الرئيسية بلوق الصفحة 336

جماعة التبليغ ما لها وما عليها

جماعة التبليغ ما لها وما عليها

ما حكم الجماعات (من الباكستان والهند وجميع الأمصار) التي تقضي أربعة أشهر وأربعين يوماً في مختلف أنحاء العالم لدعوة المسلمين إلى واجباتهم الدينية ؟ .
الرجاء اعتبار سؤالي مُلحّاً.
الجواب
الحمد لله
” جماعة التبليغ ” من الجماعات العاملة للإسلام ، وجهدها في الدعوة إلى الله لا يُنكر ، ولكنها مثلها مثل كثير من الجماعات تقع في أخطاء ، وعليها ملاحظات ، ويمكن إجمال الملاحظات بما يلي :
1. عدم تبني عقيدة أهل السنة والجماعة ، وذلك واضح في تعدد عقائد أفرادها بل بعض قادتها .
2. عدم اهتمامهم بالعلم الشرعي ، بل رأينا من كثير منهم ذم العلم والعلماء .
3. تأويلهم للآيات القرآنية ونقلهم لمعانيها على غير مراد الله تعالى ، ومن ذلك تأويلهم لآيات الجهاد بأن المقصود بها ” الخروج للدعوة ” ، وكذا الآيات التي لفظ ” الخروج ” ومشتقاته إلى الخروج في سبيل الله للدعوة .
4. جعلهم الترتيب الذي يحددونه في الخروج متعبَّداً به ، فراحوا يستدلون بالآيات القرآنية ويجعلون المقصود منها ما يحددونه من أيام وأشهر ، ولم يقتصر الأمر على مجرد الترتيب بل ظل بينهم شائعاً منتشراً مع تعدد البيئات وتغير البلدان واختلاف الأشخاص .
5. وقوعهم في بعض المخالفات الشرعية من نحو جعلهم رجلاً منهم يدعو أثناء خروج الجماعة للدعوة إلى الله ، ويعلقون نجاحهم وفشلهم على صدق هذا الداعي والقبول منه .
6. انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بينهم وتبليغهم لها للناس ، وهذا لا يليق بالذي يتصدى للدعوة إلى الله .
7. عدم كلامهم عن ” المنكرات ” ، ظنهم أن الأمر بالمعروف يغني عنه ، ولذا نجدهم لا يتكلمون عن المنكرات الفاشية بين الناس مع أن شعار هذه الأمة – وهم يرددونه باستمرار – { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }
[ آل عمران / 104 ] ، فالمفلحون هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وليس فقط من يأتي بأحدهما .
8. ما يقع من بعضهم من الإعجاب بالنفس والغرور ويؤدي به ذلك إلى ازدراء غيره – بل والتطاول على أهل العلم ووصفهم بأنهم قاعدون ونائمون – ووقوعه في الرياء ، فتجده يتحدث أنه خرج وسافر وانتقل وأنه رأى وشاهد ، وهو يؤدي إلى وقوعه فيما لا يحمد مما ذكرنا .
9. جعلهم الخروج للدعوة أفضل من كثير من العبادات كالجهاد وطلب العلم ، مع أن ما يفضلونه عليه هو من الواجبات أو قد يصير واجباً على أناس دون غيرهم .
10. الجرأة على الفتوى والتفسير والحديث ، وذلك واضح في كونهم يجعلون كل واحد منهم يخاطب الناس ويبين لهم ، وهو يؤدي إلى جرأة هؤلاء على الشرع ، فلن يخلو كلامه من بيان حكم أو حديث أو تفسير آية ، وهو لم يقرأ في ذلك شيئاً ، ولم يسمع أحداً من العلماء لينقل عنه ، وبعضهم يكون من المسلمين أو المهتدين حديثاً .
11. التفريط في حقوق الأبناء والزوجة ، وقد بيَّنا خطر هذا الأمر في جواب السؤال رقم
( 3043 ) .

لذا فإن العلماء لم يجوزوا الخروج معهم إلا لمن أراد أن يفيدهم ، وأما الخروج معهم والتأثر بهم فلا يجوز لأنه ليس عندهم ما يستفيده المسلم منهم .
ولا ينبغي لنا أن نصد الناس عنهم بإسقاطهم بالكلية بل علينا أن نحاول إصلاح الخطأ والنصيحة لهم حتى تستمر جهودهم وتكون صائبة على وفق الكتاب والسنة .
وهذه فتاوى بعض العلماء في ” جماعة التبليغ ” :
1. قال الشيخ عبد العزيز بن باز :
فإن جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرة في مسائل العقيدة ، فلا يجوز الخروج معهم إلا لمن لديه علم وبصيرة بالعقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنّة والجماعة حتى يرشدهم وينصحهم ويتعاون معهم على الخير لأنهم نشيطون في عملهم لكنهم يحتاجون إلى المزيد من العلم وإلى من يبصرهم من علماء التوحيد والسنَّة ، رزق الله الجميع الفقه في الدين والثبات عليه .
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 8 / 331 ) .
2. قال الشيخ صالح الفوزان :
الخروج في سبيل الله ليس هو الخروج الذي يعنونه الآن ، الخروج في سبيل الله هو الخروج للغزو ، أما ما يسمونه الآن بالخروج فهذا بدعة لم يرد عن السلف .
وخروج الإنسان يدعو إلى الله غير متقيد في أيام معينة بل يدعو إلى الله حسب إمكانيته ومقدرته ، بدون أن يتقيد بجماعة أو يتقيد بأربعين يوماً أو أقل أو أكثر.
وكذلك مما يجب على الداعية أن يكون ذا علم لا يجوز للإنسان أن يدعو إلى الله وهو جاهل ، قال تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة } ، أي : على علم لأن الداعية لابد أن يعرف ما يدعو إليه من واجب ومستحب ومحرم ومكروه ويعرف ما هو الشرك والمعصية والكفر والفسوق والعصيان يعرف درجات الإنكار وكيفيته .
والخروج الذي يشغل عن طلب العلم أمر باطل لأن طلب العلم فريضة وهو لا يحصل إلا بالتعلّم لا يحصل بالإلهام ، هذا من خرافات الصوفية الضالة ، لأن العمل بدون علم ضلال ، والطمع بحصول العلم بدون تعلم وهم خاطئ.
من كتاب ” ثلاث محاضرات في العلم والدعوة ” .

والله أعلم

هل نأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة؟

السلام عليكم
هناك الحديث المتواتر وحديث الآحاد ، قال أحدهم بأنه لا يمكن أن نقبل بحديث الآحاد في العقيدة فهل هذا صحيح ؟
هل يمكن أن تذكر دليلاً قاطعاً يثبت أن حديث الآحاد لا يؤخذ به في العقيدة ؟
هل يمكن أن تخبرنا كيف أن الإمام الشافعي لم يأخذ بخبر الآحاد ؟
يقولون أن الظن والتخمين لا يجب أن نأخذها في العقيدة ، ويقولون أن أكثر العلماء قالوا أن أحاديث الآحاد مبنية على الظن وليست عن علم .
هل يمكن أن تساعدنا وتذكر لنا أكثر ما تستطيع من الأدلة ؟
جزاك الله خيراً و السلام عليكم
ج 6875
الحمد لله
أولاً : إن أردنا أن نثبت شيئاً من دين الله أو أن ننفيه في العقيدة فيجب علينا أن نتحرى عقيدة أهل السنة و الجماعة وعقيدة الصحابة الكرام والتابعين الأولين ومن سار على نهجهم من أهل السنة بعيداً عن هرطقات أهل البدع وضلالاتهم .
فالمسألة التي نحن بصددها وهي مسألة رد خبر الواحد في العقيدة ، وأنه لا يقبل في العقيدة إلا المتواتر ، من أين جاء هذا القول ؟ هل حكاه القرآن الكريم ؟ هل جاء به حديث من رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ هل قال به أبو بكر وعمر وسائر الصحابة وعلموه لمن بعدهم ؟
الجواب : لا .
إنما هو قول زمرة أهل البدع من الخوارج والمعتزلة وغيرهم .
ثم إننا نسألهم ما دام أنكم لا تقبلون في العقيدة إلا المتواتر – وهذه المسألة من العقيدة – أين الحديث المتواتر الذي جاء بهذا ؟ .
إن عقيدة الصحابة الكرام ومن سار على نهجهم أنهم لا يرفضون كلام النبوة ولم ينشأوا على هذا وليس هذا من أخلاقهم بل يسلمون لأقوال الأنبياء ولا يميزون بين خبر الواحد أو غيره ، فلم يتعلموا على رد كلام الأنبياء .
و أما قولهم : إن خبر الواحد يفيد الظن فهو قول غير مسلم به ، والصحيح أنه يفيد العلم إذا احتفت به القرائن التي تدل على ذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
بل الناس يعلمون أن خبر الواحد قد يقوم دليل على صدقه فيعلم أنه صدق وإن كان خبرَ واحدٍ وقد يقوم الدليل على كذبه فيعلم أنه كذب وإن أخبر به ألوف إذا كان خبرهم على غير علم منهم بما أخبروا به أو عن تواطئ منهم على الكذب مثل إخبار أهل الاعتقادات الباطلة بالباطل الذي يعتقدونه ، وأما إذا أخبروا عن علم منهم بما أخبروا به فهؤلاء صادقون في نفس الأمر ويعلم صدقهم تارة بتوافق أخبارهم من غير مواطأة ولو كانا اثنين فإن الاثنين إذا أخبرا بخبر طويل أسنداه إلى علم وقد ما لم يقطع بثبوته ولا انتفائه قد يتفق في العادة تماثلهما فيه في الكذب أو الغلط علم أنه صدق وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلائل تدل على صدقه ويعلم صدق خبر الواحد بقرائن تقترن بخبره يعلم بها صدقه وتلك الدلائل والقرائن قد تكون صفات في المخبر من علمه ودينه وتحريه الصدق بحيث يعلم قطعا أنه لا يتعمد الكذب كما يعلم علماء أهل الحديث قطعا أن ابن عمر وعائشة وأبا سعيد وجابر بن عبد الله وأمثالهم لم يكونوا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم بل يعلمون علما يقينيا أن الثوري ومالكا وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل والبخاري وأبا زرعة وأبا داود وأمثالهم لا يتعمدون الكذب في الحديث .
” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” ( 6 / 481 ، 482 ) .
وقال رحمه الله :
ولا ريب أن المحققين من كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه الضروري بخبر المخبر بل القرائن وحدها قد تفيد العلم الضروري كما يعرف الرجل رضاء الرجل وغضبه وحبه وبغضه وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها كما قال تعالى { ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم } ثم قال { ولتعرفنهم في لحن القول } فأقسم أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن القول وعلق معرفتهم بالسيما على المشيئة لأن ظهور ما في نفس الإنسان من كلامه أبين من ظهوره على صفحات وجهه وقد قيل ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه فإذا كان مثل هذا يعلم به ما في نفس الإنسان من غير إخبار فإذا اقترن بذلك أخباره كان أولى بحصول العلم .
” العقيدة الأصفهانية ” ( 1 / 124 ) .
و إن كان خبر الواحد ظنّاً : فهو ظن راجح يؤخذ به وهذه هي عقيدة العلماء الذين كانوا يتبعون السلف الصالح .
و الأدلة على ذلك ما يلي :
عن البراء بن عازب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك قال زهير حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } البخاري ( 41 ) ومسلم ( 525 ) .
فلم يقل الصحابة وهم في الصلاة للذي جاءهم بخبر القبلة : أنت واحد فأتنا بآخر وآخر حتى تبلغوا حد التواتر ثم نتبعكم بل استداروا وهم في الصلاة ، ومسألة القبلة والاتجاه في الصلاة له ارتباط وثيق بالعقيدة .
قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } [ الحجرات / 6 ] .
ومفهوم الآية : أنه إذا لم يكن فاسقاً فلا داعي للتثبت ويؤخذ رأيه وقوله .
قال الله تعالى { و ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } [ التوبة / 122 ] .
والطائفة : تعني الواحد فما فوق .
عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” نضر الله عبداً سمع مقالتي هذه فحملها فرب حامل الفقه فيه غير فقيه ورب حامل الفقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم إخلاص العمل لله عز وجل و مناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ” .
رواه أحمد ( 12937 ) وابن ماجه ( 236 ) .
هذا حامل فقه واحد يدعو له الرسول صلى الله عليه و سلم بالنضارة و لم يدع له أن يجد من الناس من يبلغ معهم حد التواتر ليبلغوا الفقه عنه و مما لا ينكره الجاهل فضلاً عن العالم أن العقيدة هي رأس الفقه و أساسه .
عن أنس بن مالك أنه قال : ” كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الأنصاري وأبي بن كعب شرابا من فضيخ وتمر قال فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة يا أنس قم إلى هذه الجرار فاكسرها قال فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت ” .
رواه البخاري ( 6862 ) ومسلم ( 1980 ) .
فهؤلاء النفر من الصحابة اعتقدوا حرمة الخمر وقد جاءهم به واحد ولم يطلبوا أكثر من واحد ليعتقدوا حرمة الخمر .
قال ابن حزم :
ولم يختلف أحدٌ من الأمم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الملوك رسولا رسولاً واحداً إلى كل مملكة يدعوهم إلى الإسلام واحداً واحداً إلى كل مدينة وإلى كل قبيلة كصنعاء والجند وحضرموت وتيماء ونجران والبحرين وعمان وغيرها يعلمهم أحكام الدين كلها ، وافترض على كل جهة قبول رواية أميرهم ومعلمهم ، فصح قبول خبر الواحد الثقة عن مثله مبلغاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
” المحلى ” ( 1 / 52 ) .

