الرئيسية بلوق الصفحة 83

صناديق الأموال في المساجد، أنواعها، وأحكامها، وتنبيهات مهمة في أمرها

صناديق الأموال في المساجد، أنواعها، وأحكامها، وتنبيهات مهمة في أمرها

السؤال:

تقوم إدارة مسجد منطقتنا بعمل بعض النشاطات، مثل الطعام، وغيره، بعد كل عيد, وتكون هذه المصاريف مأخوذة من ” بيت المال “، فما حكم حضور مثل هذه الأماكن؟ لأنني أرى وجود أمور تستحق أن يُنفق عليها أكثر من هذه الأمور، كمساعدة الفقراء، وشراء الكتب الدعوية، وغيرها من الأمور التي ترضي الله سبحانه وتعالى، وهل أذهب الى هناك اذا دُعيت لذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي وقفنا عليه في ” صناديق المال ” الموضوعة في المساجد: أنه يوجد تساهل من القائمين عليها في تجميعها، وفي إنفاقها.

* أما تجميعها: فالتساهل له صور، منها:

  1. وضعها في صناديق غير محكمة الإغلاق؛ مما يجرِّؤ ضعاف النفوس على سرقتها.
  2. جعْل أمرها في يد شخص واحد، ومن المعلوم أنّ المال فتنة، وفي فعلهم هذا يعرِّضون ذلك القائم على أمرها لفتنة الأخذ منها لنفسه، وقد حصل جرَّاء هذا تعدِّي ضعاف الإيمان على أموال المسلمين، والأفضل جعل الصناديق في أيدي لجنة مشتركة، ممن يعرفون بالأمانة.
  3. وضع صندوق واحد يتم فيه تجميع الأموال المختلفة ذات وجوه الإنفاق المختلفة، فيتم تجميع مال الكفارات، والصدقات، والزكوات، وهذا خطأ، بل يجب جعل صندوق خاص لكل مال له جهة خاصة في النفقات، فكفارات الأيمان لها صندوق ليُشترى به طعام، والزكاة لها صندوقها الخاص، والصدقات العامة لها صندوقها الخاص.

* وأما التساهل في إنفاقها: فله صور، منها:

  1. إنفاق أموال الزكاة على الطعام، وشراء الكتيبات، وعلى النشاط الدعوي، وهذه كلها ليست من مصارف الزكاة.
  2. الإنفاق على شراء طعام، أو نشاط دعوي، من الصندوق المخصص لإعمار وصيانة المسجد – مثلا -، وينبغي مراعاة النية التي من أجلها دفع صاحب المال ماله، أو المجال الذي خصص ماله من أجله.

 

 

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما قولكم في ” صندوق البرِّ ” الموضوع في المسجد، يُنفق منه على الطلبة، وغيرهم، هل يوضع فيه من الزكاة؟.

فأجابوا:

مصارف الزكاة بيَّنها الله سبحانه وتعالى بقوله: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة/ 60، وصناديق البرِّ التي توضَع في المساجد غالبًا ما تكون لمصلحة المسجد، ومَن يخدم، أو يتعلم فيه ليست من هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز وضع شيء فيها من الزكاة، ويشرع مساعدة أهلها بغير الزكاة المفروضة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) المائدة/ 2، وقوله: ( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الحج/ 77.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 453، 454 ).

  1. التساهل في الإنفاق على المشاريع التي يوجد ما هو أولى منها، أو إنفاقها في أمور مبتدعة، كاحتفالات لمناسبات بدعية.

وأما بخصوص مشاركتك معهم في النشاط المأخوذ ماله من صندوق المسجد: فلا مانع منه، وهو يزيد الألفة والمحبة بينك وبين المسلمين المشاركين، وقد يكون ثمة مجال للقاء مسلم جديد فتعلِّمه دينه، أو كافر قد يرغب في الإسلام فتنقذه من نار جهنم، إلا أن هذا مشروط بكون المال المنفَق على ذلك النشاط ليس من أموال الزكاة، أو الكفارات، أو مال إعمار المسجد، فإن كان مالًا من صندوق الصدقات والتبرعات العامَّة: فلا نرى مانعًا من مشاركتك معهم، بل هو أفضل.

 

والله أعلم.

والدهم المطلِّق لأمهم لا يصلي ويشرب الخمر فهل تأثم أمهم إن منعتهم من زيارته؟

والدهم المطلِّق لأمهم لا يصلي ويشرب الخمر فهل تأثم أمهم إن منعتهم من زيارته؟

السؤال:

تزوجت من امرأة مطلقة، وعندها ثلاثة  أبناء من زوجها السابق, ويريد زوجها السابق أن يرى أبناءه بشكل منتظم, لكن لسوء الحظ أنه لا يصلي، ولا يصوم، ويشرب الخمر، ويذهب إلى النوادي الليلية، ولديه عشيقة، وهي حامل منه، فعندما يأخذ أبناءه من عندنا يكون هؤلاء الأولاد حول عائلة أبيهم الذين هم من غير المسلمين, وفي بعض الأحيان يكونون في حالة من السُّكر, وقد لاحظ هؤلاء الأبناء وجود المخدرات, وعندما يعودون إلى المنزل يعودون ورائحتهم تفوح من الدخان.

فهل هذا الأب لا يزال يمتلك الحق في رؤية هؤلاء الصبية، أو أن يأخذهم للعيش معه؟ أرجو الإجابة المدعّمة بالأدلة.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان ذاك هو حال الأب: فإنه يحرم على الأم تمكين أولادها من رؤيته، فضلًا عن زيارته، فضلًا عن الإقامة عنده؛ لما في ذلك من خطر على دينهم، وأخلاقهم.

والحضانة إنما تكون مع من لا يفرط في أولاده، ومع من يقوم على تربية أولاده، ورعايتهم رعاية حسنة، فإن ثبت تفريط من كان أولاده عنده: انتقلت الحضانة إلى الآخر، والأب هنا جمع بين الكفر والفسق، الكفر في تركه للصلاة، والفسق في شربه للخمر والذهاب للنوادي الليلية واتخاذ العشيقات، وهذا لو كان أبًا من غير طلاق: لما جاز للأم أن تبقى معه، ولا أن تأمن على نفسها ولا أولادها منه، أما وهو الآن مطلِّق: فإن على الأم أن تبذل جهدها في منعه من زيارة أولاده، ومن منعهم من زيارتهم؛ لما في ذلك من الأثر السيئ الذي قد يحدثه اختلاطهم به، وبأولاده، وأيًّا كان الحق الذي للأب عند أحدٍ من العلماء: فإنه يسقط إذا كان ذاك هو حاله، وهي كلمة إجماع.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في حضانة البنات -:

وأحمد وأصحابه إنما يقدِّمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك حرز، فلو قدِّر أن الأب عاجز عن حفظها، وصيانتها، أو مهمل لحفظها، وصيانتها: فإنه يقدَّم الأم في هذه الحالة، فكل من قدمناه من الأبوين: إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها، أو اندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما: فالآخر أولى بها بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه: إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته، وزوال مفسدته، فلو قدَّرنا أن الأب ديوث لا يصونه، والأم تصونه: لم نلتفت إلى اختيار الصبي؛ فإنه ضعيف العقل، قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي قصده الفجور، ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفعه من العلم، والدين، والأدب، والصناعة، فيختار مِن أبويه مَن يحصل له معه ما يهواه، والآخر قد يرده، ويُصلحه، ومتى كان الأمر كذلك: فلا ريب أنه لا يمكَّن من يفسد معه حاله، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع )، فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر لا يأمره: كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في تربيته، والآخر عاص لله ورسوله؛ فلا نقدم مَن يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه؛ بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله، ويترك ما حرم الله ورسوله والآخر لا يفعل معه الواجب، أو يفعل معه الحرام : قدِّم من يفعل الواجب، ولو اختار الصبي غيره؛ بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال؛ بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته: فلا ولاية له عليه؛ بل إما ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن نضم إليه من يقوم معه بالواجب، فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين لا تحصل طاعة الله ورسوله في حقه، ومع حصوله عند الآخر تحصل: قدِّم الأول قطعا، وليس هذا الحق من جنس ” الميراث ” الذي يحصل بالرحم، والنكاح، والولاية، إن كان الوارث حاجزًا، أو عاجزًا: بل هو من جنس ” الولاية ” ولاية النكاح، والمال التي لا بد فيها من القدرة على الواجب، وفعله بحسب الإمكان، وإذا قدِّر أن الأب تزوج ضرة، وهي تُترك عند ضرة أمها لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها، أو تقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها، ولا تؤذيها: فالحضانة هنا للأم، ولو قدِّر أن التخيير مشروع، وأنها اختارت الأم، فكيف إذا لم يكن كذلك؟ ومما ينبغي أن يُعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقًا، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقًا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقًا؛ بل مع العدوان والتفريط لا يقدَّم مَن يكون كذلك على البرِّ، العادل، المحسن، القائم بالواجب.

” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 131، 132 ).

وفي ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 53 / 125 – 175 ) مقال بعنوان ” حول تربية الأطفال وتعليم الجهال ” للشيخ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله، وقد أطال النفس فيه فيما يتعلق بمسألتنا، ويصعب علينا نقل كل ما نراه مناسبًا، لذا سننقل نبذاً منه باختصار، عسى أن يكون نافعًا.

* قال – حفظه الله -:

  1. المعتاد والغالب أن الأبناء والذرية يقتدون بالآباء والمربين والمعلمين، كما حكى الله ذلك عن أهل الجاهلية في مثل قوله تعالى: ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ . فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ )، وقال تعالى: { مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ).

فالآباء قدوة حسنة، أو سيئة لأولادهم، والاقتداء هو التقليد والاتباع، والتمسك بما عليه الأسلاف من عقيدة أو عمل، فالمعتاد أن الأبناء يحسنون الظن بآبائهم، ويتمسكون بما كانوا عليه، ويعتقدونه سفينة النجاة.

 

  1. وبضد ذلك نرى أن الآباء وأولياء الأمور والمربين والمعلمين متى كانوا منحرفين زائغين؛ ظهر الفساد غالباً فيمن تحت أيديهم من الأطفال، والذراري، فينشئون على استعمال السباب، والشتم، واللعن، والقذف، والعيب، والثلب، وسيئ المقال، أو على الوقاحة، والرذالة، والرعونة، والجفاء، وخشونة الطباع، أو على الانحراف في الأخلاق والطبائع، أو على الحسد، والظلم، والكذب، والخيانة، والسرقة، والاختلاس، والفجور، وقول الزور، أو على المعاصي الظاهرة ولو كانت منكرة في العقل والفطرة، فتراهم يقلدون أكابرهم ومشايخهم في شرب الدخان، وحلق اللحى، وتعاطي المسكرات والمخدرات، والعكوف على سماع الأغاني والملاهي، والنظر في الصور الفاتنة، والصحف الماجنة، والأفلام الهابطة، ونحو ذلك.

ولا شك أن إظهار أمثال هذه المعاصي أمام النشء الصغير غير المميز، مما يدفعه إلى التلوث بها، أو ببعضها، سواء تهاون والده به بادئ ذي بدء أو حذر منها، فإذا أعلن فعلها أمام الأطفال والجهال، حتى نشبوا في تلك الحبائل، ثم حاول تخليصهم وإنقاذهم منها: تعب في ذلك، ولم يستطع، فيندم حين لا ينفع الندم. فلا تسأل عما يحدث من جراء التخلق بمثل هذه الأخلاق الرذيلة، حيث يتحلى الولد بالعقوق والعصيان، والمخالفة الظاهرة لولي أمره، ويصبح كلاًّ على أبويه، يذيقهما مرارة الحياة، ويجرعهما غصص الأذى، حيثما لم يترب على معرفة حق الله تعالى، وما أمر به في حق الأبوين، وإنما يسعى في نيل شهوته البهيمية، واتباع غريزته الدنية، ونيل ما يهواه، دون مبالاة.

 

  1. لا يجوز شرعًا تمكين الكفار من الولاية على المسلمين، فإن ديننا الحنيف قد جاء بالتفريق بين الأقارب لأجل الإسلام، نهى عن موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان من الآباء، أو الأبناء، أو العشيرة، فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ).

وذلك أن بقاء المسلم بين ظهراني قوم كفار: يكون سببًا في تعذيبه وأذاه، وإلحاق الضرر به، أو سببًا في افتتانه، ورجوعه عن دينه، وإذا كان هذا يُتصور في الرجل الكبير العاقل: فكيف بالطفل الصغير الذي لا يميز بين الأديان، فيجب إبعاد أولاد المسلمين عن ولاية الكفار، والمشركين، وأهل البدع، والمعاصي؛ وذلك لأن كل فرد – غالبًا – يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه، ويألف العادات والأعمال والأخلاق المنتشرة الشائعة في الوطن الذي يعيش فيه، وبين المواطنين الذين ينشأ بين ظهرانيهم، وتظهر وتنطبع آثارها في ديانته ومعتقده ومعاملاته.

 

  1. فمتى تربى شخص منذ حداثته على أخلاق، أو عقائد، ونشأ عليها وألفها: فإن تحويله عنها من الصعوبة بمكان، مهما بذلت له المحاولات، وأقيمت عليه البراهين، وأوضحت له الحجج التي تنير الحق، وتبين سفاهة من دان بتلك الأديان الباطلة، أو انتحل تلك النحل الزائغة، أو صدق بتلك العقائد المنحرفة: ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )، فرجوع مثل هذا إلى الصواب مع رسوخ الباطل في ذهنه، شبه المستحيل إلا ما شاء الله.

