الرئيسية بلوق الصفحة 81

تفصيل مفيد في صفة ” السمع لله تعالى، وفيها بيان سماع الله لخلقه على اختلاف لغاتهم

تفصيل مفيد في صفة ” السمع لله تعالى، وفيها بيان سماع الله لخلقه على اختلاف لغاتهم

السؤال:

هل الله عز وجل يفهم جميع اللغات؟! ولماذا نعاني نحن كل هذه المعاناة في تعلم العربية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كلمة ” يفهم ” هي ترجمة حرفية لسؤال الأخ السائل، وقد آثرنا بقاءها لنبيِّن أنها غير لائقة بالله تعالى، فلا يحسُن استعمالها، ومثلها كلمة ” يعرف “، وهما فعلان لم يثبتا في كتاب، ولا في سنَّة، ويغني عنهما ” يعلم “، فهو فعل يحوي صفة لائقة بالله تعالى، ومن أسمائه تعالى ” العليم “، والمعرفة والفهم يسبقها جهل، فلم تكن لائقة – من هذا الباب – بالله تعالى.

* قال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن القاضي – حفظه الله -:

سألتُ شيخنا محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يوصف الله بـ ( العارف )؟ وما توجيه الحديث ( تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة )؟

فأجاب:

لا يُوصف الله بـ ” العارف “؛ لأن المعرفة لا تكون إلا بعد جهل، وأما الحديث: فالمراد بمعرفة الله بالعبد: اللطف به.

” ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين “، مسألة رقم ( 1 ).

 

ثانيًا:

والله تعالى جلَّ وعلا ليس كخلْقه، بل له صفات الكمال سبحانه وتعالى، فهو عزَّ وجلَّ قال عن نفسه ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الشورى/ من الآية11.

والله تعالى هو الذي خلق اللغات، وجعل ذلك من آياته تعالى على ربوبيته، وقدرته، قال تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ ) الروم/ 22.

 

 

* قال القرطبي – رحمه الله -:

( وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ) اللسان في الفم، وفيه اختلاف اللغات: من العربية، والعجمية، والتركية، والرومية، واختلاف الألوان في الصور: من البياض، والسواد، والحمرة، فلا تكاد ترى أحدًا إلا وأنت تفرِّق بينه وبين الآخر، وليس هذه الأشياء من فِعل النُّطفة، ولا مِن فعل الأبوين، فلا بدَّ من فاعل، فعُلم أن الفاعل هو الله تعالى، فهذا مِن أدل دليل على المدبر، البارئ.

( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ ) أي للبَرِّ، والفاجر، وقرأ حفص: ( للعالِمين ) بكسر اللام، جمع عالِم. ” تفسير القرطبي ” ( 14 / 18 ).

وكيف يكون إلهًا، ومعبودًا، وربًّا، وهو لا يعلم ما يقوله عباده، وكيف يستجيب سبحانه لخلقه وعبيده الذين يلجئون إليه في الضرَّاء؟! وكيف يثيبهم ويؤجرهم وهو لا يعلم ما يقوم به عباده من طاعات؟! وكيف سيعاقب الكافر والعاصي إن كفر أو عصى بلسانه؟! فليس هذا الجهل إلا من صفات المخلوقين، فهم الذين يعرفون لغة، أو اثنتين، ويجهلون آلاف اللغات، وأما الرب الخالق عز وجل فهو الذي يدبِّر الأمور، وهو الذي يعلم ما تخفيه نفوسهم فضلا عما يجهرون به بألسنتهم، ولا يكون المرء مسلمًا إلا بالإيمان بهذا في حق ربه تعالى.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ( … يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. رواه مسلم ( 2577 ).

ولذلك لم يكن على المسلم أن يدعو باللغة العربية، وله أن يدعو بما يشاء بأي لغة شاء، بخلاف العبادات التي يشترط في أدائها قيامها باللغة العربية.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يجوز له الدعاء باللغة الإنجليزية؟.

فأجابوا:

يجوز للشخص أن يدعوَ الله جل وعلا باللغة التي يعرفها، من لغة عربية، أو انجليزية، أو أوردية، أو غيرها من اللغات؛ لقوله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وقوله سبحانه: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 7 / 113، 114 ).

 

ثالثًا:

وقد نصَّ النبي صلى الله عليه وسلم على علم الله تعالى بما يتكلم به خلقه دون وجود ترجمان بينه وبين المتكلم من خلقه.

عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ). رواه البخاري ( 7005 ) ومسلم ( 1016 ).

* وفي رواية للبخاري:

( وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ ).

رواه البخاري ( 3400 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا في الحديث ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ) يعني: يكلمه الله يوم القيامة بدون مترجم، يكلم الله كل عبد مؤمن، فيقرره بذنوبه.

ففي هذا الحديث: دليل على كلام الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يتكلم بكلام مسموع مفهوم، لا يحتاج إلى ترجمة، يعرفه المخاطب به.

” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 202، 203 ).

ومن عظيم صفات الله تعالى ” السمع “، فهو سبحانه وتعالى أثبت سماعه للأصوات، وأثبت علمه وإحاطته بما يسمع، وأثبت إجابته لأصحاب الأصوات، وهذه المعاني الثلاثة هي معاني ” السمع ” المستحقة له تعالى.

فالمعنى الأول: وهو المتعلق بالأصوات: فدليله: قوله جل وعلا ( لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ )، وقوله تعالى ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ).

وأما المعنى الثاني: وهو المتعلق بالعلم : فدليله: قوله جل وعلا ( وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا )، وقوله تعالى: ( أََمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ )، فالسمع هنا بمعنى ” العلم ” بما يسمعون، ويقال في حق الخلق ” الفهم “، ويقال في حق الله تعالى ” العلم والإحاطة “.

وأما المعنى الثالث: وهو ما كان بمعنى ” الإجابة “، فهو معنى ما يقوله المصلي في صلاته ” سمِع الله لمن حمده “، يعني: أجاب الله حمْدَ مَن حمِده، والإجابة هنا بمعنى: الثواب.

وقوله تعالى ( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) إبراهيم/ من الآية39: يصلح للمعاني الثلاثة جميعًا، فهو يسمع صوت الداعي، ويعلم ما يريده، ويجيبه، سبحانه وتعالى.

 

رابعًا:

والله سبحانه وتعالى لا تختلط عليه الأصوات، بل يحيط بها سماعًا لها، وعلمًا بها، وثوابا عليها، مع اختلاف اللغات، ولو كان كلامهم في لحظة واحدة.

عن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) قَالَ اللَّهُ: تَعَالَى حَمِدَنِى عَبْدِى، وَإِذَا قَالَ ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِى، وَإِذَا قَالَ ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ )، قَالَ هَذَا لِعَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ » رواه مسلم ( 395 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فهذا يقوله سبحانه وتعالى لكل مصلٍّ قرأ الفاتحة، فلو صلَّى الرجل ما صلَّى من الركعات قيل له ذلك، وفي تلك الساعة يصلي مَن يقرأ الفاتحة مَن لا يُحصي عددَه إلا الله، وكل واحدٍ منهم يقول الله له كما يقول لهذا،  كما يحاسبهم كذلك، فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة، وكذلك سمعه لكلامهم، يسمع كلامهم كلَّه مع اختلاف لغاتهم، وتفنن حاجاتهم؛ يسمع دعاءَهم سمْع إجابة، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين؛ فإنه سبحانه هو الذي خلق هذا كله، وهو الذي يرزق هذا كله، وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له، وكذلك من الزرع.

” مجموع الفتاوى ” (5 / 479، 480 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة – وقد سئلوا بسؤال مطابق في اللفظ -:

– وليس هناك من يعلَم جميع لغات المخلوقات سوى الله، فلا يتمكن أي مخلوق من سماع كل سائل، ويفهم ما يقول حتى يجيبه إلى مسألته.

– وعلى فرض معرفة أحد سوى الله بلغات العالم – وهو مستحيل -: فهو لا يستطيع أن يسمع نداء الكثرة منهم إذا سألوه في وقت واحد، وأن يحقق مطالبهم في وقت واحد، مع تباين حاجاتهم، وتباعد أماكنهم.

– ولا يتمكن الإنسان ونحوه من الاستماع للسائلين وإجابتهم في كل وقت؛ فإن من شأنه النسيان، والغفلة، والضعف، والنوم، والحاجات والأسئلة والأدعية مستمرة، فلا يقوى على تحقيق ذلك إلا الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنَة، ولا نوم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 148، 149 ).

ومن توفيق الله لنا موافقتنا لعلمائنا، حيث سئلوا بلفظ ” الفهم ” في حق الله، فاستعملوا لفظ ” العلم “، وجعلوا ذلك اللفظ للمخلوق.

 

خامسًا:

وأما تعلم اللغة العربية: فهو واجب بما تقام به الفروض التي يجب إقامتها بها.

* قال الإمام الشافعي – رحمه الله -:

فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جَهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذِّكر فيما افترض عليه من التكبير، وأُمر به من التسبيح، والتشهد، وغير ذلك. ” الرسالة ” ( ص 48 ).

وأما سبب معاناة كثيرين في تعلم العربية: فلعل ذلك يعود لأسباب كثيرة.

