الرئيسية بلوق الصفحة 48

اختلاف أجور الطاعات باختلاف مقاصد فاعليها ومتى يكون المباح قربة وطاعة

اختلاف أجور الطاعات باختلاف مقاصد فاعليها ومتى يكون المباح قربة وطاعة

السؤال:

كيف نوجِّه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما جاء عند أبي داود برقم ( 2516 ) و حسَّنه الألباني -: ” أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له ) فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فقال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرَض الدنيا فقال ( لا أجر له ) فقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الثالثة فقال له ( لا أجر له ) “.

فهل يُحمل مثل ابتغاء فضل الله في الحج فيستطيع الرجل الجهاد مع طلبه المغنم أم لا يصح جهاده حتى تعف نفسه عن المغنم؟.

وأيضًا: هل يمكن الاستدلال على طلب عرضٍ من أعراض الدنيا الحلال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما جاء بسند حسن في ” السلسلة الصحيحة ” رقم ( 6 / 1225 ) -: ( يا جدّ هل لك في جِلاد بني الأصفر؟ ) قال جدّ: أو تأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت بنات بني الأصفر أن أُفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو معرض عنه – ( قد أذنتُ لك ) فعند ذلك أنزل الله ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ).

وآخر استفساراتي: هل يثاب المرء على أعمال الخير – الصالحة أعني – وإن كان لا ينوي الآخرة وإنما يعمله من باب عادته مثل: القيام بمساعدة الآخرين، وبر الوالدين لأنه يحبهما ويرفق بهما، وكذلك رعايته بزوجته لأنه يحبها – أقصد من طُبعَ على ذلك مثل حديث ” أشج بن قيس ” – وإن كان الرجل يثاب على فعل الخير بعاداته وإن لم يكن فيه استحضار للآخرة: فكيف نوجه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: ” في بُضع أحدنا صدقة ” و ” إطعام الأهل إذا احتسبه صدقة ” …؟.

جزاكم الله خيرًا

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

للإجابة على الشق الأول من سؤالك نقول:

ما شرعه الله تعالى من الطاعات والعبادات قسمان:

الأول: منه ما لم يَذكر له أجرًا دنيويًّا.

والثاني: ما ذَكر له ذلك؛ لحث المسلم على أدائه والقيام به.

أما القسم الأول: فهذا لا يجوز أن يكون مع العمل نية أخرى، وهذا يصدق على أكثر الطاعات والعبادات، وعلى رأسها الصلاة، فمن صلَّى ومع نية الصلاة نية تمرين للجسم: فلا يؤجر عليها، ومن صام ومع نية الصوم نية تخفيف الوزن: فلا يؤجر على صيامه؛ وذلك أنه لم يُذكر في الشرع أن تلك الطاعات شرعت لتلك الفوائد والمنافع ولم يأت الحث عليها من أجل تحصيلها، فتكون نيتها غير داخلة في دائرة الجواز، نعم، يمكن أن تلحق تلك الفوائد بتلك العبادات لكن لا تُنوى؛ لأنها عبادات وطاعات لا تحتمل غير نية التقرب.

وأما القسم الثاني: فيجوز أن ينوي المسلم النية الأخرى الجائزة مع نية العبادة، ولولا أنه يجوز للمسلم أن ينوي النية الأخرى لما كان لذكرها في الشرع فائدة، ومن أمثلة ذل:

أ. صلة الرحم، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تكون سببًا لبسط الرزق والبركة – أو الزيادة – في العمُر.

عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ: فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ).

رواه البخاري ( 1961 ) ومسلم ( 2557 ).

ب. الحج، وقد أباح الله تعالى فيه – مع نية العبادة – الابتغاء من فضله بالتجارة.

قال تعالى ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ) البقرة/ 198.

ج. الجهاد، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مع الجهاد نية الحصول على الغنائم والسراري.

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – عام حنين -: ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ).

رواه البخاري ( 2973 ) ومسلم ( 1751 ).

– والسَّلَب: هو ما يوجد مع المحارب من مال ومتاع ولباس وسلاح.

ومنه حديث جدّ بن قيس الذي ذكره السائل – على فرض حُسنه – وفيه قوله صلى الله عليه وسلم له ( يا جدّ – وهو ابن قيس – هل لك في جِلاد بني الأصفر – يعني الروم – تتخذ منهم سراري ووُصفاء؟ ).

وما ذكرناه من تلك الطاعات والعبادات مما يجوز للمسلم أن ينوي مع الطاعة أمرًا دنيويًّا ليس يستوي الناس فيه في الأجور، فكلما قويت نية العبادة زاد أجر فاعلها، وكلما قويت نية الحظ الدنيوي نقص الأجر الأخروي، فإذا نوى الفاعل لها الحظ الدنيوي لا غير: حُرِم من الأجور الأخروية، وبذلك تُفهم النصوص الثابتة مما ذكره الأخ السائل ومما لم يذكره.

 

 

وبيان ذلك في مثال واحد – وهو باب الجهاد مما استشكله السائل -:

  1. فمن جاهد في سبيل الله تعالى فقتُل: فقد تمَّ له الأجر كاملًا، وكذا لو لم يقتل لكنه لم يصب من الغنيمة شيئًا.
  2. وإذا غنِم المجاهد في سبيل الله شيئًا فإن ما حصَّله من غنائم يكون جزءً من أجوره، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقي لهم من أجورهم الثلث ليوم القيامة.

وتجد هذين الأمرين في حديث واحد صحيح:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ). رواه مسلم ( 1906 ).

وفي رواية: ( مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ ).

وقد عقل الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر وبيَّنوا أن منهم من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنهم من حصَّل منه شيئًا وهي الغنائم.

عن خَبَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ” هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا “.

رواه البخاري ( 1217 ) ومسلم ( 940 ).

وما ذكرناه لا يتعارض مع حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ). رواه البخاري ( 2955 ) ومسلم ( 1876 ).

فإنه مطلَق والسابق مقيَّد، ففي هذا الحديث ذِكر أنهم يحصلون أجورًا لكن لم يتعرض الحديث لنقصها مع الغنيمة، وقد بيَّنته الروايات السابقة الصحيحة.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلَم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي فى مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم: فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله ” منَّا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنَّا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها ) أي: يجتنيها.

فهذا الذي ذكرنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا، فتعين حمله على ما ذكرنا.

وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته فى تفسيره أقوالًا فاسدة منها: قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولايجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل غنيمة، قال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حميد بن هانئ راوية مجهول ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة فرجحوه على هذا الحديث لشهرته وشهرة رجاله، ولأنه فى الصحيحين وهذا في ” مسلم ” خاصة.

وهذا القول باطل من أوجه:

فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة ولم يقل إن الغنيمة تُنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق وهذا مقيد فوجب حمله عليه.

وأما قولهم: أبو هانئ مجهول: فغلط فاحش، بل هو ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد وحيوة وبن وهب وخلائق من الأئمة، ويكفي فى توثيقه احتجاج مسلم به فى صحيحه.

وأما قولهم: إنه ليس فى الصحيحين: فليس لازمًا فى صحة الحديث كونه فى الصحيحين، ولا فى أحدهما.

وأما قولهم في غنيمة ” بدر “: فليس في غنيمة ” بدر ” نصٌّ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم ومِن أهل الجنة لا يلزم ألا تكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه مع أنه شديد الفضل عظيم القدر.

ومن الأقوال الباطلة: ما حكاه القاضي عن بعضهم أنه قال: لعل الذى تعجل ثلثي أجره إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها! وهذا غلط فاحش؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر.

وزعم بعضهم أن المراد: أن التى أخفقت يكون لها أجر بالأسف على ما فاتها من الغنيمة فيضاعف ثوابها كما يضاعف لمن أصيب فى ماله وأهله! وهذا القول فاسد مباين لصريح الحديث.

وزعم بعضهم أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معًا فنقص ثوابه، وهذا أيضًا ضعيف، والصواب ما قدمناه، والله أعلم.

” شرح مسلم ” ( 13 / 52 ، 53 ).

  1. ومن خرج للغزو لا نية له إلا الغنيمة: لم يحصِّل من أجور المجاهد شيئًا.

وعليه يُحمل الحديث الذي ذكره السائل وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا أجر له )، وقد جاء في سؤال السائل أن ذلك المجاهد ” يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا “.

 

ومنه أيضًا:

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى ).

رواه النسائي ( 3138 ) وحسنه الألباني في ” صحيح النسائي “.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ففرْقٌ بين مَن يكون الدِّين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خَلاق، كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها . ” مجموع الفتاوى ” ( 26 / 20 ).

وقال ابن رجب – رحمه الله -:

فإنْ خالطَ نيَّةَ الجهادِ مثلاً نيّةٌ غير الرِّياءِ، مثلُ أخذِ أجرة للخِدمَةِ، أو أخذ شيءٍ مِنَ الغنيمةِ، أو التِّجارة: نقصَ بذلك أجرُ جهادهم، ولم يَبطُل بالكُلِّيَّة، وفي ” صحيح مسلم ” عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّ الغُزَاةَ إذا غَنِموا غنيمةً تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهِم فإنْ لم يغنَمُوا شيئاً تمَّ لهُم أجرُهم ).

وقد ذكرنا فيما مضى أحاديثَ تدلُّ على أنَّ مَنْ أراد بجهاده عَرَضًا مِنَ الدُّنيا أنَّه لا أجرَ له، وهي محمولةٌ على أنَّه لم يكن له غرَضٌ في الجهاد إلاَّ الدُّنيا.

