الرئيسية بلوق الصفحة 221

من أسقطت بعد شهرين من الحمل، فهل يكون دمها نفاسًا؟

السؤال:

لقد كنت حاملًا وحدث سقوط للحمل بعد أن أتممت الشهرين، وسألت سيدة على علم شرعي هل أصوم رمضان وأصلي، فردت عليّ: بأن نعم، تصومي، وتصلي؛ لأنه لم ينفخ فيه الروح بعد، فيعتبر كأنه استحاضة، وفعلًا صمت وصليت، ولكن أخبرني طبيب آخر بأنه عليَّ الإعادة بالنسبة للصيام ، فما هو الحكم الصحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما سمعته الأخت السائلة من القولين المختلفين يعود إلى الاختلاف في المسألة نفسها، والمسألة فيها خلاف، والصحيح من أقوال أهل العلم أن المرأة إذا أسقطت الجنين متخلقًا: فإنها تترك الصلاة والصيام وتكون نفاسًا، وإن لم يكن متخلقًا: فدمها دم فساد لا تترك الصلاة والصيام، وأقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يومًا.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 318 ، 319 ):

والمراد بالحمل الذي تنقضي العدة بوضعه ما يتبين فيه شيء من خلقه ولو كان ميتًا أو مضغة تصورت, ولو صورة خفية تثبت بشهادة الثقات من القوابل, وهذا عند جمهور الفقهاء – الحنفية والشافعية والحنابلة -، وكذلك إذا كانت مضغة لم تتصور لكن شهد الثقات من القوابل أنها مبدأ خلقة آدمي لو بقيت لتصورت في المذهب عند الشافعية، وهو رواية عند الحنابلة لحصول براءة الرحم به.

وقال الحنفية – وهو قول آخر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة -: لا تنقضي به العدة; لأن الحمل اسم لنطفة متغيرة, فإذا كان مضغة أو علقة لم تتغير ولم تتصور فلا يعرف كونها متغيرة إلا باستبانة بعض الخلق.

أما إذا ألقت نطفة أو علقة أو دمًا أو وضعت مضغة لا صورة فيها: فلا تنقضي العدة به عندهم.

وقال المالكية: إن كان دما اجتمع بحيث إذا صب عليه الماء الحار لم يذب يعتبر حملًا تنقضي العدة بوضعه. انتهى.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا كان الجنين قد تخلق, بأن ظهرت فيه أعضاؤه من يد أو رجل أو رأس حرم عليه جماعها مادام الدم نازلًا إلى أربعين يومًا, ويجوز أن يجامعها في فترات انقطاعه أثناء الأربعين بعد أن تغتسل, أما إذا كان لم تظهر أعضاؤه في خلقه فيجوز له أن يجامعها ولو حين نزوله, لأنه لا يعتبر دم نفاس, إنما هو دم فاسد تصلي معه وتصوم. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 422 ، 423 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:

إذا أسقطت المرأة ما تبين فيه خلق الإنسان من رأس أو يد أو رجل أو غير ذلك فهي نفساء لها أحكام النفاس فلا تصلي ولا تصوم ولا يحل لزوجها جماعها حتى تطهر أو تكمل أربعين يومًا, ومتى طهرت لأقل من أربعين وجب عليها الغسل والصلاة والصوم في رمضان حل لزوجها جماعها …

أما إذا كان الخارج من المرأة لم يتبين فيه خلق الإنسان بأن كان لحمة ولا تخطيط فيه أو كان دمًا: فإنها بذلك تكون لها حكم المستحاضة لا حكم النفاس ولا حكم الحائض, وعليها أن تصلي وتصوم في رمضان وتحل لزوجها … لأنها في حكم المستحاضة عند أهل العلم. ” فتاوى إسلامية ” ( 1 / 243 ).

* وقال الشيخ ابن عثيمين:

قال أهل العلم: إن خرج وقد تبيَّن فيه خلق إنسان: فإن دمها بعد خروجه يعد نفاسًا، تترك فيها الصلاة والصوم، ويتجنبها زوجها حتى تطهر، وإن خرج الجنين وهو غير مخلَّق: فإنه لا يعتبر دم نفاس، بل هو دم فساد، لا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام ولا من غيرهما.

قال أهل العلم: إن خرج وقد تبيَّن فيه خلق إنسان: فإن دمها بعد خروجه يُعدُّ نفاسًا، تترك فيه الصلاة والصوم ويتجنبها زوجها حتى تطهر، وإن خرج وهو غير مخلَّق: فإنه لا يعتبر دم نفاس بل هو دم فساد لا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام ولا من غيرهما.

قال أهل العلم: وأقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يومًا …

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 304 ، 305 ).

 

والله أعلم.

سؤال القبر ونعيمه وعذابه لمن احترق أو أكلته السباع

السؤال:

حسب علمي فإن والدتي كانت مسلمة، ولكنهم حرقوا جثتها بعد موتها، فكيف سيتم سؤالها في القبر؟ هذا الأمر يقلقني جدًّا فأرجو الإجابة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأمر بالنسبة إلى قدرة الله تعالى أيسر مما يظنه السائل، فالله تعالى على كل شيء قدير، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن حالةٍ مشابهة، وفيها أمرُ رجل أولادَه أن يحرقوه بعد موته، وأن يذروا نصفه في البر ونصفه الآخر في البحر، وأن الله تعالى أمر بجمع نصفيه.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له “.

