الرئيسية بلوق الصفحة 55

جدها على فراش الموت وهو مريض عقليا وتريده أن يدخل في الإسلام

جدها على فراش الموت وهو مريض عقليا وتريده أن يدخل في الإسلام

السؤال:

جدِّي مريض جدّا على فراش الموت، وعلى الرغم من أنه يؤمن بوجود إله إلا أنه ليس مسلما، فكيف أساعده على اعتناق الإسلام قبل أن يموت، علما أنه مريض عقليّا ولا يعي أحياناً ما أقول؟ فكيف أوصل له الفكرة؟ إنني أخاف أن يرفض.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد أحسنت في حرصك على تقديم الخير لجدك، ولا خير أعظم من الإسلام يدخل فيه، ويسلم وجهه لربه تعالى، فيرضى عنه ربه فيدخل الجنة، وما حرصت عليه قد حرص عليه النبي صلى عليه وسلم مع جده أبي طالب.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ( أَيْ عَمِّ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ).

رواه البخاري ( 3671 ) ومسلم ( 24 ).

 

ثانيا:

وفي الحديث السابق بيان واضح في أن من قال كلمة التوحيد قبل الاحتضار نفعه ذلك يوم لقاء ربه تعالى، وأما من قالها عند النزع فإنه لا ينفعه قولها.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله ( لما حضرت أبا طالب الوفاة ) فالمراد: قربت وفاته وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع: لما نفعه الايمان، ولقول الله تعالى: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، قال القاضي عياض رحمه الله: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار وأن النبي صلى الله عليه وسلم رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته صلى الله عليه و سلم، قال القاضي رحمه الله: وليس هذا بصحيح؛ لما قدمناه.

” شرح مسلم ” ( 1 / 214 ).

 

ثالثا:

ولتعلمي أختنا السائلة أن جدك إن لم يكن يعي ما يقول ولم يكن يفهم ما يتلفظ به بسبب حالته العقلية: فلا ينفعه التلفظ بالشهادتين؛ لأن للشهادتين شروطا ينبغي تحقيقها حتى تنفع صاحبها، ومن تلك الشروط: ” العلم ” المنافي للجهل بذلك، ومن شروطها: ”  اليقين ” المنافي للشك والظن.

وإن كان يعي ما يسمع ويفهم ما يتلفظ به فقال كلمة التوحيد دخل في الإسلام ونفعته بإذن الله، ويمكنك مخاطبته بما يستطيع استيعابه منك، ولا تقلق من رفضها لأنه ليس هناك ما تخاف منه لأنه ليس مسلما أصلا، وإن كان لسانه يستطيع النطق به فلا يُعذر بعدم التلفظ بالشهادتين، وإن انعقد لسانه وهو يفهم ما يسمع وما يقال له فيمكنك كتابة لفظ الشهادتين على ورقة وجعله يؤكد عليها، فإن تحقق فيه شروط الشهادتين وأقر بلفظها بلسانه أو أكد عليها بما يشير لإقراره بها: نفعه ذلك عند الله.

 

رابعا:

وإذا كان جدكِ فيه خلل عقلي من أول أمره: فإن له مصيرا غير الكفار، وسيكون له اختبار يوم القيامة.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز للمبتعَث التصرف بالمال الزائد عن رسوم الدراسة

هل يجوز للمبتعَث التصرف بالمال الزائد عن رسوم الدراسة

السؤال:

أنا طالب مبتعث للدراسة بالخارج، أسأل عن حكم المال المقرر لي من ” وزارة التعليم ” لكي يصرف على اللغة، على أن لا يتجاوز مقدارا معيَّنا من النقود.

ما حكم إذا أنا سجلت في دورة في معهد، وسلَّمت الشيك للمعهد، ثم قررت تغيير المعهد إلى آخر لسبب المسافة، أو في إعطاء الدروس، ووافقتْ إدارة المعهد على أن تردَّ لي المال نقدا، ودفعتُ جزءً منه لمعهد آخر، واستعملت الزائد في شيء آخر، علما بأني لم أتجاوز المقدار المخصص لي من بلدي، وأن المال المتبقي هذا سوف يأخذه البعض، ولن يرجع للدولة.

 

الجواب:

الحمد لله

المال الذي يُعطى للمبتعَث – ومثله الموظف – مقابل سكن أو دراسة أو علاج أو مواصلات على حالين:

الأولى: أن يُعطى مبلغاً مقطوعا يملِّكونه إياه، ولا يحاسبونه على ما زاد، ولا يَرجع إليهم فيما نقص.

الثانية: أن يُعطى مبلغا محدَّدا لا بقصد التمليك، بل مقابل الشيء الذي يريدونه منه أو الخدمة التي توهب له.

 

والفرق بين الحالين واضح معلوم، والحكم فيهما يختلف باختلاف الحالين:

ففي الحال الأولى: للمبتَعث – والموظف – أخذ ما يزيد عن المبلغ المقطوع إذا بقي منه شيء في حال أن ينفقه مقابل علاج أو ما يدفعه رسوما للدراسة.

وفي الحال الثانية: يحرم عليه أن يتملك ما يتبقى مما يزيد على نفقاته التي اتفق مع مُبتعثِه على التمتع بها أو طُلبت منه على وجه الإلزام.

 

والذي يظهر لنا أن حالك – أخي السائل – هو الثاني، فيكون حكم المال المتبقي من الفرق بين رسوم الدراسة في المعهدين: أنه ليس لك، ويجب عليك إبلاغ إدارة البعثات به، ويجب عليك أن تردَّه إليهم.

 

 

 

 

 

وبما أن الدولة قد ائتمنت هذه الإدارة على تصريف شئون البعثات: فإن أمرك يقف عند إرجاع المبلغ الزائد بعد إبلاغهم بحقيقته، وإن علمتَ تصرُّفا منهم غير شرعي فيه: فأمامك أمران:

الأول: أنه يجب عليك إنكار هذا المنكر بإبلاغ الجهات المسئولة عنهم، وذلك بعد القطع واليقين لا الشك والظن.

الثاني: أن تجعل هذا المبلغ الزائد في أمر من أمور البعثة ولا تطلب مبلغه منهم.

 

* ومما يدلُّك على صحة ما قلناه لك من الحال والحكم الشرعي: أمران:

الأول: أن المعهد الأول لو طلب رسوما زائدا على ما اتُفق عليه معه أولا، وكان لك رغبة في الدراسة فيه: فإنك ستطلب هذه الزيادة من إدارة البعثات، فإذا كان عليهم إكمال النقص لم يكن لك أخذ الزائد، بل هو لهم.

الثاني: أنه لو تَوجَّه سؤالٌ من قبَل إدارة البعثات عن الرسوم التي دفعتها للمعهد الآخر فماذا أنت مجيبهم؟! قد جرت عادة المبتَعثين والموظفين أنهم يكتمون المبلغ الحقيقي المدفوع، ويُظهرون فواتير مزورة حتى يتم لهم تحصيل الفرق بين المبلغين، فيكون مع أخذهم ما ليس لهم بحق أنهم شهدوا الزور، أو أنهم كتموا ما كرهوا اطلاع الإدارة عليه، وكل ذلك يدلك على حرمة الفعل الذي سألتَ عنه:

  1. فأكل أموال الحكومة محرَّم، قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) النساء/29 .
  2. وشهادة الزور محرَّمة، قال تعالى في وصف المؤمنين ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) الفرقان/ 72 .

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ ).

رواه البخاري ( 5631 ) ومسلم ( 87 ).

  1. وقد عرَّف النبي صلى الله عليه وسلم الإثم بما ذكرناه لك، فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ).

 

 

 

 

 

* قال ابن رجب – رحمه الله -:

وقوله في حديث النواس بن سمعان ( الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس )  إشارة إلى أن الإثم ما أثَّر في الصدر حرجا وضيقا وقلقا واضطرابا فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا: فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر الناسُ فاعلُه وغيرُ فاعلِه. ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 254 ).

 

* وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عمن يُصرف له مبلغ لشراء بنزين للسيارة فيزيد معه المال فيرجعه على السيارة نفسها تصليحاً لها بإذن من له الصلاحية من المسئولين فأجاب:

إذا كان المسئولون يعلمون أن هذا العِوض للبنزين أكثر مما يتحمله العمل، فإذا زاد يقولون: لا بأس أن تصرفه في إصلاح السيارة: فهذا طيب، وجزاك الله خيرا.

الممنوع: أنه إذا زاد تأخذه لنفسك، هذا هو الممنوع.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 130 / السؤال رقم 12 ).

 

فها أنت ترى أن الأمر يرجع للمسئولين عن المال حتى لو رجع المال للسيارة نفسها، وأن أخذ ذلك المال الزائد لا يحل إلا برضاهم، والأمر نفسه يقال في مسائل كثيرة من الباب نفسه مثل الذي تسأل عنه.