 

  1. فإن هذه الحضانة والتربية بأيدي الكفار والمضلين لا تجوز شرعًا، فلا يجوز أن يمكَّن الكافر من تولي الطفل المسلم حال طفوليته، ولو كان ذلك الكافر أو المبتدع أباه، أو أخاه، أو قريبه، أو نسيبه، كما أن القريب المسلم إذا كان فاسقًا، أو عاصيًا: لا يجوز أن يتولى حضانة الصبي المسلم مهما كانت قرابته؛ لأنه غير موثوق به في أداء الواجب من الحضانة ، ولا حظَّ للطفل في حضانته ؛ لأنه ينشأ على طريقته، ويقع فيما وقع فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإنّ المطلوب من الحضانة أمر زائد على الغذاء والحفظ البدني، والتطهير والتنظيف الظاهر، ذلك الأمر هو التغذية الروحية، وتنمية الفطرة الدينية، وتطبيقها عمليًّا، فمتى كان المربي، أو المعلم، منحرفًا زائغًا في المعتقد، أو متلبسًا بذنبٍ مكفِّر، أو مفسِّق: فإنه يظهر حال تلبسه به أمام أولئك الأطفال، ويوهمهم أن ذلك الذنب حسن، أو لا محذور فيه، فلذلك يشاهَد أن المبتدعة – كالمعتزلة والرافضة ونحوهم – ينشأ أولادهم على معتقدهم الزائغ، كما أن تارك الصلاة، وشارب الخمر، والمدخن، والزاني، وآكل الربا، والسارق، والقاذف، واللعان، والطعان، ونحوهم: يألف أولادهم تلك المعاصي، ويفعلونها محاكاة لآبائهم، ويصعب تحويلهم عنها، حيث نشأوا عليها منذ نعومة أظفارهم، فلا يعرفون سواها، ولم يجدوا موجها صالحا في صغرهم ينبههم على خطرها وضررها. فإذا كان هذا في العصاة والمذنبين فكيف بالكفار والمشركين من النصارى والوثنيين والملحدين.

 

  1. وإليك بعض ما قال علماء الإسلام في حضانة الكافر للمسلم وحكمها، قال أبو محمد بن قدامة في ” المغني ” ( 7 / 612 ): ” ولا تثبت – يعني الحضانة – لكافر على مسلم، وبهذا قال مالك، والشافعي، وسوار، والعنبري. وقال ابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي: تثبت له؛ لما روي عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه. وقال رافع: ابنتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقعد ناحية )، وقال لها: ( اقعدي ناحية )، وقال: ( ادعواها )، فمالت الصبية إلى أمِّها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اهدها ) فمالت إلى أبيها فأخذها ) رواه أبو داود.

ولنا: أنها ولاية، فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق: فالكافر أولى؛ فإن ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام، بتعليمه الكفر، وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما تثبت لحظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه، وهلاك دينه.

فأما الحديث: فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يُثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال.

قال ابن المنذر: ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان ذلك خاصًّا في حقه ا.هـ. انتهى.

وهذا الخلاف المذكور وقع فيما إذا كان الكافر قريبا للطفل، كالأم التي هي أولى بالحضانة، وأعرف بشئون التنظيف والعناية بالطفل، وأصبر على حمله وفصاله، وأعرف بتغذيته ورعاية مصالحه.

* وقال ابن حزم في ” المحلى ” ( 11 / 742 ):

” الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض، أو الاحتلام، أو الإنبات مع التمييز، وصحة الجسم، فإن لم تكن الأم مأمونة في دينها، ودنياها: نُظر لهما بالأحوط في دينهما، ثم دنياهما، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين: وجبت هنالك، عند الأب، أو الأخ، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، أو العم، أو الخال، وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال، والدين مغلب على الدنيا.  انتهى.

 

  1. لكن متى بلغ الطفل سنا يميز به، ويعرف ما يتدين به، ويتأثر بالتلقين، ويخاف أن يألف أعمال الكفار ويميل إليها، وجب نزعه من أحضان أقاربه غير المسلمين، وتسليمه إلى من يسعى في إصلاحه، ويربيه التربية الإسلامية، وهذا واجب على المسلمين. انتهى.

* والخلاصة:

لا تمكنوا ذلك الأب الكافر من رؤية أولاده، ولا الأولاد من رؤيته، ولا تمكنوهم من زيارته، ولا الإقامة عنده؛ لما في ذلك من الخطر الشديد على دينهم، وسلوكهم، واعلموا أن السؤال لو كان عن رجال بالغين عاقلين: لكان الحكم نفسه، وهو عدم جواز زيارته والاختلاط به، إلا من أجل نصحه ودعوته، ولا شك أن خطره على الصغار أعظم من خطره على الكبار، فيتحتم عليكم المنع.

 

والله أعلم.

قام مكان عمله بالتأمين عند شركة تأمين ضد ضياع الأمتعة، فهل له أن يستفيد من هذا العقد؟

مكان عمله أمَّن عند شركة تأمين ضد ضياع الأمتعة، فهل له أن يستفيد من هذا العقد؟

السؤال:

أعمل في شركة، حيث تدفع هذه الشركة مبلغًا محددًا لإحدى شركات التأمين، مقابل التأمين على الأمتعة للموظفين في حال إذا ضاعت خلال سفرياتهم، طبعًا أنا لا أدفع أي شيء لشركة التأمين، بل الشركة التي أعمل فيها هي من يفعل هذا، إلا أنه في حال ضاعت أمتعة أحد الموظفين: فإن عليه أن يقدِّم طلبًا بتعويضه، وهذا ما حصل لي فعلًا، فقد ضاعت أمتعتي في إحدى السفريات، وتقدر هذه الأمتعة بخمسة آلاف دولار، فرفعت طلبًا إلى شركتي، وهي بدورها رفعت الطلب الى شركة التأمين، وتم إعطائي مبلغًا وقدره ألفا دولار، فما حكم هذا المال؟ وإذا كان غير حلال: هل يجوز أن أنفقه في وجوه الخير أو أن أعطيه أحد المساكين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

التأمين التجاري محرم بجميع أنواعه؛ لأن عقوده تتضمن:  الربا، والميسر، والغرر، والغبن، والجهالة، وقد سبق بيان هذا في أجوبة متعددة.

ثانيًا:

وبما سبق يُعلم أن العقد الذي بين الشركة التي تعمل بها وشركة التأمين من العقود المحرَّمة، والتي لا يجوز إقرارها، ولا المشاركة بها، ولا الاستفادة منها.

– والموظفون في مثل هذه الحال – ومثله لو كانت الشركة تؤمن على حياتهم – على قسمين:

الأول: يُقتطع من رواتبهم مبلغ شهري لذلك التأمين، سواء على ضياع الحقائب، أو على الحياة.

والثاني: لا يُقتطع من رواتبهم شيء، وإنما هي مزية تقدمها لهم الشركة.

وفي كلا الحالين لا يحل للموظفين الاستفادة من المال المدفوع لهم من قبَل شركتهم، إلا في الحال الأولى؛ فإن لهم الحق في المطالبة والاستفادة بقدر المال المأخوذ منهم، وما يُعطى لهم من زيادة: فيتخلصون منه في أوجه الخير المختلفة.

ويختلف هذا الحكم عن الحكم الذي يُفتي به علماؤنا فيمن أصيب بحادث، وأن له أخذ قيمة الضرر – أو الدية – من شركة التأمين، وذلك لأن الذي حوَّلهم على تلك الشركة هو المتسبب بالحادث، أو القضاء، وهو هنا صاحب حق، ولا تهم الجهة المحوَّل عليها.

وأما في حالة السائل هنا: فإن الحكم يكون مثل السابق لو أن شركة الطيران حوَّلته على شركة التأمين؛ فإن له الحق في أخذ ذلك المال؛ لأنه صاحب حق، وأما مطالبته شركته بقيمة الأمتعة المفقودة في السفر: فلا وجه له، كما لا وجه له في الاستفادة من مال شركة التأمين المدفوع له من قبَلها، فإن الذي ينبغي عليه مطالبته هو شركة الطيران، أو مكتب السفريات المسئول عن الأمتعة، وهو الذي يحل له أخذ قيمة المفقودات منه، وهذا في حال أن تكون شركة الطيران، أو مكتب السفريات هما المسئولان عن ضياع الأمتعة، أما إن كان هو المسئول عن ذلك الضياع بوقوع تفريط منه: فلا يحل الرجوع إليهما للمطالبة بقيمة أمتعته.

وأما بخصوص ما أخذتَ من مال: فإن الذي يترجح عندنا عدم حلِّه، وأنه يجب عليك التخلص منه في أوجه الخير المختلفة؛ لأنه مال عائد من عقد فاسد، وليس مِن جهة مَن تسبب بضياع أمتعتك – إن كانت هي المتسببة – ولا من جهة محوَّلة عليها.

وعليك مطالبة الجهة المسئولة عن فقدان أمتعتك، وما تحصله منهم تعويضًا عن ذلك – إن كانوا متسببين في ذلك الفقدان -: فهو لك حلال.

 

والله أعلم.

رقية لعلاج الثآليل من رجل يزعم أنه على السنَّة، وتفصيل مهم حول الرقى.

رقية لعلاج الثآليل من رجل يزعم أنه على السنَّة، وتفصيل مهم حول الرقى

السؤال:

في أحد المجالس مع بعض طلبة العلم طرح موضوع حول رقية لشفاء ” الثآليل ” التي تظهر في الجسم، وقد نقل الأخ الذي طرح الموضوع عن بعض الرقاة أنهم كانوا يفعلون هذه الرقية عند من عُرف متابعته للسنَّة، ومحاربة البدع، مع سكوته عنها، وقد استشكل علينا بعض من ألفاظ، وأفعال هذه الرقية، والتي يقول الراقي فيها: ” يا أيها النبوت في الجسم الذي يموت, أسألك بالذي لا يموت ” فيقول عند ذلك هو والمرقي: ” موت، موت، موت “، ويقوم أحدهم عند ذلك بقص قشة مع الحرص على عدم وقوعها على الأرض، ثم تؤخذ وتدفن.

فنسأل فضيلتكم عن هذه الرقية، والحكم الشرعي لها مع مخاطبة الجماد ” النبوت “، وقص القشة، فهل هذا مشروع أم محظور.

أفتونا، فقد استشكل علينا الأمر، وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الرقية: هي التعويذ بقراءة القرآن والأدعية النبوية والأذكار، لحفظ الصحة، ودفع المرض.

وهذه هي الرقية الشرعية، وثمة رقية محرَّمة، وهي ما كان فيها استعمال نجاسات، أو تمتمات، أو ألفاظ شركية، أو استغاثة بغير الله، وما كان فيها كلام ليس له معنى.

ثانيًا:

والرقية الشرعية يمكن استعمالها وقاية، وعلاجًا لجميع الأمراض والأوجاع، وهكذا كان هديه صلى الله عليه وسلم في استعمالها، ومما يدل على ذلك:

  1. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ قَالَ: ( أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا ). رواه البخاري ( 5351 ) ومسلم ( 2191 ).
  2. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا – وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا -: ( بِاسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا ). رواه البخاري ( 5413 ) ومسلم ( 2194 ).

 

 

* قال الشيخ أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

وقوله: ” كان إذا اشتكى الإنسان مِنَّا، أو كانت به قرحًا، أو جرح “: يدل على جواز الرُّقى من كل الأمراض، والجراح، والقروح، وأن ذلك كان أمرًا فاشيًا بينهم، معمولًا به عندهم. ” المفهم لما أُشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 5 / 579 ).

وبه يُعلم أن ما ورد في الحديث الذي يحصر الرقية في علاج العين، والحُمة: أنه ليس على ظاهره المراد منه الحصر.

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لاَ رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ ). رواه داود ( 3886 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

الحُمة: لدغة ذوات السموم، من العقارب، والحيَّات، وغيرهما.

* قال الخطابي – رحمه الله -:

وليس في هذا نفي جواز الرقية في غيرهما من الأمراض والأوجاع … ، وإنما معناه: أنه لا رقية أولى، وأنفع من رقية العيْن، والسم، وهذا كما قيل: ” لا فتى إلا علي “، و ” لا سيف إلا ذو الفقار “؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رقى بعض أصحابه من وجع كان به، ولما ورد عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن الشفاء بنت عبد الله قالت: ” دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة رضي الله عنها، فقال لي: ( ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة ). ” معالم السنن ” ( 4 / 215 ). وحديث الشفاء رواه أبو داود ( 3887 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

– و” النَّملة “: قروح تخرج من الجنب.

ثالثًا:

والرقى إن كانت من القرآن، أو السنَّة النبوية الصحيحة، أو الأدعية الشرعية: فلا إشكال في جوازها، وأما غيرها مما يخترع ألفاظه بعض الرقاة، أو يفعلونه: فليس الأصل فيها الجواز، بل لا بدَّ من عرضه على أهل العلم ليحكموا عليها بالجواز من عدمه؛ لأن الأصل في هذه الرقى عدم الجواز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ). رواه أبو داود ( 3883 ) ، وابن ماجه ( 3530)، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* ومما يدلُّ على عرض الرقى على أهل العلم، وأن الأمر ليس على إطلاقها في الجواز:

عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ( اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ). رواه مسلم ( 5862 ).

 

* والذي يظهر لنا أن ما نقله الأخ السائل عن ذلك الراقي ليس موافقًا للشرع من جهتين:

الأولى: مخاطبته للثآليل! بأن تموت! بذِكرٍ جماعي من المجموعة التي معه، والتي تردد بسذاجة ” موت، موت، موت “! وكأن الثآليل كائنات حيَّة، وتملك موتها.

والثاني: قص تلك القشة، وعدم إيقاعها على الأرض، ثم دفنها!، وكل ذلك من الخرافات التي لا أصل لها، ولا تعلق – شرعًا ولا طبَّا – بقص تلك القشة مع موت تلك الثآليل، أو شفاء المريض منها.