رواه البخاري ( 3294 ) ومسلم ( 2756 ).

فقد يقال إن كل من تفرَّق بدنه بحرق أو بأكل السباع له فإن الله تعالى يجمع بدنه بأمره عز وجل.

ثانيًا:

ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن العذاب والنعيم يقعان على الروح والبدن، وأن الأصل أنهما يقعان على الروح وحدها، وقد يلحق بالبدن نعيم أو عذاب.

لذا فإن السؤال والنعيم والعذاب لا يتعلق بالجسد على كل حال لأنه معرض للفناء، والأصل أنه في ذلك كله للروح، لكن قد يلحق بالبدن شيء منه إلى أن يأذن الله له بالفناء، فإن كان فانيًا أصلًا: فإما أن يأمر الله به فيجمع – كما سبق – وإما أن يقع ذلك كله على الروح وحدها.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن عذاب القبر هل هو على النفس والبدن أو على النفس دون البدن؟ والميت يعذب في قبره حيًّا أم ميتًّا؟ وإن عادت الروح إلى الجسد أم لم تعد: فهل يتشاركان في العذاب والنعيم أو يكون ذلك على أحدهما دون الآخر؟.

فأجاب:

بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعَّم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن …

بل قد ثبت في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة …

فلْيعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعَّمة أو معذَّبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل له معها النعيم والعذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها، وقاموا من قبورهم لرب العالمين.

ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين، واليهود، والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 282 – 284 ).

* قال ابن القيم:

واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب: ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر: وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. ” الروح ” ( ص 58 ).

* وسئل الشيخ ابن عثيمين:

إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر؟.

فأجاب:

نعم، ويكون العذاب على الروح؛ لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمرًا غيبيًّا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فني واحترق لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / السؤال رقم 155 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:

أما من مات بالغرق أو بالحرق أو بأكل السباع: فإن روحه يأتيها نصيبها من العذاب والنعيم، ويأتي جسده من ذلك في البر أو البحر، أو في بطون السباع ما شاء الله من ذلك، لكن معظم النعيم والعذاب على الروح التي تبقى؛ إما منعمة وإما معذبة، فالمؤمن تذهب روحه إلى الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن روح المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، يأكل من ثمارها، والكافر تذهب روحه إلى النار ).

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( / 338 ).

 

والله أعلم.

كتابة ” صلعم “، ولماذا لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة؟

السؤال:

لماذا لم يتزوج النبي محمد ( صلعم ) أثناء حياة السيدة خديجة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

استحب العلماء الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتب اسمه، وقال بعضهم: بل يكتفي باللفظ، قال الخطيب البغدادي: ” رأيتُ بخط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كثيرًا ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابةً، قال: ” وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظًا “.

وأما كتابة الرمز ” ص ” وأقبح منه ” صلعم ” فلا يجوز، وهو فعل الكسالى، فترى أحدهم ينشط لكتابة كتابٍ كاملٍ، ويكسل عند كتابة الصلاة والسلام على رسول الله.

* وقد ذكر الأستاذ عبد القادر المغربي نقلًا عن الشيخ زكريا الأنصاري:

أن الكاتب الذي كان أول من رمز للتصلية بحروف ” صلعم ” قطعت يده والعياذ بالله تعالى، والشيخ زكريا الأنصاري توفي في القرن العاشر للهجرة – سنة 926 هـ – .

وفي كتاب ” التذكرة التيمورية ” ( ص 229 ):

كلمة ” صلعم ” لا تجوز، بل الواجب التصلية والتسليم.

وقد أشار إلى المنع من هذا من قبل الفيروز آبادي في كتابه ” الصلات والبُشر ” فقال:

ولا ينبغي أن ترمز الصلاة كما يفعله بعض الكسالى والجهلة وعوام الطلبة، فيكتبون صورة ” صلعم ” بدلًا من ” صلى الله عليه وسلم “. انتهى.

* وقال العلامة أحمد شاكر – رحمه الله تعالى – عن هذه الرموز والألفاظ المبتدعة – قال عنها: اصطلاح سخيف. انتهى.

وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين:

من آداب كتابة الحديث – كما نص عليه علماء المصطلح -: أن لا يرمز إلى هذه الجملة بكلمة ” ص “، وكذلك لا يعبر عنها بالنحت مثل ” صلعم “، ولا ريب أن الرمز أو النحت يفوت على الإنسان أجر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه إذا كتبها ثم قرأ الكتاب من بعده، وتلا القارئ هذه الجملة صار للكاتب الأول مثل ثواب من قرأها، ولا يخفى علينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال – فيما ثبت عنه -: أن من صلَّى عليه – صلى الله عليه وسلم – مرة واحدة صلَّى الله عليه عشرًا، فلا ينبغي للمؤمن أن يحرم نفسه الثواب والأجر لمجرد أن يُسرع في إنهاء ما كتبه.

” كتاب العلم ” ( ص 172 ).

