الرئيسية بلوق الصفحة 4

أحكام الربح في تنظيم الرحلات والاستئجار من الباطن.

أحكام الربح في تنظيم الرحلات والاستئجار من الباطن.

السؤال:

إذا استأجرت مزرعة ودفعت المبلغ كَامِلًا من مالي، ثم دعوت مجموعة من الناس للذهاب معي وعائلتي، وجمعت منهم مَبْلَغًا يغطي التكلفة ويزيد بحيث أذهب أنا وعائلتي دون أن ندفع، مع تحقيق ربح إضافي لي، فهل في هذا حرمة؟

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الاستفسار يتعلق بمسألة تأجير المنفعة -التأجير من الباطن- وأخذ عمولة على التنظيم، والحكم فيه يعتمد تَفْصِيلًا على طبيعة الاتفاق الذي تم بين المستأجر وبقية الأشخاص، ويمكن تقسيمه إلى حالتين:

الحالة الأولى:

إذا أخبر المستأجر الناس أنه يجمع التكلفة ليتقاسموها معا بسعر التكلفة، ثم زاد عليهم المبلغ سِرًّا ليغطي تكلفة عائلته ويحقق رِبْحًا، فهذا غير جائز؛ لأن فيه كَذِبًا ومخالفة للاتفاقض والتغرير بهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ”.

الحالة الثانية:

إذا استأجر المزرعة ودفع ثمنها مقدمًا، فقد ملك منفعتها لتلك الفترة.

وإذا عرض على الناس الانضمام للرحلة مقابل مبلغ محدد، كأن يقول: تكلفة الشخص كذا، ووافقوا بطيب نفس دون أن يوهمهم أن هذا هو سعر التكلفة الأصلي، فهذا جائز شَرْعًا. الربح في هذه الحالة حلال، وذهابه مع عائلته مَجَّانًا يُعد جزءًا من هذا الربح نظير تنظيمه وتأجيره للمنفعة التي يملكها.

تنبيه (١):

شرط إضافي مهم:

يُشترط لجواز الحالة الثانية ألا يكون صاحب المزرعة الأصلي قد اشترط عليه عدم تأجيرها لغيره، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} المائدة/ ١.

تنبيه (٢):

ما ذكرناه من الحكم فإنه ينطبق على مثل ما جاء في السؤال، كرحلة عمرة، أو عزومة طعام، وما يشبههما.

والله أعلم

 

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ – ١٥ يونيو ٢٠٢٦

الفروق المنهجية الجلية بين اجتهاد ابن مسعود وبدع المتأولين في الصفات

كتب الشيخ غالب الساقي حفظه الله :

أجمعت الأمة على أن من أنكر حرفا من القرآن الكريم يكون كافرا ومع ذلك عندما أنكر ابن مسعود رضي الله عنه أن المعوذتين من المصحف عذرته الأمة ولم تكفره ولم تفسقه ولم تبدعه ٠ وهذا دليل قاطع على أن التكفير العام الذي يتمسك به الحدادية لا يستلزم تكفير المعين حتى تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي عنه موانعه ٠
انتهى
فعلقت على كلامه بقولي:
موقف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بحك المعوذتين كان متعلقا بمصحفه الشخصي وبما بلغه من العلم في مرحلة “الصحف” وقبل استقرار “المصحف الإمام”.
هو لم ينكر شيئا من المصحف العثماني الذي أجمعت عليه الأمة لاحقا، بل إن استقرار الإجماع على المصحف الإمام جعل الأمة قاطبة -بمن فيهم ابن مسعود- تلغي المصاحف الشخصية وتعتمد العرضة الأخيرة المكتوبة في المصحف الإمام.
​هذا التحرير يدفع اللبس بالكلية؛ لأن رتبة الإجماع بعد صدور المصحف الإمام أصبحت قطعية لا يسوغ معها خلاف، بخلاف المرحلة التي سبقتها حيث كان الصحابي معذورا بالتأويل وبناء الحكم على ما بلغه من الوحي في كتابته الشخصية قبل حصول التواتر والإجماع العام.
انتهى
فعلق الأخ “هادي طلفاح” على تعليقي فقال:
هذا ما نحتج به على إعذار المتأولين، أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يتحقق عنده الإجماع على كون المعوذتين من المصحف وإلا لسلم بالإجماع، كذلك المتأولين(كذا) عندهم شبهات عقلية ونقلية ولم يتحقق عندهم الإجماع على المسألة التي يتأولونها بعينها وإلا لم يتأولوها لأن الإجماع حجة عندهم، فتعليقك لا ينفي الاستدلال يا شيخ بل يؤكده.
انتهى
وتعليقي عليه :
الحمد لله
هذا القياس فاسد، والاستدلال به على إعذار المتأولين باطل قَطْعًا، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
أن الخلاف مع ابن مسعود رضي الله عنه كان في “ثبوت” كون المعوذتين من القرآن المكتوب في المصحف، وليس في “تأويل” النص الثابت.
هو -رضي الله عنه- لم يعارض النص بعقله، ولم يحرف معناه، بل ظن أنهما مجرد دعاء وتعويذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين، فلما تبين له التواتر وإجماع الصحابة رجع إليه ووافقهم.
أما المتأولون فهم يقرون بثبوت النص، لكنهم يحرفون معناه الظاهر إلى معان باطنية بناء على شبهات عقلية وفلسفية.
الوجه الثاني:
أن إعذار من خفي عليه الدليل أو الإجماع في مسألة علمية قبل أن تبلغه الحجة شيء، والإصرار على منهجية كلية تعارض الوحي بالعقل وتخالف إجماع السلف الصالح شيء آخر تَمَامًا.
المتأولون -المحرّفون- للصفات لا يقفون عند مجرد الجهل بمسألة، بل يؤسسون قواعد كلامية ترد النصوص، ويستمرون عليها جِيلًا بعد جيل، ويردون فهم الصحابة عَمْدًا.
الوجه الثالث:
إجماع الصحابة والتابعين على إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت معلوم بالضرورة لكل من طالع كتب السنة، ولم يجهل المتأولون هذا الإجماع، بل طعنوا فيه أو زعموا أن العقل يقضي بخلافه، وهذا مشاقة لسبيل المؤمنين، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء/ ١١٥.
الوجه الرابع:
أن الأصل في الدين الاتباع وترك الابتداع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌرواه ابن ماجه.
وأهل التأويل -التحريف- فارقوا المحجة البيضاء في باب الأسماء والصفات، وقدموا عقولهم على النقل.
فالفرق شاسع جِدًّا بين زلة عالم أو شبهة عرضت لصحابي في مسألة ثبوتية قبل استقرار الإجماع -ورجوعه للحق فور بلوغه-، وبين طوائف تبني عقائدها على أصول فاسدة، وتجعل التأويل والتحريف دِينًا تدين الله به وتوالي وتعادي عليه.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٤ حزيران ٢٠٢٦ م

