال ، أو تفريط في حفظه ؛ لأنَّ الحرز معتبر بالعادة التي لا يقترن بها تفريط .
  2. مَن سرق البطاقة اللدائنية من حاملها ، أو قام بتزويرها ، وسحب بها مبالغ ، أو قام بالشراء بها عن طريق نقاط البيع : فإنَّ فعله هذا يعتبر سرقة لمال من حرزه .
  3. يُقطع بالسرقة من كبائن الصراف الآلي ؛ لأنها محرزة بالحافظ .

انتهى.

وفي ” فتاوى الشبكة الإسلامية ” :

لقد قمتُ بشراء بعض الأشياء عن طريق الإنترنت وذلك بإدخال رقم لبطاقة الفيزا كارد وهذه البطاقة ليست لي ولا أعرف لمن هي حيث إنني حصلت عليها من خلال برنامج موجود على الشبكة . وأنا الآن في وضع مزعج لأني أشعر بأن هذا التصرف عبارة عن سرقة أفتوني جزاكم الله خيراً . للعلم: كان هناك اسم لبنك أجنبي مع رقم البطاقة أشك بأن البطاقة للبنك أو لعميل يتعامل مع البنك ، فماذا أفعل ؟ .

فأجابوا :

– الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :

فالواجب عليك التوبة إلى الله تعالى والاستغفار من هذا الذنب، وألا تعود إلى شيء من ذلك ، فإن عملك هذا يعد سرقة ، لأنك أخذت المال من حرزه ، وكفى بذلك إثما، و اعلم أن ما جاءك من هذا المال الذي اشتريت به بعض الأشياء فهو مال حرام. انتهى.

وينظر في جواب بعنوان : ” اختراق مواقع البنوك وتحويل أموال منها هل تعدُّ سرقة توجب القطع ؟ ” .

 

سادساً:

– وأما حكم الاستيلاء على معلومات محمية بأرقام سرية : فلا تخلو تلك المعلومات من حالين :

الأولى : أن تكون معلومات شخصية ، أو سياسية ، لا قيمة لها مادية ، فيكون المعتدي عليها آثماً ؛ لانتهاكه خصوصية غيره بغير وجه حق .

الثانية : أن تكون هذه المعلومات ذات قيمة مادية ، كاختراع ، أو مخطوطات ، أو كتب ودراسات ، ومثل هذه لا يشك في أنه يمكن لأصحابها بيعها ، وبعضها لها أثمان باهظة ، وحكم الاستيلاء على هذه المواد : له حكم السرقة ، وفاعله مع إثمه فإ‘نه يكون مستحقّاً لقطع يده .

وجمهور العلماء على أن المنافع مال ، بخلاف الحنفية الذي يرون أنه لا مال إلا ما كان محرزاً ، متمولاً .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 31 ، 32 ) :

يطلق المال في اللغة : على كل ما تملكه الإنسان من الأشياء .

وفي الاصطلاح : اختلف الفقهاء في تعريف المال ذلك على النحو التالي :

عرف فقهاء الحنفية المال بتعريفات عديدة ، فقال ابن عابدين : المراد بالمال ما يميل إليه الطبع ، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة .

– والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم .

– وعرف المالكية المال بتعريفات مختلفة ، فقال الشاطبي : هو ما يقع عليه الملك ، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه .

– وقال ابن العربي : هو ما تمتد إليه الأطماع ، ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به .

– وقال عبد الوهاب البغدادي : هو ما يتمول في العادة ويجوز أخذ العوض عنه .

– وعرف الزركشي من الشافعية المال بأنه ما كان منتفعا به ، أي مستعدا لأن ينتفع به.

– وحكى السيوطي عن الشافعي أنه قال : لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها، وتلزم متلفه ، وإن قلت ، وما لا يطرحه الناس ، مثل الفلس وما أشبه ذلك .

– وقال الحنابلة : المال شرعا ما يباح نفعه مطلقا ، أي في كل الأحوال ، أو يباح اقتناؤه بلا حاجة . انتهى.

* وقول الجمهور هو الصواب ، وبه أخذ طائفة كبيرة من أهل العلم المعاصرين ، ورجحه علماء المجامع الفقهية .

جاء في ” قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي ” ( 94 ) ما يلي :

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت ، من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409هـ ( الموافق 10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م ، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع ( الحقوق المعنوية ) ، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله ، قرر ما يلي :

أولا : الاسم التجاري ، والعنوان التجاري ، والعلامة التجارية ، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها ، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها ، وهذه الحقوق يعتد بها شرعا ، فلا يجوز الاعتداء عليها .

ثانيا : يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ، ونقل أي منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش ، باعتبار أن ذلك أصبح حقا ماليا .

ثالثا : حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعا ، ولأصحابها حق التصرف فيها ، ولا يجوز الاعتداء عليها ، والله أعلم . انتهى .

 

والله أعلم.

حكم من أتى زوجته في دبرها في نهار رمضان

حكم من أتى زوجته في دبرها في نهار رمضان

السؤال:

في رمضان الفائت 1423 هـ كنت حديث عهد بعرس، وكنت لا أصبر عن زوجتي، وكنت أستمتع بها في نهار رمضان من غير جماع ، وأحسست مع فورة حماسي أنني أدخلته بالدبر، وكأنني أنزلت ولا أجزم لاختلاط السوائل.

فما الحكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إتيان الزوجة في دبرها كبيرة من كبائر الذنوب، بل قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بإتيان الكهّان، وسمّاه كُـفرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: ” من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدّقه فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم “. رواه الترمذي ( 135 ) وأبو داود ( 3904 ) وابن ماجه ( 639 ).

– والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 2433 ) .

ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من أتى امرأة في دبرها فقال: ملعون من أتى امرأة في دبرها. رواه أبو داود ( 2162 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 2432 ).

ففي هذه الأحاديث بيان تحريم إتيان المرأة في دبرها، وهذا الفعل مناقض للفطرة، موجب لسخط الله وغضبه، ثم هو سبب للأمراض.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -:

عما يجب على من وطئ زوجته في دبرها؟‏ وهل أباحه أحد من العلماء‏؟.

فأجاب‏:‏

الحمد لله رب العالمين، ‏‏الوطء في الدبر‏‏ حرام في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك عامة أئمة المسلمين، من الصحابة، والتابعين، وغيرهم؛ فإن الله قال في كتابه‏: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ }، وقد ثبت في الصحيح‏: ‏أن اليهود كانوا يقولون: ‏إذا أتى الرجل امرأته في قُبلها من دبرها جاء الولد أحول، فسأل المسلمون عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ }،‏ والحرث : ‏موضع الزرع، والولد إنما يزرع في الفرج؛ لا في الدبر … .‏

” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 267 ).

وقد بيَّنا في جواب متقدم أن للزوج أن يستمتع بزوجه وهو صائم ما لم يجامع أو ينزل، وبيَّنا أن الجماع في الفرج للزوجة محرم في نهار رمضان فكيف إذا كان جماعًا في الدبر مع الإنزال؟!.

والأصل أن لا تشك في إنزالك؛ لأن مثل هذا لا يخفى حيث يعقبه فتور في الجسم، مع خروج المني دفقًا، وهو ما يمكن الشعور به دون تردد.