ثانيًا:

السيدة خديجة رضي الله عنها كانت أول امرأة تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت أحب زوجاته إليه، أنجبت له ولدين وأربع بنات وهم: القاسم – وكان يكنى به -، وعبد الله، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة.

عندما بعث الله سبحانه وتعالى النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانت السيدة خديجة رضي الله عنها هي أول مَن آمن بالله ورسوله، وأول من أسلم من النساء والرجال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة يصليان سرًّا إلى أن ظهرت الدعوة، وعندما كذَّبه قومه كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تخفِّف عنه وتهون عليه ما يلقى منهم.

وعندما جاءه الوحي من الله سبحانه وتعالى وأنزل عليه قوله {  اقرأ بسم ربك الذي خلق } رجع مسرعًا إلى السيدة خديجة خائفًا، وقال لها: ” زمِّلوني “، ثبَّتت قلبه وأثنت عليه، وانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وكان تنصر في الجاهلية، وكان يقرأ الخط العربي، وكان شيخًا قد عمى، فقالت: اسمع من ابن أخيك ما يقول، فقال: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره، فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى.

وكانت السيدة خديجة امرأة عاقلة، جليلة، متديِّنة، مصونة، كريمة، وهي من خير النساء، ومن أهل الجنة، فقد أمر الله – تعالى – رسوله أن يبشرها في الجنة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضلها على سائر زوجاته، وكان يكثر من ذكرها بحيث أن عائشة كانت تقول: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صديقات خديجة فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد.

رواه البخاري ( 3607 ) ومسلم ( 2435 ) وعند ” إني قد رزقتُ حبها “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتثبته وتسكنه وتبذل دونه مالها، فأدركت عزة الإسلام، واحتملت الأذى في الله، وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها.

نقلاً عن ابن القيم في ” جلاء الأفهام ” ( ص 234 ).

توفيت السيدة خديجة ساعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيمن في بث دعوة الإسلام قبل هجرته إلى المدينة المنورة بثلاث سنين، ولها من العمر خمس وستون سنة، وأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه في حفرتها وأدخلها القبر بيده، وكانت وفاتها مصيبة كبيرة بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم تحملها بصبر وجأش راضيًا بحكم الله سبحانه وتعالى.

وبعد:

فلا عجب أن يكون من كرامتها أنه لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.

 

والله أعلم.

حكم جمعيات الموظفين

السؤال:

عندنا معاملة نستعملها لا ندرى حلال أم حرام، مثلًا: ثلاثة أو أربعة حتى إلى عشرات يشاركون، كل واحد منهم يعطى 50 ريال في آخر الشهر ويأخذ هذا المبلغ واحد منهم، وهكذا يفعل حتى يأخذه آخر القوم، هل هذا حلال أم حرام؟ غير أننا سمعنا أن كل مبلغ صغير يجر نفعًا كبيرًا دفعة واحدة حرام، أفيدونا، جزاكم الله خيرًا، وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه المعاملة، فذهب بعضهم – ومنهم الشيخ صالح الفوزان – إلى تحريمها بناء على قاعدة ” كل قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا “، وذهب آخرون – وهم الأكثر – إلى جوازها.

وقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في هذه المعاملة وحكمها، فذهب الأكثرية منهم إلى جوازها وحلِّها.

 

والله أعلم.

كيف يدرس ولا يخلو أي مجتمع من جامعة مختلطة؟ وحكم التدخين.

السؤال:

  1. هل التدخين حرام – مع التوضيح -؟.
  2. أنا طالب جامعي، وفي بلدي لا يوجد جامعات من غير اختلاط، أريد أن ترشدوني إلى الطريق الصواب. بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

* سُئل الشيخ ابن باز – رحمه الله – عن حكم التدخين فأجاب:

التدخين ثبت عندنا أنه محرم، وقد علمنا أسبابًا كثيرة لتحريمه من أضراره المتعددة، فهو محرم بلا شك؛ لأنه يشتمل على أضرار كثيرة بينها الأطباء وبينها من استعمله.

فالواجب على كل مسلم تركه والحذر منه؛ لأن الله حرم على المؤمن أن يضر نفسه، فهو يقول سبحانه: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] ويقول جل علا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] .

ثانيًا:

الطريق الصواب هو عدم دخول الجامعات المختلطة، ويستطيع الإنسان أن يدرس بالانتساب أو عن طريق الانترنت أو في بلدان ليس في جامعاتها اختلاط، وأما كون جامعات بلده ليس فيها إلا الاختلاط فليس بعذرٍ لدخولها.

والذي يرى ما في هذه الجامعات المختلطة من معاصٍ ومفاسد لا يشك في حرمة دخولها، ولأن يلقى الإنسانُ ربَّه جاهِلًا في علوم الدنيا خير من أن يلقاه وهو يحمل شهادة عالية ويكون قد خسر دينه.

* سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

هل يجوز للرجل أن يدرس في جامعة يختلط فيها الرجال والنساء في قاعة واحدة علمًا بأن الطالب له دور في الدعوة إلى الله؟.

