الرئيسية بلوق الصفحة 50

أسباب انتشار المذهب الحنفي وعقيدة الخلف وعدم انتشار المذهب الحنبلي وعقيدة السلف

أسباب انتشار المذهب الحنفي وعقيدة الخلف وعدم انتشار المذهب الحنبلي وعقيدة السلف

السؤال:

كنت ملتزمًا بما يتم الإشارة اليه في هذا الموقع، فأرجو أن تجيبوا على أسئلتي، أنعم الله عليكم بمزيد من العلم.

إذا كان السلف هو منهج صحيح لاتباع السنَّة فلماذا يشيع المذهب الحنفي حول العالم وليس منهج السلف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المذهب الحنفي – والذي ينسب لأبي حنيفة النعمان بن ثابت( توفي عام 150 هـ ) – ليس قسيمًا لمنهج السلف حتى تتم المقارنة بينهما، والمذهب الحنفي مذهب فقهي يقابله المذاهب الفقهية المشتهرة كالمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي – مثلًا – ، ومنهج السلف يقابله منهج الخلَف من أهل البدعة ، كالأشعرية والمعتزلة – مثلًا – .

وحتى نجمع في جوابنا بين تصحيح سؤال الأخ الفاضل وبين الفائدة للقارئ: فلنجعل المقارنة بين أسباب انتشار الحنفي مقابل المذهب الحنبلي؛ لأن هذا الثاني هو من يحمل أتباعه منهج السلف واعتقادهم، والمذهب الحنفي – في هذا الزمان وليس الزمان الأول – يحمل أتباعه اعتقاد الماتريدية – أتباع أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي الحنفي ( توفي عام 324 هـ ) والأشعرية، والمدرسة الحنفية لا تقوم على النصوص كما هو الحال في مدرسة الحنابلة، حتى اشتهر أهلها في كتب الفقه والتاريخ بـ ” أهل الرأي “، فالمقارنة بين انتشار المذهب الحنفي وانتشار المذهب الحنبلي يستفاد منها – أيضًا – في المقارنة بين انتشار منهج السلف ومنهج الخلف في الاعتقاد وأسباب ذلك.

 

ثانيًا:

أما عن أسباب انتشار المذهب الحنفي في كثير من أرجاء الأرض: فيمكن تلخيص الأسباب بسبب واحد وهو ” السياسة “! ونعني به: تبني دول إسلامية كثيرة لهذا المذهب حتى فرضته على قضاتها ومدارسها، فصار له ذلك الانتشار الكبير، وقد ابتدأ ذلك بالدولة العباسية، وانتهى بالدولة العثمانية، وقل مثل ذلك في الدول بين تلك الدولتين كدولة السلاجقة، والغزنوية، وغيرهما.

 

 

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة؛ فإنه لما ولي قضاء القضاة ” أبو يوسف ” كانت القضاة من قِبَله، فكان لا يولي قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا؛ فإن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان، مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاضٍ في أقطارنا إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا والرياسة، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى بن يحيى لم يلِ قضاء قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدًا في جلالته عندهم، وداعيًا إلى قبول رأيه لديهم، وكذلك جرى الأمر في أفريقية لما ولي القضاء بها سحنون بن سعيد، ثم نشأ الناس على ما انتشر.

” رسائل ابن حزم ” ( 2 / 229 ).

والأمر نفسه يقال في الدولة العثمانية، فإنه لا يخفى على أحد اتساع رقعة أراضيها وكثرة ولاياتها في الآفاق، وكان المذهب الرسمي للدولة هو المذهب الحنفي، ولا تزال دول كثيرة تعتمد هذا المذهب في أحوالها الشخصية تأثرًا بالفترة العثمانية السالفة، والتي حكمت من عام 699 هـ إلى 1342 هـ – 1299 م إلى 1924 م.

ولا شك أن مثل أولئك المتمذهبين بمذهب أبي حنيفة رحمه الله كان لهم نشاط في التعليم والدعوة، ومن الطبيعي أن يكون معهما انتشار المذهب في البلاد التي لم يحكمها العثمانيون كدول شرق آسيا وغيرها.

ثالثًا:

وأما عن سبب عدم انتشار المذهب الحنبلي : فقد ذكرها الدكتور سالم الثقفي رحمه الله في كتابه ” مفاتيح الفقه الحنبلي “، فقال:

واما أسباب قلة اتباعه إذا قيس بغيره إلى جانب الأسباب المتعمدة للتقليل منهم فمنها:

أولًا: ما يصدق عليه قول بعض المؤرخين أنه جاء بعد أن احتلت المذاهب الثلاثة التي سبقته في الأمصار الإسلامية قلوب أكثر العامة، فكان في أكثر نواحي العراق مذهب أبي حنيفة، وفي مصر المذهب الشافعي والمالكي، وفي المغرب والأندلس المذهب المالكي بعد مذهب الأوزاعي.

ولكن رغم تمكن هذه الظاهرة النفسية من نفوس الجماهير من المسلمين في بعض الأمصار إلا أنه في أكبر مدن الإسلام يومئذ – بغداد – قد رأينا أن مذهب الإمام أحمد جذبهم بما استمالهم به من قوة الإقناع وجلاء الوضوح في مرئياته.

ثانيًا: أنه لم يكن منه قضاة، والقضاة إنما ينشرون المذهب الذي يتبعونه، فأبو يوسف ومِن بعده محمد بن الحسن رحمهما الله نشرا المذهب العراقي وخصوصًا آراء أبي حنيفة وتلاميذه، وسحنون نشر المذهب المالكي وعمل على نشره أيضا الحكم الأموي في الأندلس، ولم ينل المذهب الحنبلي تلك الحظوة إلا في بغداد أيام نشأته، وإلا في الجزيرة العربية أخيرًا، وفي الشام وقتًا من الزمن.

ثالثًا: شدة الحنابلة على أهل البدع والضلالات، وتمسكهم بالأمر عن الوقوع في المأثم، واتباعًا منهم لأصلهم الذي تمسكوا به أكثر من سواهم وهو سد الذرائع.

وفي هذا الصدد حكى ابن الأثير قصة ما حصل منهم في سنة 323 هجري حينما قويت شوكتهم، فصاروا يكبسون على دور القُوَّاد والعامَّة فإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنيَّة ضربوها وكسروا آلة اللهو حتى أرهجوا – أي: أثاروا – بغداد.

رابعًا: وهناك في رأيي سبب أقوى من كل ذلك يمكن إجماله: في أن الأكابر من أتباعه حين يبلغون درجة الإمامة يستبد بهم الورع عن إغراء الناس بمغريات الدنيا التي تجتذبهم إلى تمجيد المذهب في عيون العامة والسواد العام اكتفاء بعنصر الإقناع المتجسد في منهج المذهب الحنبلي، في حين أن ذلك ليس بكافٍ في نظر السواد الأعظم الذين لم يبلغوا درجة إدراك التمييز بين المناهج.

خامسًا: فضلًا عن الضغوط التي مارستها ” الدولة العثمانية ” على أتباع المذهب الحنبلي حتى تلاشوا من موطنه الأم أولًا: ” بغداد ” ونواحيها، ثم ” الشام ” وغيرهما من البلاد الأخرى، وهذا سبب سياسي قوي الأثر إذا ما أخذ في الاعتبار اغتنام شدة تمسك الحنابلة في التشهير من قبل خصومهم بمذهبهم الذي كان بمثابة المرتع الخصيب للمناوئين له أو قل: للذين يهدفون لإحلال مذاهبهم محله.

من هنا تضافرت عوامل عدة على محاصرته في كل مكان، ….فتلك الأسباب مجتمعة ضيقت الخناق على انتشاره بين المسلمين، … ولم نسمع بغلبته على ناحية إلا على ” البلاد النجدية ” وكثير من نواحي ” الجزيرة العربية ” الآن، وعلى ” بغداد ” في القرن الرابع، واستفحل أمره منذ حوالى 323 هجري على ما تقدم.

ولا يفوتني تعليل لقلة أتباعه ذكره ” ابن خلدون ” بما يشبه الذم في صورة المدح، إذ يقول: ” فأما أحمد بن حنبل فمقلِّده قليل لبُعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار بعضها ببعض، وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر النَّاس حفظاً للسنَّة ورواية الحديث “.

يريد بقوله ذلك: لبُعد مذهبه عن الاجتهاد من إعمال الرأي والبحث عن الأدلة الفرعية التي لا نص فيها أو تخالف النصوص؛ لأن في يد إمامه الأدلة من النصوص متوافرة بما معها لا يحتاج لغير الأصالة المعاضدة بالرواية ، وهل بعد هذا فضيلة؟!.

” مفاتيح الفقه الحنبلي ” الدكتور الشيخ سالم الثقفي ( 2 / 430 – 433 ) باختصار.

 

والله أعلم.

هل التصوير اليدوي والنحت لذوات الأرواح أعظم إثمًا من الزنى والربا؟

هل التصوير اليدوي والنحت لذوات الأرواح أعظم إثمًا من الزنى والربا؟

السؤال:

أخبر الرسول أن المصورين أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فهل إذا رجحت سيئات شخص على حسناته بسيئة واحدة وهي التصوير وشاء الله تعذيبه هل يكون أشد ممن رجحت بآلاف السيئات من زنا وربا وغيره أم أن الحديث على وجه التهديد؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المصورون المقصود بهم في السؤال هم الذين يرسمون ذوات الأرواح، أو يصنعون التماثيل لها من أي مادة كانت، وقد ورد الوعيد الشديد فيهم وأنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة.

عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ ).  رواه البخاري ( 5610 ) ومسلم ( 2107 ).

وفي رواية لمسلم ( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ ).

وعن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ المصُوِّرُونَ ). رواه البخاري ( 5606 ) ومسلم ( 2109 ).

 

ثانيًا:

وجوابًا على سؤال الأخ الفاضل نقول: التصوير الذي يقع من المصوِّر له حالان:

  1. فقد تكون سيئة التصوير الواحدة تلك أعظم من الربا والزنى؛ وذلك بحسب نية وفعل ذلك المصوِّر، فمن قصد بتصويره مضاهاة خلق الله وأن تصويره أعظم من تصوير الله تعالى، أو أنه صوَّر أصنامًا لعابديها: كانت سيئته – والعياذ بالله – كفرًا مخرجًا من الملة، وحينئذٍ لا يكون ثمة إشكال في معنى ( أشدّ النَّاسِ عَذَاباً ).

أ. قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأجاب الطبري بأن المراد هنا: مَن يصوِّر ما يُعبد من دون الله وهو عارف بذلك قاصدًا له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك: فإنه يكون عاصيًا بتصويره فقط.

” فتح الباري ” ( 10 / 383 ).

ب. وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

ولقائل أن يقول: ( أشد الناس عذابًا ) بالنسبة إلى هذه الأمة لا إلى غيرها من الكفار، فإن صوَّرها لتُعبد أو لمضاهاة خلق الله تعالى: فهو كافر قبيح الكفر، فلذلك زيد في عذابه. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 12 / 39 ).