تحرير التصحيف في ضَغْطة القبر عند ابن تيمية.

تحرير التصحيف في ضغطة القبر عند ابن تيمية.

​السؤال:
شيخنا الفاضل، وقفت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الأسباب العشرة الرافعة للعقوبة، ولاحظت في السبب الثامن وتحديدا في طبعة (مجموع الفتاوى ج١٠) وكذلك في كتاب “التحفة العراقية” أنه قال: “يبتليه في البرزخ بالصعقة” فهل المراد هنا (الصعقة) أم (الضغطة)؟ أرجو التوجيه.

​الجواب:
الحمد لله
هذا الموضع مما يحتاج إلى تحرير، وقد استوقفني قديما، فدعاني ذلك إلى تتبع ما طُبِع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الباب، وبذل الجهد في جمع أطرافه ومقابلة نصوصه؛ ليتبين الصواب من التصحيف.
​وبعد الاستقراء والمقارنة، يتبين بوضوح أنَّ الصواب قطعا هو: (الضغطة) وليس (الصعقة).
وما وقع بلفظ (الصعقة) إنما هو تصحيف من النُسَّاخ أو الطابعين لتقارب رسم الكلمتين عند خُلوهما من النقط.
​وإليك خلاصة هذا التتبع الاستقرائي الذي يثبت الصواب ويكشف موضع الخلل:
​أولا:
المواضع التي جاءت على الصواب بلفظ (الضغطة):
١. ​قول ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (٧/ ٤٨٨ – ٥٠١) :
“ما يحصل في القبر مِن الفتنة والضغطة والرَّوعة فإنَّ هذا مما يكفَّر به الخطايا”.
٢. ​قوله في “منهاج السنّة” (٦/ ٢٣٨):
“ما يُبتلى به المؤمن في قبره من الضغطة وفتنة الملَكيْن” .

​ثانيا:
المواضع التي وقع فيها التصحيف بلفظ (الصعقة) :
١. ​قوله في “التحفة العراقية” (ص ٣٦٧):
“يبتليه في البرزخ والصعقة؛ فيكفّر بها عنه”.
٢. ​قوله في “مجموع الفتاوى” (١٠/ ٤٥):
“يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه”.

​ومن خلال هذا الجمع والمقابلة، يتأكد أن الخلل وقع في طبعة الجزء العاشر من “مجموع الفتاوى” وفي “التحفة العراقية” بينما السياق العلمي لمرحلة البرزخ وما يقع فيها من ابتلاء يشهد لمعنى (ضغطة القبر) ويرد التصحيف.

​والله أعلم.

✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.
الأحد ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ، ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م

دفع الشبهات عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

#من_أجوبة_الواتس
دفع الشبهات عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
السؤال:
ما التعليق على قول أحدهم:
“قال محمد بن عبد الوهاب النجدي في ضلالاته… لما قرر أن يدخل الإسلام، ويخرج منه كل أهله ولم يُبقِ منه إلا من تبع دعوته النجدية: (وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو، لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت، لا أعرف معنى لا إله إلا الله… فمن زعم من علماء العارض: أنه عرف معنى لا إله إلا الله… فقد كذب وافترى).
المصدر: الدرر السنية الجزء العاشر صفحة ٥١”؟

الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هذا النقل يجمع بين كذب في المقدمة، وبتر لسياق النص المقتبس؛ للتشنيع والتلبيس على العوام.
والرد على هذه الشبهة يتلخص في النقاط الآتية:
أَوَّلًا:
الزعم بأن الشيخ الإمام قرر أن “يخرج من الإسلام كل أهله ولم يبق منه إلا من تبع دعوته” هو كذب مَحْضٌ وافتراء صَرِيحٌ.
فالشيخ لم يكفر الأمة، بل كان يكفر من تلبس بالشرك الأكبر بعد إقامة الحجة عليه بَيَانًا، وقد صرح مرارا بعدم تكفير العوام الذين لم تبلغهم الحجة، فكيف يقال إنه أخرج كل الأمة من الإسلام؟
ثَانِيًا:
الشيخ في هذه الرسالة يتحدث بصدق وتجرد عن واقع الجهل الذي خيم على منطقته -إقليم نجد- في ذلك العصر. والمقصود بقوله: “لا أعرف معنى لا إله إلا الله” أي: المعنى المُفَصَّلَ الدقيق لتوحيد الألوهية، وما يضاده من الشركيات الخفية والظاهرة التي كانت تمارس عند القباب والقبور والأشجار في ذلك الزمان، وليس المقصود الجهل بأصل الإسلام ودخول الدين! فكثير من الناس وبعض المنتسبين للعلم آنذاك كانوا يظنون أن التوحيد هو الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق فقط -توحيد الربوبية-، وهذا كان يقر به طوائف كثيرة من كفار قريش.
ثَالِثًا:
تأمل قوله: “فمن زعم من علماء العارض…” ؛ و”العارض” هي منطقة في نجد.
فهذا يثبت أنه يتحدث عن بيئة جغرافية مَحْدُودَةٍ ساد فيها الجهل بمسائل التوحيد في ذلك الوقت، ولم يعمم حكمه على علماء العالم الإسلامي في الحجاز أو مصر أو الشام أو العراق وغيرها. فلو كان يرى أن الأرض خلت من الموحدين، فلماذا سافر لطلب العلم في البصرة والمدينة والإحساء وتتلمذ على علمائها المسلمين؟
رَابِعًا:
هذا القول يُحسب للشيخ لا عليه؛ فهو يدل على تجرد عظيم وإنصاف من النفس.
فالعالم الرَّبَّانِيُّ لا يخجل من الاعتراف بخطئه القديم إذا تبين له الحق الواضح المبني على الكتاب والسنة النبوية الصافية، كقوله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ”.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٣ يونيو ٢٠٢٦ م

ضوابط وأحكام المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك.

ضوابط وأحكام المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك.

السؤال:
والدي يرغب في شراء عمارة، واقترح إدخال شريك ممول يدفع تكاليف الصيانة وجزءًا من قيمة العمارة، على أن يكون شريكًا مؤقّتًا، بحيث نؤجر العمارة ويأخذ الشريك نسبة من الإيجار، وفي نفس الوقت نسدد له من رأس ماله تدريجيًّا حتى نرد مبلغه كاملًا وتعود العمارة لنا بالكامل. فهل هذه المعاملة جائزة شرعًا؟
الجواب:
هذه المعاملة تُعرف في الفقه الإسلامي المعاصر باسم المشاركة المتناقصة أو المشاركة المنتهية بالتمليك.
والصورة العامة لهذه المعاملة جائزة شرعًا، وهي من الحلول التمويلية المعتمدة، ولكن يُشترط لصحتها التفريق بين كونها شراكة حقيقية وبين كونها قرضًا ربويًّا يجر نفعًا.
الشروط الشرعية لضمان صحة المعاملة:
١. يجب أن يكون الممول شريكًا حقيقيًّا في الملكية.
وهذا يعني أنه يتحمل جزءًا من تكاليف الصيانة الأساسية والهيكلية للعمارة، ويتعرض لمخاطر هلاك العقار بنسبة حصته، وليس مجرد دائن يضمن استرداد رأس ماله كاملًا في كل الأحوال.
٢. في البداية، يتم توزيع الإيجار الصافي بعد خصم مصاريف الصيانة حسب نسبة ملكية كل طرف في العمارة.
ومع قيام الوالد بسداد دفعات مالية لشراء حصص صديقه تدريجيًّا، تزيد نسبة الوالد في الملكية وتزيد حصته من الإيجار، وفي المقابل تقل حصة الصديق من الإيجار بشكل متناسب.
٣. يجب ألا يتم دمج عقد الشراكة وتوزيع الإيجار مع عقد بيع الحصص في عقد واحد ملزم ومترابط يفسد أحدهما الآخر.
يمكن أن يكون هناك وعد بالبيع من الصديق، ولكن عملية شراء الحصص تتم بعقود بيع منفصلة ومستقلة عند سداد كل دفعة.
٥. بحسب قرارات “مجمع الفقه الإسلامي”، يجب ألا يُشترط مسبقًا شراء الحصص بالقيمة الاسمية الثابتة أي ضمان استرداد نفس رأس المال المدفوع للتحايل على الربا.
بل يجب أن يتم شراء حصة الصديق بقيمتها السوقية يوم البيع، أو بسعر يتم التراضي عليه وقت إتمام كل عملية شراء للحصة.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٣ يونيو ٢٠٢٦ م