وقال الإمامُ أحمدُ: التَّاجِرُ والمستأجر والمُكاري أجرهم على قدر ما يخلُصُ من نيَّتهم في غزاتِهم ، ولا يكونُ مثل مَنْ جاهَدَ بنفسه ومالِه لا يَخلِطُ به غيرَهُ.

وقال أيضًا فيمن يأخذُ جُعْلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجلِ الدَّراهم: فلا بأس أنْ يأخذَ، كأنّه خرجَ لدينِهِ، فإنْ أُعطي شيئًا أخذه.

وكذا رُوي عن عبد الله بن عمرٍو قال: إذا أجمعَ أحدُكم على الغزوِ فعوَّضَه الله رزقًا: فلا بأسَ بذلك، وأمَّا إنْ أحَدُكُم إنْ أُعطي درهمًا غزا وإنْ مُنع درهمًا مكث: فلا خيرَ في ذلك. وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نيَّةُ الغازي على الغزو: فلا أرى بأسًا.

وهكذا يُقالُ فيمن أخذَ شيئًا في الحَجِّ ليحُجَّ به: إمَّا عَنْ نفسه، أو عَنْ غيرِه، وقد رُوي عَنْ مُجاهد أنّه قال في حجِّ الجمَّال وحجِّ الأجيرِ وحجِّ التَّاجِر: هو تمامٌ لا يَنقُصُ من أُجُورهم شيءٌ، وهذا محمولٌ على أنَّ قصدهم الأصليَّ كان هو الحجَّ دُونَ التَّكسُّب. ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 17 ).

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الأعمال المباحة واكتساب الأجور منها: فإن هذا ممكن في الشرع إذا احتسب المسلم تلك الأفعال لله تعالى، فينوي مع الاستمتاع بكونها مباحة أن تكون قربة له عند ربه عز وجل، كأن يحتسب نومته ليتقوى بها على طاعة ربه، وما لم ينوِ من ذلك شيئًا: لم يُؤجر.

قالَ مُعَاذُ بنُ جبَل رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري لمّا سأله عن قيام الليل: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنْ النَّوْمِ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي. رواه البخاري ( 4086 ).

وما سبق فهو في المباح يصير طاعة وقربة، وفي السنَّة الصحيحة أنه يمكن أن يصير أداء الواجب فيه أجر وثواب إذا احتسب المسلم عند فعله الطاعة أنه يمتثل لربه تعالى، وأنه يريد الأجر منه تعالى، فتصير نفقته الواجبة عليه صدقة له.

وبذلك تُفهم الأحاديث الثابتة في الباب، والتي منها ما أشار إليها الأخ السائل، وهما حديثان:

الأول:

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ ).

رواه البخاري ( 56 ) ومسلم ( 1628 ).

قال النووي – رحمه الله -:

فيه: استحباب الإنفاق في وجوه الخير، وفيه: أن الأعمال بالنيات، وأنه إنما يثاب على عمله بنيته، وفيه: أن الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى، وفيه: أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى: صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم ( حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ) لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها: فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى: حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى، ويتضمن ذلك: أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله تعالى: يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام وليقضي حقها وليحصل ولدًا صالحًا، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( وفي بُضع أحدكم صدقة ). ” شرح مسلم ” ( 11 / 77 ، 78 ).

والثاني:

عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ).

رواه البخاري ( 5036 ) ومسلم ( 1002 ).

والفرق:

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

معنى ( يحتسبها ): ينوي بها طاعة الله، ويرجو ثوابها منه، فبذلك تجري نفقته مجرى الصدقة. ” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 434 ).

قال النووي – رحمه الله – :

ومعناه: أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلًا، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب: أن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وأطفال أولاده والمملوك وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم واختلاف العلماء فيهم، وأن غيرهم ممن ينفق عليه مندوب إلى الإنفاق عليهم، فينفق بنية أداء ما أُمر به، وقد أمر بالإحسان اليهم.

” شرح مسلم ” ( 7 / 88 ، 89 ).

 

ونأمل أن نكون قد أجبنا عن الاستفسارات وأزحنا الإشكالات، ونسأل الله تعالى لنا ولك العلم النافع والعمل الصالح.

 

والله أعلم.

 

ماذا يصنع مع أمه المريضة نفسيّا والتي ترفض تزوجه؟

ماذا يصنع مع أمه المريضة نفسيّا والتي ترفض تزوجه؟

السؤال:

أرجو أن تساعدوني بهذا الاستشكال الشرعي وذلك بالتفصيل الوافي.

فأنا في مشكلة غريبة من نوعها، فقد قدر لي الله أن تكون أمي من الأمهات الغريبات الأطوار، فمنذ صغري وأنا ألاحظ أنها تنزعج من أي منظر رجولي يظهر عليَّ أو على أحد إخوتي، ومع تقدمي في السن بدأت المشكلة تتضح لي أكثر، فهي في الحقيقة لا تريد منَّا أي ميول للجنس الآخر، والآن أصبحنا رجالا نبحث عن شريكة الحياة، وهنا وصلت المشكلة إلى ذروتها، فمجرد أن أفتح معها الموضوع تبدأ بالصراخ والبكاء تارة أخرى، وتهدد أن لن يجمعنا سقف واحد إذا تزوجتُ.

أخي:

أنا شاب أعزب أنعم الله عليَّ بحسن المظهر، نسيب في قومي، أحمل الشهادة، وأهم من كل هذا أنا أخشى على ديني، فالفتن من حولي أمواج تتقلب، والحرام أقرب إليَّ من شراك نعالي، ولكن أخاف من سخط هذه الوالدة التي أجزم دون أي شك أنه لا يرضيها إلا أن أبقى عازبا طوال حياتي.

ما هو الحل الشرعي لمثل هذه المسالة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. قرأنا رسالتك – أيها الأخ السائل – وتألمنا للحال التي عليها والدتك، ونحن نقدِّر شعورك تجاهه والدتك وتألمك لحالها، فنسأل الله تعالى لك الأجر والثواب على صبرك وتحملك.

 

  1. واعلم أخي السائل أن الحل لمشكلتك هو بعرض والدتك على أطباء الاختصاص للقيام بمعالجتها؛ فهي – ولا شك – مريضة وتحتاج للعلاج، ونوصيك بها خيرا بالدعاء لها، ومراعاة حالها، والبر بها، والإحسان إليها بالقول والعمل.

 

  1. ولست معذورا بتأخير زواجك بسبب رفض والدتك؛ فهي مريضة، ولا قيمة لاعتراضها على تزوجك، ولن تكون عاصيا لربك ولا عاقّا لها إن أنت خالفت قولها وتزوجت.

 

 

 

 

  1. وفي الوقت نفسه ندعوك للتريث قليلا إذا بدأت بعلاجها وأخبرك الأطباء بأنه يمكن أن تبرأ من مرضها قريبا؛ لتجمع بين تحقيق رغبتك بالتزوج، وبين رضاها عن زواجك ومشاركتك فرحتك وسعادتك، فتُدخل على قلبها السعادة والبهجة.

 

  1. وإن أخبرك الأطباء بتأخر شفائها وكنت لا تستطيع تحمل تأخير الزواج: فبادر، ولا تتأخر، وليكن ذلك بعيدا عن عين والدتك، ولا تمكنها من مشاهدة عرسك.

 

  1. واحذر أن تجمع بينها وبين زوجتك قبل أن تبرأ من مرضها؛ فقد تتسبب بإيذائها أو الضرر بها بسبب غيرتها وعدم تحمل رؤية ابنها زوجا.

 

ونسأل الله تعالى أن يشفيها ويعافيها، وأن ييسر لك أمرك، ويجزيك خير الجزاء على برك بأمك وإحسانك إليها.

 

والله أعلم.

 

حكم معرفة طبائع الناس وصفاتهم من خلال أبراجهم!

حكم معرفة طبائع الناس وصفاتهم من خلال أبراجهم!

السؤال:

يتعلق بأبراج الميلاد كالميزان والجوزاء وما إلى ذلك، وأنا أعلم أنه من الشرك قراءة الطالع كما أعلم أن تصديق المنجمين ينطبق عليه ذات الحكم، لكن ما حكم معرفة برج الشخص وقراءة خصائص شخصيته؟ فأنا على سبيل المثال من مواليد برج الميزان وخصالي الشخصية تتطابق تماما مع الخصال الشخصية لبرج الميزان، وهناك معلومة تقول بأن مولود برج الميزان يتناغم مع مولود برج الثور، وفي رأيي فإن هذا ليس من قراءة الطالع أو المستقبل بل إنها ببساطة مناقشة خصال الشخصية وخصائصها، وعندما تواجهني مشكلة مع صديقتي التي هي من مواليد الجوزاء وأقرأ على الإنترنت كيف أتعامل مع قلق أو غضب مواليد برج الجوزاء وأطبق ما قرأته: فإن المشكلة تحل، فهل هذا أيضا حرام أو شرك؟ وأنا لا أرفض تكوين صداقات أو عروض زواج مستقبلية بناء على معلومات ملائمة هذه الأبراج معي، فهل يكون هذا حراماً أيضًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

القارئ لـ ” أبراج الحظ ” في الجرائد والمجلات، والطالع لها في القنوات: إن اعتقد أن النجوم والأفلاك والكواكب تؤثر في الخلق وأفعالهم: فهو مشرك، وإن قرأها وطالعها للتسلية: فهو عاصٍ، آثم، ولا يقبل الله منه أجر صلاة أربعين يومًا.