* قال الأستاذ محمد صاري – أستاذ مكلف بالدروس بقسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عنابة –:

وممَّا لا شك فيه أن أسباب عديدة ساهمت – بنسب متفاوتة – في خلق أزمة النحو في المجال التربوي التعليمي، أهمها:

  1. القصور في فهم وظيفة القواعد، وعدم وضوح الأهداف من تدريسها. وقد أدى هذا إلى سوء استغلالها من قبل المربين والمعلمين، وإلى فهم قاصر محدود لطبيعتها، والهدف من تدريسها. فكثيرا ما يتم تدريسها بعيدا عن الغاية المقصودة.
  2. الافتقار إلى مادة نحوية تعليمية مناسبة، يتم إعدادها للمتعلمين، وعرضها عليهم في ضوء مجموعة من المقاييس العلمية، والتربوية، والنفسية، منها ما يخص طبيعة المعرفة التي تعد لها هذه المادة، ومنها ما يخص الدارسين الذين يستخدمونها.
  3. سوء إعداد معلمي اللغة العربية، وعقم طرائق التدريس المتبعة، مقارنة بما يجري في تعليم اللغات عند الغربيين.

وإلى جانب ذلك كله: هناك طبيعة المادة النحوية المدرَّسة في حد ذاتها، فهي – في الكتب والمقررات التعليمية – نوع من التحليل الفلسفي، فيها كثير من المصطلحات، والحدود، والتفريعات التي يعجز عن فهمها المعلِّمون، فضلًا عن المتعلمين. .

انتهى من بحث بعنوان ” تيسير النحو: موضة أم ضرورة ؟ “.

وهو هنا:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/attachment.php?attachmentid=52311&d=1198269221

 

* ومما ننصح به لدراسة النحو للمبتدئين:

  1. حسن اختيار المعلِّم الذي يسهِّل المادة، ويراعي فيها الطلاب.
  2. قراءة الكتب المعاصرة السهلة في الموضوع، مثل: ” النحو الواضح ” لعلي أمين ومصطفى الجارم، و ” القواعد الأساسية ” لأحمد الهاشمي، و ” التطبيق النحوي ” لعبده الراجحي، وكلهم معاصرون، تميزت كتبهم بالسهولة، وأسلوبهم بالوضوح.

 

وإن كان السؤال يراد به: اللغة العربية ذاتها لغير الناطقين بها: فيمكن حل هذه المعضلة عند الدارس بحسن اختيار المعلِّم، وكثرة مخالطته للعرب، وتعويد نفسه أن لا يتكلم إلا بالعربية، وأن يكثر من القراءة فيها، ويدعو الله أن يسهل أمرها عليه.

 

والله الموفق.

هل ننصحه بدراسة المحاسبة؟ وما مجالات العمل المباح فيها؟

هل ننصحه بدراسة المحاسبة؟ وما مجالات العمل المباح فيها؟

السؤال:

أنا طالب سنة أولى في الجامعة، تخصصي اقتصاد، وأعمال، ورياضيات، وأفكر – بإذن الله – أن أواصل مشواري المهني في مجال الاقتصاد، ولكنه قد نما إلى مسمعي أن هذا المجال حرام؛ لأنه يتعامل مع الربا، فهل حرام أن أعمل مثلًا في البنك الوطني في إنجلترا؟ وهل من الممكن أن تذكروا خمسة أعمال جائزة وليس فيها شبهه يمكن لمن هذا تخصصه أن يعمل فيها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لتعلم أخي السائل أننا لا نجيز الدراسة المختلطة، حتى لو كانت في بلد إسلامي، وحتى لو كانت لدراسة الشريعة!.

كما لا نجيز للمسلمين الذين خرجوا من ديارهم طوعًا أن يقيموا في دول غير إسلامية لغير ضرورة شرعية تبيح لهم ذلك.

ثانيًا:

دراسة علم الاقتصاد العام، أو المحاسبة تحديدًا: لا بأس به من حيث الأصل، فهو علم له وجوده العملي الذي لا يُنكر، لكن ثمة محاذير في طبيعة كثير من المواد الواقعة تحت بنود تلك الدراسات، وهي التي تتعلق بالربا، والمستندات، وغيرها، مما يجوز معرفته لأجل المعرفة، لا من أجل اعتقاد صوابه، والعمل به.

ثالثًا:

وتضيق فرص العمل على من درس علوم الاقتصاد، وبخاصة علم ” المحاسبة “؛ وذلك بسبب اشتمال كثير من أعمال المصانع، والشركات، والمؤسسات على أمورٍ ربوية، في إيداعها، واقتراضها، وإقراضها.

وأما ” الرياضيات ” فإن أمرها أهون، دراسة، وعملًا، حيث تختلف في طبيعتها عن ” المحاسبة “، وتختلف تبعاً لذلك طبيعة أعمال الخريجين من كل تخصص.

* ومن الأعمال الشرعية التي نقترحها عليك مما يتعلق بالتخصصات المذكورة:

  1. العمل في تدريس مادة ” الرياضيات “.
  2. العمل في شركة أو مؤسسة طبيعة عملهما مباحة، في قسم الرواتب، وذلك باستلام الراوتب من مصدرها، وتوزيعها على مستحقيها.
  3. العمل في محل لـ ” الصرافة “، بشرط الالتزام بالأخذ والإعطاء يدًا بيد، دون تأخير.
  4. العمل في أي قسم يتعلق بتخصصك إن كانت الشركة إسلامية، وتتحرى الحلال في عملها.
  5. العمل في ” تدقيق حسابات ” الشركات والمؤسسات ذات الأعمال المباحة.

كما يمكنك القيام بأعمال حرَّة، في البيع والشراء، دون ارتباط بمؤسسة، أو شركة، وهو خير من كل ما ذكرناه؛ لأنك تتحكم بعملك وموافقته للشرع.

 

– ونسأل الله تعالى أن يرزقك رزقًا حسنًا، وأن ييسر لك أمرك، ويوفقك لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

مذيعات وداعيات في قنوات إسلامية ينمصون حواجبهن، فهل يعني هذا جواز فعلهن؟!

مذيعات وداعيات في قنوات إسلامية ينمصون حواجبهن، فهل يعني هذا جواز فعلهن؟!

السؤال:

نعلم أن نتف الحواجب حرام شرعًا، وكل العلماء أجمعوا على ذلك، غير أننا نشاهد كل يوم في القنوات الفضائية الدينية مقدمات، وداعيات للإسلام متبرجات، مع نتف الحواجب، ويدعين أن هذا ليس بالحرام، فما حكمكم أنتم في هذا؟.

وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها ويديها – فضلًا عن غيرهما – أمام الأجانب، ولا أن تضع مساحيق التجميل وتتزين بها ليراها الرجال على تلك الحالة، وكل ذلك لا تخلو منه مذيعة تلفزيونية تضع قطعة قماش على رأسها، وتسمي نفسها مذيعة إسلامية! في قناة قضائية إسلامية!.

– وقد بينا تحريم عمل المرأة مذيعة في الإذاعة والتليفزيون في جواب آخر فليُنظر.

ثانيًا:

وقد أضافت كثيرات لما سبق ذكره من المحرمات: تنميص حواجبهن، وهو من الأفعال المحرمة، والتي ورد فيها اللعن، وهي من علامات الكبائر في الشرع المطهر.

عَنْ عَلْقَمَة عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُستوشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. رواه البخاري ( 5604 ) ومسلم ( 2125 ).

* وفي هذا الحكم مسائل نذكرها على وجه الاختصار:

  1. اختلف العلماء في معنى ” النمص “، وهل يشمل إزالة شعر الوجه أيضًا، أم هو خاص بالحاجبين، والصحيح: أنه مختص بالحاجبين، وأن معناه في الأصل: الترقيق، وهو لا يصدق إلا على الحاجبين.

ولما روى أبو داود هذا الحديث في سننه ( 4169 ) قال:

والنامصة: التي تنقش الحاجب حتى تُرِقَّه. انتهى.

  1. وأجاز بعض العلماء حلق شعر الحاجب! وجعل التحريم مختصًا بالنمص، وهو النتف.

ويرد عليه: بأن علة التحريم تصدق على الحلق، كما تصدق على النتف، فالعلة هي ” تغيير خلق الله “، وهي منصوص عليها في الحديث نفسه.

 

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله ( المغيرات خلق الله تعالى ) كالتعليل لوجوب اللعن.

” عمدة القاري ” ( 22 / 63 ).

فالصحيح: أنه لا يجوز التعرض للحاجبين بحلق، ولا قص، ولا نتف، إلا أن يكون الحاجب ثخينًا على خلاف أصل الخلقة، فيجوز حينها تخفيفه لإزالة هذا العيب.

  1. وأجاز بعض العلماء تنميص الحواجب إذا كان بقصد الزينة للزوج دون غيره!.

ويرد عليه: بأن الحديث عام، ولا يُعرف التزين أصلًا لغير الزوج حتى ينهى عنه إلا من أجله، ثم إن راوي الحديث وهو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فهم منه العموم، ولم يفهم منه استثناء الزوج.