فقه الاستحلال وتأويل قدامة بن مظعون في شرب الخمر.

فقه الاستحلال وتأويل قدامة بن مظعون في شرب الخمر.

 

السؤال:
انتشرت نقاشات حول مسألة “الاستحلال” وحكم الصحابي “قدامة بن مظعون” رضي الله عنه في شربه للخمر، ونُقل كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك.
ونعلم أن الاستحلال نوعان: استحلال عملي، وهو معصية، واستحلال عقائدي، وهو كفر.
فهل كان استحلال قدامة مجرد استحلال عملي، وما هو التوجيه الصحيح لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية؟ ولماذا أقيم عليهم حد شرب الخمر مع كونهم معذورين؟

الجواب:
الحمد لله
فإن التفريق المذكور في السؤال بين نوعي الاستحلال هو تقسيم منهجي صحيح قرره المحققون من أهل السنة، وبيانه كالآتي:
أولا:
أنواع الاستحلال:
١. الاستحلال الاعتقادي القلبي:
وهو أن يعتقد المرء حِلَّ ما حَرَّمَهُ الله مَعْلُومًا من الدين بالضرورة، كالخمر والزنا، فيجعل الحرام حَلَالًا بقلبه.
وهذا كُفْرٌ مُخْرِجٌ من الملة، حتى وإن لم يمارس الشخص هذا المحرم؛ لأن العلة هي تكذيب النص.
٢. الاستحلال العملي الفعلي:
وهو الإقدام على فعل المحرم والمداومة عليه، مع بقاء الاعتقاد الجازم في القلب بأنه حَرَامٌ.
وهذا يُعد من كبائر الذنوب وفاعله تحت المشيئة.
ومن أدلته الحديث الصحيح: “لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ”.
ثانيا:
أما استحلال قدامة بن مظعون رضي الله عنه، فبالنظر إلى الحادثة نفسها، يتضح أن استحلال قدامة ومن معه لم يكن “اسْتِحْلَالًا عَمَلِيًّا” مَحْضًا، أي: لم يشربوا الخمر وهم يعتقدون تحريمها، بل وقعوا في “استحلال اعتقادي متأول”.
فقد شربوا الخمر معتقدين أنها مُبَاحَةٌ لمن عمل الصالحات، متأولين في ذلك قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} المائدة/ ٩٣.
وهنا تبرز دقة منهج أهل السنة؛ فإن الاستحلال الاعتقادي إذا وقع عن “تأويل سائغ” أو “جهل”، فإنه يعذر صاحبه ولا يُكفر حتى تُقام عليه الحجة وتنتفي عنه الموانع.
ولهذا، اتفق الصحابة كعمر وعلي رضي الله عنهما على أنهم لا يُكفّرون بالاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم، بل يُستتابون ويُبين لهم الحق.
فلما أُقيمت عليهم الحجة وزالت الشبهة وعلموا تحريمها؛ أقروا وتابوا، فجُلدوا حد الخمر ولم يُقتلوا للردة.
وكلام ابن تيمية رحمه الله واضح أنه قال بوقوع “قدامة بن مظعون” رضي الله عنه بالاستحلال الاعتقادي، وهذا نص كلامه:
“ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جُلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق، فإن أصروا على الجحود كفروا”.
” الرد على البكري” (ص ٢٥٩).
وقال:
“فإن كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى”.
“مجموع الفتاوى” (٧/ ٦١٩).
ثالثا:
التأويل الذي وقع فيه قدامة رضي الله عنه كان عُذْرًا مَانِعًا من تكفيره وقتله بالردة؛ لأنه لم يقصد معاندة الشرع أو تكذيب النص، بل أخطأ في فهم الآية.
فلما بُيِّن له الحق وعلم تحريمها التام، زالت عنه شبهة الكفر، ولكن بقي الفعل المحرم الذي ارتكبه، فأُقيم عليه الحد -وهو الجلد- طُهْرَةً له من هذا الفعل، باتفاق الصحابة رضي الله عنهم.
رابعا:
ثمة فرق بين الجهل بالحكم والتأويل الفاسد، فالذي يُعذر في شرب الخمر فلا يُقام عليه الحد هو الجاهل جَهْلًا تَامًّا بتحريم الخمر -كحديث العهد بالإسلام، أو من نشأ ببادية بعيدة لا تبلغها الأحكام-، فهذا الجاهل جهله يُسقط عنه الحد تَمَامًا لعدم قيام الحجة عليه أَصْلًا.
أما “قدامة” رضي الله عنه، فلم يكن جَاهِلًا بأصل تحريم الخمر، فهو يعلم أنها حُرمت على المسلمين، ولكنه ظن بـ”تأويل خطأ” أنه يُستثنى من هذا التحريم لكونه من أهل بدر وأحد الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
والتأويل في موضع لا يسوغ فيه التأويل في حكم معلوم ومستقر لا يُسقط الحد الدنيوي بعد انكشاف الحق والتوبة منه.
ولذلك لما احتج قدامة بالآية: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} المائدة/ ٩٣، بيّن له عمر رضي الله عنه خطأ تأويله من نفس الآية، وقال له: “إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر”، فبيّن له أن الشرب ينافي التقوى المذكورة في الآية. وأجمع الصحابة على استتابته وجلده، فكان هذا إِجْمَاعًا على أن مثل هذه الشبهة الجزئية لا تدرأ حد الشرب، بل تدرأ حد الردة.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٢ يونيو ٢٠٢٦ م

