الرئيسية بلوق الصفحة 33

نصرانية تسأل عن لباس المرأة المسلمة ومعتقدات المسلمين وتمسكهم بها!.

السؤال:

أكتب بحثا عن الدين الإسلامي، وأتمنى إن تتمكن من الإجابة على بعض الأسئلة التي سألقيها في مقابلاتي.

  • كيف ترون القيود المفروضة على لباس المرأة, والاحتفالات بأعياد الميلاد, والتقاط الصور الفوتوغرافية؟
  • كيف تقارنون أنفسكم مع غير المسلمين؟
  • هل ترون أن مجيئكم إلى الولايات المتحدة سوف يغير في معتقداتكم الإسلامية؟

4- هل ترون أن دينكم يقيدكم, أم هل تجدون متعة في تمسككم به, ولماذا؟

  • كيف ترون وضع المرأة في أفغانستان, حيث لا تسمح الحكومة لها بالعمل؟

 

الجواب:

الحمد لله

 أولًا:

أ. القيود التي فرضتها الشريعة على المرأة هي عنوان حريتها، بل إن هذا القيد إذا خلعته فهي مقيدة وإذا سلسلت به فهي حرة.

أرأيت لو أنك ملكت جوهرة جميلة بهية تستهوي القلوب، وتميل الأبصار إليها من حسنها فتتدافع إليها النظرات متتاليات معجبات، وتتمناها الأنفس، وكل نفس تحدث صاحبها وتقول: هل لك من سبيل إلى هذه الجوهرة.؟

ونفس أخرى تقول لآخر: الناس في غفلة عنك فمد يدك إليها واجعلها في جيبك.

وكذا المرأة جوهرة ثمينة تتطلع إليها النفوس، وتشرئب إليها الأعناق، فلو تركنا المرأة تلبس ما تشاء لأسرتها الأيدي العابثة وقيدتها بقيد الشهوات والنظرات.

ثم إننا لم نفرض على المرأة لباسها من خواطرنا ولا بأمانينا، بل لقد حكم الله تعالى عليها هذا من فوق سماواته، فعظمة هذا القرار من عظمة الذي قرره وحسبك بعظمة الله تعالى عظمة وبكبريائه كبرياءا.

فقد قال الله تعالى جل في علاه:

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [ الأحزاب / 59 ].

فلباس المرأة صون لها وعفة وطهر وحفاظ للمجتمع من الضياع والفسق والدعارة والدياثة، وما أهلك المجتمعات في بلاد الغرب إلا بعدما تبرجت نساؤها وخانت النساء أزواجهن.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء “. رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).

 

وعن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان “. رواه الترمذي ( 1173 ).

والحديث: حسَّنه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 936 ).

وقد علمنا أن المرأة لو مرت وهي غير متزينة بجمع من الرجال لأمكن للشيطان أن يفتنهم بها أو يبقي شيئًا من ذلك في قلوبهم، فكيف بها حال تعطرها وتبرجها، ففتنتها مضرة ولا شك كما أخبر بذلك نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ب. أما أعياد الميلاد التي يصنعها الكفار من غير المسلمين فلا يحل لنا أن نشاركهم بها لأن في مشاركتنا لهم موافقة لهم على ما يعتقدون من الشرك الذي لا نعتقده.

قال الإمام ابن القيم:

وقد سمى الله سبحانه أعيادهم زورًا، والزور لا يجوز إظهاره، فقال تعالى: { والذين لا يشهدون الزور } [ الفرقان / 72 ]، قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في تفسيره: ….  عن الضحاك: { والذين لا يشهدون الزور } عيد المشركين، وقال سعيد بن جبير: الشعانين، وكذلك قال ابن عباس: الزور، عيد المشركين ….. وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره: فلا يجوز للمسلمين ممالاتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم فقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الفقيه الشافعي: ” ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه …. .

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1244 – 1245 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وأما أعياد المشركين فجمعت الشبهة والشهوة والباطل ولا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة فعاقبتها إلى ألم فصارت زورًا، وحضورها: شهودها، وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده؟ ثم مجرد هذه الآية فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم ذلك وحده يفيد الترغيب في ترك شهود أعيادهم وغيرها من الزور ويقتضي الندب إلى ترك حضورها وقد يفيد كراهية حضورها لتسمية الله لها زورًا.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 1 / 183 ).

وسئل – يعني ابن تيمية – عمن يفعل من المسلمين مثل طعام النصارى في النيروز ويفعل سائر المواسم مثل الغطاس والميلاد وخميس العدس وسبت النور ومن يبيعهم شيئا يستعينون به على أعيادهم أيجوز للمسلمين أن يفعلوا شيئا من ذلك أم لا؟.

فأجاب: الحمد لله، لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم. ” مجموع الفتاوى ” ( 25 / 329 ).

ج. أما التقاط الصور الفوتغرافية:

فقد سبق الجواب على مثلها في السؤال رقم ( 10044) فقلنا هناك:

أما التصوير الفوتوغرافي أو التصوير بالفيديو فقد اختلف العلماء في حكمهما:

فقال قوم: هي حرام، حكمها حكم التصوير بالنحت أو الرسم باليد وما أشبه هذا، واستدلوا بالأحاديث الزاجرة عن التصوير والمحرمة له وهي:

  • قال أبو زرعة: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة فرأى أعلاها مصورًا يصور قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة …. “. رواه البخاري ( 5609 ) – واللفظ له – ومسلم ( 2111 ).

ب.  عن مسلم قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير فرأى في صفته تماثيل فقال: سمعت عبدالله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون  “. رواه البخاري ( 5606 )  ومسلم ( 2109 ).

ج.  عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقلت يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله   الملائكة “. رواه البخاري ( 1999 ) ومسلم ( 2107 ).

د.  عن عائشة رضي الله عنها قالت: ”  قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وقال أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله قالت فجعلناه وسادة أو وسادتين”. رواه البخاري (5610 ) ومسلم ( 2107 ).

– القرام: ستر رقيق فيه ألوان نقوش.

– السهوة: الرف أو سترة تكون في ساحة البيت.

– يضاهون: يشابهون.

فألحق المحرمون للتصوير الفوتغرافي هذا التصوير بالتصوير باليد والنقوش وقالوا: له حكمه لأن العلة المانعة من ذلك هي وجود الصورة التي فيها الروح.

وقال آخرون:

لا يأخذ التصوير الفوتغرافي حكم التصاوير الأخرى؛ لأن التصوير الفوتغرافي خيال كخيال المرآة فالتصوير بها كالوقوف أمام المرآة وكلاهما مباح لا إثم فيه.

وقالوا: إن هذا التصوير يعطي صورة مماثلة طبق الأصل لا ترى اختلافًا بين الصورتين فليس فيها محاولة للمشابهة بخلق الله الذي نص الحديث عليه وجعله علة للتحريم.

وأحل بعضهم التصوير بالفيديو وحرموا التصوير بالورق – أي: التصوير الفوتوغرافي بالكاميرا -.

يقول الشيخ ابن عثيمين:

وأما الصور بالطرق الحديثة فهي قسمان:

القسم الأول: لا يكون له منظر ولا مشهد ولا مظهر، كما ذكر لي عن التصوير بأشرطة الفيديو فهذا لا حكم له إطلاقا ولا يدخل في التحريم مطلقا، ولهذا إجازة أهل العلم الذين يمنعون التصوير على الآلة الفوتغرافية على الورق وقالوا: إن هذا لا  بأس به حتى إنه قيل: هل يجوز أن تصور المحاضرات التي تلقى في المساجد؟ فكان الرأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يشوش على المصلين وربما يكون المنظر غير لائق  وما أشبه ذلك.

القسم الثاني: التصوير الثابت على الورق، وهذا إذا كان بآلة فوتوغرافية فورية فلا يدخل في التصوير ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن هذا ملعون؛ لأنه لم يصور في الواقع فإن التصوير مصدر صوَّر يصوِّر أي: جعل هذا الشيء على صورة معينة كما قال الله تعالى:  { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } [ آل عمران /6 ] ، وقال: { وصوركم فأحسن صوركم } [ التغابن / 3 ].

فالمادة تقتضي أن يكون هناك في الفعل في نفس الصورة؛ لأن ” فعل ” في اللغة العربية هذا مقتضاه، ومعلوم أن نقل الصورة بالآلة ليس على هذا الوجه وإذا كان ليس على هذا الوجه فلا نستطيع أن ندخله في اللعن ونقول إن هذا الرجل ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما يجب علينا التورع في إدخال ما ظاهر اللفظ عدم دخوله  فيه: يجب علينا  أيضا التورع في منع ما لا يتبين لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب فكما نتورع في الإيجاب: نتورع أيضا في السلب، وكذلك كما يجب أن نتورع في السلب: يجب أن نتورع في الإيجاب، فالمسألة ليست مجرد تحريم ولكن سيترتب عليها عقوبات فهل نشهد أن هذه العقوبات باللعن وشدة الظلم وما أشبه ذلك؟ لا نستطيع أن نجزم إلا بشيء واضح؛ ولهذا يفرق بين رجل أخذ الكتاب الذي خطته يدي وألقاه في الآلة الفوتغرافية  وحرك الآلة فانسحبت الصورة فيقال: إن هذا الذي خرج بهذا الورق رسم الأول، ويقال: هذا خطه ويشهد الناس عليه، وبين أن آتي بخطك أقلده بيدي أرسم مثل حروفه وكلماته فأنا الآن حاولت أن أقلدك، وأن أكتب ما كتبت، وأصور ما صورت أما المسألة الأولى فليس مني فعل إطلاقا، ولهذا يمكن أن أصور في الليل ويمكن أصور إنسانًا وقد أغمض عينيه، ويمكن أن يصوِّر الرجل الأعمى، فكيف نقول إن هذا الرجل مصور؟

فالذي أرى أن هذا لا يدخل تحت اللغة، ولا يكون تحت التصوير بناء على المادة التي اشتق منها ” صور “.

 

ولكن يبقى النظر إذا أراد الإنسان أن يصور هذا التصوير المباح، فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب القصد، فإذا قصد به شيئًا محرمًا: فهو حرام، وإن قصد به شيئًا واجبًا: كان واجبا، فقد يجب التصوير أحيانًا خصوصا الصور المتحركة، فإذا رأينا مثلًا إنسانًا متلبسا بجريمة من الجرائم التي هي من حق العباد كمحاولة أن يقتل، وما أشبه ذلك  ولم نتوصل بإثباتها إلا بالتصوير: كان التصوير حينئذ واجبًا، خصوصًا في المسائل التي تضبط القضية تمامًا،  لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، إذا أجرينا هذا التصوير لإثبات شخصية الإنسان خوفًا من أن يتهم بالجريمة غيره، فهذا أيضا لا بأس به، بل هو مطلوب.

وإذا صورنا هذه الصورة من أجل التمتع بالنظر فهذا حرام بلا شك، وكالصورة للذكرى؛ لأننا لا نقول إنها غير صورة، هي صورة لا شك، فإذا اقتناها فقد جاء الوعيد فيمن كان عنده صورة أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة. ” الشرح الممتع ” ( 2 / 197 – 200  ).

 

ثانيًا:

الإسلام هو آخر الديانات التي ارتضاها الله تعالى لخلقه جميعًا، وقد أرسل الله خير أنبيائه به، وأمره أن يدعوَ الناس جميعًا إليه، فصار الإسلام حاكمًا على غيره من الأديان، وأصبح القرآن ناسخاً لما قبله من الكتاب السماوية ومهيمنًا عليها، وقد ثبت بما لا شك فيه أن كل الأديان السابقة قد حرَّفها أهلها، وكل الكتب السماوية السابقة قد بُدلت وحرفت، فهي صحيحة في أصلها وهي من عند الله ولكن جاء الإسلام فأمر الله تعالى الناس جميعًا به ولم يرض منهم غيره، فمن آمن بغيره لا يقبل الله منه دينه.

