الرئيسية بلوق الصفحة 188

هل يجوز المشاركة في رحلات التخييم المختلطة؟

السؤال:

هل يجوز أن نشارك في رحلات التخييم، علما أنه يذهب فيها الشباب والشابات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

شرع الله تبارك وتعالى من الأحكام ما تُحفظ به الأعراض والأديان والعقول والنفوس والأموال، ولا يتعدى أحد على شيء من شرع الله إلا ويتعرض لوعيد الله تعالى.

ورحلات التخييم المختلطة هي أشبه بالاجتماع على محاربة الشريعة لما فيها من منكرات ظاهرة لا يستطيع أحدٌ أن يجادل فيها إلا أن يقول باطلًا أو يشهد زورًا .

وهذه الرحلات يراد منها التعود على الاختلاط بين الجنسين، والتعارف المحرم بينهم، وفيها من النظر والخلوة والمماسة الشيء الكثير، فمن يستطيع ضبط الأمور بين الشاب والشابة إذا خرجوا في تلك الرحلات، سواء في تنزههم أو في لعبهم أو في منامهم؟.

إن هذه الأمور هي أوضح ما تكون من حيث حكمها الشرعي، ولكن يمكن أن يلبس شياطين الجن والإنس على الشاب والشابة بتجويز هذه الأمور.

ولو سألنا الشاب الذي يرى بعينه ما يكون فيها من منكرات هل تحب أن تكون أختك في هذه الرحلة لرفض ذلك وقد يغضب من مجرد السؤال.

فواقع الحال يبين حقيقة الحكم الشرعي في هذه الرحلات المختلطة, ولذا فإنه لا يفتي بجوازها إلا من أراد نشر الفاحشة في المؤمنين، وقد توعد الله تعالى هؤلاء بقوله: { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } [ النور / 19 ].

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:

{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } أي: الأمور الشنيعة المستقبحة, فيحبون أن تشتهر الفاحشة { فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: موجع للقلب والبدن؛ وذلك لغشه لإخوانه المسلمين, ومحبة الشر لهم, وجراءته على أعراضهم.

فإذا كان هذا الوعيد لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة, واستحلاء ذلك بالقلب, فكيف بما هو أعظم من ذلك, من إظهاره, ونقله؟! وسواء كانت الفاحشة صادرة, أو غير صادرة.

وكل هذا من رحمة الله لعباده المؤمنين, وصيانة أعراضهم, كما صان دماءهم وأموالهم, وأمرهم بما يقتضي المصافاة, وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه, ويكره له ما يكره لنفسه.

{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } فلذلك علَّمكم, وبيَّن لكم ما تجهلونه.

” تفسير السعدي “.

قال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز الإتيان إلى الأماكن التي انتشرت فيها المنكرات، وفي المتع التي أحلها الله لنا غنية عما حرم سبحانه علينا. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 361 ).

 

والله أعلم.

هل أبوا النبي صلى الله عليه وسلم في النار؟

السؤال:

هل أبو النبي صلى الله عليه وسلم في النار؟

– أريد جوابًا مفصلًا ومدعمًا بالأدلة وأجيبوا عن الشبهات حول من قال إنه ليس في النار.

 

الجواب:

الحمد لله

من اعتقاد أهل السنة والجماعة عدم الجزم لأحدٍ بجنة أو نار إلا ما جاء به النص على ذلك، ومما ورد في السنة الصحيحة – وكلاهما في ” صحيح مسلم ” – إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ” أن أباه في النار “، وكذا تحريم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأمه.

ويمكن أن يقال: إنهما كفرا بملة إبراهيم عليه السلام، ويمكن القول إنهما من أهل الفترة، لكن الله تعالى أوحى إليه بما يكون عليه مصيرهما.

وكون بعض أهل الأنبياء كفارًا موجود قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فامرأة نوح عليه السلام وابنه من الكفار، وامرأة لوط عليه السلام كذلك، وكذا والد إبراهيم عليه السلام، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم أهله وأقرباءه فآمن كثيرون وكفر كثيرون، وكان ممن كفر: عمَّاه: أبو لهب، وأبو طالب، وغيرهما.

فما يقوله بعض الناس بخلاف هذا فهو إما كلام مبني على أحاديث غير صحيحة، أو كلام بعاطفة تغلب على النصوص وتعارضه.