 

ثانيًا:

وأما من اعتقد أن مواليد كل برج لهم صفات معينة، وأنه لا يعتقد تأثير تلك الأبراج في صفات الخلق: فقد اعتقد باطلًا لا أصل له، وهو مرفوض شرعًا وعقلًا، وكل عاقل في الدنيا يعلم أنه يولد في الساعة الواحدة مئات الألوف من الناس، وأن أولئك المولودين في اللحظة الواحدة لا يحملون الصفات نفسها، فضلًا عن مواليد اليوم نفسه، فضلًا عن مواليد الشهر الواحد.

ومما يدل على بطلان ذلك الاعتقاد: اختلاف المنجمين أنفسهم في عدد البروج، وفي أسمائها، وفي مدتها، وفي دلالتها على طباع الخلق وصفاتهم.

* قال الدكتور عبد المجيد بن سالم المشعبي – وفقه الله -:

الوجه السابع: اختلاف أصحابها في الأصول التي يبنون عليها أمرهم، ويفرغون عنها أحكامهم فمن ذلك:

أولًا: اختلافهم في البروج التي نؤثر في هذا العالم – بزعمهم -، والتي تبنى عليها أحكامهم، والاختلاف فيها في ثلاثة أمور:

الأمر الأول:

في أسمائها: تختلف أسماء البروج بين أمم المنجمين اختلافًا بيِّنًا، فالبروج عند اليونانيين والمصريين والعرب اثنا عشر برجًا، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسركان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.

أما الصينيون فالبروج عندهم كما يلي: برج الفأر، والقط، والحصان، والديك، والجاموس، والتنين، والماعز، والكلب، والنمر، والثعبان، والقرد، والخنزير.

الأمر الثاني: اختلاف أحكامهم في دلالة هذه البروج على طباع الناس بناء على اختلافهم في أسمائهم، إذا أنهم جعلوا طبائع المولود تابعة لطبيعة الحيوان الذي سمِّي باسمه البرج الذي ولد فيه هذا المولود، ولنأخذ مثالًا على ذلك قول أبي معشر في مواليد برج الحمل باعتباره أول البروج عند اليونانيين ومن تابعهم قال: ” المولود بهذا البرج يكون رجلًا أسمر اللون، طويل القامة، كبير الرأس، صعب المراس، سريع الغضب، قريب الرضا، سريع الانتقال من مكان إلى مكان، يقول الحق ويكره الباطل، لا يعمل إلا برأيه، ويكون استقلاله بمشورته فيه بعض فساد تارة، وتارة يستغني، حاله حسن، صبورًا على الأهوال “.

فقد استمدوا بعض صفات الحمَل وجعلوها صفات لمواليد هذا البرج كما مضى من قول أبي معشر: ” سريع الغضب، قريب الرضا، وثابًا، سريع الانتقال من مكان إلى مكان … ” وهذه صفات الحمَل.

وكذلك فعل الصينيون ، إلا أنهم بحكم اختلافهم في البروج جعلوا للمولود صفات تختلف عن الصفات التي جعلها اليونانيون، فأول البروج عند الصينيين – كما سبق – برج الفأر، وقالوا في صفات من ولد فيه، ” ولد الفأر في برج الفتنة، والعدوان، وهو يبدو للوهلة الأولى هادئًا متزنًا، فرحًا، ولكن حذار، فإن تحت هذا المظهر الوديع يكمن مزيج من العدوان والقلق المتواصل، والفأر خلاق للمواقف الحرجة، مهتم بتوافه الأمور، مختل الأعصاب أحيانًا، بادئ بالتذمر دائمًا، ويميل الفأر أن يكون ضمن مجموعة “، وهذه صفات الفأر، طبقوها على من ولد في هذا البرج.

الأمر الثالث: اختلافهم في المدة التي تجعل لكل برج: لا شك أن اليوم الواحد بل الساعة الواحدة لها أثر في اختلاف حكم النجوم المزعوم، فكيف لو امتدت المدة أشهرًا؟! بلا ريب سيكون الاختلاف واضحًا بين الحكمين – على حد زعمهم – إلا أننا نجد أن مدة كل برج عند اليونانيين وأتباعهم ما يقارب الشهر، فيكون أثر هذا البرج خلال هذه المدة، أما الصينيون فقد جعلوا لكل برج من بروجهم سنة كاملة، وهذا يجعل جميع مواليد أبراج اليونانيين تحت حكم واحد، وهذا البون الشاسع دلالة واضحة على كذب هؤلاء.

” التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام ” ( ص  215، 217 ).

 

ولذا: فإنه لا يجوز لك الاعتماد على تحديد صفات الناس من خلال معرفة تاريخ ميلادهم وبرجهم الذين ينتسبون إليه، فكل ذلك من الباطل، والكذب، وهو من تضييع الأوقات في غير فائدة، ومن البناء على أسس مهترئة، ويُخشى على فاعل ذلك أن يعتقد تأثير تلك الأبراج في أهلها، فيقع في الشرك الأكبر، وعليه: فيحرم عليك ما تسألين عنه، وننصحك بالاشتغال بحفظ القرآن، وقراءة كتب أهل العلم الثقات، كما يمكنك قراءة الكتب المصنفة في الدعوة وطريقة التعامل مع المدعوين، ففيها الغنية والكفاية إن شاء الله.

 

والله أعلم.

 

 

 

التعليق على ما انتشر من قصة خلق حواء من آدم وهو نائم!

التعليق على ما انتشر من قصة خلق حواء من آدم وهو نائم!

السؤال:

انتشرت مؤخرًا بعض المعلومات التي تخبر عن كيفية خلق الله لحواء، أريد تعليقكم حول الموضوع، والأدلة على صحته من الكتاب والسنَّة – هذا إذا كان صحيحًا -.

أنقل لكم الموضوع كما وجدته في المنتديات:

حين خلق الله آدم عليه السلام كان هو أول بشري وُجد، كان يسكن الجنة، وبالرغم من كل ما هو موجودٌ هناك استوحش، فحين نام خلق الله حواء من ضلعه.

يا تُرى ما السبب؟.

لِم خُلقت حواء من آدم وهو نائم؟! لِم لم يخلقها الله من آدم وهو مستيقظ؟! أتعلمون السبب؟ يُقال: إن الرجل حين يتألم يكره، بعكس المرأة التي حين تتألم تزداد عاطفةً وحبّاً! فلو خٌلقت حواء من آدم عليه السلام وهو مستيقظ: لشعر بألم خروجها من ضلعه وكرِهها، لكنها خُلقت منه وهو نائم حتى لا يشعر بالألم فلا يكرهها، بينما المرأة تلد وهي مستيقظة، وترى الموت أمامها، لكنها تزداد عاطفة وتحب مولودها؟ بل تفديه بحياتها.

لنعدْ إلى آدم وحواء، خُلقت حواء من ضلعٍ أعوج، من ذاك الضلع الذي يحمي القلب،  أتعلمون السبب؟ لأن الله خلقها لتحمي القلب، هذه هي مهنة حواء، حماية القلوب، فخُلقت من المكان الذي ستتعامل معه، بينما آدم خُلق من تراب لأنه سيتعامل مع الأرض،  سيكون مزارعًا و بنّاءً وحدّادًا ونجَّارًا، لكن المرأة ستتعامل مع العاطفة، مع القلب، ستكون أمًّا حنونًا، وأختًا رحيمًا، وبنتًا عطوفًا، وزوجةً وفية.

خرجنا عن سياق قصتنا.

لنعدْ الضلع الذي خُلقت منه حواء أعوج!.

يُثبت الطب الحديث أنه لولا ذاك الضلع لكانت أخف ضربة على القلب سببت نزيفًا، فخلق الله ذاك الضلع ليحمي القلب، ثم جعله أعوجًا ليحمي القلب من الجهة الثانية، فلو لم يكن أعوجاً لكانت أهون ضربة سببت نزيفًا يؤدي – حتمًا – إلى الموت، لذا على حواء أن تفتخر بأنها خُلقت من ضلعٍ أعوج!.

وعلى آدم أن لا يُحاول إصلاح ذاك الاعوجاج؛ لأنه وكما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إن حاول الرجل إصلاح ذاك الاعوجاج كسرها، ويقصد بالاعوجاج هي العاطفة عند المرأة التي تغلب عاطفة الرجل، فيا آدم لا تسخر من عاطفة حواء فهي خُلقت هكذا، وهي جميلةٌ هكذا وأنتَ تحتاج إليها هكذا، فروعتها في عاطفتها فلا تتلاعب بمشاعرها.

ويا حواء لا تتضايقي إن نعتوكِ بناقصة عقل فهي عاطفتكِ الرائعة التي تحتاجها الدنيا كلها، فلا تحزني أيتها الغالية فأنتِ تكادِ تكونين المجتمع كله فأنتِ نصف المجتمع الذي يبني النصف الآخر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذه المعلومات بذاك التفصيل لم ترد في القرآن ولا في السنَّة، وأصلها مأخوذ من حكايات إسرائيلية، والزيادات والإضافات لا أصل لها حتى في كتب بني إسرائيل.

وقد روى الطبري – وغيره – عن محمد بن إسحاق ما يبين أن أصل القصة مأخوذ من بني إسرائيل.

فقد روى الطبري في ” تفسيره ” ( 1 / 514 ) عن ابن إسحاق قال: لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال: ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) إلى قوله: ( إنك أنت العليم الحكيم )، قال: ثم ألقى السِّنةَ على آدم – فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم ، عن عبد الله بن عباس وغيره – ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأةً ليسكن إليها، فلما كُشِف عنه السِّنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال – فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي ودمِي وزوجتي، فسكن إليها، فلما زوّجه الله تبارك وتعالى وَجعل له سكنًا من نفسه قال له قبيلًا ( يا آدم اسكنْ أنتَ وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين ). انتهى.

