الرئيسية بلوق الصفحة 65

يطلب ترك الاستقامة بحجة النقص والتقصير من بعض المحسوبين على الالتزام!

يطلب ترك الاستقامة بحجة النقص والتقصير من بعض المحسوبين على الالتزام!

السؤال:

بادئ ذي بدئ أشكر لكم جهدكم المبارك، وأسأل الله عز وجل أن يجعل ما تقدمونه في موازين حسناتكم يوم القيامة.

ثمة شبهة من تلبيس إبليس على بعض الناس، وهي أنهم يرددون مقولة: ” إما أن تأخذ الدين بأكمله، أو تتركه، ولا تتزين به ” !، والسبب في ذلك: مخالطتهم، ومعرفتهم لأشخاص حولهم سَمْتهم الالتزام بأحكام الشرع، وواجباته، لكن لديهم تقصير، ومخالفة، ونقص في أمور أخرى! فهلًا حررتم لنا جوابًا شافيًا في رد هذه الشبهة، ودحض هذه الحجة؛ لأنها منتشرة، وأثرها خطير، وهي من تلبيس إبليس!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جزاك الله خيرًا، وبارك فيك – أخي السائل -، وجعلنا وإياك مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

لا شك أن هذه القضية تجول في خاطر كثيرٍ من الناس, ولعل كثيرًا منهم يرغب عن طريق الاستقامة، أو يتأخر التحاقه بالطريق لهذه الشبهة التي ذكرها السائل، والذي نشكره على اهتمامه بالبحث عن توضيح لهذه المسألة؛ وهذا يدل عن حس إسلامي لدى السائل وغيرة صادقة، إن شاء الله.

ثانيًا:

إن الصراع بين الخير والشر مستمر منذ خلق الله آدم, فقد استكبر إبليس بعده عن الانقياد لأمر الله، وهو في هذا الصراع لا يزال يلقي الشبهة تلو الأخرى ليصد الناس عن طريق الاستقامة، قال تعالى مخبرًا عن حال الشيطان وقوله: ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) الأعراف/ 17.

ثالثًا:

وعدم الكمال من طبيعة البشر؛ ومهما بلغ الإنسان كمالًا في العلم، والتقوى، والإيمان: فوقوع الذنب منه، والمعصية، والتقصير: غير مستبعد, ولذلك لما ذكر الله ما أعده للمتقين بيَّن شيئًا من صفاتهم، ومنها: المسارعة إلى التوبة، والاستغفار، وهذا دليل أن التقي لا بد أن تقع منه الهفوة، والزلة، أو يقع منه التقصير.

قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران/ 133 – 135.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ).

رواه مسلم ( 2749 ).

رابعًا:

هذا، وإن طريق الاستقامة طريق شاق، ويحتاج إلى مجاهدة، وصبر؛ فالإنسان في هذا الطريق يصارع هوى النفس، والشيطان، والشهوات، والشبهات، ويبقى بين صدٍّ وردٍّ، وقُرب وبُعد، ولكن بالصبر، والعلم، والجهاد، يبلغ غايته، كما قال تعالى: ( والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنَا ) العنكبوت/ 69.

عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ، فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ).

رواه النسائي ( 3134 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

خامسًا:

وإذا كانت تلك هي حال المسلم مع الشيطان في صراعه معه، وإذا عُلم أن المسلم لن تخلو حياته من زلة، أو تقصير: تبين بطلان ذلك القول الجريء في أنه إما أن يستقيم المسلم على أمر الله بالكلية، أو يدع الاستقامة بالكلية! وفيه من الافتراء على الشرع ما يستوجب الإثم على قائله، وعلى من تفوه به التوبة، والاستغفار، والندم عليه؛ لأن صاحب القول ذاك يدعو للفجور، وارتكاب المحرمات؛ لأنه لن يكون في استطاعة أحد أن يستقيم على أمر الله تعالى بكليته، فصار المطلوب – على حسب ذلك القائل – أن يترك الاستقامة المستطاعة ليفعل كل محرَّم نهى الله عنه، ويترك كل واجب يستطيع المسلم فعله! وهذا بلا شك زندقة ظاهرة، ودعوة للفجور، وقطع لكل فضيلة.

 

سادسًا:

نعم، يُطلب من المسلم أن يدخل في الإسلام كافة، وينهى عن ارتكاب ما نهى الله عنه، لكن ماذا طلب الله ممن خالف ذلك؟! طلب منهم التوبة، والاستغفار، فعل الأوامر، وعدم الاستمرار في تركها، وترك النواهي، وعدم الاستمرار في فعلها، والآيات في ذلك أشهر من أن تُذكر، وقد سبق ذِكر واحدة منها.

ومن طلب من فاعل المعصية الواحدة أن يزيد عليها بفعل كل معصية، وأن يترك كل واجب أوجبه الله عليه: فهو فاعل لما يضاد أمر الله تعالى، وهو غير داخل في سلك المؤمنين؛ لأن من صفات المؤمنين: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومثل هذا آمر بالمنكر، ناهٍ عن المعروف!.

سابعًا:

وإن ما يقع فيه بعض أهل الاستقامة من مخالفة الشرع، في فعل محرَّم، أو ترك واجب: لا يجعل غيره يحذو حذوه، بل يجعله يعتبر به لئلا يقع منه مثل فعله، ويجعله يحمد ربه على العافية في دينه أن سلَّمه ربه تعالى من الفتنة، وليس ينبغي أن يدعوه ذلك إلى اليأس، وترك الاستقامة على أمر الله؛ فإنه إن فعل ذلك صار أشدَّ إثمًا، وأكثر بُعدًا عن الله تعالى، وصار ما أنكره على غيره من الوقوع في المعصية لا شيء بالنسبة لما وقع هو فيه.

والإنسان رهين عمله، كما قال تعالى: ( كلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) المدثر/ 38، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُها) رواه مسلم ( 223 ).

والقدوة والأسوة للمسلمين ليس هو فلان، أو فلان، إنما هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يكون للمسلم أسوة حسنة، يقتدي بفعله، ويهتدي بهديه، ولا يغتر المسلم بما يكون عليه حال غيره من الصلاح فقد يُختم له بسوء، كما لا يتسرع بالحكم على صاحب المعاصي بالهلاك، فقد يُختم له بخير، وإنما الأعمال بالخواتيم.

* قال أنس – رضي الله عنه -: 

لا تعجبوا لعمل رجلٍ حتى تعلموا بما يختم له به؛ فقد يعمل الرجل برهة من دهره، أو زمانًا من عمره عملًا سيئًا، لو مات عليه: مات على شر، فيتحول إلى عمل صالح فيُختم له به, وقد يعمل العبد برهة من دهره، أو زمانًا من عمره عملًا صالحًا، لو مات عليه: مات على خير، فيتحول إلى عملٍ سيءٍ فيختم له به.

رواه أحمد في ” مسنده ” ( 3 / 223 )، وصححه محققوه.

وعلى الإنسان في سيره إلى الله أن يحاول أن يبلغ الغاية، والكمال، وأن يجاهد نفسه في سبيل تحقيق ذلك، وأن يجعل الغاية مرضاة الله، وليغض نظره عن أفعال الناس، وأعمالهم، إلا أن يستفيد فيعتبر، أو يتعظ، إن فعل غيرُه معصية، أو يستفيد بالحث على أن يفعل كفعله إن رآه على طاعة، وخير، وكل امرئ بما كسب مجزي، ومرتهن.

 

والله أعلم.

 

 

 

هل يلزم الموصى إليه أن يغسل ويصلي الموصي؟ ومسائل في العزاء

هل يلزم الموصى إليه أن يغسل ويصلي الموصي؟ ومسائل في العزاء

السؤال:

إذا أوصت المتوفاة بأن يغسلها بناتها، فهل عليهن أن ينفذن الوصية، مع العلم أنهن لا يأمنَّ أنفسهن، ويخفن أن يرتكبن معصية، كأن يدفعهن الحزن والجزع لارتكاب ما يغضب الله تعالى، كاللطم على الخدود، فهنّ يطلبن من الله تعالى الثبات، ويرغبن بالبعد عن مواطن الفتن، فهل يجوز لهن عدم تنفيذ الوصية؟ وهل يجب عليهن الذهاب مع المتوفاة كأن تكون أمًّا، أو أختًا، هل يجب عليهن مرافقة المتوفاة إلى مكان غسل الموتى؟ وهل يأثمن في حال عدم مرافقتها؟ نحن نعلم بأن مجالس العزاء من البدع، ولكن إذا كان هناك من الأهل من يجلس للعزاء في حالة وفاة قريب له، فهل في ذهابنا لتقديم العزاء في هذه المجالس ارتكاب لمعصية؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. إذا كان الميت قد أوصى لشخص معين بأن يغسله: فهو أولى الناس بتغسيله إذا نازعه أحد، وربما كان ذلك لسبب، كأن يكون هذا الوصي أمينًا يستر ما يراه من سوء، أو أن يكون عالمًا بأحكام الغسل، أو غير ذلك، وقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه زوجته أسماء بنت عميس بغسله بعد موته، وأوصت فاطمة زوجها عليًّا بغسلها، وأوصى أنس بن مالك تلميذَه التابعي الجليل محمد بن سيرين بالأمر نفسه، وقد نفَّذ الأوصياء جميعًا ما أوصوا به، وهم مقدمون على أقرب الناس من الميت.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” وأوْلى الناس بغسله: وصيُّه “، أي: لو تنازع الناس فيمن يغسل هذا الميت، قلنا: أولى الناس بغسله: وصيه، أي: الذي أوصى أن يغسله.

