الرئيسية بلوق الصفحة 67

وقع في فتنة النساء فزنا ببغي، وقال لها ” أنا ملحد “! فما حكم فعله وقوله؟

وقع في فتنة النساء فزنا ببغي، وقال لها ” أنا ملحد “! فما حكم فعله وقوله؟

السؤال :

السائل يقول إنه نشأ نشأة إسلامية في بلد غربي، ويحكي كيف أن التمسك بالإسلام في الغرب صعب في ظل وجود جميع أنواع الفتن التي تحيط بالفرد، وأنه يشهد ضعف الإيمان من يوم لآخر، يقول: إنه يحب النساء كثيرًا، وإنه اعتاد أن يمارس العادة السرية، ولكن الرغبة تزداد أكثر وأكثر، إلى أن وقع في فخ الشيطان عندما ذهب إلى إحدى البغايا في إحدى ليالي رمضان، ليس فهذا، فحسب بل إنها عندما سألته هل أنت مسلم؟ قال لها: إنه ملحد! يستنصحكم ماذا يفعل وقد ارتكب هذه الكبيرة ونطق بهذا الكفر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أن ينشأ الإنسان على الإسلام لا شك أن هذه نعمة عظيمة، وفضل جليل من الله تعالى تجاه عبده المؤمن, وشكر هذه النعمة يكون بطاعته، واجتناب معصيته، وقد وعده ربه تعالى بالمزيد من النعَم في حال شكره لها – مع أن الرب تعالى لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين – فقال تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم/ 7.

وهذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، فهذا يبتلى بالمال, وذك بالجاه, وآخر بالنساء قال تعالى: ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت/ 1 – 3.

ولكنَّ المؤمن الذي استنار قلبه بنور الإيمان: لا تؤثر به الفتن، بل يدفعها الواحدة، تلو الأخرى ولا شك أن المؤمن إذا ضعف إيمانه: سهل عليه الوقوع في الفتن، وإذا قوي إيمانه كان منها في حصن حصينة.

وفتنة النساء فتنة حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ).

رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).

 

 

وقد دلنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على العصمة من هذه الفتنة، كما في حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ). رواه البخاري ( 4779 ) ومسلم ( 1400 ).

فالزواج أعظم وقاية من هذه الفتنة, وأعظم علاج لها، فإن لم يقدر على الزواج: فليكثر من الصيام ليتحصل به على التقوى التي تحجزه عن الوقوع في المحرمات.

ومن العلاج كذلك: قطع الطريق على الفتنة بسلوك أول دربها، ونعني به: غض البصر، وهو من أعظم وسائل حفظ الفرج، ولذا فقد جمع الله بينهما في قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) النور/ 30.

ومن الوسائل التي تعين على العصمة من فتنة النساء: الحرص على تقوية الإيمان، بالعبادة، والطاعة, والصحبة الصالحة, وطلب العلم الشرعي, وحضور مجالس العلم, والمداومة على الأذكار، والاستغفار, وقراءة القرآن.

ومنها: الحرص على إشغال الوقت بالنافع المفيد ما استطاع إلى ذلك، كممارسة الرياضة،  ونفسك إن لم تشغلها بالنفع والطاعة: أشغلتك بالمضرة والمعصية.

وأما ممارسة العادة السرية: فإن كان لجلب الشهوة: فهو فعل محرَّم، وأما إن كان لكبح جماح الشهوة، وكان يخشى الوقوع في الفاحشة: فيجوز له فعلها، بل يجب! وذلك من باب دفع أعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما.

ثانيًا:

وأما التبرؤ من الإسلام في كلامه بقوله لتلك الفاجر ” أنه ملحد “: فهو على وجهين:

الأول: الأصل فيها أنها حكم بخروج قائلها من ملة الإسلام، وخاصة إن كان قصد حقيقة اللفظ ومعناه، فيكون بذلك كافرا، تجري عليه أحكام المرتدين، وتوبته تكون بالنطق بالشهادتين، والدخول في الإسلام من جديد.

والثاني: أن توجد قرينة تدل على صدقه في عدم قصد تلك الكلمة، أو أنه لم يقصد الكفر بقوله ذاك: فيكون بذلك فاعلاً لكبيرة من كبائر الذنوب، وعليه التوبة والاستغفار منها.

عن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ). رواه البخاري ( 5754 ) ومسلم ( 110 ).

وعن بُرَيْدَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِماً ).

رواه أبو داود ( 3258 ) والنسائي ( 3772 ) وابن ماجه ( 2100 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال النووي – رحمه الله -:

يحرم أن يقول ” إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني “، أو ” برئ من الإسلام “، ونحو ذلك، فإن قاله، وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك: صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك: لم يكفر، لكن ارتكب محرَّمًا، فيجب عليه التوبة، وهي أن يقلع في الحال عن معصيته، ويندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود إليه أبدًا، ويستغفر الله تعالى، ويقول: ” لا إله إلا الله محمد رسول الله “.

” الأذكار ” ( ص 359 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قال – أي: الحجاوي صاحب متن ” زاد المستقنع في اختصار المقنع ” -: ” وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريءٌ من الإسلام، أو القرآن، أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو يعبد الصليب، ونحو ذلك على ما ذكروه في الأيمان “: فمن قال شيئًا من ذلك: فهو كافر مرتد، نأخذه بقوله هذا، فإن قال: ما أردتُ: فإن وُجدت قرينة تدل على صدقه: تركناه، وإن لم يوجد: فإننا نقتله، إلا أن يتوب . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ”  ( 14 / 431 ).

رابعًا:

فالواجب على السائل, وقد لمسنا من سؤاله ندمًا – والندم توبة – أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، عسى الله أن يكفر عنه سيئاته، وأن يبدلها حسنات، ولو كانت توبة مما قاله من الكفر في قوله ” أنا ملحد “، قال تعالى: ( والذين لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان/ 68 – 71.

 

والله أعلم.

الرد المفصَّل على مَن زعم مِن الرافضة أن أبا بكر وعمر وابنتيهما حاولا قتل النبي!

الرد المفصَّل على مَن زعم مِن الرافضة أن أبا بكر وعمر وابنتيهما حاولا قتل النبي!

السؤال:

يا إخوان، أنا مسلم، سنَّي، ذات يوم جعلت أقلب في موقع ” اليوتيوب “، ورأيت مقاطع فيديو لأحد علماء الشيعة – على ما أعتقد أن اسمه ” ياسر الحبيب ” -، وكان حديثه عن أن عائشة هي مَن قتلت النبيَّ صلى الله عليه وسلم – والعياذ بالله!! -: وأن هناك ثلاث محاولات لقتل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ! من أبي بكر، وعمر بن الخطاب، رضوان الله عليهم عن طريق ابنتيهما حفصة، وعائشة، زوجات النبي صلى الله عليه وسلم  المحاولات الثلاثة مذكورة على الرابط التالي:

http://www.aldair.net/forum/archive/index.php/t-63667.html

وأكثر ما جعلني خائفًا هو حديث عائشة: لددنا رسولَ الله، في معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن لدِّه، ولكنهم لدوه، وحينما استفاق سألهم، أو وبخهم، وغضب من عائشة، وبعدها مرض النبي، وتوفي، فيقول الشيعة: إن عائشة سممته!! لا حول ولا قوة إلا بالله:( أتمنى منكم الاطلاع على الرابط وموافاتي بالرد في أقرب وقت ممكن أرجوكم .. وجزيتم ألف خير … احترامي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قبل الإجابة على سؤالك أخي الفاضل لا بد من التنبه لأمرين:

  1. اعلم أن الرافضة أكذب الفرق المنتسبة للإسلام، وأن دينهم بُني على ذلك الكذب، وأنه ليس لهم أعداء يحقدون عليهم، ويسبونهم الليل والنهار أكثر من الصحابة رضي الله عنهم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقد اتفق أهل العلم بالنقل، والرواية، والإسناد، على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب.

قال الشافعي: لم أر أحداً أشهد بالزور من الرافضة.

وقال محمد بن سعيد الأصبهاني: سمعت شريكاً يقول: احمل العلم عن كل من لقيتَ إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينًا.

” منهاج السنّة ” ( 1 / 59 ).

  1. واعلم أنه لا يجوز للمسلم أن ينظر في مواقع أهل البدع عمومًا، وأهل الرفض خصوصًا، ولا أن يقرأ كتبهم، إلا أن يكون متمكنًا من دينه، وعلى علم بمداخل، ومخارج أهل الضلال.

 

ثانيًا:

وما في الرابط المحال عليه في السؤال يؤكد ما قلناه من كون هذه الطائفة أكذب الفرق المنتسبة إلى الإسلام، وقد جمعوا مع كذبهم على دين الله: حقدهم العظيم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسبهم، وشتمهم، وتكفيرهم، وقذفهم لعائشة الطاهرة رضي الله عنها، فلا يعجب من يعلم ذلك عنهم عندما يقرأ مثل ذلك المقال المبني على الجهل، والكذب، والافتراء ، فقد زعم كاتبه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وقتله! وأنه فشل في محاولتين، ونجح في الثالثة! بالاشتراك مع أبي بكر الصدِّيق، وحفصة بنت عمر، وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعًا، والرد على هذا الزعم الضال يكون من وجوه إجمالية، وأخرى تفصيلية.

أما الرد من الوجوه الإجمالية:

  1. ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنه قد توفرت فرص كثيرة للصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الخلوة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهما وزيراه، وصاحباه، وقد زوجاه من ابنتيهما، وصاحبه الصدِّيق في الهجرة من مكة إلى المدينة في رحلة استغرقت عشرة أيام، وقد كان هذا معروفًا عند المسلمين والكفار، ولذا فقد اختارهما الصحابة الأجلاء أمراء عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأنَّى لعاقل أن يزعم أنه لم تتوفر لمثل هؤلاء الصحابة إلا فرصة أو فرصتان لقتل النبي صلى الله عليه وسلم! بل هي فرص كثيرة، ولكننا نجزم أنه حتى الشيطان لم يكن يخطر بباله أن يوسوس بمثل هذا الفعل القبيح لأحد من أولئك الأجلاء الذين يفدون نبيهم بأنفسهم، وأموالهم، وأهليهم، والذين لا يقدمون محبة أحد على محبة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فالزعم بأن أبا بكر وعمر أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم زعم باطل، يعلم قائله أنه سيصير أضحوكة بين العالَمين بسبب قوله الخبيث هذا، لكن لأنهم فقدوا الدين، والعقل، والحياء: فلم يعد يهمهم ما يقال عنهم، وكل همهم تفريغ حقدهم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والسعي في تشويه صورتهم، وأنَّى لعاقل يرى هؤلاء الرافضة وما فعلوه في المسلمين قتلًا وتشريدًا، وما فعله سلفهم من الكيد والمكر في أهل السنَّة، أنَّى لعاقل أن يصدِّق ترهاتهم، وتنطلي عليه أكاذيبهم؟!.
  2. وقد كانت الفرص لقتله صلى الله عليه وسلم من قبَل نسائه أكثر، وخاصة عائشة رضي الله عنها، والتي كان لها ليلتان مع النبي صلى الله عليه وسلم كل تسع ليالٍ؛ فقد وهبتها سودة رضي الله عنها ليلتها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان زوجًا لهن، يختلي بهن، وينام على فراشهن، وكل تلك السنين لم تتوفر فرصة لهن لقتله صلى الله عليه وسلم؟! هكذا يفكر الرافضة، وهذه هي عقولهم التي رضوا بتأجيرها لأشياخهم الفرس، فراحوا يعبثون بها ذات اليمين، وذات الشمال، وراحوا يزينون لهم الباطل لتصديقه، والخرافة لجعلها حقيقة، والشرك لجعله توحيدًا، والحمد لله الذي نزَّه عقول المسلمين من أن تتلوث بمثل هذه الأفكار، وقد أكرم الله عبيده بدين مطهَّر، وخصَّ نبيه صلى الله عليه وسلم بأشرف الناس بعد الأنبياء عليهم السلام لصحبته، وخصَّ أطهر النساء ليكنَّ زوجاتٍ له، وأمهات للمؤمنين، وإن مجرد التفكير بمثل تلك الترهات التي يزعمها الرافضة يبعث على الغثيان، فكيف أن تكون اعتقادًا ينام معها الواحد منهم ويقوم؟!.