والدليل على ذلك قوله تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين }   [ آل عمران  / 85 ].

قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:

يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطلب دينًا غير دين الإسلام ليَدين به: فلن يَقبل الله منه، { وهو في الآخرة من الخاسرين }، يقول: مِن الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عز وجل.

” تفسير الطبري ” ( 3 / 339 ).

والإسلام لا ينظر إليهم على أنهم مذنبون فحسب بل على أنهم كافرون مخلدون في نار جهنم كما سبق في الآية السابقة.

هو خاسر في جهنم لا يخرج منها، ولا يمكن للكافر أن يدخل الجنة إلا أن يسلم، قال الله تعالى: { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط وكذلك نجزي المجرمين } [ الأعراف / 40 ].

 

 

 

 

بل إن الله تعالى أخذ العهد على الأنبياء جميعًا أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وينصرونه لو قُدِّر أن يكون بين ظهرانيهم، كما قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ  وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ . فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }   [ آل عمران / 81،   82 ].

عن أبي الدرداء قال: جاء عمر بجوامع من التوراة إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتُها من أخ لي من ” بني زريق ” فتغير وجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال عبد الله بن زيد – الذي أريَ الأذان -: أمسخ الله عقلك؟ ألا ترى الذي بوجه رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إمامًا، فسرِّي عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو كان موسى بين أظهركم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالا بعيدًا أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين.  رواه أحمد ( 15437 ).

 وقال ابن حجر:

.. جميع طرق هذا الحديث، وهي وان لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا.

” فتح الباري ” ( 13 / 525 ).

 

ثالثًا:

لو أننا ذهبنا إلى الولايات المتحدة فلن يزيدنا هذا إلا تمسكًا والتزامًا وقوةً في ديننا لأننا سنبصر الضلال على حقيقته وسنعايشه فنكون أشد فرارا ونفرة منه، والذي يرى الشيء ويعاينه ليس كمن سمع به، إذ الرائي سيكون أكثر بصيرة واستيقانا، فإذا كنا ننكر على ضلالات الناس هناك دون أن نراهم فكيف بنا إن عايناهم وأبصرتهم عيوننا.

قال شاعر العرب:

خذ مـا رأيــت ودع شيئا سمعت به       فــي رؤية البـدر ما يغنيك عن زحل

وعندكم من المسلمين ما يكفي من العدد، من سائر أقطار العالم، وكلهم مازال مستمسكا بعقيدته لا يبيعها بملء الأرض ذهبا.

 

رابعًا:

نحن لم نؤمن بالله تعالى إلا بعدما امتلأت قلوبنا رغبة وحبا وإيمانا وتصديقا بديننا فنؤمن بالله تعالى الذي هو ربنا وخالقنا ومنشؤنا من العدم وهو رازقنا ومصرف أمورنا إليه مآلنا ومنتهانا بيده رزقنا ومعايشنا.

فنحن نحب القرآن الذي هو كلام الله تعالى الذي جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله وسن لنا به ما يصلح  دنيانا وأخرانا، وكذلك نحب نبينا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا نبدل بحبه شيئا من الدنيا.

وإن تمسكنا في الدين رغبة حقة في القلب، ولا نرى ذلك قيدا يقيدنا ويمنعنا مما سواه، فإن حلاوة الإيمان خالطت بشاشة قلوبنا وتمكنت من سويدائها فهي في صميم الصميم تمشي في عروقنا مع الدماء.

قال القرطبي:

وقال سهل بن عبدالله: ” علامة حب الله: حب القرآن، وعلامة حب القرآن: حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم: حب السنَّة، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة: حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة: أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسه: أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا: ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة.

” تفسير القرطبي ” ( 4 / 60 – 61 ).

وقال ابن رجب الحنبلي:

ويدخل في مسمى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه وزيادة الإيمان بذلك وتحقيق التوكل على الله عز وجل وخوف الله سرا وعلانية والرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا واختيار تلف النفوس بأعظم أنواع الآلام على الكفر واستشعار قرب الله من العبد ودوام استحضاره وإيثار محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما والحب في الله والبغض فيه والعطاء له والمنع له وأن يكون جميع الحركات والسكنات له وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية والاستبشار بعمل الحسنات والفرح بها والمساءة بعمل السيئات والحزن عليها وإيثار المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وأموالهم وكثرة الحياء وحسن الخلق ومحبة ما يحبه لنفسه لإخوانه المؤمنين ومواساة المؤمنين خصوصا الجيران ومعاضدة المؤمنين ومناصرتهم والحزن بما يحزنهم.

” جامع العلوم والحِكم ” ( 1 / 32 ).

فديننا الذي نحب عالج لنا أمراض القلوب:

فقابلنا المصائب بالصبر.

وفقر الدنيا بغنى النفس.

وضيق الدنيا بسعة الآخرة.

وزهدنا بما في أيدي الناس ورغبنا بما في يد الله تبارك وتعالى.

طلقنا الدنيا واقترنا بالآخرة.

فلم نزل على هذا حتى يبعثنا الله تعالى إليه.

 

خامسًا:

لقد حرم الإسلام على المرأة الابتذال والتهتك سواء في ملبسها أو في عملها فحجبها عن الرجال لتصان وتحفظ عفتها، والذي حدث هنالك في أفغانستان هو تطبيق لشرع الله تعالى الذي فرض على المرأة أن تصون نفسها من وحل التبرج والتبذل والخلاعة.

وتعريض المرأة للخروج للعمل ينقص من عفتها ويعرضها للفتن والمساويء، بل إن ديننا من حفاظه على المرأة حبب لها الصلاة في بيتها ولم يحببها لها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي تعدل الصلاة فيه ألف صلاة فيه والمسجد الحرام الذي تعدل الصلاة فيه بمائة ألف صلاة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام “. رواه البخاري ( 1133 ) ومسلم ( 1394 ).

فمع هذا الأجر العظيم يرد علينا هذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحب الصلاة معك، فقال: قد علمت انك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل. رواه ابن خزيمة ففي ” صحيحه ” ( 1689 ).

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه الرجال من النساء وحذر النساء من الرجال، وعظم أمرهم حتى جعل فتنتهم أشد الفتن وأشد المضرات.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء “. رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).

قال ابن حجر: 

وفي الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء }، فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك ويقع في المشاهدة حب الرجل ولده من امرأته التي هي عنده أكثر من حبه ولده من غيرها. وقد قال بعض الحكماء: النساء شر كلهن وأشر ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع أنها ناقصة العقل والدين تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين كشغله عن طلب أمور الدين وحمله على التهالك على طلب الدنيا وذلك أشد الفساد. ” فتح الباري ” ( 9 / 138 ).

وقال ابن القيم رحمه الله:

ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة.  …

فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعا لذلك. ” الطرق الحكمية ” ( ص 408 ).

 

 

وإننا لنقرأ في كثيرٍ من الأحيان شكاوى المرأة في الغرب، ونسمع آهات كثيرة متعددة من هنا وهناك كلها تطالب بأن تُحفظ للمرأة كرامتها وعفتها، وأن لا تكون سلعة رخيصة في الإعلانات والمحلات لجلب الزبائن، وكلهنَّ يحسدن المرأة في الإسلام على ما أعطاها من إكرامٍ وتعظيم، وليس معنى هذا أن المرأة لا تعمل في الإسلام، بل إنها تعمل أعظم العمل وأخطره وهو تربية أولادها على الدين والخلق، والقيام بواجب الزوج الذي جعل الله تعالى جسمَه مهيئًا للعمل دون المرأة.

 

قال الفيلسوف الإقتصادي ” جون سيمون “:

النساء قد أصبحن الآن نسَّاجات وطبَّاعات … إلخ، وقد استخدمتْهن الحكومة في مَعاملها، وبهذا اكتسبن بضعة دريهمات، ولكنهن في مقابل ذلك قد قوَّضن دعائم أسرهنَّ تقويضًا، نعم، … وهناك نساء يشتغلن بصك الدفاتر، وفي محلات التجارات، ويُستخدمن في المكاتبات، وفي وظيفة التعليم، وبينهن عدد عديد في التلغرافات والبوسطات والسكك الحديدية، وبنك فرنسا والكريدي ليونيه، ولكن هذه الوظائف قد سلختْهنَّ من أُسرهنَّ سلخًا. ” مجلة المجلات ” المجلد 17، بواسطة ” وسقط القناع ” لعصام الخالدي ( ص 30 ).

 

ويقول ” جيوم فريرو ” البحَّاثة الشهير:

يوجد في أوروبا كثير من النساء اللواتي يتعاطين أشغال الرجال، ويلتجئن بذلك إلى ترك الزواج بالمرة، … ولو تمادى الحال على هذا المنوال لنشأ منه خلل اجتماعي عظيم الشأن، وإنا لنذكر أن ” هتلر ” في أواخر أيَّامه قد بدأ يمنح الجوائز لكل امرأة تترك عملها خارج البيت وتعود إلى بيتها، وكذلك فعل          ” موسوليني “، ويكاد يُجمع مفكرو الغرب على أنه ليس هناك سبب لضياع الأبناء وفسادهم وتفكك أُسرهم إلا هجر المرأة بيتَها لتعمل خارجه. ” مجلة المجلات ” المجلد 17، بواسطة ” وسقط القناع ” لعصام الخالدي ( ص 31 ).

وفي عام ( 1660 م ) تجمعت ( 74 ) دولة في مؤتمر الجريمة في ” لندن ” فقرر أن مِن أهم عوامل ازدياد الجرائم بين الأحداث: خروج المرأة من البيت، والفراغ الذي تتركه لأبنائها الأحداث. ” صوت الإسلام ” عدد 115، سنة 1961 م، بواسطة ” وسقط القناع ” لعصام الخالدي ( ص 30 ).

 

وتقسيم الأدوار في العمل أمر منطقي معقول، فما يستطيعه الرجل لا تستطيعه المرأة، وما تقدر على فعله المرأة يعجز عنه كثير من الرجال.

 

 

 

 

ومشاركة المرأة للرجال في الأعمال في غالبها ما تكون مكابرة وإلا فهي أعجز من أن تستطيعها فضلًا عن أنها تتقنها، وإنك إذا نظرت في بعض الأعمال والمِهن لا تكاد تجد فيها امرأة، لحاجة هذه الأعمال للقوة أو للجرأة أو للحكمة، وخذ مثالا على ذلك: طب العظام، فمن النادر أن تجد امرأة في هذا التخصص! وإن وجد فنسبته لا تكاد تُذكر.

 

وهذا لا يعني أن الإسلام يحرم العمل بالكلية على المرأة، لكن لا يجوز ذلك إلا بشروط وضوابط، بل إن بعض الأعمال لا يحل للرجل العمل بها مع توفر النساء، كتدريس النساء، أو علاجهن أو ما شابههما.

 

وعلى كل حال: فالحكم في عمل المرأة هو الجواز إن كانت الظروف مهيأة لعملهن في أمن وأمان، وكان مجال العمل فيه لا يصلح إلا لهن.

 

وأنه لا يجوز حيث يوجد الاختلاط وتعريضها للفتن وقلة أو انعدام الأمن.

 

والله أعلم.

 

 

فتاة في بلاد الغربة تريد إكمال دراستها والحصول على قرض، وتطلب التوجيه والنصح.

السؤال:

فتاة مسلمة، أنهت دراستها الثانوية العام الماضي، وانتقلت من عند والدتها إلى بلاد ما وراء البحار لتعيش مع أخيها. ودخلت الإسلام, بينما باقي أفراد عائلتها ليسوا مسلمين أو أنهم يتبعون أي دين آخر.