 

وبما سبق يتبين أنه لا يحل لك أخذ الفرق بين مبلغي المعهدين، وأن عليك إعلام إدارة البعثات به، فإن أذنوا لك بالتصرف به في مجال آخر في أمور البعثة: فافعل ما يقولونه، وإن كان عندهم الصلاحية لتمليكه لك فأذنوا لك بأخذه فهو لك، وإن لم تكن عندهم الصلاحية لذلك فلا يحل لك تملكه، فإما أن ترجعه للإدارة أو تجعله في أمر آخر من أمور البعثة ولا تطلب مبلغه منهم.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

أسلمت صديقتها حديثا فهل تخبرها بتحريم بقائها مع زوجها الكافر؟

أسلمت صديقتها حديثا فهل تخبرها بتحريم بقائها مع زوجها الكافر؟

السؤال:

إنني هذه الأيام أتحدث مع امرأة أمريكية أسلمت منذ وقت قصير، وعلمت منها أنها متزوجة من رجل مسيحي ولديهم طفلان، وهي سعيدة معه، وعلى ما يبدو أنها لا تعلم حتى الآن حكم بقائها مع زوجها في هذه الحالة لأنها ما زالت تتعلم الإسلام ومسائله، وأنا بدوري أحاول جاهدة مساعدتها في تعلم الإسلام بقدر ما أستطيع، وأراني وصلت إلى نقطة محيرة ألا وهي مصارحتها بهذه المسألة، أخشى إن أخبرتها بالحكم الشرعي أن تترك زوجها إذا أبى اعتناق الإسلام وتتمزق أسرتها ويتشرد أبناؤها، وبالتالي ربما تُلقي باللائمة على الإسلام، أو تترك الإسلام بالكلية، إنها تعيش في إحدى المناطق في ” كالفورنيا ” حيث من الصعب أن تجد أحدًا يتحدث معها عن الإسلام لأن معظم من حولها من الكاثوليك.

سؤالي هو: هل يتعين عليّ في الوقت الحالي أن أخبرها أن زوجها يجب عليه أن يعتنق الإسلام أو يتركها؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف أفتح لها الموضوع وأخبرها به؟ أم ما هو الحل الأمثل من وجهة نظركم في هذه الحالة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر للأخت السائلة مبادرتها في السؤال قبل التصرف بشيء، ونشكر لها حبَّها للخير لتلك المسلمة الجديدة.

وهذه العاطفة التي طُرح فيها السؤال لا ينبغي لأحدٍ أن يقف عندها إذا كانت مخالفة لشرع الله تعالى.

ولتعلم الأخت السائلة أن حكم الله تعالى هو الذي فيه المصلحة والخير للناس، ولا يمكن أن يشرع الله تعالى ما فيه ضرر للناس ومفسدة، بل حيث خالف الناس شرع الله تعالى فثمَّ المفسدة والضرر، ولنأخذ على ذلك مثالًا ما جاء في السؤال، فتقول الأخت السائلة وفقها الله: ” أخشى إن أخبرتها بالحكم الشرعي أن تترك زوجها إذا أبى اعتناق الإسلام وتتمزق أسرتها ويتشرد أبناؤها، وبالتالي ربما تُلقي باللائمة على الإسلام، أو تترك الإسلام بالكلية ” انتهى.

ونقول: أين احتمال أن يدخل زوجها في الإسلام؟! ولم لا يُذكر هذا في الاحتمالات؟! ولماذا تترك الإسلام؟ هل لأنه لا يبيح تزوج الكافر من مسلمة؟! وأين وجه الغرابة والتعجب من منع الإسلام من تزويج المسلمات بغير المسلمين والنصارى بينهم لا يزوجون بعضهم بعضًا وهم أهل ديانة واحدة؟! فالكاثوليكي لا يستطيع أن يتزوج بامرأة بروتستانتية، وإن تجرأ على ذلك عوقب من قبل الكنيسة، والعكس كذلك، فالكنيسة البريطانية مازالت تحرم زواج ولي عهد بريطانيا ” تشارلز ” البروتستانتي المذهب من ” كاميلا باركر ” الكاثوليكية ، وهو مهدَّد بالحرمان من عرش بريطانيا لهذا السبب!، وفي قانون الأقباط الأرثوذكس المصري الصادر عام 1938م تنص المادة السادسة على أن ” اختلاف الدين مانع من الزواج “.

وهذا الحكم في شرعنا المطهَّر فيه مصالح عظيمة، وأعظمها أنه قد يكون ذلك التحريم لاجتماع مسلمة مع زوجها الكافر سببًا في إسلامه، فها هي زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تفارق زوجها لاستمراره على الكفر، فيسلم، ويحسن إسلامه، ويرجع لها، وها هي أم سليم ترفض أبا طلحة زوجًا لكفره، فيسلم، ويحسن إسلامه.

ولتعلمي أنت والأخت المسلمة حديثًا أن دخول زوجها في الإسلام تكتمل به سعادتها في الدنيا والآخرة، فإن بقاءه على الكفر يعني أنها لن تجتمع معه في الآخرة في الجنة، بل نرى أن إصرارها على تطبيق الحكم الشرعي واجب عليها، وفيه مصلحة لزوجها، فقد يكون فعلها السبب في دخوله الإسلام.

وإن الذي يختار الإسلام دينا يجب أن يعلم أن الإسلام يعني الاستسلام لحكم الله تعالى، وينبغي أن يعلم أن الإسلام فيه الخير والسعادة والمصلحة في أحكامه وشرائعه، وينبغي أن يعلم أن يجب عليه الدخول فيه كافة، ولا يؤمن ببعضه ويكفر ببعض، وهذا هو الظن في كل من يختار الإسلام دينًا.

ولتعلمي أيتها الأخت السائلة أنه لا مجاملة للناس على حساب الأحكام الشرعية، فلا نسكت عن بيان حكم الإسلام في الزنا والربا والقمار لمن دخل في الإسلام وهو يمارس تلك المعاصي والموبقات، وعندما جاء رجل يعلن إسلامه وكان متزوجًا بعشر زوجات: لم يمنع ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ).

ثانيًا:

وأما حكم المسألة نفسها: فإنه بمجرد إسلام الزوجة يحرم عليها زوجها الكافر. روى البخاري في ” صحيحه ” ( 5 / 2024 ) عن ابن عباس قوله: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه.

وبوَّب عليه بقوله: ” باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي “.  انتهى.

وروى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 5 / 90 ) عن داود بن كردوس قال: كان رجل من بني تغلب يقال له: عبادة بن النعمان بن زرعة، عنده امرأة من بني تميم، وكان عبادة نصرانيا، فأسلمت امرأته وأبى أن يسلم، ففرَّق عمر بينهما. انتهى.

 

 

والإجماع قائم على هذا الحكم، لا فرق بين ابتداء النكاح واستدامته، فلا يحل اجتماع كافر مع مسلمة بعقد زواج البتة.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

فحرَّم الله عز وجل على الكفار نساء المؤمنين لم يبح واحدة منهن بحال، ولم يختلف أهل العلم في ذلك. ” الأم ” ( 5 / 153 ).

فإذا أسلم الزوج الكافر بعد إسلام زوجته: رجعت إليه على عقد الزوجية نفسه وهو أحق بها من نفسها، وإن لم يدخل في الإسلام حتى انتهت عدتها – وهي حيضة واحدة أو وضع الحمل -: فتملك نفسها، فإن انتظرته ولم تتزوج غيره، ودخل بعدها في الإسلام فترجع له على عقدها الأول، ولا يحتاجان لتجديد النكاح، وهذا هو القول الراجح ، وكل خلاف في المسألة لا يشمل: صحة عقد الزوجية بينها وبين زوجها، فلا يخلو بها ولا يمسها، ومن باب أولى لا يشمل حل جماعه لها، ومن زعم من أهل الهوى من المعاصرين أن عقد الزوجية بينهما قائم وأنه يحل لها أن تمكنه من جماعها: فقد افترى على الشرع افتراء عظيمًا، وقال على الله ما لم يحكم به، وحسبه أنه أسير الغرب يلبي لهم رغباتهم في تزوير الأحكام الشرعية، وهو يعلم أن تحريفه هذا الحكم الشرعي بعذر عدم تمزيق الأسرة وتشتيتها أنه غير نافعه؛ لأن الحكم في الآخرة سيكون كذلك ففريق في الجنة وفريق في السعير.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني وقتادة كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيًّا أسلمت امرأتُه فخيَّرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه.

وعبدالله بن يزيد الخطمي هذا له صحبة، وليس معناه أنها تقيم تحته وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص، فمتى أسلم: فهي امرأته ولو مكثت سنين.

فهذا قول سادس، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة، وعليه تدل السنَّة كما سيأتي بيانه، وهو اختيار شيخ الإسلام. ” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 646 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

الذي دلَّ عليه حُكمُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبلَ انقضاء عِدتها: فهي زوجتُه، وإن انقضت عدتها: فلها أن تنكِحَ من شاءت، وإن أحبَّت انتظرته، فإن أسلم: كانَتْ زوجته مِن غير حاجة إلى تجديد نكاح.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 137 ).