– ومعنى ” قبِيلًا ” أي: عِيانًا.

 

ثانيًا:

وثمة أشياء في تلك التفاصيل تحتاج لتعليق وبيان، وبعضها مؤيَّد عندنا بأدلة ثابتة في الشرع المطهر، وبعضها فيه خلاف، وقسم ثالث فيه مخالفة للشرع.

  1. قولهم ” حين خلق الله آدم عليه السلام كان هو أول بشري وُجد “: صحيح متفق عليه، فآدم عليه السلام هو أول مخلوق من البشر، وهو أبو البشرية كلها عليه السلام.
  2. قولهم ” كان يسكن الجنة، وبالرغم من كل ما هو موجودٌ هناك استوحش ” ثم ذكروا أنه خُلقت له حواء لتزول وحشته: هذا ليس متفقًا عليه، بل فيه خلاف، فثمة من أهل العلم من يقول إن حواء خُلقت بعد دخول آدم الجنة – كما ها هنا -، وثمة من يقول إنها خُلقت قبل دخوله الجنة، وهذا ظاهر القرآن.

قال ابن كثير – رحمه الله – في شرح قوله تعالى ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) -:

وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة، وقد صرَّح بذلك ” محمد بن إسحاق “، … .

ويقال: إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة، كما قال السدي في تفسيره، ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة … .  ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 233 ، 234 ).

وهو ما رجحه أبو الحسن الماوردي في كتابه ” أعلام النبوة ” ( ص 54 ).

  1. قولهم ” فحين نام خلق الله حواء من ضلعه “: ليس على كون حواء خلقت أثناء نوم آدم دليل من الكتاب والسنَّة، وإنما هو مأخوذ من التوراة وغيرها من كتب بني إسرائيل.

ففي ” سِفر التكوين ” ( 2 / 18 – 23 ): ” لا يَحسن أن يبقى آدم وحده، بل نخلق له زوجاً مثله، فألقى الله عليه النوم، فنام فنَزَع ضلعًا من أضلاعه، وأخلف له عوضه لحمًا، فخلق الله من ذلك الضلع حواء زوجته “.

وسبق تصريح محمد بن إسحاق أن القصة مأخوذة عن بني إسرائيل.

وقال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

جاءت هذه الزيادة عن جمع من الصحابة موقوفًا من طريق أسباط بن نَصْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ بْنِ شُرَاحَبِيلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُو :” أُخْرِجَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلُعِنَ ، وَأُسْكِنَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ لَهُ: ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ )، فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحْشِيّاً لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ، وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ضِلْعِهِ، فَسَأَلَهَا: مَا أَنْتِ؟ قَالَتِ: امْرَأَةٌ. قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُنَ إِلَيَّ … ” الحديث .

أخرجه ابن منده في ” التوحيد ” ( 1 / 213 ، 214 )، وقال :” أَخْرَجَ مُسْلِمُ عَنْ مُرَّةَ، وَعَنْ السُّدِّيِّ، وَعَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ، وَأَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ فِي ” كِتَابِهِ “، وَهَذَا إِسْنَادٌ ثَابِتٌ! “.

كذا قال! وأسباط مختلف فيه، وقال الحافظ في ” التقريب “:

” صدوق كثير الخطأ، يُغرب “.

فهو إسناد ضعيف، مع كونه موقوفًا فكأنه من الإسرائيليات.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 1138 ، 1139 ).

 

 

 

 

  1. وقولهم ” خلق الله حواء من ضلعه ” – أي: من ضلع آدم -: فيه خلاف بين علماء الإسلام، فمنهم من يرى هذا، وأنه حقيقة هي مخلوقة من ضلع من أضلاع آدم عليه السلام، يرى آخرون أنه لم يثبت نص في الشرع في خلق حواء من ضلع آدم، وإنما الوارد في السنة الصحيحة أنها ( خُلِقَت مِنْ ضِلَع )، وأن قوله تعالى ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) هو مثل قوله تعالى ( خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل )، وإلى الأول ذهب طائفة من العلماء ورجحه علماء اللجنة الدائمة، وإلى الثاني ذهب طائفة ورجحه الشيخ الألباني.

وعمدة من قال بأن حواء مخلوقة من آدم: آية وحديث:

  1. أما الآية فقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً ) النساء/ 1.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ثم لما خلقه من طين: خلق منه زوجَه حواء، كما قال في أول النساء ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) النساء/ 1، وقال في ” الأعراف ” ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الأعراف/ 189، وقال في ” الزمر ” ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الزمَر/ 6 ، ثم لما خلق الرجل والمرأة: كان وجود جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة الخ.

” أضواء البيان ” ( 5 / 322 ).

وقال – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) الآية، ذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن إليها، أي: ليألفها ويطمئن بها.

” أضواء البيان ” ( 2 / 46 ).

  1. وأما الحديث: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ).

رواه البخاري ( 3153 ) ومسلم ( 1468 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وفيه دليل لما يقوله الفقهاء – أو بعضهم -: أن حواء خلقت من ضلَع آدم، قال الله تعالى ( خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها )، وبيَّن النبي صلى الله عليه و سلم أنها خلقت من ضلع. ” شرح مسلم ” ( 10 / 57 ).

وأما أصحاب القول الآخر فقد ذكروا أن قوله تعالى ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) ليس المراد بالنفس الواحدة العين الواحدة وهو آدم عليه السلام، بل المراد بالنفس: الجنس، وقد جعل الله تعالى من هذا الجنس زوجَه، ولم يجعل زوجَه من جنس آخر، فقال تعالى ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا )، وإطلاق النفس وإرادة الجنس ثابت في كتاب الله تعالى، كما في قوله تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) آل عمران/ 164، أي: من جنسهم.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وقد روى ابن سعد ( 1 / 39 ) وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: ( وخلق منها زوجها )، قال :” خَلق ” حواء ” من قُصَيْرى آدم ” – وهو أعلى الأضلاع وأسفلها، وهما ” قٌصَيْريان ” -.

وذكر ابن كثير في ” البداية ” ( 1 / 74 ) عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أنها خُلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم، ولأمَ مكانه لحمًا، وقال :” ومصداق هذا في قوله تعالى … ” فذكر الآية، مع الآية الأخرى: { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ اِلَيْهَا … ) الآية، لكن الحافظ – أي: ابن حجر – أشار إلى تمريض هذا التفسير في شرح قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( استوصوا بالنساء خيرًا فان المرأة خلقت من ضِلَع … )، فقال ( 6 / 368 ):

قيل: فيه إشارة إلى أن ” حواء ” خلقت من ضلع آدم الأيسر “.

وقال الشيخ القاري في ” شرح المشكاة ” ( 3 / 460 ): ” أي : خُلقن خلقًا فيه اعوجاج، فكأنهن خلقن من الأضلاع، وهو عظم معوج، واستعير للمعوج صورة، أو معنى، ونظيره في قوله تعالى: ( خُلق الإنسَانُ مِنْ عَجَل ) “.

قلت: وهذا هو الراجح عندي، أنه استعارة وتشبيه، لا حقيقة، وذلك لأمرين :

الأول: أنه لم يثبت حديث في خلق حواء من ضلع آدم – كما تقدم – .

والآخر: أنه جاء الحديث بصيغة التشبيه في رواية عن أبي هريرة بلفظ: ( إن المرأة كالضِلَع ” أخرجه البخاري ( 5184 )، ومسلم ( 4 / 178 )، وأحمد ( 2 / 428 و 449 و 530 ) وغيرهم من طرق عن أبي هريرة، وصححه ابن حبان ( 6 / 189/4168 – ” الإحسان “. وأحمد أيضًا ( 5 / 164 و 6 / 279 ) وغيره من حديث أبي ذر، وحديث عائشة رضي الله عنهم.” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 1139 ، 1140).

والأقرب للصواب – والله أعلم – هو القول الأول، وهو ما رجحه علماء اللجنة الدائمة، وهو قول الأكثر من العلماء.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع ) متفق عليه.

يقول الشيخ ” شعيب الأرناؤوط ” في تحقيقه وتعليقه على كتاب ” رياض الصالحين ” للإمام النووي تحت هذا الحديث معلِّقًا على هذا الحديث بقوله: ” الكلام هنا على التمثيل والتشبيه كما هو مصرح به في الرواية الثانية: ( المرأة كالضلع )، لا أن المرأة خلقت من ضلع آدم كما توهمه بعضهم، وليس في السنة الصحيحة شيء من ذلك “.

فضيلة الشيخ:

هذا ما قاله الشيخ الأرناؤوط بالحرف الواحد، مع أن المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول بالحرف الواحد وبكل وضوح: ( إن المرأة خلقت من ضلع ) ومصداق هذا – أظن – في قوله تعالى: ( الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) النساء/ 1، وفي قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الأعراف/ 189، وفي قوله: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) الروم/ 21، وفي قوله: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) النحل/ 72، وقد قال أهل التفسير: يعنى: النساء، فإن حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام.

فضيلة الشيخ:

هل ما قاله الشيخ الأرناؤوط صحيح أم خطأ؟ وما توجيهكم للحديث الذي احتج به: ( المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج ) – متفق عليه -؟ أجيبونا مأجورين.