تلك الفتاة كانت تلبس الحجاب, لكنها لا تلبسه بشكل صحيح الآن. ولا يوجد عذر لذلك, لكنها ترغب في الحصول على وظيفة لا تمانع لبسها الحجاب. كما أن أخوها لن يجبرها على خلع الحجاب. وهي الآن تعمل، لكنها ترغب في الذهاب للكلية لتحصل على درجة جامعية في التدريس. والمشكلة، حيث أن الحكومة في بلاد والدتها تعطي قروضا بفوائد عالية, والبلاد التي هي فيها الآن تعطي قروضا بدون فوائد, لكن عليها أن تنتظر مدة سنتين كاملتين قبل أن تتمكن حتى من التقديم للحصول على قرض من هذا النوع.  وهي لا تريد أن تضيع الوقت على نفسها. وقد تعرفت على سائق سيارة أجرة (تاكسي) تقي, وقد أخبرها أنه يجب عليها ألا تكون في بيئة كتلك؛ وأن عليها أن تتزوج في أسرع وقت ممكن. وأخوها لا يسمح لها بمغادرة البيت أبدا, كما أنه صاحب نفوذ قوي جدا. إنها تريد أن تذهب إلى والدتها للدراسة، لكنها لا ترغب في الحصول على قرض بفوائد ربوية. فبماذا تنصحها؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحمد لله الذي كتب لك الهداية للدخول في دين الإسلام وهذه نعمة لا توازيها نعمة على وجه الأرض.

ثانيًا:

لاشك أن يواجه المسلم الملتزم الذي أسلم حديثا بعض الصعوبات وبعض المشاكل وخصوصا أنه تعود على نمط من الحياة يوجب دخوله الإسلام أن يغيره وبالتالي قد يواجه بعض الصعوبات من أسرته ومن مجتمعه الذي يعيش فيه.

ثالثًا:

المسلم الجديد لا بد أن يبحث عن رفقة ملتزمة صالحة تعينه وترشده وتقدم له النصائح حتى لا يتأثر بالجو الذي كان عليه ولا يستزله الشيطان أو رفاق السوء بالرجوع على ما كان عليه.

رابعًا:

أنصح الأخت المسلمة أن تتقي الله سبحانه وتعالى وأن تلتزم بالحجاب الصحيح وقد تواجهها بعض الصعوبات ولكن الله سوف يكون لها سندًا وعونًا وسيحفظها إن علم صدق النية والإخلاص.

 

 

خامسًا:

أنصحها أن لا تلتفت لدخول الجامعة لأن ذلك يؤدي إلى الوقوع في محاذير شرعية كالتعامل بالربا – كما ذكرت السائلة – أو التخلي عن الحجاب أو الاختلاط المحرم.

سادسًا:

أنصحها أن تبحث عن زوج مسلم يعفها وتعيش في كنفه كما ذكر لها ذلك السائق المسلم وأن تستعين بالله على ذلك، وتتفرغ لدراسة اللغة العربية حتى تستطيع أن تفهم الإسلام جيدا وتتفرغ لدراسة الإسلام حتى تكون داعية إلى الإسلام وتنقذ ما استطاعت من أهلها وأقاربها ومجتمعها  من الموت على الشرك وهذه من أهم الأعمال وأفضلها لمن دخل في الإسلام في الدنيا والآخرة، وأسأل الله أن يثبتك على الإسلام وأن يكتب الهداية لأسرتك.

 

والله أعلم.

 

 

إذا كان كل شيء مكتوبا ومقدرا، فما دورنا كبشر؟

السؤال:

تحدث لي أشياء سيئة كثيرة لكنني أحاول وآمل أن تتحسن الأمور يومًا ما، رغم أني ألوم نفسي، لكن الملّا (الشيخ) قال لي إن هذا محتوم وينبغي أن أعتبره اختبارًا من الله.

أتساءل: إذا كان كل شيء قدر ومكتوب ما دورنا كبشر؟ ماذا يقول الإسلام عن المحاولة والقدر؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. نحن لا ندري ماذا كتب الله لنا، لذا فإن دور المسلم هو العمل بطاعة الله تعالى والابتعاد عن نهيه، وأما ما كتبه الله علينا في الأزل فهو يدل على كمال علمه سبحانه وأنه يعلم ما كان وما يكون، ولا علاقة لعلمه سبحانه بما سنفعل بالثواب والعقاب، إنما الثواب والعقاب على أعمالنا.

لذا لا ينبغي للعاصي أن يحتج بقدر الله تعالى، لأن الله تعالى أمرنا أن نؤمن بالقدر لا أن نحتج به، ومن احتج على معاصيه بالقدر فقد شابه المشركين فضلا عن أنه حكم على عقله بالفساد، وعلى دينه بالنقض، وفيه خراب للعالم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر بل القدر يؤمن به ولا يحتج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين متناقض؛ فإن القدر إن كان حجة وعذرًا: لزم أن لا يُلام أحد ولا يعاقب ولا يقتص منه، وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه إذا ظُلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ولا يذمه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحد أن يفعله فهو ممتنع طبعً محرمٌ شرعًا.

ولو كان القدر حجة وعذرًا لم يكن إبليس ملومًا ولا معاقبًا، ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار، ولا كان جهاد الكفار جائزًا، ولا إقامة الحدود جائزًا، ولا قطع السارق ولا جلد الزاني ولا رجمه ولا قتل القاتل، ولا عقوبة معتد بوجه من الوجوه.

ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلًا في فِطَر الخلق وعقولهم: لم تذهب إليه أمة من الأمم، ولا هو مذهب أحد من العقلاء الذين يطردون قولهم؛ فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته.

ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزمًا مع الآخر نوعًا من الشرع، فالشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده. ” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 323 ).

  1. وما يوجد في نفوس الناس من الشر هو من خلق الله، لكن هذا لا يعني أنه الله يحبه فضلا عن أن يكون قد أمر به، وكيف يكون ذلك وهو الذي أمر بمجاهدة النفس، ورتَّب الثواب عليها، ونهى عن الشر والمعصية ورتَّب العقوبة عليها؟ والله تعالى جعل – بحكمته – النفوسَ مهيأة للخير والشر، وطلب من الناس فعل الخير وترك الشر والمعاصي، هذا هو عملهم وما خُلقوا لأجله.

لكن خلط الناس في هذا الأمر جعلهم يتخبطون في فهم هذه الحقيقة الشرعية المهمة.

قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله:

ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يُلهم العبد فجورَه وتقواه، والإلهام: الإلقاء في القلب، لا مجرد البيان والتعليم – كما قاله طائفة من المفسرين – إذ لا يقال لمن بيَّن لغيره شيئًا وعلَّمه إياه أنه قد ألهمه ذلك هذا لا يعرف في اللغة البتة، بل الصواب ما قاله ابن زيد قال: جعل فيها فجورها وتقواها، وعليه حديث عمران بن حصين أن رجلا من مزينة – أو جهينة – أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم؟ قال: بل شيء قضي عليهم ومضى قال، ففيم العمل؟ قال: مَن خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها، وتصديق ذلك في كتاب الله {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها }.

فقراءته هذه الآية عقيب إخباره بتقديم القضاء والقدر السابق يدل على أن المراد بالإلهام استعمالها فيما سبق لها لا مجرد تعريفها، فإن التعريف والبيان لا يستلزم وقوع ما سبق به القضاء والقدر، ومن فسر الآية من السلف بالتعليم والتعريف فمراده تعريف مستلزم لحصول ذلك لا تعريف مجرد عن الحصول فإنه لا يسمى إلهاما، وبالله التوفيق.

” شفاء العليل ” ( ص 55 ).

  1. ومن علم مراتب القدر وفهمها على وجهها الشرعي انحلت عنه إشكالات كثيرة، وزالت من قلبه وعقله وساوس متعددة، وبخاصة المرتبة الثالثة وفيها بيان التفريق بين الإرادة الكونية وهو ما شاءه الله أزلا، وبين الإرادة الشرعية وهو ما يحبه الله ويرضاه.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

قد ذكر العلماء رحمهم الله أن الإيمان بالقدر يجمع أربعة أمور:

الأمر الأول: الإيمان بأن الله سبحانه علم الأشياء كلها قبل وجودها بعلمه الأزلي وعلم مقاديرها وأزمانها وآجال العباد وأرزاقهم وغير ذلك كما قال سبحانه وتعالى: { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ العنكبوت / 62 ]، وقال تعالى: { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } [ الطلاق / 12 ]، وقال تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [ الأنعام / 59 ]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

الثاني: من مراتب الإيمان بالقدر: كتابته سبحانه لجميع الأشياء من خير وشر وطاعة ومعصية وآجال وأرزاق وغير ذلك كما قال سبحانه: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [ الحج / 70 ]، في آيات كثيرة سبق بعضها آنفًا، وفي الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ رسول الله عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: { فَأمّا مَن أعطى . وصدَّقَ بالحُسنى } الآيتين [ الليل / 5 ، 6 ]، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومنها حديث عبد الله بن مسعود المخرج في الصحيحين في ذكر خلق الجنين وأنه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.

الأمر الثالث من مراتب الإيمان بالقدر: أنه سبحانه وتعالى لا يوجد في ملكه ما لا يريد ولا يقع شيء في السماء والأرض إلا بمشيئته، كما قال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ التكوير / 28 ، 29 ]، وقال تعالى: { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ . وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } [ المدثر / 55، 56 ]، وقال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } [ الأنعام / 137 ]، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الأنعام / 39 ]، وقال عز وجل: { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } [ الأنعام / 125 ]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً معلومة من كتاب الله.

والإرادة في هذه الآية بمعنى المشيئة، وهي إرادة كونية قدرية بخلاف الإرادة في قوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً } [ النساء / 26 – 28 ]، فالإرادة في هذه الآيات الثلاث إرادة شرعية أو دينية بمعنى المحبة، والفرق بين الإرادتين:

الأولى: لا يتخلف مرادها أبدًا، بل ما أراده الله كونا فلا بد من وقوعه كما قال تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ يـس / 82 ].

أما الإرادة الشرعية: فقد يوجد مرادها من بعض الناس وقد يتخلف.

وإيضاح ذلك: أن الله سبحانه أخبر أنه يريد البيان للناس والهداية والتوبة ومع ذلك أكثر الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة ولم يتبصر في الحق؛ لأنه سبحانه وتعالى قد أوضح الحجة والدليل وبين السبيل وشرع أسباب التوبة وبيَّنها، ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعًا لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين ولا ممن يوفق للتوبة.

وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين.

ومما يزيد المقام بيانا أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن فهو إنما أمن بمشيئة الله وإرادته الكونية وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة فتنبه وتأمل والله الموفق.

 

الأمر الرابع من مراتب الإيمان بالقدر: أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد لجميع الأشياء من ذوات وصفات وأفعال فالجميع خلق الله سبحانه وكل ذلك واقع بمشيئته وقدرته فالعباد وأرزاقهم وطاعاتهم ومعاصيهم كلها خلق الله وأفعالهم تنسب إليهم فيستحقون الثواب على طيبها والعقاب على خبيثها والعبد فاعل حقيقة وله مشيئة وله قدرة قد أعطاه الله إياها والله سبحانه هو خالقه وخالق أفعاله وقدرته ومشيئته كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة / 20]، وقال تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [التكوير / 28 ، 29 ]، فلا يخرج شيء من أفعال العباد ولا غيرهم عن قدرة الله ولا عن مشيئته فعلم الله شامل ومشيئته نافذة وقدرته كاملة لا يعجزه سبحانه شيء ولا يفوته أحد كما قال عز وجل: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } [ الطلاق / 12 ]، والعرش وما دونه من سماوات وأرضين وملائكة وبحار وأنهار وحيوان وغير ذلك من الموجودات كلها وجدت بمشيئة الله وقدرته لا خالق غيره ولا رب سواه ولا شريك له في ذلك كله كما أنه لا شريك له في عبادته ولا في أسمائه وصفاته كما قال تعالى: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الزمر / 62 ]، وقال تعالى: { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [ البقرة / 163 ]، وقال سبحانه: { قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ . الله الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص كلها ]، وقال سبحانه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ الشورى / 11 }، فالله سبحانه هو الخالق وما سواه مخلوق وصفاته كذاته ليست مخلوقة وكلامه من صفاته والقرآن الكريم من كلامه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كلام الله عز وجل منزل غير مخلوق بإجماع أهل السنة وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة.