ثانياً : وأما القول بأن هذا رأي أكثر العلماء فهذا قول خطأ ، بل إن قول جمهور العلماء والسلف منهم خاصة على الأخذ بقول الآحاد في العقيدة .
قال الإمام ابن القيم :
فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين و إجماع أئمة الإسلام ووافقوا الجهمية والمعتزلة والرافضة الخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة تبعوا بعض الأصوليين .
” مختصر الصواعق المرسلة ” ( ص 457 ) .

ثالثاً : أما عقيدة الإمام الشافعي في ذلك فهو متابع لمن سبقه من أئمة الدين .
قال الشافعي :
فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصا منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ولو شك في هذا شاك لم نقل له تب وقلنا ليس لك إن كنت عالماً أن تشك كما ليس لك ألا تقضي بشهادة العدول وإن أمكن فيهم الغلط ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم و الله ولي ما غاب عنك من ذلك .
نقلاً عن أصل الاعتقاد ( ص 21 ) .
قال ابن القيم :
فمَن نصَّ على أن خبر الواحد يفيد العلم : مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ، ونصَّ عليه : الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاربي .
” مختصر الصواعق ” ( ص 457 ) .
هذه عقيدة الشافعي لمن أراد أن يتبع الشافعي ـ رحمه الله ـ .
يقول الشيخ عمر الأشقر ـ حفظه الله ـ :
ومما يدل على أن الشافعي لا يفرق بين العقيدة والعمل في حديث الآحاد أنه روى الحديث الذي رواه البخاري و مسلم عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس من بني إسرائيل فقال ابن عباس : كذب عدو الله ، أخبرني أبي بن كعب قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ذكر حديث موسى و الخضر بشيء يدل على أن موسى عليه السلام صاحب الخضر .
هذا الحديث أخرجه الشافعي مختصراً ثم قال :
فابن عباس مع فقهه وورعه يثبت خبر أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى يكذب به امرءاً من المسلمين إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من دلالة على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر .
” أصل الاعتقاد ” ( ص 24 ) .
يقول الشيخ ناصر الدين الألباني ـ معقباً على كلام الشافعي هذا :
وهذا القول من الإمام الشافعي – رحمه الله – دليل على أنه لا يرى التفريق بين العقيدة والعمل في الاحتجاج بخبر الآحاد لأن كون موسى عليه السلام هو صاحب الخضر عليه السلام مسألة علمية و ليست حكماً عملياً كما هو بيِّن .
” الحديث حجة بنفسه ” ( ص 34 ) .

والله أعلم .

ما هي حجية قول الصحابي وحديث ابن عمر في القبضة

السؤال : إذا لم أجد حلاً لمسألة ما ؛ لا في القرآن أو السنة ، فهل أعتد بقول الصحابة في هذه المسألة ؟ أرجو تقديم مثال لذلك ، وهل ما يقال صحيح من أن الصحابي الذي يروي الحديث أعلم الناس بالمسألة التي يرويها حلالها وحرامها ؟ فمثلاً ابن عمر روى أحاديث كثيرة عن إعفاء اللحى ومع ذلك هو يأمر الناس بقص اللحية ( ما زاد عن القبضة ) ولم ينكر الصحابة عليه ؟
ج 3296
الحمد لله
أولاً :
اختلف العلماء في حجية قول الصحابي على مسالك :
1. إذا اجتمع الصحابة كلهم على قول ، فهذا حجة عند العلماء كلهم دون نزاع يعلم .
2. إذا قال نفر من الصحابة برأيهم مع علم سائرهم بذلك و سكوتهم :
أ. قال بعض العلماء : هو إجماع ملزم وقد سمَّوْه إجماعاً سكوتياً .
ب. وقال آخرون : ليس بإجماع .
أما حجة الأولين : أنه يستحيل أن يسكت الصحابة كلهم على ما يرون أن الحق في ما سواه وهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر .
يقول الحافظ العلائي :
ففي ترك الاجتهاد إهمال حكم الله تعالى فيما وجب عليهم ، ولا يظن بهم ذلك لما فيه من المعصية ، والأصل براءتهم منها .
” إجمال الإصابة في أقوال الصحابة ” ( ص 27 ) .
ورد عليهم القائلون بعدم حجيته بأن السكوت قد يكون خشية الفتنة ، أو أن يكون بسبب أن بعضهم يرى أن كل مجتهد مصيب ، أو لاعتقاده أن الخلاف في المسألة سائغ ، وقد يسكت الصحابي لأنه لم يجتهد في المسألة ، أو اجتهد ولم يترجح له من ذلك شيء ، وقد ينكر القول على صاحبه فلا ينتشر إنكاره ، وقد لا يكون وصلته المسألة أصلاً .
ج. وقال بعضهم : هو حجة فيما يتكرر و يكثر ذكره ويحتاج إليه ، أو فيما لا يمكن استدراكه كإقامة الحدود مِن قطع أو جلد أو قصاص لأنه لو كان الأمر خلافه لكان منكراً لا يجوز السكوت عليه .
والراجح من هذا كله :
أن الإجماع السكوتي ليس بحجة لكثرة الاحتمالات في عدم نقل قول المخالف ، ولم يتكفل الله تعالى حفظ أقوالهم .
3. إذا كان الأمر من أحد الخلفاء الراشدين أو منهم مجتمعين فهو حجة إن لم يخالفه الصحابة في ذلك لقول النبي صلى الله عليه و سلم من حديث العرباض بن سارية قال : “وعظنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ “.
رواه الترمذي ( 2600 ) وأبو داود ( 3991 ) وابن ماجه ( 42 ) .
والحديث قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
و خاصة إن كان ذلك من أبي بكر وعمر .
عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ” .
رواه الترمذي ( 3595 ) وابن ماجه ( 94 ) .
والحديث : حسَّنه الترمذي وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” .
ثانياً :
أما إن انفرد أحد الصحابة في رأي و خالفه بعضهم فليس قول أحد منهم حجة لاختلافهم ويرجع عندئذ للرأي والقياس والتماس العلل .
ومن الأمثلة على ذلك : اختلافهم في التيمم للجنب .
عن شقيق قال : ” كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري فقال له أبو موسى : لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كان يتيمم ويصلي فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة { فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً } ، فقال عبد الله : لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد ، قلت : وإنما كرهتم هذا لذا ؟ قال : نعم ، فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تَمَرَّغ الدابة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا ” فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بها وجهه ، فقال عبد الله : أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار .
رواه البخاري ( 334 ) ومسلم ( 552 ) .
فهذا الحديث يدل على اختلاف ثلاثة من الصحابة عمر و ابن مسعود لا يريان التيمم للجنب و عمار يرى ذلك ، فعندئذ لا يكون قول أحد منهم حجة و ننظر في رجحان الدليل .
ولا يعرف على وجه الأرض عالِم يقول بقول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما .
ثالثاً :
ولا يلزم من كون الراوي من الصحابة أو من غيرهم أن يكون أعلم بمرويه إذا خالفه ، فقد يروي الرواية وينساها ، وقد يتأولها على غير وجهها ويخالفه من هو أعلم منه .
أما المسائل التي ليس لها دليل من الكتاب والسنة واجتهد الصحابة فيها مسألة كم يجلد شارب الخمر روى الطحاوي في شرح معاني الآثار ج: 3 ص: 153 عن علي قال : ” ما حددت أحدا حدا فمات فيه فوجدت في نفسي شيئا إلا الخمر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسن فيها شيئا”
قال الطحاوي 🙁 فهذا علي رضي الله عنه يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن سن في شرب الخمر حدا ثم الرواية عن علي رضي الله عنه في حديث شارب الخمر فعلى خلاف ما في الحديث الأول أيضا من اختياره الأربعين على الثمانين حدثنا علي بن شيبة قال ثنا أبو نعيم قال ثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال أتى علي بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين ثم أمر به إلى السجن ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ثم قال إنما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في رمضان وجرأتك على الله حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال ثنا أبو عامر قال ثنا سفيان عن أبي مصعب عن أبيه أن رجلا شرب الخمر في رمضان ثم ذكر نحوه حدثنا يونس قال أخبرنا بن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد الليثي أن بن شهاب حدثه أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رجلا من كلب اسم قبيلة من العرب يقال له وبرة أخبره أن أبا بكر الصديق كان يجلد في الشراب أربعين وكان عمر يجلد فيها أربعين قال فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب فقدمت عليه فقلت يا أمير المؤمنين إن خالدا بعثني إليك قال فيم قلت إن الناس قد تخاوفوا العقوبة وانهمكوا في الخمر فما ترى في ذلك فقال عمر لمن حوله ما ترون فقال علي بن أبي طالب نرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة فقبل ذلك عمر فكان خالد أول من جلد ثمانين ثم جلد عمر بن الخطاب ناسا بعده حدثنا علي بن شيبة قال ثنا روح بن عبادة قال ثنا أسامة بن زيد الليثي فذكره بإسناده مثله غير أنه قال فأتيت عمر فوجدت عنده عليا وطلحة والزبير أو عبد الرحمن بن عوف وهم متكئون في المسجد فذكر مثل ما في حديث يونس غير أنه زاد في كلام علي أنه قال إذا سكر هذى وإذا هذى إفترى وعلى المفتري ثمانون وتابعه أصحابه ثم ذكر الحديث أفلا ترى أن عليا رضي الله عنه لما سئل عن ذلك ضرب أمثال الحدود كيف هي ثم استخرج منها حدا برأيه فجعله كحد المفتري ولو كان عنده في ذلك شيء موقت عن النبي صلى الله عليه وسلم لأغناه عن ذلك ولو كان عند أصحابه رضي الله عنهم في ذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء إذا لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب الأمثال فدل ما ذكرنا منه ومنهم أنه لم يكن عندهم في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء كيف يجوز أن يقبل بعد هذا عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا )اهـ
انتهى كلام الإمام الطحاوي رحمه الله .شرح معاني الآثار 3/155 .
و الله تعالى أعلم .