فأجابوا:

ظاهر الحديث أن المرأة – والمراد بها: حواء – عليها السلام – خلقت من ضلع آدم، وهذا لا يخالف الحديث الآخر الذي فيه تشبيه المرأة بالضلع، بل يستفاد من هذا نكتة التشبيه، وأنها عوجاء مثله؛ لكون أصلها منه. والمعنى: أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فلا ينكر اعوجاجها، فإن أراد الزوج إقامتها على الجادة وعدم اعوجاجها: أدى إلى الشقاق والفراق وهو كسرها، وإن صبر على سوء حالها وضعف عقلها ونحو ذلك من عوجها: دام الأمر واستمرت العشرة، كما أوضح ذلك شراح الحديث، ومنهم الحافظ ابن حجر في ” الفتح ” ( 6 / 368 ) رحم الله الجميع.

وبهذا يتبين أن إنكار خلق حواء من ضلع آدم: غير صحيح.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 8 – 11 ).

وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكان خلْق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإن حواء خُلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلْق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء.  ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” ( 4 / 55 ).

– وانظر ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 27 )، وانظر ” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 242 ) لابن القيم.

  1. وأما قولهم ” لِم خُلقت حواء من آدم وهو نائم؟! لِم لم يخلقها الله من آدم وهو مستيقظ؟! أتعلمون السبب؟ يُقال: إن الرجل حين يتألم يكره “: فلم نرَ هذا في الكتاب ولا في السنَّة، ومثل هذا – أي: خلق حواء من آدم وهو نائم وتعليل ذلك – يحتاج لوحي لإثباته لأنه من عالم الغيب، وغاية ما وقفنا عليه أنه من كلام بعض العلماء دون نسبته للشرع.

قال الحافظ بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قال مقاتل بن سليمان: نام آدم نومة في الجنَّة فخلقت حواء من قصيراه من شقه الأيمن، من غير أن يتألم، ولو تألم لم يعطف رجل على امرأة أبدًا.

” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 23 / 134 ).

  1. قالوا ” إن الرجل حين يتألم يكره، بعكس المرأة التي حين تتألم تزداد عاطفةً وحبًّا”.

وقلنا: هذا لا دليل عليه من الشرع، ولا من الواقع.

  1. قالوا ” فلو خٌلقت حواء من آدم عليه السلام وهو مستيقظ: لشعر بألم خروجها من ضلعه وكرِهها، لكنها خُلقت منه وهو نائم حتى لا يشعر بالألم فلا يكرهها “.

قلنا: وهذا كسابقه، والحب والبغض بيد الله تعالى، وقد جعل له أسبابًا، وليس منه ما يقال هنا، والله تعالى قادر أن يحبِّب حواء لو خلقت من آدم وهو مستيقظ ومتألم من ذلك، وقادر أن يبغضها له ولو خلقت منه وهو نائم من غير ألم.

ثم من الذي شهد نوم آدم وخلق حواء منه؟ ومن الذي أخبر به الناس؟ إن مثل هذا الغيب لا يُقبل إلا بوحي.

  1. قالوا ” بينما المرأة تلد وهي مستيقظة، وترى الموت أمامها، لكنها تزداد عاطفة وتحب مولودها؟ بل تفديه بحياتها “.

قلنا: الولادة ليست خَلْقًا! والأم تتعلق بولدها حتى لو أجريت لها الولادة وهي غائبة عن الوعي، أو وهي مخدرة لا تشعر بألم الولادة، وليس تعلق الأم بولدها سببه ما تعانيه من مشقة ولادة، بل ما فطرها الله عليه من حبها له.

  1. قالوا ” لأن الله خلقها لتحمي القلب، هذه هي مهنة حواء، حماية القلوب “.

قلنا: ليست هذه مهنة المرأة، ولا لأجل ذلك خُلقت، بل خلقها الله تعالى وخلق الإنس والجن كلهم لإقامة التوحيد، ولإفراد الله تعالى بالعبادة.

ثم أي قلب ستحينه هذه المرأة الضعيفة؟ قلب أبيها أم أمها أم زوجها أو أولاها أم إخوتها؟.

  1. قالوا ” آدم خُلق من تراب لأنه سيتعامل مع الأرض، سيكون مزارعًا و بنّاءً وحدّادًا ونجَّارًا “.

قلنا: ليست هذه وظائف الرجال في الأرض ليس ثمة غيرها، فأين العمل في التجارة؟ وأين العمل في الحاسوب؟ وأين العمل في الطيران؟.

وقد تظهر أشياء أخرى عند مزيد تأمل، أو تظهر لغيرنا ملاحظات غير التي ذكرنا، وبكل حال فقد ذكرنا ما في شرعنا مما يغنينا عن غيره، وذكرنا ملاحظاتنا على ما ليس في الشرع مما يحتاج لتنبيه، والخير في اتباع الشرع المطهر من الكتاب والسنة.

 

والله أعلم.

 

 

 

أخوها مصاب بمرض ” انفصام الشخصية ” فهل إذا مات غير مسلم يكون كافرًا؟

أخوها مصاب بمرض ” انفصام الشخصية ” فهل إذا مات غير مسلم يكون كافرًا؟

السؤال:

يعاني أخي من مرض عقلي ( انفصام الشخصية )، فلو مات دون أن يقر بالإسلام دينًا وهو نوعا ما ناتج عن مرضه الذهني هذا، فهل يكون مصيره النار!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جعل الله تعالى دين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأديان، وأرسل نبيه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم للعالَمين جميعًا، فمن دخل في هذا الدين نجا وسعد، ومن أبى الدخول فيه كان كافرًا وفي جهنم خالدًا، ومهما كان متبعًا لدينه ورسوله فإنه لا ينفعه حتى يكون من المسلمين، قال تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/ 85, ولهذا خاطب الله تعالى الناس عمومًا بالدخول في الإسلام، وخاطب أهل الكتاب بذلك حتى لا يتصور أحدهم أنه ناجٍ باتباعه لنبيه، فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) النساء/ 47.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحكم في صريح القول كما جاء في صحيح الحديث، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ). رواه مسلم ( 153 ).

قال النووي – رحمه الله -:

فيه نسخ الملل كلها برسالة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهذا جار على ما تقدم في الأصول: أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح، والله أعلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ) أي: من هو موجود فى زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليهم الدخول فى طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على مَن سواهما؛ وذلك لأن اليهود النصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى.

” شرح مسلم ” ( 2 / 188 ).

 

 

 

ولم يُجمع المسلمون على كفر من لم يدخل الإسلام ممن بلغته الرسالة وهو من المكلفين فحسب: بل قد أجمعوا على كفر من لم يكفِّر ذلك الكافر، بل كفر من شكَّ في كفره.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص حكم أخيك فإنه يختلف تبعًا لطبيعة مرضه: فإن كان مرض ” انفصام الشخصية ” – الشِيزُوفْرِينيا Schizophrenia وهو مرض عقلي لكن أهله يتفاوتون في درجاتهم فيه- لا يؤثر في العقل بما لا يرفع عنه التكليف: فإنه يجب عليه الدخول في الإسلام، وإن لم يدخل فيه كان حكمه حكم سائر الكفار في الدنيا والآخرة.

وأما إن كان مرض ” انفصام الشخصية ” يؤثر في العقل بما لا يجعله مكلَّفًا: فهو على حالين:

الأول: أن يكون ذلك المرض طارئًا عليه بعد أن كان بالغًا عاقلًا، فهنا لا يكون معذورًا بذلك المرض؛ لأنه كان مخاطبًا ومكلَّفًا قبل مرضه.

الثاني: أن يكون ذلك المرض مصاحِبًا له من أول حياته قبل البلوغ واستمر معه، فهنا يقال: إن مات وهو مصاب به قبل أن يشفى: لم يكن مخاطَبًا ولا مكلَّفًا، وحكمه: أنه يُختبر يوم القيامة؛ لأن له حجة عند الله تعالى، وما كان ليعذِّب أحداً غير مخاطب بالتكليف، قال تعالى ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء/  15.

وعن الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَرْبَعَةٌ يحتجون يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الإِسْلامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلامًا )

– وفي رواية: ( فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلامًا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا ).

رواه الإمام أحمد ( 26 / 228 ) وابن حبان ( 16 / 356 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع : ( 883 ).

 

والله أعلم.

النصح لمن اشتغل بتفضيل عالم على آخر في المنزلة والعلم

النصح لمن اشتغل بتفضيل عالم على آخر في المنزلة والعلم

السؤال:

يا شيخنا العزيز رأينا مؤخرا أناسا يدخلون في مناظرات حيث يرفع بعض الناس أناسا آخرين فوق الأئمة الأربعة، فهناك على سبيل المثال من يرفع ابن تيمية فوق الإمام الشافعي ومالك وأحمد، وهناك الآن من يقول بأن هناك أئمة الآن أفضل من ابن تيمية، كيف يمكن لهذا أن يكون صحيحا؟ أرجو أن تجيبوا بشيء من التفصيل.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لا شك ولا ريب في وجود تفاوت بين الناس، والعلماء من الناس الذين تتفاوت درجتهم ومنزلتهم، كما يتفاوت علمهم، وإذا علمنا أن الأنبياء عليهم السلام يتفاوتون لم يكن مستغربا وجود تفاوت بين العلماء، قال تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) البقرة/ 253.

 

  1. أما التفاوت في الفضل والمنزلة عند الله تعالى: فلا يحل لأحدٍ أن يتجرأ على القول به؛ لأن ذلك من الغيب الذي لم يُطلعه الله تعالى على ذلك المفضِّل، فليوكل أمر ذلك إلى العالم بخلقه عز وجل فهو المطلع على إخلاص الخلق وصدقهم، وهو العالم بالأقرب منهم إليه سبحانه وتعالى.