وبما ذكرنا يتضح لطالب الحق أن مراتب القدر أربع من آمن بها وأحصاها فقد آمن بالقدر خيره وشره.

وقد ذكر العلماء هذه المراتب في كتب العقائد وأوضحوها بأدلتها وممن ذكر ذلك باختصار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه: ” العقيدة الواسطية ” وذكرها وأوسع فيها الكلام تلميذه المحقق العلامة الكبير أبو عبد الله ابن القيم في كتابه: ” شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ” وهو كتاب نفيس عظيم الفائدة نادر المثل أو معدومه ننصح بقراءته والاستفادة منه.

والله أسأل سبحانه أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والاستقامة عليه وأن يهدينا وسائر المسلمين صراطه المستقيم . . إنه جواد كريم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

” فتاوى ابن باز ” ( 6 / 58 – 61 ).

 

والله أعلم.

قول الصوفية: بأنّ هنالك علم منقول وعلم معقول وعلم ما وراء العقول ويحتجون بقصة موسى مع الخضر!!.

السؤال:

كيف ترد على الصوفية الذين يقولون بأن هنا علم منقول وعلم معقول وعلم ما وراء العقول ويحتجون بقصة موسى عليه السلام مع سيدنا الخضر وأن الله آتاه العلم اللدني ..؟!!.

 

الجواب:

الحمد لله

الصوفية بدعة خطيرة على الإسلام وأهله، وتقسيمهم العلم بهذا التقسيم كان من شر بدعهم بل هو رأس ضلالاتهم.

قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: 

جاء المتصوفة فكان أول هدم لهم في الإسلام أن يهدموا هذا الأصل ـ يعني أصل: أن علم الغيب مما لا يكون إلا لله ـ  فأقاموا شيئا سمَّوْه ” الكشف الصوفي ” وهو يعني عندهم رفع الحجب أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم ما في السموات جميعا، وما في الأرض جميعا، فلا تسقط ورقة إلا بنظره ولا تقع  قطرة ماء من السماء إلا بعلمه ولا يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتحرك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي…هكذا والله.

” الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة ” ( ص 235  ).

ويقول المؤلف في معرض كلامه عن أحدهم وهو الجيلي: 

ولا يتوقف هذا الهذيان الذي يطالعنا به الجيلي في كتابه لحظة واحدة  فهو يزعم أنه قد كشفت له الحجب فرأى العالم عاليه وسافله، وشاهد الملائكة جميعا، وخاطبهم والرسل والأنبياء؛ فها هو يقول ويدعي: ” وفي هذا المشهد اجتماع الأنبياء والأولياء بعضهم ببعض أقمت فيه بزبيد بشهر ربيع الأول في ثمانمائة من الهجرة النبوية فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه  عليهم أجمعين والأولياء والملائكة العالين، والمقربين، وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات  جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه الأزل إلى الأبد – ويستطرد قائلا -: وتحققت بعلوم إلهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه “.

” المرجع السابق ” ( ص 250 ).

وقال الإمام أبو اليسر البزدوي: 

وفي الصوفية قوم يدعون الإلهام يقولون: حدثني قلبي عن ربي، ثم يذكرون بعض ما وضعه ” القرامطة ” من الإشارة الفاسدة بالألفاظ الهائلة يغرون بها العامة جعلوا ذلك مكسبة  لأنفسهم  وأنكروا  الشرائع أجمع، فهؤلاء  شرُّ خليقة الله تعالى، وواحد من هؤلاء  حضر من  بلدة بخارى سنة 478 ،وجمع الصوفية وبعض أصحاب الشافعي على نفسه، وكنت خرجت من بلدة بخارى إلى بعض قراها فلّما حضرت أخبروني بحضوره، وكان قبل ذلك يعتقد مذهب أبي حنيفة ويميل إلى الاعتزال، فبعثت إليه اثنين  من أصحابي قلت لهما: قولا له لماذا تركت مذهب أبي حنيفة وأخرجت هذه البدع. فقال؛  ما تركته: فقلت لهما: قولا له لماذا ترفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع؟ فاضطر إلى كشف سريرته الخبيثة فقال: ظهر لي ما لو ظهر لكم ترفعون أيديكم! فقلت لهما: قولا له ماذا ظهر لك هل تقدر على إظهاره أو لا تقدر؟ فإن كنت تقدر على إظهاره: فأظهر، وإن كنت لا تقدر على إظهاره: فذلك بدعة عجزت عن إظهارها، ثم قلت لهما: قولا له إنا على الطريقة التي كان عليها الرسل والأنبياء  والصالحون من الفقهاء من جميع الأعصار وأتقياؤهم وأولياؤهم وقرّاؤهم وأنت أيها التلبيس ـ هكذا جاءت في الأصل ـ   الضال الغاوي المغوي أعرضت عن طريقة هؤلاء وسلكت طريقة إبليس وهي طريقة الروافض والقرامطة، فعند ذلك فرّ من بلدة بخارى ونواحيها فرار القرود من الأسود والهنود من القيود، وقد أخبرني واحد من فقهائنا أنه سأل هذا المبتدع لم تركت مذهب أبي حنيفة وترفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع؟ فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه صلى الله عليه وسلم وغيرهم ويرفعون أيديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، فقال: قلت له رأيت في المنام؟ قال: بل في اليقظة!!.

” المرجع السابق ” ( ص 689 – 690 ) ناقلًا عن كتاب ” أصول الدين ” للبزدوي.

ونذكر فيما يلي بعض أقوالهم الباطلة الشنيعة:

قال المناوي:

قال الغزالي: قال أبو يزيد: ليس العالِم الذي يحفظ من كتاب فإذا أنسي ما حفظ صار جاهلا، إنما العالِم الذي يأخذ علمه من ربِّه أي وقت شاء بلا تحفظ ولا درس، وهذا هو العالم الرباني وإليه الإشارة بقوله تعالى { وعلمناه من لدنا علما } مع أن كل علمٍ من لدنه لكن بعضها بواسطة تعليم الخلق فلا يسمَّى ذلك علمًا لدنيًّا، بل العلم اللدنِّي الذي ينفتح في سر العالم من غير سبب مألوف من خارج. ” فيض القدير ” ( 2 / 8 ).

ولا يكون ذلك ـ أي علم ما وراء العقول ـ إلا بعد الرياضيات النفسية ومجاهدة النفس مع الزهد والجوع والعطش والانقطاع عن الناس وقد نقل الذهبي بعض كلام ابن حمدين عن أحوال القوم فقال:

وقال – أي: ابن حمدين ينقل كلام الغزالي -: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فيجلس فارغ القلب مجموع الهم يقول الله الله الله على الدوام فليفرغ قلبه ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث، قال: فإذا بلغ هذا الحد: التزم الخلوة في بيت مظلم وتدثر بكسائه فحينئذ يسمع نداء الحق ” يا أيها المدثر ” و ” يا أيها المزمل “.

قلت ـ القائل هو ابن حمدين: سيد الخلق إنما سمع { يا أيها المدثر } من جبريل عن الله وهذا الأحمق لم يسمع نداء الحق أبدًا بل سمع شيطانًا أو سمع شيئًا لا حقيقة من طيش دماغه والتوفيق في الاعتصام بالسنة والإجماع. ” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 334 ).

وقد يصل الحد ببعضهم بعد ذلك أن يؤمن بالاتحاد.

قال صديق خان:

ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملؤا الصحف منه مثل الهروي في كتاب ” المقامات ” له وغيره وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم، وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضًا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبًا لم يعرف لأولهم، فأشرب كل واحدٍ من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم.  ” أبجد العلوم ” ( 2 / 161 ).

ويقول ابن حمدين وهو محمد بن حمدين القرطبي – في وصف أحوالهم:

إن بعض مَن يعظ ممن كان ينتحل رسم الفقه ثم تبرأ منه شغفًا بالشرعة الغزالية والنحلة الصوفية: أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد – أي: الغزالي، وكتابه هو ” إحياء علوم الدين ” – إمام بدعتهم فأين هو من شنع مناكيره ومضاليل أساطيره المباينة للدين وزعم أن هذا من علم المعاملة المفضي إلى علم المكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية الذي لا يسفر عن قناعه ولا يفوز بإطلاعه إلا من تمطَّى إليه ثبج ضلالته التي رفع لهم أعلامها وشرع أحكامها، قال أبو حامد: وأدنى النصيب هذا العلم التصديق به وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر منه شيئًا فاعرض قوله على قوله ولا يشتغل بقراءة قرآن ولا بكتب حديث لأن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جبته والتدثر بكسائه فيسمع نداء الحق فهو يقول ذروا ما كان السلف عليه وبادروا ما أمركم به. ” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 332 ).

ويقول الذهبي معلقًا عل بعض كلام الغزالي: 

ومما أخذ عليه – يعني أبا حامد -: قال إن للقدر سرًّا نهينا عن إفشائه!!

فأي سرٍّ للقدر فإن كان مدركا بالنظر: وصل إليه ولا بد، وإن كان مدركا بالخبر: فما ثبت فيه شيء وإن كان يدرك بالحال والعرفان: فهذه دعوى محضة.

” سير أعلام النبلاء ” ( 19 / 337 – 338 ).

ولكن يجب علينا أن نتوسط في هذا المجال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فإن طرق العلم والظن وما يتوصل به إليهما من دليل أو مشاهدة، باطنة أو ظاهرة: عام أو خاص، فقد تنازع فيه بنو آدم تنازعًا كثيرًا.

وكذلك كثير من أهل الحديث والسنة قد ينفي حصول العلم لأحدٍ بغير الطريق التي يعرفها، حتى ينفي أكثر الدلالات العقلية من غير حجة على ذلك، وكذلك الأمور الكشفية التي للأولياء  من أهل الكلام من ينكرها، ومن أصحابنا من يغلو فيها، وخيار الأمور أوساطها.

فالطريق العقلية والنقلية والكشفية والخبرية والنظرية طريقة أهل الحديث، وأهل الكلام وأهل التصوف قد تجاذبها الناس نفيًا وإثباتًا، فمِن الناس مَن ينكر منها ما لا يعرفه، ومن الناس من يغلو فيما يعرفه، فيرفعه فوق قدره وينفي ما سواه، فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم الطرق العقلية وكثير منها فاسد متناقض، وهم أكثر خلق الله تناقضًا واختلافًا، وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعيًّا.

وطائفة ممن تدَّعى السنَّة والحديث يحتجون فيه بأحاديث مصنوعة يعلم أنها كذب وقد يحتجون بالضعيف في مقابلة القوي وكثير من المتصوفة والفقراء يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفًا وهي خيالات غير مطابقة وأوهام غير صادقة: { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا } [ النجم / 28 ].  ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 185 ).

وأما بالنسبة للخضر عليه السلام: فالصحيح أنه كان نبيًّا، وأن العلم الذي وهبه الله إياه إنما هو العلم الذي يعطيه الله لأنبيائه عليهم السلام.

وقد ضلَّ كثير من المتصوفة لما ظنوا أن الخضر كان وليًّا، وأنه كان عنده العلم اللدني، فراحوا يفضلون لذلك الأولياء على الأنبياء، ومن هنا قال الحافظ ابن حجر:

وقع لبعض الجهلة أن الخضر أفضل من موسى تمسكا بهذه القصة وبما اشتملت عليه وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة ولم ينظر فيما خص الله به موسى عليه السلام من الرسالة وسماع كلام الله وإعطائه التوراة فيها علم كل شيء وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى وأدلة ذلك في القرآن كثيرة ويكفي من ذلك قوله تعالى { يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } وسيأتي من أحاديث الأنبياء من فضائل موسى ما فيه كفاية.