واستفدنا من قول المؤلف: ” وصيه ” أنه يجوز للميت أن يوصي ألاَّ يغسله إلا فلان، والميت قد يوصي بذلك لسبب، مثل: أن يكون هذا الوصيُّ تقيًّا يستر ما يراه من مكروه، أو أن يكون عالِمًا بأحكام الغسل، أو أن يكون رفيقًا؛ لأن بعض الذين يغسلون الأموات يعاملونهم بشدة عند نزع ثيابهم، وكأنما يسلخون جلد شاة مذبوحة – نسأل الله العافية -، فيوصي لشخص معين، فإذا كان الميت قد أوصى لشخص معين بأن يغسله: فهو أولى الناس بتغسيله.

والدليل على استفادة أولوية التغسيل بالوصية: ” أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته “، ” وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين “.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 5 / 265 ، 266 ).

وهل تنفيذ الوصية في مثل هذه الأحوال واجب شرعي على الموصى إليه؟ الظاهر: عدم وجوب ذلك؛ فلا واجب شرعي إلا ما جاء من الشرع، ولو كان ذلك واجبا شرعيًّا لوقع كثيرون في حرج، وخاصة أهل العلم والفضل، فكل المحبين لهم يودون لو غسلهم أولئك العلماء والفضلاء، وصلوا عليهم، وهذا يوقعهم في حرج بلا ريب، ولذا لم يكن واجبًا تنفيذ مثل هذه الوصايا.

ومما يستدل به على وجوب تنفيذ الوصية: قوله تعالى ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) البقرة/ 240.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – في فوائد هذه الآية -:

ومنها: أن المرأة يحل لها إذا أوصى زوجها أن تبقى في البيت: أن تخرج، ولا تنفذ وصيته؛ لقوله تعالى: ( فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ )؛ لأن هذا شيء يتعلق بها، وليس لزوجها مصلحة فيه.

ويتفرع عليه: لو أوصى الزوج الزوجة ألا تتزوج من بعده: لا يلزمها؛ لأنه إذا كان لا يلزمها أن تبقى في البيت مدة الحول: فلأن لا يلزمها أن تبقى غير متزوجة من باب أولى.

وكذلك يؤخذ منه قياسًا: كل مَن أوصى شخصًا بأمر يتعلق بالشخص الموصى له: فإن الحق له في تنفيذ الوصية، وعدم تنفيذها.

” تفسير سورة البقرة ” ( 3 / 187 ، 188 ).

وأما الواجب تنفيذه مما أوصى به الميت قبل موته: فهو فيما يتعلق بماله الذي كان يملكه، وحتى هذا فإنه مرتبط بالشرع، فلا يحل له أن يوصي بأكثر من الثلث، ولا يوصي لوارث.

  1. شرط تولي الموصى إليه غسل المتوفَّى: أن يكون صالحًا لذلك، قادرًا عليه، وإلا لم يشرع له القيام بذلك، وعندها يتولى تغسيل المتوفى: الأقرب فالأقرب، ممن يُحسن تغسيل الأموات.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

وهذا الترتيب في الأولوية: إذا كانوا كلهم يحسنون التغسيل، وطالبوا به, وإلا فإنه يقدَّم العالم بأحكام التغسيل على مَن لا علم له.

والمرأة تغسلها النساء, والأولى بتغسيل المرأة الميتة: وصيتها, فإن كانت أوصت أن تغسلها امرأة معينة: قُدِّمت على غيرها، إذا كان فيها صلاحية لذلك, ثم بعدها تتولى تغسيلها القربى، فالقربى من نسائها.

” الملخص الفقهي ” ( 1 / 300 ).

وعليه: فالأولى لبنات الأم الميتة أن يقمن بتغسيلها، بشرط أن يكنَّ على علم بطريقة التغسيل الشرعي، وبشرط أهم: وهو عدم وقوعهن في إثم النياحة، وشق الثياب، وغيرها مما نهيت عنه.

  1. فالوصية بفعل المعاصي: لا تصح، ويأثم من يوصي بذلك، وأما الوصية بمباح يُحتمل أن يقع صاحبه فيه بمعصية: فلا يأثم من أوصى بذلك إن غلب على ظنه عدم وقوع معصية، ويأثم من نفذها إن علم من نفسه، أو غلب على ظنه وقوعه في الإثم.

فوصية الأم بناتِها بأن يغسلنها: ليس عليها فيها حرج من حيث الأصل؛ بل هنّ أولى من يقوم بذلك من النساء، لكن إذا خشيت البنات من ارتكاب الإثم باللطم، وشق الثياب، والنياحة: فلا جناح عليهن من عدم تنفيذ وصية والدتهن بغسلها، بل هو المتعين عليهن فعله بلا شك، وليلتمسن لها امرأة أمينة، تقية، تقوم بغسلها.

  1. ولا يلزمهن اتباع المغسّلة إلى موضع الغسل، إلا إذا احتاجت إلى من يساعدها، وهن قادرات على ذلك، من غير أن يقعن في الإثم.
  2. يشرع تقديم التعزية لأهل الميت، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عزَّى أهل جعفر بن أبي طالب لما استشهد في مؤتة، وسيأتي ذِكر ذلك عن عائشة رضي الله عنها.
  3. وتكون التعزية بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( إنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ إلى أَجَل مُسَمَّى، فَلْتَصْبرْ وَلْتَحْتَسب ) رواه البخاري ( 1284 ) ومسلم (923)، أو قول ” عَظَّم الله أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ “، أو أي كلمات طيبة تعين على الصبر، وتذكّر بالرضا بقدر الله؛ لأن المقصود من التعزية: تسلية أهل المصيبة في مصيبتهم، ومواساتهم، وجبرهم.
  4. وليس للتعزية مكان معين يخصص لها، فإن تيسر لأهل الميت إقامته خارج البيت: كان أولى، كما يفعله كثيرون في فعله في مكان التقاء العشيرة – مضافة، أو ديوانية – أو يقام عند جار، والمهم في ذلك أمران:

أ. الابتعاد قدر المستطاع عن بيت أهل المصيبة؛ حتى  لا يزاد عليهم حمل استقبال الناس فوق مصيبتهم.

ب. أن يُتجنب الإسراف والتبذير، كأن تستأجر صالة بمبالغ باهظة، أو تُنصب خيم، أو تُعلّق إضاءات، أو تُقدّم ضيافات، وكأنها اجتماع أفراح!.

  1. يجوز الذهاب لتعزية أهل الميت، ومجالستهم بقصد التخفيف عنهم، وخاصة النساء، فهنَّ أحوج من الرجال للتعزية، والتذكير بالله تعالى، وبوجوب التسليم بقضائه، وقدَره؛ لما يكثر منهن النياحة، وشق الثياب، ورفع الصوت، عند تلك المصائب، وهو ما كانت تفعله النساء الصحابيات، بل كانت الفقيهة عائشة رضي الله عنها تصنع لأهل الميت طعامًا يخفف عنهن الحزن، فتجمع بين الأمور المعنوية، والحسية، في سبيل تخفيف المصاب عليهن.

 

 

 

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ).

رواه البخاري ( 5101 ) ومسلم ( 2216 ).

 

وقول عائشة في الحديث ” أنها كانت إذا مات الميت “: يدل على أنها كانت عادة عندهم، وأن ذلك كان يتكرر منها.

– وقولها ” ثم تفرقن ” يدل على أنهنَّ كنَّ مجتمعات.

– وقولها ” ثم تفرَّقن إلا أهلها ” يدل على أن غيرهنَّ كان معهنَّ، ثم انصرفن.

– ولمعرفة ” التلبينة ” وفوائدها، وطريقة صنعها: فلينظر في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.

 

 

هل إعادة الحياة بعد موت بعض الناس ما يناقض أن الموتة واحدة؟

هل إعادة الحياة بعد موت بعض الناس ما يناقض أن الموتة واحدة؟

السؤال:

بصفتي أدرس الدين المقارن: بماذا أجيب من يسألني سؤالًا حول الآية في الإنجيل التي تقول ” إنه قد كتب على ابن آدم أن يموت مرة واحدة، ثم يأتي الحساب “، مما يعنى أن كل إنسان سيموت مرة واحدة، فماذا أقول إذا سألني أحدهم: لماذا يقول الإنجيل بأن عيسى قد أعاد الحياة إلى ” لزروس “، وبذلك فإنه عند وفاته فإنها ستكون ميتته الثانية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن مسؤولية المعلّم مسؤولية عظيمة، ومهمته عزيزة؛ فهو المربي، والمعلّم، والقدوة؛ يروي ظمأ طلابه، ويرفع حيرتهم؛ ووظيفته وظيفة الأنبياء والرسل إذا أخلص النية؛ فنسأل الله أن يوفقك لحمل هذه المسؤولية والقيام بحقها، فأجرك عظيم في نصحك وتوجيهك لطلابك.