هل هناك اختلاف بين الشرائع في الحلال والحرام؟

ما الفرق بين الشرائع في الحلال والحرام؟

مثل الشرك والزنا محرمة مع ذلك فهناك أشياء معينة تكون حراماً وحلالاً طبقاً لظروف رسالة كل نبي. فمثلاً داوود عليه السلام كان مباحاً له العزف على المزمار. فما الفرق؟
الحمد لله
أولاً :
هذه المسألة من المسائل المبحوثة عند أهل العلم قديماً وحديثاً ،وهي” هل شرع من قبلنا هو شرع لنا ؟ ” ، وتعريفها :
ومعنى ” شرع من قبلنا ” : أي : ما جاء به الرسل من الشرائع إلى الأمم التي أرسلوا إليها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم .
فأما بالنسبة لأصول الدين كوحدانية الله تعالى ، والإيمان بالبعث ، والجنة والنار والملائكة .
قال الله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ، وموسى ، وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [ الشورى / 13 ] .
ومثله : محاسن الأخلاق ، والنهي عن سيئها .
أما بالنسبة لمسائل الفروع العملية فإن الشرائع تختلف فيما بينها ؛ ولذلك أسباب منها اختلاف البيئات والأزمنة ، ومنها ما يتعلق بالمُرسل إليهم حيث يعاقبهم الله تعالى بتحريم بعض الطيبات ، كما حرم على اليهود بعض أجزاء الحيوان ، قال تعالى : {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر،ومن البقر والغنم،حرمنا عليهم شحومهما إلا ماحملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم }[ الأنعام / 146 ]
ولذا اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة ، ويمكن تقسيم المسألة إلى أقسام ثلاثة :
1. فما كان من الشرائع السابقة وورد ما يدل على إقراره : فهو شرع لنا ، كالترغيب بصيام داود عليه السلام وقيامه .
2. فإن ورد ما يدل على نسخه : فليس شرعا لنا بالاتفاق ، كحل الغنائم لنا وقد كانت محرمة على من كان قبلنا .
3. وإن سكت شرعنا عن إقراره ونسخه فقد اختلف الفقهاء في ذلك :
أ‌. ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا ، يلزمنا حكمه ، إذا قصه الله علينا في القرآن من غير إنكار .
واحتجوا بقوله تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه – إلى قوله – فبهداهم اقتده }
[ الأنعام / 83 ] .
وقوله تعالى : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } [ النحل / 123 ] .
وقالوا : إن هذه الآيات وغيرها تدل على أن شرع من قبلنا من الأنبياء شرع لنا ، وهي وإن لم تكن لازمة لنا بنفس ورودها في تلك الشريعة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فإنها قد صارت شريعة لنا بورودها على شريعتنا ولزمنا أحكامها .
ب‌. وقال الشافعية – في القول الأصح عندهم – : إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، وإن ورد في شرعنا ما يقرره .
وهذا القول هو الصحيح .
واحتجوا بقوله تعالى : { لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } [ المائدة / 48 ] ، وقوله تعالى : { لكلِّ أمة جعلنا منْسكاً هم ناسكوه } [ الحج / 67 ] .
ومن السنة :
قوله صلى الله عليه وسلم : ” الأنبياء أولاد عَلاَّت ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ” .
رواه البخاري ( 3258 ) ومسلم ( 2365 ) .
قال ابن كثير :
… فإن ” أولاد العلات ” هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى ، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات .
” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 199 ، 200 ) .
قال الشيرازي :
والذي يصح الآن عندي : أن شيئاً من ذلك ليس بشرع لنا .
والدليل عليه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرجع في شيء من الأحكام ولا أحد من الصحابة إلى شيء من كتبهم ، ولا إلى خبر من أسلم منهم ، ولو كان ذلك شرعا لنا لبحثوا عنه ورجعوا إليه ، ولما لم يفعلوا ذلك : دل ذلك على ما قلناه .
” اللمع في أصول الفقه ” ( ص 63 ) .
وقال الجويني :
ولكن ثبت عندنا شرعا أنَّا لسنا متعبدين بأحكام الشرائع المتقدمة ، والقاطع الشرعي في ذلك : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا فيهما ، وكانوا لا يبحثون عن أحكام الكتب المنزلة على النبيين والمرسلين قبل نبينا عليهم الصلاة والسلام .
” البرهان في أصول الفقه ” ( 1 / 332 ) .
ثانياً :
أما قول السائل : ” فمثلاً داود عليه السلام كان مباحاً له العزف على المزمار ” ! فخطأ ، حيث أن المعازف محرَّمة في كل الشرائع السابقة ، حيث أنها مفسدة للقلوب والأخلاق ، وهذا ما لا تأت به الشرائع .
ولعل السائل ظن هذا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود ” – رواه البخاري ( 4761 ) ومسلم ( 793 ) – فإن كان كذلك فإن تفسير الحديث ليس كما ظنه ، بل معناه : أنه أوتي صوتاً حسناً .
قال القرطبي :
وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن ، وحُسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه ، وهو المراد بقوله تبارك وتعالى { يزيد في الخلق ما يشاء } على ما يأتي إن شاء الله تعالى .
وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ” لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ” .
قال العلماء : المزمار : المزمور : الصوت الحسن ، وبه سميت آلة الزمر مزماراً .
وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع .
” تفسير القرطبي ” ( 14 / 265 ) .
قال ابن حجر :
والمراد بالمزمار : الصوت الحسن ، وأصله : الآلة أطلق اسمه على الصوت للمشابهة .
” فتح الباري ” ( 9 / 93 ) .

والله أعلم

ماذا يتبع عند تضارب أقوال العلماء واختلافهم؟ ومسألة حلق اللِّحية.

كيف يتصرف وهو يقرأ اختلاف العلماء في المسألة الواحدة؟

السؤال:

دائما ما أجد أن العديد من المواضيع المتعلقة بديننا يكون لها أجوبة متناقضة حتى بين العلماء، مثلًا: فقد قرأت دائما على هذا الموقع أن حلاقة اللحية حرام، لكني قرأت في مواقع أخرى بأن ذلك ليس بحرام، لكن إبقاء اللحية مستحب، فبأي الحكمين نأخذ عندما يقع التناقض في الأجوبة كما هو الحال هنا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الاختلاف الواقع بين أهل العلم معلوم ومعروف، وهو له أسبابه التي إذا وقف عليها المسلم لم يعجب من هذا الاختلاف الذي يسمعه أو يقرؤه.

ومن حيث العموم فالناس على أقسام ثلاثة: مجتهدون، وطلبة علم، وعوام.

فالمجتهد يبذل وسعه ويقلب نظره في البحث والاستقراء للوصول إلى معرفة حكم الله تعالى في المسألة، فمل هذا لا يجوز له أن يقلِّد أحدًا، إلا إن ضاق عليه الوقت فله أن يقلِّد فيها.

وطالب العلم يقف على الخلاف بين أهل العلم فيعرف أقوى الحجتين وأقربها إلى الصواب، وهو يملك الآلات التي يستطيع فيها الترجيح والمقارنة، فمثله لا يقلِّد إلا إذا عجز عن الترجيح في مسألة أو ضاق عليه الوقت فله أن يقلِّد فيها.

وأما العامي فهو لا يستطيع الترجيح بين الأقوال، وهو لا يملك أدوات البحث ليبحث بنفسه، فحقُّه التقليد لمن يثق بدينه وعلمه، فإذا أفتاه هذا فالواجب عليه أخذ ما أفتاه به، إلا أن يتبين له قوة قول غيره.

فليس للعامي أكثر من السؤال والعمل بما يُفتى به، وقد أمره الله تعالى بهذا حيث قال: { فاسألوا أهل الذِّكر إن كنتم لا تعلمون }.

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:

1. عالم رزقه الله علمًا وفهمًا.

2. طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحر.

3. عامي لا يدري شيئًا.

أما الأول:

فإنه له الحق أن  يجتهد وأن يقول – بل يجب عليه أن يقول – ما كان مقتضى الدليل عنده مهما خالفه من خالفه من الناس لأنه مأمور بذلك، قال تعالى: { لعَلِمَهُ الذينَ يَسْتَنبِطونَه مِنْهم } [ النساء / 83 ]، وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام رسوله.

أما الثاني:

الذي رزقه الله علمًا ولكنه لم يبلغ درجة الأول : فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والاطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزًا في ذلك وألا يقصر عن سؤال من هو أعلى منه من أهل العلم؛ لأنه قد يخطئ، وقد لا يصل علمه إلى شيء خَصَّص ما كان عامًّا، أو قيَّد ما كان مطلقًا، أو نسخ ما يراه محكمًا وهو لا يدري بذلك.

 أما الثالث:

وهو من ليس عنده علم : فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم لقوله تعالى { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } [ الأنبياء / 7 ]، وفي آية أخرى: { إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر } [ النحل / 43، 44 ] فوظيفة هذا أن يسأل، ولكن من يسأل؟ في البلد علماء كثيرون، وكلٌّ يقول: إنه عالم، أو كل يقال عنه: إنه عالم، فمن الذي يسأل؟ هل نقول: يجب عليك أن تتحرى من هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم تأخذ بقوله، أو نقول: اسأل من شئت ممن تراه من أهل العلم والمفضول قد يوفق للعمل في مسألة معينة، ولا يوفق من هل أفضل منه وأعلم؟.

اختلف في هذا أهل العلم:

فمنهم من يرى: أنه يجب على العامي أن يسأل من يراه أوثق في علمه من علماء بلده؛ لأنه كما أن الإنسان الذي أصيب بمرض في جسمه فإنه يطلب لمرضه من يراه أقوى في أمور الطب فكذلك هنا؛ لأن العلم دواء القلوب، فكما أنك تختار لمرضك من تراه أقوى: فكذلك هنا يجب أن تختار من تراه أقوى علمًا إذ لا فرق.

ومنهم من يرى: أن ذلك ليس بواجب؛ لأن من هو أقوى علماً قد لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها، ويرشح هذا القول أن الناس في عهد الصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل.

والذي أرى في هذه المسألة: أنه يسأل من يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب؛ لأن من هو أفضل قد يخطئ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية، والأرجح: أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه. ” العلم ” ( ص 271 – 273 ).

وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته – عما يحصل من اختلاف الفتيا من عالم لآخر في موضوع واحد، ما مرد ذلك؟ وما موقف متلقي الفتيا؟.

 

 

 

فأجاب – رحمه الله تعالى – بقوله:

مردُّ ذلك إلى شيئين:

الأول: العلم، فقد يكون أحد المفتين ليس عنده من العلم ما عند المفتي الآخر، فيكون المفتي الآخر أوسع اطلاعًا منه، يطلع على ما لم يطلع عليه الآخر.

والثاني: الفهم، فإن الناس يختلفون في الفهم اختلافًا كثيرًا، قد يكونون في العلم سواء، ولكن يختلفون في الفهم، فيعطي الله تعالى هذا فهمًا واسعًا ثاقبًا؛ يفهم مما علم أكثر مما فهمه الآخر، وحينئذ يكون الأكثر علمًا والأقوى فهمًا أقرب إلى الصواب من الآخر، أما بالنسبة للمستفتي فإنه إذا اختلف عليه عالمان مفتيان فإنه يتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب، إما لعلمه، وإما لورعه ودينه، كما أنه لو كان الإنسان مريضًا واختلف عليه طبيبان فإنه سوف يأخذ بقول من يرى أنه أقرب إلى الصواب، فإن تساوى عنده الأمران ولم يرجح أحد المفتين على الآخر : فإنه يخيَّر، إن شاء أخذ بهذا، وإن شاء أخذ بهذا، وما اطمأنت إليه نفسه أكثر فليأخذ به.

” العلم ” ( ص 204 السؤال 100 ).

 

ثانيًا:

وأمَّا بالنِّسبة لِمسألة حلق اللحية:
فَلْتعلم أنه لَمْ يكن هناك خِلاف بين الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم إلى مئات السنين في أنَّ حلقها حرام، وأنَّ إعفاءها واجب، وأنَّ مَن قال بكراهة حلقها أو استحباب إعفائها إنَّما قاله مِن غير مُستند شرعي ولم يُسبق إليه مِن العلماء المتقدِّمين.

وَلْتعلم -كذلك- أنَّ في حلق اللحية مخالفات كثيرة وَوُقُوع في محاذير متعدِّدَة، مِنها:
١. مخالفة الأمر الوارد في الحديث.
٢. التشبُّه بالمشركين.
٣. التشبُّه بالنِّساء.
٤. تغيير الفِطْرة.
٥. تغيير خَلْق الله عز وجل.

فأيْن هذا مِن قَوْل المُخالِف والقائل لاستحباب إعفائها أو كراهة حلقها؟ في الحقيقة إنه لا ينبغي أنْ يُقارَن بين القولين.

وهكذا في كلِّ خِلاف تراه:
فإنه لا يُهمك إنْ كنتَ عاميًّا؛ لأنَّ عليك التقليد، وخُذْ بِفتوى مَن تثق بعلمه ودينه، دون أن تلتفتَ للأقوال المُخالِفة إلا إن تبيَّن لك قوة القول المُخالِف فإنه لا يجوز لك البقاء على القول الأول.

والله أعلم.