ومثله علاج آخر من المخرفين، وهو غرز حبات شعير بقدر عددها في البدن، في ثمرة ” باذنجان “، ثم دفنها في مكان بعيد، وبعضهم يقول بدفنها في ” مزبلة “!، يزعمون به علاج الثآليل، وزوالها! وذلك مع زوال ثمرة الباذنجان، وبعضهم يقول إنها تزول بنبات بذرة الشعير!، ولا يُخلي هؤلاء – عادة – علاجهم هذا من آية، أو ذِكر، أو دفن عند سماع أذان، أو غير ذلك؛ لإضفاء صبغة شرعية على خرافتهم.

ويشبه هذا ما يشيعه بعض المخرفين من طرق علاج مماثلة لـ ” عِرق النَّسا “، من قطع حبل بطول مكان الألَم في جسم المريض، وأن ذلك يُنهي آلامه، ويقطع ذلك العرق!.

وقد أغنانا الله تعالى عن هذه الخرافات لعلاج الثآليل وغيرها بما أباحه لنا من القرآن، والأدعية، والأذكار الشرعية، وبما أخرجه لنا من الأرض من نبات، وثمار، وقد ثبت علاج الثآليل بالبصل، والملح، وزيت الزيتون، أو وضع قطرات من حليب التين عليها، وغير ذلك مما يعرفه أهل الخبرة ، وفي ذلك غنية عن فعل البدع، والمنكرات لعلاج تلك الثآليل، وغيرها من الأوجاع، والأسقام.

ولله در الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في إنكاره مثل هذه الرقى، مع دلالته على الثابت في السنَّة.

عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ ) قَالَتْ: قُلْتُ: لِمَ تَقُولُ هَذَا؟ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تَقْذِفُ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ يَرْقِينِي، فَإِذَا رَقَانِي سَكَنَتْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّمَا ذَاكَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ كَانَ يَنْخُسُهَا بِيَدِهِ فَإِذَا رَقَاهَا كَفَّ عَنْهَا، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا ). وقد سبق تخريجه.

 

 

 

 

رابعًا:

وأما ما يتعلق بأنواع الرقية ،فقد ذكر العلماء أن الرقية حتى تكون صحيحة مقبولة شرعا لابد لها من ثلاثة شروط إجمالا:

الأول: أن لا يعتقد الراقي أو المرقي أن الرقية تنفع بنفسها، فهذا شرك بالله؛ بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله.

الثاني: أن لا تكون الرقية مشتملة على مخالفة شرعية كدعاء غير الله أو الاستغاثة بالجن والشياطين، وما أشبه ذلك، فتكون شركا والعياذ بالله.

الثالث: أن تكون مفهومة معلومة فإن كانت مشتملة على طلاسم وشعوذة، فإنها لا تجوز.( انظر القول المفيد للشيخ ابن عثيمين 1 / 184 ).

فإذا سلمت الرقية من هذه المخالفات صحت بأي شكل كانت، فلو قرأ على المريض مع النفث أو بدون نفث، أو قرأ على ماء وشربه المريض، أو زيت وادّهن به المريض، أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز وهو نافع بإذن الله وفضله. انتهى.

خامسًا:

يقال إنّ الثآليل هي في الاصل رطوبات تحجرت ثم نبتت بأحجام مختلفة وربما تسبب بعض الالام وهو نوع من المرض يسببه فيروس يظهر على لجلد الخارجي ويغلب أن يكون سطحها خشن الملمس وبعضها مرتفع بعض الشيء ولون الثألول في معظم الأحوال اغمق من الجلد.

وبعض هذه الثآليل تزيد نتيجة الاحتكاك أو نتيجة استخدام موسى الحلاقة وبعضها يختفي من تلقاء نفسه والبعض الآخر يحتاج الى علاج ولعل موقع هذه الثآليل يتركز في الأجزاء المكشوفة كالأصابع والأيدي والوجه وفروة الرأس.

* العلاج عند الطب العربي القديم بثلاث طرق هي:

  1. يتم تدليك الثآليل حوالي عشرين مرة في الصباح وعشرين مره في المساء بزيت الخروع تدليكا جيدا حتى يدخل الزيت الى داخل هذه الثآليل التي تقل في
    الحجم تدريجيا ومع استمرار العلاج على مدى عشرة أيام على الأقل تختفي تماما
  2. يوضع روح الخل على الثآليل بعد إحاطتها بالفازلين حتى لا يؤثر الحمض على الجلد السليم وهذا يستدعي تكرار العلاج.
  3. يمكن إزالة الثآليل إذا ضمدت بشرائح البصل المشبعة بالخل وثبتت فوقها بمشمع لاصق.

* رأي الطب الحديث بالثآليل:

إنها أورام صغيرة صلبة تنتشر على ظهر اليدين بصفه خاصة وسطحها خشن في الغالب وقليل منها أملس السطح وهي لا يتسبب عنها آلام .

 

وأنفع شيء للثآليل هو: الرقية الشرعية, تضعين ريق بإصبعك وتمزجينه بالتراب وتقولين هذا الدعاء: ” بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا “.

 

وإذا دهنتيه: بزيت الحبة السوداء وكررتِ عليه الرقية مع الزيت فأرجو أن يذهب.

 

والله أعلم.

يعيشون في الغرب مع وجود جالية لا تفرق بين الطوائف المنتسبة للإسلام ووجود بعض التشويش لبعض القضايا من الإعلام.

يعيشون في الغرب مع وجود جالية لا تفرق بين الطوائف المنتسبة للإسلام ووجود بعض التشويش لبعض القضايا من الإعلام.

السؤال:

نحن أفراد الجالية الاسلامية البالغ عددها حوالي 35 ألف إلى 40 ألف والمكونة من فرق متعددة، المكلفون بعمل الإحصاءات هنا لا يفرقون بين شيعي وبهائي وحبشي وسني! اندمج هؤلاء المسلمون مع مواطني الدولة المسيحية البالغ عدد سكانها حوالي 5 مليون نسمة، حتى علم الدولة محتوي على رمز المسيحية ألا وهو الصليب.

خلال الأشهر الماضية قام جماعة من المنتمين حديثا للإسلام (سنة) بتشكيل حزب سياسي وجعلوا من بين أهدافهم محاولة منع بيع الخمور في المحلات، بل ذهبوا لأبعد من ذلك بإعلانهم عن رغبتهم في إقامة الشريعة في هذه الدولة المسيحية! لابد أن تأخذوا في الاعتبار أن المسلمين هنا لا يتمتعوا بالحقوق العادية كالحق في أن يكون لديهم مقابر خاصة، أو الحق في إظهار شعائر معينة كذبح الأضاحي وما إلى ذلك.

كان لدينا مقابر خاصة ولكنها امتلأت، وبسبب حدوث بعض الأخطاء في تنظيمها والخلاف بين الفرق المختلفة على مسك زمام المسئولية، استفادت السلطات هنا من الخلاف وجعلوا الأمر صعبا جدا على المسلمين ولم يمكنوهم من امتلاك مقابر خاصة بهم، ولذلك إذا مات أحد المسلمين هنا يُدفن بجوار المسيحي والملحد!

تلك الجماعة من المنتمين حديثا للإسلام يحاولون أن يتوحدوا ويبتعدوا عن حزبية وقبلية الصوماليين، وعن محادثات العرب، الآن تركز وسائل الاعلام هنا على الإسلام والمسلمين بصورة سلبية وذلك عن طريق مناقشة موضوعات مثل:

– الطلاق في الاسلام بيد الرجل ولا تستطيع المرأة أن تحصل على حقوقها كاملة وعلى حريتها اذا ما أرادت أن تنهي زواجها.

– العقاب البدني للأطفال في البيوت، فضرب الأبناء في هذه الدولة يعد جريمة يعاقب عليها القانون.

– تقوم العائلات  المسلمة بعزل أبنائهم عن المجتمع وحرمانهم من الاشتراك في ممارسة السباحة ( بنات وأولاد معا)  ويقومون أيضا بحرمانهم من حضور دروس الموسيقى.

– وأيضا يناقشون (ماذا يريد المسلمون هنا، أن يتبعوا شريعتهم أم نظام الدولة؟!)

وهدف الاعلام من ذلك هو تشويه صورة الاسلام وزرع الكراهية في قلوب عامة الناس تجاه الاسلام والمسلمين، الناس هنا عموما يشتكون أن المسلمين يتمتعون بأموالهم والخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين والآن يضاف إلى قائمة الشكاوى أن المسلمين يريدون أن يقيموا الشريعة على أرض الدولة بينما بلدانهم الأصلية لا تطبق الشريعة، علما بأن من يقومون بأداء الواجبات الدينية هنا من المسلمين أقلية بينما الأغلبية اندمجت تماما في المجتمع.

تبني وسائل الاعلام ومراكز الأبحاث نتائجها على رأي كل وأي شخص يمكنه الإجابة، والذي قد يكون جاهلا، خصوصا أن معظم الناس حاليا يجرون وراء الشهرة والمكاسب الدنيوية، وقد فاض بهم الكيل من بلدانهم الأصلية التي لا يحصلون فيها على حقوق ولا تقدرهم كمواطنين، ومن أجل الحصول على تقدير غير المسلمين لهم يفعلون أي شيء! فقد سمعنا حتى عن أفراد ارتدوا عن الاسلام وأصبحوا مسيحيين!

عندما ننصح البعض رئيس ذلك الحزب الإسلامي بشأن الخطوات التي ينبغي عليه أن يتخذها قال إنه فقط يسعى لعمل دعاية إيجابية للإسلام (هذا الشخص كان ناشطا سياسيا في شبابه).

الآن نطلب منكم نصيحة عامة للمسلمين في هذا البلد وخصوصا لأولئك مكوني الحزب السياسي من المنتمين للإسلام حديثا، وأن تذكروننا بواجبنا تجاه البلد وتجاه مواطني البلد الأصليين ومسئوليه، وأن تبينوا لنا الحدود التي لا ينبغي علينا تخطيها، حتى لا ندمر بيوتنا بأيدينا، أو على الأقل حتى لا نــُحرم من الحقوق القليلة التي نتمتع بها في هذه الدولة، فليس كل مسلم هنا قادر على الهجرة إلى بلد إسلامي.

إذا أردتم المزيد من المعلومات حول الموضوع فأرجوكم أن تراسلونا وسنكون سعداء جدا بإرسال مزيد من التفاصيل إليكم، أرجوكم أن تردوا علينا بسرعة حيث مازال هناك المزيد من الوقت لغلق أبواب الفتنة، وقبل فوات الأوان. وجزاكم الله خيرا، قد يكون هناك بعض التعبيرات الخاطئة، نسمح لكم بحذف مالا تجدونه ملائم للدعوة ولكم الحرية في صياغة السؤال بالشكل اللائق، ما يهم هو أن تنصحونا. السلام عليكم!

 

الجواب:

الحمد لله

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) رواه مسلم (49).

* سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله –:

إذا لم يكن للمسلمين إمامٌ مسلم يقيم الشرع مثل الأقليات المسلمة، فهل لرئيسهم المسلم أو لإمام المسجد أن يقيم الحدود عليهم؟

فأجاب:

( هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل وبحث، وهذه كل صورة لها حكمُها وكل بلد لها حكمها، فيَلْزَمْ أولئك أن يستفتوا أهل العلم ويأخذوا الفتوى، ليس ثَمَّ قاعدة؛ لأنَّ كل بلد لها حكمها، وكل أقلية لها حكمها وقد يدخلون في أشياء بمحض اجتهادهم، تكون عليهم ضرر، تكون تلك الأشياء عليهم ضررا في عاقبة أمرهم، فلابد من استفتاء أهل العلم الراسخين فيه، وتُنْزَلْ كل مسألة منزلتها ).

شرح العقيدة الطحاوية (1 / 471).

* قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى –:

قوله: ( باليد ): واليد في وقتنا هذا لا تكون إلا من ذي سلطان وإنما كان الأمر كذلك لئلا يصبح الناس فوضى.

على كل حال نحن نقول: إن التغيير شيء لا يكون إلا من ذي سلطان وهو حق، لأنه لو جُعل التغيير باليد لكل إنسان لأصبح من رأى ما يظنه منكرًا منكرًا عنده ثم أتلف أموال الناس من أجل أنها منكر يرى بعض الناس أن الراديو منكر فمر برجلٍ قد فتح الراديو على أخبار مكة وهو يرى أنه منكر وقلنا غيِّر باليد ماذا يصنع بالراديو يكسِّره هل له حق أن يكسره؟

ليس له حق في وقتنا الحاضر أما في الوقت الذي مضى ما نعلم عنه، لكن لو نهيناهم وصاروا صاحين لذهبوا يفجرون بنساء المسلمين ويأخذون أموالهم أيهم أعظم؟ الثاني أعظم دعهم يشربون الخمر ولا يعتدون على المسلمين.

لكن في وقتنا الحاضر لو جُعل التغيير باليد لغير ذي سلطان لأصبح الناس فوضى وتقاتل الناس فيما بينهم ولقد رأيتُ رجلا منذ سنوات دخل المسجد إنسانٌ ومعه راديو فقام الرجل الحبيب الطيب الناهي عن المنكر أمام المصلين وقال والعياذ بالله يأتي أحدكم بالراديو مزمار الشيطان ويجعله معه في المسجد والذي جاء به حاج من الحجاج نحن كنا نشتغل في مطار جدة من الحجاج أتى بهذا الراديو وهو فيه تسجيل لعله يسمع أخبارا يسجلها تنفعه حاج يحب أخبار الحجاز وقام يتكلم كلاما عظيماً الحجاج انبهروا هذا حرام هذا حرام فجاءوا يسألون يقولون: هل هذا حرام؟ نحن ما أتينا للحج لنبحث عن الحرام فقلنا لهم: حلال اطمئنوا إن شاء الله ما فيه إلا العافية لكن إياكم أن تفتحوه على الأغاني والموسيقى هذا حرام أما الأخبار والقرى والحديث فهذا ليس فيه شيء طيب القرآن والحديث طيب والأخبار من الأمور المباحة.