عن أنس: ” أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفَّى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار “، رواه مسلم برقم ( 203 ).

قال الإمام النووي: فيه: أن مَن مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقرَّبين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. ” شرح صحيح مسلم ” ( 3 / 79 ).

وقد قال بعض العلماء بخلاف هذا، وقالوا: إن الله تعالى أحيا أبَوَي النبي صلى الله عليه وسلم فآمنا به وماتا!.

والأحاديث التي جاءت بإحياء والدي النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث موضوعة كما قال المحققون من أهل العلم، فإن في أسانيدها مجاهيل وضعفاء.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:

هل صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟.

فأجاب: 

لم يصحَّ ذلك عن أحدٍ من أهل الحديث، بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلَق، وإن كان قد روى فى ذلك أبو بكر – يعني: الخطيب – في كتابه ” السابق واللاحق “، وذكره أبو القاسم السهيلى في ” شرح السيرة ” بإسنادٍ فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبى فى ” التذكرة “، وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه مِن أظهر الموضوعات كذبًا كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك فى الكتب المعتمدة فى الحديث: لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازى والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح؛ لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متديِّن؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة من وجهين: مِن جهة إحياء الموتى، ومِن جهة الإيمان بعد الموت.

فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحدٌ من الثقات عُلم أنه كذب، والخطيب البغدادى هو فى كتاب ” السابق واللاحق ” مقصوده أن يَذكر مَن تقدم ومن تأخر من المحدثين عن شخصٍ واحدٍ سواء كان الذى يروونه صدقًا أو كذبًا، وابن شاهين يروى الغث والسمين، والسهيلى إنما ذكر ذلك بإسناد فيه مجاهيل، ثم هذا خلاف الكتاب والسنَّة الصحيحة والإجماع، قال الله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا. وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدَهم الموتُ قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار }، فبيَّن الله تعالى أنه لا توبة لمن مات كافرًا، وقال تعالى: { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنَّة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون }، فأخبر أن سنَّته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس، فكيف بعد الموت ونحو ذلك من النصوص؟، وفي صحيح مسلم: ” أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أين  أبي؟ قال: إن أباك في النار، فلمَّا أدبر دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار “، وفي صحيح مسلم أيضًا أنه قال: استأذنتُ ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكِّر الآخرة ” ….

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 324 – 327 ) مختصرًا، وليراجعه من أراد الاستزادة.

 

والله أعلم.

شبهة الصوفية على الرقص في الذِّكر

السؤال:

ما صحة ما ينسب لأبي بكر الصديق من أنه لما بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة قام فرحًا وفتل (دار حول نفسه ) فرحًا؟.

ومنها يأخذ الصوفية المولوية الذين يدورون حول أنفسهم بطريقة عجيبة قد تصل لمدة ربع ساعة وهي منتشرة في تركيا والشام ومصر.

 

الجواب:

الحمد لله

استدل الصوفية على رقصهم ووجدهم ببعض أدلة، ومنها حديث عن أبي بكر، وعن جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنهم -.

  • أما حديث أبي بكر:

عن ابن عمر قال: كنتُ عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خلَّها – أي: عقدها – في صدره بخِلال، فنزل جبريل فقال: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلَّها في صدره بخلال؟ فقال: أنفَقَ ماله عليَّ قبل الفتح، قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه السلام، وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: أراضٍ أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: أسْخط على ربي عز وجل؟ إني عن ربي راض.

رواه البغوي في ” التفسير ” ( 4 / 295 ). وهو حديث موضوع، فيه العلاء بن عمرو الحنفي، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال الأزدي: لا يكتب عنه بحال.

وقد ذكر هذا الحديثَ الذهبيُّ في ” ميزان الاعتدال ” ( 5 / 127 )، وقال: هو كذب.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية:

هل تخلل أبو بكر بالعباءة؟ وتخللت الملائكة لأجله بالعباءة أم لا؟.

فأجاب:

الحمد لله، لم يتخلل أبو بكر بالعباءة، ولا الملائكة تخللوا بالعباءة، وذلك كذب، والله أعلم.

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 107 ).