كيف اختلف الصحابة في الفقه مع تلمذتهم جميعاً على النبي صلى الله عليه وسلم؟

كيف اختلف الصحابة في الفقه مع تلمذتهم جميعاً على النبي صلى الله عليه وسلم؟

السؤال:

أعلم أن هناك آراء مختلفة بين العلماء بشأن الفقه ، لكن لماذا كان هناك اختلاف بين الصحابة الذين تلقوا العلم من شخص واحد ، النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟ جزاك الله خيراً أيها الشيخ.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا سؤال جيد ، يدل على فهم وحسن إدراك من سائله ، ومن علِم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه ، وعلم زمان الرسالة الذي استمر ثلاثة عشر سنة ، وعلم اختلاف أحوال الصحابة قرباً وبعداً منه صلى الله عليه وسلم ، وعلم اختلاف درجات الحفظ والفهم بينهم : لم يتعجب من وقوع الخلاف بينهم ، مع كونهم جميعاً أدركوا زمن الرسالة ، ولم يحتاجوا لعلوم الآلة لفهم النصوص .

هذه الأسباب في اختلافهم في الجملة ، وأما تفصيل ذلك : فلنقرأ ما كتبه الشيخ ولي الله الدهلوي في ذلك ، حيث قال :

” وبالجملة : فهذه كانت عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم ، فرأى كل صحابي ما يسَّره الله له من عباداته ، وفتاواه ، وأقضيته ، فحفظها ، وعقلها ، وعرف لكل شيء وجهاً من قبل حفوف القرائن به ، فحمل بعضها على الإباحة ، وبعضها على الاستحباب ، وبعضها على النسخ ؛ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده ، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان ، والثلج ، من غير التفات إلى طرق الاستدلال ، كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم ، وتثلج صدورهم بالتصريح ، والتلويح ، والإيماء ، من حيث لا يشعرون .

فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك ، ثم إنهم تفرقوا في البلاد ، وصار كل واحد مقتدى ناحية من النواحي ، فكثرت الوقائع ، ودارت المسائل ، فاستُفتوا فيها ، فأجاب كل واحد حسب ما حفظه ، أو استنبطه ، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب : اجتهد برأيه ، وعرف العلة التي أدار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الحكم في منصوصاته ، فطرد الحكم حيثما وجدها ، لا يألو جهداً في موافقة غرضه عليه الصلاة والسلام ، فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب :

  1. 1. منها : أن صحابيّاً سمع حكماً في قضية ، أو فتوى ، ولم يسمعه الآخر ، فاجتهد برأيه في ذلك ، وهذا على وجوه :

أحدها : أن يقع اجتهاده موافقَ الحديث ، مثاله : ما رواه النسائي وغيره أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها – أي : المهر – فقال : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك ، فاختلفوا عليه شهراً ، وألحُّوا ، فاجتهد برأيه ، وقضى بأن لها مهرَ نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث ، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في امرأة منهم ، ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام .

وثانيها : أن يقع بينهما المناظرة ، ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظن ، فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع ، مثاله : ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة رضي الله عنه كان مِن مذهبه : أنه من أصبح جنباً : فلا صوم له ، حتى أخبرته بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف مذهبه فرجع .

وثالثها : أن يبلغه الحديث ، ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن ، فلم يترك اجتهاده بل طعن في الحديث ، مثاله : ما رواه أصحاب الأصول من أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت مطلقة الثلاث ، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ، ولا سكنى ، فردَّ عمر شهادتها ، وقال : لا نترك كتاب الله بقول امرأة ، لا ندري أصدقت أم كذبت ، لها النفقة والسكنى ، وقالت عائشة رضي الله عنها : يا فاطمة ألا تتقي الله ! يعني : في قولها لا سكنى ، ولا نفقة – قلنا : والصواب قول فاطمة ، ودليل المسألة معها نص في موضع النزاع – .

ومثال آخر : روى الشيخان أنه كان من مذهب عمر بن الخطاب أن التيمم لا يجزئ الجنب الذي لا يجد الماء ، فروى عنده عمار أنه كان معه في سفر فأصابته جنابة ولم يجد ماء ، فتمعَّك في التراب ، فذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : ( إنما كان يكفيك أن تفعل هكذا ) وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه ، فلم يقبل عمر ، ولم ينهض عنده حجة تقاوم ما رآه فيه ، حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة واضمحل وهَمُ القادح ، فأخذوا به .

ورابعها : أن لا يصل إليه الحديث أصلا ، مثاله : ما أخرج مسلم أن ابن عمر كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ، فسمعت عائشة رضي الله عنها بذلك فقالت : يا عجباً لابن عمر هذا ، يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن ، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن ، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات .

  1. 2. ومن تلك الضروب : أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ فعلاً ، فحمله بعضهم على القُربة ، وبعضهم على الإباحة ، مثاله : ما رواه أصحاب الأصول في قصة ” التحصيب ” أي : النزول بـ ” الأبطح ” عند النفر من عرفات ، نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به ، فذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أنه على وجه القربة ، فجعلوه من سنن الحج ، وذهبت عائشة رضي الله عنها وابن عباس إلى أنه كان على وجه الاتفاق ، وليس من السنن .

ومثال آخر : ذهب الجمهور إلى أن الرَّمَل في الطواف سنَّة ، وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أنه إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الاتفاق لعارضٍ عرَض ، وهو قول المشركين ” حطمتهم حمَّى يثرب ” ، وليس بسنَّة .

  1. 3. ومنها : اختلاف الوهم ، مثاله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج فرآه الناس ، فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعاً ، وبعضهم إلى أنه كان قارناً ، وبعضهم إلى أنه كان مفرداً ، – قلنا : والصواب بلا ريب أنه كان قارناً – .
  2. 4. ومنها اختلاف السهو والنسيان ، مثاله : ما روي أن ابن عمر كان يقول : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة في رجب ، فسمعتْ بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو – قلنا : وعُمره صلى الله عليه وسلم كلها كانت في ذي القعدة – .
  3. 5. ومنها اختلاف الضبط ، مثاله : ما روى ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، فقضت عائشة عليه بأنه وهِم بأخذ الحديث على هذا ، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال : ( إنهم يبكون عليها وإنها تعذب في قبرها ) فظن أن العذاب معلول للبكاء ، وظن الحكم عامّاً على كل ميت ، – قلنا : والصواب ما رواه ابن عمر ووافقه عليه صحابة كثر ، وهو أن الحديث عام ، والعذاب ليس عقاباً ، إنما هو ألَم ، ويكون عقاباً إذا كان أوصى بالنياحة ، أو علم فعلهم فلم يوصهم بتركه – .
  4. 6. ومنها اختلافهم في علة الحكم ، مثاله : القيام للجنازة ، فقال قائل : لتعظيم الملائكة ، فيعم المؤمن والكافر ، وقال قائل : لهول الموت ، فيعمهما ، وقال قائل : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة يهودي فقام لها كراهة أن تعلو فوق رأسه ، فيخص الكافر .
  5. 7. ومنها : اختلافهم في الجمع بين المختلفين ، مثاله : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ” المتعة ” عام خيبر ، ثم نهى عنها ، ثم رخص فيها عام ” أوطاس ” ، ثم نهى عنها ، فقال ابن عباس : كانت الرخصة للضرورة ، والنهي لانقضاء الضرورة ، والحكم باق على ذلك ، وقال الجمهور : كانت الرخصة إباحة ، والنهي نسخاً لها .

مثال آخر : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة في الاستنجاء ، فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم ، وكونه غير منسوخ ، ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة ، فذهب إلى أنه نسخٌ للنهي المتقدم ، ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة ، مستقبل الشام : فردَّ به قولهم ، وجمع قوم بين الروايتين ، فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء ، فإذا كان في المراحيض : فلا بأس بالاستقبال والاستدبار ، وذهب قوم إلى أن القول عام محكم ، والفعل يحتمل كونه خاصّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا ينتهض ناسخاً ، ولا مخصصاً .

وبالجملة : فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عنهم التابعون ، كل واحد ما تيسر له ، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة ، وعقلها ، وجمع المختلف على ما تيسر له ، ورجح بعض الأقوال على بعض ، واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثوراً عن كبار الصحابة ، كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب – أي : أنه لا يتيمم ولا يصلي ! – اضمحل عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن حصين وغيرهما ” .

” الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ” ( ص 22 – 31 ) باختصار ، وما فيه بين شرطتين مصدَّراً بـ ” قلنا : فهو من تعليقنا .

ونختم الجواب بنقلين مهمين ، في مسألة اختلاف الصحابة :

الأول :

وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام ، وهم سادات المؤمنين ، وأكمل الأمة إيماناً ، ولكن بحمد الله : لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال ، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكاتب والسنَّة كلمة واحدة ، من أولهم إلى آخرهم ، لم يسوموها تأويلاً ، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلاً ، ولم يبدوا لشيء منها إبطالاً ، ولا ضربوا لها أمثالاً ، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها ، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها ، بل تلقوها بالقبول والتسليم ، وقابلوها بالإيمان والتعظيم ، وجعلوا الأمر فيها كلها أمراً واحداً ، وأجروها على سنَن واحد ، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عضين وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين ، مع أن اللازم لهم فيها أنكروه : كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه .

” إعلام الموقعين عن رب العالمين ” ( 1 / 49 ) .

الثاني :

قال الدكتور ناصر بن عبدالكريم العقل – حفظه الله – في كتابه ” حراسة العقيدة  ” :

اختلف الصحابة رضي الله عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل مهمة ، وأمور وأحكام كثيرة ، لكن اختلافهم كان ينتهي ” على مقتضى الكتاب والسنة ” ، إما بالإجماع ، أو العمل على ما يترجح ، أو يفصل في الأمور الخليفة ، أو أهل الحل والعقد ، أو يبقى الخلاف سائغاً ، وفي ذلك كله لم يصل الأمر عندهم إلي حد التنازع في الدين، ولا الافتراق والخروج على الجماعة، ولم يبغ بعضهم على بعض. انتهى.

 

والله أعلم.

مناقشة علمية لقاعدة ” الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة “

مناقشة علمية لقاعدة ” الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة ”

السؤال:

أعرف أن من الأمور ما تكون حراماً ثم لظروف معينة تصير حلالاً بدافع الضرورة ، وقد وجدتُ رجلاً واسع العلم يقول لي : إن الحرام ينقلب حلالاً بدافع الحاجة أيضاً ، فهل هذا حقيقي ؟ وإلى أي مدى ؟ وما هي شروط تحقيق ذلك ؟ وأنا أسأل ذلك لما نواجهه في البلدان غير الإسلامية.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

من القواعد المقررة في شريعتنا أن ” الضرورات تبيح المحظورات ” ، وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة ، من الكتاب ، والسنَّة ، ومنها : قوله تعالى : ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة/ 173 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

( فَمَنِ اضْطُرَّ ) أي : ألجئ إلى المحرَّم ، بجوع ، وعدم ، أو إكراه .

( غَيْرَ بَاغٍ ) أي : غير طالب للمحرَّم ، مع قدرته على الحلال ، أو مع عدم جوعه .

( وَلا عَادٍ ) أي : متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطراراً ، فمَن اضطر وهو غير قادر على الحلال ، وأكل بقدر الضرورة : فلا يزيد عليها .

( فَلا إِثْمَ ) أي : جناح عليه ، وإذا ارتفع الجناح – الإثم – : رجع الأمر إلى ما كان عليه ، والإنسان بهذه الحالة مأمور بالأكل ، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة ، وأن يقتل نفسه ، فيجب إذًا عليه الأكل ، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات ، فيكون قاتلاً لنفسه , وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده ، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال : ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

ولما كان الحِلُّ مشروطاً بهذين الشرطين ، وكان الإنسان في هذه الحالة ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها : أخبر تعالى أنه غفور ، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال ، خصوصاً وقد غلبته الضرورة ، وأذهبت حواسه المشقة .

وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة : ” الضرورات تبيح المحظورات ” ، فكل محظور اضطر إليه الإنسان : فقد أباحه له الملك الرحمن ، فله الحمد والشكر ، أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً . ” تفسير السعدي ” ( ص 81 ) .

ومن أدلة السنَّة :

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا مَخْمَصَةٌ ، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَةِ ؟ قَالَ : ( إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا ) . رواه أحمد ( 36 / 227 ) ، وحسنه المحققون لطرقه وشواهده .

تصطبحوا : الاصطباح : أكل الصبُوح وهو الغداء .

تغتبقوا : تسقوا ، والغبوق : شرب آخر النهار مقابل الصبوح .

تحتفئوا : تحفوا الشَّعر .