 

ثانيًا:

اختص الله تعالى الأنبياءَ بآيات بيّنات، وكانت كل آية مما اشتهر بمثل جنسها أقوامهم، وكانت معجزة عيسى عليه السلام إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، بإذن من الله تعالى، كما قال: ( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) آل عمران/ 49.

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

قال كثير من العلماء: بعثَ الله كل نبيّ من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه؛ فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر، وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيَّرت كلَّ سحَّار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار: انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار، وأما عيسى عليه السلام: فبُعث في زمن الأطباء، وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث مَن هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟! وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بُعث في زمان الفصحاء، والبلغاء، ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله عز وجل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعَشر سور من مثله، أو بسورة من مثله: لم يستطيعوا أبدًا .

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 485 ).

وآيات الأنبياء هي خروج عن المألوف، وخرق للعادة؛ تثبيتًا للنبي، وأتباعه، وعلامة على رسالته، وصدقه فيما يدعو إليه.

 

ثالثًا:

والموت معناه مفارقة الروح للجسد، وليس المقصود بالموت فناء الأرواح، بل المقصود به: أن تفارق الروح الجسد، إما إلى نعيم، وإما إلى عذاب.

وقد كتب الله الموتَ على كل العباد، كما قال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا لبَشَر منْ قَبْلكَ الخُلْدَ ) الأنبياء / 34، وبيّن أن أهل الجنة لا يذوقون موتة غير موتة الدنيا، كما قال تعالى: ( لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) الدخان/ 56.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الروح تفارق الجسد، وتتصل به أحيانًا، ومفارقة الروح تسمّى موتًا – كما قدمنا -، وليست هي روح حياة بدنه التي كان يحيى بها في الدنيا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فالأرواح تعاد إلى بدن الميت، وتفارقه، وهل يسمَّى ذلك موتًا؟ فيه قولان، قيل: يسمَّى ذلك موتًا، وتأولوا على ذلك قوله تعالى: ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )غافر/ من الآية 11، قيل: إن الحياة الأولى في هذه الدار، والحياة الثانية في القبر، والموتة الثانية في القبر.

والصحيح: أن هذه الآية كقوله ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) البقرة/ من الآية 28، فالموتة الأولى: قبل هذه الحياة، والموتة الثانية: بعد هذه الحياة، وقوله تعالى: ( ثُمَّ يُحْييكُم ) بعد الموت، قال تعالى: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) طـه/ 55، وقال {  قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) الأعراف/ 25، فالروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وتفارقه متى شاء الله تعالى، لا يتوقت ذلك بمرة، ولا مرتين، والنوم أخو الموت، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه: ( باسْمكَ اللهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا ) وكان إذا استيقظ يقول: ( الحَمْدُ لله الذي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإلَيْه النُّشُور ) – رواه البخاري (5953 ) -، فقد سمَّى النوم: موتًا، والاستيقاظ: حياة.

” مجموع الفتاوى ”  ( 4 / 275 ).

 

 

رابعًا:

إن عيسى عليه السلام كان من آياته: إحياء الموتى، وهذه الآية من عند الله، قد اختصه بها دون غيره من الأنبياء.

ونحن لا نلتفت إلى ما نقلتَه عن الإنجيل؛ لاعتقادنا بتحريفه من جهة، ولأن ما نَقلته موافق لما عندنا في الشرع، من أن الخلق يموتون موتة واحدة، لا يرجعون بعدها إلى الدنيا؛ لانتقالهم لعالم البرزخ، ولكننا نقول أكثر العمومات له ما يخصصها، وقد اختص الله من عموم منع رجوع الأرواح إلى الأجساد – وهو الموت الحقيقي – بعض الأموات؛ آية على قدرة الحق سبحانه على إحياء الناس جميعًا بعد موتهم، أو آية لنبي – كما خصّ به عيسى عليه السلام – ولا محذور في ذلك؛ لأن هذا الإحياء ورجوع الروح كان بأمر الله تعالى، ومن أمثلة ذلك:

  1. ما جاء في قصة القتيل زمن موسى عليه السلام، وما حصل من إحياء الله تعالى له ليدل على من قتله، قال تعالى: ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) البقرة/ 73.
  2. وما حصل من إحياء الله تعالى للرجل الذي أماته – وحماره – مائة عام، ثم أحياه، قال الله تعالى: ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) البقرة/ 259.
  3. وما حصل من إحياء الله تعالى لقوم كثُر، قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) البقرة/ 243.
  4. وما حصل من إحياء الله تعالى لمن أماته من قوم موسى عليه السلام الذين طلبوا منه رؤية ربه تعالى، فأخذتهم الصاعقة، فماتوا، ثم بعثهم الرب تعالى، قال تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) البقرة/ 56.

وهذا كله يضاف إلى ما أخبر الله تعالى به من إحياء عيسى عليه السلام لبعض الموتى بأمر الله تعالى، وكل هذا استثناء من العموم، والأصل، وليس هذا بغريب، ولا عجيب في واقع الحياة، فلو قال قائل إنه لا إنجاب إلا من ذكر وأنثى: لكان صادقًا، بل هو مؤيد بالقرآن والسنَّة، كمثل قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) الحجرات/ من الآية 13، وقد خُصَّ هذا العموم بآدم عليه السلام الذي خُلق من غير ذكر ولا أنثى، وخُصّت حواء عليها السلام، حيث خُلقت من ذكر بلا أنثى، وخُصَّ عيسى عليه السلام، حيث خُلق من أنثى بلا ذَكر.

 

وبكل حال:

فالبعث إلى الحياة بعد الموت حصل قطعًا في صور متعددة، وليس هو البعث للحساب، فذام لن يكون إلا مرة واحدة، ولجميع الخلق، فلا يتنافى هذا مع ما ذكرناه من إرجاع الله تعالى بعض الناس إلى الحياة لحكَم جليلة، يكفي منها حكمتان:

  1. إثبات قدرة الله على بعث الخلائق جميعها يوم القيامة، ولذا كانت هذه الصور المستثناة من أعظم الأدلة على البعث، واختصاص الله تعالى به.
  2. جعلها آية على صدق النبي، وأنه مرسل من عند الله تعالى، كما في إحياء عيسى عليه السلام للموتى بإذن ربه، وكما في إحياء قتيل قوم موسى.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – بعد أن عدَّد ما في سورة البقرة من مواضع أحيا الله فيها بعض الموتى -:

ولا ينافي هذا ما ذَكر الله في قوله تعالى: ( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) المؤمنون/ 15 ، 16؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها – كإخراج عيسى الموتى من قبورهم – تعتبر أمرًا عارضًا، يُؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى، أما البعث العام: فإنه لا يكون إلا يوم القيامة، ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: ( مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) الأنبياء/ 38، ويقولون: ( فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) الدخان/ 36، نقول: إن هؤلاء مموِّهون، فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن، بل يوم القيامة، ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب. انتهى.

 

 

والله أعلم.

زوجها يرى عدم إرسال أولاده إلى المدارس لفسادها، فما الحل؟

زوجها يرى عدم إرسال أولاده إلى المدارس لفسادها، فما الحل؟

السؤال:

أنا في اختلاف دائمًا مع زوجي، وسبب ذلك: أنه لا يريد ترك الأولاد يذهبون إلى المدارس, ويقول: إن المدارس تفسد تربية الأولاد، فما رأي حضرتكم من ناحية الدين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا: 

الأولاد نعمة عظيمة مِن نعَم الله تعالى على عباده, وهي أمانة في عنق العبد يُسأل عنها يوم القيامة، كما جاء في الحديث عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ).

رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

ومن الواجب على الأب أن يحفظ أولاده من كل مكروه، مادي، أو معنوي, وأولى ما يجب حفظه هو دينهم، واستقامتهم.

 

ثانيًا:

الأصل في المسلم أن يوازن بين حسنات الشيء وسيئاته، ويقارن بين السلبيات والإيجابيات، ويغلب الجانب الأرجح.

ولا شك أن المدارس لها سلبياتها، وإيجابياتها، فالمدارس لها تأثير إيجابي، وسلبي، في تربية الأولاد، وتنشئتهم، ويشكوا كثير من الآباء والأمهات من سلبيات المدارس, وهذا واقع تعيشه أغلب الأسر الملتزمة, ولكن يستطيع المسلم أن يتغلب على تلك السلبيات بأمور عدة:

أ. الاستعانة بالله سبحانه وتعالى في حفظهم بالدعاء، والتضرع إليه، والدعاء سلاح عظيم في حفظ الأولاد، وقد ذكر الله من دعاء الصالحين: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) الفرقان/ 74.

مع توضيح أن صلاح الوالدين له دور في صلاح الأبناء، كما قال تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) الكهف/ 82.

 

 

* قال ابن رجب – رحمه الله -:

وقد يحفظُ الله العبدَ بصلاحه بعدَ موته في ذريَّته، كما قيل في قوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحاً ): أنَّهما حُفِظا بصلاح أبيهما.

” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 186 ).