  • وأما حديث جعفر:

عن علي – رضي الله عنه – قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وجعفر وزيد قال: فقال لزيد: أنت مولاي فحجل، قال: وقال لجعفر: أنت أشبهتَ خلْقي وخلُقي، قال: فحجل وراء زيد، قال: وقال لي: أنت منِّي وأنا منك، قال فحجلتُ وراء جعفر “. رواه أحمد ( 2 / 213 ).

قال شعيب الأرناؤط: إسناده ضعيف، هانئ بن هانئ تقدم القول فيه، … ومثله لا يحتمل التفرد، ولفظ ” الحجل ” في الحديث منكر غريب.

ج. قال ابن القيم – في سياق ذكر رجوع جعفر من الحبشة -:

وأما ما روي في هذه القصة أن جعفرًا لما نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حجل – يعني: مشى على رجل واحدة – إعظامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله أشباه الدِّباب الرقَّاصون أصلًا لهم في الرقص: فقال البيهقي – وقد رواه من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر -: وفي إسناده إلى الثوري من لا يعرف.

قلتُ: ولو صحَّ لم يكن في هذا حجة على جواز التشبه بالدِّباب، والتكسر، والتخنث في المشي المنافي لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا لعله كان من عادة الحبشة تعظيماً لكبرائها كضرب الجوك عند الترك ونحو ذلك، فجرى جعفر على تلك العادة وفعلها مرة، ثم تركها لسنَّة الإسلام، فأين هذا من القفز، والتكسر، والتثني، والتخنث؟ وبالله التوفيق.

” زاد المعاد ” ( 3 / 333 ، 334 ).

 

والله أعلم.

هل صحيح أن المرأة المتبرجة لا تجد ريح الجنّة ولو كانت مكرهة؟

السؤال:

هل صحيح أن المرأة التي تبدي جسمها برغبتها أو رغمًا عنها، لن تجد ريح الجنة؟ أرجو ذكر الدليل من القرآن والسنة.

 

الجواب:

الحمد لله

– نعم، صحيح، لكن ليس في حق المرأة المكرَهة، بل من تبرجت برغبتها.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا “. رواه مسلم ( 2128 ).

وأما المكرَهة على نزع الحجاب فلا يشملها الوعيد الوارد في الحديث، على أن يكون الإكراهُ إكراهًا شرعيًّا مبيحًا لها أن تنزعه.

والإكراه شرعًا: هو حمل الغير على تصرف لا يريده ولا يرضاه بوسيلة لتحقيق ذلك بحيث لا يستطيع التخلص إلا بحصول ضرر به أعظم من ضرره بفعله، ويعرف ذلك باليقين أو غلبة الظن.

– وشروط تحقق الإكراه المبيح لفعل الحرام.

– أن يكونَ المُكرِه قادرًا على تحقيق تهديده، كالسلطان أو قاطع الطريق.

– أن يكونَ المكرَه عاجزًا عن دفع التهديد لضعفه كالمرأة أو المسجون، فإن استطاع المكرَه الهرب أو الاستعانة بغيره أو المقاومة: فلا يعدُّ مكرَها إن لم يفعل ما يستطيعه.

– أن يكون الإكراه عاجلًا أو آجلًا قريبًا، فإن كان بعيدًا: فلا يعتبر مبيحًا لفعل المحرَّم.

– أن يتعلق الإكراه بالعرض أو الشرف أو النفس بالقتل أو التعذيب، أما خصم جزء من الراتب، أو الفصل من الوظيفة، أو الطرد من البلاد: فلا تعتبر هذه ومثيلاتها أعذارًا لنزع الحجاب أو فعل المحرَّم.

– أن يفعل المكرَه أدنى قدَر من المحرَّم، ولا يجوز أن يرضى قلبه بهذا المنكَر، فمن أجبرت على نزع الحجاب: لا يجوز لها وضع المساحيق ولا الخروج ببنطال أو غير ذلك من المحرَّمات.

– أن يتركَ المكرَه الفعل المحرَّم متى زال الإكراه دون تأخير أو توانٍ.

 

والله أعلم.

هل القرآن يصلح لكل زمان ومكان؟

السؤال:

أقرأ القرآن، و أريد أن أعرف إذا كانت هذه الآيات صالحة لأي وقت، هناك بعض الآيات التي استخدمت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالذات، فهل كل الآيات صالحة لأي زمان ولأي موقف تدل عليه هذه الآية؟.