فقه المهر والنفقة في المعاشرة الزوجية.

فقه المهر والنفقة في المعاشرة الزوجية.

 

السؤال:

سائل يسأل عن عدة أمور تتعلق بالمهر والنفقة الزوجية:

١. هل تتغير قيمة المهر المحدد بالدينار الأردني باختلاف أسعار الذهب بمرور الزمن؟

٢. دفع للزوجة مَبْلَغًا من المال لتجهيزات العرس ونواه من المهر المعجل، والآن يرفض أهلها احتسابه من المهر ويعتبرونه من المصاريف، فما الحكم؟

٣. هل يجب على الزوج دفع مؤخر الصداق أثناء استمرار الزواج، أم يُستحق عند الوفاة أو الطلاق كما جرى العرف؟

٤. هل يُلزم الزوج شَرْعًا بدفع مصروف كماليات شهري وعيدية بمبلغ معين، مع العلم أنه يوفر جميع الاحتياجات الأساسية؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

أجيبك يا أخي على استشكالاتك بالترتيب الآتي:

أولا:

المهر المكتوب في العقد بمبلغ محدد من النقد يبقى دَيْنًا ثابتا في الذمة بنفس القيمة، ولا يتأثر بارتفاع أسعار الذهب أو تغير الزمان، ما لم يُنَصَّ في العقد صَرَاحَةً على أن المهر مقدر بوزن معين من الذهب.

ثانيا:

إذا دفع الزوج مَبْلَغًا من المال بنية أنه من المهر المعجل، فالأصل أنه يُحسب منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى”.

ولكن في حال الخلاف وعدم وجود توثيق أو بينة، ولأن العقد كُتب فيه أن المهر غير مقبوض، فالأمر يرجع إلى ما تم الاتفاق عليه أو إلى العرف والشهود وقت الدفع، وفي مثل هذه الحالات يُنصح بالتفاهم والصلح بين الطرفين.

ثالثا:

مؤخر الصداق هو دَيْنٌ ثابت للزوجة، ولكن موعد استحقاقه يخضع لما تم الاتفاق عليه، فإن لم يحدد وقت، رُجع إلى العرف.

والعرف الجاري عندنا -والذي تأخذ به المحاكم الشرعية- أن المؤخر يُستحق بأقرب الأجلين: الوفاة أو الطلاق.

وعليه؛ لا يُلزم الزوج بدفعه أثناء قيام الزوجية إلا إن أراد ذلك تَبَرُّعًا وتَفَضُّلًا منه.

رابعا:

الواجب على الزوج شَرْعًا هو توفير النفقة الأساسية بالمعروف من مسكن ومأكل ومشرب وملبس؛ لقول الله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} الطلاق/ ٧.

أما ما يدفعه الزوج للكماليات أو كمصروف شخصي أو هدايا وعيديات، فهو من باب الإحسان والمعاشرة بالمعروف وليس وَاجِبًا يثبت كدين، وللزوج أن يقدره بحسب طاقته واستطاعته المالية دون إكراه.

والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٢ يونيو ٢٠٢٦ م

الحلقة الخامسة من سلسلة: #وشهد_شاهد_من_أهلها_كارثة_الطوفان ( ٥ ) “سمير العركي”

الحلقة الخامسة من سلسلة:
#وشهد_شاهد_من_أهلها_كارثة_الطوفان ( ٥ )

ضَيْف الحلقة: الكاتب والصحفي “سمير العركي”

https://x.com/i/status/2055955188716909010

في شهر ذي الحجة من عام ١٤٤٥ هـ، الموافق للشهر السادس من سنة ٢٠٢٤ م، ودفعًا لعناء ترداد الكلام وطول المماراة في المجالس مع الموافقين والمخالفين، رأيت أن أجمع ما هداني الله إليه من الحق في سلسلة مقالات مكتوبة بعنوان #كارثة_الطوفان و سلسلة #أحكام_الجهاد_وحِكَمه.
حينها، غضب كثير من المقربين والأصدقاء من المشايخ وطلاب العلم، وطلبوا مني التوقف، فلم أفعل وخسرت طائفة كثيرة منهم؛ فبيان الحق أوجب، ولا يحل لي كتمان ما هداني إليه ربي تعالى.
وقد تعرضت بسبب ذلك للسب والتصنيف الجائر، ولم آبه بهم؛ فلا مدحهم يرفعني ولا ذمهم يسقطني.
واليوم، وبعد أن وضعت الحرب (العامة) أوزارها ظهرت الوثائق والكتابات لتثبت أن ما سميته حينها (كارثة) -وقد ندمت على هذا الوصف لاحقًا لأن حقها أن تسمى جحيمًا- هو عين ما كان يعتقده قادة حماس في أول الأمر، واعترفوا به في آخره!
وقد نشر الكاتب سمير العركي قراءة نقدية تفصيلية لـ “رسالة قادة القسام الثلاثة المسربة إلى حسن نصر الله” -بغض النظر عن صحتها فالمقصود هو التعليق عليها من الكاتب المناصر للطوفان-، وجاءت قراءته مصدقة ومطابقة تمامًا لما أصلناه ونبهنا عليه قبل أكثر من عامين في مقالاتنا.
وإليكم المقارنة العلمية بالدليل والنص:
(١) المقارنة الأولى:
إسقاط شرط القدرة والتخطيط اللوجستي:
= ما قررناه سابِقًا:
في الحلقة الثانية من سلسلة أحكام الجهاد وحكمه، المنشورة في ذي الحجة ١٤٤٥ هـ (يونيو ٢٠٢٤ م) عبر رابطها الرسمي: https://ihsan-alotibie.com/?p=22647 ، أصلنا تأصيلًا شرعيًّا جليًّا بأن “القدرة مناط التكليف”، وأن زج مليوني مسلم في معركة شاملة مدمرة دون امتلاك القدرة العسكرية، وحماية الظهر، وتأمين الملاجئ والمؤن للمدنيين، هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة ومخالفة صريحة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في السياسة الشرعية.
– ما شهد به الشاهد:
يقر الكاتب” سمير العركي” في ملاحظته العاشرة بهذا الخلل الشرعي قائلًا:
(إن ما قرره القادة من أنه “يكفينا أن نطيع أمر الله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك…}” لم يكن كافيًا في الحقيقة، إذ كان يجب أن تنضم إليه القدرة العسكرية والمالية واللوجستية والإعلامية والاجتماعية لإدارة معركة في حجم الطوفان).
ويؤكد في الملاحظة الأولى:
(لكن المقاومة في قطاع غزة كانت تفتقد إلى أبسط مقومات إعلان الحرب الشاملة، وفي مقدمتها تأمين خطوط الإمداد بالسلاح والمؤن، وتوفير مأوى بديل للمدنيين الذين يتوقع تعرض أحيائهم لقصف عنيف غير مسبوق).
(٢) المقارنة الثانية:
وهم عدم توقع حجم الرد الصهيوني:
= ما قررناه سابِقًا:
انتقدنا في الحلقتين الأولى والثالثة من السلسلة (روابط المقالات: https://ihsan-alotibie.com/?p=22649 ) الأصوات الساذجة التي بررت الدمار الهائل بزعم أنهم (لم يتوقعوا هذه الهمجية من الاحتلال)، وبينا أن الجهل برد الفعل المتوقع من عدو شرس مسنود دوليًّا هو خطيئة استراتيجية كبرى وإدانة للمخطط لا عذر له.
– ما شهد به الشاهد:
يكشف “العركي” من واقع الرسالة أن القادة كانوا يعلمون بحجم الكارثة قبل بدئها، حيث جاء في نص كلامهم لنصر الله: (إن ثمن أي تردد سيكون كبيرًا ولا يمكن تحمله). ويعقب العركي قائلًا:
(إذن كان يدرك القادة أن رد فعل الكيان على العملية المرتقبة سيكون كبيرًا لا يمكن أن تتحمله جميع الأطراف داخل ما يعرف بـ “محور المقاومة”.
وهذا ينسف ما ادعاه البعض لاحقًا أنه لم يكن متوقعًا أن يكون رد الفعل الإسرائيلي بهذه القسوة!).
(٣) المقارنة الثالثة:
الانخداع بسراب الحليف الإيراني (الخيانة المتوقعة):
= ما قررناه سابِقًا:
حذرنا تِباعًا في مقالاتنا (انظر الحلقة الرابعة والخامسة: https://ihsan-alotibie.com/?p=22643 ) من الركون إلى مرتزقة إيران والولاء لهم، وبينا أنهم يتاجرون بدماء أهل السنة لتحقيق مصالحهم التوسعية، وأن من يعتمد عليهم كمن يبني على السراب.
– ما شهد به الشاهد:
يصرح “العركي” بوقوع المقاومة في فخ طهران قائلًا في ملاحظته الخامسة:
(تفصح الرسالة بشكل غير مباشر عن تعرض المقاومة الفلسطينية لخيانة كبرى.. في تقديري أن الخيانة حدثت للمقاومة من جانب الإيرانيين في المقام الأول.. فعندما طلب رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، عام ٢٠٢٤ م من قائد الثورة الإيرانية، علي خامنئي المساعدة، أشار عليه الأخير بأن يتولى الفلسطينيون وحدهم شرف الدفاع عن فلسطين!).
وأزيد هنا -أبو طارق إحسان العتيبي-:
وقد قرأت منشورا لمتأيرن -نشره من هو أيرن منه!- يتباكى فيه على حال غزة وتخلي المسلمين عنها، بينما يثني في الوقت نفسه على إيران لأنها لم تتخل عن حزبها في لبنان وتدافع عنه بشراسة!
وهذا المنشور يمثل فضيحة كبرى وإِنْطَاقًا من الله تعالى لهؤلاء المخدوعين ليفضحوا أنفسهم وحقيقة المشروع الإيراني من حيث لا يشعرون.
ففي طيات هذه البكائيات، اعتراف صريح ووَاضِحًا بأن إيران دولة طائفية، لا تتحرك حَقًّا إلا لحماية أذرعها الشيعية العقدية.
فقول الكاتب: “إيران لم تتخل عن حزبها في لبنان وتدافع عنه بكل شراسة” هو شهادة إدانة لمحور الممانعة المزعوم؛ فكيف لإيران التي تدعي قيادة محور المقاومة والدفاع عن فلسطين أن تترك غزة تباد وتُدمر، ثم تنتفض بكل ثقلها بمجرد المساس بحزبها الطائفي في لبنان؟
الجواب ظاهر لكل ذي عينين: غزة السنية ليست حليفة عقدية لطهران، بل هي مجرد ورقة سياسية وعسكرية تستخدمها متى شاءت لتحسين شروط تفاوضها، وتتخلى عنها متى انتهت المصلحة أو تعارضت مع أمن النظام الإيراني.
أما الحزب في لبنان، فهو جزء لا يتجزأ من جسد الولي الفقيه، والمساس به مساس بأمن طهران القومي والعقدي.
لقد فضح هذا المتأيرن نفسه ومشروعه؛ إذ أثبت من حيث أراد المدح أن غزة تُركت وحيدة تواجه آلة البطش، بينما تم استنفار كل الجهود لحماية الحليف الشيعي.
وفي هذا عبرة لكل من اغتر بشعاراتهم، ليعلم يَقِينًا أن المشروع الرافضي لا يمكن أن يكون نَصِيرًا لأهل السنة يَوْمًا من الأيام.
نسأل الله أن يبصر المسلمين بحقيقة أعدائهم، وأن يفرج عن أهلنا في غزة فَرَجًا قَرِيبًا.
(٤) المقارنة الرابعة:
القتال لأجل رؤية الخميني والانفصال عن الواقع الدولي:
= ما قررناه سابِقًا:
نبهنا في الحلقتين السابعة والثامنة من السلسلة (روابط المقالات: https://ihsan-alotibie.com/?p=22637 ) إلى أن التحزب الأعمى، وتأثير سحر قناة الجزيرة وعلماء الطوفان غيب الوعي بموازين القوى الدولية والتدخل الأمريكي الحتمي لحماية الاحتلال.
– ما شهد به الشاهد:
يكشف “العركي” عن الانفصال التام عن الواقع في عقول المخططين الذين ظنوا أن معركتهم ستقود إلى (تحقيق رؤية الإمام الخميني بإشعال الثورة الإسلامية الكبرى!)، ويعقب بأسف في ملاحظته الثامنة:
(وما كان لهم أن يضحوا بأبناء القسام وهذه الآلاف من سكان القطاع من أجل تحقيق رؤية الخميني التي هي في أصلها تمكين لمشروع “ولاية الفقيه”!).
كما يتعجب في ملاحظته التاسعة من غفلتهم عن أمريكا قائلًا: (أسقط القادة من حساباتهم نهائيًّا إمكانية التدخل الأمريكي.. واعتبرت الرسالة أن استمرار القصف بالمسيرات ليومين أو ثلاثة سيحقق الهدف! فكيف غاب عن القادة وهم يخططون لمعركة كبرى ومصيرية).