وقد مثل العلماء على الضرورات تبيح المحظورات – غير أكل الميتة عند المخمصة – :  إساغة اللقمة بالخمر , والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه , وأخذ مال الممتنع من أداء الدَّين بغير إذنه , ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله . انظر ” الأشباه والنظائر ” ( ص 85 ) لابن نجيم .

ثانياً:

وقد اختلف العلماء في تعريف ” الضرورة ” ، وفي حدِّها ، وضوابطها ، والصحيح في تعريفها أنها ” ما يلحق العبد ضرر بتركه – وهذا الضرر يلحق الضروريات الخمس من الدِّين ، والنفس ، والنسل ، والعقل ، والمال – بحيث لا يقوم غيره مقامه “.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

الضرورة أن نعلم أن الإنسان إذا فعل هذا الشيء زالت ضرورته ، ونعلم كذلك : أنه لا يمكن أن تزول ضرورته إلا بهذا الشيء ، يعني : ليس هناك ضرورة تبيح المحرم إلا بشرطين :

  1. أن نعلم أنه لا تزول ضرورته إلا بهذا .
  2. أن نعلم أن ضرورته تزول به .

” لقاء الباب المفتوح ” ( 3 / 19 ) .

وليُعلم أنه ثمة ضوابط يجب مراعاتها حتى يكون ارتكاب الفعل المحرَّم داخلاً في باب ” الضرورات ” ، فإن اختل واحد من تلك الضوابط : كان الفاعل آثماً على ارتكابه المحرَّم .

يقول الدكتور عبد الله التهامي – وفقه الله – في بيان ضابط الضرورة – :

هناك شروط ، وقيود ، لا بد من حصولها في حالةٍ ما ؛ ليسوغ تسميتها ضرورة شرعية ، ولا يمكن أن تكون تلك الحالة ضرورة شرعية مع تخلف شيء من هذه الضوابط ، وإليك بيان هذه الضوابط ، مع الاستدلال لها :

  1. أن يترتب على الامتثال للدليل الراجح المحرّم ضرر متعلق بإحدى الكليات الخمس ، كأن تتعرض نفسه للهلاك إن لم يأكل من الميتة .
  2. أن يكون حصول الضرر أمراً قاطعاً ، أو ظنًّا غالباً ، ولا يلتفت إلى الوهم والظن البعيد ، كأن يكون المضطر في حالة تسمح له بانتظار الطعام الحلال الطيب ، فلا يقدم على تناول الميتة والحالة كذلك حتى يجزم بوقوع الضرر على نفسه ، فيجوز حينها تناول الميتة ، ودليل ذلك : ما علم في الشريعة من أن الأحكام تناط باليقين والظنون الغالبة ، وأنه لا التفات فيها إلى الأوهام ، والظنون المرجوحة البعيدة .
  3. ألاّ يُمكن دفع هذا الضرر إلا بالمخالفة ، وعدم الامتثال للدليل المحرِّم ، فإن أمكن المضطر أن يدفع هذا الضرر بأمرين أحدهما جائز والآخر ممنوع : حرُم عليه ارتكاب المخالفة للدليل المحرم ، ووجب عليه دفع الضرر بالأمر الجائز ، كأن يغص بلقمة وأمامه كأسان من الماء ، والخمر .
  4. ألا يعارِض هذه الضرورة عند ارتكابها ما هو أعظم منها ، أو مثلها ، كأن يأكل المضطر طعام مضطر آخر ، ووجه ذلك : ما ورد من قواعد مثل : ” الضرر لا يزال بمثله ” . انتهى من ” مجلة البيان ” ( عدد 120 ، ص 8 )

ولا بد أن يعلم أن المرجع في معرفة حد الضرورة ؛ وحد قدرها إلى أهل العلم ؛ لأنهم هم أعرف بضوابط الضرورة وحدها وقدرها .

ثالثاً:

وأما قاعدة ” الحاجة تنزل منزلة الضرورة ” : ففيها كلام طويل من حيث الاحتجاج والعمل بها ، وقد فتح العملُ بها – عند بعضهم – البابَ لتجويز محرمات قطعية ! فصار يحتج بها لشراء مساكن للتملك عن طريق القروض الربوية ! واستدل بها على المساهمات في الشركات المحرمة ! وكل ذلك بداعي وجود ” حاجة ” .

والذي نجزم به : أن تلك القول بالقاعدة على ذلك الفهم لها : خطأ ، ولو أضيف إليها كلمة ” العامة ” بعد ” الحاجة ” ، أو ” العامة والخاصة ” ، ولو أضيف إليها ” قد ” التقليلية ، فيقول بعضهم ” قد تنزل منزلة الضرورة ” ! كما أن بعضهم فرَّق بين البلاد الإسلامية فمنع منها ، والبلاد غير الإسلامية فأجاز العمل بتلك القاعدة ، وكل هذا ترقيع لتلك القاعدة لتمريرها حتى يباح فيها ما هو محرَّم قطعيّاً .

والمتأمل في استعمال من أجاز العمل بتلك القاعدة على إطلاقها : يجد عجباً ، فإنهم يقولون بأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة ، مع كون الضرورة لا تؤدي إلى تشريع المحرَّم ليكون حلالاً دوماً ، بينما رأينا استعمال تلك القاعدة أنه كان في ” التشريع ” ! فخرجوا بها لتحليل محرمات ، ونسبتها للشرع كأحكام دائمة ! وأين هذا من ذاك؟!.

وعلى قولهم فإنه قد صارت الحاجة أقوى من الضرورة ! ؛ لأن الحاجة استدعت حكماً تشريعيّاً مستمراً بإباحة المحرَّم ، والضرورة ينتهي حكم الإباحة معها بانتهاء حاجة المضطر لفعل المحرَّم ، فكيف صار هذا ؟ وأنَّى للحاجة أن تستدعي حكماً مستمراً في ارتكاب المحرَّم ، بينما لم يُجعل هذا في الاضطرار ؟! .

والضرورة قد تتعلق بالشخص نفسه إذا كان مسافراً وانقطع الطريق به – مثلاً – واضطر لأكل الميتة ، أما الحاجة : فلا تتعلق بالشخص نفسه عند أحدٍ من العلماء – فيما نعلم – بل اشترطوا في الحاجة أن تكون عامة للناس جميعاً ، أو خاصة في طائفة معينة من الناس ، كجماعة لهم مهنة معينة .

وثمة فرق عظيم بين الضرورة ، والحاجة ، وهو أن الشرع لم يبح ارتكاب المحرَّم للمضطر إلا بعد وقوع الضرورة ، وأما الحاجة : فالناس هي التي تبحث عنها لتفعلها ، فهل يمكن المقارنة بين الضرورة والحاجة على هذا ، وجعل الحاجة بمنزلتها؟!.

فالحاجة حاجة ، والضرورة ضرورة ، وبينهما فرق عظيم في اللغة ، والاصطلاح ، والأحكام ، ولا يمكن جعل الحاجة بمنزلة الضرورة ، وليس في دين الله تعالى ” الحاجات تبيح المحظورات ” ! بل الضرورات هي التي تبيح المحظورات ، وقد سبق ذِكر ضوابط هذه القاعدة ، فهي ليست على إطلاقها .

قال الإمام الشافعي – رحمه الله – :

وليس يحل بالحاجة محرَّم إلا في الضرورات ، من خوف تلف النفس ، فأما غير ذلك : فلا أعلمه يحل لحاجة ، والحاجة فيه وغير الحاجة : سواء .

” الأم ” ( 3 / 28 ) .

* ولمعرفة خطأ ما قاله من قال بتلك القاعدة – والذي جعل الحاجة من باب الضرورة – : فإنه يجب علينا أن نفرِّق بين الحاجة والضرورة ، والتفريق بينهما من وجهين :

  1. وجود ما يزيل الضرورة .

وقد سبق بيان أن الضرورة هي ” ما يلحق العبد ضرر بتركه بحيث لا يقوم غيره مقامه ” ، فإن وُجد ما يزيل الضرورة ، ويرفعها ، غير ذلك الفعل المحرَّم : كانت تلك هي ” الحاجة ” ، وهي ما لا يجوز ارتكاب المحرَّم بسبب وجودها .

وفي ” نظم القواعد الفقهية ” ( ص 59 ) :

والمراد بالضرورة : ما يلحق العبد ضرر بتركه ، بحيث لا يقوم غيره مقامه ، هذا المراد بالضرورة على الصحيح .

بعض الفقهاء يقول: ” ما ترتب عليه فوات الحياة ، أو فوات عضو ” ، وهذا لا يصح ، وإنما الصواب أن يقال في تفسير الضرورة : ” ما لحق المكلَّف ضرر بعدم فعله ، ولا يقوم غيره مقامه ” ، بخلاف الحاجة ؛ فإن الحاجة هي : ما يلحق المكلَّف ضرر بتركه ، لكنه قد يقوم غيره مقامه .

مثال الضرورة : إذا كان الإنسان مضطراً ولم يجد إلا الميتة : فهنا لو ترك الميتة لحقه ضرر ، ولا يقوم غيره مقامه ، ما يجد إلا الميتة فهذا ضرورة .

والضرورة تبيح المحظور مطلقاً ، بينما الحاجة لا تبيح المحظور إلا إذا ورد معها دليل . انتهى .

  1. عدم الهلاك ، أو التلف ، إذا لم يفعل المحرَّم .

فالضرورة تتعلق بالهلاك ، والإتلاف ، والحاجة يترتب على عدم الأخذ بها : عسر ، وصعوبة ، ومشقة .

قال أبو عبد الله الزركشي – رحمه الله – :

فالضرورة : بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب كالمضطر للأكل ، واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات ، أو تلف منه عضو ، وهذا يبيح تناول المحرم .

والحاجة : كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك ، غير أنه يكون في جهد ومشقة ، وهذا لا يبيح المحرَّم . ” المنثور في القواعد ” ( 2 / 319 ) .

وبه يُعلم أنه من خلط بين الحاجة – المطلقة – والضرورة ، وجعل لهما حكماً واحداً : أنه لم يُصب .

وهذا نقل علمي يوضح المسألة ، ويلخصها :

قال الدكتور أحمد بن محمد الخليل – حفظه الله – :

جمهور العلماء على خلاف قاعدة ” الحاجة تنزل منزلة الضرورة ” .

قال في ” شرح الفوائد البهية ” : ” الأكثر أن الحاجة لا تقوم مقام الضرورة ” .

ويقوي ذلك : وجود الاختلاف المعنوي بين حقيقة الضرورة والحاجة ، فكلٌّ منهما له معنى يخصه ، فلا يصلح تعدية حكم أحدهما إلى الآخر ، ويمكن أن يتضح ذلك أكثر من خلال تعريف كلٍ منهما  .

عرف الزركشي الضرورة بقوله : ” هي بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك ، أو قارب ” ، وقيل في تعريفها أيضاً : إنها ” الخوف على نفس من الهلاك ، علماً ، أو ظنّاً ” ، وتعاريف العلماء تدور حول هذا .

أما الحاجة فهي أقل من الضرورة ، ولذلك عرفها الزركشي بالمثال فقال : ” الحاجة : كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل : لم يهلك ، غير أنه يكون في جهد ومشقة ، وهذا لا يبيح المحرم ” .

إذاً يوجد فروق جوهرية بين الحاجة والضرورة ، من أبرزها :

أن الحاجة لا تبيح المحرم ، بخلاف الضرورة ، كما نبّه على ذلك الزركشي ، فيما سبق .

وأيضاً : الضرورة لا بد فيها من خوف التلف ، بينما الحاجة يكتفى فيها بوجود الحرج والمشقة ، وإن لم يوجد خوف الهلاك .

أضف إلى ذلك : أن من شروط وضوابط الضرورة : أن يتعين على المضطر مخالفة الأوامر والنواهي الشرعية ، بمعنى : ألا يوجد وسيلة أخرى لدفع الضرر إلا المخالفة الشرعية ، وهذا لا يشترط بالنسبة للحاجة .

– والآن ومع هذه الفروق كيف تنزل الحاجة منزلة الضرورة ؟! .

لذلك ذهب الأكثر من العلماء إلى أن لكلٍ من الحاجة والضرورة أحكاماً تخصها ، ثم قد يكون في تصحيح هذه القاعدة واستعمالها فتحاً لباب التلاعب ، والتهاون بالمحذورات الشرعية ، بحجة أن الضرورة تبيح المحذورات ، والحاجة تنزل منزلة الضرورة ، فينبني على ذلك مفاسد كبيرة ، والله تعالى أعلم .