ثانيًا:

وأما ما يترتب على صيامك الذي فعلتَ فيه فعلتك: فإن فساد الصوم لا شك فيه، ولزم معه الإمساك عن الطعام والشراب، وقد أوجب جمهور أهل العلم القضاء والكفارة على من أولج في دبر امرأته، أنزل أم لم ينزل.

– وهذا الحكم تشترك فيه زوجتك معك؛ لأنه يظهر أنها كانت مطاوعة لك.

* قال ابن قدامة:

ولا فرق بين كون الفرج قُبُلًا أو دبُرًا من ذكر أو أنثى، وبه قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة – في أشهر الروايتين عنه -: لا كفارة في الوطء في الدبر؛ لأنه لا يحصل به الإحلال ولا الإحصان فلا يوجب الكفارة كالوطء دون الفرج.     

ولنا: إنه أفسد صوم رمضان بجماع فأوجب الكفارة كالوطء، وأما الوطء دون الفرج فلنا فيه منع، وإن سلمنا فلأن الجماع دون الفرج لا يفسد الصوم بمجرده بخلاف الوطء في الدبر. ” المغني ” ( 3 / 27 ). 

وفي جواب آخر قلنا:

فمن جامع في نهار رمضان عامدًا مختارًا بأن يلتقي الختانان، وتغيب الحشفة في أحد السبيلين: فقد أفسد صومه، أنزل أو لم يُنزل، وعليه التوبة، وإتمام ذلك اليوم، والقضاء والكفارة المغلظة.

ونوصيك وجميع المسلمين بتقوى الله تعالى في هذا الشهر وتعظيم حرماته، وينبغي للمسلم تجنب الزواج في هذا الشهر لما قد يقع معه من النقض لصيامه وترتب الكفارة المغلظة فيه.

 

والله أعلم.

 

ما هي السنة في المعاملة بين أفراد الأسرة – الأب – الأم – الزوجة – الأخوات؟

السؤال:

ما هي الطريقة النبوية “الهدي النبوي” لتوازن الحقوق بين أعضاء الأسرة “الأم – الأب – الأخوات – الزوجة”؟ كيف يمكن أن نتعامل معهم جميعًا في ضوء السنة؟ وهذا لا يعنى أن هناك فروقًا كثيرة ولكن بباسطة ما يفضل فعله يوم بيوم.

نتطلع إلى إجابتكم.

 

الجواب:

الحمد لله   

أولًا:

أولى الناس بطاعة المرء أمه ثم أبوه.

وهذا القول يشهد له الحديث الصحيح عند الشيخين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ”  جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟  قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟، قال: ثم أبوك “.

رواه البخاري ( 5626 ) ومسلم ( 2548 ).

وقد ذكر بعضهم الإجماع على فقه ظاهر الحديث، أي: أن للأم ثلاثة أرباع الطاعة والبر وللأب الربع.

قال القرطبي: 

وقد زعم المحاسبي في كتاب ” الرعاية ” له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

” تفسير القرطبي ” ( 10 / 239 ).

ولكن الإمام ابن حجر رحمه الله ألمح إلى المخالفة فقال: 

لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر وفيه نظر.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

وعلى كل حال إن لم يكن في المسألة إجماع فهو الراجح، وهو قول الجمهور.

قال الحافظ:

وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضَّل في البر على الأب، وقيل: يكون برُّهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك، والصواب الأول.

قلت: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

فالأمر كما قال الحافظ في الكلام السابق: ” والصواب الأول “.

وذهب إلى القول الثاني: بعض الشافعية – كما ذكر ابن حجر ذلك عنهم آنفًا – وقال بعضهم: هو قول مالك.

فقد قال الإمام القرطبي: 

وروي عن مالك: أن رجلا قال له إن أبي في بلد السودان وقد كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك، فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك، فدلَّ قول مالك هذا أن برَّهما متساو عنده. ” تفسير القرطبي ” ( 10/ 239 ).

ولم يرتض ابن حجر هذا التأويل فقال: 

والمنقول عن مالك ليس صريحا في ذلك فقد ذكره ابن بطال قال: سئل مالك: طلبني أبي فمنعتني أمي؟ قال: أطع أباك ولا تعص أمك، قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برهما سواء.

كذا قال وليست الدلالة على ذلك بواضحة.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

وقال ابن حزم: 

الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام أو الإنبات مع التمييز وصحة الجسم سواء كانت أمة أو حرة تزوجت أو لم تتزوج رحل الأب عن ذلك البلد أو لم يرحل والجدة أم …. ولم يأت نص صحيح قط بأن الأم إن تزوجت يسقط حقها في الحضانة ولا بأن الأب إن رحل عن ذلك البلد سقط حق الأم في الحضانة …… ثم ذكر ابن حزم حديث أبي هريرة السابق مستدلًا به .ثم قال:  فهذا نص جلى على إيجاب الحضانة لأنها صحبة.

” المحلى ” ( 10 / 323 ).

وقال ابن قدامة:

ويستحب البداءة بالحج عن الأم إن كان تطوعا أو واجبا عليهما نص عليه أحمد في التطوع؛ لأن الأم مقدمة في البر قال أبو هريرة: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:     من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك ” رواه مسلم والبخاري، وإن كان الحج واجبًا على الأب دونها بدأ به لأنه واجب فكان أولى من التطوع .

” المغني ” ( 3 / 102 ).

 

 

ثانيًا:

وأما لماذا هذا البر الزائد للأم؟.

فنقول: إنما هو لقوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا ….} [ الأحقاف / 15 ]، وقال تعالى:{ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير }    [ لقمان / 14 ].

ففي الآيتين نرى: أن الله تعالى ساوى الأب والأم في الفضل ولكنه زاد في ذكر فضل الأم في الحمل والوضع والرضاع، وهذا هو السر الذي تقدم به الأم على الأب، وبهذا قال الأئمة والعلماء.

قال ابن حجر: 

قال ابن بطال: ….. قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى:  { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين } [ لقمان / 14 ]  فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بالأمور الثلاثة.

” فتح الباري ” (10 / 402 ).

وقال الإمام القرطبي معلقًا على الحديث السابق الذي ذكرناه: 

فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط، وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان؛ وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب.

” تفسير القرطبي ” ( 10 / 239 ).

ثم يأتي الأب في المرتبة الثانية كما هو صريح من الحديث السابق وغيره من الآيات والأحاديث.

 

ثالثًا: وقد اختلف العلماء في الذي يكون بعد الأبوين.

قال ابن حجر: 

قال عياض: تردد بعض العلماء في الجد والأخ والأكثر على تقديم الجد.

قلت: وبه جزم الشافعية، قالوا: يقدم الجد، ثم الأخ، ثم يقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بواحد، ثم تقدم القرابة من ذوي الرحم، ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم سائر العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار …… وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن إيصال البر دفعة واحدة وهو واضح.

” فتح الباري ” ( 10 / 402 ).

 والصحيح: أنه بعد الأبوين تكون العشرة والنفقة للزوجة وفي ذلك حديث كثير.

عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي وإذا مات صاحبكم فدعوه “.

رواه الترمذي ( 3895 ) وأبو داود ( 4899 ).