* وفي تتمة حديثه السابق قال علقمة التابعي الراوي عن ابن مسعود:

فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا ” أُمُّ يَعْقُوبَ “، وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَتَتْهُ: فَقَالَتْ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: فَإِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الْآنَ! قَالَ: اذْهَبِي فَانْظُرِي، قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، فَقَالَ: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا. انتهى.

ومن الواضح عدم انطباق هذا الحكم – أي: استثناء النمص من أجل الزوج – لو قيل به – على المذيعات في التلفاز؛ لأنهم يفعلن ذلك لملايين الناس! وقد تكون كثيرات منهن لسن بمتزوجات.

  1. وجعل بعض العلماء هذا النمص خاصًّا بمن تقصد التشبه بالفاجرات.

ويرد عليه: بعموم الحديث الخالي من هذه العلة، وبأن الفعل نفسه تشبه، ولا يشترط في مثل هذه الأفعال النية؛ لأن النهي ينصب على ذات التشبه، فكيف والحديث ليس فيه تعليل النهي بعلة التشبه بالفاسقات والفاجرات؟!.

ثالثًا:

والذي يتبين بعد ما سبق ذِكره: أنه لا يجوز للمرأة العمل في أماكن تختلط فيه بالرجال، وأن من ذلك العمل في القنوات الفضائية، وخاصة إن كانت مذيعة تخرج ليشاهدها الملايين، وتُحفظ صورتها لتبقى دهورًا تتناقلها الأجيال، وهؤلاء المذيعات لسن قدوة للنساء العفيفات الطاهرات؛ فإنهن رضين لأنفسهن بالتعرض لأن يراها الرجال الأجانب، وهو ينبو عن قلة حياء إن لم يكن انعدامه، والمرأة الحيية تستحيي أن يراها رجل واحد وهي متبذلة، فكيف أن يراها ملايين وهي متجملة، بل في كامل زينتها، وهي رضيت أن تكون سلعة لأصحاب القنوات لجذب المشاهدين، ولو لم تكن ذات جمال لما جاءوا بها حتى لو كانت تتقن العمل!.

والأشد إثمًا من تلك المذيعات: من تزعم أنها داعية! ثم تفعل فعل المذيعات بلبس الحجاب الملون، ووضع المكياج، ونتف الحواجب، ولا ندري كيف تدعو غيرها وهي أولى الناس بدعوة نفسها وتذكيرها، وما هؤلاء الداعيات المرتكبات للمحرمات إلا كأولئك الدعاة الجدد! الذين يلبسون ” الجينز “! ويجلسون مع الأجنبيات، وينظرون إليهن، وهم يحلقون لحاهم، وأحيانًا مع شواربهم! ولعلنا نقف معهم وقفة أخرى في مناسبة غير هذه.

ولا نستريب في حرمة التعرض للحاجبين – ذكورًا وإناثًا – بحلق، أو قص، أو نتف ، وأن من فعل ذلك فهو متعرض للعن ربه تعالى.

 

– ونسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

 

والله أعلم.

بدعة تجميع مليارات من الصلاة على رسول الله بمناسبة المولد النبوي!

بدعة تجميع مليارات من الصلاة على رسول الله بمناسبة المولد النبوي!
السؤال:
السلام عليكم ما مدى مشروعية عمل هذا الموقع وأشباهه:
http://slawat.com/1429
هل هو مشروع؟ وهل هناك تشابه بينه وبين بدعة الصلاة على النبي في المنتديات؟.
وفي الموقع المذكور:
موقع الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
بسم الله الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب/ 56.
قال رسول الله 🙁 إن صلى عليَّ من أمتي صلاةً مخلصًا من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات ورفعه بها عشر درجات وكتب له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ). رواه النسائي والطبراني ورجاله ثقات.
أخي الغيور على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
في العام الماضي وجهَنا فضيلة الشيخ ” أسامة الخاني ” حفظه الله تعالى إلى الإكثار من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم لمدة شهرين! قبل موعد عيد المولد النبوي! هدية متواضعة، تعبيرًا عن الحب الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم، وشجع تلاميذه في ” جامع الرضا ” بدمشق أقرباءهم، وأصدقاءهم، ومعارفهم، في القرى، والمدن فجمعوا 7.990.424.424 سبعة مليارات وتسعمائة وتسعون مليون وأربعمائة وأربع وعشرين ألفًا وأربعمائة وأربع وعشرين مرةً صلاةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم !!، وفي العام الذي قبله تم جمع 1.327.000.000 مليار وثلاثمائة وسبعة وعشرون مليون صلاةً على رسول الله! واليوم ندعو المحبين الصادقين في العالم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الصلاة والسلام عليه التي فيها تزكية للنفوس، وتفريج للهموم، ومغفرة للذنو ، وتبليغ من تحبون على المشاركة، فالدال على الخير كفاعله، سائلين الله تعالى أن يفرج عن الأمة الإسلامية محنتها، وأيضًا تطبيق أكبر عدد من السنن النبوية، والتخلق بأخلاقه الطاهرة، وحفظ أحاديثه العظيمة.
طريقة المشاركة بالصلاة على النبي:
كل شخص يوزع على معارفه عددًا محددًا يكلفه بها من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يضع العدد الذي جمعه من معارفه وأصدقائه وأهله هنا؛ لنجمع العدد من هذه الصفحة بالمشاركة ، كمثال: أحد الطلاب في الحي ذهب وطرق باب كل بيت، وطلب من كل عائلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعدد 1000 أو أكثر، وقال لهم: سأعود إليكم بعد أسبوع لكي تعطوني ما وصلتم إلي، فمنهم من قضى الألف، ومنهم من زاد، وهكذا قام بجمع ما يقارب مليون ونصف من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره من خلال مدرسته وزع على الطلاب كل واحد 500 مرة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فجمع من خلال ذلك 3 مليون مرة ، فأنت بإمكانك أن تكتب الموضوع في المنتديات المشارك بها ، وتجمع ممن يشاركك عددًا من الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقدمها هنا برد صغير، داعين الله لكم بحسن التوفيق.
– لمزيد من المعلومات يمكنك المراسلة عبر ” اتصل بنا “.
انشرها بكل المواقع، والمنتديات المشارك بها؛ لتكسب الأجر والثواب لك ولنا، ولا نريد جزاءً، ولا شكورًا، إلا دعوة صالحة.
موقع ” الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ”
الحقول التي بجانبها إشارة * مطلوبة
الاسم: *
عدد الصلوات التي أنجزتها
البلد: *
*
المدينة:

البريد الإلكتروني: *
مخفي لا يراه الزوار للإدارة فقط
ظاهر للزوار
التعليق:
لا يراه الزوار للإدارة فقط
يراه الزوار
قبل أن تكتب تذكر أن العدد الذي ستقدمه هو أمانة في عنقك إلى يوم القيامة

المجموع العام لعدد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: [13622679918].

الجواب:
الحمد لله
كل من عرف السنَّة وأحكامها، واستضاء بنورها، واستظل بفيئها، وذاق لذة الاتباع: علم أن مثل هذه الأفعال الواردة في السؤال بدعة ضلالة، وأنه ليس بمثل هذا يكون المسلم محبًّا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فأين أبو بكر والصحابة عن مثل هذا؟ وأين سعيد بن المسيب والتابعون عن مثل هذا؟ وأين مالك والأئمة الثلاثة عن مثل هذا؟ ليس يوجد عن أحدٍ من أولئك مثل ذلك الفعل، بل ولا قريب منه.
نعم، أمرنا الله تعالى بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، ورغبنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لكن لم يفعل أحدٍ من المحبين له على الحقيقة، والراغبين بالأجور العظيمة لأنفسهم مثل هذا، ولا قريبًا منه.
وتضييع الأوقات في عمل جداول، وتوزيع ذلك في المدارس، وعلى البيوت، وفي المنتديات: كل ذلك لا فائدة منه، وهو هدر للعمر، وكان يمكنهم لو أنهم عرفوا معنى الاتباع أن يجعلوا هذه الجهود فيما هو مفيد، من تعليم الناس هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الزوجات، ومن تعليم الناس كيف يتوضؤون، وكيف يصلون، ومن حث الناس على ترك الربا، والتخلف عن صلاة الجماعة، بل ترك الصلاة بالكلية، ومن تحذير النساء من التبرج والسفور، وغير ذلك، مما يمكن أن يكون له الأثر البالغ في إيصال رسالة الإسلام لطوائف وجماعات كثيرة، تجهل هذا الهدي، وتضل عن سواء السبيل، ولكن أنَّى يوفّق المبتدع لهذه الأفعال الجليلة وهو ينظر بعين السخرية للاتباع الصحيح، وبعين التجهيل للمحبة الشرعية؟!.
– وللوقوف على حكم الصلاة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعناها: انظر أجوبتنا الأخرى.
* وقد وقع هؤلاء القوم في بدع متعددة، أو في بدعة من وجوه متعددة، ومن ذلك:
1. أنهم جعلوا هذه الصلاة بمناسبة عيد! المولد النبوي، وهي مناسبة بدعية، ولو جاز الاحتفال بها من الناس لم يجز لهم الاحتفال بها؛ لأن احتفالاتهم لا تخلو من شرك، وغلو، واختلاط رجال بنساء، هذا مع أنه لا يوجد نص صريح صحيح في ميلاده صلى الله عليه وسلم، ولا يوجد اتفاق بين أهل العلم على تاريخ ذلك، بل الاتفاق على يوم وشهر وفاته حاصل بين العلماء، وهو يوم احتفال هؤلاء!.
2. تحديدهم لعدد معيَّن، وحساب ذلك لأنفسهم، وعلى الناس، وهو ما لم يأت في شرع الله تعالى، والمسلم له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عشرًا كما في الحديث الوارد في السؤال – مع أن فيه كلامًا من حيث صحته -، وما زاد على ذلك فهو له، وليس له أن يأتي لذكر له عدد محدد فيجعله مطلقًا، ومثله أن يأتي لذِكر مطلق فيحدده بعدد من كيسه.
3. أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست من الأذكار العامة الجماعية، بل هي ذِكر خاص بين العبد وربه تعالى.
4. وفي بدعتهم تلك إشغال وقت وبال المسلمين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يوقعهم في ترك الأذكار الأخرى المشروعة، أو وضع الصلاة على النبي في غير موضعها المشروع.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:
والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله تعالى: فلكل ذِكرٌ موطنٌ يخصه، لا يقوم غيره مقامه فيه، قالوا: ولهذا لا تشرع الصلاة عليه في الركوع، ولا السجود، ولا قيام الاعتدال من الركوع.
” جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام صلى الله عليه وسلم ” ( 1 / 424 ).
فالواجب على من اخترع هذه الطريقة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوب من بدعته هذه، وأن يكف عن دعوة الناس للمشاركة بها، كما يحرم على أحدٍ من المسلمين المشاركة مع أولئك في بدعتهم تلك، وليسعهم ما وسع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل السنَّة، ولا يمنعهم عالِم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم استجابة للأمر الرباني، وتحقيقاً للترغيب النبوي، لكن ليس بمثل هذه الطرق المبتدعة يُتقرب إلى الله بهذا الذِّكر، ولا بغيره.