أرجو الشرح، جزاكم الله خيرًا

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ختم الله تعالى الرسالات برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وختم النبيين به هو صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } [ الأحزاب / 40 ]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن مَثَلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لَبِنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ” – رواه البخاري ( 3342 ) ومسلم ( 2286 ) -.

وكانت آيات الرسل التي جعلها الله تعالى علامات على صدق الرسل قبله صلى الله عليه وسلم خاصة بزمانهم فقط؛ لأن كل رسول أُرسل إلى قومه خاصة، ومن الطبيعي أن تكون آية للنبي صلى الله عليه وسلم خالدة ومستمرة لكل زمان ومكان؛ لأنه بُعث للناس كافة وإلى قيام الساعة، فكان ” القرآن الكريم ” هو تلك الآية الخالدة، فعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ما مِن الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ” – رواه البخاري ( 4696 ) ومسلم ( 152 ) -.

وفي القرآن الكريم آيات متعددة فيها بيان ما سبق ذِكره، ومنه أن القرآن كتاب هداية وتشريع للناس إلى قيام الساعة، ولا يحل لأحدٍ أن يخرج على أحكامه وتشريعاته، قال الله تعالى: { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } [ البقرة / 2 ]، وقال: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا } ] الإسراء / 9 ]، وقال تعالى: { كتاب أنزلناه إليك مباركٌ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } [ إبراهيم / 2 ].

وقال تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا } [ النساء / 65 ]، وقال: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا } [ الأحزاب / 36 ].

وبناءً على هذه النصوص يُعَدُّ من يختار من الأحكام غير ما اختاره الله ورسوله قد ضلَّ ضلالًا بعيدًا، قال تعالى: { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور / 63 ].

وإذا قُصد بالآية قوم معينون أو شخص معين فلا يعني ذلك أن الآية له دون غيره إلا بنص خاص يبين ذلك، فآيات الظهار والطلاق واليمين واللعان وغيرها وإن كان سبب نزولها مناسبة معينة أو سبب نزول فإنها عامة في كل أحد إذا تشابهت المناسبة والسبب.

وكذلك إذا قال الله عز وجل: { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا }، فإن كلمة ” القوم ” في الآية يُقصد بها أعداء الإسلام أينما كانوا، وإن كان المعنى المقصود بـ ” القوم ” هم الكفار الذين يحاربون الله ورسوله.

ثانيًا:

وبعض الناس يريد من هذه الجملة معنى باطلًا، وهو أن الشريعة تتغير أحكامها على حسب الزمان والمكان، وهذا معنى ” صلاحيتها ” عنده، فيصبح للآية والحديث معنى آخر غير المعنى الذي أراده الله تعالى وفهمه المسلمون.

قال الشيخ ابن عثيمين:

والدين الإسلامي: متضمن لجميع المصالح التي تضمنتها الأديان السابقة، متميز عليها بكونه صالحًا لكل زمان، ومكان وأمة، قال الله تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه } [ المائدة / 48 ].

ومعنى كونه صالحًا لكل زمان ومكان وأمة: أن التمسك به لا ينافي مصالح الأمة في أي زمان، أو مكان، بل هو صلاحها، وليس معنى ذلك أنه خاضع لكل زمان ومكان وأمة كما يريده بعض الناس.

” فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 5 / 101 ).

 

والله أعلم.

هل تغير اسم بنتها التي نسبتها لزوج أمّها الكافر، فتنسبها لزوجها الأخير؟

السؤال:

تزوجت أوربية مسلمة قصتها كالآتي:

طلق أبوها المسيحي أمها المسيحية بعد حياة مليئة بالذل والصدام العنيف، فتزوجت الأم رجلًا آخر لكنه كان أسوأ، سامها سوء العذاب، فطلقت نفسها منه لكنها حملت اسمه، وكذلك البنت أصبحت تحمل اسم زوج أمها طبقا للقانون، تزوجت البنت من رجل صوفي ضال وأنجبت منه طفلة، ثم طلقها، ورفض كتابة الطفلة باسمه حيث إنه يدعي أنها خرجت من الإسلام ببعدها عن الصوفية واعتناقها منهج السلف، الآن اضطرت إلى كتابة الطفلة باسم زوج أمها، ثم تزوجت البنت برجل مسلم ملتزم، فهل يجوز لها أن تحمل اسمه وكذلك الطفلة، حيث أنها لا ترغب أن تحمل اسم زوج أمها الكافر؟ وكذلك الطفلة بنت الصوفي الذي تبرأ من نسبها لأن القانون غير إسلامي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يجب على المسلم أن لا يقيم في بلاد الكفر، بل يهرب بدينه إلى دار الإسلام التي يستطيع أن يطبق فيها أحكام الشرع.