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خياركم خياركم  لنسائهم “. رواه ابن ماجه ( 1978 ).

قال البوصيري:

هذا إسناد صحيح رجاله ثقات وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه البزار في مسنده والترمذي في الجامع وقال حديث حسن .

” مصباح الزجاجة ” ( 2 / 117 ).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ” اليد العليا أفضل من اليد السفلى وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك “.

رواه الطبراني ( 8 / 314 ).

قال الهيثمي:

رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.

” مجمع الزوائد ” ( 3 / 120 ).

وقال المنذري:

رواه الطبراني بإسناد حسن.

” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 42 ).

وقال الصنعاني معلقًا على هذا الحديث: 

والترتيب في الحديث ولم يذكر فيه الولد والزوجة لأنهما قد علما من دليل آخر ….. والتقييد بكونه وارثًا محل توقف، واعلم أن للعلماء خلافًا في سقوط نفقة الماضي فقيل: تسقط للزوجة والأقارب، وقيل: لا تسقط، وقيل: تسقط نفقة القريب دون الزوجة، وعللوا هذا التفصيل بأن نفقة القريب إنما شرعت للمواساة لا لأجل إحياء النفس، وهذا قد انتفى بالنظر إلى الماضي، وأما نفقة الزوجة فهي واجبة لأجل المواساة، ولذا تجب مع غنى الزوجة ولإجماع الصحابة على عدم سقوطها.

فإن تم الإجماع فلا التفات إلى خلاف من خالف بعده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ” ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف “، فمهما كانت الزوجة مطيعة فهذا الحق الذي لها ثابت.

 وأخرج الشافعي بإسناد جيد عن عمر رضي الله عنه : ” أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن يأمروهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا  “، وصححه الحافظ أبو حاتم الرازي، ذكره ابن كثير في ” الإرشاد “. ” سبل السلام ” ( 3 / 221 ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تصدقوا، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال : عندي آخر، قال: أنت أبصر “.

رواه النسائي ( 2535 ) وأبو داود ( 1691 ).

والحديث: صححه ابن حبان ( 8 / 126 ) والحاكم ( 1 / 575 ).

قال الصنعاني معلقًا على هذا الحديث:

وفيه أن النفقة على النفس صدقة وأنه يبدأ بها ثم على الزوجة ثم على الولد ثم على العبد إن كان أو مطلق من يخدمه ثم حيث شاء ويأتي في النفقات تحقيق النفقة على من تجب له أولا فأولا.  ” سبل السلام ” ( 2 / 142 ).

قال ابن قدامة – في حق توزيع صدقة الفطر وبمن يبدأ -:

وإذا لم يفضل إلا صاع أخرجه عن نفسه لقوله عليه السلام: ” ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ” ولأن الفطرة تنبني على النفقة فكما يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة فإن فضل آخر أخرجه عن امرأته لأن نفقتها آكد فإن نفقتها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار ونفقة الأقارب صلة تجب مع اليسار دون الإعسار فإن فضل آخر أخرجه عن رقيقه لوجوب نفقتهم في الإعسار …….. وفي الوالد والولد الكبير وجهان أحدهما يقدم الولد لأنه كبعضه والثاني الوالد لأنه كبعض ولده وتقدم فطرة الأم على فطرة الأب لأنها مقدمة في البر بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله: مَن أبر؟ قال: أمك، قال: ثم مَن، قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أباك.

ولأنها ضعيفة عن الكسب، ويحتمل تقديم فطرة الأب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:    ” أنت ومالك لأبيك ” ثم بالجد ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث. ” المغني ” ( 2 / 362 – 363 ).

رابعًا:

أما الأخوات والأخوة الذين لا كاسب لهم فتجب نفقتهم على الأخ بالتفصيل المذكور آنفًا في الحديث الذي ذكرنا تعليق الصنعاني عليه وذكر فيه الصنعاني أن هذا الترتيب مراد مطلوب.

قال القرطبي:

وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل.

” تفسير القرطبي ” ( 10 / 241 ).

 

والله أعلم.

 

هل تطلق من طلقها زوجها ثلاثاً في مجلس واحد؟

كم تطلق مَن طلقها زوجها ثلاثاً في مجلس واحد؟

السؤال:

شخص قال لزوجته ” أطلقك ثلاثاً ” في مجلس واحد, هل هذا يقع أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

ذهب الأئمة الأربعة وابن حزم إلى أن من قال لزوجته ” أنت طالق أنت طالق أنت طالق ” في مجلس واحد , ونوى تكرار الوقوع : فإنه يقع ثلاثاً , ولا  تحل له حتى تنكح زوجا غيره ؛ لما رواه محمود بن لبيد , قال : ” أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا , فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيلعب بكتاب الله عز وجل وأنا بين أظهركم ؟ حتى قام رجل , فقال : يا رسول الله ألا أقتله ؟ ” . رواه النسائي ( 3401 ) – وهو ضعيف كما سيأتي – .

وعن ابن عباس قال : ” طلَّق أبو ركانة أم ركانة , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : راجع امرأتك , فقال : إني طلقتها ثلاثا , قال : قد علمت , راجعها “.  أخرجه أبو داود ( 2196 ) – وهو ضعيف كما سيأتي – .

وخالف فيه بعض أهل الظاهر فذهبوا إلى أنها تقع طلقة واحدة ، وهو قول ابن عباس , وبه قال إسحاق وطاوس وعكرمة ؛ لما في صحيح مسلم أن ابن عباس قال : ” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة , فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة , فلو أمضيناه عليهم , فأمضاه عليهم ” .

وأجيب عنه بستة أجوبة : أقربها جوابان :

الأول : أن هذا الحديث ورد في صورة خاصة هي قول المطلق أنت طالق أنت طالق أنت طالق أن اللفظ الثاني والثالث توكيد للأول لا تأسيس طلاق آخر ويحمل قوله على السلامة والصدق فيقبل قوله ، فلما رأى عمر تغير أحوال الناس وغلبة الدعاوى الباطلة رأى من المصلحة أن يجري المتكلم على ظاهر قوله , ولا يصدق في دعوى ضميره , وهذا الجواب ارتضاه القرطبي قال النووي : هو أصح الأجوبة .

وأجيب عنه : أنه يتضح من خلال الجواب أن نهي عمر كان رأياً محضاً ، ومع ذلك فالناس مختلفون في كل عصر فيهم الصادق والكاذب وما يعرف ما في ضمير الإنسان إلا من كلامه فيقبل قوله , وإن كان مبطلا في نفس الأمر فيحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ، مع أن ظاهر قول ابن عباس أن طلاق الثلاث يقع واحدة بأية عبارة وقعت .

الثاني : أن معنى قوله كان طلاق الثلاث واحدة أن الطلاق الذي كان يوقع في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر إنما كان يوقع في الغالب واحدة لا يوقع ثلاثا فمراده أن هذا الطلاق الذي توقعونه ثلاثا كان يوقع في ذلك العهد واحدة فيكون قوله فلو أمضيناه عليهم بمعنى لو أجريناه على حكم ما شرع من وقوع الثلاث , وهذا الجواب يتنزل على قوله استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة تنزلا قريبا من غير تكلف ويكون معناه الإخبار عن اختلاف عادات الناس في إيقاع الطلاق لا في وقوعه فالحكم متقرر , وقد رجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة وكذا البيهقي أخرجه عنه قال : معناه أن ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة .

وأجيب عنه : أن هذا يتم إن اتفق على أنه لم يقع في عصر النبوة إرسال ثلاث تطليقات دفعة واحدة وحديث أبي ركانة وغيره يدفعه ، وينبو عنه قول عمر ” فلو أمضيناه ” , فإنه ظاهر في أنه لم يكن مضى في ذلك العصر حتى رأى إمضاءه , وهو دليل وقوعه في عصر النبوة لكنه لم يمض فليس فيه أنه كان وقوع الثلاث دفعة نادرا في ذلك العصر .

انظر ” سبل السلام ” ( 2 / 252 – 254 ) وقال في آخر بحثه :

والأقرب أن هذا رأي من عمر ترجح له كما منع من متعة الحج وغيرها ، وكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكونه خالف ما كان على عهده صلى الله عليه وسلم فهو نظير متعة الحج بلا ريب ، والتكلفات في الأجوبة ليوافق ما ثبت في عصر النبوة لا يليق , فقد ثبت عن عمر اجتهادات يعسر تطبيقها على ذلك ، نعم إن أمكن التطبيق على وجه صحيح , فهو المراد . انتهى .

– وحديثهم الأول ضعفه الشيخ الألباني في ” ضعيف سنن النسائي ” ( 6 / 142 ) .

– وحديثهم الثاني ضعفه الإمامان أحمد والبخاري .

قال ابن القيم رحمه الله :

وهذا هو الحديث الذي ضعفه الإمام أحمد , والناس فإنه من رواية عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير عن ركانة , ومن رواية الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده , وكلهم ضعفاء , والزبير أضعفهم , وضعف البخاري أيضا هذا الحديث , قال : علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه لم يصح حديثه . ” شرح تهذيب سنن أبي داود ” ( 6 / 191 ) .

والصحيح : أن طلاق الثلاث في مجلس واحد أو بلفظ واحد أنه يقع واحدة ، وهو الذي ثبت في السنة الصحيحة – كما مرَّ في رواية مسلم – وأفتى به الأجلة من الصحابة فكان إجماعاً .

عن ابن عباس , قال : طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد , فحزن عليها حزنا شديدا , قال : فسأله رسول الله : كيف طلقتها ؟ قال : طلقتها ثلاثا , قال : فقال : في مجلس واحد ؟ قال : نعم , قال : فإنما تلك  واحدة , فأرجعها إن شئت , قال : فراجعها .

فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر , وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه .

قال ابن القيم :

والمقصود أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يخف عليه أن هذا هو السنة , وأنه  توسعة من الله لعباده ; إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة , وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع مراته كلها جملة واحدة كاللعان , فإنه لو قال : ” أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين ” كان مرة واحدة , ولو حلف في القسامة وقال : ” أقسم بالله خمسين يمينا أن هذا قاتله ” كان ذلك يمينا واحدة , ولو قال المقر بالزنا : ” أنا أقر أربع مرات أني زنيت ” كان مرة واحدة ; فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارا واحدا , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” من قال في يومه سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ” فلو قال : ” سبحان الله وبحمده مائة مرة ” لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة , وكذلك قوله : ” من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين , وحمده ثلاثا وثلاثين , وكبره ثلاثا وثلاثين ” الحديث ; لا يكون عاملا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة , ولا يجمع الكل بلفظ واحد , وكذلك قوله : ” من قال في يومه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ” لا يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة , وهكذا قوله : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات } ، وهكذا قوله في الحديث : ” الاستئذان ثلاث مرات , فإن أذن لك وإلا فارجع ” لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة , وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء , كقوله تعالى : { سنعذبهم مرتين } إنما هو مرة بعد مرة , وكذلك قول ابن عباس ” رأى محمد ربه بفؤاده مرتين ” إنما هو مرة بعد مرة , وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ” .

فهذا المعقول من اللغة والعرف في الأحاديث المذكورة , وهذه النصوص المذكورة وقوله تعالى : { الطلاق مرتان } كلها من باب واحد ومشكاة واحدة , والأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله : { الطلاق مرتان } كما أن حديث اللعان تفسير لقوله لقوله تعالى : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } .

فهذا كتاب الله , وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهذه لغة العرب , وهذا عرف التخاطب , وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب ; فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا لوجد أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها , ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به , بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر . وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر , وهم يزيدون على الألف قطعا كما ذكره يونس بن  بكير عن أبي إسحاق قال : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال : استشهد من المسلمين في وقعة اليمامة ألف ومائتا رجل منهم سبعون من القراء كلهم قد قرءوا القرآن , … وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرارا أو سكوتا , ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم , ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه , بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن , وإلى يومنا هذا , فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس : ” إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحدة فهي واحدة ” وأفتى أيضا بالثلاث , أفتى بهذا وهذا ، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف , حكاه عنهما ابن وضاح , وعن علي رضي الله عنهه وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس , وأما التابعون فأفتى به عكرمة , رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه , وأفتى به طاوس , وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق , حكاه الإمام أحمد وغيره عنه , وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي , وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه , حكاه عنهم أبو المفلس وابن حزم وغيرهما , وأفتى به بعض أصحاب مالك , حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب قولا لبعض المالكية . وأفتى به بعض الحنفية , حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل , وأفتى به بعض أصحاب أحمد , حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه , قال : وكان الجد يفتي به أحيانا …

* والمقصود:

أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم , ولم  يأت بعده إجماع يبطله , ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق , وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة ; فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ; ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل , فإنه كان من أشد الناس فيه , فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرم , فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه ، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق وصدرا من خلافته كان الأليق بهم ; لأنهم لم يتتابعوا فيه , وكانوا يتقون الله في الطلاق , وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا , فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم ; فإن الله تعالى إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة , ولم يشرعه كله مرة واحدة , فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله , وظلم نفسه , ولعب بكتاب الله , فهو حقيق أن يعاقب , ويلزم بما التزمه , ولا يقر على رخصة الله وسعته , وقد صعبها على نفسه , ولم يتق الله ولم يطلق كما أمره الله وشرعه له , بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانا , ولبس على نفسه واختار الأغلظ والأشد ; فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان , وعلم الصحابة رضي الله عنهم حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به , وصرحوا لمن استفتاهم بذلك … 

فليتدبر العالم الذي قصده معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقواهم ربهم تبارك وتعالى في التطليق , فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعا وقدرا , فلما ركب الناس الأحموقة , وتركوا تقوى الله , ولبسوا على أنفسهم , وطلقوا على غير ما شرعه الله لهم , أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معه شرعا وقدر إلزامهم بذلك , وإنفاذه عليهم , وإبقاء الإصر الذي جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه , وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمن …

والذي ندين لله به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه , ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا رواية ولا غيره ; إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث , أو لا يحضره وقت الفتيا , أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة , أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا , أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر , أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه , ولو قدر انتفاء ذلك كله , ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه , لم يكن الراوي معصوما , ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته , وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك . “إعلام الموقعين ” ( 3 / 32 – 38 ) باختصار .