وفيما أحلنا عليه من أجوبة داخل الموقع زيادة بيان، فلتقرأ الأجوبة بتمعن، وتمهل، ونرجو الله أن ينفع بها، وأن يهدي ضال المسلمين لاتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

والله أعلم.

خرافات عند العوام لها حكم ” التِّوَلة ” و ” التمائم ” و ” الطِّيَرة “

خرافات عند العوام لها حكم ” التِّوَلة ” و ” التمائم ” و ” الطِّيَرة ”

السؤال:        

اليوم بالشغل عرفت معلومة من بعض الزملاء، وهما ليسوا كبارًا بالسن يعني: يعتبرن أمهات، لكن للأسف الشديد منتشر بينهم عادات غلط، وخطر بنفس الوقت، ومخالفة للدين ..منها:

  1. الحزازة للطفل المولود الذي يصيبه الحزق، فيقومون بجمع أي مبلغ مهما كان من سبعة أشخاص، على شرط أن يكون اسمهم ” محمد “، ويذهبون به إلى ” حدَّاد ” لعمل ما يسمونه ” الحزازة ” تقريبا ؛ ليعلقوها بملابس الطفل، فيذهب عنه الحزق .
  2. إذا امرأة بعد وضعها للطفل وهي في حالة النفاس لا يجب أن يدخل عليها امرأة أخرى عليها الدورة الشهرية؛ لأنها تمنعها من الإنجاب.
  3. البنات الصغار بعد أن تتم لهن عملية الختان لا يجب أيضا أن يدخلن على بعض .

وأشياء كثيرة من هذا القبيل، والله أنا أفهِّم فيهم أن هذا حرام، وغلط ، بس كنت أريد أعرف الدلائل الدينية لتحريم هذا؛ لأني أعتقد أن أول مسألة هي مثل التمائم، وفيها شرك بالله، اللهم تب علينا.

– أرجو المساعدة منك، ولك جزيل الشكر، والسؤال لأخت فاضلة، أقوم بالسؤال لها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذه الخرافات التي يتناقلها كثيرون قولًا، ويؤدونها عملًا: هي من نتاج الجهل باعتقاد أهل السنة والجماعة، والعجيب أن كثيراً من هؤلاء عندما يأتيهم أهل العلم بالاعتقاد الصحيح المؤيد بالكتاب والسنَّة، والموافق لصريح المعقول: يتهمونهم بأنهم جاءوا بدين جديد! ويرفضونهم، ويرفضون الأخذ بذلك العلم المؤصل, وتلك العقيدة النقية، وهم أولى بهذه الأوصاف، وأحق بها، وليس دينهم فقط جديدًا، بل هو مضاد لما جاءت به الأنبياء والرسل من التوحيد، والاعتقاد الصحيح.

والخرافات الثلاثة الواردة في السؤال: الأول منها: يدخل في حكم ” التمائم “، و ” التوَلة “، والثاني والثالث منها: يدخل في حكم ” الطيَرة ” و ” التشاؤم “، وكل ذلك جاء النص الواضح البيِّن فيه أنه ” شرك “.

ثانيًا:

أما الخرافة الأولى:

فلها حكم ” التِّوَلة ” وهي شيء يُصنع يزعمون أنه يحبب الزوجة لزوجها، والعكس، ولها حكم ” التمائم ” – جمع ” تميمة ” وسميت كذلك لاعتقادهم أنه بها يتم النفع ودفع الضر – وهي أشياء يعلقونها على صدورهم، أو عضدهم، مثل: الخرز، والخيوط، وحدوة الفرس، والعين الزرقاء، والكف، وغيرها كثير مما يعتقدون فيها أنها تجلب خيرًا ونفعًا، أو تدفع شرًّا وضرًّا، وهذه الأشياء لم يجعل الله تعالى فيها نفعًا لا قدرًا، ولا شرعًا.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعود قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ ). رواه أبو داود ( 3883 )، وابن ماجه ( 3530 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وحكم هذه ” التولة ” و ” التمائم ” – ومنه ما جاء في الخرافة من تعليق ” الحزازة ” -: أن متخذها ، أو المعلِّق لها إن اعتقد أنها سبب لجلب النفع، ودفع الضر، وأن النفع والضر بيد الله تعالى: فقد وقع في الشرك الأصغر؛ لجعله ما ليس سببًا سببًا، وإن اتخذها، أو علقها معتقداً أنها تنفع وتضر بذاتها: فقد وقع في الشرك الأكبر.

فالواجب على كل من اتخذ شيئًا مما سبق ذِكره، أو ما يشبهه: أن يتخلص منها، بقطعها عن الأطفال ومن الجدران، والبيوت ، ونزعها عن الصدر، والعضد، واليد، ومن ثمَّ إتلافها بالتحريق، أو التكسير.

عن أَبَي بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا : ( أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ – أَوْ قِلَادَةٌ – إِلَّا قُطِعَتْ ).

رواه البخاري ( 2843 ) ومسلم ( 2115 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ( قلادة من وَتَر – أو قلادة – ) شك من الراوي، والأول أرجح؛ لأن القلائد كانت تُتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد؛ لأنه تعلق بما ليس بسبب، وقد سبق أن التعلق بما ليس بسبب شرعي، أو حسي: شرك؛ لأنه بتعلقه أثبت للأشياء سببًا لم يثبته الله، لا بشرعه، ولا بقدره، ولهذا أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نقطع هذه القلائد.

أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة، كالزمام: فهذا لا بأس به؛ لعدم الاعتقاد الفاسد، وكان الناس يعملون ذلك كثيرًا من الصوف، أو غيره.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 9 / 169 ).

ثالثًا:

وأما الخرافة الثانية والثالثة:

فهي من ” الطِّيَرة “، وهي التشاؤم، وللجاهليين ألوان في التشاؤم بالأشياء، مسموعة  أو مرئية.

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الطيَرَةُ شِرْك ).

والواقع يكذِّب تلك الخرافات الواردة في السؤال، فكثيرًا ما دخلت النساء الحيَّض على المرأة النفساء، تهنئة، أو صلة: ولم يمنع ذلك من أن تنجب مرة أخرى، وما علاقة كون الزائرة حائضًا بقطع الإنجاب عند المُزارة إلا الأوهام والضلالات المعشعشة في رؤوس معتقديها؟! ولماذا كان منع الإنجاب للمرأة المُزارة وليس للزائرة؟! أم يجتمع نفساء وحائض، فلم التحكم بجعل منع الإنجاب لواحدة دون الأخرى؟! وهو يدل عل قلة عقل واضعها، ومعتقدها، والأمر أيسر من أن يحتاج لتطويل في تكذيبها؛ إذ يكفي ثبوت حالة واحدة لتكون هذه الخرافة من الأساطير البالية.

ولمَ لا يدخل البنات المختتنات بعضهن على بعض؟! وإلى أي سن سيبقى منع الدخول؟ ولم لا يقال مثل هذا في الأطفال المختَتنين ؟! وما الضرر الذي يسببه دخول امرأة حائض، أو نفساء، أو بنت مختتنة، على بنت قد اختتنت لتوها؟! إنه لا نفع يحصل لمجرد دخول بنت غير مختتنة، ولا ضر يحصل لمجرد دخول بنت مختتنة، إنما هي أوهام، وخرافات، يتداولها العوام ، مع جهل بالتوحيد، وبالعلم الشرعي، ومع سذاجة تامة، وغياب للعقل، انعدام للتفكير في أيسر الأمور المتعلقة بما يعتقدونه، وها هي الجاهلية تعود، وتتكرر، بصور، وأشكال، وألوان، والله المستعان.