فأجاب:

الذي أراه أنه لا يجوز للإنسان – رجلًا كان أو امرأة – أن يدرس بمدارس مختلطة؛ وذلك لما فيه من الخطر العظيم على عفته ونزاهته وأخلاقه؛ فإن الإنسان مهما كان من النزاهة والأخلاق والبراءة إذا كان إلى جانبه في الكرسي الذي هو فيه امرأة – ولا سيما إذا كانت جميلة ومتبرجة – لا يكاد يسلم من الفتنة والشر، وكل ما أدَّى إلى الفتنة والشر: فإنه حرام ولا يجوز، فنسأل الله – سبحانه وتعالى – لإخواننا المسلمين أن يعصمهم من مثل هذه الأمور التي لا تعود إلى شبابهم إلا بالشر والفتنة والفساد، حتى وإن لم يجد إلا هذه الجامعة يترك الدراسة إلى بلد آخر ليس فيه هذا الاختلاط، فأنا لا أرى جواز هذا، وربما غيري يرى شيئًا آخر.

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 103 ).

 

والله أعلم.

أيهما يقدِّم الزواج أم الجهاد؟

السؤال:

شيخنا الفاضل

أشكر لكم مثل هذه المواقع، والتي تعرف الناس بدينهم، وأود من فضيلتكم الإجابة على سؤالي، بارك الله فيكم.

إني بين أمرين، وأود منكم توجيهي، في هذه الأيام أفكر بالزواج، وكذلك أفكر بالجهاد، مع العلم إني لا أعلم مكانًا للجهاد حتى أجاهد فيه، وكما تعلمون أن الجهاد في أفغانستان أو في أي مكان غير متاح الآن، وكذلك أفكر في الزواج وأنا لأملك المال الكافي للزواج، وقد يتيسر لمن اجتهد في طلب الزواج، فماذا أفعل؟ هل أستعين بالله وأخرج إلى أرض الله للجهاد والبحث عن مواقعه ومواقع المجاهدين عن الإسلام الحق أم أركن إلى الدنيا وزخرفها وأطلب الزواج والعيش بها؟ أفيدونا مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس هناك تعارض بين الزواج والجهاد، وقد كان المجاهدون يتزوجون قبل ذهابهم إلى الجهاد أو في أرض المعركة، ولم يكن الزواج ليصدهم عن الجهاد.

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج تسع نسوة، وكان سيد المجاهدين وإمامهم ومقدَّمهم، وكذا كان أصحابه.

وما الذي يمنع المسلم من زواجه حتى لو كان ينوي الذهاب إلى الجهاد؟ إذا كان الذي يمنعه هو الموت هناك فهو مخطئ فكم من المجاهدين لم يموتوا في أرض المعركة وماتوا بين ظهراني أهليهم؟ فلا الذهاب إلى الجهاد يعجل بالأجل، ولا التأخر عنه يباعد منه.

وإذا كان الذي يمنعه هو تركها بلا زوج، فنقول { فالله خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين }، ويمكن للمرأة أن تتزوج غيره لو قدَّر الله عليه الموت، وها هو حنظلة –  رضي الله عنه – يخرج إلى الجهاد في ليلة عرسه، فيقتل شهيدًا، وغسَّلته الملائكة، فلم يمنعه حبُّ الجهاد ورغبته فيه من أن يتزوج بل أن يخرج قبل اغتساله فيفوز في تلك المنقبة.

ونقول أيضًا:

ليس الجهاد بابًا واحدًا فقط وهو جهاد الكفار، بل هناك جهاد الشيطان، وجهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد أهل البدع، وجهاد برّ الوالدين، فإذا أغلق عليك باب فثمَّة أبواب كثيرة، وخاصة أنك تقول إن الذهاب إلى الجهاد غير متيسِّر.

وكل ما سبق ذِكره إنما هو في جهاد الكفاية، فإذا صار الجهاد فرض عينٍ فإنه لا خيار لك، ويجب عليك القتال والجهاد.

وقد فضَّل بعض الفقهاء النكاح على الجهاد؛ وذلك بسبب كونه ” سببًا لوجود الإسلام والمسلم والجهاد سبب لوجود الإسلام فقط “.

* وفي سبب تقديم كتاب النكاح على كتاب الجهاد: قال ابن عابدين:

قدَّمه على الجهاد، وإن اشتركا في أن كلًّا منهما سبب لوجود المسلم والإسلام؛ لأن ما يحصل بأنكحة أفراد المسلمين أضعاف ما يحصل بالقتال، فإن الغالب في الجهاد حصول القتل والذمة. ” رد المحتار ” ( 3 / 4 ).

وللنكاح منافع متعددة، منها:

  1. أن الله قد امتن به على عباده فقال: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ومودة ورحمة } [ الروم / 21 ].
  2. أن الزواج من سنن المرسلين فقد ذكر الله عز وجل ذلك عنهم فقال: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلًا إلى قومهم وجعلنا لهم أزواجًا وذرية } [ الرعد / 38 ].
  3. أنه أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا عامًّا لأمته يخاطب فيه كل شاب: ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ” البخاري ( 1806 ) ومسلم ( 1400 ).
  4. ومن أهم مقاصد النكاح وفوائده: تحصين النفس، وحمايتها من الوقوع في الفاحشة، وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ” فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج “، وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ” – رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ) – و ” إن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ” – رواه مسلم ( 2742 ) -.