وهذا الذي ذكرناه هو الذي يفتي به علماؤنا المحققون في هذا العصر ، وهو الذي يُعمل به في عامة الدول العربية والإسلامية .

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

رجل طلق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة ، فما الحكم ؟ .

فأجاب :

إذا طلق الرجل امرأته بالثلاث بكلمة واحدة كأن يقول لها ” أنت طالق بالثلاث ” ، أو ” مطلقة بالثلاث ” فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تقع بها الثلاث على المرأة ، وتحرم على زوجها بذلك حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل ، ويطأها ثم يفارقها بموت أو طلاق .

واحتجوا على ذلك بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمضاها على الناس .

وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنها تعتبر طلقة واحدة وله مراجعتها ما دامت في العدة فإن خرجت من العدة حلت له بنكاح جديد ، واحتجوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وسنتين من خلافة عمر رضي الله عنه طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم  ” ، وفي رواية أخرى لمسلم ” أن أبا الصهباء قال لابن عباس رضي الله عنهما : ألم تكن الثلاث تجعل واحدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وثلاث سنين من عهد عمر رضي الله عنه ؟ قال : بلى ” ، واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا ركانة طلَّق امرأته ثلاثاً فحزن عليها فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنها واحدة ” ، وحملوا هذا الحديث والذي قبله على الطلاق بالثلاث بكلمة واحدة جمعاً بين هذين الحديثين وبين قوله تعالى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } [ البقرة / 229 ] ، وقوله عز وجل : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ البقرة / 230 ] الآية .

وذهب إلى هذا القول : ابن عباس رضي الله عنهما في رواية صحيحة عنه ، وذهب إلى قول الأكثرين في الرواية الأخرى عنه ، ويروى القول بجعلها واحدة عن علي وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهم جميعا .

وبه قال جماعة من التابعين ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة وجمع من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما ، وهو الذي أفتى به ؛ لما في ذلك من العمل بالنصوص كلها ؛ ولما في ذلك أيضاً من رحمة المسلمين والرفق بهم .

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 271 ، 272 ) .

وفي فوائد آية { الطلاق مرتان … } قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :

ومنها : الإشارة إلى أن الطلاق المكرر بلفظ واحد ليس بطلاق ؛ بمعنى أنه لا يتكرر به الطلاق ؛ لأن قوله تعالى : { الطلاق مرتان } وصف يجب أن يكون معتبراً ؛ فإذا طلقت امرأتك فقلت : ” أنت طالق ” : فقد طلقت ؛ فإذا قلت ثانية : ” أنت طالق ” فكيف تورد طلاقاً على مطلقة ؛ لأن الطلاق لا يرد إلا على من كانت غير مطلقة حتى يقال : طلقت ؛ وهنا قال تعالى : { الطلاق مرتان } ؛ ولهذا قال الفقهاء – رحمهم الله – : لو أن الرجل طلق امرأته ، وحاضت مرتين ، ثم طلقها بعد الحيضة الثانية لا تستأنف عدة جديدة للطلقة الثانية ؛ بل تبني على ما مضى ؛ وإذا حاضت الثالثة ، وطهرت انقضت عدتها ؛ لأن الطلاق الثاني ليس له عدة ؛ وهذا مما يؤيد اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : أن الطلاق المكرر لا عبرة به إلا أن يصادف زوجة غير مطلقة ؛ ولأن الله سبحانه وتعالى قال : { فطلقوهن لعدتهن } ؛ والفقهاء الذين خالفوا في ذلك يقولون : إنه إذا كرر الطلاق في المرة الثانية لا تستأنف العدة ؛ فإذاً هي مطلقة لغير عدة فلا يقع الطلاق ؛ لأنه سيكون على خلاف ما أمر الله به ؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ” ، وقد قال شيخنا – أي : الشيخ ابن باز – عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : ” إن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه ” ؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق ، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها ، أو عقد عليها عقداً جديداً ؛ وهذا القول هو الراجح ؛ وهو الذي أفتي به ؛ وهو أنه لا طلاق على طلاق حتى لو قال ألف مرة : ” أنت طالق ” ؛ فليس إلا مرة واحدة فقط ؛ ويدل على هذا قول تعالى : { الطلاق مرتان } أي : مرة بعد مرة ؛ فلا بد أن يقع على زوجة غير مطلقة .

” تفسير القرآن الكريم ” ( 3 / 110 ، 111 ) . 

 

والله أعلم.

هل إذا تدخل المرأة في نكاح التحليل إذا نوت المرأة فراق الزوج الثاني لتعود لزوجها الأول؟

هل إذا تدخل المرأة في نكاح التحليل إذا نوت المرأة فراق الزوج الثاني لتعود لزوجها الأول؟

السؤال:

منذ سبعة أشهر طلقت زوجتي ، والتي هي أم لولدين بيننا ، كنت أحبُّها حبّاً شديداً ، لكن نظراً لبعض الوسواس : طلقتها ، وندمت على ذلك ، بعد ذلك بمدة : تزوجتْ من شخص آخر ، ثم طلقها ، فحمدتُ الله على ذلك ، فتزوجتها من جديد ، منذ عدة أيام وجدتها تبكي ، فعندما سألتها في ذلك قالت : إنها ما تزوجت ذلك الرجل إلا ليطلقها ، وقد أخبرته بذلك بعد الزواج ، وقالت له : أنا لا أحبك ، وإنما أحب رجلاً آخر ، فقال لها : طالما أنك تحبين رجلاً آخر فأنتِ طالق .

طبعاً أنا لا أعلم شيئاً عن هذا ، حتى أني لا أعرف زوجها الذي تزوجته ، فهل زواجنا هذا صحيح ، أم أننا ندخل من ضمن الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم ( لعن الله المحلِّل والمحلَّل له ) ؟ . أفتونا مأجورين ، وجزاكم الله خيراً . 

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ) .

رواه الترمذي ( 1120 ) وصححه ، والنسائي ( 3416 ) .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

وصححه ابن القطان ، وابن دقيق العيد على شرط البخاري .

” التلخيص الحبير ” ( 3 / 372 ) .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

ولعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهما : إما خَبَر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما ، أو دُعاء عليهما باللعنة ، وهذا يدلُّ على تحريمه ، وأنه من الكبائر .

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 672 ) .