ب. أن يكون للوالدين دور في نشأة الأولاد، وتربيتهم, وعدم  الاقتصار على دور المدرسة، فواجبٌ على الأب أن يصطحب أولاده إلى المسجد، ويبعث بهم إلى حلقات تحفيظ القرآن، ودروس العلم, وأن يغرس فيهم حب الدين، وهكذا الحال أيضاً بالنسبة للأم في بيتها مع بناتها.

ج. أن يراقب الأولادَ مراقبة حثيثة، ويتابعهم متابعة متواصلة في المدرسة، مع المعلمين, ومع الطلبة، مع النصح والتوجيه لأولاده بالرفق، واللين، ويجمع بين الترغيب والترهيب.

د. الاستعاضة عن المدارس الحكومية بالمدارس الإسلامية التي تهتم بالجانب الديني للطلبة, وأن يختار لذلك الأفضل، والأحسن, وهي كثيرة – والحمد لله -، وفي أغلب البلاد, وأما إن كانوا لا يقدر ماديّاً على دفع رسوم تلك المدارس: فيمكن البحث عن المدرسة الأحسن، والأفضل من المدارس العامة، بالسؤال، والاستشارة.

هـ. الحرص على أن يكون للوالدين دور في اختيار الصحبة الصالحة في المدرسة، وفي الحي، وذلك بأن يكونوا – مثلًا – من زملاء المسجد، أو حلقة تحفيظ القرآن، أو الأقرباء الذين يوثق بهم.

و. أن يحرص الوالدان أن لا يكون هناك فجوة بينهم وبين أولادهم، بحيث لو حصلت مشكلة مثلًا: سارع الأولاد إلى الوالدين لعرضها عليهم, وهذا معلوم بالتجربة.

والشاهد: أن مِن أعظم المسؤولية هي مسؤولية الأولاد، وقد قال ابن القيم رحمه الله: ” فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم, وترك تعليمهم فرائض الدين، وسننه، فأضاعوهم صغارًا. ” تحفة المودود ” ( ص 229 ).

ثم بعد ذلك نبين أنه لو اضطر إنسان لإخراج أولاده من المدارس: فالأصل أن يجد لهم بديلًا مناسبًا عن تلك المدارس لئلا يضيع أمرهم إلى لا شيء، وخاصة أننا وجدنا من تورع عن المدارس فهجرها: فضاع أولاده ما بين التلفاز، والشارع، وغرقوا في الجهل، وأكثروا من اللعب، فلم يصنع شيئًا، بل قد أثم بإيقاع الضرر عليهم، ومن البديل المناسب:

أ. الدراسة المنزلية، فيجعل دراسة أولاده في البيت، تحت نظره، ويكون تقديم الامتحانات النهائية في المدرسة، فيجمع بين حفظهم من شر المدارس، وبين حصولهم على شهادات مدرسية، حكومية.

  1. الدراسة عن بُعد، وهي معمول بها في بعض البلدان، وذلك عن طريق الإنترنت في المنزل.
  2. مدارس تحفيظ القرآن في المساجد، أو المراكز الإسلامية، والتي تُعنى بتعليم العلم الشرعي.

وهذا كله على افتراض أنه لم يستطع أن يجد مدرسة يثِق بها، أو كانت كلها مختلطة، أو أنها تعلِّم الكفر والإلحاد، أو أنه رأى أنه لا خير فيها، وما فيها من نفع فيمكنه تحصيله من غيرها.

والنصيحة للأخت أن تستعين بالله، وأن تلجأ إليه بالدعاء, وأن تحاور زوجها, وتناقشه، باللين، والحجة، والبيان, وأن تستعين بأولي العقل والصلاح من أهلها، أو أهله, والله هو الله المأمول أن يحفظنا، وإياكم، وذرارينا من كل سوء، وشر.

 

والله أعلم.

 

 

كحل الإثمد، تعريفه، ومصدره، وفوائده، وضوابط استعماله للنساء والرجال

كحل الإثمد، تعريفه، ومصدره، وفوائده، وضوابط استعماله للنساء والرجال

السؤال:

استمعت، ورأيت، حديثًا، بخصوص استخدام الكحل في العين، فقد استخدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم الإثمد، وقال: إنه ينمى الرموش، ويزيد من قوة الإبصار، فهل من السنَّة استخدام هذا الكحل؟ وما هو كحل الإثمد ( تعريفه ، وتفسيره)؟ وأين يمكن إيجاده؟ ولدى كحل أحمر اللون مكتوب عليه أنه إثمد، كما كتب على الزجاجة الحديث السابق، وقد اشتراه قريب لي من المملكة العربية السعودية.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الإثمد نوع من أنواع الكحل، وهو أجودها، ويوجد في الحجاز، والمغرب، وأصبهان، وغيرها من الدول، وهو في الأصل ” حَجَر ” أسود يميل إلى الحُمرة، يدق، ويُصنع منه كُحلًا للعينين.

* قال مرتضى الزبيدي – رحمه الله -:

” الإِثْمِدُ ” بالكسر: حَجَرُ الكُحْل، وهو أَسودُ إِلى حُمْرَة، ومعدنه بأَصبهانَ، وهو أَجْوَدُه، وبالمَغْرِب، وهو أَصْلَبُ.  ” تاج العروس ” ( 4 / 468 ).

* وقال المباركفوري – رحمه الله -:

يكون في بلاد الحجاز، وأجوده يؤتى به من أصبهان.

” تحفة الأحوذي ” ( 5 / 365 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وأجودُه: السريعُ التفتيتِ الذي لفُتاته بصيصٌ، وداخلُه أملسُ ليس فيه شيء من الأوساخ. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 283 ).

 

ثانيًا:

جاء في السنَّة النبوية أحاديث صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم الكحل، وحثَّ على التكحل بالإثمد خاصة؛ لمزاياه، ومن ذلك:

  1. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ ). رواه أبو داود ( 3878 ) والنسائي ( 5113 ) وابن ماجه (3497)، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
  2. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو البَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ ). رواه الترمذي ( 1757 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
  3. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عَلَيْكُم بِالإِثْمِد فَإِنَّهُ مَنْبَتَةٌ للشَّعْرِ، مَذْهَبَةٌ للقَذَى، مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ ). أخرجه الطبراني في ” الكبير ” ( 1 / 109 ، رقم 183 ). وحسَّنه المنذري والعراقي وابن حجر ، انظر ” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 89 ) و ” فتح الباري ” ( 10 / 157 ).

– ومعنى ( يجلو البصر ): من الجلاء، أي: يحسِّن النظر، ويزيد نور العين، بدفعه المواد الرديئة المنحدرة من الرأس.

– ( ويُنبت الشعر ) من الإنبات، والمراد بالشعر هنا: الهدب، وهو الذي ينبت على أشفار العين. انظر ” عون المعبود ” ( 11 / 75 ).

 

ثالثًا:

نصَّ العلماء على استحباب استخدام الكحل، خاصة الإثمد منه.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في فوائد الكحل بعامة -:

وفي الكحل: حفظٌ لصحة العين، وتقوية للنور الباصر، وجِلاء لها، وتلطيف للمادة الرديئة، واستخراج لها، مع الزينة في بعض أنواعه، وله عند النوم مزيد فضل؛ لاشتمالها على الكحل، وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها، وخدمة الطبيعة لها، وللإثمد من ذلك خاصية.

” زاد المعاد ” ( 4 / 257 ).

* وقال – رحمه الله – في فوائد الإثمد خاصة -:

ينفعُ العين ويُقوِّيها، ويشد أعصابَها، ويحفظُ صِحتها، ويُذهب اللَّحم الزائد في القُروح ويُدملها، ويُنقِّي أوساخها، ويجلوها، ويُذهب الصداع إذا اكتُحل به مع العسل المائي الرقيق، وإذا دُقَّ وخُلِطَ ببعض الشحوم الطرية، ولُطخ على حرق النار: لم تَعرض فيه خُشْكَرِيشةٌ – أي: قِشرة -، ونفع من التنفُّط الحادث بسببه، وهو أجود أكحال العين، لا سِيَّما للمشايخ، والذين قد ضعفت أبصارُهم، إذا جُعِلَ معه شيءٌ من المسك. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 283 ).

وجاءت رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتحل في العين اليمنى ثلاثًا، وفي اليسرى مرتين، لكن الرواية ضعيفة، ولذا فمن اكتحل استحب له الوتر في كلتا العينين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويستحب أن يكتحل وترًا. ” شرح العمدة ” ( 1 / 225 ).

 

رابعًا:

والكحل زينة، لذا لا يجوز للمرأة إظهاره أمام الأجانب، كما لا يجوز للرجل أن يقصد التزين به.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والاكتحال نوعان:

أحدهما: اكتحالٌ لتقوية البصر، وجلاء الغشاوة من العين، وتنظيفها وتطهيرها بدون أن يكون له جمال، فهذا لا بأس به، بل إنه مما ينبغي فعله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل في عينيه، ولا سيما إذا كان بالإثمد.

النوع الثاني: ما يقصد به الجَمال، والزينة، فهذا للنساء مطلوب؛ لأن المرأة مطلوب منها أن تتجمل لزوجها.