فأقول: بعض الناس يظن ما ليس منكرا منكرًا فلو قلنا غيِّر باليد كسَّر هذا الراديو أو المسجل الذي يرى أنه منكر.

ولهذا نقول: الإزالة باليد أو التغيير باليد في الوقت الحاضر لا يكون إلا من ذي سلطان والسلطان من أعطاه ولي الأمر صلاحيةً في ذلك.

وعلى هذا رجال الحسبة الموجودون عندنا يكون لهم السلطة أليس كذلك؟ وبعض المواضع بالنسبة للمكان في بعض الأحيان بالنسبة للزمان.

قوله: ( فاصبر ): أمر بالصبر لأن المقام يحتاج إلى الصبر، ولهذا قال الله تعالى: { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك}  لقمان/ 17.

فاصبر وزل باليد واللسان

لمنكرٍ واحذر من النقصان

* هذه مراتب التغيير غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وقد ذكرنا قبل أن هناك ثلاث مراتب:

  1. الدعوة
  2. والأمر
  3. والتغيير

* فلا تلتبس عليكم أو فلا يلتبس عليكم بعضها مع بعض:

1 – الدعوة

2 – والثاني : الأمر والنهي

3 – والثالث: التغيير

الدعوة أن يدعو الإنسان إلى الله عز وجل ترغيبا وترهيبا دون أن يوجه أمرا معينا لشخصٍ معين.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شيءٌ موجه لشخص معين أو طائفة معينة أو ما أشبه ذلك لكن فيه أمر افعلوا اتركوا وأظنكم تعرفون الفرق.

لو قام رجلٌ بعد صلاة الجمعة بعد صلاة الظهر أحسن لأن الخطبة بعد صلاة الجمعة فيها ما فيها لو قام رجل بعد صلاة الظهر يدعو الناس يرشدهم إلى الله يبين الحق يبين الباطل يحذر من هذا وهذا هل يقال هذا آمرٌ بمعروف ناهٍ عن منكر؟

يقال: هذا داعٍ إلى الله.

ولو رأينا رجلا يقول: يا فلان افعل كذا اتق الله، يا فلان اترك كذا اتق الله، هذا آمر وناهي، التغيير أن يغير الإنسان المنكر بنفسه بأن يكون دعا صاحب المنكر إلى تركه ولكن أبى أو أمر تارك المعروف أن يفعله ولكن أبى هذا يغير يضرب ويحبس ويكسر آلة اللهو وما أشبه ذلك، هذا التغيير قيده الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال: ( والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولَتَأْطُرُنَّهُ على الحق أَطْرا ).

لم يقل: إن استطعتم لكن قال: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه).

* إذن فالتغيير غير فنقول:

التغيير فيه سلطة وقدرة، الأب في بيته داعٍ آمر مغير لأن له سلطة، رجل الحسبة في المجتمع داعي وآمر ومغير لكن ليس التغيير لكل أحد ليس كل أحد يستطيع قد يغير ويلحقه من الضرر ما لا يعلمه إلا الله وقد يلحق غيره أيضاممن لم يشاركه في التغيير كما هو الواقع.

ولهذا نقول: غيِّر باليد فإن لم تستطع، قال: ( واللسان ): والمؤلف رحمه الله رتبها ترتيبا محليا لا لفظيا يعني ما أتى بـ ( ثم ) الدالة على الترتيب أو بالفاء أو ما أشبه ذلك، لكن تقديم بعضها على بعض يدل على الترتيب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به ) مع أن الله قال: {إن الصفا والمروة} البقرة /158، ولم يقل: ( إن الصفا ثم المروة ).

إذن الأول اليد الثاني اللسان، اللسان ليس أن تقول يا فلان اتق الله أن تنتهره وأن تريه سلطة وقدرة واستعلاءً، استعلاءً بالحق.

قوله: ( النقصان ): النقصان ما هو؟ أن تغير بالقلب لأنه أضعف الإيمان أن تغير بالقلب كيف التغيير بالقلب؟ هل الإنسان يمكن أن يغير بالقلب؟

يمكن بالكراهة وعدم المخالطة هذا التغيير بالقلب، الكراهة للمنكر وعدم مخالطة فاعليه، لقول الله تبارك وتعالى: { وقد نزل عليكم الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذن } النساء/ 140، إن قعدتم { مثلهم }.

فلو فرضنا مثلا: أن قوما يلعبون الشطرنج ومعهم رجلٌ صالح قال: يا قوم اتقوا الله هذا حرام لا يجوز، قالوا: لن ندع هذا فهل يجوز أن يجلس معهم؟ لا، لكنهم قالوا له : إن خرجت فنفعل بك كذا وكذا فجلس.

هل يأثم؟

لا،

لماذا؟

لأنه مكره على الجلوس،

فإن قال أنا لم أُكْرَه على الجلوس لكن أخشى إن ذهبتُ أن يقع بيني وبينهم عداوة ماذا نقول؟

نقول: وليكن إذا عاديتهم لله لا يضرك فإن قال: أخشى أن يقع بيني وبينهم قطيعة رحم، نقول: لا يقع بينك وبينهم قطيعة رحم صِلْهُم أنت، لأن صلة الرحم من قبلك ممكنة أو متعذرة؟ ممكنة وأنت إذا وصلتهم وهم يقطعونك فكأنما تُسِفُّهُمْ الملّ كما جاء في الحديث، فالحاصل الآن أن التغيير له ثلاث مراتب ).

شرح العقيدة السفارينية (2 / 84,81).

 

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

في حديث أبي سعيد الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكرا … الخ) هل الحديث على سبيل التخيير أم على سبيل الترتيب؟ وإذا كان على سبيل الترتيب، ما هو الضابط إلى الانتقال من مرحلة إلى مرحلة من الإنكار؟

الشيخ: اقرأ الحديث من أجل تعرف.

السائل: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ).

فأجاب: ( هل هذا ترتيب أو تخيير)؟

السائل: ترتيب.

الشيخ: إذا هو على الترتيب.

السائل: لأن البعض يظن أن الإحراج الذي قد يتسبب له من إنكار المنكر كأن ينكر على فتاة.

الشيخ: لا، انظر بارك الله فيك إنكار المنكر غير تغييره، التغيير لا يكون إلا لسلطة، مثلا أنا أقول للشخص: هذا غلط، حرام، منكر، لكن لا أقدر أن أغيره، معه مثلا ربابة فأنا أنكر عليه، ولهذا لم يأت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقيدا بالاستطاعة لكن لا أستطيع أن أغيره، هل أقدر أن أكسرها؟ لا أقدر، فيجب ألا تختلط علينا الأمور، إنكار المنكر غير تغيير المنك، ولذلك نقول في وقتنا الحاضر: لما كثرت الأهواء وكثر الجهل لا تغيير للمنكر باليد إلا من ذي سلطان.

هذا الضابط، أنت ليس لك حق أن تغير المنكر باليد، وذلك لأننا في الوقت الحاضر لما غلب الهوى والجهل؛ قد يظن الظان أن هذا منكر وليس بمنكر، هناك أناس متشددون الآن، كل شيء عندهم منكر، كل شيء عندهم بدعة، لو أطلقنا العنان لهؤلاء ماذا يحصل من الفساد؟ يحصل من الفساد ما لا يعلم به إلا رب العباد ).

لقاءات الباب المفتوح (213 /السؤال رقم 20).

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

– هناك من الناس من لا يرتدع إلا بالعنف، فما العمل معه؟

فأجاب:

( هناك من الناس من لا يرتدع إلا بالعنف  ولكن العنف الذي لا يخدم المصلحة، ولا يحصل به إلا ما هو أشر لا يجوز استعماله، لأن الواجب اتباع الحكمة، والعنف الذي منه الضرب والتأديب والحبس، إنما يكون لولاة الأمور، وأما عامة الناس فعليهم بيان الحق وإنكار المنكر، وأما تغيير المنكر ولا سيما باليد فإن هذا موكول إلى ولاة الأمور  وهم الذين يجب عليهم أن يُغيروا المنكر بقدر ما يستطيعون لأنهم هم المسؤولون عن هذا الأمر ولو أراد الإنسان أن يغير المنكر بيده كلما رأيي منكرا لنتجت عن هذا مفسدة قد تكون أشد من المنكر الذي أراد أن يغيره بيده، فلهذا يجب إتباع الحكمة في هذا الأمر، إنك تستطيع أن تغير المنكر في البيت الذي ترعاه بيدك، لكن تغير المنكر بيدك في السوق قد تكون نتيجته أسوأ من بقاء هذا المنكر، ولكن يجب عليك أن تبلغ من يملك تغيير هذا المنكر في السوق ).

فتاوى إسلامية (4 / 361).

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز  رحمه الله –:

هل يغير المنكر باليد، ولمن يكون التغيير باليد، مع ذكر الأدلة حفظكم الله؟

فأجاب:

الله جل جلاله وصف المؤمنين بإنكار المنكر والأمر بالمعروف، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} التوبة / 71.

وقال تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } آل عمران / 104.

قال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } آل عمران / 110.

والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا، وما ذاك إلا لأهميته وشدة الحاجة إليه.

وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان » صحيح مسلم الإيمان (49).

فالإنكار يكون باليد في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور، والهيئة المختصة بذلك فيما جعل إليها، وأهل الحسبة فيما جعل إليهم، والأمير فيما جعل إليه، والقاضي فيما جعل إليه، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع.

أما من لا يستطيع ذلك أو إذا غيره بيده يترتب عليه الفتنة والنزاع والمضاربات فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه، ويكفيه ذلك لئلا يقع بإنكاره باليد ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره، كما نص على ذلك أهل العلم.

أما هو فحسبه أن ينكر بلسانه  فيقول يا أخي: اتق الله هذا لا يجوز، هذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة والأسلوب الحسن ثم بعد اللسان القلب يعني يكره بقلبه المنكر، ويظهر كراهته، ولا يجلس مع أهله، فهذا من إنكاره بالقلب ).  مجموع فتاوى ابن باز (6 / 51,50).

 

 

 

* سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله –:

قال (فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ) والتغيير هنا أوجب التغيير باليد، وهذا مقيد بما إذا كان التغيير باليد مقدورا عليه، وأما إذا كان غير مقدور عليه، فإنه لا يجب، ومن أمثلة كونه مقدورا عليه: أنْ يكون في بيتك الذي لك الولاية عليه؛ يعني في زوجك وأبنائك وأشباه ذلك، أو في أيتام لك الولاية عليهم، أو في مكان أنت مسئول عنه، وأنت الولي عليه، فهذا نوع من أنواع الاقتدار، فيجب عليك هنا أن تزيله وأن تغيره، وإذا لم تغيره بيدك فتأثم، أما إذا كان في ولاية غيرك، فإنه لا تدخل القدرة هنا، أو لا توجد القدرة عليه؛ لأنّ المُقْتَدِر هو من له الولاية فيكون هنا باب النصيحة لمن هذا تحت ولايته، ليغيره من هو تحت ولايته والتغيير في الشرع ليس بمعنى الإزالة، التغيير اسم يشمل الإزالة، ويشمل الإنكار باللسان بلا إزالة، يعني أن يقال: هذا حرام، وهذا لا يجوز. ويشمل أيضا الاعتقاد أن هذا منكر و محرم؛ ولهذا جاء في هذا الحديث بيان هذه المعاني الثلاث، فقال عليه الصلاة والسلام (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ -التغيير بيده- فَبِلِسَانِهِ) يعني فليغيره بلسانه، ومن المعلوم أن اللسان لا يُزيل المنكر دائما، بل قد يزول معه بحسب اختيار الفاعل للمنكر، وقد لا يزول معه المنكر، تقول مثلا لفلان: هذا حرام، وهذا منكر لا يجوز لك. قد ينتهي وقد لا ينتهي، فإذا أخبرت الخلق، أو المكلَّف الواقع في هذا المنكر، إذا أخبرته بأنه منكر وحرام فقد غيَّرْتَ، وإذا سكت، فإنك لم تغير، وإن كنت لا تستطيع باللسان، فتغيره بالقلب تغييرا لازما لك لا ينفك عنك، ولا تُعذر بالتخلف عنه، وهو اعتقاد أنه منكر ومحرم، والبراءة من الفعل؛ يعني بعدم الرضا به، لهذا جاء في سنن أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال«إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ كَانَ مَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَمَنْ عملها، وكَانَ ممن شَهِدَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْهَا كَمَنْ فَعَلَها» وهذا يعني أن الراضي بالشيء كفاعله ).

شرح متن الأربعين النووية قسم الحديث (35 / 3).

* سئل علماء اللجنة الدائمة: حديث (تغيير المنكر) هل المقصود: لكي يتغير المنكر أن نترك المكان الذي به منكر، أم نظل ونكرهه وننكره بقلوبنا؟

فأجابوا: ( المسلمون في إنكار المنكر درجات، منهم من يجب عليه إنكار المنكر بيده كولي الأمر ومن ينوب عنه ممن أعطي صلاحية لذلك، كالوالد مع ولده والسيد مع عبده والزوج مع زوجته؛ إن لم يكف مرتكب المنكر إلا بذلك. ومنهم من يجب عليه إنكاره بالنصح والإرشاد والنهي والزجر والدعوة بالتي هي أحسن دون اليد والتسلط بالقوة؛ خشية إثارة الفتن وانتشار الفوضى. ومنهم من يجب عليه الإنكار بالقلب فقط؛ لضعفه نفوذا ولسانا، وهذا أضعف الإيمان، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله: « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان » (1) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه ).

فتاوى اللجنة الدائمة1(12 / 335,334). الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الرزاق عفيفي, الشيخ عبد الله بن غديان. الشيخ عبد الله بن قعود.

* سئل علماء اللجنة الدائمة: ما هو حكم الإسلام فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طبقا لكتاب الله وسنة رسوله، والأحاديث والأثر المذكور، ومنهج السلف الصالح المتعلق بها، وموقف الراعي والرعية منها؟

فأجابوا: ( يجب على المسلمين أن يكون منهم جماعة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قال الله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران / 104.