عن عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ) قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ) . رواه ابن ماجه ( 1936 ) وحسنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

وهذا من أقبح الباطل ، ومن أعظم الفساد ، وهو زانٍ في المعنى ؛ لأنه ما تزوجها لتكون زوجة ، لتعفه ولتبقى لديه لتحصنه ، ليرجو منها وجود الذرية لا ، إنما جاء تيساً مستعاراً ، ليحللها لمَن قبله ، بوطء مرة واحدة ، ثم يفارقها وينتهي منها ، هذا هو المحلل ، ونكاحه باطل ، وليس بشرعي ، ولا تحل للزوج الأول إذا علم هذا ، فإنه يستحق أن يؤدب ، ويعزر بالتعزير البليغ ، الذي يردعه وأمثاله ، وهذه الزوجة لا تحل بذلك ، بل يعزر أيضاً المحلِّل ، وهي كذلك ، إذا كانت راضية ، كلهم يعزرون لهذا العمل السيئ ؛ لأنه نكاح فاسد ، نكاح خبيث ، نكاح منكر ومعصية ، فوجب أن يعزر القائمون به : المحلِّل والمحلِّلة ، والمحلَّل له أيضاً ، كلهم سواء ، فالمرأة إذا كانت راضيةً ، وعالمة بهذا الشيء : فهي أيضاً تستحق التعزير ، والتأديب ؛ لرضاها بالمعصية ، ومواطأتها عليها ، ولو أراد أن يبقى عندها : لم تحل له ، ما دام نكحها بهذه النية ، وبهذا القصد ؛ فإنه نكاح فاسد ، ولا تحل له ، ولا تحل للزوج الأول ؛ لأن هذا ليس بزواج ، والله قال : ( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ، وهذا تيس مستعار ، وليس بزوج شرعي ، فلا يحللها للزوج الأول . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” (20 / 277 ، 278 ) .

ثانياً:

– والأطراف في مسألة نكاح التحليل  ثلاثة : الزوج الأول ، والثاني ، والمرأة – أو المرأة ووليها – .

والمعلوم : أنه إن اتفق الأول والثاني على إنشاء عقد ترجع به المرأة للأول : أنهما ملعونان ، وأن النكاح الثاني فاسد ، ولا تحل للأول ، ومثله : لو نوى الثاني أنه يتزوج المرأة ليرجعها لزوجها ، دون علم الأول .

والمرأة إن كانت جزءً من الاتفاق السابق : كانت مشتركة معهم في الإثم ، واللعن ، وإن كانت عالمة بنية الثاني : كانت كذلك .

وبقيت علينا مسألة ، وهي : ماذا لو نوت المرأة – أو المرأة ووليها – أنها تتزوج من آخر ، لترجع لزوجها الأول دون علم الأول والثاني ؟ .

لا شك أنها آثمة بهذا الفعل ، هل لكن لنيتها تأثير في العقد ؟ فيه خلاف بين العلماء :

– منهم من يرى أنه لا تأثير لنية المرأة ؛ لأنها لا تملك الفراق من زوجها ، ويقولون ” من لا فُرقة بيده لا أثر لنيَّته  ” ، وهو قول الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة ، وأحد أقوال الشافعي .

– والقول الثاني : أن لنيتها تأثيراً ، وهو قول بعض التابعين .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

قال إبراهيم النخعي : ” إذا همَّ الزوج الأول , أو المرأة , أو الزوج الأخير , بالتحليل : فالنكاح فاسد . رواهما حرب الكرماني  .

وعن الحسن , وإبراهيم النخعي , قالا : ” إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد فسد العقد ” . رواهما سعيد . ” إقامة الدليل على إبطال التحليل ” ( ص 8 ، 9 ) .

والصواب : التفصيل ، وهو أن يقال : إن تزوجت المرأة من الثاني بقصد الرجوع للأول ، مع السعي في أسباب طلاقها منه ، أو مخالعته بغير وجه حق ، أو بالخديعة والمكر : كان فعلها محرَّماً ، وله تأثير ، فلا ترجع للأول ، إما لدخولها في ” التحليل ” ، أو من باب ” العقوبة بنقيض القصد ” ، ولا يجوز له إرجاعها إن علم نيتها ، أما مجرد الرغبة في الرجوع للأول : فهذا لا حرج فيها ، ولا تأثم بهذه النية ، ومثله يقال فيمن يشترك معها ممن لا يملك الفرقة ، وهو الزوج الأول ، وأولياؤها ، فمجرد رغبة هؤلاء برجوع المرأة لزواجها الأول : لا حرج فيه ، وأما مع سعيهم لتطليقها من الثاني ، بالدسائس والمكائد ، وبذل الأموال : فهذا مؤثِّر ، ولا شك ، ويمنع من إرجاع المرأة لزواجها الأول ؛ لأن العقد الثاني ينبغي أن يكون بقصد الدوام ، لا التأقيت ، ولذا جاء هنا قوله تعالى ( حتَّى تَنكِح زَوْجاً غَيْرَه ) ولم يقل ” حتى تُنكح من زوجٍ غيره ” ! ولعل هذا هو مقصود من قال بأنه لا تأثير لنية المرأة على العقد ، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله ، حيث قال :

والكلام في هذا الموضع يظهر بيان حال المرأة في النية ، وهي مراتب :

الأولى : أن تنوي أن هذا الزوج الثاني إن طلقها ، أو مات عنها ، أو فارقها بغير ذلك : تزوجت بالأول ، أو ينوي المطلق ذلك أيضاً ، فينوي أن هذا الثاني إن طلقها ، أو فارقها بغير ذلك : تزوجها ، فهذا قصد محض لما أباحه الله ، لم يقترن بهذا القصد فعل منها في الفرقة ، وإنما نوت أن تفعل ما أباحه الله ، إذا أباحه الله : فقد قصدت فعلاً لها معلقاً على وجود الفرقة ، وصار هذا مثل أن ينوي الرجل أن فلانا إن طلق امرأته ، أو مات عنها : تزوجها ، أو تنوي المرأة التي لم تطلَّق أنها إن فارقها هذا الزوج تزوجت بفلان .

فهذه الصور كلها لم تتعلق بهذا العقد ، ولا بفسخه ، فلم تؤثر فيه ، وإنما تعلقت بفعل لها إن رفع العقد ، أو قصد صاحبه رفعه ، فلهذا لم يُشترط أن يكون نكاح المرأة نكاح رغبة ، فإنها إذا ملكت نفسها للزوج فسواء عليه كانت راغبة أو غير راغبة إذا لم تسبب في الفرقة : فإنه ليس بيدها فرقة .

المرتبة الثانية : إن تسبب إلى أن يفارقها من غير معصية غير الاختلاع ، ولا خديعة توجب فراقها ، مثل أن تسأله أن يطلقها ، أو أن يخلعها ، وتبذل له مالاً على الفرقة ، أو تظهر له محبتها للأول ، أو بغضها المقام معه حتى يفارقها : فهذا ينبني على الانتزاع والاختلاع من الرجل ، فنقول : إذا كانت المرأة تخاف أن لا تقيم حدود الله : جاز لها الاختلاع ، وإلا نهيت عنه نهي تحريم ، أو تنزيه ، فإن كانت لم تنو هذا الفعل إلا بعد العقد : فهي كسائر المختلعات ، يصح الخلع ، ويباح أن تتزوج بغيره ، هذا إذا كان مقصودها مجرد فرقته ، وهنا مقصودها التزوج بغيره ، فتصير بمنزلة المرأة التي تختلع من زوجها لتتزوج بغيره ، وهذا أغلظ من غيره .