 

  1. وأما التفاوت بين العلماء في العلم: فإن الحكم عليه ليس للعوام، ولا للجهلة، ولا للمقلدين، ولا للمتعصبين، وإن حكم هؤلاء لا قيمة له ولا وزن ولا اعتبار، وإنما الحكم لأهل العلم الذين صدقوا مع أنفسهم في حكمهم، ولم نرهم اشتغلوا بتصنيف الناس أيهم أكثر علما إلا لمناسبة اقتضت ذلك، ولم يكن ذلك منهم على سبيل التنقص من الآخر.

* قال تاج الدين السبكي – رحمه الله -:

الدخول بين أئمة الدين والتفضيل بينهم لمن لم يبلغ رتبتهم: لا يحسن،  ويخشى من غائلته في الدنيا والآخرة،  وقلَّ من استعمله فأفلح … وربما كان سببا إلى الوقيعة في العلماء الموجبة لخراب الديار. ” الأشباه والنظائر ” ( 2 / 328 ).

 

 

 

 

  1. وقد كان العقلاء من العلماء يعرفون للعلماء – وخاصة من السلف المتقدمين – فضلهم وعلمهم، فلم يكونوا يدخلون العوام في متاهات التفضيل، وكانوا يحطون من قدر أنفسهم ويعلون من قدر من سبقهم من أهل العلم.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وأهل العلم النافع على ضد هذا، يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء، ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها، وما أحسن قول أبي حنيفة وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل؟ فقال: واللَه ما نحن بأهلٍ أن نذكرهم فكيف نفضل بينهم.

* وكان ابن المبارك إذا ذكَر أخلاق من سلف ينشد:

لا تُعرِض بِذِكرِنا مَع ذِكرِهِم … لَيسَ الصَحيحُ إِذا مَشى كَالمُقعَدِ

” فضل علم السلف على الخلف ” ابن رجب ( ص 9 ) ترقيم الشاملة.

 

  1. وبعض الجهلة المعاصرين ظنَّ من أكثر من تسويد الصفحات وأكثر من التصنيف أنه قد فاق من قبله في العلم ! وأنه قد سبقهم في المعرفة والاطلاع، وهذا لا ريب أنه باطل، وإن شيخه الذي حكم له بذلك لا يرضى بحكمه الجائر، وظننا أنه يوبخه ويعزره لو علم أنه يفضله في العلم – فضلا عن المنزلة – على سلف هذه الأمة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض مَن توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله! ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين! وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولاً ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله: كان أعلم ممن كان أقل منهم قولاً بطريق الأولى، كالثوري، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضا.

فإن هؤلاء كلهم أقل كلاما ممن جاء بعدهم، وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمَّة قلوبا، وأعمقها علوما، وأقلها تكلفا، وروي نحوه عن ابن عمر أيضا، وفي هذا إشارة إلى أن مَن بعدهم أقل علوما وأكثر تكلفا.

وقال ابن مسعود أيضا: ” إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه وقلَّ قوله فهو الممدوح ومن كان بالعكس فهو مذموم “، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالإيمان والفقه وأهل اليمن أقل الناس كلاما وتوسعا في العلوم لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام: ما كان مأثورا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق.

” فضل علم السلف على الخلف ” ( ص 5 ) ترقيم الشاملة.

 

  1. ولما سبق – جميعه -: لا يجوز للمسلم أن يشتغل بتصنيف العلماء أيهم أكثر علما، وليدع ذلك لأهل الاختصاص، وما رأينا تفضيلاً من العامة وأشباههم إلا ومعه تنقيص لآخرين من أهل العلم والفضل، وفي ذلك اشتغال بما يضر صاحبه، مع ما فيه من تضييع للأوقات، فأولئك العلماء وصلوا إلى ما وصلوا إليه بتوفيق الله لهم بإخلاصهم، واجتهادهم، وتعبهم على أنفسهم ببذل الأوقات في التعلم، وبذل الأجساد في الرحلة، وبذل الأموال في شراء الكتب، فليشتغل هؤلاء المفضلون بما اشتغل به أولئك الأعلام، وليكن منهم الثناء والتبجيل لكل من خدم دين الله تعالى، وعلَّم الناس العلم النافع، فالعلماء ورثة الأنبياء، ولا ينتظر أولئك الورثة إلا ما يستحقونه الاعتراف بفضلهم وعلمهم وأثرهم الحسن على الناس.

 

والله أعلم.

 

 

حكم لبس العريس في زواجه إكليلًا من الزهور

حكم لبس العريس في زواجه إكليلًا من الزهور

السؤال:

ما حكم لبس أكاليل الورد في المناسبات مثل الزواج أو العقيقة؟ لأن هذا الفعل شائع جدّا هنا في الهند وباكستان، وهل هذا الفعل بدعة؟.

الإكليل هو ” حبل طويل عليه بعض الورود والأزهار يلبس على الرقبة “.

 

الجواب:

الحمد لله

أوّلًا:

تلقى المسلمون عن الكفار إهداء الورود للمرضى، ووضع أكاليل الزهور على قبور موتاهم، وكلا الأمرين منكر، من جهة تلقي تلك العادة السيئة من الكفار، ومن جهة أخرى أنه تضييع للأموال، فما فائدة ورود وزهور تبذل لها الأموال لتذبل بعد فترة وجيزة، ولا يستفيد منها حي ولا ميت؟!.

 

ثانيا:

والذي نعلمه أن وضع أكاليل الزهور في بلادكم – الهند – هو عادة تميز بها الهندوس الكفار، ولا تُعلم عند المسلمين، وهم يشتركون في ذلك مع النصارى الذين يضعون هذا الإكليل حول العريس وعروسته في الكنيسة بعد عقد الزواج، فصار وضع الإكليل على العريس متحققا فيه ما ذكرناه سابقا من التشبه وتضييع الأموال.

ولسنا نحرم زينة الله التي أخرج لعباده، فقد خلق الله تعالى الزهور والورود زينة وبهجة للنفوس، برؤيتها وشمها، لكن حديثنا هنا عن عادات خاصة في استعمالها متلقاة من الكفار تناسب عقولهم وفراغهم الروحي ومجاملاتهم الفارغة، وحديثنا عن بذل الأموال الطائلة في شرائها أو صنع إكليل منها وسرعان ما تجف وتذبل، وأما من اشترى الورود والزهور ووضعها في إناء في بيته فهذا لا يمنع منه أحد على أن لا تبذل فيه أموال طائلة، ومثل هذا يقال حتى في إهداء العريس بعد زواجه ورودا ليضعها في بيته، لا ورودا لا يعتنى بها، بل إننا لا نعلم أحدا منع من بيع وشراء الورود والزهور الصناعية وهي ليست ذات رائحة، بل لها – فقط – منظر بهيج، فكيف إذا جمعت الأمرين؟!.

نرجو من المسلمين أن يعوا ما نقوله، فقد رأينا من يسخر من فتاوى علمائنا في منع إهداء الزهور للمرضى – كما في الإحالة الأولى، وكما أفتى به علماء اللجنة الدائمة ( 13 / 66 ) – فإن نظر العلماء أبعد وأعمق من العامة الذين يستدركون عليهم بعاطفتهم أو جهلهم.

ومما وقفنا عليه تحديدا في هذه المسألة ما ذكرته الدكتورة فاطمة بنت محمد آل جار الله في كتابها ” تأملات ووقفات مع بعض مظاهر العرس ” في منكرات الأعراس وبدعها، ومما قالته:

” التاج و الزهور “: لبس التاج أو إكليل الزهور، وأصله: ما كانت تفعله الكنيسة، جاء في كتبهم: بعد المباركة، وبعد أن يستعد الزوجان لمغادرة الكنيسة: كان من المعتاد إلباسهما تاجان أو إكليل من الزهور، كرمز للنصر، وكشعار لبراءتهما (عفتهما).  انتهى.

وأحالت في الهامش على كتاب ” الزواج في الغرب: فصل الكنيسة النصرانية المبكرة ” ( ص 49 ، وص 89 ).

وكتاب الدكتور الفاضلة قرأه وقدَّم له الشيخان عبد الله بن جبرين رحمه الله، وعبد الرحمن المحمود حفظه الله، والكتاب متوفر في ” الشبكة العنكبوتية “.

ولا يختلف ما ذكرناه من حكم لبس إكليل الزهور في الزواج عنه في العقيقة وغيرها من المناسبات.

 

والله أعلم.

 

جدها على فراش الموت وهو مريض عقليا وتريده أن يدخل في الإسلام

جدها على فراش الموت وهو مريض عقليا وتريده أن يدخل في الإسلام

السؤال:

جدِّي مريض جدّا على فراش الموت، وعلى الرغم من أنه يؤمن بوجود إله إلا أنه ليس مسلما، فكيف أساعده على اعتناق الإسلام قبل أن يموت، علما أنه مريض عقليّا ولا يعي أحياناً ما أقول؟ فكيف أوصل له الفكرة؟ إنني أخاف أن يرفض.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد أحسنت في حرصك على تقديم الخير لجدك، ولا خير أعظم من الإسلام يدخل فيه، ويسلم وجهه لربه تعالى، فيرضى عنه ربه فيدخل الجنة، وما حرصت عليه قد حرص عليه النبي صلى عليه وسلم مع جده أبي طالب.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ( أَيْ عَمِّ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ).