وأما الرجال: فمحل نظر، وأنا أتوقف فيه، وقد يفرَّق فيه بين الشاب الذي يُخشى من اكتحاله فتنه، فيُمنع، وبين الكبير الذي لا يُخشى ذلك من اكتحال، فلا يمنع.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 73 ).

فعلى ذلك يتبين أن الإثمد نوع من أنواع الكحل، وهو يميل إلى الاحمرار، وله خاصية تقوية البصر، وتنظيف العين، ويستحب استخدامه للرجال والنساء، إلا أنه يكره استخدامه للرجال إذا قصد به الزينة، وتتزين به المرأة لغير الأجانب.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز وعظ وتدريس المصلين كل يوم؟ وهل يكون ذلك بعد الصلاة مباشرة؟

هل يجوز وعظ وتدريس المصلين كل يوم؟ وهل يكون ذلك بعد الصلاة مباشرة؟

السؤال:

هل الموعظة، أو الدرس مباشرة بعد الصلاة من فِعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأتحدث خصوصا بعد صلاة العصر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن من أفضل أعمال العبد عند الله تعالى: نشر العلم بين الناس, وتبليغ الدين.

قال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/ 33.

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  ( نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَحَفِظَهُ حتَّى يُبَلِّغَهُ ).

رواه الترمذي ( 2656 ) وحسَّنه، وأبو داود ( 3660 ) وابن ماجه ( 230 ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَ مِمَّا يَلْحِق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته، علمًا عَلِمَهُ وَنَشَره ).

رواه ابن ماجه ( 242 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

 

ثانيًا:

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ أصحابه أحيانًا بعد الصلوات.

عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلَّى ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا. رواه مسلم ( 2892 ).

فأصل نشر العلم الشرعي مشروع, وأصل إعطاء الدرس بعد الصلاة مشروع، كما في الحديث السابق، لكن ينبغي التفريق بين الدرس، والموعظة، أما الدرس الخفيف اليسير لعامة الناس: فلا بأس به، ولو كان كل يوم، فلو قُرأ في الدرس حديثان من ” رياض الصالحين “، أو تليت آية، وذُكر تفسيرها: لما كان مخالفًا للسنَّة، ولا لهدي العلماء الربانيين، وإن كان الدرس أطول وقتًا: فليكن ثلاث مرات في الأسبوع في حده الأعلى: كان أفضل، والسآمة كما تحدث في الموعظة:فإنها تحدث في الدرس كذلك، وهذه وصية الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد روى عنه البخاري ( 5978 ) قولَه: ” حَدِّثْ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً ، فَإِنْ أَبَيْتَ: فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ: فَثَلَاثَ مِرَارٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ “. انتهى.

وأما الموعظة: فإن الأفضل أن لا تكون كلَّ يوم؛ خشية السآمة، وتقدير ذلك يرجع إلى الواعظ، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه.

عن أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددتُ أنك ذكَّرتنا كل يوم؟ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُملَّكم,  وإني أخولكم بالموعظة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها؛ مخافة السآمة علينا. رواه البخاري ( 70 ) ومسلم ( 2821 ).

– ( أُملُّكم ) أي: أوقعكم في الملل.

– ( يتخولنا ) أي: يتعاهدنا.

* قال النووي – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: الاقتصاد في الموعظة؛ لئلا تملها القلوب، فيفوت مقصودها. ” شرح مسلم ” ( 17 / 164 ).

 

ثالثًا:

وإذا كان درس، أو حصلت موعظة، بعد الصلاة، فهل تكون مباشرة بعد التسليم منها، أم ينتظر حتى ينتهي المسبوق، ويتم المصلون أذكارهم؟ والذي نراه في ذلك: التفصيل:

فإن كان الدرس ثابتًا في موعد محدد: فالأفضل أن ينتظر بالناس حتى ينتهوا من أذكارهم، وينتهي المسبوقون من صلاتهم.

وإن كانت الموعظة طارئة، كتنبيه الناس على حدث فيه صلاح لقلوبهم، أو احتاج المعلم لتنبيههم على خطأ يتعلق بصلاتهم، أو كان ثمة ضيف من الدعاة، أو العلماء يريد مخاطبة الناس ووعظهم، وتعليمهم: فنرى أنه لا مانع من البدء بالوعظ والتعليم عقيب الصلاة مباشرة، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيما نراه.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ( إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلَاةَ ).

رواه البخاري ( 811 ) ومسلم ( 640 ).

وعَنْ أَنَسٍ – أيضاً – قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ( أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلاَ تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ وَلاَ بِالْقِيَامِ وَلاَ بِالاِنْصِرَافِ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي ) ثُمَّ قَالَ: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ) قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ) .  رواه مسلم ( 426 ).

 

ولا فرق فيما قلناه من كون الدرس والموعظة بعد العصر، أو بعد الفجر، فالإمام يراعي اختيار الوقت المناسب بحسب أعمال المصلين، ووظائفهم، وعدد حضورهم.

 

والله أعلم.

 

بلدها يجبرها على خلع حجاب الرأس في صورة الجواز فهل تفعل ذلك من أجل الحج؟

بلدها يجبرها على خلع حجاب الرأس في صورة الجواز فهل تفعل ذلك من أجل الحج؟

السؤال:

أنا أقيم بـ ” تونس “، وأريد الذهاب إلى الحج، ولكن في بلدنا يحتّمون علينا إعطاء الصور الشخصية بدون حجاب! ولا يقبلون غير ذلك، فماذا أفعل يا شيخي، مع العلم أني أتوق لزيارة بيت الله؟!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يفرِّج كرب المسلمين حيثما كانوا، وإنه ليؤلم القلب مثل هذا السؤال، وقد وصلت محاربة الشرع إلى هذا الحد، وفي الوقت الذي نرى هؤلاء -وأشباههم – ينادون بالديمقراطية، والحرية: نراهم يضيّقون على المسلمات في ستر رؤوسهن بالحجاب الذي أوجبه الله تعالى عليهن، فلا هم استجابوا لحكم الإسلام، وعملوا بأحكامه، ولا هم اتبعوا الغرب في السماح للمرأة بأن تغطي رأسها في صورتها الشخصية، فالمرأة عندهم حرَّة في أن تخلع ما تشاء من ثياب، وليست حرّة أن تلبس ما تشاء! فالله المستعان، ونسأل الله تعالى أن يغيّر الحال إلى ما هو أحسن منه، وليتب إلى الله تعالى كل من شرَّع هذا الباطل، ورضي به، ودافع عنه، وعاقب مخالفه، وليتفكروا جميعًا في قوله تعالى: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) الكهف/ 49.

 

ثانيًا:

الحج ركن عظيم من أركان الإسلام, قال تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ) آل عمران/ 97.

ومن الطبيعي أن تتوق نفسك لزيارة بيت الله الحرام؛ فإن مكان أداء فريضة الحج مما تهوى إليه القلوب، وقال: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) إبراهيم/ 37.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة – أي: مجاهد، وعطاء، والسدّي، وقتادة، والربيع بن أنس – هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا، وقدرًا، من كونه مثابة للناس، أي: جعله مَحَلًّا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددَت إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام، في قوله: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ).

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 413 ).

ولكن هذه الفريضة لا تجب إلى إلا على القادر المستطيع، كما قال تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ) آل عمران/ 97، ولا شك أن وجوب هذه الفريضة لا تجيز للمرأة أن تتصور بدون حجاب لاستخراج جواز سفر، أو إبراز وثائق شخصية؛ وهي في ذلك في حكم غير المستطيع، فلا يجوز لها أن ترتكب معصية التبرج، وإظهار العورة لهذا السبب، وهي في ذلك معذورة شرعًا، وعليها أن تتمسك بحجابها، ولا تتنازل عنه، مهما كان السبب، والله تعالى سيجعل بعد العسر يُسرًا، وبعد الشدة رخاء.

وأنت معه كونك معذورة في ذلك: فإن لك مثل أجر الحاج – إن شاء الله – الذي تكبد مشقة السفر، والنفقة، وغير ذلك.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ).

رواه البخاري ( 4161 ).

* وفي رواية لمسلم ( 1911 ) من حديث جابر: ( إلاَّ شَرَكُوكُم في الأَجْر ).

* وقال بعض السلف: إن أقوامًا يدركون بنياتهم ما لا يدركون بأعمالهم.

– وفقك الله، وزادك هدى، وسترًا، وعفافًا، ويسَّر لك الحج على خير.

 

والله أعلم.

 

 

 

يتحرش بها والدها مستدلا بحديث ( أنت ومالك لأبيك )! فماذا تصنع معه؟

يتحرش بها والدها مستدلا بحديث ( أنت ومالك لأبيك )! فماذا تصنع معه؟

السؤال:     

لي أب يعاكسني! كما لو كنت بنت عاهرة من الشارع! علمًا بأنه مريض, وتكفلت بمصاريف علاجه الباهظ عسى أن تتغير تصرفاته معي، لكن الحال بقي كما هو، ويقول لي: ” أنت ومالك لأبيك “! فكرتُ أن أهجر البيت خوفًا على عرضي، لكن إلى أين أذهب؟! وأمِّي لا تحس بي, وتميز إخوتي عليَّ، وهم بدورهم يغارون مني, ويؤثِّرون عليها؛ لا أحد منهم يكلمني، أثَّر هذا على نفسيتي, وأنا مريضة, وعصبيَّة جدًّا, أقرأ في القرآن ( وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناَ )، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم بر الوالدين واجب حتى ولو ظلما, أحاول برَّهم، وأجد لهم أعذارًا.