 

والله أعلم.

حكم حلق اللحية وهل هي من المجاهرة بالمعصية؟

حكم حلق اللحية وهل هي من المجاهرة بالمعصية؟

السؤال:

ما حكم العاصي الذي يظهر في القنوات، لا سيما الدينية، كالشخص حليق اللحى، أو الذي يخففها بحيث لا يقال إن هذا الشخص مطلق للحيته؟ وهل هذه مجاهرة بالمعصية ويجوز التحدث عن ذلك بالمنتديات؟ يرجى الإجابة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

حلق اللحية حرام؛ لما ورد من الأحاديث الصحيحة الصريحة في الأمر بإعفائها، وتوفيرها.

ونقل ابن حزم رحمه الله في كتابه ” مراتب الإجماع ” ( ص 157 ) الإجماع على أن حلقها مُثلة، فقال:

” واتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثلة “. انتهى.

وقد جمعت معصية حلق اللحية أسبابًا كثيرة تجعل حلقها من الكبائر، ومن ذلك:

  1. مخالفة الحالق للحيته للأمر النبوي بإعفائها.
  2. تشبهه بالمجوس.
  3. تشبهه بالنساء، حيث فرَّق الله تعالى بين خلقة النساء والرجال في الشارب واللحية.
  4. مخالفة الفطرة.
  5. المداومة على الفعل، والحالقون للحاهم لا يدعون مجالًا لشعرة أن تبت في لحيتهم إلا وعاجلوها بالحلق، فمعصيتهم مستمرة دائمة.

ومثله في الحكم: من خففها دون القبضة – وهو أقل ما ورد عن العلماء القول بجوازه، وإن كان قولًا مرجوحًا -، وخاصة من خففها حتى لا يكاد يظهر منها شيء .

ومن عجَبٍ أن أصبح هؤلاء دعاة، ومفتين، وواعظين، في قنوات إسلامية – حقيقة، أو في زعمهم – والواحد فيهم يحرص على هندامه، وشكله، ليظهر أمام الملايين، حتى خرج بعضهم ببنطال ” جينز “! وآخر بقميص ” نصف كم “! وهكذا في عرض أزياء، وعرض أشكال، وأما اللحية فحدِّث عنها ولا حرج، فهذا حالق لها، وثانٍ أطلق جزء منها في ذقنه فقط، وثالث خففها حتى لا تكاد ترى بالعين المجردة، ورابع هندسها وخفف منها بما دون القبضة، وقليل منهم من أعفاها وأطلقها، كما هي سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

 

 

ثانيًا:

والجهر بالمعصية يعني: إظهار تلك المعصية، وإبرازها، مع شيء من اللامبالاة، وحالق اللحية مجاهر بمعصيته ولا شك.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

حالق اللحية مجاهر بمعصيته, وآثارها بادية عليه باستمرار، في حالة نومه, ويقظته, وعبادته, وفراغه. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 15 / 131 ).

وقد ذمَّ الشرع المطهر المجاهرين بالمعاصي، وجاء التحذير من المجاهرة أن تودي إلى التهلكة، فهو يعرِّض نفسه للحد، والتعزير، وهو يحرم نفسه من ستر الله تعالى، وعفوه.

عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم: ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ – وفي رواية ( المَجَانة ) – أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَليْهُ ).

رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ).

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله: ( وإن من المجانة ) بفتح الميم والجيم، وهو عدم المبالاة بالقول، والفعل. ” عمدة القاري ” ( 22 / 139 ).

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

قال ابن بطَّال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله، ورسوله، وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها: السلامة من الاستخفاف؛ لأن المعاصي تذل أهلها، ومِن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد، ومن التعزير إن لم يوجب حدًّا، وإذا تمحض حق الله: فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا: لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر يفوته جميع ذلك.

” فتح الباري ” ( 10 / 487 ).

ومما لا شك فيه: أن إظهار المعصية وإعلانها أشد إثمًا من الاستخفاء بها وكتمانها، وحالق لحيته: مظهر لتلك المعصية، غير مخفيها.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وبالجملة: فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدَنًا من النساء، والمتخذة خدنًا من الرجال: أقل شرًّا من المسافح والمسافحة مع كل أحدٍ، والمستخفي بما يرتكبه: أقل إثمًا من المجاهر المستعلِن، والكاتم له أقل إثمًا من المخبِر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى، وعفوه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين … ). ” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 147 ).

– الخدن والخدنة: العشيق والعشيقة.

ومن مفاسد المجاهرة بالمعصية: تهوين شأنها في الناس، وتشجيع ضعاف الإيمان على ارتكابها، وإظهارها، وتشجيع فاعلها على الاستمرار على فعلها.

* قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني – رحمه الله -:

وفي المجاهرة بالمعصية عدة مفاسد منها: حمل الناس على فعل مثلها، وفي صحيح مسلم ( .. ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ).

” الاستبصار في نقد الأخبار ” ( ص 23 ).

ثالثًا:

وبعد هذا يُعرف أن المجاهر بحلق لحيته لا يعدُّ الكلام عن حاله مخالفًا للشرع، فهو رضي بفعل المعصية، ورضي بإظهارها وإعلانها، ومثل هذا المجاهر يجوز – وقد يستحب، وقد يجب – في حقه أمور، منها:

  1. عدم تقديمه في الصلاة إمامًا.
  2. هجره.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 122 ):

يسن هجر من جهر بالمعاصي، الفعلية، والقولية، والاعتقادية، وقيل: يجب إن ارتدع به، وإلا كان مستحبًّا، وقيل: يجب هجره مطلقًا إلا من السلام بعد ثلاثة أيام، وقيل: ترك السلام على من جهر بالمعاصي حتى يتوب منها فرض كفاية، ويكره لبقية الناس تركه، وظاهر ما نقل عن أحمد ترك الكلام والسلام مطلقًا.

* وقال أحمد في رواية حنبل عنه: ليس لمن يسكر ويقارف شيئًا من الفواحش حرمة، ولا صلة، إذا كان معلنًا مكاشفًا.

* قال ابن علان في تعليقه على حديث: ( لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم ) – رواه أبو داود ( 4912 ) وحسنه الألباني في ” صحيح الترغيب ” – إذا كان الهجر من المؤمن للمؤمن لله تعالى بأن ارتكب المهجور بدعة، أو تجاهر بمعصية، فليس من هذا في شيء، والوعيد لا يتناوله أصلًا، بل هو مندوب إليه. انتهى.

  1. ترك الصلاة عليه من قبَل أهل الخير والفضل إن مات وهو على حاله تلك.

* قال ابن مفلح الحنبلي – نقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية -:

وإن المظهر للمنكر يجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك ، وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتًا إذا كان فيه كف لأمثاله، فيتركون تشييع جنازته.

” الآداب الشرعية ” ( 1 / 264 ).

  1. إظهار حاله للناس لتوقيه.

 

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 121 ):

ذهب الفقهاء إلى أنه يندب الستر فيما كان حقّاً لله عز وجل على المسلم من ذوي الهيئات، ونحوهم ممن لم يعرف بأذى، أو فساد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ) – رواه مسلم -.

وأما المجاهر، والمتهتك: فيستحب أن لا يستر عليه، بل يظهر حاله للناس حتى يتوقوه، أو يرفعه لولي الأمر حتى يقيم عليه واجبه، من حدٍّ، أو تعزير، ما لم يخش مفسدة؛ لأن الستر عليه يطمعه في مزيد من الأذى، والفساد.

* قال النووي: من جاهر بفسقه، أو بدعته: جاز ذكره بما جاهر به، دون من لم يجاهر به.

  1. أنه ليس له غيبة، على أن لا يتجاوز المتكلم عليه حدَّه في الكلام عن غير معصيته، فإن فعل فيكون مغتابًا، ظالمًا.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 121 ):

الغيبة حرام باتفاق الفقهاء، وذهب بعضهم إلى أنها من الكبائر، إلا أن الفقهاء أجازوا غيبة المجاهر بفسقه، أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلمًا، وتولي الأمور الباطلة، وقالوا: يجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر.

قال الخلال: أخبرني حرب سمعت أحمد يقول: إذا كان الرجل معلنا بفسقه فليست له غيبة. انتهى

  1. عدم عيادته إذا مرض.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 120 ):

ولا تسنُّ عيادة متجاهر بمعصية إذا مرض؛ ليرتدع، ويتوب، وقال ” البهوتي ” بعد ذكر هذا الحكم: وعلم منه أن غير المتجاهر بمعصية يعاد. انتهى.

 

والله أعلم.

هل يؤاخذ المسحور يوم القيامة على تصرفاته وأفعاله؟

هل يؤاخذ المسحور يوم القيامة على تصرفاته وأفعاله؟

السؤال:

كيف سيتعامل الله عز وجل مع ضحايا الشعوذة يوم القيامة؟ لأن تأثير الشعوذة يمكن أن يؤدي إلى تغيير في تصرفاتهم، وخلق مشاكل أخرى عندهم؟.