وأما وجوه الرد التفصيلية:

  1. فقد ذكر الكاتب الرافضي، والذي رضي لنفسه بكنية ” أبو لؤلؤة “! أن أول محاولة اغتيال للنبي صلى الله عليه وسلم من قبَل عمر كانت قبل أن يُسلم! فهل هذا الكاتب المجوسي يعي ما يقول ويكتب؟! إذ كيف يعد نية عمر – حال شركه – قتل النبي صلى الله عليه وسلم من ” محاولات اغتياله “؟! لقد كان على دين مضاد للإسلام، وهو لمَّا يسلم بعد، فماذا تنتظر ممن هذا حاله؟ لقد اجتمع المشركون على قتاله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، وفي أكثر من غزوة، وهذا من الطبيعي أن يفعله من كان متلبسًا بالشرك، وله أرباب كثيرون، مع من يدعو إلى التوحيد، ويسفِّه تلك الأرباب والآلهة.

وهذا كله على فرض صحة القصة الواردة في مقاله! والتي فيها خروج عمر متهددا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب المقطوع به: أنها قصة منكرة، ليس لها إسناد صحيح سالم من علَّة، وأنَّى للرافضة أن يكون لهم نصيب من علم التحقيق والأسانيد؟!.

فالقصة المذكورة المشهورة في إسلام عمر بعد أن كان يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم: رواها ابن سعد في ” الطبقات ” ( 3 / 267 – 269 )، والدارقطني في ” السنن ” ( 1 / 123 ) مختصرة، والحاكم في ” المستدرك ” (4/59 – 60) من طريق إسحاق بن الأزرق، عن القاسم بن عثمان البصري، عن أنس به.

والقاسم بن عثمان البصري هذا هو علَّة الحديث.

* قال الذهبي – رحمه الله – في ترجمته -:

القاسم بن عثمان البصري، عن أنس، قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها.

قلت: حدَّث عنه إسحاق الأزرق بمتن محفوظ، وبقصة إسلام عمر؛ وهي منكرة جدًّا.

” ميزان الاعتدال ” ( 3 / 375 ).

  1. والمحاولة الثانية لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعم الرافضي: حدثت بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من ” تبوك “، حيث تعرَّض له مجموعة من المنافقين، وأرادوا قتله صلى الله عليه وسلم بإلقائه من مكانٍ عالٍ، وقد نجَّاه الله تعالى من هذا، وكان المكان الذي تم فيه تلك المحاولة يقال له ” العقَبة “.

 

 

* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

هذا الحديث يشكل على المبتدئين؛ لأن أهل العقبة إذا أطلقوا: فإنما يشار بهم إلى الأنصار المبايعين له، وليس هذا من ذاك، وإنما هذه عقبة في طريق تبوك، وقف فيها قوم من المنافقين ليفتكوا به .

” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 257 ).

والقصة صحيحة، لا إشكال فيها، لكن الرافضة الكذَبة زعموا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا من أولئك المنافقين الذين حاولوا قتله صلى الله عليه وسلم، وهو زعم تافه، والوقت أنفس من أن يضيع في الرد عليه، لولا أننا نطمع بإسلام بعض من اغتر بالدين الرافضي، ونطمع بأن نثبت قلوب عامة أهل السنَّة على الحق الذي وفقهم الله لاتباعه.

روى مسلم ( 2779 ) من طريق الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ ثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ؛ كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ، قَالَ – يعني حذيفة -: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلاثَةً، قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ، فَمَشَى، فَقَالَ: إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ فَلا يَسْبِقْنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَوَجَدَ قَوْمَاً قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ يَوْمَئِذٍ. انتهى.

هذه خلاصة القصة، كما رواها مسلم رحمه الله، فهل يمكن لعاقل أن يصدِّق أن يترك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما رفقة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتلثمان، ويحاولان قتله؟! ولماذا لم يفعلا هذا قبل ذهابهما معه لـ ” تبوك “؟ ولماذا لم يفعلا هذا أثناء خلوتهما بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو عليهما يسير؟! وقد أوحى الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأسماء أولئك، وقد عذر منهم ثلاثة، فكيف يكون أولئك الأجلاء منهم ولا يحذَر – أو يحذِّر – النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين منهما؟! وكيف يثني عليهما، ويأمر بتقديمهما، ويرضى صحبتهما ونسبهما؟! وكيف يبايع حذيفة رضي الله عنه ذينك الإمامين أبي بكر وعمر وهو يعلم أنهما من المنافقين؟! أسئلة كثيرة ترد إلى القلب الطاهر، والعقل الصريح، ولا جواب عليها إلا أن ما زُعم من الرافضة هو محض كذب، وافتراء، وإن عقلية المؤامرة التي يعيشون معها، ونفسية المريض التي يحيون بها، والعقيدة الخربة التي يعتقدونها، كل ذلك يدفعهم إلى إنشاء مثل تلك الخرافة غير المحبوكة، والتي يضحك منها العقلاء، ولذا فلا نعجب من عدم تشيع من يدخل في الإسلام من الأطباء، والمفكرين، والعلماء، من كافة الأديان؛ لما في دين التشيع من خرافات، تجعل كل عاقل يرفضه، ويأبى أن يكون من أتباعه.

إن ناقل هذه القصة هو حذيفة رضي الله عنه، وهو يخبر بأن من قام بتلك الفعلة الشنيعة هم ” أهل العقبة “، وأين أبو بكر وعمر منهم؟! وكيف يفعل الرافضة في الروايات التي صرَّحت بأسماء أولئك المنافقين وليس بينهم من ذكروا من الصحابة الأجلاء؟!.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد ترجم الطبراني في ” مسند حذيفة ” تسمية أصحاب ” العقبة “، ثم روى عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار أنه قال: هم مُعَتِّب بن قشير، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نَبْتَل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قَيْظِي، والحارث بن سُوَيْد، وسعد بن زرارة، وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بني الحبلي، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 182، 183 ).

وقد لبَّس صاحب المقال على الناس بالنقل عن ” ابن حزم ” رحمه الله مرتين:

الأولى: زعمه أن ” الوليد بن جُميع ” له رواية يذكر فيها أسماء الصحابة الذين شاركوا في مؤامرة الاغتيال تلك، وبما أن ابن حزم يضعف هذا الرواي: فإنه يلزم قبول الرواية عند من يوثقه، ويحسن حديثه!.

والثانية : ذِكر كتاب ابن حزم المسمى بـ ” المحلى ” كأحد مصادر وجود تلك الرواية التي احتوت على أسماء أولئك الصحابة.

وهذا نص كلامه:

ابن حزم في ” المحلى بالآثار ” ج12 ح 2203 كتاب الحدود يقول:

” وأما حديث حذيفة: فساقط؛ لأنه من طريق الوليد بن جميع، وهو هالك! ولا نراه يعلم من وضع الحديث؛ فإنه قد روى أخبارًا فيها أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم: أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله، وإلقاءه من ” العقبة ” في ” التبوك “!! “.

نرى أن ابن حزم يُسقط الحديث لوليد بن جميع، والحال: أن وليد من رجال البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، وصحيح ترمذي، وسنن نسائي، والحال: أن كثيراً من كتب الرجال صرحوا بوثاقة! وليد بن جميع. انتهى.

والرد على ذلك من وجوه:

  1. ” الوليد بن جُميع ” ليس من رجال البخاري؛ إذ لم يرو له في الصحيح حديثًا واحدًا، بل روى له خارجه، ومثله لا يقال عنه ” من رجال البخاري “.
  2. أخطأ ابن حزم رحمه الله في وصف الوليد بالهلاك، وأعدل الأقوال فيه أنه ” صدوق يهم ” كما وصفه به الحافظ ابن حجر في التقريب.

 

* وفي ” الجرح والتعديل ” لابن أبي حاتم ( 9 / 8 ):

عن الإمام أحمد وأبي زرعة أنهما قال فيه: ” ليس به بأس “، وأن يحيى بن معين وثقه، وقال أبو حاتم الرازي: ” صالح الحديث “.

  1. لا يُعرف في الدنيا إسناد فيه ذِكر أولئك الصحابة الأجلاء أنهم اشتركوا في محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وابن حزم يضعف ذلك الراوي أصلًا، قبل هذا الحديث، والمفهوم من كلامه رحمه الله أن وضع أسماء أولئك الصحابة كان مقحماً في إسناد الوليد الأصلي للحديث، وأنه لا دخل له به، ومما قاله ابن حزم رحمه الله في هذا الصدد: ” ولا نراه يَعلم مَن وضع الحديث “، فالحديث بذكر أولئك الصحابة مكذوب قطعاً على الوليد بن جُمَيع رحمه الله، ومن هنا كان لا بدَّ من تنبيه المسلمين على ما حذفه ذلك الرافضي من كلام ابن حزم رحمه الله ، فإنه قال بعدها مباشرة:

” وهذا هو الكذب الموضوع، الذي يَطعن الله تعالى واضعَه، فسقط التعلق به، والحمد لله رب العالمين “. ” المحلى ” ( 11 / 224 ).

فانظر كيف دلَّس، ولبَّس، في نقله عن ابن حزم رحمه الله، وهذا الدعاء الذي دعا به ابن حزم رحمه الله لا يمكن إلا أن يصيب رافضيًّا؛ لأنهم هم الذين يكذبون مثل هذه الأكاذيب، ويركبونها على أسانيد صحيحة، مشهورة.