” الأسهم والسندات وأحكامها في الفقه الإسلامي ” ( ص 149 – 152 ) باختصار .

تنبيهات وفوائد :

  1. يرى ابن القيم رحمه الله تعالى أن تلك القاعدة لا تنطبق على ما كان محرَّماً تحريم مقاصد – وهو المحرم لذاته – كالخمر ، بل ما كان محرَّماً تحريم وسائل ، وأوضح مثال لهذا : أنه – رحمه الله – يقول بأن ” ربا النسيئة ” محرَّم تحريم مقاصد ، لذا فليس في الشرع ما يبيحه للحاجة ، بخلاف ” ربا الفضل ” فإن تحريمه تحريم وسائل – حتى لا يقع الفاعل في ربا النسيئة – لذا رأينا إباحة ” بيع العرايا ” – وهو بيع الرطب على الشجر بتمرٍ كيلاً – بشروط معينة منها : أن يكون المشتري بحاجة للأكل من الرطب ، وليس للبيع ، ومنها : أن لا تزيد الكمية على خمسة أوسق ، ومنها : أن لايكون معه ما يشتري به الرطب ، ومنها : التقابض ، بتسليم التمر للبائع ، وبتخلي البائع عن النخل ، ومنها : التساوي بين التمر والرطب إذا يبس .

وينظر كلام ابن القيم رحمه الله في كتابه ” إعلام الموقعين ” ( 2/ 137) .

* وقد نظم ذلك القول والمثال : الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في منظومته في أصول الفقه وقواعده ، فقال :

  1. لكنَّ ما حُرِّمَ للذَّرِيعَةِ … يَجُوزُ للحَاجَةِ كَالعَريَّةِ

انتهى.

والذي يظهر لنا أنه لا يصح القول بهذا ، وأن الإباحة لتلك المحرمات كانت بسبب النص ، ولا يستنبط من ذلك قاعدة للقياس عليها ، ولذا فقد خالف في ذلك بعض الباحثين من تلامذة الشيخ العثيمين الذين شرحوا نظمه ، فلم يروا فرقاً بين تحريم المقاصد ، وتحريم الوسائل ، وأن المحرَّم لا تبيحه إلا الضرورة .

قال الشيخ خالد المشيقح – حفظه الله – وهو من أبرز تلامذة الشيخ العثيمين – : قوله رحمه الله : ” لكن ما حرم للذريعة … يجوز للحاجة كالعرية ”

قلنا : إن المحرم لا يباح إلا عند الضرورة ، ويُستثنى من ذلك ما كان تحريمه من باب تحريم الوسائل ، وليس من باب تحريم المقاصد فإن الحاجة تبيحه .

ومعنى الحاجة : هي الحالة التي يصل فيها الإنسان حدّاً إذا لم تراعَ لكان في ضيق ، وحرج ، لكن لا تضيع مصالحه الضرورية ، والحاجة تنزل منزلة الضرورة ، عامة كانت أو خاصة .

قولنا : ” عامة ” : هي الحاجة الشاملة لجميع الأمة .

وقولنا : ” خاصة ” : هي الحاجة الشاملة لطائفة معينة من الناس كأهل بلد ، أو حرفة معينة كالتجار ، أو الصنّاع ، أو الزراع ، أما الحاجة الخاصة بفرد ، أو بأفراد محصورين : فغير معتبرة أصلاً ، ولا تلحق بالضرورة ؛ لأن لكل فرد حاجات متجددة ، ومختلفة عن غيره ، ولا يمكن أن يكون لكل فرد تشريع خاص به.

* والفرق بين الضرورة والحاجة من وجهين :

الوجه الأول : أن الضرورة – في الغالب – تكون إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي ، وتكون هذه الإباحة مؤقتة حيث تنتهي بزوال الاضطرار ، وتتقيد بالشخص المضطر .

أما الإباحة الاستثنائية الثابتة بالحاجة فهي غالباً لا تخالف نصّاً صريحاً ، لكن تخالف القواعد العامة في الشرع ، والحكم في الغالب يكون بصورة ثابتة .

الوجه الثاني : أن الضرورة تبيح المحظورات ، سواء أكان الاضطرار حاصلاً للفرد ، أم للجماعة ، أما الحاجة : فلا تكون سبباً للتيسير ، إلا إذا كانت حاجة عامة ، أو خاصة بطائفة كثيرة غير محصورة ، فلا تكون سبباً للتيسير في حق فرد ، وأفراد محصورين …. .

ومسألة ” العرايا ” ليس فيها ضرورة ، وإنما حاجة ، فقط لكي يتفكّه ، فليس هناك ضرورة إلى أن يحفظ نفسه ، أو أطرافه ، وإنما يحتاج – فقط – أن يتفكه ، فأبيح له أن يستعمل مسألة العرايا ، فقال العلماء رحمهم الله : ” تحريم ربا النسيئة تحريمه من باب تحريم المقاصد ، وأما ربا الفضل فتحريمه من باب تحريم الوسائل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة رضي الله عنه : ( إِنَّمَا الرِّبا فِي النَّسِيئَة ) – متفق عليه – فقالوا إذا كان كذلك فإن الحاجة تبيحه كمسألة العرايا .

ويظهر لي : أن تقسيم المحرَّم إلى تحريم وسائل ، وتحريم مقاصد فيه نظر ، وأن ما ورد الدليل على تحريمه : فإنه لا يباح إلا لضرورة ، إلا لدليل يدل على خلاف ذلك .

” العقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين ” ( ص 54 – 58 ) – ترقيم الشاملة – مختصراً .

  1. وننبه إلى أن بعض العلماء يستعمل كلمة ” الحاجة ” بمعنى ” الضرورة ” ، فهو لا يجعل تلك القاعدة في كل حاجة ، بل يريد : الحاجة التي تبلغ مبلغ الضرورة بالنسبة لصاحبها .
  2. وأخيراً : ننبه إلى من أخذ بتلك القاعدة من العلماء الأجلاء لم يجعلها في كل حاجة ، وإنما ذكروا لها شروطاً للعمل بها ، ويجمع تلك الشروط : عدم مخالفة نص محكم في التحريم ، فصار من أخذ بها لا يخرج عن النص الوارد في الإباحة ، أو إلحاق حكم بنظيره مما ورد في الشرع جوازه ، ولم نرَ في استعمالات من قال بتلك القاعدة من أباح المحرَّم القطعي ، كما فعله – للأسف – بعض العلماء المعاصرين .

 

 

قال الدكتور أحمد بن محمد الخليل – حفظه الله – :

هذه القاعدة – على القول بالأخذ بها – لها من الضوابط والشروط ما لا يمكن معها القول بجواز المساهمة في شركات تتعامل بالربا بأخذ الفائدة الربوية،  أو إعطائها .

قال الشيخ أحمد الزرقاء في ” شرح القواعد الفقهية ” :

والظاهر : أن ما يجوز للحاجة : إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوِّزه ، أو تعامل ، أو لم يرد فيه شيء منهما ، ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه ، وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به ، وجعل ما ورد في نظيره وارداً فيه ” .

وقال :

” وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه : فعدم الجواز فيه واضح ، ولو ظنت فيه مصلحة ؛ لأنها حينئذ وهم ” .

فهذه القاعدة لا يؤخذ بها على إطلاقها ، إنما تقيَّد بهذه التقييدات السابقة ، وأهمها : عدم استعمال القاعدة فيما ورد في تحريمه نص خاص ، وأبرز صور تنزيل الحاجة منزلة الضرورة : ما جاءت السنَّة بجوازه ، ولذلك نجد أن الأمثلة التي ذكر الفقهاء هي مما جاءت به النصوص ، ومن ذلك :

– جواز عقد الإجارة ، وجواز عقد السلَم .

– وجواز تضبيب الإناء ، ولبس الحرير لحاجة دفع القمل ، والحكَّة .

وكل هذه المسائل مما وردت به النصوص .

وقد يذكرون أمثلة من غير المنصوص عليها ، لكنها ترجع إلى أصل شرعي معتبر ، ولا يوجد في منعها نص خاص ، ومن ذلك ما يلي :

تجويز استئجار السمسار على أنه له في كل مائة كذا ، فهذا يرون أن القياس يمنعه ، لكنه جاز لحاجة الناس إليه .

– تجويز ضمان الدَّرَك ، وهو عبارة عن ضمان الثَّمَن للمشتري عند استحقاق المبيع ، فهو عندهم على خلاف القياس ، ولكن جاز بالإجماع .

والخلاصة :

أن هذه القاعدة لا يُعمل بها في المنصوص على تحريمه ، والربا منصوص على تحريمه ، بل هو من كبائر الذنوب – كما هو معلوم – .

” الأسهم والسندات وأحكامها في الفقه الإسلامي ” ( ص 151 – 152 ) .

رابعاً: ومما لا شك أن العيش في بلاد الكفار ، مدعاة لارتكاب محاذير شرعية كثيرة ؛ ولهذا قد يعلم سبب وحكمة النهي عن السكنى ببلاد الكفار والمشركين ؛ لما يترتب على ذلك من مفاسد كثيرة .

 

والله أعلم.

هل يجوز تكوين لجان خاصَّة للفتاوى؟

هل يجوز تكوين لجان خاصَّة للفتاوى؟

السؤال :

هل يجوز تكوين لجنة للفتاوى؟.

– أريد الجواب على ضوء الكتاب والسنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

– دل الكتاب ، والسنَّة ، وفعل الأئمة ، على جواز تكوين لجان مختصة للفتوى:

فمِن الكتاب قوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ) الشورى/ 159 .

قال القرطبي – رحمه الله – :

قوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ ) يدل على جواز الاجتهاد في الأمور ، والأخذ بالظنون ، مع إمكان الوحي ؛ فإن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك . ” تفسير القرطبي ” ( 4 / 250 ) .

وقال ابن الجوزي – رحمه الله – :

( وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ ) معناه : استخرج آراءهم ، واعلم ما عندهم .

واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيَّه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي، تام التدبير، على ثلاثة أقوال :

أحدها : ليستن به من بعده ، وهذا قول الحسن ، وسفيان بن عيينة .

والثاني : لتطيب قلوبهم ، وهو قول قتادة ، والربيع .

والثالث : للإعلام ببركة المشاورة ، وهو قول الضحاك .

ومن فوائد المشاورة : أن المشاور إذا لم ينجح أمره : علم أن امتناع النجاح محض قدر ، فلم يلم نفسه .

ومنها : أنه قد يعزم على أمر فيبين له الصواب في قول غيره ، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح ، قال علي رضي الله عنه : الاستشارة عين الهداية ، وقد خاطر من استغنى برأيه ، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم ، وقال بعض الحكماء : ما استُنْبِطَ الصواب بمثل المشاورة . ” زاد المسير ” ( 1 / 441 ) مختصراً .

وأما من السنَّة : فقد بوَّب الإمام البخاري في صحيحه بما يدل على ما سبق ، وأيده بأدلة ، وحوادث ، فقال :

” باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ، ( وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ ) ، وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ لِقَوْلِهِ ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) ، … وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ ، لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا ، فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، … وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ” . انتهى مختصراً .

ثانياً:

وأما من فعل أئمة والخلفاء : فمنه : فعل الصدِّيق أبي بكر ، وعمر ، رضي الله عنهما.

عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حُكم : نظر في كتاب الله تعالى ، فإن وجد فيه ما يقضي به : قضى به , وإن لم يجد في كتاب الله : نظر في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن وجد فيها ما يقضي به : قضى به ، فإن أعياه ذلك : سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء ، فربما قام إليه القوم فيقولون : قضى فيه بكذا وكذا ، فإن لم يجد سنّة سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم : جمع رؤساء الناس ، فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء : قضى به . ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 62 ) .

وقال أبو حصين الأسدي : إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر . ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 185 ) .

فتكوين لجان للفتوى قديم ، ويمكن جعل زمان عمر بن الخطاب هو بداية هذا الأمر ، حيث كان يجمع أهل العلم للتشاور في أحكام نوازل وقعت في زمنه ، أو شيء يخفى استنباط حكمه على العالِم وحده ، وهكذا فعل بعده العلماء ، والخلفاء .

قال الشاطبي – رحمه الله – عن الإمام مالك – :

وإن عمر بن الخطاب ، وعليّاً ، وعامة خيار الصحابة : كانت ترِد عليهم المسائل ، وهم خير القرن الذي بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ويسألون ، ثم حينئذ يُفتون فيها .

” الموافقات ” ( 5 / 324 ) .