وقال نقلا عن القرطبي -:

وإن قلنا إن الخضر ليس بنبي بل ولي فالنبي أفضل من الولي وهو أمر مقطوع به عقلا ونقلا والصائر إلى خلافه كافر لأنه أمر معلوم من الشرع بالضرورة.

قال:

وإنما كانت قصة الخضر مع موسى امتحانا لموسى ليعتبر الثانية ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار فتنجلي لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون الأحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى ويؤيده الحديث المشهور استفت قلبك وأن أفتوك.

قال القرطبي: وهذا القول زندقة وكفر؛ لأنه إنكار علم من الشرائع فإن الله قد أجرى سنته وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المبينين لشرائعه وأحكامه كما قال الله تعالى: { يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } وقال { الله أعلم حيث يجعل رسالته } وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا به وحث على طاعاتهم والتمسك بما أمروا به فإن فيه الهدى وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك فمن ادعى أن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغني بها عن الرسول فهو كافر يقتل ولا يستتاب.

قال: وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبينا لأن من قاله أنه يأخذ عن قلبه لأن الذي يقع فيه هو حكم الله وأنه يعمل بمقتضاه من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة كما قال نبينا  صلى الله عليه وسلم  أن روح القدس نفث في روعي قال وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلبي عن ربي.

وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع نسأل الله الهداية والتوفيق.

وقال غيره: من استدل بقصة الخضر على أن الولي يجوز أن يطلع من خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة ويجوز له فعله فقد ضل وليس ما تمسك به صحيحا فإن الذي فعله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع فإن نقض لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعا وعقلا ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر وقد وقع ذلك واضحا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم ولفظه فإذا جاء الذي يسخرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها فيستفاد منه وجوب التأني عن الإنكار في المحتملات وأما قتله الغلام فلعله كان في تلك الشريعة وأما إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان والله أعلم.

” فتح الباري ” ( 1 / 221 ، 222 ).

 

والله  أعلم.

هل تجب القسمة بين الزوجتين تمامًا؟

السؤال:

هل يجوز للرجل أن لا يقسم وقته بين زوجتيه بطريقة سليمة؟ هل يجوز له أن يغادر منزل زوجته الثانية متأخرًا ساعتين أو ثلاث ساعات مما يسبب ضيقًا للزوجة الأولى بسبب تأخيره؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– أوجب الشرع على المعدِّد أشياء، وأباح له ما عداها أن لا يقسم بين نسائه فيها.

– فمما أوجبه الشرع عليه: العدل في المبيت والسكن والنفقة والكسوة.

ومعنى العدل في المبيت: أن يقسم بين نساءه بالتسوية، فإذا بات عند الأولى ليلة أو ليلتين أو ثلاثة، بات عند نسائه بقدر ذلك.

* قال الشافعي:

ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عليه عوام علماء المسلمين على أن على الرجل أن يقسم لنسائه بعدد الأيام والليالي، وأن عليه أن يعدل في ذلك لا أنه مرخص له أن يجور فيه. ” الأم ”  ( 5 / 110 ).

ومعنى العدل في السكن: أن يكون لكل واحدة منهن مسكنًا خاصَّا يأتيهن فيه، ويجب أن لا يكون متفاوتًا بقصد الظلم.

* قال ابن قدامة:

وليس للرجل أن يجمع بين امرأتيه في مسكن واحد بغير رضاهما صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأن عليهما ضررًا لما بينهما من العداوة والغيرة، واجتماعهما يثير المخاصمة  والمقاتلة، وتسمع كل واحد منهما حسه إذا أتى إلى الأخرى أو ترى ذلك، فإن رضيتا بذلك جاز لأن الحق لهما فلهما المسامحة بتركه. ” المغني ” ( 7 / 229 ).

* وقال الكاساني:

ولو أراد الزوج أن يسكنها مع ضرتها  أو مع أحمائها كأم الزوج وأخته وبنته من غيرها وأقاربه فأبت ذلك عليه: فإن عليه  يسكنها في منزل مفرد؛ لأنهن ربما يؤذينها ويضرون بها في المساكنة، وإباؤها دليل الأذى والضرر؛ ولأنه يحتاج إلى أن يجامعها ويعاشرها في أي وقت يتفق ولا يمكنه ذلك إذا كان معهما ثالث، حتى لو كان في الدار بيوت ففرغ لها بيتا وجعل لبيتها غلقا على حدة قالوا إنها ليس لها أن تطالبه ببيت آخر. ” بدائع الصنائع ” ( 4 / 23 ).

ومعنى العدل في النفقة والكسوة: أن ينفق عليهن على قدر الوسع والطاقة، ويكسوهن كسوة الصيف والشتاء.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وأما العدل في النفقة والكسوة فهو السنَّة أيضًا اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة كما كان يعدل في القسمة ….” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 269 ).

* وقال ابن القيم رحمه الله:

وكان يقسم صلى الله عليه وسلم بينهن في المبيت والإيواء والنفقة ….

” زاد المعاد ” ( 1 / 151 ).

وأما ما عدا ذلك فلا يضره أن لا يعدل بينهن، كأن يهدي لواحدة منهن هدية، أو يميل قلبه إلى واحدة منهن، أو يكسوها فوق الواجب عليه، أو يجامع واحدة أكثر من غيرها دون قصد الإضرار بغيرها، فإن عدل كان أفضل.

* قال ابن قدامة:

وليس عليه التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن.

قال أحمد – في الرجل له امرأتان -: له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والكسي إذا كانت الأخرى في كفاية ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه وتكون تلك في كفاية.

وهذا لأن التسوية في هذا كله تشق فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء. ” المغني ” ( 7 / 232 ).

* وقال الحافظ ابن حجر:

فإذا وفَّى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والأيواء إليها: لم يضرَّه ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة …. ” فتح الباري ” ( 9 / 313 ),

* وقال النووي:

قال أصحابنا: وإذا قسم لا يلزمه الوطء ولا التسوية فيه، بل له أن يبيت عندهن ولا يطأ واحدة منهن، وله أن يطأ بعضهن في نوبتها دون بعض، لكن يستحب أن لا يعطلهن، وأن يسوِّي بينهن في ذلك، كما قدمناه والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 10 / 46 ).

* وقال ابن قدامة:

لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو مذهب مالك والشافعي وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك؛ فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الأخرى، قال الله تعالى { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم النساء }، قال عبيدة السلماني: في الحب والجماع.

وإن أمكنت التسوية بينهما في الجماع: كان أحسن وأولى؛ فإنه أبلغ في العدل، … ولا تجب التسوية بينهن في الاستمتاع بما دون الفرج من القبل واللمس ونحوهما, لأنه إذا لم تجب التسوية في الجماع: ففي دواعيه أولى. ” المغني ” ( 7 / 234 ، 235 ).

 

ثانيًا:

وأما خروج الزوج من عند إحدى زوجتيه، فإن كان لحاجة ولا يقصد الإضرار بها ولم يكن خروجه للثانية: فلا حرج إن شاء الله، وإنما عماد القسم الليل، فيلزمه البقاء أكثر الليل لصاحبة النوبة، ما جعل الله في دينه من حرج، فلا يمنع الزوج من الخروج أو التسوق أو حضور مجالس العلم في وقت إحدى نسائه إذا كان الخروج لم يقصد به الإضرار والبقاء أكثر الليل خارج بيت صاحبة النوبة.

* قال الدكتور أحمد ريان:

وقد تشدد بعض العلماء في وضع معايير للقسْم، ونفوا العدل عن كل ما يخالفها، ونجد مثل هذا التشدد في بعض عبارات الحنفية حيث جاء عندهم  ” حتى لو جاء للأولى بعد الغروب وللثانية بعد العشاء فقد ترك القسْم “.

ومعنى ذلك: أن الزوج يجب عليه أن يُنهي كل متعلقات النهار قبيل غروب الشمس حتى يتفرغ لضبط أوقات الدخول عند زوجاته يوميا بحيث يكون ذلك في ساعة محددة يوميا، وإذا كان حدوث ذلك ممكناً فيما مضى لبساطة الحياة وقلة الضرورات وحصول الكفاية في المعاش بالقليل، فإنه غير ممكن الآن، فكم من الرجال الآن يستطيع أن يتحكم في حركته بحيث يقيد نفسه داخل المنزل من قبل غروب الشمس يوميا حتى يكون القسم في المبيت تامًا؟.

إنما الأنسب أن يقال: يجب أن يمكث مع أهله في المنزل أكثر الليل دون تحديد لوقت الدخول أو الخروج، إذ ربما اضطرته ظروف المعاش أو قضاء الحقوق أو طلب العلم أو غير ذلك من ظروف الحياة أن يدخل بيته متأخراً أو يخرج منه مبكرًا، فالعبرة بالبقاء مع الزوجة صاحبة النوبة أكثر الليل، لأن المقصود هو الأنس والاستمتاع، وهما يتحققان ببقاء الزوج أكثر الليل في منزله، وقد رأينا في الأحاديث المتقدمة الكيفية التي كان يتحقق بها القسم في الأسرة النبوية الطاهرة، ولم تكن زياراته صلى الله عليه وسلم لبقية أزواجه ليلاً أو نهارًا أو اجتماعه بهن في بيت صاحبة النوبة منافية لهذا القسم مع ما هو معلوم أن تلك الزيارات وذلك الاجتماع قد يفوِّت على صاحبة الليلة بعض حقها إذ كان يأخذ جزءًا من الوقت الخاص بها والتي كان من حقها أن تستأثر به دون صواحباتها.

لذلك أرى أن العبرة بالقسم هو أكثر الليل مع تقييد ذلك التأخير بألا يكون المقصود منه هو ضرر الزوجة صاحبة الليلة، بل كان ذلك نتيجة لمشاغل الزوج اليومية. والله أعلم.

” تعدد الزوجات ” ( ص 60-61 ).

 

والله أعلم.

هل يحق للزوج أن يحاسب زوجته ويسألها عن المهر؟

السؤال:

هل يحق للزوج أن يحاسب زوجته ويسألها كيف أنفقت المهر الخاص بها؟ حيث أن زوجي يحاسبني على كل صغيرة وكبيرة في مهري حيث قسم المهر الى جزئين جزء خاص بي وجزء للتحضير للزواج وشراء الملابس.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يحل للزوج أن يحاسب زوجته على مهرها الذي نحله إياها؛ لأنه حق لها عليه ودين في عنقه يجب عليه تأديته لها.

 

ومقابل ما أعطى الله تعالى المرأة هذا المال القليل فإنه سلب منها القوامة وأعطاها لزوجها. وكانت نفقته عليها مقابل ثمن غالٍ غير بخس، فالمهر والنفقة مقابل القوامة قال الله تعالى:   {الرجال قوامون على النّساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم . . .} [النساء /34].

 

* قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: 

القول في تأويل قوله تعالى: { الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من  أموالهم  فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع وضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن لله كان عليًّا كبيرًا } [ النساء / 34 ]: يعني بقوله جل ثناؤه: { الرجال قوامون على النساء }: الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم، { بما فضل الله بعضهم على بعض }: يعني: بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن وإنفاقهم عليهن أموالهم  وكفايتهم إياهن مؤنهن وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن ولذلك صاروا قواما عليهن نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن. ” تفسير الطبري ” ( 5 /  57 ).

 

وقال ابن كثير: 

وقال الشعبي: في هذه الآية { الرجال قوامون على النساء  بما  فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم }:  قال : الصداق الذي أعطاها؛ ألا ترى أنه لو قذفها: لاعنها، ولو قذفته: جلدت؟. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 492 ).