ج. قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

والمضاهاة بخلق الله جل وعلا التي رُتب عليها أن يكون فاعلها أشد الناس عذابًا يوم القيامة عند كثير من العلماء: محمولة على المضاهاة التي تكون كفرًا؛ لأن المضاهاة في التصوير يكون كفرًا في حالتين:

الحالة الأولى: أن يصوِّر صنمًا ليعبد، أو يصوِّر إلهًا ليعبد، كأن يصور لأهل البوذية صورة بوذا، أو يصور للنصارى المسيح، أو يصور أم المسيح ونحو ذلك، فتصوير ما يعبد من دون الله جل وعلا مع العلم بأنه يُعبد: هذا كفر بالله جل وعلا؛ لأنه صوَّر وثنًا ليعبد، وهو يعلم أنه يُعبد، فيكون شركًا أكبر، وكفرًا بالله جل وعلا.

والحالة الثانية: أن يصوِّر الصورة ويزعم أنها أحسن من خلق الله جل وعلا فيقول: هذه أحسن من خلق الله، أو أنا فقتُ في خلقي وتصويري ما فعل الله جل وعلا، فهذا كفر أكبر، وشرك أكبر بالله جل جلاله.

وهذا هو الذي حمل عليه هذا الحديث، وهو قوله: ( أشد الناس عذابا يوم القيامة الذي يضاهئون بخلق الله )، وأما المضاهاة بالتصوير عامة بما لا يخرجه من الملة، كالذي يرسم بيده، أو ينحت التمثال، أو ينحت الصورة مما لا يدخل في الحالتين السابقتين: فهو كبيرة من الكبائر، وصاحبها ملعون ومتوعد بالنار.

” التمهيد لشرح كتاب التوحيد ” ( ص 559 ، 560 ).

  1. وأما ما كان دون ذلك من التصوير: فلا نرى أن سيئته أعظم من الربا والزنى؛ لما فيهما من الوعيد الشديد، ولما فيهما من التعدي على الآخرين، ففيهما حقوق يجب استيفاؤها من مال وعرض، بخلاف التصوير فهو ذنب بين الفاعل وربِّه تعالى.

وأما معنى ” أشد الناس عذابًا ” على هذه الحال: فهو محمول على وجوه، أقواها:

أ. أنه عذاب أشد بالنسبة لأصحاب المعاصي من جنس معصيته.

ب. أنه يشترك مع غيره من أصحاب الذنوب التي ورد فيها لفظ ( أشد ) في العذاب.

وأسلمها:

إبقاء النص على ظاهره؛ لأنه من نصوص الوعيد والتهديد.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد استُشكل كون المصور أشد الناس عذابًا مع قوله تعالى ( ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ) فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابًا من آل فرعون … وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد، وقوَّى الطحاوي ذلك بما أخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود رفعه ( إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيًّا أو قتله نبي وإمام ضلالة وممثل من الممثلين ) وكذا أخرجه أحمد – ( 6 / 413 ) وقد حسنه المحققون وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 281 ) -، … وأخرج الطحاوي أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا ( أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل هجا رجلًا فهجا القبيلة بأسرها ) – صححه الأرناؤط في تخريج ” شرح مشكل الآثار ” ( 1 / 12 ) -.

قال الطحاوي: فكل واحد من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب.

وقال أبو الوليد بن رشد في ” مختصر مشكل الطحاوي ” ما حاصله: إن الوعيد بهذه الصيغة إن ورد في حق كافر: فلا إشكال فيه؛ لأنه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاصٍ: فيكون أشد عذابًا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالًّا على عظَم المعصية المذكورة. ” فتح الباري ” ( 10 / 383 ، 384 ).

وما قاله ابن رشد هنا سديد لكن ننبه على أن العصاة المقصودين في كلامه ينبغي أن يُحمل على غير أصحاب الذنوب الأعظم من التصوير – مثل القتل والزنى -، وقوله أن اللفظ النبوي يدل على عظم المعصية قول سديد يدل على عين المراد من تنبيهنا هذا، وعلى أصل الجواب.

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ( أشد الناس عذابًا ): فيه إشكال; لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبًا، كالمشركين والكفار، فيلزم أن يكونوا أشد عذابًا، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:

الأول: أن الحديث على تقدير ” مِن “، أي: ” مِن أشد النَّاس عذابًا “، بدليل: أنه قد جاء ما يؤيده بلفظ: ( إن من أشد الناس عذابًا ) – قلنا: وقد سبق ذِكرها وأنها رواها مسلم -.

الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )، ولكن يشكل على هذا أن المصوِّر فاعل كبيرة فقط، فكيف يسوَّى مع من هو خارج عن الإسلام ومستكبر؟!.

الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني: أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها: أشدهم عذابًا: الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب.

الرابع: أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس عنه، ولم أر من قال بهذا، ولو قيل بهذا: لسلمنا من هذه الإيرادات.

وعلى كل حال: ليس لنا أن نقول إلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله ).

” القول المفيد على كتاب التوحيد ” ( 2 / 444 ، 445 ).

 

والخلاصة:

لا يمكن لسيئة التصوير التي دون الكفر أن تكون أعظم إثمًا وعقوبة من القتل والزنى والربا.

ومن حيث العموم: لا شك أن أعظم الذنب وأكبر الكبائر هو الإشراك بالله تعالى، ثم القتل، ثم الزنى، ولا يمكن لسيئة التصوير الواحدة أن تكون أعظم إثمًا وعقوبة من آلاف الذنوب – كما جاء في السؤال – من معاصي الزنى والربا والقتل.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنا.

” الجواب الكافي ” ( ص 77 ).

واحتج الإمام أحمد بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ( وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ )، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ( أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ). رواه البخاري ( 4207 ) ومسلم ( 86 ).

وقال المنذري – رحمه الله -:

وقد صح أن مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد وثن، ولا شك أن الزنا أشد وأعظم عند الله من شرب الخمر.

” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 190 ).

وقال السفاريني – رحمه الله -:

” الزنا أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل.

” غذاء الألباب ” ( 2 / 305 ).

وما قلناه في الزنى نقوله في الربا، فهو ذنب عظم، وهو من كبائر الذنوب التي توعَّد الله تعالى عليها بأشد الوعيد.

وما ذُكر في ذنب التصوير من أن فاعله ” أشد الناس عذابًا ” إنما يدل على عظَم هذا الذنب، وشدة عقوبة فاعله، فليُعلم هذا.

 

والله أعلم.

هل يأثم المسلم على بغض والديه القلبي في حال خالفوا الشرع؟

هل يأثم المسلم على بغض والديه القلبي في حال خالفوا الشرع؟

السؤال:

هل إن كان الشخص يكره والده ولا يحبه مع حسن معاملته ومحاولة برِّه يأثم بهذه المشاعر، مع العلم أن والده هو من تسبَّب في هذه المشاعر بقسوته وأسلوبه في المعاملة مع الأبناء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا سؤال دقيق، والإجابة عنه ستكون بقدره، فنقول: إن الله تعالى لم يأمر الأولاد بحب والديهم، ولم ينههم عن بغضهما؛ لأن الله تعالى غرس حبَّ الوالدين في فطَر الأولاد، فحب الوالدين حبٌّ فطري، وكذا حب الوالدين لأولادهم.

وثمة سبب آخر يمكن أن نقوله هنا، وهو أن الله تعالى يعلم أنه ثمة من سيكون من الوالدين كافرًا أو فاسقًا أو ظالمًا، ومثل هؤلاء إما يُبغضون لأفعالهم ولذاتهم – إن كانوا كفَّارًا -، وإما يُبغضون لأفعالهم – إن كانوا مسلمين -، ولا فرق في هذا الأمر بين أب وأم وبين أجنبي، وحينئذٍ يكون البغض بغضًا شرعيًّا.

فليس يؤمر الأولاد بحب والديهم وينهوا عن بغضهم، وإنما المأمور به الأولاد تجاه والديهم: برُّهم والإحسان إليهم بالقول والفعل، والمنهي عنه هو: عقوقهم، والإساءة إليهم بالقول والفعل.

ومع هذا نقول: إن المعصية التي تصدر من قبَل الوالدين ينبغي أن تولِّد في قلب الأولاد – مع البغض لها – الرحمة بوالديهم أنهم تلَّبسوا بما يخالف شرع الله، وينبغي الخوف عليهما أن يتوفوا على هذه المعاصي والموبقات.

وعليه: فمن وقع في قلبه كراهية لوالديه – أو أحدهما – بسبب يقتضي ذلك: فهو لا يؤاخذ على هذا الشعور، إلا أنه يأثم إذا ما أساء إلى والديه بالفعل أو بالقول حتى لو كان ذلك بكلمة ” أُف “!.

قال تعالى – في حق الوالدين المسلميْن -: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/ 23، 24.

وهل ثمة أعظم من الكفر يتلبس به الوالدان؟! ليس هذا فحسب بل إنهما يجاهدان في دعوة أولادهم لذلك الكفر ومع ذلك لم يأمر الله تعالى بعقوق ذينك الوالديْن، ولا نهاه عن برِّهما، بل أمره بقول المعروف لهما، والإحسان لهما.

قال تعالى – في حق الوالدين الكافريْن -: ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) لقمان/ 14، 15.

وقد ذكرنا في أجوبة متعددة كيف أن برَّ الأم والإحسان إليها لا يسقط حتى لو أنها كانت على علاقة محرَّمة مع أجانب! وقد ذكرنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية في منعها وحبسها وربطها حتى لا تقع في المحرَّم ومع هذا كلِّه لم يسقط حقها في البر وتحريم العقوق، فلا يجوز السكوت عن فعلها، ولا إعانتها عليه، كما لا يحل عقوقها، ولا ضربها، وهذا الأمر دقيق لا يتنبه له كثيرون ممن تجرفهم العاطفة لما يرونه من مخالفات من والديهم، فمن الذي يحب الكفر والفسوق والعصيان من والديه؟! ومن الذي ينهاك عن بغض ذلك كله؟! وصدور ذلك من الوالدين لا يختلف عن صدوره من غيرهما من حيث بغضه وعدم الرضا به، ولكنَّنا أُمرنا إذا كان ذلك صادرًا من الوالديْن أن لا يتسبب في عقوقهما، ولا الإساءة إليهما، بخلاف ما إذا صدر ذلك من غيرهما.

ولم نرَ في فتاوى علمائنا من يمنع وجود البغض لأفعال الوالدين في قلبه طالما أن الولد لم يُترجم ذلك إلى واقع عملي فيسيء إلى والديه بالقول أو بالفعل أو بهما جميعًا، ودائماً تأتي الوصية من العلماء للأولاد في مثل هذه الأحوال: بالصبر على إساءة الوالدين، والدعاء لهما، والبر بهما، والإحسان إليهما، وتوسيط أهل الخير لإصلاح حالهما.

ومن ذلك:

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة:

إنني أجد بغضا وكراهية لأبي؛ وذلك غضبًا لله عز وجل، فإنه ما من بيت من بيوت الجيران إلا ونظر على شأنهم، وكم من المشاكل حدثت بسبب هذا الموضوع، وعلمت حقًّا بما قاله ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه سيأتي زمان على هذه الأمة يذوب فيه قلب المؤمن كما يذاب الملح في الماء، وذلك لكثرة ما يجد ولا يقدر أن ينكره، وإنه يسبب لي المشقة لعلمي أن معصية الوالدين من الكبائر.