  1. ولو أننا جعلنا ذِكر أسماء المنافقين الذين ذكرهم الزبير بن بكار، والواردة أسماؤهم في رواية البيهقي في ” دلائل النبوة ” من الضعيف غير المقبول: فإننا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم استأمن حذيفة رضي الله عنه على أسمائهم، وهو أمين سر النبي صلى الله عليه وسلم، وكاتمه، فمِن أين عرفوا أسماء أولئك الملثمين من المنافقين الذين هموا بقتله صلى الله عليه وسلم؟! وللإجابة على هذا السؤال كذب الرافضة فزعموا أن حذيفة رضي الله عنه أخبر بأسمائهم! فانظر إليهم كيف جعلوا حذيفة خائنًا للسر، وليس المهم عندهم إلا تحقيق مأربهم من الطعن في أجلاء الصحابة رضي الله عنهم، ولا يهمهم الثمن الذي يبذلونه من أجل ذلك.

* قال ذلك الرافضي المجوسي في مقاله:

” وفي زمن حكم عثمان بن عفان صرَّح حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه بأسماء الذين حاولوا قتل النبي في العقبة، وكان منها أسماء أبو بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبا موسى الاشعري، وأبو سفيان بن حرب، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف.

المصدر: ” المحلى ” لابن حزم الأندلسي ج 11 ص 225، و” منتخب التواريخ ” ص 63 “. انتهى كلامه بما فيه من أخطاء نحوية وركاكة.

 

 

* والرد على هذا من وجوه مختصرة:

أ. أنتم بذلك جعلتم حذيفة رضي الله خائنًا لسر النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كان كذلك فهو حري أن لا يُقبل كلامه! وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم عمومًا على كتم أسماء المنافقين، وتحديداً أسماء هؤلاء، فكيف تترضون عنه مع خيانته للأمانة؟! وأما نحن فننزه حذيفة رضي الله عنه عن خيانة الأمانة، ونجزم بأنه لم يفعل ما تفترونه عليه.

ب. أين الرواية التي فيها إخبار حذيفة بأسماء من نوى قتل النبي صلى الله عليه وسلم ؟! وما هو إسنادها؟.

ج. ما ذكروه هنا يؤكد ما قلناه من براءة ” الوليد بن جمَيع ” من الكذب، وذِكر أسماء أولئك الأجلاء من الصحابة، فروايته للحديث كانت خالية من الأسماء، والرافضة قد نسبوا الإخبار بتلك الأسماء لحذيفة رضي الله عنه! فليس توثيق الوليد يعني قبول الرواية التي فيها أسماء أولئك الصحابة – كما سبق ذِكره – فهو ليس موجودًا في إسنادها، بل الرواية نفسها ليست موجودة أصلًا!.

د. إحالتهم على ” المحلى ” من التدليس، والتلبيس، فابن حزم رحمه الله كذَّب الرواية التي فيها ذِكر تلك الأسماء، وغير خافٍ على أحد عظيم كذب الرافضة.

هـ. إحالتهم على ” منتخب التواريخ ” ليس بنافعهم؛ لسبيين:

الأول: الكتاب مؤلفه رافضي، وهو محمد هاشم الخراساني، توفي 1352 هـ، ولا يُعرَف بعدالة، ولا إنصاف، وهو قريب العهد جدًّا من ذلك الكذاب الذي نناقشه.

الثاني: لا يقبل كلام أحد غير مسنَد، ولو كان ثمة إسناد لنقلوه فرحين.

  1. لا يلزم من مخالفة الأئمة لابن حزم في الحكم على ” الوليد بن جُميع ” أن تكون الرواية التي فيها أسماء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومن معهم: صحيحة؛ إذ لا وجود لها أصلًا، وإنما يلزم الأئمة قبول رواية مسلم التي فيها ذِكر الحادثة من طريق ” الوليد “، ولا نعلم أحداً من المشتغلين بالحديث يقدِّم ابن حزم على مَن ذكرنا مِن أئمة الشأن مِن أهل الحديث.
  2. وعليه : فثمة أمران:

الأول: الرواية الأصلية التي في صحيح مسلم من غير ذِكر أسماء أحد من المنافقين الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم: ضعيفة عند ابن حزم؛ لضعف الوليد بن جُميع عنده، وقد سبق أن ضعفه في حديث حذيفة وأبيه عندما عاهدوا المشركين على عدم قتالهم في ” بدر “، والحديث رواه مسلم أيضًا.

والثاني: الرواية التي فيها ذِكر أسماء من قام بتلك المحاولة، والتي فيها ذِكر أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وغيرهم: موضوعة، مكذوبة، عند ابن حزم! وقد دعا رحمه الله على من افتراها، وجزم بكذبها، وليست علة الرواية هذه وجود الوليد بن جميع، وإنما علتها وجود من كذبها وألصقها برواية الوليد، وقد جزم ابن حزم رحمه الله بأن الوليد لا يعلم من وَضعها، وهو الذي نجزم به.

  1. والعجيب عندنا هو أنه لا توجد رواية عند الرافضة في إثبات أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم حاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم في ” عقبة تبوك”، ولم يجدوا ما يتعلقوا به غير كلام ابن حزم رحمه الله، ولنكحل عيونهم بهذا النقل عنه لعلهم يكفوا عن الاستدلال بكلامه.

* قال – رحمه الله -:

وأما قولهم – أي: النصارى – في دعوى الروافض تبديل القرآن: فإن الروافض ليسوا من المسلمين! إنما هي فرَقة حدثَ أولُّها بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، وكان مبدؤها: إجابة ممن خذله الله تعالى لدعوة مَن كاد الإسلام، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب، والكفر، وهي طوائف، أشدهم غلوًّا: يقولون بإلهية علي بن أبي طالب، وإلهية جماعة معه، وأقلهم غلوًّا: يقولون إن الشمس رُدَّت على علي بن أبي طالب مرتين، فقومٌ هذا أقل مراتبهم في الكذب: أيُستشنع منهم كذب يأتون به؟!

وكل مَن لم يزجره عن الكذب ديانة، أو نزاهة نفس: أمكنه أن يكذب ما شاء، وكل دعوى بلا برهان: فليس يَستدل بها عاقل، سواء كانت له، أو عليه، ونحن إن شاء الله تعالى نأتي بالبرهان الواضح الفاضح لكذب الروافض فيما افتعلوه من ذلك.

” الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحَل ” ( 2 / 65 ) ط الخانجي، و ( 2 / 213 ) ط الجيل.

فسقط – بفضل الله – تعلق الرافضة المجوس بتلك الرواية غير الموجودة أصلًا، وتبين للناس أن ابن حزم رحمه الله يجزم بكذبها، فما نراه في مواقع الرافضة من تعلقهم بكلام ابن حزم رحمه الله قد تبين لهم وجهه، وأنه لا يفيدهم في إثبات دعواهم، والحمد لله رب العالمين.

ثالثًا:

وأما المحاولة الثالثة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، والتي نجحت بزعم الرافضة: فهي زعمهم أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما قد وضعتا السم في فم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه مات نتيجة لذلك! وأن ذلك الفعل منهما كان بتحريض أبويهما: أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما.

* وكان مما قاله ذلك الأفاك المبين:

” وهذه الروايات الموثقة في كتب الحديث عند أهل السنة تكشف أن هناك مؤامرة كبرى دبرها المخططون لقلب النظام الإسلامي، والسيطرة على دفة الحكم، وذلك لاغتيال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتجريعه سمًّا على أنه دواء للشرب! “. انتهى.

* وقال:

” والأرجح! أنَّ من نفذ هذه العملية هي عائشة وحفصة! زوجتا النبي صلى الله عليه وآله، وبتخطيط من عمر بن الخطاب، وأبي بكر، وأمرٍ منهما؛ حيث أن المستفيد الأكبر: هما، وهما اللذان تحققت أهدافهما، ومصالحهما بقتل النبي صلى الله عليه وآله “. انتهى.

* وهذا نص الرواية، وكلام العلماء فيها، وأوجه الرد على الرافضة في زعمهم الكاذب:

عن عَائِشَة قالت: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا ( لَا تَلُدُّونِي )، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ( أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي )، قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ).

رواه البخاري ( 6501 ) ومسلم ( 2213 ).

وعن أَبي بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ، فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ( مَا هَذَا؟ )، فَقُلْنَا: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا – وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ – وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ قَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ فِيكَ ذَاتَ الْجَنْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيَقْرَفُنِي بِهِ لَا يَبْقَيَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا الْتَدَّ إِلَّا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَعْنِي: الْعَبَّاسَ – ) قَالَ: فَلَقَدْ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ ، وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ لِعَزْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

رواه أحمد ( 45 / 460 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” (3339).

اللدود: هو الدواء الذي يُصب في أحد جانبي فم المريض، أو يُدخل فيه بأصبع وغيرها ويحنك به، وأما الوَجور: فهو إدخال الدواء في وسط الفم، والسَّعوط: إدخاله عن طريق الأنف.

وذات الجنب: ورمٌ حار يَعْرِضُ في نواحي الجَنب في الغشاء المستبطن للأضلاع

ويلزم ذاتَ الجنب الحقيقي خمسةُ أعراض، وهى: الحُمَّى، والسعال، والوجع الناخس، وضيق النَّفَس، والنبضُ المنشاري.

وهو من الأمراض الخطرة.

قال ذلك كله:

ابن القيم في مواضع من كتابه ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 81 – 83 ).

 

 

* ولنا مع هذه الروايتين وقفات:

  1. إن مَن نقل هذه الحادثة للعالَم هو عائشة رضي الله عنها! فكيف تنقل للناس قتلها لنبيها، وزوجها، وحبيبها، صلى اله عليه وسلم؟! وكذلك روت الحادثةَ أم سلمة، وأسماء بنت عُمَيس، رضي الله عنهما، وكل أولئك متهمات في دينهن عند الرافضة، ومشاركات في قتله صلى الله عليه وسلم! ومع ذلك قبلوا روايتهن للحديث!.
  2. كيف عرف الرافضة المجوس مكونات الدواء الذي وضعته عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم؟! .
  3. النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يوضع الدواء نفسه في فم كل من كان في الغرفة إلا العباس رضي الله عنه، فلماذا مات هو صلى الله عليه وسلم منه، ولم يموتوا هم؟!.
  4. لماذا لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمَّه العباس رضي الله عنه بما فعلوه من وضع السم في فمه صلى الله عليه وسلم؟! إذا قلتم أخبره: فأين الدليل على إخباره، وإن قلتم: لم يخبره: فكيف علمتم أنه سمٌّ وليس دواء، والعباس نفسه لم يعلم؟!.
  5. السم الذي وضعته اليهودية في الطعام الذي قُدِّم للنبي صلى الله عليه وسلم كُشف أمره من الله تعالى، وأخبرت الشاةُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنها مسمومة، فلماذا لم يحصل معه صلى الله عليه وسلم الأمر نفسه في السمّ! الذي وضعته عائشة في فمه؟!.
  6. لم يُعط الدواء للنبي صلى الله عليه وسلم من غير علَّة، بل أعطيه من مرضٍ ألمَّ به.
  7. لم يُعط النبي صلى الله عليه وسلم الدواء إلا بعد أن تشاور نساؤه رضي الله عنهن في ذلك الإعطاء.
  8. لا ننكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مات بأثر السم! لكن أي سم هذا؟ إنه السم الذي وضعته اليهودية للنبي صلى الله عليه وسلم في طعام دعته لأكله عندها، وقد لفظ صلى الله عليه وسلم اللقمة؛ لإخبار الله تعالى بوجود السم في الطعام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أيامه أنه يجد أثر تلك اللقمة على بدنه، ومن هنا قال من قال من سلف هذه الأمة إن الله تعالى جمع له بين النبوة والشهادة، والعجيب أن بعض الرافضة يُنكرون هذه الرواية، ويبرؤون اليهود من تلك الفعلة الدنيئة، مع تواتر الرواية، وصحة أسانيدها، ومع إخبار الله تعالى أن اليهود يقتلون النبيين، ومع ذلك برأتهم الرافضة! وغير خاف على مطلع سبب ذلك الدفاع عن اليهود من قبَل الرافضة، وما ذاك إلا لأن مؤسس هذا المذهب هو ” عبد الله بن سبأ ” اليهودي! فصار من الطبيعي أن يُبرَّأ اليهود مع صحة الرواية، وتلصق التهمة بأجلاء الصحابة مع عدم وجود مستند صحيح، ولا ضعيف!.
  9. من الواضح في الرواية أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يفهمن من نهي النبي صلى الله عليه وسلم بعدم لدِّه أنه نهي شرعي، بل فهموا أنه من كراهية المريض للدواء، وفهمهم هذا ليس بمستنكر في الظاهر، وقد صرَّحوا بهذا، وإن لم يكن لهم عذر عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأصل هو الاستجابة لأمره صلى الله عليه وسلم، قد أخطئوا في تشخيص دائه صلى الله عليه وسلم، لذا فقد ناولوه ما ليس بدوائه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أن به ” ذات الجنب”، فداووه بما يلائمها، ولم يكن به ذلك، كما هو ظاهر في سياق الخبر، كما ترى. ” فتح الباري ” ( 8 / 147، 148 ).

  1. وهل اقتص منهم صلى الله عليه وسلم، أم أراد تأديبهم؟ الظاهر أن ما فعله صلى الله عليه وسلم من إلزامهم بتناول ذلك اللدود أنه من باب التأديب، ومما يدل على أنه ليس من باب القصاص: أنه لم يلزمهم بالكمية نفسها التي وضعوها له.

* قال أبو جعفر الطحاوي – رحمه الله –

فإن قال قائل: فهل كان ما أمر أن يُفعل قصاصًا ممن أمر أن يفعل ذلك به مما فعلوه به؟ قيل له: قد يُحتمل أن يكون ذلك كان منه على العقوبة، والتأديب, حتى لا يَعُدن إلى مثله, ومما يدل على أن ذلك ليس على القصاص: أنه لم يَأمر أن يُلدُّوا بمقدار ما لَدُّوه به من الدواء؛ لأنه لو كان قصاصًا: لأمر أن يُلدوا بمقدار ما لَدوه به، لا بأكثر منه. ” شرح مشكل الآثار ” ( 5 / 198 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم؛ لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديبًا، لا قصاصًا، ولا انتقامًا. ” فتح الباري ” ( 8 / 147 ).

  1. الاشتباه بنوع مرضه صلى الله عليه وسلم: محتمل؛ لأن كلاًّ منهما – أي: ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من مرض، وما ظنوه – له الاسم نفسه، فكلاهما يُطلق عليه ” ذات الجنب “، وكلاهما له مكان الألم نفسه، وهو ” الجنب “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وذاتُ الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي، وغيرُ حقيقي، فالحقيقي: ورمٌ حار يَعْرِضُ في نواحي الجَنب، في الغشاء المستبطن للأضلاع، وغير الحقيقي: ألم يُشبهه يَعْرِضُ في نواحي الجنبِ، عن رياح غليظة، مؤذيةٍ، تحتقِن بين الصِّفاقات – وهي الأغشية التي تغلف أعضاء البطن -، فتُحْدِث وجعًا قريبًا من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجعَ فى هذا القسم ممدودٌ، وفي الحقيق ناخسٌ.

 

 

* وقال:

والعلاج الموجود في الحديث: ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإنَّ القُسْطَ البحري – وهو العود الهندي على ما جاء مفسَّرًا في أحاديث أُخَر – صِنفٌ من القُسْط، إذا دُقَّ دقاً ناعمًا، وخُلِط بالزيت المسخن ، ودُلِكَ به مكانُ الريح المذكور، أو لُعِق: كان دواءً موافقًا لذلك، نافعًا له، محلِّلاً لمادته، مُذْهِبا لها، مقويًّا للأعضاء الباطنة، مفتِّحًا للسُّدد، والعودُ المذكور في منافعه كذلك.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 81 ، 82 ).

فهنَّ رضي الله عنهن اعتقدن أن مرضه صلى الله عليه وسلم هو الأول الحقيقي، وهو الذي استبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتليه الله به، وقد ناولوه دواء المرض الآخر، وكان الدواء هو ” القُسط الهندي ” وقد دقوه وخلطوه بزيت – كما في رواية الطبراني -، وهو مفيد لمن تناوله حتى لو لم يكن به مرض، لذا فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم كل من شارك في إعطائه له، ومن رضي به: أمر أن يلد به! ولو كان فيه ضرر لم يكن ليأمر بذلك صلى الله عليه وسلم.

  1. ليس في الروايتين – ولا في غيرها – ذِكرٌ لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وإنما الذي تشاور في الأمر هم نساؤه رضي الله عنهن، ولا فيهما أن عائشة وحفصة استشارتا أبويهما في ذلك التصرف.

 

وبما سبق يتبين – بفضل الله وتوفيقه – عدم ثبوت أيٍّ من مزاعم ذلك الرافضي، ومثله ما زعمه من سمِّي ” نجاح الطائي ” في كتابه الهالك ” هل اغتيل النبي محمَّد “، وإنه كلما رددنا على الرافضة شبهة من شبهاتهم: تبن لهم ضحالة تفكيرهم، وسوء معتقدهم، كما تبين لنا قوة أهل السنَّة في حجتهم، وصحة أدلتهم، واستدلالاتهم ، وهي نعمة عظيمة منَّ الله بها أن أخرجنا من الظلمات إلى النور، وأن رزقنا منهجاً سليمًا، وطريقًا مستقيمًا، وأبان لنا المحجة، وأنار لنا الدرب، فلا يزيغ عن الطريق بعد ذلك إلا هالك.

 

والله أعلم.

 

 

تستمع مع زوجها آيات من القرآن فإذا جاء ذكر الحور العين تغلق المسجل! فهل تأثم؟

تستمع مع زوجها آيات من القرآن فإذا جاء ذكر الحور العين تغلق المسجل! فهل تأثم؟

السؤال:

عندما أستمع إلى القرآن بمعية زوجي وتأتي آيات وصف الحور العين: يقوم بعمل بعض الحركات، التي تجعلني أشعر بالغيرة، فهل يجوز أن أوقف القراءة؟ وهل أنا آثمة بذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب استماع القرآن من غيره .

عَن ابن مَسعودٍ رضي اللَّه عنه قالَ: قال لي النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ( اقْرَأْ علَيَّ القُرآنَ ) قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟، قالَ: ( إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ) فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية: ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيدا ) النساء/ 40: قال: ( حَسْبُكَ الآن ) فَالْتَفَتَّ إِليْهِ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ. رواه البخاري ( 4763 ) ومسلم ( 800 ).

وعلى ذلك لا ينبغي للمرأة أن تمتنع من هذه الحسنة – وهي استماع القرآن – لهذه السبب بل يجب عليها أن تضبط غيرتها؛ والغيرة أمر مغروس في فطرة النساء، لكنها ليست غيرة من الحور العين! فدخول زوجها الجنة، وتمتعه بالحور العين لن تكون معه في حسرة؛ إذ ليس مثل هذا في الجنة، بل المسلمات من أهل الجنة خير من الحور العين، ولا ينبغي للمرأة أن تقيس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، فما يكون منها تجاه ضراتها: لن يكون مثله في الآخرة تجاه الحور العين، فهي في نعيم عظيم، مقيم، ليس فيه ما ينغص عليها، ولا ما يؤلمها، وعلى المرأة المسلمة أن يكون همها دخول الجنة، والفوز برضوان ربها تعالى.

ثم إن الآيات التي في القرآن مما وصف الله فيها الحور العين: قليلة جدًّا، فلا ينبغي للزوج أن يفعل ما يغيظ زوجته عند سماع تلك الآيات، ولا ينبغي للزوجة أن تدقق على هذا، وتقف عنده، ولو صنع زوجها ما صنع، ويمكنها قهر شيطانها، وشيطانه، بقولها: ” أسأل الله أن يرضى عنك، وأن يدخلك الجنة، وأن يقرَّ عينك بالشهادة لتنال سبعين من الحور العين “! فتخيلي للحظة لو أن هذا الموقف هو الذي صدر منك، بدلًا من إغلاق المسجل الذي يُتلى منه القرآن: فكم سيكون مؤثرًا في ، وكم سيكون مخزيًا للشياطين التي تجتهد في التفريق بينكما لمثل هذا.

 

ثم إن الله تعالى أنزل القرآن لحكم كثيرة، ومنها: التذكر، والتفكر، والاعتبار، والهداية، فأين أنتما عن هذا كله مع هذه الأفعال؟!.

 

فالنصيحة للأخت السائلة أن لا توقف القراءة لهذا السبب – ولا نقول بأنها آثمة لو فعلت -، وأن تضبط غيرتها، والنصيحة للزوج أن يتقي الله ويحسن صحبة زوجته، وأن لا يستعمل القرآن في الكيد، والقهر.

 

ونسأل الله أن يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يؤلف بين قلوبكم.

 

والله أعلم.

 

يعمل شرطيًّا في شرطة بريطانيا فهل له الجمع بين الصلوات أحيانًا؟

يعمل شرطيًّا في شرطة بريطانيا فهل له الجمع بين الصلوات أحيانًا؟

السؤال:

أعمل في  الشرطة في ” بريطانيا “، وسؤالي يتعلق بأداء الصلاة أثناء أداء العمل، ففي بعض الأحيان أكون في مهمة القبض على شخص ما، ويصادف ذلك وقت صلاة العصر – على سبيل المثال – وقس على ذلك بقية الصلوات، فما العمل في مثل هذه الحالات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولَا:

لا بد أن يعلم السائل أن عمله في الشرطة في تلك البلاد لا بد أن يقيد جوازه بشرط عدم الوقوع في محذور مخالف للشريعة، وفي مثل تلك البلاد غير الإسلامية يكون للشرطي أعمال كثيرة قد يكون في كثير منها مخالفة للشرع، كاعتقال أهل الإسلام لمجرد دينهم، أو تنفيذ القوانين الجائرة المتعلقة بالأسرة، وغيرها، أو حماية أهل الكفر، والفجور، في منتدياتهم، ومحالهم.