ومن نقل عن ابن القيم رحمه الله غير هذا فقد افترى عليه، فابن القيم رحمه الله يرى أن الزوجة المسلمة تحرم على زوجها الكافر بمجرد إسلامها، لكن يرى أن العقد يصير جائزًا لا لازمًا، ويتوقف استمرار الحياة الزوجية الشرعية بينهما على إسلامه ، وأنه لا حاجة لتجديد العقد حتى لو طالت المدة بين إسلامهما =، وأن لها أن تنكح من شاءت إذا انتهت عدتها ، ولا يقول ابن القيم – ولا غيره من أهل الإسلام – أن لها أن تمكنه من وطئها!.

ويرى رحمه الله أن القول بتحريم الزوج الكافر على زوجته التي أسلمت قبله، وأنه لا سبيل لها عليها إذا أسلم بعدها إلا برضاها ورضا وليها وبمهر جديد أن هذا هو ما فيه تنفير عن الإسلام، بخلاف ما رجحه هو وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأيضًا فإن في هذا تنفيرًا عن الإسلام؛ فإن المرأة إذا علمت – أو الزوج – أنه بمجرد الإسلام يزول النكاح ويفارق من يحب ولم يبق له عليها سبيل إلا برضاها ورضا وليها ومهر جديد: نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كلٌّ منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله ولا فراق بينهما إلا أن يختار هو المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه.

وأيضًا: فبقاء مجرد العقد جائزًا غير لازم من غير تمكين من الوطء: خير محض ومصلحة بلا مفسدة، فإن المفسدة إما بابتداء استيلاء الكافر على المسلمة فهذا لا يجوز كابتداء نكاحه للمسلمة وإن لم يكن فيه وطء كما لا يجوز استيلاؤه بالاسترقاق، وإما بالوطء بعد إسلامها، وهذا لا يجوز أيضًا، فصار إبقاء النكاح جائزًا: فيه مصلحة راجحة للزوجين في الدِّين والدنيا من غير مفسدة، وما كان هكذا: فإن الشريعة لا تأتي بتحريمه.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 694، 695 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

من آثار الخلل في فهم قدرة الله تعالى وما يتعلق بها

من آثار الخلل في فهم قدرة الله تعالى وما يتعلق بها

السؤال:

أتوق إلى أن أحسن من إسلامي، ولدي سؤال عن صفات الله، وأنا أطرح هذا السؤال لأني لست من أهل العلم، وأنا أعيش فى بيئة يعتقد فيها الناس أن لله قدرة على الدخول والعيش فى مخلوقاته كالبشر والحيوانات والجماد! وهم يستدلون بنزول الله للسماء الدنيا لإثبات ادعائهم هذا، فأرجو أن تقوموا بتوضيح الرأي الإسلامي الراجح بخصوص هذا السؤال، وكيف يمكن شرح الإجابة الصحيحة لضمان أن يسود الرأي الراجح؟ وأرجو أن تأخذوا بعين الاعتبار أني لست من أهل العلم.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا الذي تنقله أيها السائل الكريم هو اعتقاد فاسد اعتقده أولئك القوم نتيجة جهلهم بحقيقة قدرة الله تعالى، واستدلالهم بنزول الله تعالى إلى السماء الدنيا على ما يقولونه سببه جهلهم بصفة النزول لله تعالى ومن قبل جهلهم بربهم تعالى وما يستحقه من صفات الجلال والإكرام.

وبيان ذلك:

  1. أما فيما بقدرة الله تعالى فيجب أن يعتقد المسلم أنها لا تتعلق بالمستحيلات؛ ولكنها تتعلق بالممكنات – أو بالجائزات -.

ومثال المستحيلات التي لا تتعلق بها قدرة الله:

أ. فيما يتعلق بالله تعالى: اتخاذ الشريك، والصاحبة، والولد؛ لأن إيجادها نقص لا يليق بالله عز وجل، قال تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) الأنعام/ 101.

فالذي يقوله أهل السنَّة أن قدرته تعالى لا تتعلق بها؛ كمالًا له تعالى؛ لأنها نقص لا يليق بالرب عز وجل، فكيف يكون ربًّا متفردًا أحدًا صمدًا ثم يكون معه شريك؟! وكيف يكون ربًّا وهو يحتاج لزوجة وولد؟! ومثله يقال فيما ذكره السائل عن أولئك الجهلة من اعتقادهم أن قدرة الله تتعلق بما ذكروه من مستحيل وهو أن يكون الله – عياذًا به – داخلَ شيء من مخلوقاته، وهذا من النقص الذي يُنزَّه الرب تعالى تعالى عنه، فهو – عز وجل – فوق مخلوقات بائن منهم ، مستوٍ على عرشه.

ب. وفيما يتعلق بغيره تعالى: كون الشيء ساكنًا متحركًا، أو أسود أبيض، فهذه ليست بشيء، وهي لا تسمَّى ” شيئًا ” في لسان العرب، وعليه: فهي لا تدخل في عموم قوله تعالى: ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) الطلاق/ 12.

 

فهذه لا تتعلق بها القدرة لكونها شيئًا خارج الذهن، فهي ليست شيئًا حتى يقال هل يقدر الله تعالى عليها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولا ريب أن الله على كل شيء قدير، كما نطق به القرآن في غير موضع، فإن قدرته من لوازم ذاته والمصحح لها الإمكان، فلا اختصاص لها بممكن دون ممكن، لكن الممتنع لذاته: ليس شيئًا باتفاق العقلاء فلا يعقل وجوده في الخارج، فإنه لا يعقل في الخارج كون الشيء موجودًا معدومًا، أو متحركًا ساكنًا أو كون أجزاء الحركة المتعاقبة مقترنة في آنٍ واحد، أو كون اليوم موجودًا مع أمس وغدًا وأمثال ذلك.

وحينئذ فمثل هذا لا يدخل في عموم الكتاب.

وأما الممتنع لغيره – وهو ما علم الله أنه لا يكون، وأخبر أنه لا يكون، وكتب أنه لا يكون -: فهذا لا يكون؛ لعدم إرادته، وأنه لا يكون، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا لو شاء لفعله كما أخبر القرآن في غير موضع أنه لو شاء الله لآتى كل نفس هداها، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، وأمثال ذلك.

” الصفدية ” ( 2 / 109 ).

 

* وقال الشيخ محمد السفاريني – رحمه الله -:

بقدرةٍ تعلقت بممكن *** كذا إرادة فَعِ واستبن

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 192 ).

 

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – شارحًا -:

– قوله: ( واقتدر بقدرة تعلقت بممكن ): أي من صفات الله تعالى القدرة.

لكن المؤلف قيَّد القدرة قال: ( تعلقت بممكن ): وتعلقت بالواجب أيضًا؟

نعم، بالواجب من باب أولى.

تعلقت بالمستحيل؟ لا؛ لأن المستحيل ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مقدورًا عليه، لكن المستحيل الذي يُتَصَوَّرُ ذهنًا أنه مستحيل:

  1. مستحيلٌ لذاته.
  2. ومستحيل لغيره.

أما المستحيل لذاته: فهو مستحيل لا يمكن، لو أن أحدًا أراد أن يقول: هل الله قادر على أن يخلق مثله؟: لقلنا: هذا مستحيل، لكن الله قادر على أن يخلق خلقًا أعظم من الخلق الذي نعلمه الآن، ونحن نعلم الآن أن أعظم مخلوقٍ نعلمه هو العرش، العرش أعظم من كل شيء من المخلوقات التي نعلمها، ومع ذلك نعلم أن الله قادر على أن يخلق أعظم من العرش، لكن الشيء المستحيل لذاته هذا غير ممكن، نعلم أنه يستحيل في العادة ليس في ذاته أنه لا يقع، خسوف القمر في أول الشهر هذا مستحيل حسب العادة، ونعلم أيضًا أنه لا يمكن أن يَهِلَّ الهلال ثم تخسف الشمس بعد غروبها بعد الغروب، هذا نعلم علم اليقين أنه لن يكون، لكن لذاته أو لغيره؟ لغيره، أي: حسب ما أجرى العادة، وإلا فإن الله قادر على أن يكسف القمر في أول الشهر وعلى أن يهل الهلال ثم تخسف الشمس بعد غروبها.

 

إذن: قول المؤلف: ( تعلقت بممكن ): نقول: ضده المستحيل، فالمستحيل لا تتعلق به القدرة؛ لأنه على اسمه مستحيل، لكن يجب أن نعلم حتى لا يتوهم واهم أننا خصصنا ما عممه الله أو قيدنا ما أطلقه: يجب أن نعلم أن المستحيل نوعان:

  1. مستحيل لذاته.
  2. ومستحيل لغيره.