فأجابوا:

عليك بالإحسان إلى والدك وبذل المعروف له وطاعته في غير معصية الله عز وجل، وحاولي بذل النصيحة له إن قدرت عليها ولم تخشي مفسدة أعظم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 155 ، 156 ).

 

 

  1. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – في صديق يقابل إساءة والده بإساءة-:

فالواجب على صديقك أن يتقي الله، وأن يراقب الل ، وأن يبرَّ أباه ويحسن إليه، وإن أساء أبوه إليه، لا يقابل الإساءة بالإساءة ولكن يقابل الإساءة بالإحسان، والكلام الطيب، والأسلوب الحسن، والدعاء لوالده بالخير والاستقامة والهداية، هذا هو الواجب عليه، وقد دلت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنَّة على ذلك، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ) الأحقاف/ 15، وفي آية أخرى: ( حُسْنًا ) العنكبوت/ 8، ويقول جل وعلا: ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) لقمان/ 14، ويقول جل وعلا: ( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) النساء/ 36، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/ 23، 24، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين )، ويقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور )، فعقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وقد قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك، فوجب على هذا الرجل – وعلى غيره – أن يبرَّ والده، وأن يتقي الله في ذلك، ولو أساء إليه والده، ولكن هو يدعو لوالده بالتوفيق والهداية، ويطلب من إخوانه الطيبين من أعمامه – أو غيرهم – أن ينصحوا والده حتى لا يقسوا عليه، وحتى يرحمه، وحتى يعطف عليه، بالكلام الطيب.

أما هو فالواجب عليه أن يبرَّ والده، وألا ينسيه برُّه لوالدته برَّه لأبيه، فليتق الله، وليعامل أباه بالحسنى، وقد قال الله عز وجل في الولد مع أبويه الكافرين قال: ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) لقمان/ 15، معروفًا وهما كافران فكيف بالمسلم؟!، فعلى صديقك هذا أن يتقي الله، وأن يتوب إلى الله من عمله السيء، وأن يبر والده، ويحسن إليه، وأن يتلطف به، وأن يدعو الله له بالتوفيق والهداية، وأن يستعين على ذلك بخواص إخوانه الطيبين من أعمام، أو أخوال، أو أصدقاء، حتى ينصحوا والده؛ ليرفق به ويعامله بما ينبغي من اللطف، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، نسأل الله للجميع الهداية.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 677 ).

 

 

 

  1. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أبونا قد هجر أمَّنا، هو يعاملنا بقسوة، ولا يعطينا شيئًا، علماً بأنه يملك الكثير من الأموال، مما أحدث في قلوبنا شيء من الكراهية له، فبماذا توجهونه؟ مأجورين.

فأجاب:

الواجب عليه: أن ينفق على أبنائه إذا كانوا فقراء، الواجب عليه: أن ينفق عليهم، وأن يعاملهم باللطف والإحسان والخلق الحسن، والواجب على أولاده أيضًا: أن يعرفوا قدْره، وأن يبرُّوه، وأن يخاطبوه بالتي هي أحسن، وإذا دعت الحاجة إلى أن يرفعوا الأمر إلى المحكمة: فلا بأس، يقولون: والدنا، ونحن فقراء ولم ينفق علينا، يرفعون أمره إلى المحكمة، وإذا توسط لهم بعض الطيبين من الجيران والأقارب لدى الوالد حتى ينفق: فهذا أحسن من المحكمة، أحسن من الخصومة.

وصيتي للأولاد: الرفق، والبر بالوالد، والكلام الطيب مع الوالد.

ووصيتي للوالد: أن يتقي الله، وأن ينفق على أولاده المحتاجين، وأن لا يحوجهم إلى الشكوى إلى المحكمة، أو إلى توسط للناس، يجب أن يعدل من نفسه، وأن يعرف ما أوجب الله عليه، وأن ينفق عليهم ما داموا فقراء، وأن يحسن إليهم، وأن لا يحوجهم إلى شكوى ولا إلى غيرها، وعلى الأولاد جميعًا أن يجتهدوا في برِّ والدهم، والكلام الطيب معه، ومخاطبته بالتي هي أحسن، وإذا دعت الحاجة إلى أن يطلبوا من أعمامهم أو من بعض جيرانهم أو أصدقاء والدهم أن يتوسطوا لدى والدهم بالإحسان إليهم وإيتاء حقهم بدلًا من الشكوى: فهذا أطيب، وأحسن.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 261 ).

 

وكما يلاحظ الجميع: ليس ثمة من يأمر بوجوب عقد القلب على محبة الوالد سيء الفعل مع أولاده، أو العاصي لربِّه تعالى، وليس ثمة من ينهى عن بغض الأفعال المخالفة لشرع الله تعالى الصادرة من الوالديْن، لكنَّ الأوامر الشرعية تقتضي البر بالوالدين، والإحسان إليهما، وعدم الإساءة لهما بالقول أو الفعل، حتى لو كانوا دعاة كفر، أو كانوا عصاة.

 

فالوصية لمن كان هذا السؤال من أجله:

أن تحتفظ بشعورك تجاه والدك في قلبك، وأن تجاهد نفسك للتخلص منه، وأن تصبر على ما ترى من والدك، وأن تعينه على طاعة ربه وأن لا يقع في مخالفة شرعية، ولا تنس أن برَّه عليك واجب، وعقوقه محرَّم، فأحسن إليه، وادع الله أن يهديه فهذا من حقه عليك.

 

 

وما سبق كله هو في حال أن يكون الوالد مرتكبًا لمعصية بينة، أو منكر يُغضب الله، وأما أن يكون ما يصدر من الأب ضبطًا لأولاده في أفعالهم، وقسوة في محلها على المخالف: فمثل لا يجوز معه بغضه القلبي، ولا ينطبق عليه ما ذكرناه سابقًا، فليُنتبه لهذا، فإن كلامنا في العصاة الظلمة والقساوة البغاة، وليس فيمن يقسو في مكانه، ويضع حدًّا لمخالفات أولاده بما يردعهم ويربيهم.

 

والله أعلم.

شرطية القِبلة في الصلاة وصور الاستثناء وحكم مسافر لم يجد أحدًا يسأله عنها

شرطية القِبلة في الصلاة وصور الاستثناء وحكم مسافر لم يجد أحدًا يسأله عنها

السؤال:

لقد قرأت إجاباتكم على الأسئلة بخصوص ” صلاة السفر ” و ” الاتجاه الذي أصلي فيه في السفر “، ولكننا عندما نكون في سفر ولا نجد وسيلة لنعرف القبلة، كما في الولايات المتحدة، حيث نجد صعوبة في أن نجد مسلمًا نسأله عن اتجاه القبلة، وقد حاولت جاهدة أن أستخدم البوصلة ولكنني لم أستطع ومع ذلك حاولت استخدامها، فهل يجوز الصلاة في أي اتجاه خوفا من فوات الصلاة وأن نقوم بأدائها مرة أخرى في وقت آخر، ونعلم أن الله تعالى قد جعل الأرض كلها مسجدًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا خلاف بين العلماء في أن استقبال القِبلة شرط من شروط صحة الصلاة، وبترك هذا الشرط – مع القدرة على القيام به – تبطل الصلاة.

* قال أبو المظفر يحيى بن هبيرة الشيباني -رحمه الله -:

وأجمعوا على أن للصلاة شرائط، وهي التي تتقدمها، وأنها أربع، وهي: الوضوء بالماء أو التيمم عند عدمه، والوقوف على بقعة طاهرة، واستقبال القبلة مع القدرة، والعلم بدخول الوقت. ” اختلاف الأئمة العلماء ” ( 1 / 103 ).

 

ثانيًا:

وقد استُثنيت صورٌ يسقط معها هذا الشرط في حق أهله.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

الأصل أن: استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، وأن من ترك الاستقبال: فصلاته باطلة.

لكن يستثنى من هذا صور، منها:

  1. المربوط والمصلوب لغير القبلة.
  2. وفي شدة القتال.

وهذا يرجع لعدم القدرة على الاستقبال، وكل من عجز عن شرط من شروط الصلاة، أو ركن من أركانها: سقط عنه.

  1. ومنها: المتنفل على الراحلة في السفر يتوجه جهة سيره، ولا يلزمه الاستقبال في شيء من صلاته على الصحيح.

وعلى المذهب: يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة، إذا تمكن من ذلك وكذلك الماشي، ويلزمه الركوع والسجود إليها على المذهب.

  1. ومنها: من اشتبهت عليه القبلة في السفر واجتهد، ثم تبين له بعد الفراغ أنه لغير القبلة: فلا إعادة عليه.

وعلى المسألتين قوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) البقرة/ 115، فسِّر بكلٍّ منهما، والصحيح: أن الآية تعم ذلك، وما هو أعم منه.

  1. ومما يُسقط وجوب استقبال القبلة: إذا ركب السفينة، وهو لا يتمكن من الاستقبال: لم يلزمه، وإن تمكن: لزمه في الفرض دون النفل، فلا يلزمه أن يدور بدورانها، والله أعلم. ” إرشاد أولى البصائر والألباب لنيل الفقة بأيسر الطرق والأسباب ” ( ص 37) -ترقيم الشاملة -.

 

ثالثًا:

ولا نرى عُذرًا لكثيرٍ ممن يزعم أنه لا يعرف اتجاه القبلة ؛ وذلك أنه يوجد طرق كثيرة يمكن من خلالها معرفة اتجاه القبلة، ومنها:

  1. الشمس.
  2. النجوم.
  3. القمر.
  4. البوصلة.
  5. برامج ضبط القبلة الموجودة في بعض الساعات وكثير من الجوالات.
  6. النظر في الخريطة ورسم خط من مكان وجوده إلى الكعبة.
  7. سؤال أي أحدٍ من المسلمين المصلين.

وبما أنكم تملكون ” البوصلة ” فيصبح اتجاهكم للقبلة واجبًا، ولا يسقط عنكم هذا الشرط، ويصبح تعلُّم استعمال تلك البوصلة واجبًا لتعلق تعلمها بتحقيق شرط من شروط صحة الصلاة، وليس تعلمها بالأمر الصعب.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا ثبت لدى أهل الخبرة الثقات من المسلمين أن جهازًا أو آلة تضبط القبلة وتبينها عينًا، أو جهةً: لم يمنع الشرع من الاستعانة بها في ذلك وفي غيره، بل قد يجب العمل بها في معرفة القبلة إذا لم يجد من يريد الصلاة دليلا سواها.

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الرزاق عفيفي, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 315 ).

 

رابعًا:

وأما من كان مسافرًا ولم يجد من يسأله، أو كان مسجونًا ولم يدله أحد على اتجاه القبلة، وليس هو من أهل الاجتهاد للنظر لمعرفة اتجاهها، ولا يملك أجهزة يعرف من خلالها القبلة، وضاق عليه وقت الصلاة: فإن هؤلاء جميعاً معذورون شرعًا، فيصلُّون إلى أي اتجاه يرونه صوابًا، ولا يلزمهم إعادة الصلاة حتى لو تبيَّن لهم في الوقت أو بعده أنهم كان صلُّوا خطأً؛ لأنهم صلوا كما أمرهم الله تعالى فلا يعيدون إلا بأمره عز وجل.