وليس هذا الحكم خاصًّا بالعمل في تلك البلاد، وفي تلك الوظيفة، بل هو عامّ في البلاد كلها، وفي جميع الوظائف.

واعلم أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، وقال الله تعالى: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2، 3.

ثانيًا:

جعل الله للصلاة وقتًا محددّا، كما قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) النساء/ 103، ولا شك أن من أحب الأعمال إلى الله: المحافظة على الصلاة في وقتها، كما جاء في الحديث عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود  قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ( الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا ) قَالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: ( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ )، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).

رواه البخاري ( 504 ) ومسلم ( 85 ).

وتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها من كبائر الذنوب, ومن العلماء من قال بكفره، وعلى ذلك: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العمل، إذا كانت طبيعة العمل تتطلب دائمًا التأخر عن الصلاة.

 

ثالثًا:

يجوز الجمع بين الصلاتين – الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء – لبعض الأعمال الضرورية، والتي يترتب على تأخيرها مفسدة، كالطبيب حال أداء عملية جراحية – مثلًا -.

* قال علماء ” اللجنة الدائمة “:

على الطبيب المتخصص في إجراء العمليات : أن يراعي في إجرائها الوقت الذي لا يفوت به أداء الصلاة في وقتها، ويجوز في حال الضرورة: الجمع بين الصلاتين، جمع تقديم، أو تأخير، كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، حسبما تدعو إليه الضرورة، أما إذا كانت لا تجمع إلى ما بعدها، كالعصر، والفجر: فإن أمكن أداؤها في وقتها ولو كان عن طريق النوبة لبعض العاملين، ثم يصلي الآخرون بعدهم: فذلك حسن، وإن لم يمكن ذلك: فلا حرج في تأخير الصلاة، وقضائها بعد انتهاء العملية ؛ للضرورة، وهي تقدر بقدرها. الشيخ عبد الله آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 301 ).

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

ويقاس على ذلك: بعض الأعمال التي يترتب على تأخيرها مفسدة, وعليه: فينظر في عذر السائل, فإن كان يترتب على هذه المهمة مفسدة، كهروب المطلوب مثلا: فيجوز الجمع، مع بيان أن الضرورة تقدر بقدرها.

 

والنصيحة للسائل أن يجتهد في أن تكون أعماله موافقة للشرع، لا مخالفة له، ويجتهد في المحافظة على الصلوات على وقتها.

 

والله أعلم.

 

 

سقطت أمها من مكان عالٍ فماتت، فهل لها أجر الشهداء؟

سقطت أمها من مكان عالٍ فماتت، فهل لها أجر الشهداء؟

السؤال:

أمي كانت ربة منزل، أفنت حياتها في بيتها، وخدمتنا، وبينما كانت تركّب حبلًا للغسيل، أو منشرًا في البلكونة بالدور الرابع: سقطت منها؛ لأنها وقفت على كرسي بجانب السور،  وماتت ، وسؤالي هو: هل تعتبر أمي في إحدى درجات الشهداء؟. شكرًا، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

نسأل الله تعالى أن يرحم أمكِ رحمة واسعة، وأن يثيبها ثوابَا جزيلَا، وأن يغفر لها ذنبها كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، أوله وآخره، سره وعلانيته.

وأما بخصوص تحصيل الميت لأجر الشهداء في الآخرة إن مات في غير المعركة: فقد جاءت نصوص نبوية صريحة تبين سعة فضل الله تعالى في كتابة أجر الشهادة لأولئك، ويمكن حصرهم بما يلي:

  1. الموت بداء البطن.
  2. الموت بسبب الهدم، ويدخل فيه حوادث السيارات.
  3. الموت غرقًا.
  4. موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، أو وهي حامل به.
  5. الموت حرقًا.
  6. الموت بمرض ” ذات الجنب “، وهو كُلّ وجع في الجنب، اشتقاقًا من مكان الألم.
  7. الموت بمرض السلّ.
  8. الموت بالطاعون.
  9. الموت دفاعاً عن الدين، أو المال، أو النفس.

* قال الحافظ ابن – رحمه الله -:

قال ابن التين رحمه الله: ” هذه كلها ميتات فيها شدة، تفضل اللّه على أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبَلِّغهم بها مراتب الشهداء “.  ” فتح الباري ” ( 8 / 438 ).

وكما ترين فليس في السنَّة المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم ما يبيِّن أن أجر من مات من مكان عالٍ أن له أجر الشهيد، إلا أن تكون والدتك لم تمت جراء السقطة، بل من أجل نزيف داخلي في البطن، فيرجى أن يكون لها أجر الشهادة الأخرى بسبب ذلك.

وقد جاء عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود من قوله ما يجعل المتردي من مكانٍ عالٍ شهيدًا، فهذا إما أن يكون له حكم الرفع، أو يستأنس به.

روى عبد الرزاق الصنعاني في ” مصنفه ” ( 5 / 269 ) والطبراني في ” معجمه الكبير ” ( 9/  ص 345 ) عن ابن مسعود قال: إن من يتردى من رؤوس الجبال، وتأكله السباع، ويغرق في البحر: لشهيد عند الله.

وصححه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 6 / 44 ).

واعلمي أن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، والأم بما تبذله من عطاء لزوجها، وأولادها، وبيتها، يكون لها الأجور العظيمة، والتي نرجو أن يجزي اله تعالى بها والدتك خير الجزاء.

ونوصي أولادها وزوجها بقضاء ديونها المادية، والصيام عنها إن كان في ذمتها أيام واجبة لم تصمها، كما نوصيهم بالحج عنها إن لم تكن حجت، مع الإكثار من الدعاء لها بالرحمة، والمغفرة، وعظيم الأجر.

 

والله أعلم.

 

ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول ” أخي ” و ” سيدي”؟

ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول ” أخي ” و ” سيدي”؟

السؤال:

نحن طلاب ندرس في جامعة في أمريكا, ونعمل برامج دعوية لغير المسلمين للدعوة إلى الله، بعض الأحيان نستعمل بعض الطرق التي لا ندري عن صحتها مثل: ” البرامج المختلطة بين الرجال والنساء ” بحكم العادات، والتقاليد هنا في أمريكا، وبعض الأحيان نستعمل ألفاظ مثل ” سيدي “، أو ” صديقي “، أو ” أخي “، وكلمة ” أخي ” تعتبر دارجة بين أوساط الشباب.

أفتونا – مأجورين – في حكمها، ونرجو أن ترشدونا في كيفية التعامل مع غير المسلمين. جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظة: اعذرونا إذا كان الأسلوب غير واضح.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الدراسة المختلطة بين الرجال والنساء فيها مفاسد جمَّة، ولها آثار سيئة على كلا الجنسين، فإذا كانت هذه الدراسة المختلطة في بلد غير محافظ: ازداد الأمر سوءً، وعظمت المفاسد.

 

ثانًيا:

وفي الوقت الذي ننكر الدراسات المختلطة، وفي مثل تلك الدول غير المسلمة: نشجع الطلبة على الالتزام ببرامج إيمانية فيها تزكية لنفوسهم؛ تعويضًا عما ينقص بالمشاهدات المحرَّمة، التي تضعف الإيمان، ونشجع على الالتزام ببرامج دعوية؛ استثمارًا لوجودهم في بلدان غير مسلمة، لدعوة أهلها إلى الإسلام، في فرصٍ قد لا تتكرر.

فنرجو الله أن يوفقكم في مسعاكم ، ونسأله أن يعظم لكم الأجور ، ومن الجيد أن يكون لكم اتصال مع أهل العلم ، ومواقع الفتوى ، للسؤال عما يشكل عليكم، وتجدون في موقعنا أجوبة كثيرة لمسائل متعددة ، تهمكم ، وتتعلق بشؤونكم .

 

ثالثًا:

ونحن يفرحنا وجود ترتيب لجهودكم في الدعوة إلى الله، وتنظيم لعملكم ذاك، ونرى أن الدعوة إلى الله في مثل تلك البلاد تحتاج لعقلاء، وحكماء، ومبدعين، لإيصال رسالة الإسلام لأكبر قدر ممكن من المدرسين، والطلبة، مع التنبيه أن يحاط ذلك كله بالالتزام بأحكام الشرع، والتي تحكم على أقوال، وأفعال الدعاة.

وجوابًا على أسئلتكم تحديدًا نقول:

  1. لا يجوز لكم عمل برامج دعوية فيها اختلاط نساء برجال، ونرى أن التزامكم بالشرع في هذا الباب واجب عليكم؛ استجابة لأوامر الشرع في تحريم الاختلاط، ودفعًا للفتن المترتبة على ذلك، وهذا في حال أن تكونوا أنتم من يقيم ذلك المعرض، أو البرنامج، وأما أن يكون قائمًا من قبَل البلدة، أو الجامعة، ويكون منكم استثمار له، بوجود زاوية تعرضون فيها مواد سمعية، ومرئية، ونصية، عن الإسلام: فلا نرى في ذلك بأسًا، بشرط أن يكون القائم على تلك الزاوية مجموعة من الشباب، وليس فردًا واحدًا، وأن يكون عنده من العلم الشرعي والحكمة ما يجعله مؤهلًا للقيام بذلك العمل.
  2. لا يجوز لكم استعمال الألفاظ الشرعية الخاصة بالمسلمين، كلفظ ” أخي “، ولا الألفاظ التي فيها إظهار المودة المنهي عن وجودها عند المسلم تجاه غير المسلم، كلفظ ” صديقي “، ولا الألفاظ التي نهينا عن مخاطبة الكفار بها، كلفظ ” سيِّد “.

وقد رأينا من ينكر مثل هذه الأحكام، ويتعجب من تشريعها، ومن جهل أحكام الشرع وحكَمه لا يُتعجب منه ذلك الإنكار، والإسلام لا يطلب العبوسة في وجه أولئك الكفار، ولا مخاطبتهم بأبشع أسلوب، وأفظ طريقة، فهو ينهى عن موادتهم، ويجيز برهم ومعاملتهم بالحسنى، ويمنع من ابتدائهم بالسلام، ويجيز غيرها من تحيات اللقاء، وهكذا نقول هنا، فإذا رأينا العلماء يمنعون من مناداة الكفار بألفاظ ” الأخوة “، و ” الصداقة ” ، و ” السيادة “: فهم لا يمنعون من مناداتهم بأسمائهم، أو كناهم، ولا يمنعون من ألفاظ مباحة في مخاطبتهم، كـ ” زميل “، أو ” جار “، أو ” قريب “.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن حكم قول: ” أخي ” لغير المسلم؟ وكذلك قول: ” صديق ” و ” رفيق “؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة؟.

فأجاب:

أما قول: ” يا أخي ” لغير المسلم: فهذا حرام، ولا يجوز، إلا أن يكون أخًا له من النسب، أو الرضاع؛ وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع: لم يبق إلا أخوَّة الدين، والكافر ليس أخاً للمؤمن في دينه، وتذكر قول نبي الله تعالى نوح: ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ).