وقد تكرر منا التحذير من الإقامة في بلاد الكفر في أكثر من سؤال فليراجع.

 

ثانيًا:

من الأخطاء الشائعة أن يقال ” مسيحي “، فهم ليسوا أتباع المسيح، والصواب أن يقال ” نصراني “.

 

ثالثًا:

لا يجوز للمرأة أن تحمل اسم زوجها، بل ينسب الناس إلى آبائهم، والمرأة قد تتزوج عدة أزواج، لكنه لن يكون لها إلا أبٌ واحد، والله تعالى يقول { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } [ الأحزاب / 5]، ومن العار أن توجد هذه القوانين في بلاد تدعي الحضارة، وتدعي أن تعطي المرأة حقوقها، وهي تنتسب إلى غير من كان السبب في وجودها، وتتخير من الأزواج من تشاء لتنسب إليه أبناءها.

ولا يجوز في الشرع المطهر نسبة الأبناء إلى زوج الأم، وعليه: فإن ما فعلتْه البنت من نسبة نفسها إلى زوج أمها باطل، وأبطل منه ما تسأل عنه وهو نسبة ولدها إلى زوج أمها نفسه؛ لأنه سيصبح أخًا لها في القانون الجائر، وهو ابنها في الواقع والشرع.

وعليها أن ترفع أمرها إلى من يمكنه إنصافها وذلك بإرغام ذلك الصوفي المنحرف ليسجل الولد باسمه، فهو لجهله وحماقته يتهم الأخت بالردة – ظلمًا وزورًا – وهو يقع في أمر كبير وهو التبرؤ من نسبة الولد إليه، والرضا بنسبته إلى غير أبيه، وما علاقة النسب بالدين لو كان يفقه الشرع؟.

 

 

والله أعلم.

هل تخلع النقاب بسبب ضرره عليها وعلى جنينها؟

السؤال:

أنا سيدة منتقبة وحامل وأحس بضيق شديد في التنفس من النقاب ونصحتني طبيبة مسلمة منتقبة بأن أخلع النقاب خوفًا على صحتي وصحة الجنين، فماذا أفعل أفادكم الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يأمر الله تعالى بما فيه ضرر على عباده، وشريعة الله تعالى حكيمة وأحكامه غاية في اليسر والحكمة ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومن شقَّ عليه أمرٌ من الشريعة فإن المشقة تجلب التيسير كما هي قواعد الشرع، فمن عجر عن الصلاة قائما فإنه يصلي قاعدًا، ومن عجز عن الصوم – لكبر سنه أو لمرضه المزمن – فإنه يفطر ويطعم، وهكذا.

ولا زالت النساء تلبس النقاب والخمار ولم نر منهن شكاوى أو ضجرًا منه، فلعلَّ ما حصل مع الأخت السائلة – أو مع غيرها – إنما هو بسبب صفة نقابها أو خمارها، أو بسبب طريقة لبسه، فمن كان نقابها سميكًا فإنه يمكن أن يضايقها في التنفس والرؤية، فالحل في مثل هذا أن تخفف من سماكته.

وبعض النساء تشد النقاب حول وجهها بعنف وشدة وهو ما يسبب لها ضيقًا في التنفس، والحل في مثل هذا أن تخفف من شد نقابها حتى يسهل عليها التنفس براحة ويسر.

 

والله أعلم.

هل المنتحر مسيَّر أم مخيَّر؟

السؤال:

كيف نرد على الذين يقولون بأن قتل النفس ” الانتحار ” قد كتب في القدر قبل أن يخلق الإنسان، فإذا ما فعل إنسان ذلك فلا نستطيع الجزم بدخوله النار، فهو مسيَّر لا مخيَّر؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

في باب ” القدَر ” ضلَّت طائفتان، الأولى هي ” القدرية “، وهم القائلون بأن العبد يتصرف بمحض مشيئته وإرادته واختياره منقطعًا عن مشيئة الله، والأخرى هي ” الجبرية ” وهم الذين قالوا إن العبد مسيَّر لا إرادة له ولا اختيار ولا مشيئة، وهو مثل الريشة في مهب الريح.