وفي تحقيق ذلك صلاح الناس واستقامة أحوالهم، وتكون هذه الأمة كما أثنى الله عليها بقوله: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } آل عمران / 110.

وعلى القائم بذلك أن يعظ قساة القلوب بما تلين به أفئدتهم، وتطمئن به أنفسهم، وتقبل على طاعة الله وعبادته، وأن يجادلوا من لديه شبهة بالتي هي أحسن؛ حتى يتبصر ويتبين له الحق، فيهتدي إلى الصراط المستقيم، قال الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } النحل / 125.

والمسلمون في ذلك درجات: منهم من يدعو إلى المعروف ويتعاهد التنفيذ بيده، كولاة الأمور، العام منهم كالحاكم ونائبه، والخاص كالأب ومن يقوم مقامه، ومنهم من يدعو إلى الخير وينهى عن المنكر بلسانه، كالعلماء ومن في حكمهم، ومنهم من لا نفوذ له ولا سلطان ولا قوة بيان، فعليه أن ينكر المنكر بقلبه، وقد ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان »  فمن فرط فيما وجب عليه من ذلك أثم وكان فيه شبه بمن قال الله فيهم :{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ }.

(المائدة/78-80). فتاوى اللجنة الدائمة1(12 / 338,337).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

 

والله أعلم.

حكم أكل التمساح والضبع والضفدع

حكم أكل التمساح والضبع والضفدع

السؤال:

ما حكم أكل التمساح؟ وهل يجوز أكل الضبع مع أنه من ذوات الأنياب؟ وما حكم أكل الضفدع مع بيان كلام ابن عثيمين في ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا: (التمساح )

اختلف الفقهاء في أكل التمساح، فذهب الجمهور إلى تحريم أكله، وذهب المالكية إلى الجواز، وهو رواية عن أحمد رحمه الله.

وحجة من حرمه أن له نابا يفترس به، وحجة من أباحه دخوله في عموم قوله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ) المائدة/96، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ) رواه الترمذي (69) والنسائي (332) وأبو داود (83) وابن ماجه (386) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

وينظر: “بلغة السالك لأقرب المسالك” ( 2/182 ) “المجموع” ( 9/34 )، “الإنصاف” (10/364).

* وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:

أيحل أكل الحيوانات الآتية: السلحفاة، فرس البحر، التمساح، القنفذ، أم هي حرام أكلها؟

فأجابوا:

القنفذ حلال أكله؛ لعموم آية: ( قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ )، ولأن الأصل الجواز حتى يثبت ما ينقل عنه.

وأما السلحفاة فقال جماعة من العلماء: يجوز أكلها ولو لم تذبح؛ لعموم قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ) لكن الأحوط ذبحها خروجا من الخلاف.

أما التمساح فقيل: يؤكل كالسمك؛ لعموم ما تقدم من الآية والحديث، وقيل: لا يؤكل؛ لكونه من ذوات الأنياب من السباع، والراجح الأول.

وأما فرس البحر فيؤكل لما تقدم من عموم الآية والحديث، وعدم وجود المعارض، ولأن فرس البر حلال بالنص، ففرس البحر أولى بالحل  ” انتهى.

“فتاوى اللجنة الدائمة” (22/319) .

 

 

* وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

قرأت في كتاب أن كل شيء يعيش في البحر يمكن أكله، ولكني سمعت أن هناك بعض الحيوانات التي تعيش في البحر لا يجوز أكلها، فهل هذا صحيح؟ وما هو الحكم الشرعي في أكل صيد البحر؟

فأجاب: “صيد البحر كله حلال حتى للمحرمين، يجوز لهم أن يصطادوا في البحر لقول الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما) فصيد البحر هو ما أكل حيا، وطعامه ما وجد ميتا، وظاهر الآية الكريمة ( أحل لكم صيد البحر ) ظاهرها أنه لا يستثنى من ذلك شيء؛ لأن صيد اسم مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم كما في قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) فإن “نعمة” مفرد هنا، ولكن المراد بها العموم، وهذا القول هو الصحيح الراجح أن صيد البحر كله حلال لا يستثنى منه شيء.

واستثنى بعض أهل العلم من ذلك: الضفدع والتمساح والحية، وقال: إنه لا يحل أكلها، ولكن القول الصحيح العموم وأن جميع حيوانات البحر حلال، حيهُ وميتهُ ” انتهى من “فتاوى نور على الدرب.

 

ثانيا: ( الضبع )

ذهب كثير من أهل العلم إلى إباحة أكل الضبع، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، واستدلوا على ذلك بأدلة صحيحة صريحة.

* قال الشافعي رحمه الله في “الأم” (2/273):

” ولحوم الضباع تباع عندنا بمكة بين الصفا والمروة, لا أحفظ عن أحد من أصحابنا خلافا في إحلالها “.

 

والله أعلم .

 

ثالثًا: ( الضفدع)

* عمدة بحث المسألة آية وحديث:

أما الآية: فهي قوله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ) المائدة/ من الآية 96.

* وأما الحديث: فهو:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا. رواه أبو داود (3871 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

– وهو حيوان برمائي، يعيش في البحر، ويضع بيضه في البر على الشط.

 

والذي لا شكَّ فيه أن الشيخ العثيمين رحمه الله يرى تحريم ” الضفدع “، ويرى حل ” التمساح “، وليس ثمة اختلاف في كلامه رحمه الله، وإليكم البيان:

من عبارات الحنابلة رحمهم الله في كتبهم: قولهم: ” ويباح حيوان البحر كله، سوى ضفدع، وتمساح، وحيَّة “، وهي العبارة التي يشرحها العلماء في كتاب “الأطعمة”، وعندما شرحها الشيخ العثيمين رحمه الله: بيَّن أن ظاهر الآية  المبيحة لصيد البحر ولطعامه تشمل كل ما في البحر، وليس فيها استثناء، ثم بيَّن أن من العلماء من استثنى بعضها، وذكر عبارة الحنابلة، ثم يختم بقوله: والصحيح العموم، وأنه لا استثناء في التحريم.

وهل يقصد بقوله ذاك حل الضفدع – مثلا -؟ الجواب: قطعا لا يقصد، وإنما أراد على من استثنى من صيد البحر وطعامه كائنا ما كان ذلك المستثنى، ومن العلماء من استثنى كل ما له مثيل محرَّم في البر، ككلب البحر، وإنسان البحر!، وغيرهما، والشيخ رحمه الله ينص في بعض شروحاته أنه حتى هذه يشملها عموم الحل، فهو إذن عندما يذكر بعض الاستثناءات لا يناقشها لكونها حلالاً أو حراما، بل يناقش الاستثناء من عدمه، وعند التفصيل في الاستثناءات يتضح المقام، وقد يكون ما استثنوه أصلاً ليس بحريّا! كالضفدع!، فيحرِّم الشيخ رحمه الله الضفدع لوجود النص بالنهي عن قتله، ويبيح التمساح ويرد على من قال إنه محرَّم لأن له نابا، ويرد على من استثنى الحية لأنها مستخبثة، وهكذا يفصِّل فيما استثناه بعض العلماء، ويبين أنه إن كان بحريّا: فلا مجال للاستثناء؛ لقوة العموم في الآية المبيحة, وإن كان بريّا، أو برمائيّا – كالضفدع – فقد يوافقهم الشيخ على تحريمه لا لأنه مستثنى من العموم المبيح، بل من جهة أخرى.

* وكل ما ذكرتُه سابقا ثمة نقول عن الشيخ رحمه الله توضح ذلك وتبينه، وإليكم بعضها:

  1. وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – بعد ترجيح جواز أكل التمساح وحية البحر:

فالصواب: أنه لا يستثنى من ذلك شيء، وأن جميع حيوانات البحر التي لا تعيش إلا في الماء حلال، حيّها، وميتها؛ لعموم الآية الكريمة التي ذكرناها من قبل – يعني: قوله تعالى: ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) – “.

” الشرح الممتع ” ( 15 / 35 ).

وهذا النقل عن الشيخ رحمه الله يؤكد تماما ما قلناه عنه، فإنه بعد أن شرح عبارة الحنابلة: ( ويباح حيوان البحر كله إلا الضفدع، والتمساح، والحيَّة ): بيَّن أن الضفدع حرام، وأجاز التمساح والحية، ثم عبّر في نهاية بحثه بقوله: ” فالصواب: أنه لا يُستثنى من ذلك شيء “.

  1. سئل الشيخ العثيمين – رحمه الله – :

هل لحم التمساح والسلحفاة حلال أم حرام؟ لأن هذه كلها عندنا في السودان، أفيدونا بارك الله فيكم.

فأجاب:

كل صيد البحر حلال، حيُّه، وميتُه، قال الله تعالى: ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيد البحر: ما أخذ حيّاَ، وطعامه : ما وُجد ميتا، إلا أن بعض أهل العلم استثنى ” التمساح “، وقال: إنه من الحيوانات المفترسة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن كل ذي ناب من السباع من وحوش البر: فإن هذا أيضا محرم، ولكن ظاهر الآية الكريمة التي تلوتها: أن الحل شامل للتمساح. ” نور على الدرب ” ( شريط 137 ، وجه : أ ).

  1. والفتوى التي أشار بعض الإخوة أنه من المحتمل أن يكون ذكر الضفدع فيها ” سبق لسان “: تأكدت من صوابها سماعا، ووثقتها، وهي قوله:

صيد البحر كله حلال حتى للمحرمين، يجوز لهم أن يصطادوا في البحر؛ لقول الله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما ) فصيد البحر: هو ما أُخذ حيّا، وطعامه: ما وُجد ميتا، وظاهر الآية الكريمة ( أحل لكم صيد البحر ) ظاهرها: أنه لا يستثنى من ذلك شيء؛ لأن صيد اسم مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم كما في قوله تعالى: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) ؛ فإن ” نعمة ” مفرد هنا، ولكن المراد بها العموم، وهذا القول هو الصحيح الراجح أن صيد البحر كله حلال لا يستثنى منه شيء، واستثنى بعض أهل العلم من ذلك: الضفدع، والتمساح، والحيَّة، وقال: إنه لا يحل أكلها، ولكن القول الصحيح العموم وأن جميع حيوانات البحر حلال، حيهُ وميتهُ.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط : 129 ، وجه : أ ) .

وأرجو التنبه إلى أن الشيخ لم يقل بإباحة الأشياء الثلاثة، ودخولها في عموم الآية، فهو ليس في صدد نقاش حل الاستثناءات، بل في صدد إثبات عموم الآية، وشمولها لكل شيء أخرجه منها صاحبها، وليس هو.

  1. وفي ” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 388 ):

وأما الحيوانات البحرية: فكلها حلال، صغيرها وكبيرها؛ لعموم قوله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة)، فصيده: ما أخذ، وطعامه ما وجد ميتا، هكذا جاء تفسيرها عن ابن عباس وغيره؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ).

ولا يستثنى مما في البحر شيء، فكل ما فيه حلال لعموم الآية والحديث، واستثنى بعض العلماء الضفدع والتمساح والحية، والراجح أن كل ما لا يعيش إلا في البحر حلال. والله أعلم. انتهى.

فهو هنا يؤكد على حل حيوانات البحر، ويعرفها بأنها ” ما لا يعيش إلا في البحر “، وليس يتكلم رحمه الله عما استثني وهو من ” البرمائيات ” .

  1. وفي ” شرح بلوغ المرام ” ( كتاب الأطعمة ، شريط رقم 2 ) – بعد أن ذكر حديث استئذان الطبي في استعمال الضفدع في العلاج -:

الضفدع: دويبة معروفة، تعيش في البر، وتعيش في الماء، وهذا الطبيب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها ليجعلها دواء، فنهى عن قتلها، وإذا نهى عن قتلها: صارت حراما؛ لأنه من القواعد المقررة التي سبقت: أن من طرق تحريم الحيوانات: ما أُمر بقتله، أو ما نُهيَ عن قتله، وعلى هذا : فيكون الضفدع حراما، لا يجوز قتله.

انتهى.

  1. وسئل:

ما حكم أكل الضفدع والحية والسرطان؟

فأجاب:

عموم قول الله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) المائدة/ من الآية 96: يوجب الح ، لكن ” الضفدع ” ليس بحريّا، الضفدع: مائيّ، بريّ، فلا يدخل في هذا.

انتهى. شريط ” لقاءات الباب المفتوح ” ( 112 / الوجه : ب ).

وللفائدة: هذا السؤال والجواب ليسا موجودين في المطبوع من ” اللقاءات “، وهما ضمن أسئلة وأجوبة وضعت تتمة للشريط المذكور.

وها هو الشيخ رحمه الله يؤكد أن الضفدع ” برمائي ” ولا يراه داخلا أصلا في الآية، وإنما يرى التحريم لثبوت النهي عن قتلها.

  1. وقال الشيخ – رحمه الله -:

قوله ” الضفدع “: قال في ” الروض “: ” لأنها مستخبثة “، مع أن الضفدع في الواقع: بري، بحري، إذا ليس هو من حيوان البحر؛ لأن حيوان البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، وإذا كانت العلة الاستخباث: فإننا نرجع إلى ما سبق، وهو هل الاستخباث يُعتبر علَّة مؤثرة؟. ” الشرح الممتع ” ( 15 / 34 ).

والذي سبق من كلام الشيخ هو عدم اعتبار الاستخباث علة في التحريم، وأن معنى قوله تعالى: ( ويحرِّم عليهم الخبائث): أن كل محرَّم فهو خبيث، وأن ما تستخبثه بعض النفوس فإن نفوسا أخرى قد تستطيبه.

فالخلاصة:

أن ” الضفدع ” من الحيوانات المحرمة عند الشيخ العثيمين رحمه الله، وأن علَّة التحريم: ثبوت النص بذلك، وهو النهي عن قتلها، وهي قاعدة في التحريم، كما سبق النقل عنه.