وأما قول: “صديق “، ” رفيق “، ونحوهما: فإذا كانت كلمة عابرة يقصد بها نداء من جهل اسمه منهم: فهذا لا بأس به، وإن قصد بها معناها توددًا وتقربًّا منهم: فقد قال الله تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ )، فكل كلمات التلطف التي يقصد بها الموادة : لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحدًا من الكفار.

وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بيننا وبينهم: لا يجوز، كما علمت من الآية الكريمة  ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 42، 43 ).

– كما أنه في جواز معاملة الكفار بالرفق، واللين؛ طمعا في إسلامهم.

  1. وأما النهي عن قول ” سيد “، أو ” سيدي ” لأحدٍ من الكفار: فقد جاء ذلك في نص صحيح.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ ).

رواه أبو داود ( 4977 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وإذا كان هذا الحكم في المنافق الذي يُظهر الإسلام: فهو في الكافر من باب أولى، وقد جعل الإمام النووي – وغيره – هذا الحكم  شاملًا للفاسق، والظالم، والمبتدع ، فقد بوَّب في كتابه ” رياض الصالحين “، فقال: ” باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما ب” سيِّد “، ونحوه “، واستدل على هذا التبويب بحديث بريدة.

* وقال – رحمه الله -:

لا بأس بإطلاق فلان سيِّد، ويا سيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلًا، خيِّرًا، إما بعلْم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقًا، أو متهمًّا في دينه، أو نحو ذلك: كُره له أن يقال ” سيِّد “.

وقد روينا عن الإمام أبي سليمان الخطابي في ” معالم السنن ” في الجمع بينهما نحو ذلك. ” الأذكار ” ( ص 362 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله – تحت فصل خطاب الكتابي بسيدي ومولاي ” -:

وأما أن يُخاطب بـ ” سيدنا “، و ” مولانا “، ونحو ذلك: فحرام قطعًا، وفي الحديث المرفوع ( لا تقولوا للمنافق سيدنا فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم ).

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1322 ).

* وقال الشيخ حمود التويجري – رحمه الله -:

ولا يجوز وصف أعداء الله تعالى بصفات الإجلال والتعظيم كالسيد، والعبقري، والسامي ونحو ذلك، لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن بريدة رضي الله عنه ….

وقد قلَّت المبالاة بشأن هذا الحديث الشريف، حتى صار إطلاق اسم ” السيد ” ونحوه على كبراء الكفار، والمنافقين، مألوفَا عند كثير من المسلمين في هذه الأزمان، ومثل السيد ” المستر ” باللغة الإفرنجية، وأشد الناس مخالفة لهذا الحديث: أهل الإذاعات؛ لأنهم يجعلون كل مَن يستمع إلى إذاعاتهم من أصناف الكفار، والمنافقين، سادة، وسواء عندهم في ذلك الكبير، والصغير، والشريف، والوضيع، والذكر، والأنثى، بل الإناث هن المقدمات عندهم في المخاطبة بالسيادة، وفي الكثير من الأمور خلافًا لما شرعه الله من تأخيرهن.

وبعض أهل الأمصار يسمُّون جميع نسائهم: ” سيدات “، وسواء عندهم في ذلك المسلمة، والكافرة، والمنافقة، والصالحة، والطالحة.

ويلي أهل الإذاعات في شدة المخالفة لحديث بريدة رضي الله عنه: أهل الجرائد، والمجلات، وما شابهها من الكتب العصرية؛ لأنهم لا يرون بموالاة أعداء الله، وموادتهم، وتعظيمهم: بأسًا، ولا يرون للحب في الله، والبغض في الله، والموالاة فيه، والمعاداة فيه: قدرًا، وشأنًا. ” تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران ” ( ص 20 ، 21 ) ترقيم الشاملة.

فاحذروا من مخالفة الشرع في إطلاق الألفاظ التي هي مختصة بأهل الإسلام، أو فيما فيه إظهار الحب والود لهم، وفيما فيه تعظيم لهم، ويباح لكم غير ذلك مما لا مخالفة للشرع فيه، كأن يُذكر اسمه، أو كنيته، أو بوصف ” الجوار ” – وإليه الإشارة في قوله تعالى ( وَالْجَارِ الْجُنُبِ ) النساء/ من الآية 36 -، أو ” القرابة ” – كما في قوله صلى الله عليه ويلم لعمِّه أبي طالب ” يَا عَمُّ ” -، أو ” المسمَّى الوظيفي ” – كقولكم ” رئيس الجامعة “، أو ” عميد الكلية “، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم هرقل بـ ” عظيم الروم ” -، وغيرها من الأوصاف المباح مناداته بها.

 

رابعًا:

ونختم بهذه الفائدة:

أن مسائل أسماء الكفار، ولباسهم، ومراكبهم، وتغييرها، أو تمييزها عن المسلمين، مما يوجد في زمان المسلمين السالف، وفيما يُذكر في كتب الفقه: ليس يُعمل به على كل حال، وفي كل بيئة، بل هو راجع للمصلحة والمفسدة، والقوة والضعف، فنرجو مراعاة ذلك ممن يتشدد في هذه المسائل، ممن يطعن فيها ويميعها.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومَن تأمَّل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق: تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلِم أن كثيرًا مِن هذه الأحكام التي ذكرناها – من الغيار، وغيره – تختلف باختلاف الزمان، والمكان، والعجز، والقدرة، والمصلحة، والمفسدة.

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1321 ).

 

والله أعلم.

تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع

تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع

السؤال:

ما حكم هجاء المشركين والفسَّاق؟.

أرجو التفصيل، فقد أعجبني تفصيلكم في سؤال عن حكم الرثاء في الإسلام، فقد كانت إجابة شافية، ومؤصلة، ومعزوة؟ وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الهجاء ” ضد ” المدح “، وقد اتفق الفقهاء على أن الأصل في عرض المسلم أنه مصون، وأنه لا يجوز هجوه من غير أن يكون مستحقًّا لذلك.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 159 ، 160 ):

وقد استدل الفقهاء على عدم جواز هجو المسلم بقول الله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) الأحزاب/ 58، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الحجرات/ 11، وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) – متفق عليه – ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ بِاللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءِ ) – رواه الترمذي، وصححه الألباني -. انتهى.

 

ثانيًا:

ذهب الشافعية إلى جواز هجو المبتدع، والمعلن بفسقه، وذهب الحنفية إلى جواز هجو المنافق.

* قال الشربيني الشافعي – رحمه الله -:

ومثله في جواز الهجو: المبتدع، كما ذكره الغزالي في ” الإحياء “، والفاسق المعلِن، كما قاله العمراني، وبحَثه الإسنوي. ” مغني المحتاج ” ( 4 / 430 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 159 ):

ذهب الفقهاء إلى عدم جواز هجو المسلم، واستثنى الشافعية المبتدع، والفاسق المعلِن بفسقه، فيجوز هجوهم، وعند الحنفية: يجوز هجو المسلم المنافق. انتهى.

وكلما ازداد قبح البدعة، وبُعدها عن الصراط المستقيم: تحتم على أهل السنَّة كشف عوارها، وتبيين ضلالها، وهو من الجهاد في سبيل الله باللسان.

 

* قال ابن القيم – رحمه الله – في بيان شرِّ بدعة التعطيل، والتأويل، وذم أهليهما -:

فكشْف عورات هؤلاء، وبيان فضائحهم، وفساد قواعدهم: مِن أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: ( إِنَّ رُوحَ القُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ )، وقال: ( أُهْجُهُم – أَوْ هَاجِهِم – وَجِبْرِيلُ معك )، وقال: ( اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ مَا دَامَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِكَ )، وقال عن هجائه لهم: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ فِيهم من النَّبْل )، وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله: وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمة الإسلام الذين لهم في الأمَّة لسان صدق: يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص، وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول، ودينه، وأهل النفاق، والإلحاد ؛ لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك ، ومحال، وكفر، وضلال، وتشبيه، وتمثيل، أو تخييل، ثم صرْفها إلى معانٍ يعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي، والألغاز، لا يصدر ممن قصْدُه نصح، وبيان، فالمدافعة عن كلام الله ظن ورسوله، والذب عنه : من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وأنفعها للعبد. ” الصواعق المرسلة ” ( 1 / 301 ، 302 ).

ثالثًا:

وأما الكافر، والمشرك، والمرتد: فظاهر النصوص تدل على جواز هجائهم، بل قد دلَّت سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك من الجهاد.

عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ).  رواه أبو داود ( 2504 ) والنسائي ( 3069 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عيب ديننا، وشتم نبيِّنا: مجاهدة لنا، ومحاربة، فكان نقضاً للعهد ، كالمجاهدة، والمحاربة بالأَوْلى.

يبين ذلك: أن الله سبحانه قال في كتابه: ( وَجَاهِدُوا بِأَمْوالِكم وَأَنْفِسكم فِي سَبيلِ الله ) التوبة/ 41، والجهاد بالنفس: يكون باللسان، كما يكون باليد، بل قد يكون أقوى منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( جَاهِدُوا المُشْرِكين بِأَيْدِيكُم وَأَلْسِنَتِكُم وَأَمْوالِكُم ) رواه النسائي وغيره، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: ( أهْجُهُم وَهَاجِهِم)، ( وكان يُنصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره، وهجائه للمشركين ) – رواه البخاري تعليقا، ورواه أبو داود والترمذي متصلًا، وحسنه الألباني -، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوح القُدُس ) – متفق عليه -، وقال: ( إِنَّ جِبرائيلَ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) – وهو الحديث قبل السابق -، وقال: ( هِيَ أَنْكَى فِيهُم مِن النَّبْل ) رواه مسلم.

” الصارم المسلول ” ( 1 / 213 ).

كما يظهر أن ذلك يكون مقيَّدًا بما إن كان ردًّا على هجاء أولئك الكفار للإسلام، أو لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وقد دلَّ النص القرآني على عدم جواز ابتدائهم بالسب، والهجاء؛ خشية من تعرضهم لله تعالى، أو لدينه، أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، بالسب والشتم، فقال الله تعالى: ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام/ 108.

ومما يدل على جواز هجاء الكفار والمشركين ردًّا عليهم: ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ حسان بن ثابت بأن يهجو المشركين، ردًّا على طعنهم، وأخبره صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام ينصره.

عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ: ( اهْجُهُمْ – أَوْ قَالَ: هَاجِهِمْ – وَجِبْرِيلُ مَعَكَ ). رواه البخاري ( 5801 ) ومسلم ( 2486 ).

* قال العيني – رحمه الله -:

قوله ( اهجهم ): أمرٌ مِن هجا، يهجو، هجوًا، وهو نقيض المدح.

قوله ( أو هاجهم ): شك من الراوي، من المهاجاة، ومعناه: جازهم بهجوهم.

قوله ( وجبريل معك ): يعني: يؤيدك، ويعينك عليه.