=خاتمة الكارثة باعتراف أهلها:
لقد احمرت أنوف وارتفع صراخ كثيرين عندما سميناها (كارثة) في منتصف عام ٢٠٢٤ م، وبعدها يخرج المتحدث الرسمي باسم حركة حماس حازم قاسم (في لقائه مع قناة العربية بتاريخ ٣١/ ١/ ٢٠٢٥ م) ليكرر الكلمة حرفيًّا ويقول: (نحن أمام كارثة غير مسبوقة في تاريخ شعبنا الفلسطيني حلت بقطاع غزة.. وكل قطاع غزة عاش هذه الكارثة)، ويخرج ممثل حماس في إيران صالح القدومي (بتاريخ ١٦/ ٤/ ٢٠٢٥ م) ليقول صراحة: (في الوضع الراهن فإن كلمة كارثة لا تكفي لوصف الأوضاع الحرجة للغاية في غزة).
ولعلكم الآن عرفتم أنكم كنتم تعيشون في عالم الأحلام والخيال، وأن كتاباتكم المسمومة ساهمت في تدمير غزة وقتل نخبها القرآنية والأكاديمية وعامة الأبرياء فيها، فصرتم شركاء في الإثم والآثار شئتم أم أبيتم، وكل هذا بسبب الجهل والعاطفة السلبية المقيتة.
والله الموعد