 

ثانيا: ( التمساح):

وقد سبق بيان إباحة الشيخ العثيمين رحمه الله لأكل التمساح، وأنه من الحيوانات البحرية، وإن كان يخرج لليابسة؛ لأنه لا يستغني عن البحر في حياته، وقد ردَّ الشيخ رحمه الله على من أخرجه من العموم لكونه له ناب يفترس به، وبيَّن أنه ثمة أسماك أخرى لها ناب وتفترس به -كسمك القرش -وهو يبيحون أكلها.

* قال – رحمه الله -:

وقوله ” التمساح “: فهذا – أيضا – يحرم، ولو كان من حيوان البحر، قال في ” الروض “: ” لأنه ذو ناب يفترس به “.

فهل هذا صحيح ؟

الجواب: نعم، لكنه ليس من السباع، ولهذا ليس ما يحرم في البر يحرم نظيره في البحر، فالبحر شيء مستقل، حتى إنه يوجد غير التمساح مما له ناب يفترس به، مثل: ” القِرش “.

والحاصل: أنه توجد أشياء تقتل، ومع ذلك فإنها حلال، وعليه: فإننا نقول: الصحيح أنه لا يُستثنى ” التمساح “، وأنه يؤكل.

” الشرح الممتع ” ( 15 / 34 ، 35 ) .

* وهو الذي رجحه الشيخ الفوزان في كتابه ” الأطعمة ” حيث قال:

والذي يظهر لي ترجيحه: قول المالكية، وهو حل جميع صيد البحر؛ لعموم قوله تعالى: ( أحل لكم صيد البحر وطعامه )؛ وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته )، ولم يصح ما يخصص هذا العموم.

أما ما استدل به من يرى تحريم ميتة البحر من عموم قوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة ) فالجواب: أنه عموم مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).

وأما ما استدلوا به من عموم قوله تعالى: ( ويحرم عليهم الخبائث ) على تحريم السرطان، والحية، ونحوها من حيوان البحر: فلا نسلم أن هذه الأشياء من الخبائث، ومجرد ادعاء أن هذه من الخبائث: لا يرد به عموم الأدلة الصريحة.

وأما قياسهم ما في البحر في التحريم على نظيره المحرم في البر: فهو قياس في مقابلة نص، وهو قوله: ( أحل لكم صيد البحر ) : فلا يصح. انتهى.

وهو الذي رجحه علماء اللجنة الدائمة – ( 22 / 185 ) -، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله – ( 23 / 34 ) -.

وننبه إلى أن المحرَّم من الحيوانات من ذوات الأنياب أنه لا بدَّ أن يضاف إليها صفة أخرى، وهي كونها من السباع، وهي التي تعدو على فريستها، كالذئب، والأسد، ومن الواضح أن التمساح ليس من السباع، لا لغة ولا عرفا.

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولهذا حرَّم النبي صلى الله عليه وسلم كلَّ ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير؛ لضرره؛ وعدوانه؛ وشره، والمغتذي شبيه بالغاذي، فلو اغتذى بها الإنسان لصار فيه من أخلاقها، وعدوانها، وشرِّها ما يشابهها به، فحرَّم على الأمَّة أكلها، ولم يحرم عليهم ” الضبع “، وإن كان ذا ناب؛ فإنه ليس من السباع عند أحد من الأمم، والتحريم: إنما كان لما تضمن الوصفين أن يكون ذا ناب، وأن يكون من السباع، ولا يقال هذا ينتقض بالسبع إذا لم يكن له ناب؛ لأن هذا لم يوجد أبدا، فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم، فأوضح الأحكام، وبيَّن الحلال والحرام.

” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 235 ).

 

والخلاصة:

حل التمساح، وتحريم الضفدع، وأن التمساح داخل في عموم آية المائدة، وأن الضفدع جاء النهي عنه صحيحا في السنَّة.

 

 

والله أعلم.

الدعاء الذي أنقذ الصحابي من اللص، وفيه ( يا ودود! يا ذا العرش المجيد! )

الدعاء الذي أنقذ الصحابي من اللص، وفيه ( يا ودود! يا ذا العرش المجيد! )

السؤال:

أود أن أتبين درجة هذه الأحاديث؛ لأنها تصلني على البريد الإلكتروني ولا أعلم صحتها:

اقرأه 3 مرات والله يستجيب بإذن الله:

( يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا مبدأ يا معيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات ).

 

الجواب :

الحمد لله

هذا الدعاء المذكور ورد في حديث له قصة مشهورة منتشرة في المنتديات، لعل من المناسب ذكرها حتى يتبين أمرها:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

( كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنى ( أبا معلق )، وكان تاجرا يتجر بماله ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح. فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك. قال: ما تريد إلى دمي! شأنك بالمال. فقال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك. قال: أمَّا إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات؟ قال: صلِّ ما بدا لك. قال: فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال:  ( يا ودود ! يا ذا العرش المجيد ! يا فعال لما يريد! أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شرَّ هذا اللص، يا مغيث أغثني! ثلاث مرار ) قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه فقال: قم . قال: من أنت بأبي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم؟ قال: أنا ملك من أهل السماء
الرابعة، دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب. فسألت الله تعالى أن يوليني قتله.

قال أنس رضي الله عنه: فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أو غير مكروب ).

أخرجه ابنُ أبي الدنيا في “مجابي الدعوة” (64) و”الهواتف” (24)، ومن طريقهِ أخرجه اللالكائي في ” شرح أصولِ الاعتقاد ” (5/166) وبوب عليه: “سياق ما روي من كراماتِ أبي معلق”، ومن طريقه أيضا ابن قدامة في “الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار” – كما في ملتقى أهل الحديث -، وأخرجه “أبو موسى المديني” – كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في “الإصابة” (7/379) في ترجمة “أبي معلق الأنصاري” ونقل عنه أنه أورده بتمامه في كتاب “الوظائف”، وكذا رواه عنه تلميذه ابن الأثير في “أسد الغابة” (6/295)- جميعهم من طريق الكلبي يصله إلى أنس رضي الله عنه .

وقد اضطرب فيه الكلبي واختلفت الرواية عنه: فمرة يرويه عن الحسن عن أنس – كما هي رواية ابن أبي الدنيا – ومرة يرويه عن الحسن عن أبي بن كعب – كما ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة عن سند أبي موسى المديني.

ومرة يرويه عن أبي صالح عن أنس – كما في رواية ابن الأثير عن أبي موسى المديني.

* يقول الشيخ الألباني رحمه الله “السلسلة الضعيفة” (5737):

” وهذا إسناد مظلم لآفة إما من الكلبي المجهول، وإما ممن دونه  والحسن -وهو البصري – مدلس وقد عنعن، فالسند واه  فمن الغريب أن يذكر ( أبو معلق ) هذا في الصحابة، ولم يذكروا ما يدل على صحبته سوى هذا المتن الموضوع بهذا الإسناد الواهي! ولذلك – والله أعلم – لم يورده ابن عبد البر في “الاستيعاب” وقال الذهبي في “التجريد” (2/204): له حديث عجيب لكن في سنده الكلبي وليس بثقة، وهو في كتاب ( مجابي الدعوة ) “، ويلاحظ القراء أنه قال في الكلبي: ” ليس بثقة ”  وفي هذا إشارة منه إلى أنه لم يلتفت إلى قوله في الإسناد: ” وليس بصاحب التفسير ”  لأن الكلبي صاحب التفسير هو المعروف بأنه ليس بثقة، وقد قال في “المغني”: ” تركوه، كذبه سليمان التيمي وزائدة وابن معين، وتركه ابن القطان وعبد الرحمن.

ومن الغرائب أيضا: أن يذكر هذه القصة ابن القيم في أول كتابه “الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي” من رواية ابن أبي الدنيا هذه، معلقا إياها على الحسن، ساكتا عن إسنادها ! ” انتهى.

قلت:

وللكلبي متابعة من قبل مالك بن دينار، فقد أخرج القشيري في “الرسالة القشيرية” (2/85-86 باب الدعاء ) القصة بسياق مشابه فقال:

أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال: أخبرنا محمد بن عبد ربه الحضرمي قال: أخبرنا بشر بن عبد الملك قال: حدثنا موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: حدثنا الحسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه ..فذكر الحديث.

* لكنها متابعة غير صالحة، إذ في هذا السند علتان:

الأولى: محمد بن عبد ربه الحضرمي: لم أقف له على ترجمة.

الثانية: بشر بن عبد الملك الراوي عن موسى بن الحجاج لم أعرفه أيضا، فكل من ترجم لهم بهذا الاسم ثلاثة:

1- بشر بن عبد الملك الخزاعي (304هـ)، مولاهم الموصلي، روى عن غسان بن الربيع ومحمد بن سليمان لوين وجماعة  وروى عنه الطبراني  “تاريخ الإسلام” الذهبي ( أحداث سنة 300هـ).

2- بشر بن عبد الملك أبو يزيد الكوفى نزيل البصرة: روى عن عون بن موسى وعبد الله بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري كتب عنه أبو حاتم بالبصرة، وروى عنه أبو زرعة، وسئل عنه فقال: شيخ  “الجرح والتعديل” لابن أبي حاتم (2/362)

3- بشر بن عبد الملك العتبي: يروى عن يحيى بن سعيد الانصاري، روى عنه أبو سعيد الاشج  “الثقات” لابن حبان (6/97).

وهم كما ترى لا يبدو أن أحدا منهم هو المذكور في الحديث، إلا أن الحافظ ابن ماكولا في “الإكمال” (5/101) ذكر راويا عن موسى بن الحجاج باسم ( بشران بن عبد الملك ) فقال:

” وأما بشران: فهو بشران بن عبد الملك، أظنه موصليا، حدث عن موسى بن الحجاج بن عمران السمرقندي ببيسان عن مالك بن دينار ” انتهى.

فلعله هو المقصود وتصحف اسمه في كتاب القشيري إلى ( بشر )، أما ابن السماك فهو ثقة، ترجمه في “سير أعلام النبلاء” (17/312)، وكذا مالك بن دينار (127هـ) ترجمته في “تهذيب التهذيب” (10/15).

 

والخلاصة: أن القصة والدعاء لا تصح بوجه من الوجوه، إلا أن جمل هذا الدعاء وعباراته ليس في شيء منها نكارة، بل كلماته صحيحة عظيمة تشهد لها نصوص من الكتاب والسنة، ولكن لا يعني ذلك لزوم نجاة من دعا بها، أو اعتقاد نصرة الله تعالى لمن ذكرها، فذلك متوقف على صحة السند به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبما أن السند لم يصح فلا ينبغي اعتقاد ذلك، ومن أحب أن يحفظ هذه الكلمات ويدعو بها دون أن ينسبها إلى الشرع فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى.

 

والله أعلم.

تفصيل القول في تحريم واستحالة جماع الجني للإنسية والعكس

تفصيل القول في تحريم واستحالة جماع الجني للإنسية والعكس

السؤال:

أنا مصابة بمس من الجن, وقد اغتُصبت منهم – أعني لقد زنى الجن بي – فبهذا أكون قد أصبحت غير بكر! أخبرني بعض الأصدقاء أن بإمكاني أن أستعيد عذريتي عن طريق عمل عملية زراعة للطبقة الرقيقة التي تكون على الفرج, فهل هذا جائز؟ إذا كان هذا الأمر غير جائز, فهل يجب عليّ أن أخبر الرجل الذي يتقدم لخطبتي أنني كذا و كذا؟ أو هل يجوز لي أن أكتم هذا الأمر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ينبغي أن يُعلم أنه لا يُلتفت لادعاء من تدعي أنها حملت من الجن! وأنهم اغتصبوها، حتى فضوا بكارتها، وأنجبت من ذلك الإيلاج، ولو كان هذا واقعًا في الوجود: لكان حجة لمن قال – وهم الجمهور – بأن الحمل من غير ذات زوج ليس علامة على وقوعها في الزنى، نعم، هم قالوا بأنها قد تكون أُكرهت، لكن لا ينبغي أن ينسب إليهم أنهم قالوا بحصول ذلك من الجن، ولو كان مثل هذا الأمر واقع الحصول لكانت نسبة المرأة الإكراه للجن أقرب للتصديق والوقوع من الإكراه من الإنس.

وقد ذهب بعض العلماء إلى القول بظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن حمل غير ذات الزوج هو من أدلة ثبوت الزنا، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وترجيح الشيخ العثيمين رحمهما الله، ونص قوله:

القول الثالث: يجب عليها الحد، وإن ادعت شبهة.

وحجة القول الثاني، يقولون: إن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال فيما قال: ” إن الرجم حق ثابت على من زنا إذا أَحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف “، فذكر لثبوته ثلاثة أشياء:

الأول: أن تقوم البينة، أربعة رجال، بالشروط المعروفة.

الثاني: الحبل .

الثالث: الاعتراف.

وهذا قاله أمير المؤمنين عمر على منبر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وبمحضرٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يذكر أن أحدًا نازعه في ذلك، أو خالفه، ومثل هذا يكون من أقوى الأدلة إن لم يُدَّعَ فيه الإجماع فهو كالإجماع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الحق، بلا ريب.

فالولد في الأصل من الجماع، وأما كون المرأة ربما وجدت شيئًا فيه ماء رجل فأدخلته في فرجها، ثم دبت هذه النطفة إلى رحمها، وحبلت: فهذا شيء بعيد!! ولو أننا قلنا بعدم الحد: لانتشر الشر، والفساد، ولكانت كل امرأة بغي تلد كل سنة، ويقال: لا تسألوها، ودعوها، حتى تأتي هي وتقر بالزنا، وحينئذٍ أقيموا عليها الحد.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 275 ، 276 ).