 

خامسًا:

وفي حالة مثل حالتكم وهي أن يملك المسلم آلة يستطيع تحديد القبلة من خلالها، ولكنه لو اشتغل بتعلم طريقة ذلك خرج وقت الصلاة، فحينئذٍ لا يجوز له أن يتعمد تأخير الصلاة عن وقتها، فيصلِّي على الحال التي هو عليها إلى أي اتجاه يراه في نفسه صوابًا، ولا إعادة عليه إن تبين له خطؤه في تحديد القبلة، ويأثم لأنه فرَّط في تعلم استعمالها حتى ضاق عليه وقت الصلاة.

وبكل حال: فلا يشتغل مثل هذا بتحقيق شرط القبلة على حساب وقت الصلاة.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز للإنسان تأخير الصلاة لتحصيل شرط من شروطها، كما لو اشتغل باستخراج الماء؟.

فأجاب:

الصواب: أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها مطلقًا، وإذا خاف الإنسان خروج الوقت: صلَّى على حسب حاله، وإن كان يمكن أن يحصل الشرط قريبًا؛ لقوله تعالى ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) النساء/ 103، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقَّت أوقات الصلاة، وهذا يقتضي وجوبها في وقتها، ولأنه لو جاز انتظار الشروط: ما صح أن يشرع التيمم؛ لأن بإمكانه أن يحصل الماء بعد الوقت، ولا  فرق بين أن يؤخرها إلى وقت طويل، أو إلى وقت قصير؛ لأن كليهما إخراج للصلاة عن وقتها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 12 / 20 ).

 

والله أعلم.

 

 

زوَّجها خالها بحضور أخيها فهل يصح العقد؟ وما أحوال صحة تزويج الخال؟

زوَّجها خالها بحضور أخيها فهل يصح العقد؟ وما أحوال صحة تزويج الخال؟

السؤال:

تزوجت من ثلاث سنوات، ووالد زوجتي وجدها متوفيان، ولها أخ بالغ، ولكن حين العقد لم يكن معه بطاقة هوية فزوجني خالها بحضور أخيها، فهل هذا العقد يصح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أولياء المرأة الذين يصح تزويجهم لها هم عصبتها، وهم كلُّ ذكر قريب لها من جهة أبيها بلا توسط أنثى، ويزوجها الأقرب فالأقرب، وأقربهم الأب.

وعليه: فالخال ليس وليّاً للمرأة في النكاح فلا يصح تزويجه لها.

* قال علماء اللجنة الدائمة: زوج الأم ليس وليّاً لربيبته في النكاح، وكذلك الخال، وإنما أولياء المرأة في النكاح: عصبتها، الأقرب فالأقرب، فأولهم الأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم الأخ الشقيق، ثم الأب … إلخ.  الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 174 ).

ثانيًا:

ويصح تزويج الخال ابنة أخته – شرعًا أو في المحكمة – في حالات:

  1. أن يكون موكّلًا من قبَل الأب، أو الولي صاحب الحق في التزويج.

* قال علماء اللجنة الدائمة: من يحق له أن يعقد للمرأة إذا تنازل عن الولاية لمن هو أدنى منه، أو أوصى من هو أهل للولاية بأن يعقد لموليته: جاز عقده، وصح النكاح؛ لأنه حق له تنازل عنه لمن وكله، فقام مقامه.  الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 174، 175 ).

  1. أن يكون قد تمَّت الموافقة من قبَل الولي شرعًا وكان الخال وليّاً في المحكمة أو عند إجراء كتابة العقد؛ لأن كتابة العقد وتوثيقه ليست شرطًا في صحة النكاح، والنكاح المعقود شرعًا قبله هو الذي تُبنى عليه الأحكام.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

أما كتابة الورقة: فليست شرطاً في صحة النكاح، وإنما هي للاستيثاق وحفظ حق كلٍّ منهما لدى الآخر، والرجوع إليها عند الحاجة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 170 ).

  1. أن يَكون وليًّا عند عدم وجود أحد من العصبات، وهو قول لبعض العلماء، والجمهور على تقديم القاضي المسلم عليه.
  2. أن يكون إنكاح الخال مع سكوت ولي المرأة سكوت رضا، فيكون سكوته ها هنا سكوت إيجاب، فيصح معه العقد.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 22 / 237، 238 ):

لا شك أن السكوت السلبي لا يكون دليلًا على الرضا أو عدمه، ولذلك تقضي القاعدة الفقهية على أنه: ” لا يُسند لساكت قول ، ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان ” وذلك إذا صاحبتْه قرائن وظروف بحيث خلعت عليه ثوب الدلالة على الرضا.

وقد اتفق الفقهاء على أن سكوت البِكر دليل على الرضا؛ للحديث الصحيح الوارد، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تنكح البكر حتى تستأذن ) قالوا: يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: ( أن تسكت )، وفي رواية أخرى ( الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها ). انتهى.

والخلاصة:

أن تزويج خال زوجتك لك في المحكمة يكون صحيحًا في حال:

  1. أن يكون والد زوجتك أو جدها قد زوَّجاك شرعًا قبل وفاتهما.
  2. أن يكون أخوها زوَّجك شرعًا قبل الذهاب المحكمة.
  3. أن يكون سكوت الأخ سكوت رضا وموافقة على الزواج.

وما عدا ذلك فإن عقد النكاح باطل، وتترتب عليه أحكام، وهما بين أمرين: إما أن يرغبا ببعضهما أزواجًا، أو لا يرغبان – أو أحدهما -.

أ. إن رغبا ببعضهما أزواجًا: فيترتب على ذلك:

  1. تجديد عقد النكاح، بأن يتولى الأخ البالغ تزويجه، فيكون من الأخ الإيجاب، ويكون من الزوج القبول، ويسمى مهر جديد.
  2. لا عدَّة عليها – حصل دخول أم لم يحصل -؛ لأن الماء ماؤه.
  3. تستحق المهر كاملًا – في حال حصول دخول – إن كان مسمّى وإلا استحقت مهر مثيلاتها.
  4. إن لم يحصل دخول: فليس لها مهر.
  5. لا تستحق الزوجة المهر بالخلوة، ولا يصح قياس النكاح الفاسد بالصحيح في ترتب المهر بالخلوة.
  6. لا حاجة لتجديد العقد في المحكمة بل يبقى على ما هو عليه، والتجديد المقصود هنا هو: إقامة مجلس نكاح بإيجاب من الولي وقبول من الزوج ووجود الشهود وتسمية مهر جديد، وهو ما ننصح به؛ على الراجح من الأقوال، وخروجًا من الخلاف بين العلماء.

 

ب. وإن لم يرغبا – أو أحدهما – بتجديد النكاح: فيترتب على ذلك:

  1. أن يطلقها؛ خروجًا من الخلاف بين العلماء والذي قال بعضهم بأن العقد مفسوخ لا يحتاج لطلاق، وخشية من أن يتزوجها من يرى جواز النكاح من غير ولي.
  2. إن كان حصل دخول: فتنفصل الزوجة عن زوجها بطلاق لتعتد بحيضة واحدة.
  3. تستحق المهر كاملًا – في حال حصول دخول – إن كان مسمّى وإلا استحقت مهر مثيلاتها.
  4. إن لم يحصل دخول: فليس ثمة عدة عليها، ولا مهر لها.
  5. لا تستحق المهر بالخلوة، وقد سبق بيان ذلك.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقوله: ” وإذا افترقا في الفاسد ” أي: في النكاح الفاسد.

– ” قبل الدخول والخلوة ” أي: قبل تقرر المهر. ” فلا مهر “.

مثال ذلك: رجل تزوج امرأة بدون ولي، ثم قيل له: إن هذا النكاح ليس بصحيح، فطلقها قبل الدخول والخلوة، فلا شيء لها؛ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه لا أثر له.

وهل يلزم بالطلاق؟ نعم يلزم؛ مراعاةً للخلاف؛ لأن بعض العلماء يرى أن النكاح بلا ولي صحيح، فقد يأتي رجل ليتزوجها وهو يرى صحة النكاح بلا ولي، فيقول: هذه إلى الآن في ذمة الزوج الأول، ولذلك يجبر الزوج على الطلاق، فإن أبى: فإن القاضي يطلق عليه، أو يفسخ.

– قوله: ” وبعد أحدهما ” أي: الدخول أو الخلو .

– قوله: ” يجب المسمى ” أي: المعين، أما بعد الدخول فقد يقال: إن كلام المؤلف صحيح فيجب المسمى، وبعض العلماء يقول: إنه لا يجب المسمى وإنما يجب مهر المثل ؛ لأن العقد فاسد، وما ترتب عليه فاسد، فهذه امرأة وطئت بشبهة فلها مهر المثل، والمذهب: أنه يجب لها المسمى؛ لأنهما اتفقا على استحلال هذا الفرج بهذا العوض المسمى فيجب، ولكن بعد الخلوة لماذا يجب لها المسمى؟ قالوا في التعليل: إلحاقاً للعقد الفاسد بالصحيح، ولكن هذا القياس غير صحيح؛ لأن من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، فكيف نلحق الفاسد بالصحيح؟! ولذلك اختار ” الموفق ” – أي: ابن قدامة – وجماعة من الأصحاب: أنه لا يجب لها شيء بالخلوة؛ لأن هذا عقد فاسد، لا أثر له، وهو كما لو خلا بامرأة لم يعقد عليها، وهذا القول هو الصحيح: أن الخلوة في العقد الفاسد لا توجب شيئًا؛ لأنه لا يمكن إلحاق الفاسد بالصحيح.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 310، 311 ).

 

والله أعلم.

آثار عقد من تزوج امرأة في كنيسة وغير عفيفة وليست كتابية وأنجب منها

آثار عقد من تزوج امرأة في كنيسة وغير عفيفة وليست كتابية وأنجب منها

السؤال:

ما حكم زواج مسلم بالكنيسة زواجا نصرانيّا بحتا من نصرانية غير عفيفة ولا متدينة بدينها؟ وما حكم الأولاد الناتجين عن هذا الزواج؟ وما علاقة هؤلاء الأولاد بزوجته المتزوج منها زواجا شرعيّا – المسلمة – وأولادها؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

زواج المسلم من نصرانية غير مؤمنة بدينها، وغير عفيفة، وفي كنيسة: هو زواج باطل، وجود أحد تلك الأشياء الثلاثة كافٍ للحكم على الزواج بالبطلان فكيف باجتماعها؟.

– وقد ذكرنا في جواب سابق الشروط الواجب توفرها في الكتابية حتى يكون نكاح المسلم لها حلالا، وهذه الشروط:

  1. أن تكون كتابية في واقع أمرها.
  2. أن تكون عفيفة.
  3. أن تكون الولاية للزوج المسلم.

وها هي الشروط التي ذكرناها في ذلك الجواب غير موجودة في الزواج المسئول عنه، فلا نتردد بالقول ببطلانه، فكثيرا ما يوجد من النساء في الغرب ملحدات أو لا دينيات، فمثل هذه لا تكون كتابية يحل التزوج بها، ولسنا نعني الالتزام بدينها حتى يكون تزوجها حلالا أن تكون متدينة، بل نعني به أن تكون مؤمنة بعقيدتها ولو كانت باطلة في شرعنا.