ما يحصل لأبي هو مرض نفسي، وأمي لم تتعلم، ولا تعرف كيف تتصرف في هذه الحالات، أحضر الهدايا، والأكل, لكن كل ما فعلت شيئاً صالحًا يقلبوه، ويسبوني به، أنا إنسانة ضعيفة الإيمان, أحاول التهرب من ظلمهم، حين أعود من العمل: ألزم الفراش، حتى إذا أردت الذهاب إلى المطبخ أتأكد من أن أبي ليس هناك كي أتجنب نظراته لي! علمًا أنه يصلي، هو مَن علمني الصلاة، أنا لست جميلة، حتى جسمي ضعيف ليس فاتنًا، أعرف أنه ابتلاء, أريد مرضاة ربي، أنا لست صبورة؛ أبكي، وأصيح، أحس في داخلي بركانًا.

علِّموني الصبر؛ كي لا أخسر الدنيا، والآخرة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما يفعله والدك معكِ من المعاكسة والتحرش: من أكبر الآثام عند الله، وهو ذنب يستحق عليه العقوبة في الدنيا، والعذاب في الآخرة؛ وإن من الخطأ أنكِ لم تخبري أحدًا من أهلكِ ليوقفوا هذا الفعل من أبيكِ، فسكوتك مؤداه التمادي، والله المستعان.

           فالنصيحة: أن تلجئي إلى الله بالدعاء أن يهدي والدك، وأن يشفيه، ثم بعد ذلك لا بد من إخبار الأهل عن صنيع الوالد، ويجب عدم السكوت عن فعله؛ حتى لا يتكرر فعله معك، أو مع غيرك من إخوتك, ويجب عليك خلال ذلك: المحافظة على الحجاب الشرعي الكامل، أو الستر قدر الإمكان؛ فإنَّ كثيرًا من حالات التحرش بين المحارم يكون سببها التساهل في كشف العورات أمامهم، فتجد الفتاة تلبس اللباس الضيق جدًّا، وتكشف ساقيها، وذراعيها، وأكثر من ذلك، بدعوى أنها تجلس مع محارمها، أو أهلها، وهي لا تدري أن الشيطان يسول للنفس كل محرَّم، وأن المحرَم قد يفتن بما يراه من محاسن محارمه، وخاصة كما ذكرتِ أنه مصاب بمرض نفسي.

وكذلك يجب عليك الحرص على عدم الخلوة معه؛ فإن من شأن الخلوة أن تجرأ والدك على فعل الحرام، لا قدَّر الله.

 

ثانيًا:

وإن من أعظم الأعمال الصالحة، وأحبها إلى الله: برُّ الوالدين, ولا يمكن لأحد أن يجزي والديه على ما قدموه من رعاية، وتربية.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ). رواه مسلم ( 1510 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

أي: لا يكافئه، بإحسانه، وقضاء حقه، إلا أن يعتقه.

” شرح مسلم ” ( 10 / 153 ).

 

ثالثًا:

ولا شك أن من أعظم النفقة أجورًا وثوابًا: نفقة الإنسان على أهله، من الوالدين، والإخوة، والأخوات، وإذا احتسبها المسلم: فله أجر عظيم.

عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا: الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ ). رواه مسلم ( 995 ).

وحقيقة الصلة للأقارب من الوالدين وغيرهما عدم انتظار الصلة من طرفهم، بل حتى لو قطعوها أن يصلها ه .

عن عبد الله بن عمرو عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ).

رواه البخاري ( 5645 ).

فالمسلم لا ينتظر أجرًا، ولا ثوابًا إلا من الله، ولعل الله أن يرزقه، ويوسع عليه من خلال هذه النفقة إذا احتسبها, وأن يفرِّج كربه، وهمَّه بما يقدِّم.

* وإنما ذكرنا لكِ هذا، والذي قبله؛ لأمرين اثنين:

الأول: تثبيتك على ما تقدمينه من معروف، وصلة لأهلك.

والثاني: أن كل ما ذكرناه لا يعني بحال أن تبقي مع والدك إن كان بقاؤك معه يسبب لك فتنة في دينك، وتخافي على عرضك منه، بل يجب عليك قطع ذلك، إما بردعه بقوة حتى يرعوي، أو أن تغادري البيت إلى مكانٍ تأمنين فيه على نفسك، ولستِ بالصغيرة، ولا العاجزة، ولله الحمد، ولا يُفتى لك بالبقاء مع ذلك الوالد المريض إلا حيث تتأكدين أنه لن يتعرض لك بسوء، مع أخذ ما نصحناك به في الاعتبار، من اللباس، وعدم الخلوة معه.

رابعًا:

وأما حديث ( أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ ) فليس يراد به – والعياذ بالله – بدن الابن والابنة! أنه للوالد يفعل به ما يشاء! فهذه زندقة، وفهم منحرف، لا يقول به إلا أفَّاك، وإنما المراد به: الخدمة، والعناية، والرعاية، وحتى المال ليس للوالد كله، بل ليس له إلا ما يحتاج إليه، إن كان عند الولد فائض عن نفقته، ونفقة أهله، من زوجة، وأولاد.

 

خامسًا:

ربما تكون بعض الظروف التي يعيشها الإنسان، وما يصاحبها من غمٍّ، وهمٍّ: تُشعر الإنسان أن مَن حوله لا يكنُّون له المودة، والمحبة، أو لا يهتمون به, والحقيقة قد تكون غير ذلك، فلا يُتصور أن أمًّا لا تكنُّ محبةً لابنتها, وهي تراها ليل نهار تقوم بخدمتهم، وتلبي حاجاتهم، نعم، ربما يكون الحظ الأوفر من الحبِّ، والحنان، للصغار – مثلًا -, ولكن لا يعني ذلك بغضًا للأكبر، أو تخلٍّ عنه؛ وربما يكون السبب في ذلك: انطواءٌ من الإنسان على نفسه, وصاحَبَ ذلك عدم رفق, وسرعة غضب، كما ذكرت السائلة عن نفسها، وهو لعله ما جعل الآخرين يتجنبون الحديث معك؛ خوفًا من غضبك، أو من الاصطدام معك، وهذا معلوم بالتجربة.

والنصيحة للأخت:

أن تغيِّر من نمط حياتها, وأن تتخلى عن انطوائها، وعصبيتها, وأن تبادر هي الحديث مع إخوتها, وأن تجرب أسلوب الملاطفة، والود؛ وسوف ترى ما يكنُّه لها الأهل، من الأم، والإخوة، من حبٍّ، وحنان, وليس العلاج في ذلك: بالهرب، والانطواء، بل بالصبر، والإحسان؛ والود، والملاطفة.

وعليكِ الاستعانة قبل ذلك كله بالله تعالى ربك، بالدعاء، والإنابة، والعمل الصالح، وخاصة: الصلاة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) البقرة/ 156.

 

سادسًا:

وأما الصبر وما يعين عليه: فقد أمرك الله تعالى – كما سبق في الآية – بالاستعانة به؛ لما فيه من الأجور العظيمة، ولما فيه من منع المسلم من التعدي على شرع الله، ومن القيام بما أوجبه الله عليه.

كما نوصيك أن تتفكري في حقيقة هذه الدنيا, وأنها دار ابتلاء، واختبار، قال الله تعالى: ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت/ 1 – 3.

واعلمي أن الصبر يمكن تحصيله بتعويد النفس عليه، ولو علم المسلم ما للصبر من أجور: لجاهد نفسه حتى يكون من الصابرين.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ).

رواه البخاري ( 1469 ) ومسلم ( 1053 ).

وعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ).

رواه مسلم ( 2999 ).

ونوصيك بالتأمل في قصص الصابرين من الأنبياء، والصالحين؛ ففيها إعانة على الصبر.

 

سابعًا:

واعلمي أن حقيقة الجمال هو جمال الروح، وليس جمال الجسد, والله تعالى لا ينظر يوم القيامة لصور الخلق، ولا لأجسادهم، بل لقلوبهم، وأعمالهم، فهنا الميزان، وبهما يكون الثواب، والعقاب.

عَنْ أَبي هُرَيرَة رَضِي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأَعْمَالِكُم ).

رواه مسلم ( 2564 ).

فالجمال الحقيقي: في كرم الأخلاق، والأفعال الحسان، وفي طاعة الرحمن.