فالمستحيل لذاته: ما لا يمكن أن تتعلق به القدرة، كما مثَّلنا وقلنا: لو قال قائل: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟: قلنا: هذا مستحيل لذاته؛ لأن المماثلة مستحيل أدنى ما نقول: أن نقول: أن هذا مخلوق والرب خالق، فتنتفي المماثلة على كل حال.

الشيء الثاني: المستحيل لغيره، بمعنى أن الله تعالى أجرى هذا الشيء على هذه العادة المستمرة التي يستحيل أن تنخرم، ولكن الله قادر على أن يخرمها، هذا نقول: إن القدرة تتعلق به، فيمكن للشيء الذي نرى أنه مستحيل بحسب العادة أن يكون جائزًا واقعًا بحسب القدرة، وهذا الشيء كثير كل آيات الأنبياء الكونية من هذا الباب مستحيل لغيره، انشقاق القمر للرسول عليه الصلاة والسلام مستحيل لغيره لكن لذاته غير مستحيل؛ لأنه وقع والله قادر على أن يشق القمر نصفين، بل قادر على أن يشق الشمس نصفين.

 

ونحن نقول: لا بد في ذلك من التفصيل: وهو أن المستحيل لذاته لا تتعلق به القدرة؛ لأنه ليس بموجود، ولا يمكن أن يوجد ولا يفرضه الذهن.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 192 – 196 ).

 

  1. وأما خطؤهم المتعلق بنزول الرب تبارك وتعالى: فهو ظنهم أن نزول الله تعالى كنزول المخلوقين، فلما وقع في قلوبهم التشبيه ظنوا ما يلزم من نزول البشر من المخالطة وصيرورته أسفل ما نزل منه أن هذا هو ما يلزم الاعتقاد بنزول الله تعالى، وهذا ظن فاسد واعتقاد باطل ، فالله تعالى قال عن نفسه ( ليس كمثله شيء ) وهذا كافٍ لبيان أن نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ليس كنزول خلقه، وهكذا ينبغي الاعتقاد في سائر صفاته، كالاستواء والغضب والوجه واليدين والعلم والرحمة وغيرها من الصفات، لا فرق بين الصفات الذاتية منها والصفات الخبرية والصفات الفعلية، بل كلها سواء في كونها ليست كصفات أحدٍ من خلقه.

وبما ذكرناه يتبين لك – إن شاء الله – وجه الخلل في فهم أولئك القوم، وخطورة ذلك الاعتقاد في ربهم تعالى، وكيف يمكنك الرد عليهم.

 

والله أعلم.

 

حكم اقتناء ” الهامستر ” و ” خنزير غينيا “؟

حكم اقتناء ” الهامستر ” و ” خنزير غينيا “؟

السؤال:

هل يجوز الاحتفاظ بـ ” الهمستر ” و ” خنزير غينيا “، وتربيتهما كحيوانات أليفة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الهمستر ” – أو الهامستر Hamster – و ” خنزير غينيا ” – Guinea pig – من القوارض، كالفئران والسنجاب.

ففي ” الموسوعة العربية العالمية “:

” الهمستر القارض “: من أنواع القوارض الصغيرة القصيرة المكتنزة ذات الفراء، التي تعيش في أوروبا وآسيا، وغالبية أنواع الهمستر لها ذَنَب صغير وتجويف فموي يساعدها على تخزين كمية كبيرة من الغذاء، وهناك حوالي 15 نوعًا من الهمستر، ومن أشهر الأنواع: الهمستر الذهبي، والهمستر الشائع. انتهى.

وفيها:

” خنزير غينيا ” له رأس كبير وأذنان صغيرتان وأرجل قصيرة، ….

الخنازير الغينية ليست خنازير حقيقية، بل هي قوارض، كما هو الحال مع القنادس، والفئران، والسناجب، يبلغ طول الخنزير الغيني نحو 25 – 35 سم، وهو يزن نحو 0,5 كجم، وله رأس كبير وأذنان صغيرتان وأرجل قصيرة. انتهى.

 

ثانيًا:

ومن جعل لتلك القوارض حكم الفئران: لم يجوِّز تربيتهما، كما ذُكر هذا في ” الهامستر ” – تحديدًا – في جواب سابق، وفي الفئران – عموما – في جواب سابق كذلك.

ومن جعلهما غير ملحقيْن بحكم الفئران، وأن كونهما من القوارض لا يعني بالضرورة أن يكون لهما حكم الفئران – كما هو الظاهر فيما نقلناه آنفاً عن ” الموسوعة العربية ” -: فإنه لا يرى حرجًا من تربيتهما إن لم يثبت ضرر طبي في وجودهما في البيوت، أو جراء مخالطتهما.

وسواء جعلنا لتلك القوارض حكم الفئران أم لم نفعل: فإن حكم اقتنائهما وتربيتهما من أجل الاختبارات والأبحاث الطبية هو الجواز، وهو واقع ذينك الحيوانين في عالم الأبحاث.

 

* ففي ” الموسوعة العربية “:

والخنازير الغينية يتم إنتاجها بوصفها حيوانات أليفة أو لاستخدامها في التجارب الأحيائية والطبية ….

وقد استَخدم العلماء هذه الحيوانات في تجارب أدَّت إلى تطوير العديد من العقاقير، واستُخدمت الخنازير الغينية أيضًا في الأبحاث في مجالات السلوك والوراثة والتغذية. انتهى.

وأما ” الهامستر ” فإن استخدامه في عالم الأبحاث أشهر من أن يُذكر، فقد وقفنا على نقولات كثيرة تنص على استخدامه في تلك الأبحاث.

 

ثالثًا:

والحيوان المحرَّم أكله إن لم يُنص في الشرع على حرمة اقتنائه – كالكلب -: فإنه لا حرج في اقتنائه ابتداء ، وإن نُصَّ على تحريم ثمنه أو النهي عن بيعه – كالميتة -: لم يجز اقتناؤه ولا بيعه.

ولا يلزم من كون الحيوان محرَّماً أكله أنه لا يجوز تربيته وبيعه – كالحمار والبغل -.

كما لا يلزم من جواز قتله أنه لا يجوز اقتناؤه وبيعه إن كان فيه منفعة – كالفهد والنمر يتخذان للصيد -، ومثله يقال في المحرَّم لاستخباث النفوس السوية له – كالحشرات والدود -.

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 280، 281 ):

اتفق الفقهاء على عدم جواز بيع الحشرات التي لا نفع فيها، إذ يشترط في المبيع أن يكون منتفعًا به، فلا يجوز بيع الفئران، والحيات، والعقارب، والخنافس، والنمل، ونحوها؛ إذ لا نفع فيها يقابل بالمال، أما إذا وجد من الحشرات ما فيه منفعة: فإنه يجوز بيعه، كدود القز، حيث يخرج منه الحرير الذي هو أفخر الملابس، والنحل حيث ينتج العسل.

وقد نص الحنفية والشافعية والحنابلة على جواز بيع ” دود العَلَق “؛ لحاجة الناس إليه للتداوي بمصه الدم، وزاد ابن عابدين من الحنفية ” دود القرمز “، قال: وهو أولى من دود القز وبيضه فإنه ينتفع به في الحال، ودود القز في المآل.

كما نص الشافعية على جواز بيع اليربوع والضب ونحوه مما يؤكل، وقال الحنابلة: بجواز بيع الديدان لصيد السمك. ….

وقد وضع الحصكفي من الحنفية ضابطا لبيع الحشرات، فقال: إن جواز البيع يدور مع حل الانتفاع. انتهى.

والعَلَق – بفتح العين واللام -: جمع علَقة، وهي حشرة سوداء تشبه الدود تكون في الماء فإذا شربته الدابة تعلق بحلقها.

– القرمز: نوع من الدود يكون في عصارته صبغ أحمر قانٍ، ويسمى ذلك الصبغ ” القرمز “.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” والحشرات ” الحشرات لا يصح بيعها، والعلة: أنه ليس فيها نفع، فبذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال، وعُلم من هذا التعليل أنه لو كان فيها نفع: جاز بيعها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ومن النفع: العلَق لمص الدم، والديدان لصيد السمك

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 8 / 118 ).

* وقال الدكتور صالح بن عبد الله اللحيدان – حفظه الله -:

ينبغي أن ندرك أن تمثيل الفقهاء بالحشرات هنا إنما هو باعتبار زمنهم وما جرت عادة الناس به فيها وإلا فإن للحشرات أنواعاً من المنافع في الوقت الحاضر؛ إذ أصبح كثير منها يتم الانتفاع بها داخل المختبرات العملية، إما بجعلها محلاًّ للتجربة العلمية للتوصل بها إلى النظريات العلمية المساعدة في تطوير العمل الطبي، وإيجاد الحلول لكثير من الإشكالات الطبية، وإما باستخلاص المضادات الحيوية والعلاجات منها مباشرة، من السموم وغيرها، وهذه منافع معتبرة بلا شك تؤهلها لأن تكون أموالًا .