ومن شاور غيره من أهل العلم في حكم الله تعالى في المسألة : قلَّ أن يبعد عن الصواب ؛ فإن الأمر إذا قلِّب على وجوه متعددة من أهل الاختصاص يبين فيه من الحق ما لا يبين لو كان التقليب من شخص واحد .

قال الخطيب البغدادي – رحمه الله – :

ثم يذكر المسألة لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ، ويشاورهم في الجواب , ويسأل كلَّ واحدٍ منهم عما عنده ؛ فإن في ذلك بركة , واقتداء بالسلف الصالح , وقد قال الله تبارك وتعالى : ( وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ ) ، وشاورَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في مواضع ، وأشياء ، وأمر بالمشاورة , وكانت الصحابة تشاور في الفتاوى ، والأحكام . ” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 71 ) .

 

 

ثالثاً:

ولكن يشترط في أعضاء هذه اللجان : العلم ، والعدالة ، والأمانة , وأن يكون هذا هو الميزان في اختيارهم .

قال الشافعي – فيما رواه عنه الخطيب في كتاب ” الفقيه والمتفقه ” – رحمه الله -:  

لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله ، إلاَّ رجلاً عارفاً بكتاب الله ، بناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وتأويله وتنزيله ، ومكيه ومدنيه ، وما أريد به ، ويكون بعد ذلك ، بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالناسخ والمنسوخ ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ، ويكون بصيراً باللغة ، بصيراً بالشعر ، وما يحتاج إليه للسنَّة والقرآن ، ويستعمل هذا مع الإنصاف ، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار , وتكون له قريحة بعد هذا ، فإذا كان هكذا : فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام ، وإذا لم يكن هكذا : فليس له أن يفتي .

وقال علي بن شقيق : قيل لابن المبارك : متى يفتي الرجل ؟ قال : إذا كان عالماً بالأثر ، بصيراً بالرأي .

وقيل ليحيى بن أكثم : متى يجب للرجل أن يفتي ؟ فقال : إذا كان بصيراً بالرأي ، بصيراً بالأثر.

” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 34 ، 35 ) وانظر تتمة صفات المفتي في هذا الموضع.

 

والله أعلم.

 

وقفات مع جملتين: ” فقه الواقع ” و ” اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان “

وقفات مع جملتين: ” فقه الواقع ” و ” اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان ”

السؤال:

هل هناك ما يعرف بـ ” فقه الواقع ” ، و ” اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان ” , فهل هناك ما يثبت ذلك من الكتاب والسنَّة النبوية؟.

– أفيدونا، أفادكم الله, وجزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

– كلمة ” فقه الواقع ” تُطلق ويراد به أمران اثنان :

الأول : معرفة واقع المستفتي ، وحاله ، وواقع بلده ، فلا يُفتى في مسائل الجهاد لبلد حتى يكون عند المفتي تصور للحال في تلك البلاد ، كما لا يفتي في مسائل تتعلق بالكمبيوتر ، والإنترنت ، حتى يكون على علم بواقع تلك الأشياء ، وما يحدث فيها .

الثاني : معرفة ما يجري في العالَم من أحداث ، وقراء التحليلات السياسية لها ، والاطلاع على مذكرات الأعداء ، وقراءة كتبهم ، وصحفهم ، وتتبع خططهم في غزو البلاد ، أو نشر الفساد .

أما الكلمة بالمعنى الأول فنقول :

لا شك أن الفتوى تحتاج من المفتي إلى : فقه بالكتاب والسنَّة والإجماع ، وإلى فقه بواقع الناس ، والحال ، والزمان ، والمكان , والمسألة التي سيتكلم عنها ويفتي فيها ، وإلا كانت فتواه لا تفي بالحاجة ، أو لا يمكن تطبيقها ؛ لبعدها عن الواقع الذي يجهله ذلك المفتي .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

– ولا يتمكن المفتي، ولا الحاكم، من الفتوى، والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما : فهْم الواقع والفقه فيه ، واستنباط علم حقيقة ما وقع ، بالقرائن ، والأمارات ، والعلامات ، حتى يحيط به علماً .

والنوع الثاني : فهم الواجب في الواقع , وهو فهم حكم الله الذي حكم به ، في كتابه ، أو على لسان رسوله في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر .

” إعلام الموقعين ” ( 1 / 87 ) .

وقد طبَّق العلماء الأجلاء ذلك في فتاوى كثيرة متعددة ، ومن ذلك ما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية حين سئل عن قتال التتار مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله ، فقال:

نعم ، يجب قتال هؤلاء ، بكتاب الله ، وسنَّة رسوله ، واتفاق أئمة المسلمين ، وهذا مبني على أصلين : أحدهما : المعرفة بحالهم ، والثاني : معرفة حكم الله في مثلهم .

فأما الأول : فكل مَن باشر القوم : يعلم حالهم ، ومَن لم يباشرهم : يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة ، وأخبار الصادقين ، ونحن نذكر جلَّ أمورهم بعد أن نبيِّن الأصل الآخر الذي يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول :

كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة : فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين … . ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 510 ) .

ثانياً:

– وأما ” فقه الواقع ” على المعنى الثاني: فثمة إفراط فيه، وتفريط، وعليه فنقول:

إنه قد غلا بعض المشتغلين بهذا الفقه حتى طغى على جانب الفقه الشرعي لديهم ، بل وغلا بعضهم حتى أوجب هذا الفقه على علماء الشريعة والفقه ، ورمى بعضُهم كثيراً من المشايخ والعلماء بعدم فهم الواقع ، وبقلة فقه الواقع لديهم , وقابلهم طائفة أخرى في مقابلهم منعت من الاشتغال بما يدور بالعالم من أحداث وواقع , وخير الأمور أوسطها .

 قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :

ولقد أثيرَت أثناءَ تلك الفتنةِ ما اصْطَلحَ ( البَعضُ ) على تَسميِتِه بـ ” فقه الواقع ” ، وأنا لا أخاِلفُ في صورَةِ هذا العلم الذي ابتَدعوا لهُ هذا الاسمَ ، ألا وهو ” فقه الواقع ” ؛ لأنَّ كثيراً مِن العُلَماءِ قـَد نَصُّوا على أنَّه يَنَبغي على مَن يَتَوَلونَ تَوجيهَ الأمَّةِ وَوضعَ الأجوبَةِ لِحَلِّ مشاكلهم : أن يَكونوا عالِمينَ ، وعارفينَ ، بِواقِعِهِم ؛ لذلك كان مِن مَشهورِ كلماِتهِم : ” الحُكمُ على الشيءِ فَرعٌ عَن تَصَوُّرهِ ” ، ولا يَتَحقَّق ذلك إلا بمَعرفَةِ ( الواقِع ) المُحيطِ بالمسألَةِ المُرادِ بَحثُها ، وهذا مِن قَواعدِ الفُتيا بِخاصَّةٍ ، وأصول ِ العلم ِ بعامَّةٍ ، فَفِقهُ الواقع – إذاً – هو الوقوفُ على ما يَهُمُّ المُسلمين مِمَّا يَتَعلَّقُ بشؤوِنهِم ، أو كيدِ أعدائِهم ؛ لتحذيرِهم ، والنُّهوض ِ بهم ، واقعيَّاً ، لا كلاماً نَظَريَّاً ، أو انشغالاً بأخبارِ الكُفَّارِ وأنبائهم ، أو إغراقاً بِتحليلاِتهِم وأفكارِهم ، فمَعرفةُ الواقع ِ للوُصول به إلى حُكم ِ الشرع ِ: واجبٌ مهم مِن الواجباتِ التي يَجبُ أن يَقومَ بها طائفة مُختصَّة مِن طلاَّب ِ العلمِ المُسلمينَ النُّبَهاءِ ، كأيِّ علم مِن العلوم الشرعيَّةِ ، أو الاجتماعيَّةِ ، أو الاقتصاديَّةِ ، أو العَسكريَّةِ ، أو أيِّ علم ٍ يَنفعُ الأمَّة الإسلاميَّة َ ويُدنيها مِن مَدارج العَودَةِ إلى عِزِّها ، ومَجدِها ، وَسُؤْدُدِها ، وَبـِخاصَّةٍ إذا ما تـَطَوَّرَت هذه العلومُ بتـَطوُّرِ الأزِمنَةِ ، والأمكنَةِ … .

ولكَّننا سمِعنا ، ولاحَظنا : أنَّهُ قـَد وَقـَعَ كثيرٌ مِن الشبابِ المُسلِم في ” حَيْصَ بيْصَ ” نَحو هذا النَّوع من العلم الذي سَبَقت الإشارَةُ إلى تـَسمِيَتهم له بـِ ” فقه الواقع ” ، فانقـَسموا قسمين ، وصاروا – للأسَفِ – فَريقيَن ، حيثُ إنَّه قـَد غـَلا البَعضُ بهذا الأمر ، وَقـَصَّرَ البَعضُ الآخَرُ فيهِ ، إذ إنكَ تـَرى وتـَسمَعُ – مِمَّن يُفَخِّمونَ شأنَ ” فقه الواقع ” ، وَيَضعونَهُ في مرتبةٍ عَليَّةٍ فوقَ مَرتبتهِ العلميَّةِ الصَّحيحةِ – أنهم يُريدونَ مِن كُلِّ عالم ٍ بالشرع ِأن يَكونَ عالماً بما سَمَّوهُ ” فقه الواقع ” ، كما أَنَّ العَكسَ – أيضاً – حاصلٌ فيهم ، فـَقـَد أوْهموا السَّامعينَ لهم ، والمُلتفّينَ حَولـَهُم أنَّ كلَّ مَن كان عارفاً بواقع العالم الإسلاميِّ هو فقيهٌ في الكتابِ ، والسُّنَّةِ ، وعلى منهج السَّلف الصَّالح ! وهذا ليسَ بلازِم ٍ ، كما هو ظاهرٌ ، وَنَحنُ لا نَتـَصوَّرُ وجودَ إنسانٍ كاملٍ بكُلِّ مَعنى هذه الكلمةِ ، أي : أن يَكونَ عالماً بكُلِّ هذه العلوم التي أشرتُ إليها ، وَسَبَقَ الكلامُ عليها .

فالواجبُ إذاً : تعاوُنُ هؤلاء الذين تـَفَرَّغوا لِمَعرفةِ واقع الأُمةِ الإسلامَّيةِ ، وما يُحاكُ ضِدَّها ، مَعَ عُلماء الكتابِ والسُّنَّةِ وعلى نَهج ِ سَلفِ الأُمَّةِ ، فأولئكَ يُقدَّمونَ تـَصوُّراتِهم وأفكارَهم ، وهؤلاء يُبيِّنونَ فيها حُكمَ اللهِ سبحانَهُ ، القائمَ على الدِّليل الصَّحيح ، والحُجَّةِ النيِّرَةِ ، أمَّا أن يُصبحَ المُتـَكلِّمُ في ” فقه الواقع ” في أذهان ِ سامعيهِ واحداً من العُلماء والمُفتينَ ، لا لِشيءٍ إلا لأنَّه تكلَّمَ بهذا ” الفقهِ ” المشار إليه : فهذا ما لا يُحكَمُ له بوجهٍ من الصَّواب ؛  إذ يُتَّخَذُ كلامُهُ تُكَأة تُرَدُّ بها فتاوى العُلماء ، وتُنْقَضُ فيه اجتهاداتهُم ، وأحكامُهُم .

” سؤال وجواب حول فقه الواقع ” ( ص 14 – 16 ) باختصار يسير .

وقال – رحمه الله – :

فالأمرُ إذاً كما قال الله تعالى : ( وَكَذلكَ جَعَلناكُم أمَّة وَسَطاً ) ، ففقهُ الواقع بمَعناهُ الشرعيِّ الصَّحيح هو واجبٌ بلا شكّ ، ولكنْ وجوباً كِفائيّاً ، إذا قامَ به بَعضُ العُلماء سَقطَ عَن سائرِ العُلماء ، فضلاً عن طلاّبِ العلم ، فضلاً عَن عامَّةِ المُسلمين .

فلذلك يَجبُ الاعتدالُ بدعوة المُسلمين إلى مَعرفِة ” فقه الواقع ” ، وَعَدمُ إغراقهم بأخبارِ السِّياسة ، وَتـَحليلاتِ مُفكِّري الغـَرب ، وإنَّما الواجبُ – دائماً وأبَداً – الدَّندَنَة حولَ تـَصفية الإسلام مِمَّا عَلَقَ به مِن شوائبَ ، ثم تربَية المُسلمين – جماعاتٍ وأفراداً – على هذا الإسلام المُصَفَّى ، وَرَبطُهُم بـِمَنهَجِ الدَّعوةِ الأصيل  :الكتاب ، والسُّنَّة ، بفهم سَلَف الأمَّة  .” سؤال وجواب حول فقه الواقع ” ( ص 25 ) .

وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

وأما الاشتغال بواقع العصر – كما يقولون – ، أو ” فقه الواقع ” : فهذا إنما يكون بعد الفقه الشرعيِّ ؛ إذ الإنسان بالفقه الشرعيِّ ينظر إلى واقع الناس ، وما يدور في العالم ، وما يأتي من أفكار ، ومن آراء ، ويعرضها على العلم الشرعيِّ الصَّحيح ؛ ليميّز خيرها من شرِّها ، وبدون العلم الشرعيِّ : فإنه لا يُميِّزُ بين الحقِّ والباطل ، والهُدى والضَّلال ، فالذي يشتغل بادئ ذي بدء بالأمور الثقافية ، والأمور الصَّحافيّة ، والأمور السياسيّة ، وليس عنده بصيرة من دينه : فإنّه يَضِلُّ بهذه الأمور ؛ لأنَّ أكثر ما يدور فيها ضلالة ، ودعية للباطل ، وزُخرُفٌ من القول وغرور ، نسأل الله العافية والسَّلامة . ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 1 / 297 ) .

ثالثاً:

– وأما مسألة ” اختلاف – أو تغيُّر – الفتوى باختلاف الزمان والمكان ” : فلنا معها وقفات :

  1. يجب أن يُعلم أن الأحكام الشرعية المبنية على الكتاب والسنَّة : غير قابلة للتغيير ، مهما اختلف الزمان ، والمكان ، فتحريم الخمر ، والزنا ، والربا ، وعقوق الوالدين ، وما يشبه ذلك من الأحكام : لن يكون حلالاً في زمان ، أو في مكان ؛ لثبوت تلك الأحكام الشرعية بنصوص الوحي ، ولاكتمال التشريع بها .
  2. اتخذ بعض أهل الأهواء من تلك الجملة مطية لهم للعبث بالأحكام الشرعية الثابتة بنصوص الوحي المطهَّر ، ولتمييع الدين من خلال تطبيقها على أحكام قد أجمع أهل العلم على حكمها منذ الصدر الأول ، ولا يسلم لهم الاستدلال بها ، فهي لا تخدم أغراضهم ، وإنما نص الجملة في ” الفتوى ” ، لا في ” الأحكام الشرعية ” ، وبينهما فرق كبير ، فالأول في مسائل الاجتهاد ، وما كان بحسب الواقع ، فاختلاف الواقع ، والزمان له تأثير في الفتوى باحتمال تغيرها .

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – :

وحكمُ اللهِ ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان ، وتطور الأحوال ، وتجدد الحوادث ؛ فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى ، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، نصّاً ، أو ظاهراً ، أو استنباطاً ، أو غير ذلك ، علِم ذلك مَن علمهُ ، وجهله من جهله ، وليس معنى ما ذكره العلماء من ” تغير الفتوى بتغير الأحوال ” : ما ظنه من قَلَّ نصيبهم – أو عُدم – من معرفة مدارك الأحكام ، وعللها ، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية ، وأغراضهم الدنيوية ، وتصوراتهم الخاطئة الوبية ، ولهذا تجدهم يحامون عليها ، ويجعلون النصوص تابعة لها ، منقادة إليها ، مهما أمكنهم ، فيحرفون لذلك الكلِم عن مواضعه ، وحينئذ معنى ” تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان ” : مراد العلماء منه : ما كان مستصْحَبة فيه الأصول الشرعية ، والعلل المرعية ، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وسلم .

” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 11 / 288 ، 289 ) .

  1. القول بتغير الأحكام الشرعية الثابتة بالوحي يعني تجويز تحريف الدِّين ، وتبديل أحكامه ، والقول بذلك يعني تجويز النسخ بعد كمال التشريع ، ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وليُعلم أن الإجماع نفسه لا يمكن أن ينسخ حكماً ثابتاً في الشرع إلا أن يكون مستنده النص ، فإن لم يكن كذلك – وهو غير واقع في حقيقة الأمر – : كان القول به تجويزا لتبديل الشريعة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن ” الإجماع ” يدل على نص ناسخ ، فوجدنا من ذُكر عنهم : أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً ! فإن كانوا أرادوا ذلك : فهذا قول يجوِّز تبديل المسلمين دينَهم بعد نبيِّهم ، كما تقول النصارى مِن : أن المسيح سوَّغ لعلمائهم أن يحرِّموا ما رأوا تحريمه مصلحة ، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة ، وليس هذا دين المسلمين ، ولا كان الصحابة يسوِّغون ذلك لأنفسهم ، ومَن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك : فإنه يستتاب ، كما يستتاب أمثاله ، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم ، والمفتي ، فيصيب ، فيكون له أجران ، ويخطئ ، فيكون له أجر واحد . ” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 94 ) .

– وهذا من أعظم خصائص الشريعة وأحكامها القطعية .

قال الإمام الشاطبي – رحمه الله – في بيان ميزات أحكام التشريع القطعية – :

الثبوت من غير زوال ، فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً ، ولا تخصيصاً لعمومها ، ولا تقييداً لإطلاقها ، ولا رفعاً لحكم من أحكامها ، لا بحسب عموم المكلفين ، ولا بحسب خصوص بعضهم ، ولا بحسب زمان دون زمان ، ولا حال دون حال ، بل ما أثبت سبباً : فهو سبب أبداً لا يرتفع ، وما كان شرطاً : فهو أبداً شرط ، وما كان واجباً : فهو واجب أبداً ، أو مندوباً : فمندوب ، وهكذا جميع الأحكام ، فلا زوال لها ، ولا تبدل ، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية : لكانت أحكامها كذلك . ” الموافقات ” ( 1 / 109 ، 110 ) .

  1. ضابط فهم هذه العبارة في أمرين :

أ. التغير في الفتوى ، لا في الحكم الشرعي الثابت بدليله .

ب. التغير سببه اختلاف الزمان ، والمكان ، والعادات ، من بلد لآخر .

وقد جمعهما الإمام ابن القيم رحمه الله في قوله :

” فصل ، في تغير الفتوى ، واختلافها ، بحسب تغير الأزمنة ، والأمكنة ، والأحوال ، والنيات ، والعوائد ” ، والعوائد : جمع عادة ، وهو فصل نفيس ، ذكر فيه – رحمه الله – أمثلة كثيرة ، فلتنظر في ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 3 فما بعدها ).

ونضرب على ذلك أمثلة ، منها :

  1. اللُّقَطة ، فإنها تختلف من بلد لآخر ، ومن زمان لآخر ، في تحديد قيمة ما يجوز التقاطه ، وتملكه من غير تعريف ، فيختلف الأمر في البلد نفسه ، فالمدينة غير القرية ، ويختلف باختلاف البلدان ، والأزمنة .
  2. زكاة الفطر ، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها طعاماً ، بمقدار صاع ، وقد نص الحديث على ” الشعير ” ، و ” التمر ” ، و ” الإقط ” ، وهي الآن ليست أطعمة في كثير من البلدان ، فالشعير صار طعاماً للبهائم ، والتمر صار من الكماليات ، والإقط لا يكاد يأكله كثيرون ، وعليه : فيفتي العلماء في كل بلد بحسب طعامهم الدارج عندهم ، فبعضهم يفتي بإخراج الأرز ، وآخر يفتي بإخراجها ذرة ، وهكذا .

فالحكم الشرعي ثابت ، ولا شك ، وهو وجوب زكاة الفطر ، وثابت من حيث المقدار ، ويبقى الاختلاف والتغير في نوع الطعام المُخرَج .

والأمثلة كثيرة جدّاً ، في الطلاق، والنكاح، والأيمان، وغيرها من أبواب الشرع.

قال القرافي – رحمه الله – :

فمهما تجدد في العُرف : اعتبره ، ومهما سقط : أسقطه ، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك ، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك : لا تجره على عرف بلدك ، واسأله عن عرف بلده ، وأجره عليه ، وأفته به دون عرف بلدك ، ودون المقرر في كتبك ، فهذا هو الحق الواضح .

والجمود على المنقولات أبداً : ضلال في الدِّين ، وجهل بمقاصد علماء المسلمين ، والسلف الماضين ، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق ، والعتاق ، وجميع الصرائح والكنايات ، فقد يصير الصريح كناية فيفتقر إلى النية ، وقد تصير الكناية صريحا فتستغني عن النية . ” الفروق ” ( 1 / 321 ) .

– وقد أثنى ابن القيم رحمه الله على هذا الفقه الدقيق فقال – بعد أن نقل ما سبق -:

وهذا محض الفقه ، ومَن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم ، وعوائدهم ، وأزمنتهم ، وأحوالهم ، وقرائن أحوالهم : فقد ضلَّ ، وأضل ، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية مَن طبَّب الناس كلّهم على اختلاف بلادهم ، وعوائدهم ، وأزمنتهم ، وطبائعهم ، بما في كتابٍ من كتب الطب على أبدانهم ، بل هذا الطبيب الجاهل ، وهذا المفتي الجاهل : أضر ما يكونان على أديان الناس ، وأبدانهم ، والله المستعان . ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 78 ) .

 

والله أعلم.

الإجابة على أسئلة متفرقة:

الإجابة على أسئلة متفرقة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
الأخ الفاضل

– أشكر لك حسن ظنك ، وأسأل الله لي ولك العلم النافع والعمل الصالح.

– أما الجواب على أسئلتك ، فأقول:


أ. “إذا رأيتم العلماء بأبواب السلاطين ، فاتهموهم” ليس بحديث!!

وهو قول روي عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، ولفظه “الفقهاء أمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم”. وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في “فضيلة العادلين” (ص185) ، و”حلية الأولياء” (3/194) .

قلت : وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الحاكم في بعض تصانيفه ومن طريقه الديلمي – كما قال أبو نعيم – ، لكنه مليء بالعلل ، وأظن أن بعض تصانيف الحاكم هي تاريخ نبسا بور وهو مع مسند الفردوس للديلمي من مظنة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
– وانظر العلل هذه في “فضيلة العادلين” (ص186 (.

وقد نسب القول هذا لجعفر المذكور آنفا : المزي في “تهذيب الكمال” (5/88) ، والذهبي في “سير أعلام النبلاء” (6/262). والله أعلم
بأما قصة يزيد مع المصحف فلم أجدها في مظانها ، فلعلها كذبة من كذبات الرافضة!! أو لعل المراد ما نسب إليه من الشعر التشفي من أهل البيت وأنه كان يظهر إسلاما ويبطن كفراً!! فإن كان هذا هو المراد فهو كذب أيضاً ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
افترق الناس فى يزيد بن معاوية بن أبى سفيان ثلاث فرق :
– طرفان ووسط:

فأحد الطرفين قالوا إنه كان كافراً منافقاً وأنه سعى فى قتل سبط رسول الله تشفياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقاماً منه وأخذاً بثأر جده عتبة وأخي جده شيبة وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبى طالب وغيره يوم بدر وغيرها وقالوا تلك أحقاد بدرية وآثار جاهلية وأنشدوا عنه:

لما بدت تلك الخمول وأشرفت * تلك الرؤوس على ربى جيرون
نعق الغراب فقلت نح أولا تنح * فلقد قضيت من النبي ديونى
وقالوا أنه تمثل بشعر ابن الزبعرى الذي أنشده يوم أحد
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا الكثير من أشياخهم * وعدلناه ببدر فاعتدل

وأشياء من هذا النمط، وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان فتكفير يزيد أسهل بكثير!!! “مجموع الفتاوى” (4/481-482 (.

تأما أن عليا رضي الله عنه كان يسب على منابر الأمويين :
 – فإن كان من أهل العلم الفضل فكذب أصلع ، فهو صحابي جليل ومبشر بالجنة وخليفة راشد للمسلمين .
– وأما إن كان الساب جاهل ضال فلا يبعد ذلك ، والله عز وجل ما سلم من السب !! فلأن يسب إمام من جاهل فأمر لا يستغرب .

ث وأما “تفاءلوا بالخير تجدوه” فلا أظنكم تجدونه في كتاب مسند لا صحيح ولا ضعيف !!.

 

والله أعلم.