فالنصيحة للأخت:

أن تستعين بالله، ولا تعجز, وأن تعمل على حل مشكلتها مع أبيها بأن تخبر أهلها بذلك, وأن تستعن بأولي الأحلام والرشد من أهلها، وأن تصبر على أذى الأهل من الإخوة وغيرهم, وأن تغير من نمط حياتها من الانطواء والعزلة, وأن تحتسب أجر فعلها للخير من النفقة، وغير ذلك, وأن تبادرهم بالود والحنان، وإن حرموهما من ذلك, والعاقبة للمتقين.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

هربت من أهلها لبلاد كافرة، وتعلقت بشاب كافر، وتركت الصلاة، وتبرجت، فماذا نقول لها؟

هربت من أهلها لبلاد كافرة، وتعلقت بشاب كافر، وتركت الصلاة، وتبرجت، فماذا نقول لها؟

السؤال:

أنا فتاة مشكلتي أني عاقة لوالديَّ، تسببت لهم في كثير من المتاعب، عندما بلغت من العمر 16 سنة أرسلنا أبي إلى ” السودان ” خوفًا عليَّ, وكنتُ أصلي، ومحجبة، وأصوم, ولكني في ” السودان ” لم أجد طموحاتي؛ فاتصلتُ بمدرِّستي اليهودية الأصل، فدبرتْ لي الهروب إلى ” كندا ” بتدخل الحكومة, وأهلي لا يدرون شيئًا, وعندما وصلت إلى ” كندا ” بدأت الاتهامات على أهلي, وقُدِّم أبي إلى المحكمة عدة مرات من جرَّاء ما كتبتُ في حقه، شيء من الحقيقة، وشيء من الكذب، فكانت حياتهم جحيمًا، وتعلقت بشابٍّ كافر! وتحديت به أهلي؛ لأن القانون معي، ورغم توسلات أبي، وأمي، والبحث عني في كل مكان: لم أهتم، فكان أبي تارة يدعو لي بالهداية, وتارة عندما يراني لا أعبءُ بكلامهم: يدعو, ويقول: أنت معك قوة الأرض, وأنا معي قوة السماء, وتسببتُ له في كثير من الآلام النفسية؛ لأني تركت الحجاب، وعريت جسمي، حتى أنه كان يبكى ويقول: موتك خير لي من حياتك بهذه الصورة, وعندما ضاقت به الحياة: باع ( محلَّه )، وترك المدينة إلى منطقة لا يعرفه فيها أحد, وتشتت الأسرة، ووعدت أمي أن تجلس معي إلى نهاية الدراسة,  وبعدها نلتحق بوالدي, ولكني لم أكن صادقة، بل كنت أرتب كيف أعيش مع هذا الشاب، وسافرت أمي وبقيت أنا مع هذا الشاب, ولم يكف أهلي عن نصحي ولكني لم أتغير؛ فكان والدي يقول: سيصيبك عذاب الله، وغضبه في الدنيا والآخرة, ولن توفقي في شيء طالما أغضبت الله، والوالدين, ولكن إلى الآن لم أر غضب الله عليَّ! مما جعلني أستمر فيما أنا فيه, ولذلك طلب مني أن أكتب لأهل العلم, وهم يبكون النهار، ويرفعون الأيدي ليلًا, ويقولون: ما في أيدينا إلَّا سهام الليل, وما أدرى ما تفيد سهام الليل! أريد حلًّا لمشكلتي، شيئًا محسوسًا، شيئًا ربما يجعلني أرى الحق حقًّا، والباطل باطلًا, وهل هم على حق أم هذه حياتي وأنا حرة؟.

أخيرًا: كل ما يزعجهم الآن علاقتي المحرمة مع هذا الشاب الذي يمنيني بالزواج، وأنا أريد أن أعلمه الإسلام! وما يزعجهم أيضا تركي للصلاة، وخلاعة ملابسي، وكشف رأسي، وعورتي، هم يرونه محرَّمًا, وأنا أراه هيِّنًا، فهل أجد من أهل العلم من يأخذ بيدي، ويشرح لي أخطائي، ويرشدني، ويوضح لي غضب الله بمعصيتي لله، وللوالدين؟ وهل حقًّا غضبهم هذا أراه بعد وفاتهم؟ أنا ضائعة ما بين حبي للكافر، وغضب الله، والوالدين.

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

نعمة الهداية من أعظم النعم على الإنسان, فوالله الذي لا إله غيره مهما عاش الإنسان في ملذات الدنيا؛ من شهوات، ومتاع، من غير نعمة الهداية والإيمان: لهي حياة زائفة، ونعيم زائل، وسعادة وهمية؛ وإن لم يتدارك الإنسان أمره ويحاسب نفسه: لسوف يرى مغبة العصيان؛ فقد قال السلف الصالح مقولة عظيمة وهي: ” أبى الله إلا أن يذل من عصاه؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه ؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه؛ عاجلًا أم آجلًا “.

تقول السائلة عن عصيان رب الأرض والسماء، بالتبرج، والسفور، وعقوق الوالدين، وعلاقة محرمة مع شاب كافر لا يحل لها الزواج منه! وهروب عن الأهل، وسفر من غير محرَم، والتسبب لوالديها بالأذى، والذل، والإهانة، ورفع قضايا في المحاكم، وأعظم من ذلك كله: تركك للصلاة التي بها التحقت بركب الكفار! حيث إن تارك الصلاة ليس من المسلمين: تقول السائلة: إنها ترى كل ذلك هيِّنًا!! الله أكبر، كبرت هذه الكلمة والله، وعظمت أن ينطق بها لسان عرف الإسلام يومًا في حياته.

قفَّ شعر اللبيب، ودمعت عين القريب، والبعيد، من شدة قسوة القلوب، وجرأتها على حرمات الله، حتى تمنينا أن لو كانت تلك القلوب حجارة، فلعله تتسلسل منها الهداية من خلال شقوقها، أو لعلها تأتيها لحظة تخشى فيها ربها تعالى، لكنَّ الواقع أن تلك القلوب كانت أقسى من الحجارة، قال تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) البقرة/ 74.

أي قلب هذا الذي يتكلم بلا مبالاة؟! وأي قلب سطر هذه الحروف؟! إنه جرٌّ للبلاء، وتعجيل للعقاب والعذاب، كحال أولئك الذين تعجلوا لأنفسهم الهلاك من كفار قريش، فقال تعالى عنهم: ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) الأنفال/ 32.

أتعلمين يا أمّة الله أن الله سمَّى نفسه ” الحليم “؟ يمهل عبده مرة، بعد مرة, وكرة بعد كرة؛ لكريم إحسانه، وعظيم لطفه؛ فإذا بلغ العذر مداه: أخذه أخذ عزيز مقتدر.

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الله لَيُمْلِي للظَّالِمِ حتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) قال: ثم قرأ ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) هود/ 102.

رواه البخاري ( 4409 ) ومسلم ( 2583 ).

وقال تعالى: ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ. وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَاب فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) إبراهيم/ 42، 43.

أتعلمين أن عقوق الوالدين من أعظم الذنوب، وعقابه معجل بالدنيا قبل الآخرة؟!.

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ). رواه الترمذي ( 2511 ) وصححه، وأبو داود ( 4256 ) وابن ماجه ( 4211 ).

وأي قطيعة أعظم من عقوق الوالدين؟! وأي ظلم أعظم من ظلم الوالدين؟!.

ثم أي سعادة تزعمين أنك تعيشينها في البُعد عن حنان الوالدين، وأُنس الإخوة، والأخوات ، والعمات، والخالات، والأقرباء؟! ألا ترين عيشة البهائم في الدولة الكافرة التي سافرتِ إليها؟! هل رأيتِ عائلة تسير في الطريق؟ هل يعرف ذلك الشاب الكافر – الذي فتنتِ به – خالته، وعمته، بل وأمه؟ هل ترين روابط الأسرة كما هي في بلاد الإسلام؟! هل رأيتِ الأمان والاطمئنان في تلك البلاد التي لا يأمن أهلها على أنفسهم، فضلا عن الغريب فيها؟! ألا تشعرين بالخجل من نفسك بعرض زينتك وعورتك على الرجال الأجانب ليرونهما، ويتمتعون بالنظر إليهما؟! أيشعرك هذا بالفخر، والحرية؟ نود لو أنك تفكرين للحظة ما هو حكم أولئك الرجال عليك، وعلى أمثالك من النساء الكاسيات العاريات، لو تعلمين نظرة الدونية إليكم، والاحتقار، وأنكم سلع رخيصة: لعلمتم حاجتكم إلى العفَّة، والستر، والحياء، وهي التي تقطع طمع الطامعين فيك، وفي أمثالك، وهي التي تفرض احترامك عليهم.

وأي لذة في قضاء شهوة محرمة، تبيع فيه الحرة أعظم ما تملك، وهو عفتها، وشرفها وطهارتها، معلقة الآمال بالزواج؟! فوالله لا خير في لذة من بعدها النار.

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام *** ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبتها  *** لا خير في لذة من بعدها النار

* ومع هذا كله:

نجد بصيص أمل هداية من خلال كلماتك؛ وتوبة ترتجينها تحاولين إخفاءها؛ وشعورًا بالذنب، والمعصية، والتقصير، تحاولين أن تخفيه، وأن تظهري عدم المبالاة؛ ولكن في صميم قلبك تودين الخلاص من هذه الحياة التي تعيشينها، ظاهرها السعادة, وباطنها الحسرة والكآبة؛ ونحن نعلم علم اليقين بهذا الباطن؛ لأننا نصدق بقول الله تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) طه/ من الآية 124.