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٠ يونيو ٢٠٢٦ م

ميثاق الفطرة وحجية الرسالة.

ميثاق الفطرة وحجية الرسالة.

السؤال:

ما حقيقة الميثاق المذكور في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ…}؟ وهل يكفي ميثاق الذر وحده لإقامة الحجة على الخلق؟ وما مصير من لم تبلغه دعوة الرسل؟

 

الجواب:

ينتظم الكلام في تفسير الآية الكريمة في أمور:

١. الميثاق المذكور في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} الأعراف/ ١٧٢، هو الميثاق الأول الذي فطر الله الناس عليه.

فهذا الإقرار بالربوبية مغروس في أصل الفطرة، وكل إنسان يولد وهو مجبول على الإقرار بوجود خالق له.

٢. الفطرة وحدها، أو هذا الميثاق الأول الذي أخذ على بني آدم، لا يكفي وحده لإقامة الحجة التي يترتب عليها العذاب يوم القيامة.

فالعقل والفطرة يدلان على التوحيد إجمالًا، لكن الله بعدله لا يعذب أحدًا بناءً على هذا الميثاق الفطري فقط.

٣. الحجة لا تقوم على العباد إلا ببعثة الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} النساء/ ١٦٥.

ولذلك، فإن الاحكام التفصيلية لا تُتلقى من الفطرة، بل من الوحي.

والراجح من كلام أهل العلم أن من لم تبلغه دعوة الرسل في الدنيا -كأهل الفترة، ومن كان معذورًا بخرف أو جنون أو صمم- سيختبرون يوم القيامة في العرصات.

ولو أن الميثاق الذي في الأزل كان حجةً مقامةً على مثل هؤلاء لدخلوا النار مباشرةً ولحوسبوا بموجبه، فلما ثبت أنهم سيختبرون يوم القيامة ولم يُرسل لهم رسول في الدنيا، دل ذلك دلالةً قاطعةً على أن ميثاق الذر لا يكفي وحده لإقامة الحجة على الخلق.

​وقد ثبت في السنة المطهرة أن هؤلاء الأصناف يحتجون على الله يوم القيامة، كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا”.

وبهذا التقرير، يتبين أن الآية تقرر حقيقة الفطرة المغروسة في النفوس، بينما تذكر آيات أخرى أن المحاسبة والعذاب مشروطان ببلوغ رسالة الأنبياء.

والله أعلم

​✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١١ يونيو ٢٠٢٦ م

هل لكم إشراف على الجمعيات الخيرية؟

هل لكم إشراف على الجمعيات الخيرية؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قرأنا وسمعنا عن وجود جمعيات علمية في الأردن تحت إشرافكم شيخنا إحسان العتيبي، فما الذي ترشحونه لنا منها لطلب العلم على وفق منهاجها؟ وهل توجد جمعيات أخرى خارج الأردن تشرفون على مناهجها؟

 

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
حياكم الله وبارك في حرصكم على طلب العلم.
​أما الجواب عن سؤالكم؛ فقد كان لي سَابِقًا الإشراف العام على بعض الجمعيات في الأردن، ولكنني تركت ذلك منذ سنوات، ولم أعد مُشْرِفًا على أية جمعية البتة، لا عِلْمِيَّةً ولا إِغَاثِيَّةً، سواء في داخل الأردن أو في خارجه.
​وبهذه المناسبة، فإنني أؤكد وأبين للجميع أَنَّنِي لا أجيز لأي جهة كانت، سواء كانت جَمْعِيَّةً أو أَشْخَاصًا، بل ولا لأقرب الناس إلي، أن يجمع تَبَرُّعَاتٍ من أحد أو من أية جهة باسمي، ولا أبيح لأحد فعل ذلك مُطْلَقًا.
​نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، وأن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح.
​والله أعلم

​✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٣ / ١٢ / ١٤٤٧ هـ
٠٩ / ٠٦ / ٢٠٢٦ م