* وقال المروزي:

قال الإمام أبو عبد الله – يعني أحمد بن حنبل -: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أربع عشرة، ومات عن تسع، ولو تزوج بشر ابن حارث لتمَّ أمره، ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو، ولا حج ولا كذا، ولا كذا.

انظر ” الإنصاف ” ( 8 / 13 )، و ” كشاف القناع ” ( 5 / 8 ).

وهذا كله في حال أن لا تتوق نفسه المسلم للزواج ويخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة، فإن كان الأمر كذلك: فإن الزواج يقدم على الجهاد الكفائي بلا ريب، بل ويقدَّم على الحج –  وهو من أركان الإسلام – إن كان يتعارض معه.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وإن احتاج الإنسان إلى النكاح وخشي العنت بتركه: قدمه على الحج الواجب، وإن لم يخف: قدَّم الحج، ونص عليه الإمام أحمد في رواية صالح وغيره، واختاره أبو بكر.

وإن كانت العبادات فرض كفاية – كالعلم والجهاد -: قُدِّمت على النكاح إن لم يخش العنت. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 451 ).

* وقال ابن قدامة:

والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح: فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.

الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور: فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وهو ظاهر قول الصحابة رضي الله عنهم، وفعلهم …

القسم الثالث: من لا شهوة له, إما لأنه لم يُخلق له شهوة كالعنين, أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه, ففيه وجهان; أحدهما: يستحب له النكاح; لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلي له أفضل; لأنه لا يحصل مصالح النكاح, ويمنع زوجته من التحصين بغيره, ويضر بها, ويحبسها على نفسه, ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها, ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.

” المغني ” ( 7 / 5 ، 6 ).

 

والله أعلم.

وصايا ونصائح وأصول في قبول الحق وتقليد العلماء وتقديم النقل على العقل.

السؤال:

كيف أرد على من يقول: صحيح أن النقل مقدم على العقل ولكن ليس كل تفسير للنقل هو المقصود، ويقول – على سبيل المثال -: أثبت لي أن المقصود بلهو الحديث في القرآن معناه عند الله الغناء، وقلت: إن ابن مسعود أقسم أنه الغناء، قال: كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرى أننا لو أخذنا بكل ما يقول العلماء واستسلمنا له كتحريم إدخال الدش للبيت فإننا سنتأخر عن الركب، ولا نعرف الواقع، وأن في هذا خطرًا على الأبناء إذا كبروا وتمكنوا من أخذ الحرية فسيحسون أنهم مكبوتون وسيدمنون عليه ويتأثرون به، ولا يمكن أن يقتنع بحرمة السفر للدول الكافرة من أجل السياحة، وإذا استشهدت بحديث ” أنا بريء ممن يعيش بين ظهراني المشركين ” قال: أكيد أن له مناسبة خاصة ولا أعتقد أن تفسيره يعني تحريم السفر لبلادهم، ويرى التسهيل وعدم التشدد، ولا يقتنع أحيانًا بحرمة بعض الأشياء التي انغمس الناس فيها وأصبحت عادة، ولا سيما إذا كان المجتمع قد تعود عليها، ودائمًا يكرر قد يكون هناك أقوال أخرى للعلماء وتفسيرات أخرى للأدلة فلا تجبرونا على الأخذ بما يرونه علماؤنا في السعودية فقط، كالحجاب، وقيادة المرأة للسيارة، والاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه لا يفعل ذلك ولا يحبه، وعلى هذا قس، يقول لي : أرجو أن تبحث في هذا الموضوع، هل رؤية المرأة في الأخبار لغير شهوة محرم؟ هل سماع الموسيقى في مقدمة أي برنامج أو في بداية الأخبار محرم؟ الرجل محب للخير يخشى الوقوع في الحرام، محافظ على الصلاة، يتضايق عندما يهاجم الصالحون عبر وسائل الإعلام، يؤمن بأن النقل يجب أن يقدم على العقل، ذكي، عقليته فذة، مجتهد، مخلص في أداء عمله، صاحب خلق عالي، ليس علمانيا، ويدعو لاحترام العلماء، الرجل يقبل الحوار، وعجزت أن أقنعه، فأرجو الإجابة الشافية، وأرجو وصف حالته وتشخيصها لأعرف ما هو داؤه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن مما يتميز به المسلم المتبع على الحقيقة للشرع أنه لا يقدم هواه وعاداته على شرع الله تعالى، ولا يقدِّم كلام أحدٍ من الناس على حكم الشرع إذا كان ثمة مخالفة بينهما.

والحق الذي أنزله الله تعالى ليس تبعًا لأهوائنا، وأحكام الله كلها عدل، وفيها الحكمة البالغة، لكن أهل الأهواء لا يفقهون هذا، وتريد كل طائفة أن تلوي النصوص حتى تتوافق مع هواها سواء في بدعة أو في معصية.

ثانيًا:

قد أوصى الأئمة رحمهم الله أن لا نقدم قولهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قالوا: ” كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد عليه ” لكن لا نرد عليه بهوانا، ولا بمصلحة شخصية، ولا بحديث ضعيف أو موضوع، بل نرد عليه إذا جاءنا الحكم من الله تعالى ورسوله وعلمنا أن كلام الإمام والعالِم يخالفه، وكما ترى فإننا نرده بفهم آخر من عالِم آخر، فلا غنى للمسلم المتبع عن أهل العلم، فهم الذي أوصلوا نصوص الوحيين وهم الذي أفهمونا مراد الله ورسوله فيهما.