والصحيح: أنه لا يقال إن الإنسان مخيَّر ولا يقال إنه مسيَّر، بل يقال إن العبد له مشيئة واختيار وهو مسيَّر لما خلق له.

والانتحار من كبائر الذنوب، وقد أمر الله تعالى الإنسان بحفظ نفسه، وعدم إلقائها في التهلكة، وهو الذي يحرص الناس عليه في حياتهم، فلا يأكلون السمَّ في طعامهم، ولا يسيرون عكس الاتجاه في طرق السيارات، ولا يجزون رقاب أبنائهم.

والمنتحر قد فعل فعلًا من تلقاء نفسه وبإرادت، لذا كان آثمًا، وكوْن الله تعالى قد قدَّر ذلك أزلًا لا يعني أنه أُجبر عليه، فهو– أصلًا– لا يدري ماذا قدَّر الله تعالى عليه، وهو قد أُمر بحفظ نفسه ونهي عن قتلها وإلقائها في التهلكة.

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله-:

هل الإنسان مسيَّر أو مخير؟.

فأجاب:

الإنسان مسيَّر وميسَّر ومخيّر، فهو مسيَّر وميسّر بحسب ما مضى من قدر الله؛ فإن الله قدر الأقدار وقضى ما يكون في العالم قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة، قدر كل شيء سبحانه وتعالى، وسبق علمه بكل شيء، كما قال عز وجل: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ القمر / 49 ]، وقال سبحانه: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا } [ الحديد / 22 ]، وقال عز وجل في كتابه العظيم: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } [ التغابن / 11 ]، فالأمور كلها قد سبق بها علم الله وقضاؤه سبحانه وتعالى، وكل مسيَّر وميسَّر لما خلق له، كما قال سبحانه: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } [ يونس / 22 ]، وقال سبحانه: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } [ الليل / 5 – 10 ]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء ” أخرجه مسلم في صحيحه.

ومن أصول الإيمان الستة: الإيمان بالقدر خيره وشره، فالإنسان ميسَّر ومسيّر من هذه الحيثية لما خلق له على ما مضى من قدر الله، لا يخرج عن قدر الله، كما قال سبحانه: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } [ يونس / 22 ] ، وهو مخيَّر أيضا من جهة ما أعطاه الله من العقل والإرادة والمشيئة، فكل إنسان له عقل إلا أن يُسلب كالمجانين، ولكن الأصل هو العقل، فمن كان عنده العقل فهو مخير يستطيع أن يعمل الخير والشر، قال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير / 28 ، 29 ] ، وقال جل وعلا: { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ } [ الأنفال / 67 ]، فللعباد إرادة، ولهم مشيئة، وهم فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ المائدة / 8 ]، وقال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [ النور / 30 ]، وقال تعالى: { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } [ النمل / 88 ]، فالعبد له فعل، وله صنع، وله عمل، والله سبحانه هو خالقه وخالق فعله وصنعه وعمله، وقال عز وجل: { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [ المدثر / 55، 56 ]، وقال سبحانه: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير / 28، 29 ]، فكل إنسان له مشيئة، وله إرادة، وله عمل، وله صنع، وله اختيار ولهذا كلف، فهو مأمور بطاعة الله ورسوله، وبترك ما نهى الله عنه ورسوله، مأمور بفعل الواجبات، وترك المحرمات، مأمور بأن يعدل مع إخوانه ولا يظلم، فهو مأمور بهذه الأشياء، وله قدرة، وله اختيار، وله إرادة فهو المصلي، وهو الصائم، وهو الزاني، وهو السارق، وهكذا في جميع الأفعال هو الآكل، وهو الشارب، فهو مسئول عن جميع هذه الأشياء لأن له اختيارًا وله مشيئة، فهو مخير من هذه الحيثية؛ لأن الله أعطاه عقلا وإرادة ومشيئة وفعلًا، فهو ميسر ومخير، مسير من جهة ما مضى من قدر الله، فعليه أن يراعي القدر فيقول: { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [ البقرة / 156 ]  إذا أصابه شيء مما يكره، ويقول: قدر الله وما شاء فعل، يتعزى بقدر الله، وعليه أن يجاهد نفسه ويحاسبها بأداء ما أوجب الله، وبترك ما حرم الله، بأداء الأمانة، وبأداء الحقوق، وبالنصح لكل مسلم، فهو ميسر من جهة قدر الله، ومخير من جهة ما أعطاه الله من العقل والمشيئة والإرادة والاختيار، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقال بعض الصحابة رضي الله عنه: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى }، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على ما ذكرنا، والله ولي التوفيق.” مجموع فتاوى ومقالات ” ( 8 / 94 – 98 ).

وسئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

هل الإنسان مخير أو مسير؟.

فأجاب بقوله:

على السائل أن يسأل نفسه: هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال؟ وهل هو يختار نوع السيارة التي يقتنيها؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير، ثم يسأل نفسه هل يصيبه الحادث باختياره؟ هل يصيبه المرض باختياره؟ هل يموت باختياره؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسيَّر أو مخيَّر، والجواب: أن الأمور التي يفعلها الإنسان العاقل يفعلها باختياره بلا ريب، واسمع إلى قول الله تعالى: { فمَنْ شَاءَ اتخذَ إِلى ربِّهِ مَآبًا }، وإلى قوله: { مِنْكُم مَن يُريدُ الدنْيا ومِنْكُم من يُريدُ الآخِرَة }، وإلى قوله: { وَمَن أرادَ الآخرةَ وسَعى لها سَعْيَها وهُوَ مُؤمن فأولئكَ كانَ سعيُهم مَشْكُورًا }، وإلى قوله: { فَفِدْية من صِيَامٍ أَوْ صَدَقةٍ أوْ نُسُك } حيث خيَّر الفادي فيما يفدي به.

ولكن العبد إذا أراد شيئًا وفعله: علِمنا أن الله تعالى قد أراده؛ لقوله تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُم أَنْ يَسْتَقيم. وَمَا تَشاءونَ إلاَّ أَنْ يَشاءَ الله ربُّ العَالَمينَ }، فلكمال ربوبيته لا يقع شيء في السموات والأرض إلا بمشيئته تعالى.

وأما الأمور التي تقع على العبد أو منه بغير اختياره كالمرض والموت والحوادث فهي بمحض القدر وليس للعبد اختيار  فيها ولا إرادة، والله الموفق.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / السؤال رقم 195 ).

 

والله أعلم.

هل يهتم الإسلام بإدارة الوقت؟

السؤال:

السلام عليكم، أردت معرفة وجهة نظر الإسلام في إدارة الوقت، الأحاديث النبوية والآيات التي تذكر أن الإسلام اهتم بإدارة الوقت وكيف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نبّه القرآن الكريم على أهمية الوقت كثيرًا، ومن ذلك أن الله تعالى أقسم به في مواطن كثيرة من كتابه العزيز، ومنه قوله عز وجل: { وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ }، وقوله: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى }، وقوله: { وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ. وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ }، وقوله: { وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ }، وقوله: { وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى }، وغيرها.

وحثًا للمسلم على اغتنام أوقات الفراغ، والاستفادة من جميع أوقات العمر، وعدم تضييعه، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، ومنه:

أ. عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه “. رواه الترمذي ( 2417 ).

ب. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغَنَاءَك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك “. رواه الحاكم ( 4 / 341 ) وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3355 ).

وهو إشارة واضحة للمسلم في الحرص على استثمار الأوقات حال القدرة والاستطاعة من الشباب والصحة والغنى والفراغ، وذلك قبل أن تدهمه المعوقات من الهرم والسقم والفقر والانشغال.

قال ابن القيِّم:

وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا في حياته وإن عاش فيه عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته.

” الجواب الكافي ” ( ص 109 ).

وقد كان سلفنا الصالح حريصين كل الحرص على ألا يمر بأحدهم يوم أو بعض يوم أو برهة من الوقت وإن قصرتْ، دون التزود منها بعلم نافع أو عمل صالح، وكانوا يعيبون على الرجل الذي يكون يومه كأمسه، بل كانوا يحثون على الاستزادة من الأعمال الصالحة واللم النافع.

قال الحسن البصري: ” أدركت أقوامًا كان أحدهم أشحّ على عمره منه على دراهمه ودنانيره “، قال موسى بن إسماعيل في الإمام المحدّث حمّاد بن سلمة البصري: ” لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط صدقتكم، كان مشغولًا بنفسه إما أن يحدّث وإما أن يصلّي، وإما أن يقرأ، وإما أن يسبِّح، كان قد قسّم النهار على هذه الأعمال “.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: ” لو قيل لحمّاد بن سلمة: إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا “.