رواه البخاري ( 3671 ) ومسلم ( 24 ).

 

ثانيا:

وفي الحديث السابق بيان واضح في أن من قال كلمة التوحيد قبل الاحتضار نفعه ذلك يوم لقاء ربه تعالى، وأما من قالها عند النزع فإنه لا ينفعه قولها.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله ( لما حضرت أبا طالب الوفاة ) فالمراد: قربت وفاته وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع: لما نفعه الايمان، ولقول الله تعالى: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، قال القاضي عياض رحمه الله: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار وأن النبي صلى الله عليه وسلم رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته صلى الله عليه و سلم، قال القاضي رحمه الله: وليس هذا بصحيح؛ لما قدمناه.

” شرح مسلم ” ( 1 / 214 ).

 

ثالثا:

ولتعلمي أختنا السائلة أن جدك إن لم يكن يعي ما يقول ولم يكن يفهم ما يتلفظ به بسبب حالته العقلية: فلا ينفعه التلفظ بالشهادتين؛ لأن للشهادتين شروطا ينبغي تحقيقها حتى تنفع صاحبها، ومن تلك الشروط: ” العلم ” المنافي للجهل بذلك، ومن شروطها: ”  اليقين ” المنافي للشك والظن.

وإن كان يعي ما يسمع ويفهم ما يتلفظ به فقال كلمة التوحيد دخل في الإسلام ونفعته بإذن الله، ويمكنك مخاطبته بما يستطيع استيعابه منك، ولا تقلق من رفضها لأنه ليس هناك ما تخاف منه لأنه ليس مسلما أصلا، وإن كان لسانه يستطيع النطق به فلا يُعذر بعدم التلفظ بالشهادتين، وإن انعقد لسانه وهو يفهم ما يسمع وما يقال له فيمكنك كتابة لفظ الشهادتين على ورقة وجعله يؤكد عليها، فإن تحقق فيه شروط الشهادتين وأقر بلفظها بلسانه أو أكد عليها بما يشير لإقراره بها: نفعه ذلك عند الله.

 

رابعا:

وإذا كان جدكِ فيه خلل عقلي من أول أمره: فإن له مصيرا غير الكفار، وسيكون له اختبار يوم القيامة.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز للمبتعَث التصرف بالمال الزائد عن رسوم الدراسة

هل يجوز للمبتعَث التصرف بالمال الزائد عن رسوم الدراسة

السؤال:

أنا طالب مبتعث للدراسة بالخارج، أسأل عن حكم المال المقرر لي من ” وزارة التعليم ” لكي يصرف على اللغة، على أن لا يتجاوز مقدارا معيَّنا من النقود.

ما حكم إذا أنا سجلت في دورة في معهد، وسلَّمت الشيك للمعهد، ثم قررت تغيير المعهد إلى آخر لسبب المسافة، أو في إعطاء الدروس، ووافقتْ إدارة المعهد على أن تردَّ لي المال نقدا، ودفعتُ جزءً منه لمعهد آخر، واستعملت الزائد في شيء آخر، علما بأني لم أتجاوز المقدار المخصص لي من بلدي، وأن المال المتبقي هذا سوف يأخذه البعض، ولن يرجع للدولة.

 

الجواب:

الحمد لله

المال الذي يُعطى للمبتعَث – ومثله الموظف – مقابل سكن أو دراسة أو علاج أو مواصلات على حالين:

الأولى: أن يُعطى مبلغاً مقطوعا يملِّكونه إياه، ولا يحاسبونه على ما زاد، ولا يَرجع إليهم فيما نقص.

الثانية: أن يُعطى مبلغا محدَّدا لا بقصد التمليك، بل مقابل الشيء الذي يريدونه منه أو الخدمة التي توهب له.

 

والفرق بين الحالين واضح معلوم، والحكم فيهما يختلف باختلاف الحالين:

ففي الحال الأولى: للمبتَعث – والموظف – أخذ ما يزيد عن المبلغ المقطوع إذا بقي منه شيء في حال أن ينفقه مقابل علاج أو ما يدفعه رسوما للدراسة.

وفي الحال الثانية: يحرم عليه أن يتملك ما يتبقى مما يزيد على نفقاته التي اتفق مع مُبتعثِه على التمتع بها أو طُلبت منه على وجه الإلزام.

 

والذي يظهر لنا أن حالك – أخي السائل – هو الثاني، فيكون حكم المال المتبقي من الفرق بين رسوم الدراسة في المعهدين: أنه ليس لك، ويجب عليك إبلاغ إدارة البعثات به، ويجب عليك أن تردَّه إليهم.

 

 

 

 

 

وبما أن الدولة قد ائتمنت هذه الإدارة على تصريف شئون البعثات: فإن أمرك يقف عند إرجاع المبلغ الزائد بعد إبلاغهم بحقيقته، وإن علمتَ تصرُّفا منهم غير شرعي فيه: فأمامك أمران:

الأول: أنه يجب عليك إنكار هذا المنكر بإبلاغ الجهات المسئولة عنهم، وذلك بعد القطع واليقين لا الشك والظن.

الثاني: أن تجعل هذا المبلغ الزائد في أمر من أمور البعثة ولا تطلب مبلغه منهم.

 

* ومما يدلُّك على صحة ما قلناه لك من الحال والحكم الشرعي: أمران:

الأول: أن المعهد الأول لو طلب رسوما زائدا على ما اتُفق عليه معه أولا، وكان لك رغبة في الدراسة فيه: فإنك ستطلب هذه الزيادة من إدارة البعثات، فإذا كان عليهم إكمال النقص لم يكن لك أخذ الزائد، بل هو لهم.

الثاني: أنه لو تَوجَّه سؤالٌ من قبَل إدارة البعثات عن الرسوم التي دفعتها للمعهد الآخر فماذا أنت مجيبهم؟! قد جرت عادة المبتَعثين والموظفين أنهم يكتمون المبلغ الحقيقي المدفوع، ويُظهرون فواتير مزورة حتى يتم لهم تحصيل الفرق بين المبلغين، فيكون مع أخذهم ما ليس لهم بحق أنهم شهدوا الزور، أو أنهم كتموا ما كرهوا اطلاع الإدارة عليه، وكل ذلك يدلك على حرمة الفعل الذي سألتَ عنه:

  1. فأكل أموال الحكومة محرَّم، قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) النساء/29 .
  2. وشهادة الزور محرَّمة، قال تعالى في وصف المؤمنين ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) الفرقان/ 72 .

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ ).

رواه البخاري ( 5631 ) ومسلم ( 87 ).

  1. وقد عرَّف النبي صلى الله عليه وسلم الإثم بما ذكرناه لك، فعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ).

 

 

 

 

 

* قال ابن رجب – رحمه الله -:

وقوله في حديث النواس بن سمعان ( الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس )  إشارة إلى أن الإثم ما أثَّر في الصدر حرجا وضيقا وقلقا واضطرابا فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا: فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر الناسُ فاعلُه وغيرُ فاعلِه. ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 254 ).

 

* وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عمن يُصرف له مبلغ لشراء بنزين للسيارة فيزيد معه المال فيرجعه على السيارة نفسها تصليحاً لها بإذن من له الصلاحية من المسئولين فأجاب:

إذا كان المسئولون يعلمون أن هذا العِوض للبنزين أكثر مما يتحمله العمل، فإذا زاد يقولون: لا بأس أن تصرفه في إصلاح السيارة: فهذا طيب، وجزاك الله خيرا.

الممنوع: أنه إذا زاد تأخذه لنفسك، هذا هو الممنوع.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 130 / السؤال رقم 12 ).

 

فها أنت ترى أن الأمر يرجع للمسئولين عن المال حتى لو رجع المال للسيارة نفسها، وأن أخذ ذلك المال الزائد لا يحل إلا برضاهم، والأمر نفسه يقال في مسائل كثيرة من الباب نفسه مثل الذي تسأل عنه.

 

وبما سبق يتبين أنه لا يحل لك أخذ الفرق بين مبلغي المعهدين، وأن عليك إعلام إدارة البعثات به، فإن أذنوا لك بالتصرف به في مجال آخر في أمور البعثة: فافعل ما يقولونه، وإن كان عندهم الصلاحية لتمليكه لك فأذنوا لك بأخذه فهو لك، وإن لم تكن عندهم الصلاحية لذلك فلا يحل لك تملكه، فإما أن ترجعه للإدارة أو تجعله في أمر آخر من أمور البعثة ولا تطلب مبلغه منهم.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

أسلمت صديقتها حديثا فهل تخبرها بتحريم بقائها مع زوجها الكافر؟

أسلمت صديقتها حديثا فهل تخبرها بتحريم بقائها مع زوجها الكافر؟

السؤال:

إنني هذه الأيام أتحدث مع امرأة أمريكية أسلمت منذ وقت قصير، وعلمت منها أنها متزوجة من رجل مسيحي ولديهم طفلان، وهي سعيدة معه، وعلى ما يبدو أنها لا تعلم حتى الآن حكم بقائها مع زوجها في هذه الحالة لأنها ما زالت تتعلم الإسلام ومسائله، وأنا بدوري أحاول جاهدة مساعدتها في تعلم الإسلام بقدر ما أستطيع، وأراني وصلت إلى نقطة محيرة ألا وهي مصارحتها بهذه المسألة، أخشى إن أخبرتها بالحكم الشرعي أن تترك زوجها إذا أبى اعتناق الإسلام وتتمزق أسرتها ويتشرد أبناؤها، وبالتالي ربما تُلقي باللائمة على الإسلام، أو تترك الإسلام بالكلية، إنها تعيش في إحدى المناطق في ” كالفورنيا ” حيث من الصعب أن تجد أحدًا يتحدث معها عن الإسلام لأن معظم من حولها من الكاثوليك.