ثالثًا:

ولسنا نقدِّم كلام علماء المملكة العربية السعودية على غيرهم، بل نقدِّم كلام من يوافق الكتاب والسنة ويستدل بهما على الأحكام الشرعية، سواء كان شاميًّا أو عراقيًّا أو هنديًّا، فالعبرة عندنا بمن كان منهجه في الاستدلال والاستنباط مؤصلًا تأصيلًا سليمًا، وليس في دين الله تعالى مثل هذه العنصرية أو الإقليمية، فبلاد المسلمين واحدة، وعلماء المسلمين لا يقربهم من الحق سكناهم في بلاد معينة، ولا يباعدهم عن الحق حملهم لجنسية أعجمية، وإذا أردت أن تعرف أهل الحق والعدل والإنصاف فانظر لأهل العلم الربانيين ومنهم أهل الحديث كيف لم تؤثر فيهم مثل هذه الجاهليات، فالإمام أحمد عراقي، والإمام البخاري من بخارى، وشيخ الإسلام ابن تيمية من الشام، فمن أين يأخذ القوم إلا من هؤلاء وأمثالهم!؟.

فنرجو من صاحبك أن لا تؤثر فيه تقسيمات المستعمرين لبلاد الإسلام، وأن يخلي قلبه من الهوى والغيظ على علماء الإسلام في أي قطر كانوا، وليكن الحق رائده حتى يوفقه الله تعالى ويدله على الصراط المستقيم، والذي حُرمه الكثيرون ممن يتخبطون في العقيدة والحديث والفقه، فالهداية نعمة عظيمة، حرمها الكثيرون ووفِّق إليها القليلون.

رابعًا:

ليس المهم أن يرى  صاحبك جواز الإقامة في بلاد الكفار، أو يقول بجواز الغناء، أو يرجح عدم وجوب تغطية المرأة وجهها وغير ذلك من المسائل، بل المهم هو: كيف وصل لهذه النتائج؟ هل اتقى الله تعالى وراقبه في استدلالاته وترجيحاته؟ هل سلك سبل أهل العلم في طرق الرواية والدراية؟ هل راقب الله تعالى وهو يوقع عنه بحل شيء أو حرمته؟.

قد اختلف أهل العلم السابقين في مسائل كثيرة، بل قلَّ ما اتفقوا على حكم، لكن هل قدموا هواهم فيما اختلفوا فيه؟ هل قدموا عادات بلدانهم وأهواء حكامهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ رأى بعضهم تحريم معاملة ورأى غيره حلَّها، ولم يوجب ذلك اتهامًا ولا طعنًا لأحدهما؛ وما ذلك إلا لأنهم يسعوْن لمعرفة الحق والصواب ويتحرون الدليل الصحيح، وهذا ما أداهم إليه اجتهادهم، لذا كان للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد.

خامسًا:

ونحن نعلم أن ما نذكره في أجوبتنا يوجد من يخالف فيه من أهل العلم، لكننا نعلم أننا أمام أصنافٍ ثلاثة من الناس:

الأول: مجتهد، ومثل هذا يعلم أنه قد اختلف أهل العلم فيما نقوله، بل وفيما هو أعظم منه، وهو يعلم أسباب اختلاف العلماء، فمثله يعذر ولا يثرِّب.

الثاني: طالب علم، يسمع الأقوال، ويرى اختلاف الأحكام، وعنده قدرة على النظر والترجيح بينهما بما آتاه الله من علم وبصيرة، وهذا أيضًا يعذر ولا يثرِّب.

والثالث: عامي، وهذا لا يستطيع أن يفرق بين الأقوال الضعيفة والقوية، ولا يستطيع تمييز الحديث الصحيح من غيره، فمثل هذا يجب عليه أن يقلِّد أعلم الناس وأتقاهم في نظره.

– فمن أي أصناف الناس الثلاثة صاحبك؟.

سادسًا:

والمسائل الشرعية منها ما هو قطعي ومنها ما هو ظني، فالقطعي لا يجوز لأحدٍ أن يخالف فيه، والظني هو مسرح الاجتهاد ومجال الأخذ والرد، ونحن إن أنكرنا على أحد بقوة فإنما نفعل ذلك إذا رأيناه ينازع في ثوابت الدين من العقيدة الصحيحة والأحكام القطعية، كمن أراد إلغاء أحكام الردة ورفع الرجم عن الزاني المحصن وغير ذلك من المسائل.

ومن الأحكام التي يتبناها أهل العلم ما يكون مباحًا في نفسه لكنهم يمنعون منه لما يؤدي تطبيقه وفعله إلى مفاسد متعددة، ومثل ذلك قيادة المرأة للسيارة، فنحن نعلم أنها مباحة في نفسها لكن القول بجوازها سيشمل جميع فئات النساء وأعمارهن على اختلاف دينهن وعدالتهن وأخلاقهن، فكيف ستضبط الأمور إذا نفِّذ وطبِّق هذا الأمر؟ فقول من منع لما تؤديه القيادة من مفاسد قول وجيه له أصول من الكتاب والسنة.