وكانوا يكرهون الكسل والبطالة، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” إني لأكره أن أرى أحدكم فارغًا مُتَهْلَلًا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة “.

وليحذر المسلم أعظم المثبطات عن المسارعة في الخيرات وهما العجز والكسل اللذان يثمران التأجيل والتسويف وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى منهما، فقد كان من دعائه: ” اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ” – رواه البخاري ( 2668 ) ومسلم ( 2706 ).

والوقت نعمة عظيمة من نِعم الله عز وجل على عباده، إلا أن الناس فيها مغبونون كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ” نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ ” – رواه البخاري ( 6049 ) -، وفي الحديث بيان حال الناس أمام هاتين النعمتين وأن أكثرهم لا يقدرونهما حق قدرهما فتضيع أوقات الفراغ لدى هؤلاء دون استثمارها فيما ينفعهم في أي من أمور دينهم أو دنياهم، وهذا هو الخسران المبين.

وما أحسن ما قاله الحسن البصري رحمه الله في قوله: ” ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة “.

وقال بلال بن سعد: يقال لأحدنا: تريد أن تموت؟ فيقول: لا، فيقال له: لم؟ فيقول: حتى أتوب وأعمل صالحًا، فيقال له: اعمل، فيقول: سوف أعمل، فلا يحب أن يموت ولا يحب أن يعمل، فيؤخر عمل الله تعالى ولا يؤخر عمل الدنيا.

 

والله أعلم.

هل كل بلاء من مرض أو حادث أو غيره يؤجر عليه العبد إذا أصيب به؟

السؤال:

السحر والعين ابتلاء من عند الله فهل يؤجر العبد إذا أصيب بأحد منهم؟ وهل كل بلاء من مرض أو حادث أو غيره يؤجر عليه العبد إذا أصيب به أم أن هناك أمورًا وضحها الإسلام يجب أن تتبع حتى يحصل له الأجر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

المصائب التي يُؤجر عليها العبد المسلم هي التي يصبر عليها ويحتسب أجرها عند الله تبارك وتعالى.

ولا شك أن الإصابة بالعين والسحر من أعظم ما يصيب المسلم من مصائب، فإن أثرهما على عقل وقلب وجوارح المبتلى بهما عظيم.

والمصائب التي تصيب الإنسان في نفسه، أو في ماله، أو أسرته ليست شرًّا محضًا، يوجب الجزع، وإنما هي محك للإيمان، وابتلاء في الصبر، وحسن التحمل.

وقد بيَّن الله تعالى في كتابه ما يخفف البلاء على النفس، وما يحفِّز على الحصول على الأجر، وذلك بالصبر والاسترجاع، وهو وعد من الله سينجزه سبحانه، كما قال سبحانه: { وبشّر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [ البقرة / 155 – 157 ].

قال ابن القيم:

وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته:

– أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه: فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.

وأيضًا: فإنه محفوف بعدمين: عدمٍ قبله وعدمٍ بعده، وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير.

وأيضًا: فإنه ليس الذي أوجده عن عدمه حتى يكون ملكه حقيقة، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يُبقي عليه وجوده، فليس له فيه تأثير، ولا ملك حقيقي.

وأيضًا: فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور والمنهي لا تصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي.

– والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلِّف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردًا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّله ونهايته: فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء. ” زاد المعاد ” ( 4 / 189 ).

 

وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصبر على الضراء والمصائب لا يكون إلا ممن حقق الإيمان.

عن صهيب الرومي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابه سراء فشكر الله فله أجر، وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر، فكل قضاء الله للمسلم خير “. رواه مسلم ( 2999 ).

إن المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مرًا إلا أنَّـك تقدمه على مرارته لمن تحب- ولله المثل الأعلى- ففي الحديث الصحيح: “إنَّ عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإنَّ الله عز وجل إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ” رواه الترمذي ( 2396 ) وابن ماجه ( 4031 )، وصححه الشيخ الألباني.

ولا ينبغي أن يكره العبد ما يقِّره الله له من البلاء، يقول الحسن البصري رحمه الله: لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنِّقمات الحادثة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك.

 

والله أعلم.