سؤالي هو: هل يتعين عليّ في الوقت الحالي أن أخبرها أن زوجها يجب عليه أن يعتنق الإسلام أو يتركها؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف أفتح لها الموضوع وأخبرها به؟ أم ما هو الحل الأمثل من وجهة نظركم في هذه الحالة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر للأخت السائلة مبادرتها في السؤال قبل التصرف بشيء، ونشكر لها حبَّها للخير لتلك المسلمة الجديدة.

وهذه العاطفة التي طُرح فيها السؤال لا ينبغي لأحدٍ أن يقف عندها إذا كانت مخالفة لشرع الله تعالى.

ولتعلم الأخت السائلة أن حكم الله تعالى هو الذي فيه المصلحة والخير للناس، ولا يمكن أن يشرع الله تعالى ما فيه ضرر للناس ومفسدة، بل حيث خالف الناس شرع الله تعالى فثمَّ المفسدة والضرر، ولنأخذ على ذلك مثالًا ما جاء في السؤال، فتقول الأخت السائلة وفقها الله: ” أخشى إن أخبرتها بالحكم الشرعي أن تترك زوجها إذا أبى اعتناق الإسلام وتتمزق أسرتها ويتشرد أبناؤها، وبالتالي ربما تُلقي باللائمة على الإسلام، أو تترك الإسلام بالكلية ” انتهى.

ونقول: أين احتمال أن يدخل زوجها في الإسلام؟! ولم لا يُذكر هذا في الاحتمالات؟! ولماذا تترك الإسلام؟ هل لأنه لا يبيح تزوج الكافر من مسلمة؟! وأين وجه الغرابة والتعجب من منع الإسلام من تزويج المسلمات بغير المسلمين والنصارى بينهم لا يزوجون بعضهم بعضًا وهم أهل ديانة واحدة؟! فالكاثوليكي لا يستطيع أن يتزوج بامرأة بروتستانتية، وإن تجرأ على ذلك عوقب من قبل الكنيسة، والعكس كذلك، فالكنيسة البريطانية مازالت تحرم زواج ولي عهد بريطانيا ” تشارلز ” البروتستانتي المذهب من ” كاميلا باركر ” الكاثوليكية ، وهو مهدَّد بالحرمان من عرش بريطانيا لهذا السبب!، وفي قانون الأقباط الأرثوذكس المصري الصادر عام 1938م تنص المادة السادسة على أن ” اختلاف الدين مانع من الزواج “.

وهذا الحكم في شرعنا المطهَّر فيه مصالح عظيمة، وأعظمها أنه قد يكون ذلك التحريم لاجتماع مسلمة مع زوجها الكافر سببًا في إسلامه، فها هي زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تفارق زوجها لاستمراره على الكفر، فيسلم، ويحسن إسلامه، ويرجع لها، وها هي أم سليم ترفض أبا طلحة زوجًا لكفره، فيسلم، ويحسن إسلامه.

ولتعلمي أنت والأخت المسلمة حديثًا أن دخول زوجها في الإسلام تكتمل به سعادتها في الدنيا والآخرة، فإن بقاءه على الكفر يعني أنها لن تجتمع معه في الآخرة في الجنة، بل نرى أن إصرارها على تطبيق الحكم الشرعي واجب عليها، وفيه مصلحة لزوجها، فقد يكون فعلها السبب في دخوله الإسلام.

وإن الذي يختار الإسلام دينا يجب أن يعلم أن الإسلام يعني الاستسلام لحكم الله تعالى، وينبغي أن يعلم أن الإسلام فيه الخير والسعادة والمصلحة في أحكامه وشرائعه، وينبغي أن يعلم أن يجب عليه الدخول فيه كافة، ولا يؤمن ببعضه ويكفر ببعض، وهذا هو الظن في كل من يختار الإسلام دينًا.

ولتعلمي أيتها الأخت السائلة أنه لا مجاملة للناس على حساب الأحكام الشرعية، فلا نسكت عن بيان حكم الإسلام في الزنا والربا والقمار لمن دخل في الإسلام وهو يمارس تلك المعاصي والموبقات، وعندما جاء رجل يعلن إسلامه وكان متزوجًا بعشر زوجات: لم يمنع ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ).

ثانيًا:

وأما حكم المسألة نفسها: فإنه بمجرد إسلام الزوجة يحرم عليها زوجها الكافر. روى البخاري في ” صحيحه ” ( 5 / 2024 ) عن ابن عباس قوله: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه.

وبوَّب عليه بقوله: ” باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي “.  انتهى.

وروى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 5 / 90 ) عن داود بن كردوس قال: كان رجل من بني تغلب يقال له: عبادة بن النعمان بن زرعة، عنده امرأة من بني تميم، وكان عبادة نصرانيا، فأسلمت امرأته وأبى أن يسلم، ففرَّق عمر بينهما. انتهى.

 

 

والإجماع قائم على هذا الحكم، لا فرق بين ابتداء النكاح واستدامته، فلا يحل اجتماع كافر مع مسلمة بعقد زواج البتة.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

فحرَّم الله عز وجل على الكفار نساء المؤمنين لم يبح واحدة منهن بحال، ولم يختلف أهل العلم في ذلك. ” الأم ” ( 5 / 153 ).

فإذا أسلم الزوج الكافر بعد إسلام زوجته: رجعت إليه على عقد الزوجية نفسه وهو أحق بها من نفسها، وإن لم يدخل في الإسلام حتى انتهت عدتها – وهي حيضة واحدة أو وضع الحمل -: فتملك نفسها، فإن انتظرته ولم تتزوج غيره، ودخل بعدها في الإسلام فترجع له على عقدها الأول، ولا يحتاجان لتجديد النكاح، وهذا هو القول الراجح ، وكل خلاف في المسألة لا يشمل: صحة عقد الزوجية بينها وبين زوجها، فلا يخلو بها ولا يمسها، ومن باب أولى لا يشمل حل جماعه لها، ومن زعم من أهل الهوى من المعاصرين أن عقد الزوجية بينهما قائم وأنه يحل لها أن تمكنه من جماعها: فقد افترى على الشرع افتراء عظيمًا، وقال على الله ما لم يحكم به، وحسبه أنه أسير الغرب يلبي لهم رغباتهم في تزوير الأحكام الشرعية، وهو يعلم أن تحريفه هذا الحكم الشرعي بعذر عدم تمزيق الأسرة وتشتيتها أنه غير نافعه؛ لأن الحكم في الآخرة سيكون كذلك ففريق في الجنة وفريق في السعير.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني وقتادة كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيًّا أسلمت امرأتُه فخيَّرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه.

وعبدالله بن يزيد الخطمي هذا له صحبة، وليس معناه أنها تقيم تحته وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص، فمتى أسلم: فهي امرأته ولو مكثت سنين.

فهذا قول سادس، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة، وعليه تدل السنَّة كما سيأتي بيانه، وهو اختيار شيخ الإسلام. ” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 646 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

الذي دلَّ عليه حُكمُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبلَ انقضاء عِدتها: فهي زوجتُه، وإن انقضت عدتها: فلها أن تنكِحَ من شاءت، وإن أحبَّت انتظرته، فإن أسلم: كانَتْ زوجته مِن غير حاجة إلى تجديد نكاح.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 137 ).

ومن نقل عن ابن القيم رحمه الله غير هذا فقد افترى عليه، فابن القيم رحمه الله يرى أن الزوجة المسلمة تحرم على زوجها الكافر بمجرد إسلامها، لكن يرى أن العقد يصير جائزًا لا لازمًا، ويتوقف استمرار الحياة الزوجية الشرعية بينهما على إسلامه ، وأنه لا حاجة لتجديد العقد حتى لو طالت المدة بين إسلامهما =، وأن لها أن تنكح من شاءت إذا انتهت عدتها ، ولا يقول ابن القيم – ولا غيره من أهل الإسلام – أن لها أن تمكنه من وطئها!.

ويرى رحمه الله أن القول بتحريم الزوج الكافر على زوجته التي أسلمت قبله، وأنه لا سبيل لها عليها إذا أسلم بعدها إلا برضاها ورضا وليها وبمهر جديد أن هذا هو ما فيه تنفير عن الإسلام، بخلاف ما رجحه هو وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأيضًا فإن في هذا تنفيرًا عن الإسلام؛ فإن المرأة إذا علمت – أو الزوج – أنه بمجرد الإسلام يزول النكاح ويفارق من يحب ولم يبق له عليها سبيل إلا برضاها ورضا وليها ومهر جديد: نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كلٌّ منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله ولا فراق بينهما إلا أن يختار هو المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه.

وأيضًا: فبقاء مجرد العقد جائزًا غير لازم من غير تمكين من الوطء: خير محض ومصلحة بلا مفسدة، فإن المفسدة إما بابتداء استيلاء الكافر على المسلمة فهذا لا يجوز كابتداء نكاحه للمسلمة وإن لم يكن فيه وطء كما لا يجوز استيلاؤه بالاسترقاق، وإما بالوطء بعد إسلامها، وهذا لا يجوز أيضًا، فصار إبقاء النكاح جائزًا: فيه مصلحة راجحة للزوجين في الدِّين والدنيا من غير مفسدة، وما كان هكذا: فإن الشريعة لا تأتي بتحريمه.

” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 694، 695 ).

 

والله أعلم.