والفقهاء قد استثنوا بعض الحشرات فأباحوا بيعها لما فيها من المنافع كدود القز وبِزره، والنحل، والعلق – وفيه منفعة المص للدم -، وعللوا ذلك بما فيها من المنافع للناس، فدل ذلك على أن المنفعة هي المناط، وقد جاء هذا مصرحًا به في ” الدر المختار ” حيث قال بعد ذكره بيع الحشرات وما يستثنى منها: ” والحاصل أن جواز البيع يدور مع حلِّ الانتفاع “، ….

كما أنهم حين نصوا على عدم مالية الحشرات أو عدم جواز بيعها: لم يعللوا المنع إلا بعدم النفع فيها، فدل هذا كله على أن الأمر يدور مع الانتفاع وعدمه، فإذا كان فيها منفعة كانت أموالًا متقومة مبادلة بالمال، وهو الحاصل في العصر الحاضر في أنواع غير قليلة من الحشرات. انتهى.

بحث ” العناصر المكونة لصفة المالية عند الفقهاء ” ضمن ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 73 / 214 – 216 ).

فمن قام بتربية ما جاء في السؤال – وما في حكمهما – من أجل الأبحاث العلمية والاختبارات الطبية: فلا حرج في فعله، ولا في بيعه لها، ومن قام بتربيهما من أجل المنظر والبهجة: فالامتناع عنه أولى؛ لما فيه من خلاف.

 

والله أعلم.

حكم تغطية المحرِمة وجهها في حال عدم وجود رجال أجانب وفي حال وجودهم

حكم تغطية المحرِمة وجهها في حال عدم وجود رجال أجانب وفي حال وجودهم

السؤال:

قالت عائشة رضي الله عنها: ” الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلاَّ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلاَ تَتَبَرْقَعُ وَلاَ تَلَثَّمُ وَتَسْدُلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ “، فهل معنى ذلك أن النقاب سنَّة وليس واجباً حيث ذكرت ” إن شاءت “؟ وهل معنى ذلك أنه يجوز للمرأة المحرمة الكشف عن وجهها طول فترة الإحرام وحولها رجال كما هو في الحج؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأثر المذكور في السؤال قد رواه البخاري – مختصرًا – معلَّقًا ( 2 / 652 )، ووصله البيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 5 / 47 ) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من قولها، وصححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 4 / 212 ).

 

ثانيًا:

والنهي عن النقاب للمرأة المحرمة ثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (… وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ ). رواه البخاري ( 1741 ).

 

ثالثًا:

وأما قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت “: فلا يفهم منه أن تغطية الوجه ” جائز ” أو ” مستحب ” في الأصل، بل هو واجب على الراجح، وكلامها رضي الله عنها في ” المحرِمة “، والنهي عن انتقاب المرأة ولبسها للقفازين حال الإحرام هو نهي عن لباس خاص في حال خاصة وهي الإحرام، وهو يدل على أن النساء يسترن وجوههن وأيدين في الأصل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وثبت في الصحيح أن المرأة المحرمة تُنهى عن الانتقاب والقفازين، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفيْن في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.

” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 371 ، 372 ).

 

رابعًا:

وأكثر العلماء – وقد نقل فيه بعضهم الإجماع عليه – أن إحرام المرأة في وجهها، وأنه لا يجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها إلاَّ لحاجة، وقد يجب عليها كحال وجود رجال أجانب بقربها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

قال – أي: الخِرَقي -: ” والمرأة إحرامها في وجهها فإن احتاجت سدلت على وجهها “.

وجملة ذلك: أن المرأة يحرُم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرم على الرجل تغطية رأسه، لا نعلم في هذا خلافًا، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافًا.

” المغني ” ( 3 / 311 ).

وخالف في ذلك بعض الحنابلة، ووافقهم ابن تيمية وابن القيم، ومن المعاصرين: الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمهم الله، فقالوا: إن المرأة المحرمة ليس إحرامها في وجهها، وإن لها أن تغطي وجهها حتى مع عدم وجود رجال أجانب، وإنها ممنوعة من لبس النقاب ليست ممنوعة من تغطية وجهها بغيره، وأما أكثر العلماء فقد ذهبوا إلى أن منعها من النقاب والبرقع لا لكونهما لباسًا من الألبسة بل لكونهما غطاءً للوجه.

وهنا يأتي كلام عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت “، فالجمهور حملوا قولها على أن ذلك السدل لستر الوجه عن نظر الرجال الأجانب، والمخالفون قالوا إنها رضي الله عنها لم تبيِّن ذلك هنا كما بينته في مواضع أخرى، فدلَّ قولها ” إن شاءت ” في السدل: على أن للمحرمة أن تستر وجهها حتى مع عدم وجود رجال أجانب، وأنها لا تكون بذلك مرتكبة لمحظور من محظورات الإحرام.

فالجمهور جعلوا وجه المرأة كرأس المُحرِم، الأصل فيه وجوب كشفه، ومن احتاج لستره: ستره وعليه الفدية، وكذا وجه المحرمة تستره بمرور رجال أجانب بقربها، وبعض العلماء أوجب عليه الفدية إن مسَّ الساتر وجهها بإرادتها، وهو قول ضعيف.

والمخالفون جعلوا وجهها كبدن المحرِم، فهو يُمنع من ستره بألبسة معيَّنة ولا يمنع من ستره بغيرها، فلو سترته بساتر: فلا فدية عليها ولو مسَّ وجهها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو غطَّت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه: جاز بالإتفاق، وإن كان يمسه: فالصحيح أنه يجوز أيضًا، ولا تُكلَّف المرأةُ أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعود، ولا بيد، ولا غير ذلك، فإن النبى صلى الله عليه وسلم سوَّى بين وجهها ويديها، وكلاهما كبدن الرجل، لا كرأسه وأزواجه صلى الله عليه وسلم كنَّ يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة.

ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ” إحرام المرأة فى وجهها “، وإنما هذا قول بعض السلف، لكن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهاها أن تنتقب، أو تلبس القفازين، كما نهى المُحرم أن يلبس القميص والخف مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب، فلهذا يُنهى عنه باتفاقهم، ولهذا كانت المُحرمة لا تلبس ما يُصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه فإنه كالنقاب. ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 26 / 112 ، 113 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وجه المرأة كبدنِ الرجل، يحرم ستره بالمفصَّل على قدره، كالنقاب والبرقع، بل وَكَيَدِها، يحرم سترها بالمفصَّل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب: فلم ينه عنه البتة، ومَن قال إن وجهها كرأس المحرم: فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرم؛ لما جعل الله بينهما من الفرق. ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 664 ).

وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

فيحرم على المرأة أن تغطي وجهها، وهذا هو المشهور من المذهب، وذكروا هنا ضابطًا، أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا ضعيف، فهذا إن أرادوا به أنه المحل الذي يمنع فيه لباس معين: فهذا صحيح، وإن أرادوا به التغطية: فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهي المرأة عن تغطية وجهها، وإنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب أخص من تغطية الوجه؛ لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه، كما نهي الرجل عن لباس الجسم، ولباس الرأس.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 7 / 165 ).

والخلاصة عند هؤلاء الأئمة: أن المرأة المحرمة غير مأمورة بكشف وجهها، وأنها منهية عن ستر وجهها حال إحرامها فقط بالنقاب والبرقع واللباس المفصَّل على قدر وجهها.

فيتلخص معنى قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت ” أنها رضي الله عنها لا ترى وجوب كشف المرأة المحرمة لوجهها في حال عدم وجود رجال أجانب، وهو يؤيد ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم، فللمرأة المحرمة أن تبقى ساترة لوجهها – بغير نقاب – حتى لو لم يوجد رجال أجانب يمكن أن ينظروا إليها، وإن شاءت كشفته، فيكون ما ثبت عنها رضي الله من فعلها في الكشف بعد تجاوز الرجال الأجانب لا يخالف ما ثبت من قولها من التخيير بين كشف الوجه وستره.

 

 

خامسًا:

وعلى القولين السابقين فليس معنى قول عائشة رضي الله عنها ” إن شاءت ” أنها تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، فهي – رضي الله عنها – تقول ” تَسْدُلُ الثوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ ” في حال كانت المرأة المحرمة بعيدة عن أعين الرجال الأجانب، وأما في حال وجود رجال أجانب يمكن أن يروا وجه المحرمة فإنه يتعين عليهن تغطية وجوههن بالسدل، كما ثبت ذلك عنها رضي الله من فعلها، وثبت عن أسماء أختها وغيرهما من الصحابيات.

فكلا الطائفتين قالت بأنها تستر وجهها بالسدل – لا بالنقاب – في حال وجود رجال أجانب يمكن أن يروا وجهها.

ومثله يقال في نهي المحرِمة عن لبس ” النقاب ” فإنه لا يلزم منه كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، كما لا يلزم من نهي الرجل عن لبس ” السراويل ” أن يكون عاريًا! فكما أنه يلبس إزارًا ورداءً مع تحريم لبسه للثوب والسراويل فإن المرأة تغطي وجهها بشيء تسدله على وجهها مع تحريم تغطيته بالنقاب تحديدًا.