ولا شك أن القول بأن الجن يغتصب الإنسيات سيصير زعم كل من تقع بالزنا مع فاجر، وهذا لا يمكن لأحد أن ينفيه، وهنا ينتشر الفساد في الأرض أكثر.

ثانيا:

ولا يصح أن يُنسب للشرع إمكانية حصول الجماع بين الإنس والجن، والذي يؤدي إلى فض البكارة – من الإنس، لأننا لا ندري عن بكارة عند الجن – والإنجاب من الطرفين؛ لأن هذا لم يأت ما يدل عليه، لا في القرآن، ولا في السنَّة، وأما ثبوت ذلك في الواقع: فهو وإن كان قول شيخ الإسلام ابن تيمية، لكننا لا نقره على قوله ذاك، ومن أين لأحدٍ أن يثبت وقوعه في واقع الأمر؟!.

وما استدل به من يقول بإمكانية حصوله في الواقع، أو بجواز ذلك: فلا يسلم له ما استدل به، لا من القرآن، ولا حتى من قول عالِم، وسنذكر ها هنا غاية ما استدل به هؤلاء، وتقووا به:

  1. فقد استدلوا بقوله تعالى: ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ) الرحمن/ 56.
  2. ومما استدلوا به أيضًا: قوله تعالى ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الأنعام/ 128.
  3. ومما استدلوا به: قوله تعالى: ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) الإسراء/ 64.

– وقد بينا معنى هذه الآيات، ورددنا على من استدل بها على وقوع الجماع بين الجن والإنس في جواب آخر فلينظر، ويضاف إلى الرد على الاستدلال بالآية الأولى: أن ” الحور العين ” لسنَ من بني آدم حتى يسلم الاستدلال بها، فلينتبه لهذا.

  1. ومما استدل به بعضهم: حديث ( لا تقوم الساعة حتى تكثر فيكم أولاد الجن من نسائكم، ويكثر نسبهم فيكم حتى يجادلوكم بالقرآن؛ حتى يردوكم عن دينكم ).

والحديث منكر جدًّا، انظر ” السلسة الضعيفة ” ( 5576 ).

 

 

 

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – تحت تخريج هذا الحديث -:

( فائدة ):

ذكر الذهبي في ” الميزان ” من رواية الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد قال: سمعت شيخنا أبا محمد بن عبد السلام السلمي – يعني: عز الدين – يقول – وجرى ذكر ابن عربي الطائي: ” وهو شيخ سوء شيعي كذاب، فقلت له: وكذاب أيضًا؟ قال: نعم؛ تذاكرنا بدمشق التزويج بالجن، فقال ابن العربي: هذا محال؛ لأن الإنس جسم كثيف والجن روح لطيف، ولن يعلق الجسم الكثيف الروح اللطيف. ثم بعد قليل رأيته وبه شجة! فقال: تزوجت جنية فرزقت منها ثلاث أولاد، فاتفق يومًا أني أغضبتها، فضربتني بعظم حصلت منه هذه الشجة، وانصرفت، فلم أرها بعد “.

* وعلق الذهبي رحمه الله على تكذيب العز بن عبد السلام للشيخ ابن عربي بقوله:

” وما عندي من محيي الدين تعمَّدَ كذبًا، لكن أثرت فيه الخلوات، والجوع، فسادًا، وخيالًا، وطرف جنون “.

والغرض من ذكر هذه الفائدة: إنما هو تذكير القراء بأن العلماء يستنكرون أشد الاستنكار إمكانية التزاوج بين الإنس والجن؛ لاختلاف طبيعة خلقهما، حتى اتهموا من ادعى ذلك بالكذب، أو بنوع من الجنون، وأحلاهما مرٌّ.

فما نسمعه في هذا الزمان من أن بعض النسوة يشعرن وهنَّ في فراش الزوجية بالمجامعة ممن لا يرينه: إن هو إلا من وسوسة الشيطان، وتلاعبه ببني الإنسان، ويستغل ذلك بعض أولئك الذين يتعاطون مهنة استخراج الجني من الإنسي، ويرتكبون في أثناء ذلك أمورًا – غير تلاوة القرآن والمعوذات – مما هو غير واردٍ في السنَّة، مثل: مكالمة الجني، وسؤاله عن بعض الأمور الخفية ، وعن دينهم، ومذهبهم! وتصديقهم في كل ما يخبرون به! وهم من عالم الغيب، لا يمكن للإنس أن يعرفوا مؤمنهم من كافرهم، والصادق من الكاذب منهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حرَّم إتيان الكهان وتصديقهم؛ لأنهم ممن يوالون الجن، وهؤلاء كانوا يسترقون السمع، ويلقون إلى أوليائهم من الإنس ما استرقوا، ويخلطون معه أكثر من مئة كذبة؛ كما في ” الصحيح “، أقول: إذا كان إتيان هؤلاء محرَّمًا: فبالأولى أن يكون محرَّمًا إتيان أوليائهم من الإنس الذين يخاطبون الجن مباشرة، ويستخدمونهم، ويقضون لهم بعض مصالحهم، ليضلوهم عن سبيل الله؛ كما كان الأمر في الجاهلية، وذلك قوله تعالى: ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) .” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 12 / 602 ، 603 ).

 

 

 

 

  1. ومما استدل به بعضهم: حديث أبي هريرة ( كان أحد أبوي بلقيس جنيًّا ).

وهو حديث ضعيف، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5778 ).

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – تحت تخريج هذا الحديث -:

وقال الماوردي: ” والقول بأن أم بلقيس جنيَّة: مستنكر من العقول؛ لتباين الجنسين، واختلاف الطبْعين، وتفارق الحسَّين؛ لأن الآدمي جسماني، والجن روحاني، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمتنع الامتزاج مع هذا التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف “.

حكاه القرطبي عنه ( 13 / 213 )، ثم ردَّه بما لا يُسمن، ولا يغني من جوع، فقال :

” العقل لا يحيله، مع ما جاء من الخبر في ذلك “.

فأقول: نعم العقل لا يحيله، ولكنه أيضًا لا يدركه؛ بل إنه يستبعده، كما تقدم، فالإيمان به يتطلب نصًّا، صحيحًا، صريحًا، والخبر الذي أشار إليه: لا يصح، وهو حديث أبي هريرة هذا .

ثم أشار إلى أثر مجاهد المخرَّج قبله، وقد عرفت نكارته، وإلى النص القرآني: ( وشاركهم في الأموال والأولاد )، وسبق جواب العلامة الآلوسي عنه تحت الأثر المذكور .

ثم رأيت الآلوسي قد صرح بإنكار حديث الترجمة؛ فقال بعد أن ذكره وقول أبي حيان المتقدم : ” والذي ينبغي: أن يعول عليه عدم صحة الخبر “، ثم ذكر قول أبي حيان المتقدم، وزاد:

” … وأن ما ذكر من الحكايات: أشبه شيء بالخرافات ؛ فإن الظاهر على تقدير وقوع التناكح بين الإنس والجن- الذي قيل: ” يُصفع السائل عنه؛ لحماقته، وجهله – أن لا يكون توالد بينهما “.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 12 / 610 ، 611 ).

  1. ومما تقووا به: قول مجاهد بن جبر ” إذا جامع الرجل ولم يسمِّ: انطوى الجان على إحليله، فجامع معه، فذلك قوله: ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ).

والأثر منكر، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5777 ).

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – تحت تخريج هذا الأثر -:

واعلم أن إيرادي لهذا الأثر في هذه ” السلسلة ” – وإن كان ليس من شرطي، فقد وجدت نفسي مضطرًا لتخريجه، والكشف عن وهائه -؛ لأنني رأيت بعض العلماء، من المفسرين، وغيرهم قد ساقوه مساق المسلَّمات؛ كالقرطبي في ” جامعه ” ( 10 / 289 )، والشوكاني في ” فتح القدير ” ( 3 / 233 )، والآلوسي في ” روح المعاني ” ( 14 / 119 )! وفسروا به قوله تعالى لإبليس الرجيم في سورة الإسراء: ( … وشاركهم في الأموال والأولاد ).

بل وكذلك الحافظ ابن حجر في ” الفتح ” ( 9 / 229 ) لمَّا ذكر اختلاف العلماء في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: ( لم يضرَّه شيطان أبدًا )؛ في دعاء إتيان الرجل أهله، فكان آخر ما ذكر منها قوله: ” وقيل: لم يضرَّه بمشاركة أبيه في جماع أمِّه، كما جاء عن مجاهد … ( فذكره )، وقال: ولعل هذا أقرب الأجوبة ! “.

فأقول: قوله: ” كما جاء … ” بصيغة الجزم: يخالف حال إسناده! فكان الواجب على الحافظ أن يشير إلى ذلك بقوله: ” كما روي “، كما هو المقرر في المصطلح، وكما هي عادته الغالبة، ولكن غلبته طبيعة كل إنسان، والكمال لله وحده .

على أنه لو صح ذلك عنه: فهو مقطوع، موقوف عليه، فلا حجة فيه، ولو أنه رفعه: لكان مرسلًا، والمرسل ضعيف عند المحدثين، ولا سيما في مثل هذا الأمر الغيبي الغريب، وهذا كله لو صح السند بذلك إليه، فكيف وهو مقطوع واهٍ؟!.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 12 / 605 ، 606 ).

  1. ومما تقوى به بعضهم : قول الإمام مالك ، وأنه كتب قوم من أهل اليمن إليه يسألونه عن نكاح الجن، وقالوا: إن هاهنا رجلًا من الجن يزعم أنه يريد الحلال! فقال: ما أرى بذلك بأسًا في الدين! ولكن أكره إذا وجدت امرأةُ حامل قيل: من زوجكِ؟ قالت: من الجن! فيكثر الفساد في الإسلام.

وهو أثر باطل سندًا ومتنًا، كما قاله الشيخ الألباني في ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 12 / 606 ، 607 ).

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

ثم إن الآلوسي – رحمه الله – جاء بغريبة أخرى ؛ فقال  :

” ولا شك في إمكان جماع الجني إنسية بدون أن يكون مع زوجها الغير الذاكر اسم الله تعالى، ويدل على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بن داود الزبيدي قال  كتب قوم من أهل اليمن إلى ” مالِك ” يسألونه عن نكاح الجن، وقالوا إن هاهنا رجلًا من الجن يزعم أنه يريد الحلال؟  فقال: ما أرى بذلك بأسًا في الدين؛ ولكن أكره إذا وجدت امرأةُ حامل قيل: من زوجكِ؟ قالت: من الجن! فيكثر الفساد في الإسلام “.

ووجه الغرابة: استدلاله على الإمكان المذكور بهذا الأثر عن مالك! وهو باطل – في نقدي – سندًا، ومتنًا.

أما السند: فإن سعيد بن داود الزبيدي: ضعفه ابن المديني، وكذَّبه عبد الله بن نافع الصائغ في قصةٍ مذكورة في ترجمته في ” تاريخ بغداد ” و ” التهذيب “، وقال الحاكم :” روى عن مالك أحاديث موضوعة “، وقال الخطيب وغيره :” حدث عن مالك، وفي أحاديثه نكرة “، وقال ابن حبان في ” الضعفاء ” ( 1 / 325 ): ” لا تحل كتابة حديثه إلا على جهة الاعتبار “.

وأما المتن: فإني أستبعد جدًّا على فقه الإمام مالك أن يقول في تزويج الإنسية بالجني: ” ما أرى بذلك بأسًا في الدين “!؛ ذلك لأن من شروط النكاح – كما هو معلوم – الكفاءة في الدين على الأقل، فلا يجوز تزويج مسلمة بكافر، بل ولا بفاسق، فمن أين لوليها وللشهود أيضًا أن يعلموا أن هذا الجني كفؤ لها، وهم لا يعرفونه؟! فإنه قد ظهر لهم بصورة رجل خاطب وجميل! ولا يمكن رؤيته على حقيقته بنص القرآن

وقد يتمثل بصورة أخرى إنسانية، أو حيوانية، وحينئذٍ كيف يمكن تطبيق الأحكام المعروفة في الزوجين – كالطلاق، والظهار، والنفقة، وغيرها – مع اختلاف طبيعة خلقهما؟! تالله! إنها من أغرب الغرائب أن يخفى مثل هذا البُطل – بل السُّخف – على العلامة الآلوسي، غفر الله لنا وله.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 12 / 606 – 608 ).

  1. ومما تقوى به بعضهم: قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” وقد يتناكح الإنس والجن، ويولد بينهما ولد، وهذا كثير معروف! “.

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – بعد أن رد على الآلوسي واستغرب منه القول نقله عن الإمام مالك قوله السابق -:

وأغرب من ذلك كله: قول ابن تيمية في رسالة ” إيضاح الدلالة في عموم الرسالة ” ( ص 125، مجموعة الرسائل المنيرية )  ” وقد يتناكح الإنس والجن، ويولد بينهما ولد، وهذا كثير معروف!! “.

وأقول: نعم؛ هو معروف بين بعض النسوة الضعيفات الأحلام، والعقول، ولكن أن الدليل الشرعي والعقلي على التوالد أولًا، وعلى التزواج الشرعي ثانيا؟! هيهات، هيهات .

وقد علمتَ مما ذكرتُه تحت الحديث السابق قبل هذا: إنكار العز بن عبد السلام، والذهبي على ابن عربي الصوفي ادَّعاءه أنه تزوج جنية!! وأنه رُزق منها ثلاثة أولاد!! وأنه لم يعُد يراها فيما بعد!!! وانظر كلام المازري المبطل لدعوى ابن عربي فيما يأتي تحت الحديث التالي، وهو من الأحاديث التي تساعد على تصديق خرافة التزاوج بين الإنس والجن؛ كمثل أثر مجاهد هذا، والحديث الذي قبله .

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 12 / 608 ).