الجواب:

الحمد لله

يعتقد أهل السنَّة والجماعة أن للسحر حقيقة، وأنه لا يكون له تأثير على المسحور إلا بإذن الله تعالى.

ويعتقد أهل السنَّة بأن الجن يمكن أن يصيب الإنس بمسٍّ، بتقدير الله وإرادته، وينظر في ذلك أجوبتنا الأخرى داخل الموقع.

* وأما بخصوص تأثير السحر على المسحور، وكيف يكون حسابه يوم القيامة: فإننا نقول:

إن السحر الذي يقدِّر الله تعالى له فاعلية: إما أن يؤثِّر على بدن المسحور، أو يؤثِّر على عقله، والتأثير على العقل نوعان في الجملة.

فإن أثَّر السحر على بدن المسحور، فقدَّر الله به مرضا- مثلًا -: فإن المسحور هنا مسئول عن تصرفاته، ويجب عليه من الأعمال ما يستطيع القيام به، ويسقط عنه بالعجز ما يسقط على غيره من المرضى، ويُخفف عنه ما يُخفف على غيره؛ لقول الله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم ) رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم (1337)، وللقاعدة المعروفة المستنبطة من القرآن والسنَّة: ” لا تكليف مع عجز “.

وليس ثمة فرق في الشرع بين مريض السحر، ومريض الطعام والشراب.

* وأما إن قدَّر الله تعالى للسحر تأثيرًا على عقل المسحور: فلا يخلو – غالبًا- من حالين:

الأول: أن يكون تأثيره محدودًا، كنسيان فعل شيء، وعدم تذكره، أو تأثيره في الحفظ، فمثل هذا لا يُسقط التكليف عن العبد، ويُطلب منه القيام بما يتذكره، وما ينساه من الواجبات لا يؤاخذ عليه، فإن تذكره أدَّاه، وحكم النسيان من السحر كحكم النسيان من أشغال الدنيا، وكثرة همومهما، وغمومها.

قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) البقرة/ 286 .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( مَنْ نَسِيَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ ).

رواه البخاري ( 572 ) ومسلم ( 684 ) وفيه زيادة: ( أو نام عنها )، ولمسلم (684): ( إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرَى ) طه/ 14 ).

والحال الأخرى: أن يؤثر السحر على عقل المسحور، فيصيبه بالجنون الدائم، أو المؤقت: فهنا يسقط عنه التكليف في وقت ذهاب عقله؛ لأن العقل من شروط التكليف، فلا يؤاخذه ربه تعالى إن ترك واجبًا، أو فعل محرَّمًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنْ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ) رواه أبو داود ( 4399 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

ومع هذا فتجب في ماله الزكاة، ويضمن وليُّه فيما يتلفه لغيره من ممتلكات.

فتسقط عن أصحاب هذه الحال حقوق الله، ويضمنون حقوق العباد، ويؤاخذون ماليًّا، لا بدنيًّا، ويؤاخذون بأفعالهم، لا بأقوالهم.

* في ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 101 ، 102 ):

الجنون من عوارض أهلية الأداء وهو يزيلها من أصلها, فلا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية; لأن أساس أهلية الأداء في الإنسان التمييز والعقل, والمجنون عديم العقل، والتمييز.

ولا يؤثر الجنون في أهلية الوجوب; لأنها ثابتة لكل إنسان, فكل إنسان أيا كان له أهلية الوجوب; لأن أهليته للوجوب هي حياته الإنسانية. وما وجب على المجنون بمقتضى أهليته للوجوب من واجبات مالية يؤديها عنه وليه.

فإذا جنى على نفس أو مال يؤاخذ ماليًّا، لا بدنيًّا, ففي القتل يضمن دية القتيل ولا يقتص منه, لقول علي رضي الله عنه: ” عمد الصبي والمجنون خطأ “، وكذلك يضمن ما أتلفه من مال الغير. انتهى.

* وفي ( 16 / 107 ):

وأما بالنسبة لحقوق العباد كالضمان ونحوه : فلا يسقط; لأنه ليس تكليفًا له, بل هو تكليف للولي بأداء الحق المالي المستحق في مال المجنون, فإذا وقعت منه جرائم: أُخذ بها ماليًّا، لا بدنيًّا, وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون: وجب عليه الضمان, وإذا قتل: فلا قصاص، وتجب دية القتيل. انتهى.

 

والله أعلم.

هل يجب على الزوج النفقة على زوجته العاملة؟ وهل له أن يأخذ من راتبها؟

هل يجب على الزوج النفقة على زوجته العاملة؟ وهل له أن يأخذ من راتبها؟

السؤال:

أعمل بدوام كامل يوميًّا, لذلك فإنَّ كل المال الذي أحصل عليه أنفقه على الملابس، والأحذية ، وأدوات النظافة, بينما زوجي يدفع إيجار المنزل، والفواتير، وبعض الأمور الأخرى، أريد أن أعرف ما هي الأمور التي يجب على زوجي أن ينفقها عليَّ؟ على سبيل المثال, هل يجب عليه أن يكسوني فقط في حالة أن تكون ملابسي كلها ممزقة، أو بالية؟ ويقول زوجي لي أيضًا: ” إذا أردت مني أن أنفق عليك بكل تلك الأمور: فإن عليك أن تجلسي، ولا تعملي “.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

قد بينَّا في جواب سابق ما يكفي من الأدلة من الكتاب والسنَّة وإجماع العلماء على وجوب نفقة الزوج على زوجته، وذلك بحسب وسعه ومقدرته، وأنه ليس له أن يحملها نفقة نفسها، ولو كانت غنية، إلا برضاها.

وهذه النفقة على الزوجة منها ما يتعلق بكسوتها، صيفًا وشتاءً، وليس الأمر أن يفعل ذلك كل عام، وكل موسم، حتى مع وجود ملابس عندها، قد لا تكون لبست بعضها، وليس الأمر أنه لا يفعل إلا أن تتمزق ملابسها، بل الكسوة تكون بحسب حاجة زوجته لها، وبحسب قدرته على كسوتها، دون أن يؤثر على واجبات أخرى عليه محتمات.

وننبه هنا إلى أن المرأة العاملة قد تحتاج من الكسوة ما لا تحتاجه غير العاملة؛ لأنها تريد أن تلبس جديدًا أمام زميلاتها في العمل، وهذا ليس من حقها على زوجها، بل حقها عليه كسوتها بما تلبسه في بيتها، وبما تخرج به من مناسبات شرعية، أو مباحة، بإذنه، وهو أمر لا يقدَّر بقدرٍ معين، بل يختلف باختلاف طبيعة الزوجة، وبيئتها.

ثانيًا:

وينبغي هنا التفصيل في عمل الزوجة – ونقصد به المباح منه – فنقول:

إما أن تكون الزوجة قد اشترطت على زوجها أنها ستعمل، أو أنها لم تشترط، وإنما جاء العمل بعد زواجه بها.

فإن كانت قد اشترطت عليه أنها ستعمل: فيجب عليه السماح لها بالاستمرار بعملها، إلا أن تتغير طبيعة عملها، فتصير محرمة، كأن تعمل مع رجال أجانب، أو تكون طبيعة العمل محرَّمة، كالعمل في البنوك الربوية، أو مجالات التأمين، أو ما يشبه ذلك، وكذا لو أن عملها صار محتاجًا منها لأن تقطع مسافة هي في عرفهم سفر، وليس معها محرم، فمثل هذه الأشياء لو حصلت: فإنها توجب على الزوج التدخل لمنعها من متابعة عملها، وهو لا يخالف الشرط هنا، بل يعمل بمقتضى الشرع الذي جعله مسئولًا عن زوجته.

وأما إن لم يكن شيء من ذلك موجودًا في عملها: فليس له منعها منه، بل عليه الوفاء بالشرط الذي وافق عليه عند زواجه، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) المائدة/ من الآية 1.

عَنْ عُقْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ). رواه البخاري ( 2572 ) ومسلم ( 1418 ).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِم ) رواه أبو داود ( 3594 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص راتب الزوجة العاملة: فإنه من حقها، وليس للزوج أن يأخذ منه شيئًا إلا بطِيب نفسٍ منها، وهذا في حال أن يكون العمل مشترَطًا عليه عند عقد الزواج، وأما إن لم يكن مشترطًا عليه: فمن حقها أن يسمح لها بالعمل مقابل أن تساهم بأجرة البيت، أو تحمل تكاليف خروجها من البيت؛ لأن الوقت الذي تبذله في عملها هو من حقه، فله أن يستوفي مقابله بالمعروف.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يجب على الإنسان أن ينفق على أهله على زوجته وولده بالمعروف، حتى لو كانت الزوجة غنية، فإنه يجب على الزوج أن ينفق، ومن ذلك ما إذا كانت الزوجة تدرِّس، وقد شُرط على الزوج تمكينُها من تدريسها، فإنه لا حقَّ له فيما تأخذه من راتب، لا نصف، ولا أكثر، ولا أقل، الراتب لها، مادام قد شُرط عليه عند العقد أنه لا يمنعها من التدريس فرضي بذلك، فليس له الحق أن يمنعها من التدريس، وليس له الحق أن يأخذ من مكافأتها، أي: من راتبها شيئًا، هو لها.