والتزوج في الكنيسة زواجا صرفا يعني أن العقد لم يكن بكلمة الله تعالى، فصار على غير شرعه، فحكمه البطلان، وإنما أجزنا في أجوبة متعددة التزوج في الكنيسة أو في البلدية للضرورة إذا كان بعد العقد الشرعي، فمثل هذا لا قيمة له في الشرع، ولا أثر له في حل الزواج وحرمته، وأما أن يعقَد الزواج ابتداءً في الكنيسة: فهو زواج باطل.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز للمسلم أن يتزوج الكتابية – نصرانية أو يهودية – إذا كانت محصنة، وهي الحرة العفيفة، والأصل في جواز ذلك: قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) إلى قوله سبحانه: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) المائدة/ 5 ، فدلت الآية بعمومها على جواز نكاح المسلم لنساء أهل الكتاب، بشرط أن يكنَّ محصنات، وهن الحرائر العفيفات، ولا يخفى على المسلم أن توفر هذا الشرط في نساء أهل الكتاب اليوم نادر، فيجب على المسلم في هذا الحذر من التفريط في هذا الشرط؛ لأن في ذلك فساداً على الفراش والأولاد لا يخفى، وعدم توفر هذا الشرط مفسد لعقد النكاح.  الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” (18 / 326 ، 327 ).

 

ثانيا:

وأما بخصوص الأولاد: فإن حكمهم يتبع معرفة ذلك المسلم – الآثم بفعله وقد يكفر لتزوجه بالكنيسة – بالحكم الشرعي لفعله، فإن كان يعلم أن ما فعله ليس نكاحا وأن تلك المرأة لا تحل له من حيث كونها غير كتابية ولا عفيفة، وأن عقد القسيس الزواج له لا قيمة له في الشرع بل هو إثم: فالعقد الذي جرى باطل، والفعل زنا، والعقد سفاح لا نكاح، والأولاد أولاد زنا، ينسبون لأمهم، ولا علاقة لهم بأبنائه من زوجته المسلمة.

 

وأما إن كان جاهلا بالحكم الشرعي، وكان يعتقد أن فعله حلال: فيكون عقده عقد شبهة، وبعد التفريق بينه وبين زوجه لكونها لا تحل له: يُنسب الأولاد له بلا خلاف بين العلماء في ذلك.

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن المسلمين متفقون على أن كل نكاح اعتقد الزوجُ أنه نكاح سائغ إذا وطئ فيه: فإنه يلحقه فيه ولده، ويتوارثان، باتفاق المسلمين، وإن كان ذلك النكاح باطلا في نفس الأمر، باتفاق المسلمين.  ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 13 ).

 

والله أعلم.

 

روايات همِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحار لا تصح لا سندًا ولا متنًا

روايات همِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحار لا تصح لا سندًا ولا متنًا

السؤال:

أثناء بحثي على المواقع وجدت الرد على أن في ” صحيح البخاري ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاول الانتحار لكني لم أجد النص المذكور في ” صحيح البخاري ” حتى تكتمل لي جميع الأركان لكي أزيل الشبهة، لو تكرمتم باطلاع على النص المذكور في ” صحيح البخاري ” مع الشرح المفصل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي يسأل عنه الأخ السائل موجود في ” صحيح البخاري ” برقم ( 6581 )، في كتاب ” التعبير “، باب ” أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة.

ولفظه:

قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: … وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ “.

 

ثانيًا:

وهذه الزيادة ليست من كلام عائشة رضي الله عنها، بل هي من كلام الزهري، وهو من التابعين لم يدرك تلك الحادثة، ولا حدَّثه بها أحد الصحابة، ولذا نصَّ على ذلك في الرواية نفسها بقوله ” فيما بلَغنا “.

قال ابن حجر – رحمه الله -:

ثم ان القائل ” فيما بَلَغَنا ” هو الزهري، ومعنى الكلام: أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا، وقال الكرماني: هذا هو الظاهر.

” فتح الباري ” ( 12 / 359 ).

 

 

 

وقال أبو شامة المقدسي – رحمه الله -:

هذا من كلام الزهري أو غيره، غير عائشة، والله أعلم؛ لقوله: ” فيما بلغنا “، ولم تقل عائشة في شيء من هذا الحديث ذلك.

” شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى ” ( ص 177 ).

 

ثالثًا:

وبلاغات الزهري وغيره لا تُقبل؛ لأنها مقطوعة الإسناد من أوله، فهي كالمعلَّقات تعريفًا وحكمًا، وما لم يكن الراوي يذكر مَن حدَّثه فإنه يكون ما يرويه مجرد أخبار وحكايات، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء.

 

رابعًا:

وقد جاءت أسانيد أخرى فيها ذِكر حكاية محاولة النبي صلى الله عليه وسلم الانتحار أثناء انقطاع الوحي بعدما جاءه أول مرة، وكلها أسانيد مردودة، ما بين ضعيف وموضوع.

ومنها:

  1. إسناد ابن مردويه:

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ووقع عند ابن مردويه في ” التفسير ” من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله ” فيما بلغنا “، ولفظه: ” … فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم منها حزنًا غدا منه ” إلى آخره، فصار كله مدرجا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة والأول هو المعتمد. ” فتح الباري ” ( 12 / 359 ، 360 ).

ومعنى قول الحافظ ” والأول هو المعتمد ” أي: أن رواية الزهري فيها لفظ ” فيما بلغنا ” وليست هي موصولة.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله – معلِّقًا على ترجيح الحافظ -:

ويؤيده أمران :

الأول: أن محمد بن كثير هذا ضعيف؛ لسوء حفظه – وهو الصنعاني المصيصي -.

قال الحافظ :” صدوق كثير الغلط “، وليس هو محمد بن كثير العبدي البصري؛ فإنه ثقة.

والآخر: أنه مخالف لرواية عبد الرزاق حدثنا معمر … التي ميزت آخر الحديث عن أوله، فجعلته من بلاغات الزهري … .

فدل هذا كله على وهم محمد بن كثير الصنعاني في وصله لهذه الزيادة، وثبت ضعفها.” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 10 / 453 ).

 

  1. إسناد ابن سعد:

قال محمد بن سعد:

أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أيامًا لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ” ثبير ” مرة وإلى ” حراء ” مرة يريد أن يلقي نفسه منه فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك عامدًا لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتًا من السماء فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم صعقا للصوت ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا عليه يقول: ” يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل ” قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقرَّ الله عينه وربط جأشه ثم تتابع الوحي بعد وحمي. ” الطبقات الكبرى ” ( 1 / 196 ).

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وهذا إسناد موضوع؛ آفته: إما محمد بن عمر – وهو الواقدي -؛ فإنه متهم بالوضع، وقال الحافظ في ” التقريب “: ” متروك مع سعة علمه “، وقد تقدمت كلمات الأئمة فيه أكثر من مرة.

وإما إبراهيم بن محمد بن أبي موسى – وهو ابن أبي يحيى – واسمه: سمعان الأسلمي مولاهم أبو إسحاق المدني -، وهو متروك أيضًا مثل الواقدي أو أشد؛ قال فيه الحافظ أيضًا: ” متروك “، وحكى في ” التهذيب ” أقوال الأئمة الطاعنين فيه، وهي تكاد تكون مجمعة على تكذيبه، ومنها قول الحربي :” رغب المحدثون عن حديثه، روى عنه الواقدي ما يشبه الوضع، ولكن الواقدي تالف “.

وقوله في الإسناد: ” ابن أبي موسى ” أظنه محرَّفًا من ” ابن أبي يحيى “، ويحتمل أنه من تدليس الواقدي نفسه؛ فقد دلس بغير ذلك، قال عبد الغني بن سعيد المصري: ” هو إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء الذي حدث عنه ابن جريج، وهو عبد الوهاب الذي يحدث عنه مروان بن معاوية، وهو أبو الذئب الذي يحدث عنه ابن جريج “. ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 10 / 451 ).

  1. إسناد الطبري:

قال ابن جرير الطبري:

حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدِّثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبدالله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرًا … جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي قال ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) إلى قوله ( علَّم الإنسان ما لم يعلم ) قال: فقرأته، قال: ثم انتهى ثم انصرف عني وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابًا، قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إليَّ من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما قال: قلت: إن الأبعد – يعني نفسه! – لَشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدًا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحنَّ نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن، قال: فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل … ). ” تاريخ الطبري ” ( 1 / 532 ، 533 ).

ومتن هذه الرواية منكر مخالف للروايات الصحيحة؛ ففي هذا المتن أن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بجبريل كان في المنام لا يقظة! ثم إن فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( ماذا أقرأ )! وكلاهما باطل، فاللقاء بين الرسولين كان يقظة، والذي قاله صلى الله عليه وسلم ( ما أنا بقارئ ) نفيًا عن نفسه أن يكون قارئًا والرواية المنكرة تثبت أن ليس أمِّيًّا!.

وأما إسناد الرواية: فققال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

ولكن هذا الإسناد مما لا يفرح به، لا سيما مع مخالفته لما تقدم من روايات الثقات؛ وفيه علل:

الأولى: الإرسال؛ فإن عبيد بن عمير ليس صحابيًّا، وإنما هو من كبار التابعين، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

الثانية: سلمة – وهو ابن الفضل الأبرش -، قال الحافظ :” صدوق كثير الخطأ “.

قلت: ومع ذلك فقد خالفه زياد بن عبد الله البكائي؛ وهو راوي كتاب ” السيرة ” عن ابن إسحاق، ومن طريقه رواه ابن هشام، وقال فيه الحافظ: ” صدوق ثبت في المغازي “.  وقد أخرج ابن هشام هذا الحديث في ” السيرة ” ( 1 / 252 ، 253 ) عنه عن ابن إسحاق به دون الزيادة التي وضعتها بين المعكوفتين [ ]، وفيها قصة الهمّ المنكرة .

فمن المحتمل أن يكون الأبرش تفرد بها دون البكائي، فتكون منكرة من جهة أخرى؛ وهي مخالفته للبكائي؛ فإنه دونه في ابن إسحاق؛ كما يشير إلى ذلك قول الحافظ المتقدم فيهما .

 

 

 

ومن المحتمل أن يكون ابن هشام نفسه أسقطها من الكتاب؛ لنكارة معناها، ومنافاتها لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أشار في مقدمة كتابه إلى أنه قد فعل شيئًا من ذلك، فقال ( 1 / 4 ): ” … وتارك ذكر بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ذكر … وأشياء بعضها يشنع الحديث به “.

وهذا كله يقال على احتمال سلامته من العلة التالية؛ وهي :

الثالثة: ابن حميد – واسمه محمد الرازي -؛ وهو ضعيف جدًّا، كذَّبه جماعة من الأئمة، منهم أبو زرعة الرازي .