وسعي علمائنا في تربية الأمة على العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة أمرٌ يُشكرون عليه، والناظر في الأطباق الفضائية وما تجنيه الأسر من وراء برامجها وأفلامها وندواتها بل وبرامجها الدينية يرى أمورًا عظامًا، فأين هي الأخلاق والعادات الحميدة في تلك الفضائيات، وهل تظن أن قول ” مباح ” للأمة أمر سهل حتى يتجرأ عليه علماؤنا فيساهموا في تدمير أسر بأكملها حتى لا يقال إنهم كبتوا المسلمين وأخروهم؟ والذي يرى علماء الأمة الثقات الأثبات يرى أنهم على اطلاع وافر على أحوال المسلمين وعلى أخبار العالَم من غير ضرورة النظر في المحرمات وسماعها، ويرى أبناءهم على علم وخلق ودراية بأحوال الناس من غير ضرورة تعلم ذلك من الأفلام والتمثيليات الهابطة، فطرق التعلم الشرعية كثيرة، والأمة الإسلامية كانت بأحسن حال من حيث الأخلاق والسلوك قبل مجيء هذه الفضائيات الهابطة.

فلك أن تقول للناس: أجلبوا هذه القنوات لبيوتكم، ولا تكبتوا أبناءكم وبناتكم عن الاستمتاع بمشاهدة الممثلين واللاعبين والمصارعين، ولك أن تحثهم على قضاء الأوقات على تمثيليات الحب والغرام، لكن ليس لك أن تنتقد من أراد الحفاظ على هوية الأمة وأخلاقها واعتقادها.

وأخيرًا:

نسأل الله أن يهدي صاحبك لما فيه الخير، وأن يريه الحق حقا ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا ويرزقه اجتنابه.

 

والله أعلم.

وقع في العادة في السرية في ليالي منى في الحج!

السؤال:

رجل – في دينه رقة – أدّى الحج ووقع في العادة السرية مرة واحدة في إحدى ليالي المبيت بمنى، فهل عليه شيء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يتعجب المرء حين يسمع عن حجاج تركوا ديارهم وأهلهم، وأقبلوا بقلوبهم وأبدانهم على أداء النسك الذي جعله الله تعالى ركنًا من أركان الإسلام، ثم يعصي الواحد منهم ربَّه تعالى، وأين؟ في المشاعر! بل وفي الحرم – كذلك -، فـ ” منى ” من المشاعر وهي في حدود الحرم، وقد ذكرنا في جواب السؤال ( 329 ) حرمة العادة السرية، ومما لا شك فيه أن المعصية تعظم بعظم الزمان والمكان، وهو ما حصل في تلك المعصية، والتي فُعلت في الحرم وفي زمان معظَّم وهي أيام التشريق أيام المناسك وذكر الله تعالى.

فالواجب على المسئول عنه أن يتوب ويستغفر، وأن يندم ندمًا صادقًا على فعله، وأن يعزم على عدم العوْد لهذا الذنب، مع الإكثار من الطاعات ودعاء الله تعالى أن يتقبل منه.

 

والله أعلم.

والده كبير في السن وينظر إلى الأجنبيات ويتحدث معهن

السؤال:

أن أبي – وعمره خمسون سنة – يكلم الفتيات في الكمبيوتر ويرى البنات في المجلات، فماذا علي أن أفعل معه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الواجب عليك نصح والدك، وتذكيره بحرمة ما يفعل من الحديث والنظر إلى ما لا يحل له، وتذكيره بكبر سنِّه، وأن مثله ينبغي أن يتقي الله ربه أكثر من غيره من الشباب الطائش، ومثله ينبغي أن يتدارك عمره، ويعلم أن ما بقي من عمره ليس بأكثر – غالبًا – مما مضى.

وتذكره بوجوب شكر نعمة الله تعالى، وأن الشكر لهذه النعم يكون بحفظها عن فعل المحرمات، ويكون حفظها بتسخيرها في طاعة الله تعالى، فكيف يكفر بنعمتي السمع والبصر في تسخيرهما في معصية الله؟.

وتذكره بضرورة الحفاظ على وقته، وأنه نعمة من نعم الله تعالى الجليلة، فلا يجوز له التفريط فيه بتصريفه فيما لا يحل له.

وتذكره أنه قدوة لأبنائه وبناته، وأنه بأفعاله هذه سيتعلم منه أبناؤه وبناته كل شر، وسيسيرون على طريقه نفسه، وسيبوء بآثامهم، فكيف يرضى أن يكون سببًا في فساد أسرة أوجب الله تعالى عليه نصحها ودلالتها على الخير والطاعة؟.

وتذكره أن الإثم الذي يترتب عليه أعظم من الإثم الذي يترتب على الشاب.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملِك كذاب، وعائل مستكبر “. رواه مسلم ( 107 ).