 

فالمهر حق لها كما أن القوامة حق له وكما أنه لا يحب لها أن تعصيه في قوامته فيجب عليه أن يؤدي إليها حقها.

 

فليتق الله الرجال في مهر نسائهم وليوفوا لهن المهور فإن المرأة ضعيفة، وليؤد لها حقها الذي وجب لها عليه.

 

قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . . . } [ المائدة / 1 ].

 

بل إن عقود الزواج من أهم العقود التي يجب على المسلمين أن يوفوها.

 

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج “. رواه البخاري ( 2520 ) ومسلم ( 2542 ).

 

والله  أعلم.

من نصراني هل الزنا أعظم من اللّواط؟ ولماذا يعيش المسلمون في مجتمعات مختلطة؟

السؤال:

روى عبد الله بن مسعود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك. أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري 8/492 ومسلم 1/90.

أشعر أن هناك تفاوت (تباين) في السؤال والجواب. فهو يشير إلى أن الزنى أعظم من اللواط والاغتصاب وقتل الولد وعدم الإيمان بمحمد رسول الله ورفض القرآن وقتل النبي. هل يمكنكم التوضيح؟

من وجهة نظري النصرانية أستغرب أن المسلم يؤمن بالإنجيل غير المحرف فهل يعني هذا أن المسلم الحقيقي يمكن أن يكون نصرانياً حقيقياً وليس العكس؟

أتعجب من الاختلاف والتشابه بين الإسلام والنصرانية. ففي أستراليا هناك بعض المسلمين لكن كل الرواتب تأتي من البنوك القائمة على الربا، وشراء منزل يعني قروض ربوية. فهل لا يوجد بنوك في الشرق الأوسط؟

هل يرى الإسلام دائماً أن الصرع يسببه الجن؟

الاختلاط بين الرجال والنساء منتشر جداً في أستراليا وكثير من المسلمين يختلطون وأنا أعجب من ذلك.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس هناك اختلاف أو تباين بين السؤال والجواب من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وليس في شرع الله كله أي تناقض أو إشكال.

والحديث الذي جاء ذِكره في السؤال واضح عند التأمل وعند الرجوع لأوال الراسخين في العلم ، فالمعلوم أن الكبائر كثيرة، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يذكر في بعض أحاديثه بعض الكبائر وأنها عظيمة لا ينافي ذِكر غيرها كذلك في أحاديث أخر وذلك لاختلاف جنس المعصية، والمعصية الواحدة لها درجات، بل الدرجة الواحدة تختلف من شخص لآخر، ومن زمان لآخر، ومن مكان لآخر.

ومن حيث العموم: لا شك أن أعظم الذنب وأكبر الكبائر هو الإشراك بالله تعالى، ثم القتل، ثم الزنى، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ولا يزنون. ومن يفعل ذلك يلق أثامًا. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا }.

وإذا دقَّقنا النظر في الحديث: نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر من كل نوع أعلاه في الجرم والذنب، فالقتل من الكبائر وأعظمه قتل الولد، والزنى من الكبائر وأعظمه الزنى بزوجة الجار.

قال الإمام ابن القيم:

قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم بعد القتل ذنبًا أعظم من الزنى، واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحلية جارك “، فأنزل تصديقها في كتابه { والذين لا يدعون مع الله آلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } الآية.

والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر كل نوع أعلاه ليطابق جوابه سؤال السائل؛ فإنه سئل عن أعظم الذنب فأجابه بما تضمن ذِكر أعظم أنواعها وما هو أعظم كل نوع، فأعظم أنواع الشرك: أن يجعل العبدُ لله ندًّا، وأعظم أنواع القتل: أن يقتل ولدَه خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه، وأعظم أنواع الزنى: أن يزني بحليلة جاره؛ فإن مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحرمة، فالزنى بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها؛ إذ فيه انتهاك حرمة الزوج؛ وإفساد فراشه؛ وتعليق نسب عليه لم يكن منه وغير ذلك من أنواع أذاه، فهو أعظم إثما وجرمًا من الزنى بغير ذات البعل؛ فإن كان زوجها جارًا له انضاف إلى ذلك سوء الجوار، ولذا أجابه بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق، وقد ثبت عن النبي أنه قال: ” لا يدخل الجنة من لا يأمن جارُه بوائقَه “، ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأته، فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزنى بامرأة الجار؛ فإن كان الجار أخًا له أو قريبًا من أقاربه: انضم إلى ذلك قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم، فان كان الجار غائبًا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد: تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقَف له يوم القيامة ويقال: خذ من حسناته ما شئت، قال النبي: ” فما ظنكم “؟ أي: ما ظنكم أنه يترك له من حسنات، قد حكم في أن يأخذ منها ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة حيث لا يترك الأب لابنه، ولا الصديق لصديقه حقًّا يجب عليه، فإن اتفق أن تكون المرأة رحمًا منه: انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها، فإن اتفق أن يكون الزاني محصَنا: كان الإثم أعظم، فإن كان شيخًا: كان أعظم إثمًا، وهو أحد الثلاثة الذين ” لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم “، فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظَّم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة: تضاعف الإثم.

وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة والله المستعان.

” الجواب الكافي ” ( 77، 78 ).

وعليه: يمكن فهم الحديث على وجهه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما الزنى واللواط وأيهما أعظم، فمن حيث العقوبة في الدنيا: نجد أن اللواط أعظم لأن الصحابة اتفقوا على قتل الفاعل والمفعول به على كل حال سواء كان بكرًا أو ثيبًا، واختلفوا في كيفية قتله، بينما نجد أن عقوبة البكر في الزنى جلد مائة، والثيب يرجم بالحجارة.

ومن حيث العقوبة الأخروية: فإن الزنى أعظم، ومفاسده كبيرة حيث يقع به اختلاط الأنساب، وإلحاق العار بأهلها، وتدنيس شرفهم، وغير ذلك من المفاسد.

واللواط والسحاق مخالفان لفطرة الله تعالى التي فطر الناس  – بل البهائم كذلك – عليها من ميل الذكر للأنثى والعكس، ومن خالف في هذا خالف الفطرة.

وانتشارهما سبَّب أمراضًا كثيرة لا يستطيع الشرق والغرب أن ينكر وجودها بسببهما، ولو لم يكن من نتائج هذا الشذوذ إلا مرض ” الأيدز ” – وهو فقدان المناعة المكتسبة، الذي يقضي على جهاز المناعة في  الإنسان – لكفى.

وسبَّب – كذلك – تفكك الأسَر وانحلالها، وترك الأعمال والدراسة والانشغال بمثل هذه الشذوذات.

وقد أُثبت الطب حصول الضرر على مرتكب ما نهى الله عنه من مثل هذه الأفعال، والمسلم يجزم أن الله تعالى لا يشرع إلا ما فيه خير الناس، ولا تزيده هذه الاكتشافات الحديثة إلا يقينًا وطمأنينة بعظيم حكمة الله تعالى.

قال ابن القيم:

وفى كل منهما – أي: الزنى واللواط – فساد يناقض حكمة الله في خلقه وأمره؛ فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد؛ ولأَن يقتل المفعول به خيرٌ له من أن يُؤتى فإنه يفسد فسادًا لا يرجى له بعده صلاح أبدًا، ويَذهب خيرُه كله، وتمص الأرضُ ماء الحياء من وجهه فلا يستحي بعد ذلك لا من الله ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن، وقد اختلفَ الناس هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين سمعت شيخ الإسلام رحمه الله يحكيهما. ” الجواب الكافي ” ( ص 115 ).

 

وأما عدم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ورفض القرآن وقتل النبي: فهي موجبات لردة فاعلها إن كان قد دخل في الإسلام ، فهي من جنس الشرك الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أول الأمر، ولا شك أن أعظم أنواع الردة والكفر: هو جعل الشريك مع الله تعالى.

 

ثانيًا:

لا يكون المسلمُ مسلمًا حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدَر خيره وشره، واشتراط الإيمان بجميع الأنبياء وكتبهم على المسلمين يدل على أمرٍ عظيم لم يتفطن له من قذف مثل هذه الشبهة، وهذا الأمر هو: أن دين الأنبياء واحد! ويدل على هذا قوله تعالى { إن الدين عند الله الإسلام }، فموسى عليه السلام ومن آمن معه، وعيسى عليه السلام ومن آمن معه، ومثلهم باقي الأنبياء ومن آمن معهم: كل أولئك مسلمون، ونحن معهم على الصراط نفسه.

فمَن آمن بعيسى وكفر بمحمد أو موسى أو غيرهما من الأنبياء عليهم السلام: فهو كافر؛ فالرب واحد والدين واحد، ومن آمن بمحمد وكفر بأي نبي قبله: فهو كافر كذلك.

ومثله يقال في الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام، وليس الأمر متعلقًا – فقط – بعيسى عليه السلام والإنجيل، ولا بموسى عليه السلام والتوراة.

ولو كان الإنجيل الذي بين يدي النصارى الآن غير محرَّف لما وسعهم إلا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } أي: النبي صلى الله عليه وسلم.

لذا لا يمكننا أن نتصور نصرانيًا بحق، آمن بعيسى بحق، وعنده الإنجيل غير المحرف ثم يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم!

وكيف يفعل وقد أخذ الله العهد على نبيه عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقه وينصره إذا خرج في زمانه؟ ومثل هذا العهد أخذه الله تعالى على كل الأنبياء، قال الله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ  وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }   [ آل عمران / 81 ، 82 ].

وكيف يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ودينه وهو يعلم أن عيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان ويحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم؟.

 

ثالثًا:

وبالنسبة للبنوك، يوجد عندنا في الشرق الأوسط منها الكثير، وهي قائمة على ما تقوم عليه البنوك عندكم وعند غيركم في الشرق والغرب، فهي امتداد للمؤسسات اليهودية القائمة على استنزاف أموال الناس عن طريق أكل الربا وإطعامه للآخرين.

ويوجد عندنا – كذلك – بنوك ترفع راية المعاملات الشرعية البعيدة عن الربا، لكن يشوبها شوائب، لا يمكن لها التخلص منها في ظل أنظمة اقتصادية قائمة على الربا.

 

رابعًا:

لا يرى الإسلام أن الصرع – دائمًا – يسببه الجن، بل منه ما هو منه، ومنه ما هو عضوي.

قال الإمام ابن القيم – وهو من الأطباء العلماء -:

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج  الصرع:

أخرجا في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، فقال: إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله لكِ أن يعافيكِ، فقالت: أصبِر، قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها “.

قلت: الصرع صرعان:

صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة.

والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه.

وأما صرع الأرواح: فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه مقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدفع آثارها، وتعارض أفعالها، وتبطلها، وقد نص على ذلك ” أبقراط ” في بعض كتبه، فذكر بعض علاج  الصرع، وقال: هذا إنما ينفع في الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح: فلا ينفع فيه هذا العلاج.

أما جهلة الأطباء وسقَطُهم وسفَلتُهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة: فأولئك ينكرون صرع الأوراح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها، وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع ” المرض الإلهي “، وقالوا: إنه من الأرواح وأما ” جالينوس ” وغيره فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا: إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر بالجزء الإلهي الظاهر الذي مسكنه الدماغ، وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها.

وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده، ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك مِن جهل هؤلاء وضعف عقولهم.

وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان؛ فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا لأمرين: أن يكون السلاح صحيحًاك في نفسه جيِّدًا، وأن يكون الساعد قويًّا، فمتى تخلف أحدهما: لم يغن السلاح كثيرَ طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعًا؟ يكون القلب خرابًا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ولا سلاح له.

والثاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: ” اخرج منه ” أو يقول: ” باسم الله ” أو يقول: ” لا حول ولا قوة إلا بالله ” والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ” اخرج عدو الله أنا رسول الله “، وشاهدت شيخنا – أي: ابن تيمية – يرسل إلى المصروع مَن يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لكِ الشيخ اخرجي؛ فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه، وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا…

وأما  صرع الأخلاط: فهو علة تمنع الأعضاء النفيسة عن الأفعال والحركة والانتصاب منعًا غير تام، وسببه: خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة، فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذًا ما من غير انقطاع بالكلية، وقد يكون لأسباب آخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء، ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبًا بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا.

وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادثة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة، وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها، لا سيما إن جاوز في السن خمسًا وعشرين سنة، وهذه العلة في دماغه وخاصة في جوهره؛ فإن صرع هؤلاء يكون لازمًا، قال ” أبقراط “: إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا.

” الطب النبوي ” ( ص 51 – 55 )، أو ” زاد المعاد ” ( 4 / 66 – 71 ).

 

خامسًا:

وأما قولك: ( الاختلاط بين الرجال والنساء منتشر جدًا في أستراليا وكثير من المسلمين يختلطون وأنا أعجب من ذلك. ).

فإننا نعجب مما تعجب منه أيضًا، ولم يكن في يوم من الأيام فعل أحد من المسلمين دليلًا على شرعية فعله، بل المرجع في الحكم على الأفعال والتصرفات إنما هو الشرع المطهَّر.

ومما لا شك فيه أن الشرع جاء بتحريم الاختلاط، وقد سبق ذكر ذلك في بعض الأجوبة.

قال ابن القيم:

ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال قال مالك رحمه الله ورضي عنه: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصياغ في قعود النساء إليهم وأرى ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصياغ فأما المرأة المتجالة والخادم الدون التي لا تتهم على القعود ولا يتهم من تقعد عنده فإني لا أرى بذلك بأسًا. انتهى.   

           فالإمام مسئول عن ذلك والفتنة به عظيمة قال صلى الله عليه وسلم “ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء” ( البخاري 4088 ومسلم 2740 ) -،    وفي حديث آخر أنه قال للنساء “لكن حافات الطريق ” ( أبو داود 5272 وله شواهد يصح بها كما في ” السلسلة الصحيحة 2 /  511 ) -.

……….. وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهم في الطريق.   

          فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك. 

ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. 

فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعا لذلك.  ” الطرق الحكمية ” ( ص 406 ، 407  ، 408 ).

 

والله أعلم.

كيف يرد على طائفة ” الإجة محمد ” تعتقد ربوبية بعض أتباعها ويطلقون على أنفسهم الله؟!!.

السؤال:

توجد طائفتان إسلاميتان زائفتان في الأمة الإسلامية (طائفة “الإجة محمد”) التي تعتقد بالتشبيه.  وقد بلغ ببعض أتباع هذه الطائفة أن أطلقوا على أنفسهم “الله”.  وهم أيضا يحاولون استخدام الترجمة القاديانية للقرآن محاولين بذلك إثبات صحة اعتقاداتهم.  فكيف أدحض اعتقادات مدعي الربوبية (الرجل-الرب) باستخدام الكتاب والسنة؟  ليس فقط بالنسبة “لأمة الكفر”، بل أيضا للنصارى.

(ملاحظة: بعض الكلمات غير صحيحة والنص غير واضح – المترجم)

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لابد أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن هذه الأمة ستفترق.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ” تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على  ثلاث وسبعين”، وفي رواية ابن ماجه ( 3993 ) من حديث أنس: ” كلها في النار إلا واحدة “.

رواه الترمذي ( 2640 )، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.

فإذا علم هذا فإن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة واحدة وهي المتمسكة بالكتاب والسنة ظاهرًا وباطنًا.

 

ثانيًا:

أن مدعي الربوبية هو أكفر من مشركي العرب قبل الإسلام الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فالمشركون في الجاهلية كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت والدليل على ذلك قوله تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله }[ لقمان / 25].

ومع ذلك لم يرفع الله عنهم الشرك والكفر لأنهم كفروا بتوحيد العبودية وهو إفراد الله بأفعال العباد؛ فكانوا يسجدون لغير الله ويذبحون لغير الله، فشركهم الحقيقي كان إشراك العبادة مع الله فكانوا يشركون مع عبادتهم لله الأصنام والأوثان ويظنون أنها تنفع أو تضر من دون الله ولذلك قال الله تبارك وتعالى على لسانهم:{ أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب } [ ص / 5 ].

وقال أيضا: { والذين كفرا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [ الزمر / 3 ].

وهذا يدل على أن مشركي العرب أقل كفرًا ممن ذكرهم السائل لأن مشركي العرب كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية وهؤلاء يكفرون به.

 

 

ثالثًا:

إن الله سبحانه وتعالى قد دحض في القرآن شبهات مدعي الربوبية، فقال الله تبارك وتعالى:{ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }[ الأنبياء / 21 ]، وقال الله تبارك وتعالى:{ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون } [ المؤمنون / 91 ].

وفي قصة محاجة إبراهيم لمدَّعى الربوبية خير وسيلة للمحاجة قال الله تبارك وتعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين }[ البقرة / 258 ].

فخذ بمثل هذا الأسلوب فقل لمدعي الربوبية إن كان ما تقولون حقا فليؤتوا بالشمس من المغرب أو فليحيوا الأموات أو فلينزلوا المطر من السماء أو فليخرجوا الزرع من الأرض.

 

رابعًا:

ومن الوسائل كذلك لمحاجاتهم بالعقل أن العقول الصحيحة والفطر السليمة قد اتفقت على أن الله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق فهو حي لا يموت وقيوم لا ينام ولا يلد ولا يولد ولا يحتاج إلى شيء مما تحتاج إليه المخلوقات فهل يستطيع هؤلاء الذين ادعوا الربوبية أن يفروا من الموت؟ أو هل يستطيعوا أن يهربوا من الأمراض أو الأسقام؟ فالجواب قطعا أنهم لا يستطيعون ، فكيف يكون هذا الناقص المنقوص هو الرب تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.

 

خامسًا:

إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن الدجال الذي سيخرج في آخر الزمان سيدَّعي الربوبية وقد أخبر كل مسلم كيف يحاجه ويقطع الشك باليقين فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدجال هذا أعور، والله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق فمبدع هذا الكون وهذا الإنسان بهذا التناسق العجيب لابد أن يكون له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدجال أعور فعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما – قام رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال:” إني لأنذركموه وما من نبي إلا أنذره قومه لقد أنذر نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور “. رواه البخاري ( 2892 ) ، ومسلم ( 169 ).

وهذه الدلالة  دلالة ظاهرة لكل من يراها فلو كان هذا الدجال هو الرب الذي أبدع هذا الكون بهذا الجمال لاستطاع هو أن يرفع القبح عن نفسه وأن يرفع العور عن نفسه.

 

 

 

سادسًا:

لابد أن يعلم المسلم أن مثل هذه الفرق كالطائفة التي ذكرها والقاديانية والبهائية وغيرها من الفرق الضالة  ما أوجدت إلا لمحاربة الإسلام وإبعاد أهله عنه وبيان ضلالها وزيفها لا يحتاج إلى جهد جهيد  لإبطاله وبيان زيفه، وعلى المسلم أن يحذر المسلمين من هذه الفرق الضالة .

 

سابعًا:

وأما بالنسبة لدحض دين النصارى فلا يحتاج إلى كبير جهد ومن أفضل من رد عليهم بشكل مختصر ابن القيم -رحمه الله تعالى- إذ قال:

 

أعبَّاد المسيح لنا سؤال          نريد جوابه ممن وعاه؟

إذا مات الإله بصنع قوم                 أماتوه فما هذا الإله

وهل أرضاه ما نالوه منه                فبشراهم إذاً نالوا رضاه

وإن سخط الذي فعلوه فيه               فقوتهم إذاً أوهت قواه

وهل بقي الوجود بلا إله                 سميع يستجيب لمن دعاه

وهل خلت الطباق السبع                 لما ثوى تحت التراب وقد علاه

وهل خلت العوالم من إله                يدبرها وقد سمّرت يداه

وكيف تخلت الأملاك عنه               بنصرهم وقد سمعوا بكاه

وكيف أطاقت الخشبات                  حمل الإله الحق شد على قفاه

وكيف دنا الحديد إليه                 حتى   يخالطه ويلحقه أذاه

وكيف تمكنت أيدي عداه                 وطالت حيث قد صفعوا قفاه

وهل عاد المسيح إلى حياة               أم المحيي له رب سواه

ويا عجبا لقبر ضم رباً                   وأعجب منه بطن قد حواه

أقام هناك تسعاً من شهور               لدى الظلمات من حيض غذاه

وشق الفرج مولوداً صغيرًا             ضعيفا فاتحاً للثدى فاه

ويأكل ثم يشرب ثم يأتي                 بلازم ذاك هل هذا إله

تعالى الله عن إفك النصارى            سيسأل كلهم عما افتراه

أعباد الصليب   لأي معنى              يعظم أو يقبح من رماه

وهل تقضى العقول بغير كسر         وإحراق له ولمن بغاه

إذا ركب الإله عليه كرها                وقد شدّت لتسمير يداه

فذاك المركب الملعون حقاً              فدسه لا تبسه إذ تراه

يهان عليه رب الخلق طراً              وتعبده فإنك من عداه

فإن عظمته من أجل أن                  قد حوى رب العباد وقد علاه

وقد فقد الصليب فإن رأينا               له شكلا تذكرنا سناه

فهلا للقبور سجدت طرًا                 لضم القبر ربك في حشاه

فيا عبد المسيح أفق                       فهذا بدايته وهذا منتهاه

 

” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 291 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

من الذي كتب القرآن وكيف تم تجميعه وترتيبه؟

السؤال:

أدرس في كلية في الولايات المتحدة. وأطرح هذا السؤال عليك لأستفيد منه في بحثي (وذكرت اسم المادة).

من الذي كتب القرآن وكيف تم تجميعه وترتيبه؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لابد أن نعلم أن القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة مدة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين كما صح ذلك عن عائشة -رضي الله عنها- من قولها.  رواه البخاري ( 4159 ).

ثانيًا:

كان الصحابة – رضي الله عنهم – يحفظون ويكتبون ما نزل من القرآن على جذوع الأشجار والحجارة وعلى اللحائف.

ثالثًا:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة شيءٍ سوى القرآن ونهاهم عن كتابة كلامه مؤقتا  حتى تتوافر همم الصحابة على حفظ القرآن وكتابته  ولا يختلط كلامه بكلام الله تعالى .

رابعًا:

وكَّل النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة الأمناء الفقهاء حتى يكتبون الوحي، وهم ما عرفوا في تراجمهم بكتاب الوحي كعبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت وغيرهم.

خامسًا:

ولابد أن نعلم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

رواه البخاري( 2287 )، ومسلم ( 818 ).

ومثال ذلك قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة }[ الحجرات /  6 ]. وفي قراءة أخرى: { فتثبتوا}

والتبين والتثبت بمعنى واحد ولكن بعض العرب يستعمل التبين عن الاستخبار والآخر يستعمل التثبت وهكذا.

سادسًا:

بقي القرآن محفوظًا في صدور الحفاظ الصحابة وعلى جذوع الأشجار واللحائف إلى زمان الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي  حروب الردة قتل كثير من حفاظ الصحابة فخشي أبو بكر- رضي الله عنه -أن يذهب القرآن ويضيع في صدور الصحابة، فاستشار كبار الصحابة لجمع القرآن كاملا في كتابٍ واحدٍ حتى يبقى محفوظًا من الضياع، وأوكل المهمة إلى جبل الحفظ زيد بن ثابت وغيره من كتاب الوحي  فأخرج البخاري في ” صحيحه ” ( 4986 ) عن  زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال:” أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن،وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله  صلى الله عليه وسلم؟! قال عمر: هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم } حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنه “.