وجملة القول: أن الحديث ضعيف إسنادًا، منكر متنًا، لا يطمئن القلب المؤمن لتصديق هؤلاء الضعفاء فيما نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم بقتل نفسه بالتردي من الجبل، وهو القائل – فيما صح عنه -: ( من تردى من جبل فقتل نفسه ؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ) متفق عليه – ” الترغيب ” ( 3 / 205 ) – لا سيما وأولئك الضعفاء قد خالفوا الحفاظ الثقات الذين أرسلوه.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 10 / 455 – 457 ).

 

خامسًا:

وقد ثيت بما لا شك فيه ضعف الأسانيد التي رويت في محاولة النبي صلى الله عليه وسلم الانتحار، بل وبطلان بعضها، ولا يخفى أن متنها أيضًا باطل منكر، وذلك من وجوه:

  1. أن فترة انقطاع الوحي كانت لإزالة الخوف الذي جاء لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أول ما جاءه الوحي، وأنها للاستعداد لما بعده، فكيف يلتقي هذا مع همِّه صلى الله عليه وسلم بالانتحار؟!.

قال محمد الصالحي – رحمه الله -:

الحكمة في فترة الوحي – والله أعلم -: ليذهب عنه ما كان يجده صلى الله عليه وسلم من الروع وليحصل له التشوق إلى العود.

” سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ” ( 2 / 272 ).

  1. أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك للحظة في كونه نبيًّا، فقد ثبَّت الله تعالى قلبه بالوحي، وما وجده من الرهبة من نزول الوحي أول مرة فيدل على بشريته، وعلى شدة الوحي، وقد كان يعاني صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عند نزول الوحي في بعض صوره.
  2. وليس هو صلى الله عليه وسلم دون أصحابه رضي الله عنه في رباطة الجأش، وقوة القلب، وعظيم اليقين بربِّه تعالى، بل له النصيب الأوفر من كل ذلك، فهذا الصبي علي بن أبي طالب، وهذه المرأة الجليلة خديجة رضي الله عنها، كلهم يؤمن بنبوته صلى الله عليه وسلم، أفيكون حال هؤلاء أقوى قلبًا ويقينًا من نبيهم صلى الله عليه وسلم، فيُجعل هو الشاك في نبوته، وهو البائس من استمرار حياته؟! حاشاه أن يكون حاله كذلك، بل له أكمل الأحوال صلى الله عليه وسلم وقد اصطفاه ربُّه على خلقه، وهيَّأه لتحمل رسالته إلى العالَمين أجمعين.
  3. ثم إن الانتحار والتخلص من حياة لم يكن معروفًا في الجاهلية، ولا يُعرف حالًا للعقلاء ولا هو من أفعالهم، فكيف ينسب الهم به لسيد العقلاء وخير الناس؟!.

 

والخلاصة:

لم تصح رواية همِّ النبي صلى الله عليه وسلم وسلم بالانتحار لتأخر الوحي عليه أول أمر الرسالة، والزيادة التي في البخاري ليست على شرطه فلا تنسب للصحيح، وقد أثبتها البخاري رحمه الله أنها من قول الزهري لا غيره، فهي بلاغ مقطوع الإسناد لا يصح، وقد ذكرنا للحديث روايات أخرى كلها يؤكد عدم صحة القصة لا سندًا ولا متنًا.

 

والله أعلم.

الأحكام المترتبة على من أوقف مزرعة ولم يحدد جهة الموقوف عليهم قبل موته

الأحكام المترتبة على من أوقف مزرعة ولم يحدد جهة الموقوف عليهم قبل موته

السؤال:

أوقف جدي رحمه الله مزرعة تزرع ” حبحب ” على نزول الأمطار، هل يحق لي الأكل من الإنتاج والتصدق والإهداء؟ وماذا أفعل بالربح من بيع ” الحبحب “؟ وهل يحق لي أخذ مبلغ مقابل تعبي؟ وكم نسبته إن كان يحق لي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. الذي يظهر لنا من السؤال أنك ناظر وقف جدك، فإن لم يكن الأمر كذلك ومات جدك ولم يوكِّل أحدًا للقيام على وقفه: فالقاضي الشرعي ينصِّب ناظرًا للوقف.
  2. والناظر – ويطلَق عليه ” المتولِّي – للوقف هو الذي يتولى حفظ الوقف، ويرعى تنفيذ شرطه، ولذا كان لا بدَّ من أن يكون الناظر قويًّا وأمينًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 100 ):

ولا بد أن يكون المتولِّي أمينًا قادرًا على إدارة شئون الوقف حتى تتحقق مقاصد الوقف وأغراض الواقف على الوجه المشروع. انتهى.

  1. والمتولِّي للوقف والناظر عليه له وظائف لا بدَّ من بيانها.

ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 102 ، 103 ):

وظائف المتولي غير محصورة عند التولية المطلقة، فله أن يعمل كل ما يراه مصلحة للوقف وذكر بعض الفقهاء في ذلك ضابطاً فقالوا: يتحرى في تصرفاته النظر للوقف والغبطة؛ لأن الولاية مقيدة به.

وذكر بعض الفقهاء أمثلة لهذه الوظائف، قال الشربيني الخطيب: وظيفته عند الإطلاق أو تفويض جميع الأمور: العمارة والإجارة وتحصيل الغلة وقسمتها على مستحقيها، وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط، لأنه المعهود في مثله، فإن فوض له بعض هذه الأمور لم يتعده اتباعا للشرط كالوكيل.

ومثله ما ذكره الحنابلة، وأضافوا عليها وظائف أخرى، قال الحجاوي: وظيفة الناظر: حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمة فيه، وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق ونحوه، وله وضع يده عليه، والتقرير في وظائفه، وناظر الوقف ينصب من يقوم بوظائفه من إمام ومؤذن وقيم وغيرهم، كما أن للناظر الموقوف عليه نصب من يقوم بمصلحته. انتهى.

  1. ويستحق الناظر على الوقف أجرة مقابل عمله ورعايته للوقف، فما نصَّ عليها الواقف له: يعطى له، وإذا لم يكن الواقف قد نصَّ عليها: فيُرجع أمر تقديرها للقاضي الشرعي بحسب ما يراه من عمل يقوم به ذلك الناظر.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِى دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِى وَمُؤْنَةِ عَامِلِى فَهْوَ صَدَقَةٌ ). رواه البخاري (2624) – وبوَّب عليه: باب نفقة القيِّم للوقف – ومسلم ( 1760 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف، والمراد بالعامل في هذا الحديث: القيم على الأرض، والأجير، ونحوهما.

” فتح الباري ” ( 5 / 406 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 210 ):

ذهب الفقهاء على أن الناظر على الوقف يستحق أجرة نظير قيامه بإدارة الوقف والعناية بمصالحه. انتهى.

وفي ( 44 / 211 ):

أجرة الناظر إما أن تكون مشروطة من قبل الواقف، أو مقدرة من قبل القاضي.

فإن كانت الأجرة مشروطة من قبل الواقف: فإن الناظر يأخذ ما شرطه له الواقف ولو كان أكثر من أجر مثله، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة.

ونص الحنفية على أنه لو عين له الواقف أقل من أجر المثل فللقاضي أن يكمل له أجر مثله بطلبه. انتهى.

وإن كانت الأجرة مقدَّرة من قبل القاضي بأن لم يجعل الواقف للناظر شيئًا: فقد اختلف الفقهاء في ما يقدِّره القاضي للناظر.

فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الأجر المقدر من القاضي يجب أن لا يزيد عن أجرة المثل، فإن عين له زائدا عن أجرة المثل يمنع عنه الزائد.

وقال المالكية: يترك الأمر لاجتهاد القاضي. انتهى.

  1. ويجوز للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، وذلك بالقدر الذي جرت به العادة، ويجوز له إطعام صديقه وضيفه منها، ولا يجوز له أن يتمول من تلك الغلَّة لا لنفسه ولا لضيفه ولا لصديقه، ومعنى التمول: التجميع والتخزين، أو البيع وكسب المال من الغلة.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ) فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.

رواه البخاري ( 2620 ) ومسلم ( 1632 ).

 

 

قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

وقوله ( لا جناح على من ولِيها أن يأكل منها بالمعروف ) هذا رفع للحرج عن الوالي عليها، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها، على ما جرت عادة العمَّال في الحيطان من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها، فإن المنع من ذلك نادر، وامتناع العامل من ذلك أندر، حتى أنه لو اشترط رب الحائط على العامل فيه ألا يأكل لاستُقْبِح ذلك عادةً وشرعًا.

وعلى ذلك: فيكون المراد بالمعروف: القدْر الذي يدفع الحاجة، ويردُّ الشَّهوة، غير أكل بسرفٍ، ولا نَهْمةٍ، ولا متخذًا خيانة ولا خُبْنَة.

” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 4 / 602 ، 603 ).

– الحيطان: البساتين.

– الخبنة: ما يُحمل في الحِضن أو تحت الإبط.

وقال النووي – رحمه الله -:

( غير متموِّل فيه ) وفي رواية غير متأثل مالًا … .

وأما قوله ( غير متأثل ) فمعناه: غير جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، ومنه ” مجد مؤثَّل ” أي: قديم، واثلة الشيء: أصله.

” شرح مسلم ” ( 11 / 86 ).

وقال المباركفوري – رحمه الله -:

( غير متمول فيه ) أي مدخر حال من فاعل وليها.

( غير متأثل مالًا ) أي: غير مجمِّع لنفسه منه رأس مال.

” تحفة الأحوذي ” ( 4 / 521 ).

وقال الصنعاني – رحمه الله -:

ولا يأخذ من غلَّتها ما يشتري بدله ملكًا، بل ليس له إلا ما ينفقه.

” سبل السلام ” ( 3 / 88 ).

  1. وليس للناظر التصرف في الوقف إلا وفق شروط الواقف، وفي حال أن الواقف لم يحدد الجهة التي يُصرف فيها الوقف: فإن وقفه يصح عند جمهور العلماء، خلافًا للشافعية الذين قالوا ببطلانه، وقد اختلف المصححون له في أوجه صرفه:

فأبو يوسف – من الحنفية – يقول: بأنه يُصرف إلى الفقراء.

وعند المالكية: يُصرف الوقف بحسب غالب الوقف في بلاد الواقف، فإن لم يوجد غالب فيُصرف للفقراء.

وعند الحنابلة يُصرف الوقف إلى ورثة الواقف نسبًا على قدر إرثهم، ويكون وقفًا عليهم فلا يملكون نقل الملك في رقبته، فإن عُدموا: فيُصرف للفقراء والمساكين وقفًا عليهم، ونص الإمام أحمد أنه يصرف في مصالح المسلمين فيرجع إلى بيت المال.

وقال علماء اللجنة الدائمة: فإن كان في أقارب الواقف فقراء: فهم أحق به، لا على سبيل الوجوب.

– انظر ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 149 ، 150 )، و ” أبحاث هيئة كبار العلماء ” ( 5 / 95 ).

والأقرب: أن يُرجع في تحديد الجهة إلى القاضي الشرعي؛ خشية من تدخل الهوى في تحديدها من قبَل الناظر، وبه يسلم من التبعات.