 

قال علماء اللجنة الدائمة:

ثم إنه لا يُفهم من هذا الحديث أن المحرِمة يجوز لها كشف وجهها إذا كان الرجال الأجانب يرونها، بل يجب عليها أن تسدل الخمار أو النقاب إلى أن يجاوزوها، والأصل في ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ ” انتهى.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 171 ، 172 ).

 

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالمرأة المحرمة منهية عن النقاب مطلقًا سواء مرّ بها الرجال الأجانب أم لم يمروا بها، وعلى هذا: فيحرُم على المرأة المحرِمة أن تنتقب، سواء كانت في حج أو في عمرة، والنقاب معروف عند الناس وهو أن تغطي وجهها بغطاء يكون فيه فتحة واحدة من عينيها.

أما حديث عائشة رضي الله عنها – وهو ” كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا … “: فلا يعارض النهي عن الانتقاب، وذلك لأن حديث عائشة رضي الله عنها ليس فيه أن النساء ينتقبن، وإنما يغطين الوجه بدون نقاب، وهذا أمر لا بد منه إذا مرّ الرجال بالنساء فإنه يجب عليهن أن يسترن وجوههن؛ لأن ستر الوجه عن الرجال الأجانب: واجب، وعلى هذا فنقول: لبس النقاب للمحرمة حرام عليها مطلقًا، وأما ستر وجهها: فالأفضل لها كشف الوجه، ولكن إذا مرّ الرجال قريبًا منها: فإنه يجب عليها أن تغطيه، ولكن تغطية بغير النقاب.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 22 / 188 ، 189 ).

 

والله أعلم.

 

موقفنا من أب يريد أن تسافر الأسرة لدول سياحية والأم ترفض ذلك

موقفنا من أب يريد أن تسافر الأسرة لدول سياحية والأم ترفض ذلك

السؤال:

يضغط الأولاد كثيرا على الوالدين للسفر إلى الخارج كما يفعل الكثير من الأقارب، وقد يلين الوالد لرغبتهم، وترفض الأم؛ خشية على أولادها وبناتها المراهقين من الفتن؛ لأن الدول التي يزعمون أنها إسلامية: ليس لها من الإسلام إلا الاسم، وتنتشر فيها المعاصي بأنواعها، والمشكلة: أن الأبناء قد زهدوا في السفر إلى مكة والسياحة الداخلية، ويقولون لوالديهم: مللنا ولن نسافر معكم سافروا واتركونا عند الجدة أو الأخوال.

الوالد يحمِّل الأم مسؤولية الموقف، ويتهمها بالغيرة، والأم تخشى على أبنائها، وتخشى أن تكون سببا في ردة فعل معاكسة يكرهون بسببها التدين، أو أن ينفلتوا بعد أن يكبروا في السفر لوحدهم، وخاصة أنهم يقولون لها: قد كنتِ تسافرين مع أهلك فلم تحرميننا من السفر؟.

فهل تطيعهم مع الالتزام بالقدر الممكن من المحافظة؟ أم تصر على موقفها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد أحسنت الأم غاية الإحسان في رأيها وموقفها، ونحن نرى رأيها في حفظ أولادها ذكورا وإناثا من التلوث بأدواء الفساد والاختلاط والعري الموجود – وللأسف – بكثرة في كثير من الدول الإسلامية التي تُقصد للسياحة.

ونرى أن يكون الأب بصفها ويتخذ الموقف نفسه؛ حتى لا يكون تضاد في العملية التربوية لأولادهم، وحتى لا يتخذ أولئك الأولاد موقفا سلبيّا من والدتهم بتأييد من والدهم.

ونرى أن يتم إقناع الأولاد بالخطر العظيم الموجود في الدول التي تُقصد للسياحة، ويُبيَّن لهم أن من الواجبات الشرعية الملقاة على عاتق والديهم: حفظهم من الشر والمكر والكيد والفساد الذي يُدار من دوائر الفساد تجاه الأسرة المسلمة؛ لتفكيك أوصالها، ولتشتيت شملها، بالتجرؤ على سلطة الوالد، وبالاحتقار للعفاف والمروءة التي تدعو إليها الأمهات الفضليات.

وقد وسَّع الله عليكم في دياركم بأن حباكم أماكن جميلة يمكن للأسرة المحافظة أن تقصدها من غير أن ترى ما يؤذي سمعها وبصرها، وهي متنوعة ما بين صحراء جميلة، وجبال شاهقة، وأراضٍ خصباء، وأجواء ذات طقس معتدل، وبعض الأماكن تكون ممطرة مطرا رقراقا، وعلى رأس ذلك كله: يمكنكم قصد الديار المقدسة في مكة المكرمة، أو المدينة النبوية، بكل يسر وسهولة، والذي ننصحكم به – هنا – أن تجعلوا زيارتكم لتلك الأماكن المقدسة جزء من رحلة طويلة متنوعة ماتعة، تمرون فيها على أكثر من منطقة، تزورون فيها معارفكم، أو تذهبون لأماكن السياحة فيها، ومن ثم يكون جزء من برنامجكم الذهاب لمكة أو المدينة، فتجمعون بين التمتع المباح والعبادة الجليلة.

ولا ينبغي للأسرة المسلمة أن تجعل السفر جزء من حياتها، وليُعوَّد الأولاد على استغلال فرص العطلة بالاشتراك في برامج نافعة، أو دراسة مباحة، ونحن لا نستطيع أن نحرِّم ما أحل الله، ولا أن نضيِّق واسعا على أحد، لكن كل عاقل يرى ما وصلت إليه أحوال المسلمين في بلدانهم: لا يشك لحظة أن الواجب على القائمين على تربية أولادهم أن يحتاطوا في حفظ الأمانة التي أوكلهم الله بحفظها، وها نحن نرى الفساد قد وصل إلى البيوت المغلقة الحصينة من خلال المدارس والقنوات والمجلات والجيران والأقرباء فكيف مع كل هذا يكون التساهل في الذهاب إلى أماكن المنكر والفساد بأرجلنا وبتمويل من أموالنا؟!.

وليكن في ضرب الأمثلة للأولاد نصيب في إقناعهم بالعدول عن فكرة السفر لتلك الأماكن في تلك الدول السياحية، وذلك بذكر وقائع حقيقية لمن رجع بمرض الإيدز، ومن رجع جثة هامدة بسبب جرعة مخدرات أو شرب خمر، ومن رجعت وقد فقدت شرفها، أو تعلقت برجل في تلك الديار فتركت أهلها من أجله، ومن رجع تاركا للصلاة، وهكذا في سلسلة من المنكرات والفساد مما لا يمكن إحصاؤه بسهولة، ولا يعني رجوع بعض الأسر سالمة من الشر والفساد أن يكون هذا هو الأصل، لا، بل هذا من حفظ الله لهم، وأما هم فقد فعلوا من الأسباب ما يكسبهم به الآثام ويجر عليهم الويلات ، وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن ننأى عن الفتن وأماكنها، وأن لا يغتر الإنسان بما عنده من إيمان ويقين؛ فإن الفتن الآن والشهوات أقوى من أن يتحداها المسلم الضعيف، وها هم المتساقطون على الطريق قد كثروا ومنهم من رجع لصوابه فاهتدى ومنهم من ظلَّ على ضلاله فهلك.

سنن أبي داود مشكول – (11 / 397).

عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ – أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ – ) هَكَذَا قَالَ.

رواه أبو داود ( 4319 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

واحذر – رحمك الله – أن تتعرض لسبب لبلاء، فبعيد أن يسلم مقارب الفتنة منها، وكما أن الحذر مقرون بالنجاة: فالتعرض للفتنة مقرون بالعطَب، وندر من يسلم من الفتنة مع مقاربتها على أنه لا يسلم من تفكر، وتصور، وهمٍّ.

” ذم الهوى ” ( ص 126 ).

 

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فما استُعين على التخلص من الشرِّ بمثل البُعد عن أسبابه ومظانِّه.

وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي: أن يُظهر له في مظانِّ الشرّ بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله فإذا قرب منه: ألقاه في الشبكة.

” عدة الصابرين ” ( ص 50 ).

 

ونختم بأن نؤكد على ضرورة تأييد الأب لزوجته في موقفها، وبما أن الأولاد قد رضوا بأن يبقوا عند جدتهم أو أخوالهم فهذا يعني أنهم أهل خير وطاعة، فيستثمر هذا الأمر فيهم، ويوجهون إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم في العطل المدرسية، وقد يكون إصراركم على عدم السفر لتلك البلدان مما يجعلهم يغيرون رأيهم فيقتنعون بالسياحة الداخلية، وبالذهاب للحرمين، وهي نعمة لو يعلمون كم من الملايين يتمنونها وتحترق قلوبهم عندما يرون الصلاة تنقل على الهواء مباشرة من هناك: لكان ذلك مما يجعلهم يغيرون نظرتهم وفكرهم حول السفر لتلك البقاع الطاهرة المقدسة.