أما إذا لم يُشترط عليه أن يمكِّنها من التدريس، ثم لما تزوج قال: لا تدرِّسي: فهنا لهما أن يصطلحا على ما يشاءان، يعني: مثلاً له أن يقول: أمكِّنك من التدريس بشرط أن يكون لي نصف الراتب  أو ثلثاه، أو ثلاثة أرباعه، أو ربعه، وما أشبه ذلك، على ما يتفقان عليه، وأما إذا شُرط عليه أن تدرِّس، وقبِلَ: فليس له الحق أن يمنعها، وليس له الحق أن يأخذ من راتبها شيئًا.

” شرح رياض الصالحين ” ( 6 / 143 ، 144 ).

 

 

رابعًا:

ونوصي الزوجين أن لا يجعلا حياتهما ضنكًا بمثل تلك المحاسبات التي من شأنها أن تجعل منهما شريكين في تجارة! وإنما هما شريكان في تأسيس أسرة، وبناء بيت، ولا يصلح مثل هذه الخلافات أن تكون بين زوجين، فلتبذل المرأة من طيب نفسها ما تعين به زوجها على مصاعب الحياة، وليتعفف الزوج قدر استطاعته عن أخذه المال منها؛ لأن هذا مؤثِّرٌ سلبًا في قوامته، والتي جعل الله تعالى من مقوماتها إنفاقه عليها، كما قال تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) النساء/ من الآية 34.

ويجب أن يفرِّق الزوج بين ما تبذله الزوجة مساهمة في نفقات الأسرة والبيت، وبين ما تعطيه إياه ديْنًا، فالأول: لا يجوز للزوجة المطالبة به؛ لأنه مبذول بطيب نفس، ولا يحل لها الرجوع فيه، بخلاف الثاني فهو من حقها.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

لا حرج عليك في أخذ راتب زوجتك برضاها، إذا كانت رشيدة، وهكذا كل شيء تدفعه إليك من باب المساعدة، لا حرج عليك في قبضه، إذا طابت نفسها بذلك، وكانت رشيدة؛ لقول الله عز وجل في أول سورة النساء: ( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا )، ولو كان ذلك بدون سند، لكن إذا أعطتك سندًا بذلك: فهو أحوط، إذا كنت تخشى شيئًا من أهلها، وقراباتها, أو تخشى رجوعها.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 20 / 44 ).

 

والله أعلم.

معنى ” الصدق مع الله ” وكيف يحققه المسلم؟

معنى ” الصدق مع الله ” وكيف يحققه المسلم

السؤال:        

للعبادة أركان ثلاثة، أحدها: ” الصدق مع الله “، فكيف يكون الصدق مع الله؟ إني أتطلع للمعالي، وأريد أن ألم بأكبر قدر من العلم الشرعي، وأريد أن أكون داعية، وقد رزقني الله مواهب عديدة تحتاجها الدعوة، ونشر العلم، وأريد أن أقوى على القيام، والصيام، قد أتممت حفظ كتاب الله، والآن في طريقي لأثبِّت حفظي، وأتقن التلاوة، وأتعلم العلم الشرعي، وعندي مشاريع، وأفكار عدة لخدمة كتاب الله، ونصرة الدين، ولكن خطواتي بطيئة؛ لتعدد المهام، وكثرة العوائق، خاصة من الأهل والمجتمع الذي حولي – وكم أعاني منهم – ولضعف بنيتي الصحية، وعدم قدرتي على بذل مجهود كبير، وإن بذلت: جلست أياما لا أستطيع أن أحرك شيئًا، إني دائما أضع جدولا لجميع المهام، وأحاول أن أسير عليه، ولكني لا أقدر بسبب الظروف المتغيرة، إني أعيش وحدي، لا أجد أختًا تشاركني أهدافي، ولا قائدًا يمسك بي ويتابعني لأحقق طموحاتي، أبحث كثيرًا، ولكن لا أجد، لا أعلم ما سبب تباطئ خطواتي، أهو الصدق مع الله هذا الركن الذي قد أكون لم أحققه بعد أم ماذا؟ يحزنني كثيرًا، ويؤلمني، تأخري في الوصول لأهدافي، فإن كان ثم نصيحة: فلا تبخلوا بها عليَّ فإني بأمس الحاجة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

” الصدق مع الله ” أجل أنواع الصدق، ويكون المسلم صادقًا مع ربِّه تعالى إذا حقَّق الصدق في جوانب ثلاثة: الإيمان والاعتقاد الحسَن، والطاعات، والأخلاق، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، والصادق فيه هو من حققه على الوجه الذي أراده منه ربه تعالى، ومنه الصدق في اليقين، والصدق في النية، والصدق في الخوف منه تعالى، وليس كل من عمل طاعة هو فيها صادق مع الله تعالى فيها حتى يقيمها خاصة لوجهه تعالى، ومثله يقال في السلوك والأخلاق التي تظهر على المسلم، فإنه لا يكون صادقًا مع الله تعالى فيها حتى يكون تخلق بتلك الأخلاق انطلاقًا مما أمره الله تعالى به، وحتى تكون أخلاقه ظاهرًا وباطنًا على الوجه الذي يحبه الله تعالى، وليس ظاهرًا فقط .

وقد جمع الله تعالى تلك الأسس والأنواع في جانب الصدق معه تعالى في آية واحدة، وهي قوله عز وجل: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ( ثم قال سبحانه بعد هذه الأوصاف كلها:( أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة/ 177.

 

* قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -:

اشتملت هذه الآية الكريمة على جُمَل عظيمة، وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 485 ).

 

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

( أُولَئِكَ ) أي: المتصفون بما ذُكر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية: فأولئك هم ( الَّذِينَ صَدَقُوا ) في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدَّقت إيمانهم، ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) لأنهم تركوا المحظور، وفعلوا المأمور؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير، تضمنًا، ولزومًا؛ لأن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية: أكبر العبادات، ومن قام بها: كان بما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار، الصادقون، المتقون. ” تفسير السعدي ” ( ص 83 ).

 

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومن فوائد الآية: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى: ( أولئك الذين صدقوا )؛ فصِدْقهم مع الله: حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة : الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات، وأما صدقهم مع الخلق: يدخل في قوله تعالى: ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا )، وهذا من علامات الصدق، ولهذا قال تعالى: ( أولئك الذين صدقوا ) فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق. ” تفسير سورة البقرة ” ( 2 / 293 ، 294 ).

 

ثانيًا:

وقد ضرب الصحابة الأجلاء أروع الأمثلة في الصدق مع الله تعالى؛ فإنهم عرفوا الله تعالى حق المعرفة، فآمنوا به ربًّا، واعتقدوا له من الأسماء والصفات والأفعال ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، فكانت عباداتهم خالصة لوجهه، وصارت حياته ومماتهم له وحده لا شريك له، فبذلوا أنفسهم في نشر دينه، وعلو كلمته، فرخصت نفوسهم في سبيل تحقيق ذلك، وصدقوا مع الله في الصفقة، فربحوا، ومما يحسن ذِكره في هذا المقام من قصصهم:

  1. عَنْ أَنَس بنِ مالِك قال: عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ – أي: أنس بن النضر – لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” بَدْرًا ” قَالَ: فَشَقَّ عَلَيْهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُيِّبْتُ عَنْهُ وَإِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَانِي اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ” أُحُدٍ ” قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أَبَا عَمْرٍو أَيْنَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ – عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ -: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ).

قَالَ: فَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي أَصْحَابِهِ.

رواه البخاري ( 2651 ) ومسلم ( 1903 ).

 

  1. عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ( قَسَمْتُهُ لَكَ ) قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا – وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ – بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: ( إِنْ تَصْدُقْ اللَّهَ يَصْدُقْكَ ) فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَهُوَ هُوَ؟ ) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ( صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ ) ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: ( اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ ).

رواه النسائي ( 1953 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

 

 

ثالثًا:

واعلمي أختي السائلة: أن الصدق مع الله تعالى ليس هو شيء نتجمل به، ونقنع به أنفسنا وندع العمل، بل الصدق مع الله يكون في النية، ويكون في العمل إذا قمنا به، وتيسرت أسبابه، والصادق مع ربه تعالى هنا يبلغ بصدق نيته ما يبلغ العامل إن تعذر عليه القيام بالعمل، وعلى هذا يُفهم الحديث الوارد في سؤال الله تعالى الشهادة، ونيله لثوابها إن مات على فراشه لا في أرض المعركة.

عن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ  أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ). رواه مسلم ( 1909 ).

* وفي رواية لمسلم ( 1908 ):

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ ).

ومما يصدق هذا ما جاء من ذِكر حال الذين لم يجدوا ما يجاهدون عليه العدو، فمن صدقهم بكوا على ذلك، وتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، فهؤلاء شاركوا الصحابة رضي الله عنهم الذين قاموا بالجهاد فعلًا، فأخذوا الأجور كاملة وهم في بيوتهم، لكنهم لم يكونوا في بيوتهم متنعمين فرحين، بل كانوا حزينين، باكين.

قال تعالى: ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ) التوبة/ 91، 92.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ).

رواه البخاري ( 4161 ).