” عمدة القاري ” ( 15 / 134 ).

* وفي ” مغني المحتاج ” ( 4 / 430 ):

محل تحريم الهجاء إذا كان لمسلم فإن كان لكافر أي غير معصوم جاز كما صرح به الروياني وغيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر حسَّان بهجو الكفار، بل صرح الشيخ أبو حامد بأنه مندوب.

وظاهر كلامهم جواز هجو الكافر غير المحترم المعين، وعليه: فيفارق عدم جواز لعنه ؛ فإن اللعن: الإبعاد من الخير، ولاعِنه لا يتحقق بعده منه، فقد يختم له بخير بخلاف الهجو. انتهى.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 160 ):

ذهب الفقهاء إلى جواز هجو الكافر غير المعصوم، وكذا المرتد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حسان بن ثابت رضي الله عنه بهجو الكفار. انتهى.

وفي ذِكر جبريل عليه السلام في الحديث دون غيره من الملائكة حكمة بالغة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وإنما خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، وهو روح القدس، بنصرة من نصره، ونافح عنه؛ لأن جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وَهُوَ يتولى نصر رسله، وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط، وفرعون، في البحر .

فمَن نصر رسول الله، وذب عنه أعداءه، ونافح عنه: كان جبريل معه، ومؤيِّدًا له، كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) التحريم/ 4 ]. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 509 ).

وبالتأمل في سبب ورود الحديث: يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين ردًّا على طعنهم، لا أن ذلك كان ابتداءً.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي الحديث : جواز سب المشرك، جوابًا عن سبه للمسلمين, ولا يعارض ذلك مطلق النهي عن سب المشركين لئلا يسبوا المسلمين: لأنه محمول على البداءة به, لا على من أجاب منتصرًا.  ” فتح الباري ” ( 10 / 547 ).

وفي ” حاشية السندي على صحيح البخاري ” ( 4 / 141 ):

وقوله: ( بِرُوحِ القُدُس ) هو جبريل، في ذلك إشارة إلى أن هجو الكفار من أفضل الأعمال، ومحله: إذا كان جوابًا، كما هنا، وإلا فهو منهي عنه لآية: ( وَلاَ تَسُبُّوا الذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دِونِ اللهِ ).  انتهى.

فالخلاصة:

  1. تحريم هجاء المسلم من حيث الأصل.
  2. جواز هجاء الكافر، والمشرك، والمرتد.
  3. مراعاة أن يكون هجاء الكافر ردًّا عليه، لا ابتداء من المسلم.
  4. أن يكون الناظم للهجاء على قدر من البلاغة والفصاحة؛ لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت دون غيره، ولما قد يسببه نظم الجاهل والضعيف من سخرية الشعراء والفصحاء.
  5. جواز ابتداء المبتدع، والمعلِن بفسقه، بالهجاء.
  6. مراعاة عدم الشطط في الهجاء، وعدم التعدي على العرض، وعدم القذف.
  7. من هجا مسلمًا بغير حق: فإنه يستحق التعزير.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 162 ):

للإمام أن يعزِّر مَن يهجو الناس بغير حق؛ وذلك لأن هذا النوع من الهجاء محرم، وفعله معصية، وكل معصية ليس فيها حد: وجب فيها التعزير. انتهى.

 

والله أعلم.

هل معنى حديث ( شقي أو سعيد ) الشقاء والسعادة في الدنيا؟

هل معنى حديث ( شقي أو سعيد ) الشقاء والسعادة في الدنيا؟

السؤال:

أولًا: والله إننا نحبك في الله يا شيخنا العزيز.

ثانيًا: كنت أنا وبعض الإخوة في الله نناقش مغزى حديث رسولنا الكريم الذي رواه عبد الله بن مسعود وخلصنا إلى بعض الأسئلة التي نعرضها بين يدي فضيلتكم للإجابة عليها ، بما فتح الله عليكم.

عن عبد الله بن مسعود قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ( إن أحدكم ليُجمع خلْقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) متفق عليه، صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

من المعلوم أننا كمسلمين يجب أن نؤمن بلب هذا الحديث إيماناً راسخا، ولكن وردت الأسئلة التالية أثناء النقاش، ولقلة زادنا الشرعي: رغبنا أن نستزيد من علمكم، حفظكم الله:

  1. هل السعادة والشقاء من منظور شرعي – التي وردت في الحديث – هما نفس السعادة والشقاء من منظور حسي – أي: التي نعيشهما، ونحسهما في هذه الدنيا الفانية؟.
  2. هل يمكن للإنسان أن يعرف مع أيِّ الفريقين هو؟ هل هناك علامات نستدل بها؟.
  3. في واقعنا الإنساني نجد بعض القصور في التسليم بذلك – أي: بما ورد في الحديث – فهل هذا يعتبر قصورًا في الدين، أو التقوى؟.
  4. بسبب طبيعتنا الإنسانية نتذمر في العادة عندما يتلبسنا الإحساس بالتعاسة، هل ذلك يعتبر إنكارًا لقدَر الله؟.
  5. عندما تغمرنا السعادة من كل جانب، وتنبسط لنا الدنيا: قلَّ أن ننسب ذلك لقدر الله، ولكن نحاول الإيحاء أن ذلك بجهدنا، وعلو همتنا، هل هذا يعتبر نقضًا، أو إنكارًا لقدر الله؟.

نسأل الله أن لا يحرمكم الأجر، وأن ينفع الإسلام والمسلمين بجهودكم، وعلمكم.

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لفظا ” السعادة ” و ” الشقاء ” الواردان في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليسا هما ما نحسه في الدنيا من ” سعادة “، وما يصيبنا فيها من ” شقاء “، بل هما ” الإسلام ” و ” الكفر “، وهما الطريقان إلى ” الجنة ” و ” النار “، والمقصود بالحديث: ما يختم للإنسان بأحد الأمرين في الدنيا، فمن ختم له بخير فهو سعيد، وهو من أهل السعادة، وجزاؤه الجنة، ومن خُتم له بشرٍّ فهو شقي، وهو من أهل الشقاء، ومصيره النار – والعياذ بالله -.

* وقد جاء هذا اللفظان في الكتاب والسنَّة بذات المعنى الذي قلناه:

أ. ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) هود/ 105 – 108.

ب. عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ) قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: ( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ )، ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ). رواه البخاري ( 4666 ) ومسلم ( 2647 ).

– ( المِخصرة ): ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه من عصا، أو عَنَزة.

ج. وفي رسالة العقائد لابن أبي زيد القيرواني ( ص 6 ):

يُضل مَن يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَن يشاء فيوفقه بفضله، فكلٌّ ميسَّر بتيسيره إلى ما سبق مِن علمه، وقدَره، مِن شقيٍّ، أو سعيد. انتهى.

* قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد تكاثرت النُّصوص بذكرِ الكتابِ السابقِ، بالسَّعادة والشقاوة، ففي ” الصحيحين ” عن عليِّ بن أبي طالب – وذكر الحديث -.

ففي هذا الحديث: أنَّ السعادة، والشقاوة: قد سبقَ الكتابُ بهما، وأنَّ ذلك مُقدَّرٌ بحسب الأعمال، وأنَّ كلاًّ ميسر لما خُلق له من الأعمال التي هي سببٌ للسعادة، أو الشقاوة.

وفي ” الصحيحين ” عن عمرانَ بن حُصينٍ، قال: قال رجل  يا رسول الله، أيُعرَفُ أهلُ الجَنَّةِ مِنْ أهلِ النَّار ؟ قالَ: ( نَعَمْ )، قالَ: فَلِمَ يعملُ العاملونَ؟ قال: ( كلٌّ يعملُ لما خُلِقَ له، أو لما ييسر له ).

وقد روي هذا المعنى عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ كثيرةٍ، وحديث ابن مسعود فيه أنَّ السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال .

” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 55 ).

وفي معنى ( فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَاب ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

والمعنى: أنه يتعارض عملُه في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبَّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثَّل العمل، والكتاب، شخصين، ساعيين: لظفِر شخص الكتاب، وغلب شخص العمل. ” فتح الباري ” ( 11 / 487 ).

ومما يدل على أن ما ذكرناه هو المراد: أن الإنسان يصيبه في دنياه سعادة وشقاء، وهما يجتمعان؛ إذ ليس بينهما تضاد، وخاصة المؤمن، فهو سعيد بإيمانه، واستقامته، وقد يكون من أهل الشقاء، والنصب، والتعب، والحديث لم يُرد به النبي صلى الله عليه وسلم هذا، قطعًا، ولذا قال فيه: ( أو )، ومعنى هذا: أنه سلتزمه حال واحدة إما السعادة، أو الشقاء، وهذا لا يكون إلا فيما بينهما تضاد، كالإسلام والكفر في الدنيا، والجنة والنار في الآخرة.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ومعنى قوله ( شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ): أن الملَك يكتب إحدى الكلمتين، كأن يكتب مثلًا: أجل هذا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو شقي باعتبار ما يُختم له، وسعيد باعتبار ما يختم له، كما دل عليه بقية الخبر.

وكان ظاهر السياق أن يقول: ” ويُكتب شقاوته وسعادته “، لكن عدل عن ذلك؛ لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطِّيبي.

” فتح الباري ” ( 11 / 483 ).

 

ثانيًا:

وفي ظننا أن الأسئلة الباقية كانت باعتبار أن السعادة، والشقاء: هي ما يحس به المرء في الدنيا، وقد تبين لكم خطأ هذا، ولا مانع من إجمال الأسئلة الباقية في كلام مجمل يجمعها، فنقول:

ما يصيب المسلم من نعمة وسرَّاء: فهي مِن الله، وليس من جهد العبد، فهو أضعف من أن يحصل شيئًا لولا فضل الله، ورحمته، وإكرامه بتلك النعم، قال تعالى : ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) النحل/ من الآية 53.

وقد طلب الله تعالى من عباده أن ينسبوا هذه النعمة – من سعادة، وهناء، ومال، وولد – إلى الله تعالى، وأن يؤدوا شكرها، ومن شكرها: الثناء على الله تعالى بما يستحقه، وتسخير تلك النِّعَم في طاعة الله تعالى، والمباح من الأفعال.

وما يصيب المسلم من ضراء وشقاء: فهو أيضًا من تقدير الله، وقد يكون ذلك عقوبة للعبد على ما فعل من معاصٍ، وقد يكون ابتلاء ليرفع الله درجته إن صبر، واحتسب مصائبه عند الله تعالى.