وحيث أنه لم يُذكر في السؤال الجهة التي أوقفت غلة مزرعة الوقف عليها: فيكون إخراج الغلة عامًّا في وجوه الخير والبر، ويكون منها التصدق على الفقراء والمحتاجين، وليس الإهداء؛ لأن الإهداء فرع الملك، وأنت لا تملك من غلتها شيئًا، وإذا أجاز القاضي بيع كمية من ” الحبحب ” فيرجع كسب ذلك لإصلاح المزرعة وتعميرها وتنمية زرعها وبنائها.

والخلاصة:

في حال كنت أنت الناظر على وقف جدك لمزرعة ” الحبحب ” – وهو البطيخ -:

  1. يحق لك الأكل منها على ما جرت به العادة، من غير ادِّخار ولا بيع يرجع ماله لك.
  2. يجوز لك التصدق من غلتها؛ لأن الوقف مسكوت عن جهته، فتكون الجهة التي أوقفت عليها المزرعة جهات بر عامة، بعد الرجوع في الأمر للقاضي الشرعي.
  3. ولك أن تُطعم ضيفك وصديقك من غلتها بالمعروف، ومَن كان مِن هؤلاء فقيرًا أو مسكينًا فلك أن تعطيهم حاجتهم وحاجة أهليهم منها، وليس لك أن تُهدي أحدًا منها.
  4. يحق لك أخذ مبلغ مقابل تعبك، ولك أجرة المثل، وتحديد ذلك راجع للقاضي الشرعي.

 

والله أعلم.

 

الجواب عن نص في ” إنجيل متَّى ” يقف حائلًا بينه وبين أن يُسلم!

الجواب عن نص في ” إنجيل متَّى ” يقف حائلًا بينه وبين أن يُسلم!

سؤال:

تحدث المسيح عن التثليث وقال: إنه ابن الرب، فهل بوسعكم – رجاء – تفسير هذه الآية من ” إنجيل ماثيو ” الموجود فى السورة 28 الآيات 16 – 20؟ وهل يثبت ذلك أن المسيح عيسى هو ابن الرب؟ وقد كنت أفكر فى اعتناق الإسلام لكن أمور كهذه كانت تسبب لي مشكلات.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد يتفهم المرء وجود قناعة عند غيره تجعله مقتنعًا بما هو عليه، لكن الباحث لا يتفهم استمرار المرء نفسه على تلك القناعة إن تبين أنها خطأ، وأنها غير علمية؛ وذلك أن البحث عن الحق هو ما يفعله كل عاقل، وخاصة فيما يتعلق بالمصير الأخروي فإنه إما جنة خالدًا فيها أو نار جهنم خالدًا فيها.

ثانيًا:

ولقد أعجبنا أن يراسلنا فتى في الثامنة عشر من عمره يدين بالنصرانية، ونعتقد أنه باحث عن الحق وراغب في سلوك طريقه، كما نعتقد أن له اطلاعًا جيِّدًا على المواقع الإسلامية وأن اختياره لموقعنا لكي يراسله ليس عبثًا إنما كان عن وعي وإدراك واطلاع، فنسأل الله تعالى أن يهديه لما فيه سعادته في الدنيا والآخرة، وأن يشرح صدره للحق.

ثالثًا:

واعلم أيها الفتى العاقل أن الربَّ تعالى ليس يشبهه أحدٌ من خلقه، وأن الذي يكون له ولد وزوجة فهو ناقص، وحاشا الرب تعالى أن يكون كذلك، فهو تعالى الغني عن خلقه، القائم عليهم، وكل الخلائق محتاجة إليه، وما المسيح عيسى بن مريم إلا رسول من عنده تعالى، جاء بني إسرائيل بشيرًا ونذيرًا، وقد جعله الله تعالى آية للناس حيث أنجبته أمه من غير زوج، وهذه الآية لا تجعله ابنًا للرب تعالى، فثمة ” آدم ” عليه السلام ليس له أب ولا أم باتفاق جميع الأديان، وهو أولى بأن يكون ابنًا لله تعالى، ولم يقل بذلك عاقل، وحقَّ لهم أن لا يقولوا، كما أن خلق ” حواء “عليها السلام أعظم من خلق عيسى بن مريم عليه السلام، ولم يقل عاقل إنها ابنة الله، وكيف يرضى الأب – عندك – أن يرى ابنه الوحيد! يُصلب ويُعذَّب ويُهان ويُقتل وهو يرى ذلك ولا يخسف الأرض بمن يفعل ذلك بابنه الوحيد؟! إنَّ هذا الأمر لو فعله والدك معك لكرهته وأبغضته وحُقَّ لك ذلك، فكيف يرضى والدك أن يقف متفرجًا على من يهينك ويسومك سوء العذاب وهو يملك من القوة ما ينقذك به ويعاقب من أساء إليك؟! ومثل هذا الأمر هو الذي دعا الملايين من أهل دينك لأن يرفضوا اعتقاد وجود ابن لله تعالى، فتركوا هذا الاعتقاد وأعلنوا اعتقادهم الصحيح وهو أن الله تعالى واحد لا شريك له، ليس له زوجة ولا ولد، وأعلنوا أن عيسى عبدُ لله ورسول، وهؤلاء ليسوا عامة ولا دهماء، بل هم علماء وأطباء وأدباء ومخترعون ومهندسون ومثقفون، وانظر حولك تجد أسماء لامعة في كل فنٍّ من الفنون تركوا ذلك الاعتقاد الخطأ واعتقدوا الاعتقاد الصحيح الذي به سعادتهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

رابعًا:

ونرجو أن يخيب ظننا بك في أنك باحث عن الحق لتسلك طريقه، وأنك لم تختر موقعنا هذا ونحن مخالفون لك في الدين إلا وأنت تثق بنا أننا لن نكذب عليك وأننا سندلك على الصواب.

وبخصوص تلك الآيات من إنجيل ” متَّى ” التي سألتَ عنها وكانت عقبة أمامك لتكون مسلماً: فاعلم أنها آيات محرَّفة، وأنها أُدخلت في إنجليل ” متى ” كذبًا على المسيح عليه السلام، ولن نذكر لك اسم مسلم واحدٍ يدَّعي ذلك، بل سنذكر لك أسماء علماء من أهل دينك هم من يقول ذلك، وسنحيلك على صور وثائق تلك المراجع؛ لتعلم أن ما ظننته عقبة أمام إعلان إسلامك ما هو إلا وهم وخيال، فلا تتردد بعد أن تقرأ ما يبين بطلان تلك الآيات من أن تعلن دخولك في دين الله تعالى الإسلام والذي رضيه الله تعالى للخلائق جميعًا وجعله خاتم الأديان، وثقتنا بأنك باحث عن الحق راغب في الوصول إليه تجعلنا مطمئنين لقرارك أنه في الخير لك في دنياك وأخراك.

خامسًا:

والنص الذي سأل عنه السائل هو:

” وأما الأحد عشر تلميذًا فانطلقوا إلى ” الجليل ” إلى الجبل حيث أمرهم يسوع. ولما رأوه سجدوا له ولكن بعضهم شكّوا. فتقدم يسوع وكلمهم قائلًا: ” دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر “.

إنجيل ” متى ” ( 28 / 16 – 20 ).

والآن إلى نقد تلك الآيات وأنها مقحمة لا أصل لها.

قال الدكتور منقذ السقَّار – وفقه الله -:

وأول نقد يتوجه لهذه الفقرة: أنها رغم أهميتها لم ترد في الأناجيل الثلاثة الأخرى التي اتفقت على إيراد قصة دخول المسيح ” أورشليم ” راكبًا على جحش، فهل كان ركوبه على جحش أهم من ذكر التثليث فلم يذكره سوى ” متى “؟.

بل إن خاتمة إنجيل ” مرقس ” نقلت ذات الوصية التي أوصاها للتلاميذ فلم تذكر صيغة التثليث التي انفرد بذكرها ” متى “، حيث يقول ” مرقس “: ” وقال لهم: اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن ” ( مرقس 16 / 15 )، وهذا دال على إلحاقية نص التثليث وعدم أصالتها.

وهذه الفقرة دخيلة بدليل قول علماء الغرب أيضًا:

  1. يقول ” ويلز “: ” ليس دليلًا على أن حواريي المسيح اعتنقوا التثليث “.
  2. ويقول ” أدولف هرنك ” في كتابه ” تاريخ العقيدة “: ” صيغة التثليث هذه التي تتكلم عن الآب والابن والروح القدس: غريب ذِكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها وجود في عصر الرسل … كذلك لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة من التعاليم النصرانية ما يتكلم به المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أقيم من الأموات، إن ” بولس ” لا يعلم شيئًا عن هذا “، إذ هو لم يستشهد بقول ينسبه إلى المسيح يحض على نشر النصرانية بين الأمم.
  3. ويؤكد عدم أصالة هذه الفقرة مفسرو الكتاب المقدس ومؤرخو المسيحية كما نقل ذلك المطران كيرلس سليم بسترس – رئيس أساقفة بعلبك وتوابعها للروم الكاثوليك – بقوله:

” يرجّح مفسرو الكتاب المقدس أنّ هذه الوصية التي وضعها الإنجيل على لسان يسوع ليست من يسوع نفسه، بل هي موجز الكرازة التي كانت تُعِدُّ الموعوظين للمعمودية في الأوساط اليونانية، فالمعمودية في السنوات الأولى للمسيحية كانت تعطى ” باسم يسوع المسيح ” ( أع 2 / 38 ، 10 / 48 ) أو ” باسم الرب يسوع ” ( أع 8 / 16 ، 19 / 5 )، من هنا يرجّح المؤرخون أن صيغة المعمودية الثالوثية هي موجز للكرازة التي كانت تُعِدُّ للمعمودية، وهكذا توسّع استدعاء اسم يسوع ليشمل أبّوة الله وموهبة الروح القدس “.

” اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر ” المطران كيرلس سليم بسترس ( 2 / 48).

 

 

  1. وحين نقل المؤرخ ” يوسابيوس القيصري ” هذه الفقرة من إنجيل ” متَّى ” لم يذكر فيها الآب ولا الروح القدس، بل قال: ” فقد ذهبوا إلى كل الأمم ليكرزوا بالإنجيل معتمدين على قوة المسيح الذي قال لهم: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسمي ” “. ” تاريخ الكنيسة ” يوسابيوس القيصري، ( ص 100 ).
  2. ومما يؤكد هذا: أن المخطوطات العبرية المكتشفة حديثًا لإنجيل ” متى ” – الذي كتب أصلًا بالعبرانية – ليس فيها هذا النص، وهذا الأمر اعتبره الدكتور ج ريكارت – أستاذ اللاهوت في الكلية الإرسالية الإنجيلية (Kaufman, Texas) في كوفمان في ولاية تكساس – دليلًا قاطعًا على إلحاقية هذا النص بإنجيل متى، وقال: ” إن الكنيسة الكاثوليكية بالإضافة إلى أرثوذكس المشرق قد كذبوا على العالم فيما يخص هذا النص من ” متى “؛ وذلك لأن كل من عمِّد بهذه الطريقة قد عُمد كذبًا ومات من غير خلاص “.

www.jesus-messiah.com/apologetics/catholic/matthew-proof.html

ويذكرنا الدكتور ريكارت بالعديد من النصوص الإنجيلية التي تتحدث عن التعميد بيسوع المسيح فقط، كما في قول بطرس في خطبته الشهيرة: ” توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس ” ( أعمال 2 / 38 )، والسامريون اعتمدوا بمعمودية يوحنا المعمدان، فلما سمعوا بطرس ” اعتمدوا باسم الرب يسوع ” ( أعمال 19 / 5 )، فلم يطالبهم بطرس بالتعميد باسم الآب والروح القدس، واكتفى بالتعميد باسم يسوع.