 

والله أعلم.

 

 

هل يلزم الوقف بالنية أم بالقول والفعل الدال عليه أم بالقبض؟

هل يلزم الوقف بالنية أم بالقول والفعل الدال عليه أم بالقبض؟

السؤال:

شخص ضمن اقتراض مبلغ من المال لشراء بيت بجانب المسجد ليكون من مرافق المسجد، ثم بعد ذلك قام هذا الرجل بوضع هذا البيت باسمه بدلًا من أن يجعله باسم المسجد، فما العمل الآن؟ ومن له الحق في البيت؟ هل للمسجد أم للرجل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ذهب جمهور العلماء إلى أن الوقف يلزم صاحبه إن تلفظ به أو جاء بعمل يدل على أنه أوقف هذا الشيء لله تعالى، إلحاقًا له بالعتق، وعليه: فمن نوى ذلك بقلبه لا يُعدُّ واقفًا، ولا يُلزم بالوقف.

وعند أبي حنيفة: لا يلزم الوقف إلا بأحد أمرين:

الأول: أن يحكم به القاضي، والثاني: أن يخرجه الواقف مخرج الوصية بقوله: إذا مت فقد جعلت أرضي – مثلًا – وقفًا.

وثمة رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أن الوقف لا يلزم إلا بالقبض، إلحاقًا له بالهبة، والراجح هو قول الجمهور، وعليه تدل الأدلة الشرعية.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 119 ، 120 ):

اختلف الفقهاء في لزوم الوقف، فذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب وأبو يوسف ومحمد من الحنفية إلى أن الوقف متى صدر ممن هو أهل للتصرف مستكملا شرائطه أصبح لازمًا، وانقطع حق الواقف في التصرف في العين الموقوفة بأي تصرف يخل بالمقصود من الوقف، فلا يباع ولا يوهب ولا يورث؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( تصدق بأصله، ولا يباع ولا يوهب ولا يورث )، ولأن الوقف تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرد صدور الصيغة من الواقف كالعتق، ويفارق الهبة فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى.

وعند أبي حنيفة: الوقف جائز غير لازم – كما سبق – وللواقف الرجوع فيه حال حياته مع الكراهة ويورث عنه، وإنما يلزم الوقف عنده بأحد أمرين: أن يحكم به القاضي، أو يخرجه مخرج الوصية، ولكن الفتوى عند الحنفية على قول أبي يوسف ومحمد وهو اللزوم، قال ابن عابدين نقلا عن ” الفتح “: والحق ترجيح قول عامة العلماء بلزومه؛ لأن الأحاديث والآثار متضافرة على ذلك، واستمر عمل الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ذلك، فترجح قولهما.

 

وفي رواية عن الإمام أحمد أن الوقف لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده؛ لأنه تبرع.

بمال لم يخرجه عن المالية ، فلم يلزم بمجرد اللفظ كالهبة والوصية. انتهى.

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد اللفظ به؛ لأن الوقف يحصل به، وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى: لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده، وقال: الوقف المعروف أن يخرجه من يده إلى غيره ويوكل فيه من يقوم به، اختاره ابن أبي موسى، وهو قول محمد بن الحسن؛ لأنه تبرع بمال لم يخرجه عن المالية، فلم يلزم بمجرده كالهبة والوصية.

ولنا: ما رويناه من حديث عمر، ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرده كالعتق، ويفارق الهبة؛ فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى. ” المغني ” ( 6 / 208 ).

وحديث عمر الذي أشار إليه ابن قدامة رحمه الله هو ما رواه عبد الله بْن عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِى مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِى بِهِ قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ) قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُبْتَاعُ وَلاَ يُورَثُ وَلاَ يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِى الْفُقَرَاءِ وَفِى الْقُرْبَى وَفِى الرِّقَابِ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.

( 2586 ) ومسلم ( 1632 ).

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ – ( 2613 ) -: ( تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ ).

– حَبَسْتَ أَصْلَهَا: وقَفْتَ أَصلَ الأَرضِ.

– غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ: غيرَ مُتَّخِذٍ منها مِلْكاً لِنَفْسِهِ.

وعليه:

فإن كان صاحب البيت كان ناويًا مجرد نية أن يجعل البيت وقفاً لله تعالى تابعًا للمسجد: فلا يلزمه جعله كذلك، بل له الرجوع في نيته، وأما إن صرَّح بالوقف بلفظه وقال إنه وقف لله تعالى: فلا يحل له تسجيله باسمه – إلا إن كان ذلك لأمور إدارية ورسمية – بل يجب عليه جعله تابعاً للمسجد، ويوثق ذلك بأوراق رسمية إن وجد، أو يشهد على ذلك ثقات ويوثق ذلك في وثيقة؛ لئلا ينتقل البيت لورثته، وإن كان الأخ قد وعد بجعل البيت وقفًا لله تعالى تابعاً للمسجد فخير له أن يوفي بوعده؛ فإن ذلك من عظيم أخلاق المسلمين.

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة :

إن سمو الأمير عبد الرحمن بن عبد الله آل سعود وعد بمنح قطعة أرض بيضاء بجهة قرية ” الضبيعة ” ليبني عليها مدرسة، غير أن تنفيذ ذلك مشروط بجواز رجوعه عن وعد سابق بمنحها ليبني عليها مسجد عيد، وطلب سموه منا استشارة العلماء في ذلك، هل يختار منحها لمسجد العيد وفاء بالوعد السابق، أو منحها لوزارة المعارف لتقيم عليها مدرسة؟ علماً بأن هناك حاليًّا مسجدًا لصلاة العيد غربي ” الضبيعة “.

فأجابوا:

إن كان سمو الأمير عبد الرحمن بن عبد الله آل سعود قد منح قطعة الأرض بالفعل ليقام عليها مسجد عيد فهي لمسجد العيد، وليس له أن يرجع في منحته، وإن كان الذي حصل منه  مجرد وعد بمنح قطعة الأرض ليقام عليها المسجد، فخير له أن ينفذ ما وعد به وفاء بالوعد.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 93 ، 94 ).

 

والله أعلم.

 

 

هل نسبة الكحول في شاي ” كمبوتشا ” تجعله محرَّما؟

هل نسبة الكحول في شاي ” كمبوتشا ” تجعله محرَّما؟

السؤال:

هناك شاي ياباني يسمَّى ” كمبوتشا ” به محتوى كحولي يبلغ تقريبا 0.0065% بسبب وجود أنزيمات بروبيوتيكية به تحدث نتيجة لعملية التخمير، ويمكن شراؤه من المتجر دون تعريف هوية لأنه لا يكاد يوجد به محتوى كحولي يُذكر لكني أريد معرفة ما إذا كان يجوز تناوله في الإسلام أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

اطلعنا على كلام كثير حول فائدة ذلك الشاي الوارد ذِكره في السؤال، ولم نر منهم منهم اتفاقا على فوائده الكثيرة والتي يبالَغ بها في كثير من الأحيان، وخاصة ما يُصنع في البيت؛ لما قد يترتب على صناعته فيه من إصابته بالعفن بسبب نقص أو فقدان التعقيم للآلات المستعملة، ومن ثَمَّ قد يحدث تسمم، لذا فإننا لا نستطيع الجزم بكون ذلك الشاي يحتوي على فوائد طبية وعلاجية.

ثانيا:

وأما الكحول التي توجد في ذلك الشاي فالذي يظهر لنا أنه كحول طبيعي نتيجة تفاعلات المواد المختلفة في ذلك الشاي، وما كان كذلك فإنه لا يؤثر في حلِّه، ويجوز شربه بلا ريب، وقد جعل الله تعالى في كثير من الأطعمة الطبيعية نسباً من الكحول الطبيعي.

ولو فُرض أن الكحول ذاك محرَّم في ذاته، وأن له حكم الخمر: فإن نسبته القليلة جدّا والتي لا تكاد تُذكر: لا تؤثر – أيضا – في حلِّ المشروب لا لكونها قليلة بل لكونها نسبة مستهلكة في الشراب، ولا يظهر أثرها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

كل ما وقع عليه اسم الماء: فهو طاهر طهور، سواء كان مستعملا في طهر واجب، أو مستحب، أو غير مستحب، وسواء وقعت فيه نجاسة، أو لم تقع، إذا عرف أنها قد اسْتَحالت فيه واستهلكت، وأما إن ظهر أثرها فيه: فإنه يحرم استعماله؛ لأنه استعمال للمحرم. ” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 236 ، 237 ).

* وقال – أيضا -:

الله حرم الخبائث التي هي الدم والميتة ولحم الخنزير، ونحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت: لم يبق هناك دم، ولا ميتة، ولا لحم خنزير أصلا، كما أن الخمر إذا استهلكت في المائع: لم يكن الشارب لها شاربا للخمر.

” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 501 ، 502 ).

وعليه:

فعلى كلا الحالين لا يظهر لنا أي مانع من شرب ذلك الشاي بما فيه من نسبة الكحول تلك.

 

والله أعلم.

 

 

 

” اسم الله الأعظم ” في النصوص النبوية وأقوال أهل العلم

” اسم الله الأعظم ” في النصوص النبوية وأقوال أهل العلم

السؤال:

قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة )، ومنها اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى.

سؤالي هو:

ما هو اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى؟ وكيف نعرفه؟ وهل أحد من أهل العلم كان يعرفه؟ هل أجمع العلماء عليه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ورد في خصوص ” اسم الله الأعظم ” عدة أحاديث، أشهرها:

  1. عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اسْمُ اللَّهِ الأَعظَمُ فِي سُوَرٍ مِنَ القُرآنِ ثَلَاثٍ: فِي ” البَقَرَةِ ” وَ ” آلِ عِمرَانَ ” وَ ” طَهَ ” ). رواه ابن ماجه ( 3856 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.
  2. عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ “، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ). رواه الترمذي ( 3544 ) وأبو داود ( 1495 ) والنسائي ( 1300 ) وابن ماجه ( 3858 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
  3. عن بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْب أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ “، فَقَالَ: ( لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ). رواه الترمذي ( 3475 ) وأبو داود ( 1493 ) وابن ماجه ( 3857 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك.

” فتح الباري ” ( 11 / 225 ).

  1. عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ )، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ( الم. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ). رواه الترمذي ( 3478 ) وأبو داود (1496 ) وابن ماجه ( 3855 ).

– والحديث ضعيف، فيه عبيد الله بن أبي زياد وشهر بن حوشب، وكلاهما ضعيف.

 

ثانيًا:

وقد اختلف أهل العلم في ” اسم الله الأعظم ” من حيث وجوده على أقوال:

القول الأول:

إنكار وجوده أصلًا! لاعتقادهم بعدم تفضيل اسم من أسماء الله تعالى على آخر، وقد تأول هؤلاء الأحاديث الواردة السابقة فحملوها على وجوه:

الوجه الأول: من قال بأن معنى ” الأعظم ” هو ” العظيم ” وأنه لا تفاضل بين أسماء الله تعالى.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد أنكره قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونسب ذلك بعضُهم لمالك؛ لكراهيته أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور لئلا يُظن أن بعض القرآن أفضل من بعض فيؤذن ذلك باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم، وأن أسماء الله كلها عظيمة، وعبارة أبي جعفر الطبري: ” اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم والذي عندي: أن الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه “، فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى عظيم كما تقدم. انتهى.

الوجه الثاني: أن المراد بالأحاديث السابقة بيان مزيد ثواب من دعا بذلك الاسم.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار: إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به: مزيد ثواب القارئ. انتهى.

الوجه الثالث: أن المراد بالاسم الأعظم حالة يكون عليها الداعي، وهي تشمل كل من دعا الله تعالى بأي اسم من أسمائه إن كان على تلك الحال.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقيل: المراد بالاسم الأعظم: كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى، فإن من تأتَّى له ذلك: استجيب له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق، وعن الجنيد، وعن غيرهما. انتهى.

 

القول الثاني:

قول من قال بأن الله تعالى قد استأثر بعلم تحديد اسمه الأعظم، وأنه لم يُطلع عليه أحدًا من خلقه.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه. انتهى.

– ذكر ذينك القولين وتلك الوجوه الحافظ ابن حجر في كتابه ” فتح الباري ” ( 11 / 224 ).

القول الثالث :

قول من أثبت وجود اسم الله الأعظم وعيَّنه، وقد اختلف هؤلاء المعينون في الاسم الأعظم على أربعة عشر قولًا! وقد ساقها الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه ” فتح الباري ” ( 11 / 224 ، 225 ) وهي:

  1. هو! 2. الله 3. الله الرحمن الرحيم 4. الرحمن الرحيم الحي القيوم 5. الحي القيوم 6. الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والاكرام الحي القيوم 7. بديع السماوات والأرض ذو الجلال والاكرام 8. ذو الجلال والإكرام 9. الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد 10. رب رب 11. دعوة ذي النون في بطن الحوت ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” 12. هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم 13. هو مخفي في الأسماء الحسنى 14. كلمة التوحيد ” لا إله إلا الله “.

وهذه الأقوال التي ذكرها الحافظ تنقسم أقسام ذكرها الشيخ الألباني رحمه الله فقال – تحت حديث رقم ( 6124 ) بلفظ: ” اسمُ الله الأكبرُ: ربِّ ربِّ ” -:

واعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين اسم الله الأعظم على أربعة عشر قولًا، ساقها الحافظ في ” الفتح “، وذكر لكل قول دليله، وأكثرها أدلتها من الأحاديث، وبعضها مجرد رأي لا يلتفت إليه، مثل القول الثاني عشر؛ فإن دليله: أن فلانًا سأل الله أن يعلِّمه الاسم الأعظم، فرأى في النوم؛ هو الله، الله، الله، الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم!!.

وتلك الأحاديث منها الصحيح، ولكنه ليس صريح الدلالة، ومنها الموقوف كهذا، ومنها الصريح الدلالة؛ وهو قسمان:

قسم صحيح صريح، وهو حديث بريدة: ( الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد … ) إلخ، وقال الحافظ: ” وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك “، وهو كما قال رحمه الله، وأقره الشوكاني في ” تحفة الذاكرين ” ( ص 52 )، وهو مخرج في ” صحيح أبي داود ” ( 1341 ).

والقسم الآخر: صريح غير صحيح، بعضه مما صرح الحافظ بضعفه؛ كحديث القول الثالث عن عائشة في ابن ماجه ( 3859 )، وهو في ” ضعيف ابن ماجه ” رقم ( 841 )، وبعضه مما سكت عنه فلم يحسن! كحديث القول الثامن من حديث معاذ بن جبل في الترمذي، وهو مخرج في ” الضعيفة ” برقم ( 4520 ).

وهناك أحاديث أخرى صريحة لم يتعرض الحافظ لذكرها، ولكنها واهية، وهي مخرجة هناك برقم ( 2772 و 2773 و 2775 ).

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 279 ).

 

ثالثًا:

والذي يترجح لنا من تلك الأقوال أن الاسم الأعظم هو ” الله “؛ فهو الاسم الجامع لله تعالى الذي يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى، وهو اسم لم يُطلق على أحد غير الله تعالى ، وعلى هذا أكثر أهل العلم.

  1. قال ابن القيم – رحمه الله -:

اسم ” الله ” دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث … . ” مدارج السالكين ” ( 1 / 32 ).

والدلالات الثلاث هي: المطابقة والتضمن واللزوم.

  1. وقال ابن أمير حاج الحنفي – رحمه الله -:

عن محمد بن الحسن قال: سمعتُ أبا حنيفة رحمه الله يقول: اسم الله الأعظم هو ” الله “, وبه قال الطحاوي وكثير من العلماء, وأكثر العارفين.

وفي ” التقرير والتحبير ” ( 1 / 5 ).

  1. وقال أبو البقاء الفتوحي الحنبلي – رحمه الله -:

فائدتان:

الأولى: أن اسم ” الله ” علم للذات, ومختص به, فيعم جميع أسمائه الحسنى.

الثانية: أنه اسم الله الأعظم عند أكثر أهل العلم الذي هو متصف بجميع المحامد.

” شرح الكوكب المنير ” ( ص 4 ).

  1. وقال الشربيني الشافعي – رحمه الله -:

وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في القرآن العزيز في ألفين وثلثمائة وستين موضعًا.

” مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج ” ( 1 / 88 ، 89 ).

  1. وقال الشيخ عمر الأشقر – رحمه الله -:

والذي يظهر من المقارنة بين النصوص التي ورد فيها اسم الله الأعظم أنّه: (الله )، فهذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي يوجد في جميع النصوص التي قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنّ اسم الله الأعظم ورد فيها.

ومما يُرجِّح أن ( الله ) هو الاسم الأعظم أنه تكرر في القرآن الكريم (2697) سبعًا وتسعين وستمائة وألفين – حسب إحصاء المعجم المفهرس – وورد بلفظ ( اللهم) خمس مرات، في حين أنّ اسمًا آخر مما يختص بالله تعالى وهو ( الرحمن ) لم يرد ذكره إلا سبعًا وخمسين مرة، ويرجحه أيضًا: ما تضمنه هذا الاسم من المعاني العظيمة الكثيرة.” العقيدة في الله ” ( ص 213 ).

 

ويأتي في الدرجة الثانية من القوة في كونه اسم الله الأعظم ” الحي القيوم “، وهو قول طائفة من العلماء، ومنهم النووي، ورجحه الشيخ العثيمين رحمه الله.

 

والله أعلم.