* قال النووي:

وأما تخصيصه صلى الله عليه وسلم في الحديث ” الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المستكبر ” بالوعيد المذكور: فقال القاضي عياض: سببه أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه, وعدم ضرورته إليها, وضعف دواعيها عنده; وإن كان لا يعذر أحد بذنب لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة, ولا دواعي معتادة, أشبه إقدامهم عليها المعاندة, والاستخفاف بحق الله تعالى, وقصد معصيته لا لحاجة غيرها; فإن الشيخ لكمال عقله وتمام معرفته بطول ما مر عليه من الزمان, وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء, واختلال دواعيه لذلك, عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا ويخلي سره منه فكيف بالزنا الحرام, وإنما دواعي ذلك الشباب, والحرارة الغريزية, وقلة المعرفة, وغلبة الشهوة لضعف العقل, وصغر السن. ” شرح مسلم ” ( 2 / 117 ).

ثانيًا:

وننصحكم بعدم تمكينه من فعل المحرمات، وذلك بمنعه من دخول الإنترنت، وعدم إحضار المجلات له أو تمكينه من شرائها، على قدر استطاعتكم.

وننصحكم بإشغاله بما ينفعه دنيا وآخرة، ومن أهم ما تشغلونه به البحث عن الصحبة الصالحة التي تدله على الخير وتحذره من الشر.

وننصحكم بالبحث عن سبب فعله لهذه المعاصي، وأنه قد يكون بحاجة إلى الزواج، فعليكم تزويجه، والبحث له عن زوجة تعفه وتستر عليه.

 

والله الهادي.

هل يطيع والديه أم جدته؟

– أثابكم الله ونفع بكم الإسلام والمسلمين

سؤالي لكم – حفظكم الله – هو:

عن مسألة أشكلت عليَّ كثيرًا، حيث أن لي والدين وجدة – أم أبي -، ونحن نعيش في بيتٍ واحدٍ، ولدي وظيفة أعمل بها في نفس المدينة التي نعيش فيها، جدتي أم والدي لا ترغب في العيش في هذه المدينة التي نحن فيها، وتود أن ترجع لبيتها في القرية، ولكن أبي يحاول أن يقنعها بالجلوس فتجلس وهي غير راضية، وقد أشرت عليها بالموضوع وكادت أن تطير من الفرح بأنني سأذهب بها إلى القرية التي عاشت بها طيلة حياتها ولم تغادرها إلا بعد وفاة جدي – أبي والدي – قبل ثلاث سنين بسبب أنه لا يوجد أحد يعولها هناك، وأن أبناءها لهم أعمال في مدن متفرقة وبعيدة.

والسؤال هنا: هل يجب عليَّ برُّها في هذا الأمر والذهاب بها إلى هذه القرية وأن أبحث عن عمل آخر هناك يكون قريب من القرية؟ وما حكم طاعتها في هذا الأمر إذا رفض أبي أو أمي بالذهاب بها إلى هناك؟ وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله تعالى على الأبناء برَّ والديهم، ومن برِّهم: طاعتهم – في غير معصية الله -، والإحسان إليهم، وعدم عقوقهم.

وللجد والجدة – من جهة الأب ومن جهة الأم – الحكمَ نفسه.

* قال ابن المنذر:

والأجداد آباء, والجدات أمهات, فلا يغزو المرء إلا بإذنهم, ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات. انظر ” تفسير القرطبي ” ( 10 / 241 )، وانظر قول مالك في ” المدونة ” ( 4 / 536 ) والشافعي في ” الأم ” ( 5 / 161 ).

ومن لم يجعل الأجداد والجدات من ” الوالدين “: فإنهم – بلا شك – من الأرحام، وللأرحام حقوق شرعية.

ومن حقوق الأرحام – ومنهم الجد والجدة -: الإحسان إليهم وتفقد أحوالهم والقيام على حاجاتهم ومواساتهم، قال الله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } [ النساء / 36 ]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله تعالى خلق الخلق, حتى إذا فرغ منهم, قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم, أما ترضين أن أصل من وصلك, وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قال: فذلك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ  } [ محمد / 22 ، 23 ].

والذي يظهر لنا في قضية الأخ السائل: أن ما يقوله الوالد هو الصواب، فبقاء الجدة بين أظهركم خير لها، ورجوعها إلى القرية هو استسلام للعاطفة دون تفكير في عواقب الأمر، ومن مساوئ هذا الرجوع: بقاؤها وحدها في البيت، فإذا كنتَ ستذهب لعملك، وأبناؤها ليسوا عندها: فإنه ستستسلم للوحدة وستعيشها واقعة، وهذا بخلاف بقائها بين ابنها وأحفادها في بيت والدك.

والواجب عليك: طاعة والديك، ولا يلزمك طاعة جدتك فيما ترغب به، لتعرضها مع رغبة والديك، ومع المنطق الصحيح، وعليك بالتلطف في نصيحتها لتجمع بين رغبة والديك والصحيح من فعل جدتك.

ومن لطيف ما أفتي به في مثل هذا المقام: أن رجلًا قال للإمام مالك: والدي في السودان, كتب إلي أن أقدم عليه, وأمي تمنعني من ذلك, فقال له مالك: ” أطع أباك ولا تعص أمك ” يعني: أنه يبالغ في رضى أمه بسفره لوالده, ولو بأخذها معه, ليتمكن من طاعة أبيه وعدم عصيان أمه.

 

والله أعلم.