وكان الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه يحفظ القرآن ولكن اتخذ منهجا في التثبت فكان لا يقبل أن يكتب آية إلا أن يُشهد على ذلك اثنين من الصحابة أنهما سمعاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واستمر هذا المصحف بيد الخلفاء إلى زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان الصحابة رضي الله عنهم قد تفرقوا في البلاد وكانوا يقرؤون القرآن على حسب ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحرف السبعة، فكان تلاميذهم يقرأ كل واحد منهم على حسب ما أقرأه شيخه.

وكان التلميذ إذا سمع قارئاً يقرأ على لفظ فيه اختلاف عن قراءته أنكر عليه وخطأه وهكذا خشي بعض الصحابة أن تحدث فتنة بين التابعين ومن بعدهم فرأى أن يجمع الناس على قراءة واحدة لرفع الخلاف وحسم الأمر فاستشار عثمان رضي الله عنه فوافق على هذا الرأي.

فروى البخاري في “صحيحه” ( 4702 ) عن ابْنِ شِهَابٍ الزهري أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. انتهى.

وبذلك انقطع الخلاف بين من دخل في دين الله واتفقت الكلمة على ما كتبه أولئك الصحابة وأجمع عليه من سمعه من الباقين ، وهو ما سمي بـ ” مصحف عثمان “.

سابعًا:

وأما بالنسبة لترتيب القرآن فهو اجتهادي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن قال إنه توقيفي استدل بحديث ضعيف لا يصح.

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قلت لعثمان بن عفان:” ما حملكم أن  عمدتم  إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول ما حملكم على ذلك؟، فقال عثمان :كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما أنزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فوضعتها في السبع الطوال”.

رواه الترمذي ( 3806 )، وأبو داود ( 786 )، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

قال العلامة الشنقيطي- رحمه الله -:

يؤخذ من هذا الحديث أن ترتيب القرآن بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك بلا شك وكما يفهم منه أيضا أن ترتيب سوره بتوقيف أيضا عدا سورة براءة وهذا أظهر الأقوال ودلالة الحديث عليه ظاهرة. ” أضواء البيان ” ( 2 / 427 ).

قلت: لكن الحديث ضعيف، فلا يصلح للاستشهاد.

وعلة الحديث: يزيد الفارسي وهو مجهول .

عن حذيفة قال: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح بالبقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها……  رواه مسلم ( 772 ).

 

 

 

* قال النووي:

قال القاضي عياض: فيه دليل لمن يقول إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف, وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم بل وَكَله إلى أمته بعده. قال: وهذا قول مالك وجمهور العلماء, واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني, قال ابن الباقلاني: هو أصح القولين مع احتمالهما .

قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين، والتعليم, وأنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نص, ولا حد تحرم مخالفته, ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان.

قال: واستجاز النبي صلى الله عليه وسلم والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين.

قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان, وإنما اختلاف المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير, فيتأول قراءته صلى الله عليه وسلم النساء أولا ثم آل عمران هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب, وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبيّ

قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى, وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير صلاة .

قال: وقد أباحه بعضهم .

وتأويل نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها.
قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف, وهكذا نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلام القاضي عياض. والله أعلم. شرح مسلم ” ( 6 / 61، 62 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

والقرآن في زمانه لم يكتب، ولا كان ترتيب السور على هذا الوجه أمرًا واجبًا مأمورا به من عند الله، بل الأمر مفوض فى ذلك إلى اختيار المسلمين، ولهذا كان لجماعة من الصحابة لكل منهم اصطلاح فى ترتيب سوره غير اصطلاح الآخر.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 353 ، 354 ).

 

والله أعلم.

خائفة على زوجها من سحر أبويه!.

السؤال:

تزوجت دون أن يحصل زوجي على موافقة والديه. أنا مطلقة وعندي أطفال، ووالديه لم يكونا ليوافقا على هذا الزواج. ومنذ ما يقارب العام, وهما يحاولان بكل طريقة ممكنة أن يجعلا زوجي يتركني. إنه يعاملهما بمحبة كبيرة وباحترام وبرفق مع أن والده يضربه حتى الآن.إنه يبكي ويطلب منهما السماح, لكنهما يصران على طلاقي وإلا فإنهما سيعتبرانه قد مات عليهما.

إنهما يقيمان معنا في هذا الوقت. إنهما يطلقان علي كل كلمة بذيئة يمكنهما التلفظ بها. أنا أطبخ لهما وأبقى هادئة وأظهر لهما الاحترام.  لقد هددا بأنهما لن يترددا عن فعل إي شيء للتفريق بيني وبين زوجي، حتى وإن وصل الأمر لقتلي.

لقد قاما بربط شريط في يد زوجي وقالا إنه يحوي بعض الأدعية وأنه سيحافظ على سلامة.  وقد قرأت ما ذكرتَه حول السحر (الأسود)، وقد قمنا بفتحه فلم نجد أية سور فيه.  لقد كان يغطيه شريط لاصق، وكان هناك سكر ملتصق به وغراء غريب وبلاستيك. كان هناك قوالب (ربما تقصد جدول) وأرقاما عربية وأحرفا.

هل يمكن أن يكون هذا نوع من الدعاء, أم أنه نوع من السحر (العمل)؟

إذا كان ليس نوعا من الدعاء, فماذا علي أن أفعل؟

أرجو أن تساعدني وترشدني فأنا مرعوبة جدا. لقد مررت بحياة مؤلمة, وزوجي شخص يحسن إلى في المعاملة كثيرا، وكلٌ منا سعيد بالآخر.

بل إننا تزوجنا بعد أن رأى زوجي مناما فيه النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلبت حضرة عائشة شخصيا منه أن يتزوج بي.  لم نكن متمسكين بالدين سابقا, ونحن نسأل الله أن يغفر لنا.  لكننا نحاول جهدنا الآن أن نستقيم على الإسلام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

طاعة الرجل لوالديه أو أحدهما – إن أمراه بطلاق زوجته – فيها ثلاثة أحكام:

الوجوب: إذا كان في طلاق المرأة مصلحة دينية، وفي إبقائها مفسدة دينيَّة وكان الأبوان من أهل العلم والصلاح وحسن الطوية، ولم يكن أمرهما اتباعاً للهوى والفساد.

والدليل على هذا:

أ – عن ابن عباس: ” …….  فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غيرعتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟، قالت: الماء، قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه قال فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ ،فأخبرته أنا بخير قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة  بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. رواه البخاري ( 3184 ).

أما الدليل الثاني:

ب- عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: كانت تحتي امرأة أحبُّها وكان عمر يكرهها، فقال عمر: طلِّقها، فأبيتُ فذَكر ذلك للنَّبيِّ  صلى الله عليه وسلم  فقال: أطع أباك، وطلِّقْها، فطلقتها.  رواه الترمذي ( 1198 )، وابن حبان( 427 )، وقال الألباني في ” صحيح الجامع ” (950): (حسن).

ولهذا قال المناوي: ولو أمر بطلاق زوجته، قال جمع: امتثل؛ لخبر الترمذي عن ابن عمر قال: كان تحتي امرأةٌ أحبها وكان أبي يكرهها فأمرني بطلاقها فأتيت رسول الله فذكرت له ذلك فقال: طلِّقها.

قال ابن العربي في ” شرح الترمذي “: صح وثبت، وأول من أمر ابنَه بطلاق امرأته الخليل – أي: إبراهيم عليه السلام – وكفى به أسوة وقدوة، ومِن برِّ الابن بأبيه أن يكره مَن كرهه، وإن كان له محبًّا، بيد أن ذلك إذا كان الأب من أهل الدين والصلاح يحب في الله ويبغض فيه ولم يكن ذا هوى، قال: فإن لم يكن كذلك استحب له فراقها لإرضائه ولم يجب عليه كما يجب في الحالة الأولى فإن طاعة الأب في الحق من طاعة الله وبره من بره. ” فيض  القدير ” ( 4 / 262 ).

ولعل الشوكاني قصد هذا في قوله: ( قوله: ” طلِّق امرأتك ” هذا دليل صريح يقتضي أنه يجب على الرجل إذا أمره أبوه بطلاق زوجته أن يطلقها وإن كان يحبها فليس ذلك عذراً له في الإمساك، ويلحق بالأب الأم؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بيَّن أنَّ لها من الحق على الولد ما يزيد على حق الأب ….  ” نيل الأوطار ” ( 7 / 4 ).

الندب والاستحباب:

وهذا إن كان الأبوان من أهل الصلاح والعلم والورع وأمرا ولدهما أن يطلق زوجته التي لم يعهدا عنها سوءا ولا فسادا في دينها، وطلبا من ولدهما أن يطلق زوجته لا لاتِّباع الهوى وقصد الإفساد، ولكن لبعض المصالح الدنيويَّة التي يريانها.

وهذا هو الذي أشار إليه المناوي قبل قليل من كلام ابن العربي: قال: فإن لم يكن كذلك استحب له فراقها لإرضائه ولم يجب عليه كما يجب في الحالة الأولى فإن طاعة الأب في الحق من طاعة الله وبره من بره. ” فيض القدير ” ( 4 / 262 ).

عدم الوجوب وعدم الاستحباب، بل وكراهية ذلك:

هذا إن كان الوالدان لم يقصدا من طلاق ولدهما لزوجته جلب الخير ودفع المفسدة، وإنما أرادا ذلك لرغبة نشأت من قبل الحسد أو الجهل وقلة العلم والتدين فهنا يحل له عدم طاعة والديه.

ولعل ابن تيمية – رحمه الله تعالى – أراد ذلك ببعض أجوبته فقد سئل عن رجل متزوج وله أولاد ووالدته تكره الزوجة وتشير عليه بطلاقها، هل يجوز له طلاقها؟

الجواب: الحمد لله

لا يحل له أن يطلقها لقول أمِّه، بل عليه أن يبر أمه، وليس تطليق امرأته من برها، والله أعلم. ” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 145 – 155 ).

 

ثانيًا:

نرى – والله أعلم – إن كان الأمر كما وصفتيه – أنه لا تجب طاعة والدي زوجك بما يأمران به زوجَك، وعلى زوجِك الصبر على هذا البلاء، وليعامل والديه بالحسنى مع محاولة إقناعهما بأن ما يقومان به ليس من الشرع ولا من طاعة الله تعالى، لا سيما ما يقومان به من استعمال أمور الشعوذة والرقى المحرمة.

وعلى زوجك أن يتجرأ بإظهار شخصيته أمام والديه، وعليه أن يظهر لهما حزمه وصلابته بالتي هي أحسن.

 

ثالثًا:

للتخلص من شرور الشعوذة التي يقومان بصنعها لزوجكِ، على زوجك أن ينزع عنه هذا الشريط وأمثاله ولا يبقيه في يده، بل عليه أن يتخلص من كل عملٍ يعملانه له – من أعمال الشعوذة وغيرها – وألا يقرهما عليه.

والعلاج والتداوي من السحر والشعوذة من مكتوب أو مقروء يكون بالمحافظة على أوامر الدين وعلى الصلوات والأدعية وقراءة القرءان وغير ذلك من الطاعات المقربة إلى الله تعالى.

 

وأخيرًا:

ننصحكما بمزيد من الاستقامة على البرِّ والتقوى، وعلى طاعة الله تعالى ، والتقرب إليه تعالى بفعل الطاعات، وهجر المعاصي والمنكرات، ولا تنسيا الدعاء فإنَّه مفتاح لحل المعضلات، وهو الحبل المتين ما بينكما وبين رب العالمين، فتضرعا إلى الله تعالى بأن يفرج عنكما الكرب إنَّه سميع الدعاء.

 

والله أعلم.