  1. ويؤكد تاريخ التلاميذ عدم معرفتهم بهذا النص، إذ لم يخرجوا لدعوة الناس كما أمر المسيح في هذا النص المزعوم، بل إنه أمرهم باجتناب دعوة غير اليهود:

أ. ” هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع، وأوصاهم قائلًا: إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ” ( متى 10 / 5 – 6 ).

ب. ويتطابق هذا مع شهادة تاريخية تعود للقرن الثاني تناقض الأمر المزعوم بدعوة الأمم وتعميدها باسم الثالوث، إذ يقول المؤرخ الكنسي ” أبولونيوس “: ” إني تسلمت من الأقدمين أن المسيح قبل صعوده إلى السماء كان قد أوصى رسله أن لا يبتعدوا كثيرًا عن أورشليم لمدة اثنتي عشرة سنة “.

” الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة ” الأنبا ايسذورس ( 1 / 39 ).

ج. وقد التزم التلاميذ بأمر المسيح عليه السلام، ولم يخرجوا من فلسطين إلا حين أجبرتهم الظروف على الخروج، ” وأما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس، فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكيا، وهم لا يكلمون أحدًا بالكلمة إلا اليهود فقط ” ( أعمال 11 / 19 )، ولو كانوا سمعوا المسيح يأمرهم بدعوة الأمم باسم الآب والابن والروح القدس: لخرجوا امتثالاً لقوله، من غير إكراه، ولبشروا الأمم بدعوته.

د. ولما حدث أن ” بطرس ” استدعي من قبل ” كرنيليوس ” الوثني ليعرف منه دين النصرانية، ثم تنصر على يديه لما حصل ذلك: لامَه التلاميذ فقال لهم: ” أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه، وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس ” ( أعمال 10 / 28 )، لكنه لم يذكر أن المسيح أمرهم بذلك، بل قال: ” نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات، وأوصانا أن نكرز للشعب ” ( أعمال 10 / 42 )، أي: لليهود فقط، ولما رجع إلى ” أورشليم ” تعرض لمزيد من اللوم فقد ” خاصمه الذين من أهل الختان ، قائلين : إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة، وأكلت معهم! ” ( أعمال 11 / 2 – 3 )، فبدأ ” بطرس ” يحكي لهم عن رؤيا منامية رآها سوغت له الأكل مع الأمميين (أعمال 11 / 4 – 10 )، ثم حكى لهم كيف جاءه الروح القدس، وأمره بالذهاب، ” قال لي الروح أن أذهب معهم غير مرتاب في شيء، وذهب معي أيضًا ” ( أعمال 11 / 12 ).

وبعد هذا العرض الإقناعي المسهب من بطرس رضي التلاميذ عن ذهابه إلى الغلف، ” فلما سمعوا ذلك سكتوا، وكانوا يمجدون الله قائلين: إذا أعطى الله الأمم أيضًا التوبة للحياة ” ( أعمال 11 / 18 ).

وعليه فهؤلاء جميعًا بما فيهم بطرس لا يعلمون شيئًا عن نص ” متَّى ” الذي يأمر بتعميد الأمم باسم الآب والابن والروح القدس، لماذا؟ لأن المسيح لم يقله، وهم لم يسمعوه، ولو كان المسيح قاله لما احتاج الأمر إلى عتاب وملامة.

  1. وأيضًا اتفق التلاميذ مع ” بولس ” على أن يدعو الأمميين، وهم يدعون الختان – أي: اليهود، يقول بولس: ” رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة ( الأمم ) كما بطرس على إنجيل الختان … أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان ” ( غلاطية 2 / 7 – 9 )، فكيف لهم أن يخالفوا أمر المسيح – لو كان صحيحًا نص ” متى ” – ويقعدوا عن دعوة الأمم، ثم يتركوا ذلك لبولس وبرنابا فقط؟.

فكل هذه الشواهد تكذب نص ” متى “، وتؤكد أنه نص مختلق لا تصح نسبته إلى المسيح.

ثم عند غض الطرف عن ذلك كله: فإنه ليس في النص ما يسلم بأنه حديث عن ثالوث أقدس اجتمع في ذات واحدة، فهو يتحدث عن ثلاث ذوات متغايرة قرن بينها بواو عاطفة دلت على المغايرة، والمعنى الصحيح لخاتمة ” متى “: ” اذهبوا باسم الله ورسوله عيسى والوحي المنزل عليه بتعاليم الله عز وجل “، ولهذه الصيغة الواردة في ” متى ” مثل لا يصرفه النصارى للتثليث، فقد جاء في بعض رسالة ” بولس ” إلى ” تيموثاوس “: ” أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين … ” ( تيموثاوس ( 1 ) 5 / 21 ) فإن أحدًا لم يفهم من النص ألوهية الملائكة أو أنهم الأقنوم الثالث، ويقال في نص ” متى ” ما يقال في نص ” بولس “.

ويشبهه ما جاء ” سفر الخروج ” من دعوة بني إسرائيل للإيمان بالله وبموسى من غير أن يفهم تساوي المعطوفين في قوله: ” فخاف الشعب الرب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى ” ( الخروج 14 / 31 ).

وهذا الأسلوب في التعبير معهود في اللغات والكتب، وقد نزل في القرآن مثله ( يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) النساء/ 136 ، وغير ذلك من الآيات القرآنية.

” الله جل جلاله واحد أم ثلاثة ” ( ص 122 – 125 ).

ويمكنك الاطلاع على مزيد من الأقوال لعلماء نصارى وقساوسة مع توثيق أكثرها بصور من الكتاب المنقول نفسه تحت هذا الرابط:

http://www.aljame3.net/ib/index.php?showtopic=6105&mode=threaded&pid=35588

وستجد أيضًا مراجع وشروحات مصنفة للنصارى كلها تنفي هذا النص أن يكون في ” لإنجيل متى “، ومن هذه الشخصيات والمراجع:

1. ” دبليو بيترسون “.

2. ” قاموس انكور للكتاب المقدس “.

3. ” قاموس بيك “.

4. كتاب ” History of Dogma “.

5. ” من أجل المسيح ” توم هاربر.

6. ” دائرة المعارف البريطانية ” طبعة 1911 م.

7. ” موسوعة شاف هيرزوج للعلوم الدينية “.

8. ” الموسوعة الكاثوليكية “.

9. ” دراسات في العهد الجديد ” الجامعة الكاثوليكية الأمريكية بواشنطن، 1923م.

وأخيرًا:

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للحق، وأن يكتب لك الخير، وأن يوفقك لما يحب ويرضى من الاعتقاد والأقوال والأفعال، ونحسن الظن بك أن تفعل ما هو صواب، وننتظر منك ن تفرحنا بعد اتخاذ ذلك القرار الصائب.

وأي استفسار آخر فنحن على أتم الاستعداد له، ولن تجد إجاباتنا إلا علميَّة موثقة، ننصح لك ولا نغشك، ونرضى لك ما نرضاه لأنفسنا.

والله الموفق.

كيف يمكن للوالدين تأمين مستقبل أولادهم المعيشي بما لا يخالف الشرع؟

كيف يمكن للوالدين تأمين مستقبل أولادهم المعيشي بما لا يخالف الشرع؟

السؤال:

كيف يمكنني عمل  ” وديعة معيشية ” مستقرة وفقا لأحكام الميراث الإسلامية، حتى يتسنَّى لي ضمان رعاية أطفالي إذا حدث شيء لي ولزوجي؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

من الجيِّد أن يكون للوالدين تفكير في حالة أولادهم المعيشية كيف ستكون بعد وفاتهم، ولكنَّ الأجود من ذلك: أن يكون تفكير واهتمام بحالتهم الدينية، وحالهم مع الله في اعتقادهم ومنهجهم وسلوكهم، والمسلم لم يُخلق للطعام والشراب، ولا رُغِّب الأزواج بالإنجاب للاهتمام – فقط – بطعام أولادهم ولباسهم، بل هذا من القصور، وليعلموا أنهم مسئولون عن رعيتهم تلك نصحوا لهم أو فرَّطوا فيهم، ولذا نود أن يكون منكما اهتمام بهذا الجانب في حياتكم وبعد مماتكم من التربية للأولاد على القرآن والعبادة، ومن الوصية لهما وبهما للاستمرار على ذلك بعد الوفاة، وأن يوصى بمبالغ دون الثلث لأناس أو جمعيات تقوم على مثل تلك العناية والرعاية والاهتمام بتلك الذرية.

ثانيا:

وإذا كان المقصود بـ ” الوديعة المعيشية ” ما يُطلق عليه: ” وثيقة التأمين على الحياة “: فإن هذا الفعل محرَّم، وليُعلم أن التأمين التجاري محرَّم بجميع أنواعه؛ لأن عقوده تتضمن: الربا، والميسر، والغبن، والجهالة، وقد سبق بيان حكم هذا النوع من التأمين في أجوبة متعددة.

ثالثا:

وثمة بدائل عن ذلك المحرَّم وهو:

1. العطية بالعدل لجميع الأولاد، فتفتح حسابات لجميع الأولاد – ذكورا وإناثا – في بنك إسلامي، ويوضع فيها مبالغ بالتساوي لكل واحد منهم – شهريّا أو سنويّا – وعندما يكبر أولئك الأولاد في حياة والديهم أو بعد وفاتهم يكون في حساباتهم مبالغ يستعينون بها على مشاق الحياة وصعوباتها.

2. والأمر الآخر البديل عن ذلك المحرَّم: أن يوقف عقارٌ، باسم الأولاد جميعا ليُسكن من قبَلهم، أو يكون عقارا يدرُّ دخلا يستفيدوا من ريعه، بشرط أن يكون الوقف بصيغة ناجزة، ولا يبقى تحت تصرف الوالدين، بل يكون تحت تصرف الأولاد أنفسهم، أو تحت تصرف ناظر الوقف، فإن بقي تحت تصرف الوالدين وجعلوه وقفا بعد وفاتهم: بطل الوقف وصار حينذاك وصية، والوصية للوارث لا تصح.

– كما ننبه أنه لا يجوز أن يكون الوقف مالا نقديّا؛ لأنه لا يصح وقف المال.

– كما لن يكون بمقدور الأولاد بيع ذلك العقار؛ لأنه صارت عينه وقفا لله تعالى.

ويمكن جعل مثل ذلك العقار وقفا على الأولاد جميعا ثم أولادهم وهكذا، أو يقف الأمر عند الأولاد أو الأحفاد ثم تجعلونه وقفا خيريّا على جهة معينة.

ونحن نرى أن البديل الأول هو الأنسب، دون الثاني، ونسأل الله تعالى أن ييسر أمركم ويوفقكم لما فيه رضاه.

والله أعلم.