وإنما يُعرف المؤمن أنه محقق للإيمان في هذا الباب، وأنه مسلِّم لقدَر الله تعالى، مؤمن به: إذا شكر ربه في السرَّاء، وصبر عند الضرَّاء.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

جعل اللهُ سبحانَه وتعالى عبادَه المؤمنين بكل منزلة خيرًا منه، فهم دائمًا في نعمةٍ من ربهم، أصابَهم ما يُحِبَّون، أو ما يكرهون، وجعل أقضيته، وأقداره التي يقضيها لهم، ويُقدرها عليهم: متاجرَ يَربحون بها عليه، وطُرُقًا يصلون منها إليه، كما ثبت في الصحيح عَن إمامهم ومتبوعهم – الذي إذا دُعي يوم القيامة كل أناسٍ بإمامهم دُعُوا به صلواتُ الله وسلامه عليه – أنه قال: ( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله عجب، ما يقضي الله له من قضاء إلاّ كان خيرًا له، إن أصابته سرَّاءُ شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضرَّاءُ صَبَر فكان خيرًا له ).

فهذا الحديث يَعمُّ جميعَ أَقضيتِه لعبده المؤمن، وأنها خير له إذا صبر على مكروهها، وشكرَ لمحبوبها، بل هذا داخلٌ في مسمَّى الإيمان، فإنه كما قال السلف: ” الإيمان نصفان، نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر “، كقوله تعالى: ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور )، وإذا اعتَبر العبدُ الدينَ كلَّه: رآه يَرجِعُ بجملته إلى الصبر، والشكر.

” جامع المسائل ” ( 1 / 165 ).

 

والله أعلم.

 

هل له أن يشجع علاقة بين مسلم وكافرة حفظا لها من الشر ودعوة لها للخير؟!

هل له أن يشجع علاقة بين مسلم وكافرة حفظا لها من الشر ودعوة لها للخير؟!

السؤال:

هناك امرأة غير مسلمة، لها صديق مسلم، وأود أن تعتنق الإسلام، وعلى الرغم من أن مسألة الصداقة بين الرجل والمرأة مرفوضة إلا أني أشجعهما على البقاء مع بعض لسببين: الأول: أن هناك شابّاً آخر غير مسلم، وهو شاذ، يريد أن ينصب لها فخّاً ويوقعها في شباكه، وأنا لا أحب أن تقع في شرَكه، والسبب الثاني: أن هذا الشاب المسلم قد يستطيع مع مرور الأيام أن يؤثر عليها فتُسلم ، فما العمل لكي تبتعد عن ذلك الشاب غير المسلم؟ وما هي الطريقة الأنسب لدعوتها إلى الإسلام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحن وإن كنا نقدر لك حرصك على الخير، وقصدك لما فيه نفع تلك المرأة: لكننا نرى أنك أخطأت خطأ عظيماً في قولك إنك تشجع علاقة الصداقة بينها وبين ذلك المسلم؛ وكم من مريد للخير لا يصيبه، والواجب أن يكون الحكم الشرعي هو منطلقنا في أفعالنا، وليس أن نحكم عواطفنا لنجلعها منطلقًا، وخاصة أنها تخالف شرع الله، وأنت تعلم أن العلاقة المحرمة بين الرجل والمرأة يعتريها كثير من المخالفات، وقد تؤدي إلى الوقوع في كبائر الذنوب، فأنَّى لعلاقة محرَّمة كهذه أن تؤدي بأصحابها إلى طريق النجاة والسلامة؟! لسنا نتهم أحدًا بسوء نية، ولا برغبة سوء، لكننا نحكم على الفعل، ونعلم الحكمة من تحريمه، فالعلاقة بين النساء والرجال الأجانب حكمها التحريم، والحكمة في تشريع هذا الحكم لا تخفى على من وهبه الله عقلًا ونظرًا، عقلاً يفهم به تلك الحكمة، ونظرًا ينظر من خلاله حوله، ليرى عظيم الفحش والمنكرات من جراء تلك العلاقات المحرمة.

ثانيًا:

ويمكنك أخي السائل أن تؤدي رسالتك العظيمة في حفظ تلك المرأة من الشر، وفي دعوتها للإسلام، عن طريق امرأة – مثلها – مسلمة، وتكون قريبة منها، تدعوها للخير، وتحذرها من الشر، وتكون هذه المرأة المسلمة موجهة من زوجها، أو أخيها، إذا أشكل عليها شيء رجعت إلى رجل من أهلها تستشيره.

 

 

* والخلاصة:

لا يجوز لك تشجيع تلك العلاقة المحرَّمة وذلك الرجل المسلم؛ لحرمة تلك العلاقة في شرع الله تعالى، ويمكنك أداء تلك الرسالة عن طريق امرأة، مسلمة، داعية، وبه نسلِّم تلك المرأة غير المسلمة، وذلك الرجل المسلم، من السوء، والوقوع فيما لا يرضي الرب تعالى.

 

والله أعلم.

مسجدان متقاربان والثاني منهما قليل المصلين أو معدومه ففي أي المسجدين يصلي؟

مسجدان متقاربان والثاني منهما قليل المصلين أو معدومه ففي أي المسجدين يصلي؟

السؤال:

نحن في منطقتنا يوجد مسجدان متقاربان، أحدهما يمتلأ عادة بالمصلين، أما الآخر: فيكون خالٍ من المصلين حتى إنَّه في بعض الأحيان لا يفتح المسجد أحيانا، ففي هذه الحالة أيهما أفضل: الصلاة في المسجد الممتلئ، أم إعمار المسجد الآخر؟.

وثانيًا: – بارك الله فيك – الإمام الذي في المسجد الممتلئ لا يراعي السنَّة، فهو مسبل، ولا يراعي السنَّة، أما المسجد الآخر: فإمامه نوعًا ما ملتزم ما استطاع بالسنَّة.

فنرجو منكم توضيح في أي المساجد الصلاة تكون فيه أفضل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

انتشار المساجد، وكثرتها، ولو في الحي الواحد: علامة خير، وهو مما يشجع الناس على أداء الصلاة في بيوت الله، لكننا ففي الوقت نفسه ننبه على أمورٍ:

  1. أن لا يكون بناء المساجد بتقارب شديد، حتى لا يكاد المصلي يجد فرقًا في المسافة في الذهاب لواحد منهما؛ لئلا يكون بناؤها من الإسراف، والمباهاة، وهو ما حدث مع المسجد الآخر عندكم، حتى إنه ليأتي عليه أوقات لا يُفتح فيها لعدم وجود مصلين!.
  2. أن لا يكون بناء المسجد الآخر نتيجة عداوة، وبغضاء، وتعصب، بين أهل الحي الواحد، والمسجد على هذا سيؤصل للفُرقة، ويؤخر من الإصلاح.
  3. أن لا يصلَّى الجمعة فيهما، بل يصلى في المسجد الكبير منهما؛ ليجتمع المصلون في مكانٍ واحد، وبعض أهل العلم يرى بطلان الصلاة في المساجد الفرعية في القرية الواحدة، ونحن وإن كنا نرى عدم البطلان، لكننا نمنع من صلاة الجمعة في المسجدين المتقاربين، إلا لعذر شرعي، كامتلائهما بالمصلين، وغيرها من الأعذار المبيحة.
  4. ونرى أن بناء المساجد في المناطق التي تخلو من مساجد بالكلية أولى من بنائها في أماكن يوجد فيها من المساجد ما يؤدي الغرض.

هذه التنبيهات نرجو أن يُهتم بأمرها، وأن تكون في واقع التنفيذ، ومن المؤسف أننا لا نجد رسالة المسجد تحقق أهدافها في بعض الأماكن التي يوجد فيها مساجد متقاربة.

 

 

 

 

ثانيًا:

وبما أن الحال هو ما ذكرتَ : فإننا نرى أن تكون الصلاة في المسجد الأول؛ لأمور:

  1. أن اجتماع المصلين في مسجد واحد من شأنه أن يحقق الألفة بينهم، ويزيد في ترابطهم، فيُعرف مريضهم فيُعاد، وفقيرهم فيُعان، وميتهم فيُصلَّى عليه، ويُعزى أهله.
  2. أن المسجد الذي يصلي فيه أهل الحي جميعهم يعين على تعليمهم، ووعظهم، بخلاف تشتتهم في أكثر من مكان، فإذا جاء العلِم ليُعلِّم، والواعظ ليعظ، ويكون الناس قد اجتمعوا في صعيد واحد: فإن الخير والنفع والفائدة تصل لجميعهم.
  3. كلما زاد عدد المصلين في الجماعة: كان أحب إلى الله.

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ).

رواه أبو داود ( 554 ) والنسائي ( 843 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لو قدِّر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثرُ جماعة مِن الآخر: فالأفضلُ أن يذهبَ إلى الأكثرِ جماعة؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ( صَلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، … ).

وهذا عامٌّ، فإذا وُجِدَ مسجدان: أحدُهما أكثرُ جماعة مِن الآخرِ: فالأفضلُ أن تُصلِّيَ في الذي هو أكثر جماعة.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 150، 151 ).

ثالثًا:

وأما بخصوص الإمام في المسجد الثاني: فإننا نرى أن ينضم إلى المسجد الأول، ولا يُحدث تفرقاً بين المسلمين، وليس في الإمام الأول ما يمنع من الصلاة خلفه، لا في اعتقاده، ولا في قراءته، واجتماع المسلمين مصلحة عظيمة، وخاصة إن كانوا أهل حيٍّ واحد، بل حتى لو كان حضور الإمام الثاني يعني أن تقام جماعة فيه، فانضمامه إلى المسجد الأول: أولى.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأفضل لغير أهل الثَّغر أنْ يصلِّي في المسجدِ الذي تُقام فيه الجماعةُ إذا حضر، ولا تُقام إذا لم يحضر، مثال ذلك: إذا كان هناك مسجدٌ قائمٌ يصلِّي فيه الناسُ، لكن فيه رَجُلٌ إن حَضَرَ وصار إمامًا: أُقيمت الجماعةُ، وإنْ لم يحضُرْ: تفرَّقَ الناسُ: فالأفضلُ لهذا الرَّجُلِ أنْ يصلِّيَ في هذا المسجدِ مِن أجلِ عِمارته؛ لأنَّه لو لم يحضُرْ لتعطَّلَ المسجدُ، وتعطيلُ المساجدِ لا ينبغي، فصلاةُ هذا الرَّجُلِ في هذا المسجد: أفضلُ مِن صلاتِهِ في مسجدٍ أكثرَ جماعةٍ.

لكن ينبغي أن يقيَّد هذا بشرطٍ، وهو أن لا يكون المسجدُ قريبًا مِن المسجدِ الأكثرِ جماعةً، فقد يُقال: إنَّ الأفضلَ أن يجتمعَ المسلمون في مسجدٍ واحدٍ، وأنَّ هذا أَولى مِن التفرُّق، فإذا قُدِّرَ أن هذا مسجدٌ قديمٌ ينتابه خمسةٌ، أو عشرةٌ من الناسِ، وحولَه مسجدٌ يجتمعُ فيه جمعٌ كثيرٌ، ولا يشقُّ على أهلِ المسجدِ القديمِ أنْ يتقدَّموا إلى المسجدِ الآخرِ، فرُبَّما يُقال: إنَّ الأفضلَ أن ينضمُّوا إلى المسجدِ الآخر، وأن يجتمعوا فيه؛ لأنَّه كلَّما كَثُرَ الجمعُ: كان أفضل.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 150 ).

 

والله أعلم.