وإن كانت حين العقد تنوي أن تتسبب إلى الفرقة بهذه الطرق : فهذه أسوأ حالاً من التي حدث لها إرادة الاختلاع لتتزوج بغيره مع استقامة الحال ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال ( المُخْتَلِعات والمُنْتَزِعَات هُنَّ المُنَافِقَات ) : فالتي تختلع لتتزوج بغيره لا لكراهته : أشد ، وأشد ، ومن كانت من حين العقد تريد أن تختلع وتنتزع لتتزوج بغيره : فهي أولى بالذم ، والعقوبة ؛ لأن هذه غارَّة للرجل ، مدلِّسة عليه ، ولو علم أنها تريد أن تتسبب في فرقته : لم يتزوجها ، فكيف إذا علم أن غرضها أن تتزوج بغيره ، بخلاف التي حدث لها الانتزاع ، فإنها لم تخدعه ولم تغره ، وهذا نوع من الخلابة ، بل هو أقبح الخلابة ، ولا تحل الخلابة لمسلم ، وهذه الصورة لا يجب إدخالها في كلام أحمد رضي الله عنه ، فإنه إنما رخص في مطلَق نية المرأة ، ونية المرأة المطلَّقة إنما تتعلق بأن تتزوج الأول ، وذلك لا يستلزم أن تنوي اختلاعا من الثاني لتتزوج الأول ، فإن هذا نية فعل محرم في نفسه لو حدث ، وغايته أن يقال : هو نية مكروهة ، تسوية بينه وبين الاختلاع المطلق – على إحدى الروايتين – ، فأما إذا قارن العقد : فتحريمه ظاهر ؛ لأن ذلك يمنع رغبتها في النكاح وقصدها له ، والزوجة أحد المتعاقدين ، فإذا قصدت بالعقد أن تسعى في فسخه : لم يكن العقد مقصوداً ، بخلاف من قصدت أن العقد إذا انفسخ : تزوجت الأول ، وتحريم هذا أشد من تحريم نية الرجل من وجه ، وذلك التحريم أشد من وجه آخر ، فإن المحلل إذا نوى الطلاق : فقد نوى شيئاً يملكه ، والمرأة تعلم أنه يملك ذلك ، وهذه المرأة الاختلاع والانتزاع لتعود إلى غيره ، وكراهة الاختلاع أشد من كراهة طلاق الرجل ابتداء ، والاختلاع لتتزوج غيره : أشد من مطلق الاختلاع ، وإرادة الرجل الطلاق لا يوقعه في محرم ، فإنه يملك ذلك فيفعله ، وإرادة المرأة الاختلاع قد يوقعها في محرم ، فإنها إذا لم تختلع ربما تعدت حدود الله ، ونية التحليل ليس فيها من خديعة المرأة ما في نية المرأة من خديعة الرجل ، وإنما حرمت تلك النية لحق الله سبحانه ، فإن الله حرم استباحة البضع إلا بملك بنكاح أو ملك يمين، والعقد الذي يقصد رفعه ليس بعقد نكاح، وهذا حال المرأة إذا تزوجت بمن تريد أن يطلقها كحالها إذا تزوجت بمن بدا له طلاقها فيما بعد ، من حيث إنه في كلا الموضعين قطع النكاح عليها ، وهذا جائز له ، وليس تعلق حقها بعينه كتعلق حقه بعينها ؛ فإن له أن يتزوج غيرها ولا حرام عليه إذا كانت محبته لتلك واستمتاعه بها أكثر إذا عدل بينهما في القسْم ، والمرأة إذا تزوجت قاصدة للتسبب في الفُرقة : فهذا التحريم لحقِّ الزوج ؛ لما في ذلك من الخلابة والخديعة له ، وإلا فهو يملكها بهذا العقد ، ويملك أن لا يطلقها بحال ، ومن هذا الوجه صارت نية التحليل : أشد ؛ فإن تلك النية تمنع كون العقد ثابتاً من الطرفين ، وهنا العقد ثابت من جهة الزوج ، بأنه نكح نكاح رغبة ، ومن جهة المرأة فإنها لا تملك الفرقة ، فصار الذي يملك الفرقة لم يقصدها ، والذي قصدها لم يملكها ، لكن لما كان من نية المرأة التسبب إلى الفرقة : صار هذا بمنزلة العقد الذي حرم على أحد المتعاقدين لإضراره بالآخر .

المرتبة الثالثة : أن تتسبب إلى فرقته ، مثل أن تبالغ في استيفاء الحقوق منه ، والامتناع من الإحسان إليه ، لست أعني أنها تترك واجباً تعتقد وجوبه ، أو تفعل محرَّماً تعتقد تحريمه ، لكن غير ذلك مثل أن تطالبه بالصداق جميعه ، ليفسخ ، أو يُحبس ، أو …. .

– فظهر أنه لا يجوز اختلاعها رغبة في نكاح غيره ولا العقد بهذه النية ولا يحل أمرها .

المرتبة الرابعة: أن تتسبب إلى فرقته بمعصية مثل أن تنشز عليه ، أو تسيء العشرة ، بإظهار الكراهة في بذل حقوقه ، أو غير ذلك ، مما يتضمن ترك واجب ، أو فعل محرم ، مثل طول اللسان ، ونحوه : فإن هذا لا ريب أنه من أعظم المحرمات ، وكل ما دل على تحريم النشوز ، وعلى وجوب حقوق الرجل : فإنه يدل على تحريم هذا ، وهذا حرام من ثلاثة أوجه : من جهة أنه في نفسه محرم ، ومن جهة أنها تقصد به أن تزيل ملكه عنها بفعل هو فيه مكرَه إذا طلق ، أو خلَع مفادياً من شرها ، والاحتيال على إبطال الحقوق الثابتة : حرام بالاتفاق ، ومن جهة أن مقصودها أن تتزوج غيره ، لا مجرد التخلص منه ، وقريب من هذا : أن تُظهر معصيةً تنفِّره عنها ليطلقها ، مثل أن تريه أنها تتبرج للرجال الأجانب ، ويكونوا في الباطن ذوي محارمها ، فيحمله ذلك على أن يطلقها ؛ فإن هذا الفعل حرام في نفسه ؛ إذ لا يحل للمرأة أن تُري زوجها أنها فاجرة ، كما لا يحل لها أن تفجر ؛ فإن هذا أشد إيذاء له من نشوزها عنه ، فهذا أشد تحريماً، وأظهر إبطالاً للعقد الثاني من خِطبة الرجل على خطبة أخيه .

وبالجملة : فهذه قصدت الفسخ بفعل محرم ، فالواجب أن تلحق بالتي قبلها ، إذ لا فرق بين أن يكون الفعل المحرم يوجب الفسخ مباشرة ، أو بطريق التسبب المفضي إليه غالباً ، أو السبب المغلب بالمباشرة .

المرتبة الخامسة : أن تفعل هي ما يوجب فرقتها ، مثل أن ترتد ، أو ترضع امرأة صغيرة حتى تصير من أمهات النساء ، أو تباشر أباه ، أو ابنه ، وقد قدمنا أن مثل هذه المرتدة : لا ينبغي أن ينفسخ نكاحها ، فأما الإرضاع والمباشرة : فينفسخ بهما النكاح ، فهذا أيضاً تحريمه مقطوع به ، وهذا قد أزيل نكاحه بغير فعل منه ، كما صرف الخاطب بغير فعل منه ، ثم إزالة النكاح الذي قد حصل : ليس مثل منع المنتظر ، فإذا كانت قد قصدت هذا حين العقد : فقد تعددت المحرمات ، وفساد العقد الثاني هذا أظهر من فساد عقد الخاطب الثاني بكثير ، وفساد العقد الأول هنا محتمل ؛ فإن هذه بمنزلة المحلِّل حيث نوت أن تفعل ما يوجب الفرقة ، كما نوى الرجل الفرقة ، ولا فرق بين نية الفرقة ونية سبب الفرقة .