 

* اسمعي أيتها السائلة:

لا تزال لديك فرصة لإصلاح ما فات، والتوبة مما كان، والله هو الغفار، التواب، قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  ) الزمر/ 53، وقال تعالى: ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 68 – 70.

 

تعجلي الرجوع إلى الله، جربي لذة المناجاة، والوقوف بين يدي الوهاب، جربي ما يجده أهل الهداية من لذة، وسعادة، وراحة، وطمأنينة، جربي طهارة الإسلام التي أرادها الله لشقائق الرجال، من عفة، وستر.

 

أدخلي الفرحة إلى قلب والديك، كما أدخلت الألم، والقهر، والوجع؛ قبل أن يبقى ألم الحسرة يلاحقك إلى الممات، بل وبعد الممات.

 

ابحثي عن أسرة تكونين أحد أعمدتها بزوج يعرف قدرك؛ ويصون عفتك؛ ويغار عليك، وأولاد يملئون حياتك بالحب، والرأفة، والحنان.

 

عودي إلى ديارك حيث الأمن، والأمان؛ ومحبة الإسلام، وسماع الأذان, وإقامة الصلوات، وهذه نعم لا تقدر بأغلى الأثمان.

 

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، يا الله، يا حي يا قيوم: أن تصلح هذه السائلة، وأن ترد عنها كيد الشيطان؛ وأن ترجعها إلى أهلها, وأن تكتب لها السعادة، والأمان.

 

والله الموفق.

التوفيق بين قوله تعالى ( لا إكراه في الدِّين ) وحديث ( مَن بدَّل دينه فاقتلوه )

التوفيق بين قوله تعالى ( لا إكراه في الدِّين ) وحديث ( مَن بدَّل دينه فاقتلوه )

السؤال:

إنني ألاحظ أنه في إجابتكم على بعض الأسئلة فإنكم قد استشهدتم بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يقول فيه أنه ( إذا بدل المسلم دينه فاقتلوه )، ولكن هناك بعض المسلمين أخبروني بأن هذا الحديث لا يعد دليلا؛ لأنه يتعارض مع القرآن الذي يقول: ( لا إكراه في الدين )، فهل يتعارض الحديث مع الآية القرآنية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي، فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو من عند الله تعالى، وإنما التعارض في ذهن من لم يفهم النصوص على وجهها المراد منها، وهنا يقول بعض العلماء ” ظاهرها التعارض “، وأما في الحقيقة والواقع: فلا يمكن لنصوص الوحي الثابتة أن تتعارض فيما بينها، ومن أجل ذلك الظاهر ألَّف العلماء كتب ” المشكل ” و ” المختلف “؛ لإزالة ذلك الظاهر عن ذهن من يرى ذلك فيها.

وبخصوص السؤال فإننا نقول: لا تعارض بين الآية الكريمة: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ من الآية 256، وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) والذي رواه البخاري ( 6524 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

وبيان ذلك: أن الآية في الكافر لا يُكره على الدخول في الإسلام، والحديث في المسلم يُمنع من الخروج منه، فأين التعارض؟!.

ومما يدل على ذلك:

* ما جاء في سبب نزول الآية:

عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مِقْلاتًا – لا يعيش لها ولد – فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت ” بنو النضير ” كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ ). رواه أبو داود ( 2682 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ ): وأنه فيمن دَخل في الإسلام، أو كان مسلمًا في الأصل، فارتد عن الإسلام، فيُقتل لذلك إن استتيب فأصرَّ على كفره: فيبينه ما جاء في الرواية الأخرى، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ الله إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والثَّيّبُ الزَانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ ).

رواه البخاري ( 6878 ) ومسلم ( 1676 ).

* فعُلم من ذلك :

أنَّ أهل الكتاب – وغيرهم من الكفار -: لا يُكرهون على الدخول في الإسلام، وكيف يُكره أحد منهم والله تعالى يشترط الصدق، والإخلاص، فيمن ينطق بالشهادتين ليدخل في الإسلام؟! وأن المسلم لا يحل له الارتداد عن دينه، فإن أصرَّ استحق القتل ردَّة، فلا يُغسَّل، ولا يورَّث، ولا يُدفن في مقابر المسلمين.

وهذا التشريع العظيم فيه حماية للدين من عبث العابثين من أهل الكفر، والإلحاد، والذين يريدون اتخاذ هذا الدين هزوًا، ويريدون تشكيك الناس بصحته، وقد فُضح أمرهم في ذلك قديمًا حين قال الله تعالى عن بعضهم: ( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) آل عمران/ 72.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

هذا مِن منَّة الله على هذه الأمة، حيث أخبرهم بمكر أعدائهم من أهل الكتاب، وأنهم – من حرصهم على إضلال المؤمنين – ينوعون المكرات الخبيثة.

فقالت طائفة منهم: ( آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ ) أي: أوله، وارجعوا عن دينهم آخر النهار؛ فإنهم إذا رأوكم راجعين، وهم يعتقدون فيكم العلم: استرابوا بدينهم، وقالوا: لولا أنهم رأوا فيه ما لا يعجبهم، ولا يوافق الكتب السابقة: لم يرجعوا.

هذا مكرهم، والله تعالى هو الذي يهدي من يشاء، وهو الذي بيده الفضل، يختص به من يشاء، فخصكم – يا هذه الأمة – بما لم يخص به غيركم.

ولم يدر هؤلاء الماكرون أن دين الله حق، إذا وصلت حقيقته إلى القلوب: لم يزدد صاحبه – على طول المدى – إلا إيمانًا، ويقينًا.

ولم تزده الشبه إلا تمسكا بدينه، وحمدًا لله، وثناء عليه حيث من به عليه.

” تفسير السعدي ” ( ص 969 ).

* وهذا جواب جامع في المسألة للشيخ صالح الفوزان حفظه الله، فقد سئل:

ما مدى صحة الحديث القائل: ( مَن بدّلَ دينَه فاقتلوه )، وما معناه؟ وكيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ 256، وبين قوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) يونس/ 99، وبين الحديث القائل: ( أَمِرْتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل )، وهل يفهم أن اعتناق الدين بالاختيار لا بالإكراه؟.

 

 

فأجاب:

الحديث ( مَن بدّلَ دينه فاقتلوه ): حديث صحيح، رواه البخاري، وغيره من أهل السنَّة بهذا اللفظ: ( مَن بدل دينه فاقتلوه )، وأما الجمع بينه وبين ما ذُكر من الأدلة: فلا تعارض بين الأدلة، ولله الحمد؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: ( من بدل دينه فاقتلوه ) في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، فيجب قتله بعد أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وأما قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) البقرة/ 256، وقوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ ) يونس/ 99: فلا تعارض بين هذه الأدلة؛ لأن الدخول في الإسلام لا يمكن الإكراه عليه؛ لأنه شيء في القلب، واقتناع في القلب، ولا يمكن أن نتصرف في القلوب، وأن نجعلها مؤمنة، هذا بيد الله عز وجل، هو مقلب القلوب، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لكن واجبنا: الدعوة إلى الله عز وجل، والبيان، والجهاد في سبيل الله لمن عاند بعد أن عرف الحق، وعاند بعد معرفته، فهذا يجب علينا أن نجاهده، وأما أننا نكرهه على الدخول في الإسلام، ونجعل الإيمان في قلبه: هذا ليس لنا، وإنما هو راجع إلى الله سبحانه وتعالى، لكن نحن أولًا: ندعو إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، ونبيّن للناس هذا الدين، وثانيًا: نجاهد أهل العناد، وأهل الكفر، والجحود، حتى يكون الدين لله وحده عز وجل، حتى لا تكون فتنة.

أما المرتد: فهذا يقتل؛ لأنه كفر بعد إسلامه، وترك الحق بعد معرفته، فهو عضوٌ فاسد يجب بتره، وإراحة المجتمع منه؛ لأنه فاسد العقيدة، ويُخشى أن يفسد عقائد الباقين؛ لأنه ترك الحق لا عن جهل، وإنما عن عناد بعد معرفة الحق، فلذلك صار لا يصلح للبقاء، فيجب قتله.

فلا تعارض بين قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ 256، وبين قتل المرتد؛ لأن الإكراه في الدين هنا عند الدخول في الإسلام، وأما قتل المرتد فهو عند الخروج من الإسلام بعد معرفته، وبعد الدخول فيه، على أن الآية – وهي قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) – فيها أقوال للمفسرين، منهم من يقول: إنها خاصة بأهل الكتاب، وأن أهل الكتاب لا يكرهون، وإنما يطلب منهم الإيمان، أو دفع الجزية، فيقرون على دينهم إذا دفعوا الجزية، وخضعوا لحكم الإسلام، وليست عامة في كل كافر، ومن العلماء من يرى أنها منسوخة بقوله تعالى: ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) التوبة/ 5، فهي منسوخة بهذه الآية، ولكن الصحيح: أنها ليست منسوخة، وأنها ليست خاصة بأهل الكتاب، وإنما معناها: أن هذا الدين بيِّنٌ، واضحٌ، تقبله الفطَر، والعقول، وأن أحدًا لا يَدخله عن كراهية، وإنما يدخله عن اقتناع، وعن محبة، ورغبة، هذا هو الصحيح.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 116 – 118 ).

والله أعلم.