* قال جلال الدين السيوطي: ( وفي المسائل التي سأل الشيخ جمال الدين الأسنوي عنها قاضي القضاة شرف الدين البارزي إذا أراد أن يتزوج بامرأة من الجن – عند فرض إمكانه – فهل يجوز ذلك أو يمتنع فإن الله تعالى قال: ( وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) ( سورة الروم – الآية 21 ) فامتن الباري تعالى بأن جعل ذلك من جنس ما يؤلف.

فإن جوزنا ذلك – وهو المذكور في شرح الوجيز لابن يونس – فهل يجبرها على ملازمة المسكن أم لا؟ وهل له منعها من التشكل في غير صور الآدميين عند القدرة عليه؟ لأنه قد تحصل النفرة أو لا، وهل يعتمد عليها فيما يتعلق بشروط صحة النكاح من أمر وليها وخلوها من الموانع أم لا، وهل يجوز قبول ذلك من قاضيهم أم لا، وهل إذا رآها في صورة غير التي ألفها وادعت أنها هي، فهل يعتمد عليها ويجوز له وطؤها أم لا؟ وهل يكلف الإتيان بما يألفونه من قوتهم، كالعظم وغيره إذا أمكن الاقتيات بغيره أم لا؟.

فأجاب: لا يجوز أن يتزوج بامرأة من الجن، لمفهوم الآيتين الكريمتين، قوله تعالى في سورة النحل: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفسِكُمْ أَزْوَاجًا ) ( سورة النحل – الآية 72 ) وقوله في سورة الروم: ( وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) ( سورة الروم – الآية 21 ).

* قال المفسرون في معنى الآيتين ( جعل لكم من أنفسكم ) أي من جنسكم ونوعكم وعلى خلقكم، كما قال تعالى: ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ ) ( سورة التوبة – الآية 128 ) أي من الآدميين، ولأن الآتي يحل نكاحهن: بنات العمومة وبنات الخؤولة، فدخل في ذلك من هي في نهاية البعد كما هو المفهوم من آية الأحزاب: ( وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ ) ( سورة الأحزاب – الآية 50 ) والمحرمات غيرهن، وهن الأصول والفروع، وفروع أول الأصول وأول الفروع من باقي الأصول، كما في آية التحريم في النساء، فهذا كله في النسب، وليس بين الآدميين والجن نسب.

ثم قال: وهذا جواب البارزي . فإن قلت: ما عندك من ذلك؟ قلت: الذي اعتقده التحريم لوجوه:

  1. منها ما تقدم في الآيتين.
  2. ومنها ما روى الكرماني من ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الجن)، والحديث وإن كان مرسلا: فقد اعتضد بأقوال العلماء.
  3. ومنها أن النكاح شرع للألفة والسكون والاستئناس والمودة، وذلك غير موجود بين الإنس والجن، حيث أن الموجود بينهم عكس ذلك، وهو الخصومة المستمرة.
  4. ومنها أنه لم يرد الإذن من الشرع في ذلك، فإن الله يقول: ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) النساء/ من الآية 3، والنساء اسم للإناث من بنات آدم خاصة، فبقي ما عداهن على التحريم؛ لأن الأصل في الإبضاع الحرمة حتى يرد دليل على الحل.
  5. ومنها أنه قد منع من نكاح الحر للأمة، لما يحصل للولد من الضرر بالإرقاق، فمنع نكاح الجن من باب أولى!. ” الأشباه والنظائر ” ( ص 256 ، 257 ).

* والخلاصة في هذا الباب:

أنه يجب عليكِ مراجعة نفسك، والاعتراف بالحقيقة، وعدم إحالة جرم فض البكارة على الجن! ولسنا نقول بأن تعترفي للناس، لكن على الأقل أن تعلمي أنه لن يصدقك أحد، فلا تفتحي على نفسك أبوابًا مغلقة.

 

ثالثًا:

وبما أن الأمر واضح بالنسبة لنا أنه لا علاقة للجن في مسألة فض البكارة: فإنه يلزمك التوبة، والاستغفار، والندم إذا كان الأمر قد تمَّ بطريقة غير شرعية، كعلاقة محرمة مع رجل، وأما إن كان فض الغشاء قد حصل بوثبة، أو مرض، أو نتيجة عبث مراهقة: فيسعك أن تستري الأمر عن خطيبك، وأن لا تعترفي على نفسك بحصول فض لغشاء البكارة، أيّاً كان السبب في ذلك، بشرط التوبة إن كان من فعلٍ محرَّم.

 

ولا يجوز لك رتق غشاء البكارة، سواء كان زواله بطريقة محرَّمة، أو غير محرَّمة. ويمكنك الاطلاع على المزيد في هذا من خلال النظر في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.

هل يجوز زراعة وأكل ” ثالوث خس الجبل الثلجي ” بسبب اسمه؟ وحكم التجنس بجنسية ” ترنيداد و توباكو “؟

هل يجوز زراعة وأكل ” ثالوث خس الجبل الثلجي ” بسبب اسمه؟ وحكم التجنس بجنسية ” ترنيداد و توباكو “؟

السؤال:

أنا مزارع، أقوم بزراعة ” الخس “، اكتشفت أن مجموعة من الخس الشائع في مزرعتي يحمل الاسم التالي: ” ثالوث خس الجبل الثلجي “! فما حكم زراعة، وأكل هذا النوع من الخس بناءً على اسمها؟.

وبالمناسبة: فإنّ الدولة التي أعيش فيها اسمها ” ترنيداد و توباكو “، فهذا الاسم قد سماه ” كريستوفر كولومبس “، وهو مكتشف هذه المنطقة من الأرض، فهل يجوز لي أن أستخدم اسم ” ترينداديان” كاسم لجنسيتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جمهورية ” ترينيداد وتوباغو ” ( بالإنجليزية: Republic of Trinidad and Tobago ) هي دولة تقع في جنوب ” البحر الكاريبي ” ، على بعد 11 كيلومترًا من ” فنزويلا “، تعتبر ” ترينيداد وتوباغو ” أرخبيلا مكونًا من جزيرتين رئيسيتين هما ” ترينيداد ” – أكبر جزر ” ترينيداد وتوباغو ” – و ” توباغو “، بالإضافة إلى 21 جزيرة صغيرة أخرى، مساحتها: 5128 كم2، وعدد سكانها: 1262366 ( عام 2000 )، اللغة الرسمية فيها هي: اللغة الإنجليزية.

والبلاد مكونة من أعراق شتى، فالأفريقيون يشكلون حوالي نصف سكان البلاد – 43 % -، ويشكل الهنود الآسيويون، والصينيون نسبة عالية تصل 41 %، أما الأديان: فيمثل النصارى 53،4 % ،والهندوس 34،6 %، والمسلمون 12 % من جملة السكان.

وتعد الزراعة: الحرفة الأساسية لسكان ” ترينداد وتوباغو “.

باختصار من موقع ” ويكيبديا “.

ثانيًا:

” الخس ” من النباتات المباح أكلها، وقد امتنَّ الله تعالى علينا بأكل الطيبات مما خلقه الله تعالى، ومما أخرجه لنا من الأرض، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) البقرة/ 168، وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) البقرة/ 172.

 

والحل في مثل هذه المباحات زراعة، وأكلًا: لا تعلق له باسمها الذي يطلقه الناس عليها؛ لأن الأسماء من إنشاء هؤلاء، كلٌّ بحسب بيئته، ولغته.

وعليه: فإطلاق اسم ” ثالوث خس الجبل الثلجي ” لا يجعل زراعته، ولا أكله محرَّمًا، مع أننا في خلال بحثنا لم نجد من أطلق عليه هذا الاسم، وبكل حال فحتى لو كان ” الثالوث ” في الاسم هو اسم ديني للنصرانية المحرَّفة: فهو غير مؤثر على الحل.

ثالثًا:

وأما بخصوص اسم جنسيتك: فليست المسألة في الاسم، بل في التجنس نفسه، وقد ذكرنا حال الدولة من حيث عدد المسلمين – اسمًا لا واقعًا -، ولا شك أن حكومة تلك الدولة ليست مسلمة، والمسلمون فيها أقلية، والذي يفتي به علماؤنا الثقات هو جواز الحصول على الجنسية من دولة كافرة إذا دعت الضرورة إلى ذلك، نحو من كان مطاردًا في بلده، أو مطرودًا منها، ولم يجد بلداً مسلماً يتجنس بجنسيته، بشرط أن يظهر دينه ويكون متمكنًا من أداء الشعائر الدينية، أما التجنس لتحقيق مصالح دنيوية من هذه الجنسية: فلا يجوز في هذه الحال؛ لما في استخراجها من تولِّي الكفار ظاهرًا، وما يلزم بسببها من النطق ظاهرًا بما لا يجوز اعتقاده ولا التزامه، كالرضا بالكفر أو بالقانون؛ ولأن استخراجها ذريعة إلى تأبيد الإقامة في بلاد الكفار، وهو أمر غير جائز.

 

والله أعلم.

صورة لقرض ربوي في مؤسسة أمريكية، مع بيان حكم العقد.

صورة لقرض ربوي في مؤسسة أمريكية، مع بيان حكم العقد

السؤال:

على فرض أني اشتريت منزلًا بخمسمائة ألف دولار أمريكي، وأريد أن أدفع تكاليف دراسة ابني – على سبيل المثال -, وسوف أقوم بأخذ مئة ألف دولار من إحدى المؤسسات, وسوف يقومون بتوقيع عقد معي بما يتعلق بمنزلي، وهذا العقد يتضمن التالي: 

بعد خمس سنوات إذا قمتُ ببيع المنزل فسوف يكون الربح، أو الخسارة، مناصفة بيني، وبينهم، والنسبة تكون بنفس القيمة التي كانت عليه عندما تم توقيع الاتفاق, وإذا قمتُ ببيع المنزل بعد سنَة واحدة: فسوف يأخذون مني قيمة جزائية قيمتها 25 % من المائة ألف دولار، إضافة إلى مناصفة الربح والخسارة بيني بينهم، وإذا بعتُ المنزل بعد سنتين سوف تكون القيمة الجزائية قيمتها 20 % وهلم جرًّا، وحتى الخمس سنوات فسوف لن يكون هناك أي قيمة جزائية إلا المناصفة في الربح، أو الخسارة.

فما حكم هذه الصفقة من حيث الحل والحرمة ؟ وما حكم الشرط الجزائي الذي تم وضعه ؟ بالمناسبة, هذا الأمر هو حقيقي، فإن هذا العرض تقوم به أحد المؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يمكن تخيل وجود مؤسسات إقراض في العالم الغربي تخلو من تحقيق أرباح لها، تأخذها مقابل ما تقوم به من إقراض الآخرين؛ وليس عندهم ” حرام ” يقفون عنده، ولا ” استغلال ” يوقفهم عن أخذ المزيد من أموال غيرهم، وقد سرى ذلك للمؤسسات في الدول الإسلامية – وللأسف – فلم تعد تجد شيئاً منها يقرض الناس قرضًا حسنًا، وما وُجد فهو قليل.

وهذا القرض الوارد ذِكره في السؤال هو من القروض التي يحرم على المسلم أن يأخذ منها شيئًا؛ لاشتمال القرض على منفعة لصاحبه، وقد اتفق العلماء على توصيف هذه القروض بأنه ربوية، والمنفعة هنا: مالية، ولهم طريقان في تحصيلها:

  1. عن طريق أخذ نسبة مئوية على القرض، عند بيع البيت.
  2. مشاركة المقترض في أرباح بيته عند بيعه بعد خمس سنوات.

والقروض التي تحتوي على منافع لأصحابها: لا شك بأنها ربوية.

والشرط الجزائي الذي تضعه مؤسسة الإقراض الربوية: شرط محرَّم، وهو من الربا المحرَّم، وإنما يجوز من الشروط الجزائية ما هو متعلق بالأعمال، لا المال؛ ففرض غرامة تأخير على المقاولين – مثلًا – في أعمالهم: جائز، بخلاف فرض غرامة على التأخر في سداد الديْن – مثلًا -؛ لأن من شأن استيفاء مال زائد على القرض بهذا الشرط أن يجعل العقد ربويًّا محرَّمًا، حتى لو كان المقترض يعلم من نفسه أنه لا يتأخر في السداد؛ إذ مجرد وجود مثل ذلك الشرط يفسد العقد.

* وقد أصدر ” المجمع الفقهي ” قراره رقم: 108 ( 2 / 12 ) بشأن بطاقة الائتمان غير المغطاة برصيد، فقالوا: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة، ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازمًا على السداد ضمن فترة السماح المجاني. انتهى.

ثانيًا:

ومع وضوح وجه الربا في العقد الوارد في السؤال : فإنه قد اشتمل – كذلك – على أمرٍ آخر محرَّم ، وهو ” المقامرة ” ؛ وذلك أنه لا يُدرى أيربح صاحب البيت عندما يبيع بيته ، أم يخسر ، والمؤسسة الربوية تلك قد اتفقت مع المقترض على مناصفة الربح والخسارة في حال باه البيت من السنة الأولى إلى الخامسة ، وهذه – لا شك – دخول في عقد مقامرة .

* والخلاصة:

لا يجوز لمسلم الاقتراب من تلك المؤسسات الربوية، وحتى لو كان القرض ليس يترتب عليه فوائد ربوية إلا في حال أن يبيع المقترض بيته فيتم استيفاء زيادة على القرض؛ لأن مجرد وجود هذا الشرط الربوي يجعله فاسدًا، وها هو العالَم يجني تعديه على شرع الله، وعلى ظلم الناس، باستحلال الربا، وها هي البنوك الربوية العالَمية تعلن إفلاسها، والمؤسسات القائمة على الربا غيرها تُعلن خرابها! فسرِّح الموظفون من وظائفهم، وخسر المودعون أموالهم، وطُرد أصحاب البيوت المرهونة للبنوك الربوية منها، ولعلَّ ذلك أن يكون عبرة لمعتبر، فيقف عند حدود الله تعالى، ولا يتعداها، ويسأل ربه تعالى أن يغنيه بالحلال عن الحرام.

 

والله أعلم.