وبالجملة : فهذه قصدت الفسخ بفعل محرم ، فالواجب أن تلحق بالتي قبلها ؛ إذا لا فرق بين أن يكون الفعل المحرم يوجب الفسخ مباشرة ، أو بطريق التسبب المفضي إليه غالباً ، أو السبب المغلب بالمباشرة .

المرتبة السادسة : أن تقصد وقت العقد الفرقة بسبب تملكه بغير رضى الزوج ، مثل أن تتزوج بفقير تنوي طلب فرقته بعد الدخول بها : فإنها تملك ذلك في إحدى الروايتين عن أحمد وغيره ، فإنها إذا رضيت بمعسر ثم سخطته : ففي ثبوت الفسخ قولان معروفان ، فهذه إلى المحلَّل أقرب من التي قبلها ، إذ السبب هنا مملوك لها شرعاً ، كطلاق المحلِّل ، بخلاف ما لو قالت : لم أعلم أنه معسر ، أو : لم أعلم أنه ناقص عني ليس بكفء ، أو لم أعلم أنه معيب : فإن هذا يثبت لها الفسخ ، لكن إذا نوت ذلك : فقد نوت الكذب ، فتصير من جنس التي قبلها إذا نوت الإرضاع ، أو المباشرة .

– ومتى تزوجت على هذا الوجه ، وفارقت : فهي كالرجل المحلِّل ، وأسوأ ، فلا يحل …

لكن نيتها تؤثر في جانبها خاصة فلا يحصل لها بهذا النكاح حلُّها للأول ، حيث لم تقصد أن تَنْكِح ، وإنما قصدت أن تُنْكح ، والقرآن قد علَّق الحلَّ بأن تَنْكِحَ زوْجاً غيره ، وقد تقدم أن قوله : ( حتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) : يقتضي أن يكون هناك نكاح حقيقة من جهتها لزوج هو زوج حقيقة ، فإذا كان محلِّلا لم يكن زوجاً بل تيساً مستعاراً ، وإذا كانت قد نوت أن تفعل ما يرفع النكاح : لم تكن ناكحة حقيقة ، وهذه المسائل المتعلقة بهذا النوع من الأحكام دقيقة المسلك وتحريرها يستمد من تحقيق اقتضاء النهي .

وهذه المراتب التي ذكرناها في نية المرأة لا بد من ملاحظتها ، ولا تحسبن أن كلام أحمد وغيره من الأئمة أن نية المرأة ليست بشيءٍ يعم ما إذا نوت أن تفارق بطريقٍ تملكه ؛ فإنهم عللوا ذلك بأنها لا تملك الفرقة ، وهذه العلة منتفية في هذه الصورة ، ثم إنهم قالوا : إن نية المرأة ليست بشيء ، فأما إذا نوت وعمِلت ما نوت : فلم ينفوا تأثير العمل مع النية ، على أن النية المطلقة إنما تتعلق بما يملكه الناوي ، فعلم أنهم أرادوا بالنية أن تتزوج بالأول ، ولا ريب أنها إذا نوت أن تتزوج بالأول : لم يؤثر ذلك شيئاً كما تقرر ؛ فإن هذه النية لا تتعلق بنكاح الثاني ، ولم يكن اللفظ يقتضي ذلك ؛ فإن العرف قد دل على أن نية المرأة عند الإطلاق هي نية مراجعة الأول إذا أمكنت ، فأما إذا نوت فعلاً محرَّماً ، أو خديعة ، أو مكراً ، وفعلت ذلك : فهذا نوع آخر ، وبهذا التقسيم يظهر حقيقة الحال في هذا الباب ، ويظهر الجواب عما ذكرناه من جانب من اعتبر نية المرأة مطلقاً ، والمسألة تحتمل أكثر من هذا ، ولكن هذا الذي تيسر الآن .

الفتاوى الكبرى – (6 / 304 – 320 ) باختصار .

وهو الذي رجحه الشيخ العثيمين رحمه الله ، حيث قال :

وماذا لو نوته الزوجة ، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول ؟ فظاهر كلام المؤلف : أنه لا أثر لنية الزوجة ؛ ووجهه : أنه ليس بيدها شيء ، والزوج الثاني لا يطلقها ؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة ، فليس على باله هذا الأمر ، فإن لم تنوه هي ، ولكن نواه وليها : فكذلك .

ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة ، قال : ” مَن لا فُرقة بيده : لا أثر لنيته ” ، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما ؛ لأنه لا فُرقة بيدهما .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها : كنية الزوج ، وهو خلاف المذهب ، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما ، لكن قالوا : بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح ، بأن تنكِّد على الزوج حتى يطلقها ، أو يغروه بالدراهم ، والنكاح عقد بين زوج وزوجة ، فإذا كانت نية الزوج مؤثرة : فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً .

فعندنا ثلاثة : الزوج ، والزوجة ، والولي ، والذي تؤثر نيته منهم هو : الزوج ، على المذهب ، والقول الراجح : أن أي نية تقع من واحدٍ من الثلاثة : فإنها تبطل العقد ؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم : ( إنما الأعمال بالنيات ) والولي حينما عقد لم ينوِ نكاحاً مستمراً دائماً ، وكذلك الزوجة .

فإذا قال قائل : امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير رضي الله عنهما ، وجاءت تشكو للرسول عليه الصلاة والسلام أن ما معه مثل هدبة الثوب ، فقال لها : ( أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ ) ، فقالت : ” نعم ” : ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر ؟ نقول : هذه الإرادة ، هل هي قبل العقد ، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب ؟ الذي يظهر : أنها بعد أن رأته ؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها ، وليس عندها أي ممانعة ، ثم جاءت تشتكي : فظاهر الحال : أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي ، والله أعلم ، وإن كان الحديث فيه احتمال . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 177 ، 178 ) .

وهذا القول هو الراجح ، وبه يُعلم الجواب عن مسألتك ، في حكم تزوج زوجته من الثاني ، وطلب الطلاق منه ، وأن حالها أن نوت أصلاً في العقد الثاني عدم الديمومة ، وأنها فعلت ما لا تسبب في طلاقها ، وهو ما لا يحتمله الأزواج من قول الزوجة له إنها لا تحبه ، وتحب أحداً غيره ! ومن ذا الذي يرضى بإمساك مثل هذه المرأة ؟! فنرى أن طلاقها من الثاني صحيح ، وأنك أنت والثاني لستما داخليْن في اللعن الوارد في الحديث ، وأما هي : فنعم هي داخلة فيه ، ولا يحل لها التزوج بك ، ونرى أن عليك فسخ النكاح ، وعليها أن ترجع ما أخذته منك من مال ومهر – إن أردتَ ذلك – ؛ لأنها هي الخادعة لك ، والمتسببة بفسخ نكاحك منها .

ونوصي الجميع بالاطلاع على الكتاب العلمي المتقن ” إقامة الدليل على إبطال نكاح التحليل ” لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أفرد للمسألة ذلك الكتاب الخاص، فأبدع، وأجاد، وأفاد.

 

والله أعلم.