وفي رواية لمسلم ( 1911 ) من حديث جابر: ” إلا شركوكم في الأجر “.

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربَّه في جميع أموره، مع صدق العزيمة، فيصدقه في عزمه، وفي فعله، قال تعالى: ( فإذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا الله لَكَانَ خَيْرًا لَهُم ) فسعادته في صدق العزيمة، وصدق الفعل، فصدق العزيمة: جمعها، وجزمها، وعدم التردد فيها، بل تكون عزيمة، لا يشوبها تردد، ولا تلوُّم، فإذا صدقت عزيمته: بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره، وباطنه، فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة، والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل، والفتور، ومَن صدَق الله في جميع أموره: صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص، وصدق التوكل، فأصدَقُ الناس: مَن صح إخلاصُه، وتوكله. ” الفوائد ” ( ص 186 ، 187 ).

 

 

 

 

رابعًا:

وقد يحتار المسلم فيم يبدأ، وكيف يرتب أمره في يومه وليلته، وهذا لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام القاصد لفعل الخير، من طلب العلم، أو الدعوة إلى الله، فمثل تلك الفوضى يمكن للمسلم أن يتخلص منها بترتيب ساعات يومه، فيجعل الجزء الأول من نهاره لحفظ القرآن، ويرتب باقي يومه بين طلب العلم عن طريق الأشرطة، وقراءة الكتب، وحضور مجالس العلم، وبين أداء الواجبات التي في ذمته، زوجًا كان أو زوجة، عاملًا كان أو متفرغًا.

 

والذي ننصحكِ به أختنا السائلة: أن تبدئي ولا تؤجلي، وأن تصدقي في النية حتى ييسر الله لك أموركِ.

 

– ونسأل الله أن يعينك على طاعته، وأن يوفقك، ويسددك.

 

والله أعلم.

 

 

 

رأت جدَّها القدوة الحسنة لها في موقف مشين مع الخادمة، فماذا تصنع؟

رأت جدَّها القدوة الحسنة لها في موقف مشين مع الخادمة، فماذا تصنع؟

السؤال:

أنا فتاة أبلغ من العمر 16 عامًا، ورأيت موقفًا من شخص كان لا يماثله أحد في نصحه، وفي توجيهه، كان قمة في الأخلاق، يغبط الجميع بعلمه، وحكمته، هذا الشخص هو جدي، والذي يبلغ من العمر70 عامًا، رأيته في وضع مزرٍ مع خادمته، بحيث لا أعلم – يا شيخ – كيف أصف لك ما رأيت، بل أصابني الذهول، وانصدمت، ولم أتمالك أعصابي، تمنيت أن أموت ولم أر هذا الموقف، وكان الموقف الذي رأيته قد حصل تكرارًا بينهم، والسؤال: ماذا أعمل؟ وماذا أفعل؟ فأنا أرحم جدتي التي هي زوجته، فهي إنسانة رائعة، وزوجة مخلصة، وأخاف عليها، فهي مريضة، فأنا في تفكير مستمر، وهم دائم لا أهنأ في أكل، ولا شرب، ولا نوم، هل ما رأيته حلال أم حرام أم سحر؟ ولمن أبوح لهذا السر الخطير؟ مع العلم أن معاملته مع الخدم رائعة، فهو يلبي لهم جميع طلباتهم، لا يقصر أبدًا.

أريد حلاًّ عاجلًا، أرجوك، فأنا لم أذق من يومها طعمًا للراحة أبدًا. وجزاك الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليُعلم أن ما فعله جدُّك هو من قبائح الذنوب، وأيًّا ما وصل إليه من درجات في علاقته الجنسية مع تلك الخادمة: فإنه يعدُّ منكرًا مغلَّظًا، ويستوجب إثمًا أشد من إثم غيره؛ وذلك كونه شيخًا كبيرًا، بل وله زوجة! وقد جاء في الشرع المطهَّر ما يؤكد هذا المعنى ويوضحه، وهو أنه حيث تقل دواعي المعصية من فاعلها: فإنه يزداد إثماً إذا تجرأ عليها وفعلها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ). رواه مسلم ( 107 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما تخصيصه صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى ” الشيخ الزاني، والملِك الكذاب، والعائل المستكبر ” بالوعيد المذكور: فقال القاضي عياض: سببه: أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحدٌ بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة، ولا دواعي معتادة: أشبه أقدامهم عليها المعاندة، والاستخفاف بحق الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها؛ فان الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرَّ عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، ويخلي سرَّه منه، فكيف بالزنى الحرام، وإنما دواعي ذلك: الشباب، والحرارة الغريزية، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السن .. . ” شرح مسلم ” ( 2 / 117).

* وقال المناوي – رحمه الله -:

ولهذا قيل: مَن لم يرعوِ عند الشيب، ولم يستح من العيب، ولم يخش الله في الغيب: فليس لله فيه حاجة، شيبٌ، وعيبٌ. ” فيض القدير ” ( 3 / 437 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فهؤلاء الثلاثة اشتركوا في هذا الوعيد، واشتركوا في فعل هذه الذنوب مع ضعف دواعيهم؛ فإن داعية الزنا في الشيخ ضعيفة، وكذلك داعية الكذب في الملك ضعيفة؛ لاستغنائه عنه، وكذلك داعية الكبر في الفقير، فإذا أتوا بهذه الذنوب مع ضعف الداعي: دلَّ على أن في نفوسهم من الشر الذي يستحقون به من الوعيد ما لا يستحقه غيرهم.

وقلَّ أن يشتمل الحديث الواحد على جُمَل إلا لتناسب بينهما، وإن كان قد يخفى التناسب في بعضها على بعض الناس، فالكلام المتصل بعضه ببعض يسمَّى حديثًا واحدًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 14 ).

ثانيًا:

وإن من الواجب عليكِ الآن وقد رأيتِ من جدك معصية منكرة:

  1. أن تنصحي جدكِ، وتعِظيه، وتخوفيه بالله رب العالمين، وتذكريه بوجوب حفظ نفسه، وخشية العار في الدنيا والآخرة، وهذا هو واجب شرعي عليكِ، لا يسعك تركه والتخلي عنه، ولتدَعي الذهول، والصدمة، وتمني الموت، فهذا لا تنتفعين به أنتِ، ولا يستفيد منه جدُّك، بل عليك المبادرة بفعل ما ذكرناه لك تجاهه.

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ). رواه مسلم ( 55 ).

وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. رواه البخاري ( 501 ) ومسلم ( 56 ).

  1. والأمر نفسه تفعلينه مع الخادمة، مع تهديدها بإخبار أهلك عنها، وطردها من البيت، فلعلها هي من تغوي ذلك الشيخ الكبير.
  2. ومن مهماتك أيضًا: الانتباه لعدم وقوع خلوة في البيت بينه وبينها، والحيلولة دون حصوله بما تملكينه من قدرة.
  3. ويجب عليك الستر على جدك والخادمة، وإعطاؤهما فرصة للتوبة، والإنابة؛ فإن الله تعالى يحب الستر.

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( … ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ).

رواه البخاري ( 2310 ) ومسلم ( 2580 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ).رواه مسلم ( 2590 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

قال القاضي: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يستر معاصيه، وعيوبه عن اذاعتها في أهل الموقف، والثاني: ترك محاسبته عليها، وترك ذِكرها.

قال: والأول أظهر؛ لما جاء في الحديث الآخر ( يقرره بذنوبه يقول: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ). ” شرح مسلم ” ( 16 / 143 ).

فإن أصرَّ على فعل المعصية, ولم يرعو بالنصح والتذكير: فتخبرين جدتك فقط بفعله؛ لأن المهم هو ردعه عن اكتساب الإثم، فإن انتهى من معاودة الذنب: فلك الأجر على ذلك، وإن عاد: فتخبرين والدك بفعله حتى يصده عن ارتكاب الإثم وفعل المنكر، وحتى يطرد تلك الخادمة التي يسهل وجودها فعل تلك المعصية.

  1. ويجب عليكم إن كان جدك صاحب شهوة ويرغب بالزواج أن تعينوه على ذلك، ففي الزواج ستر له، وقضاء لشهوته، ونقترح عليك أن تخبري بذلك والدك ليعرض عليه الزواج قبل إخباره بأنهم يعلمون منه فعل تلك المعصية، فعله بالزواج أن يستغني عن مواجهته، وإحراجه.

ثالثًا:

ونحن نشكر لك غيرتك على حرمات الله أن تنتهك، ونشكر لك حب الخير لأهلك أن لا يأتي واحد منهم ما يُغضب ربه تعالى، ولعل هذه الحادثة أن تكون خيرًا لجدك؛ وذلك بأن يُحدث توبة صادقة، وأن ينتبه لنفسه، وسنِّه، فيزداد من فعل الخيرات، وأداء الطاعات، وليس الأمر سحرًا، ولا تخييلًا، إنما هي شهوة يؤججها فيه الشيطان، ولعل مرض زوجته مما أثَّر في إقباله على ذلك المنكر، وفي مثل هذا السن نرجو أن يكون للنصيحة والموعظة أثرهما البالغيْن عليه، ولعله يستحيي منكِ وهو القدوة الحسنة.

 

والله أعلم.