الرئيسية بلوق الصفحة 63

ما الحكمة في كون عدة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة؟

ما الحكمة في كون عدة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة؟

السؤال:

ما الحكمة من زيادة عدة المتوفي عنها زوجها عن عدة المطلقة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأصل في أوامر الشرع: التعبد, ولا يعني هذا عدم وجود حكَم في تلك الأوامر أو النواهي، بل قد جعل الله تعالى في أحكام الشريعة حكَمًا، ومقاصد، منها ما نص عليها في نصوص وحيه, ومنها يستخرجه العلماء باجتهاداتهم واستنباطاتهم, ومنها ما استأثر الله بعلمه سبحانه وتعالى.

ثانيًا:

العدة: هي الزمان الذي تتربص فيه المرأة بعد الطلاق، أو الموت، أو فسخ النكاح، بعد الدخول، أو الوطء بشبهة.

فعدة المتوفى عنها زوجها: أربعة أشهر وعشر ليال، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) البقرة/ 234.

وعدة المطلقة إن كانت من ذوات الحيض: فثلاث حيضات، كما قال تعالى: ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ) البقرة/ 228.

وإن كانت صغيرة لا تحيض، أو كانت يائسة من المحيض: فعدتها ثلاثة أشهر, وإن كانت حاملًا: فبوضع الحمل، قال تعالى: ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) الطلاق/ 4.

ثالثًا:

وتشريع العدة للمطلقة الرجعية له حكَم كثيرة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

عدة الطلاق وجبت ليتمكن الزوج فيها من الرجعة، ففيها حقٌّ للزوج, وحقٌّ لله, وحقٌّ للولد, وحقٌّ للناكح الثاني، فحقُّ الزوج: ليتمكن من الرجعة في العدة, وحق الله: لوجوب ملازمتها المنزل، كما نص عليه سبحانه, وهو منصوص أحمد، ومذهب أبي حنيفة، وحق الولد: لئلا يضيع نسبُه, ولا يدرى لأي الواطئين, وحقُّ المرأة: لما لها من النفقة زمن العدة لكونها زوجة ترث وتورث, ويدل على أن العدة حق للزوج: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) الأحزاب/ من الآية 49، فقوله ( فَمَا لَكُم عَلَيْهنَّ منْ عدَّة ): دليل على أن العدة للرجل على المرأة, وأيضًا: فإنه سبحانه قال: (وَبُعُولَتُهنَّ أَحَقُّ برَدّهنَّ في ذلك ) البقرة/ من الآية 228، فجعل الزوج أحق بردها في العدة، وهذا حق له، فإذا كانت العدة ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر: طالت مدة التربص لينظر في أمره: هل يمسكها، أو يسرحها.

” زاد المعاد ” ( 5 / 666 ، 667 ).

رابعًا:

أما الحكَم التي شرعت من أجلها عدة المتوفى عنها زوجها، فمنها:

أ. التأكد من براءة الرحم من الحمل, فلا يجتمع ماء رجلين في رحم، فتختلط الأنساب، وتشتبه.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد ذكر سعيد بن المسيب، وأبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا: لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتُظر به هذه المدة: ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: ( إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ) فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه.

وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟ قال: فيه ينفخ الروح.

وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لِمَ صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيها الروح.

رواهما ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 636 ، 637 ).

* وقال الشوكاني – رحمه الله -:

ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار: أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشرًا؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلًا، ولا تتأخر عن هذا الأجل.

” فتح القدير ” ( 1 / 334 ).

وننبه هنا على أمور ثلاثة:

الأول:

أن التشريعات الربانية فيها الكرامة البالغة للمرأة مقارنة مع ما كانت عليه المرأة في الجاهلية، ومع ما عليه المرأة في التشريعات الأرضية، والديانات المحرَّفة، فقد كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها تمكث سنة كاملة في بيتها بشرِّ حال، لا تغتسل، ولا تمس طيباً، فتُؤتى بدابة – حمار، أو شاة، أو طائر – فتمسح بها جلدها، فلا يكاد تعيش هذه الدابة بعدما تتمسح بها مما تجد من شرِّ روائحها.

قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا – أَوْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا – حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ). رواه مسلم ( 1488 ).

( شَرِّ أَحْلاَسِهَا ): جمع حِلس بكسر الحاء، والمراد: في شرِّ ثيابها.

ولا تزال المرأة في بعض الديانات الهندية تُحرق بعد وفاة زوجها! فيحرمونها من الحياة ، وبعضهن يحرمون عليها الزواج بعد وفاة زوجها، وأما المتحللون من الشرع، والأخلاق: فإن المرأة تتزوج بعد وفاة زوجها مباشرة، فتختلط الأنساب، ومثل هؤلاء – غالبًا – ما تفعل المرأة ذلك عندهم حتى في حياة زوجها! فجاء الإسلام بالتشريع المطهَّر، فجعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال، وإن كانت حاملًا فوضعت حملها: انتهت عدتها.

الثاني:

أنه لما كان احتمال الحمل هو من الحكَم الجليلة في إطالة مدة العدة للمتوفى عنها زوجها: كان وضعها للحمل قاطعًا لفترة العدة، حتى لو كان ذلك الوضع بعد لحظات من وفاة زوجها، ويدل على ذلك قوله تعالى ( وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الطلاق/ من الآية 4، ويدل عليه أيضًا حديث سبيعة الأسلمية حيث وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح من شاءت، والحديث في الصحيحين.

والثالث:

أنه لما كانت العدة تلزم الزوجة حتى لو مات زوجها قبل الدخول بها، أو كانت صغيرة لا تحيض، أو كبيرة أيست من المحيض: كان لا بدَّ من وجود حكمة أخرى لمثل هؤلاء الزوجات، وهي:

ب. إظهار التأثر لفقد الزوج، بالامتناع عن الزينة, وعن التجمل مدة أربعة أشهر وعشر ليال؛ تعظيمًا لحق الزوج.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والمقصود: أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحم؛ فإنها تجب قبل الدخول، بخلاف عدة الطلاق.

وقد اضطرب الناس في حكمة عدة الوفاة وغيرها، فقيل: هي لبراءة الرحم, وأورد على هذا القول وجوه كثيرة:

 منها: وجوبها قبل الدخول في الوفاة.

ومنها: أنها ثلاثة قروء، وبراءة الرحم يكفي فيها حيضة، كما في المستبرأة.

ومنها: وجوب ثلاثة أشهر في حق من يقطع ببراءة رحمها، لصغرها، أو كبرها.

ومن الناس من يقول: هو تعبد لا يعقل معناه، وهذا فاسد لوجهين:

أحدهما: أنه ليس في الشريعة حكم إلا وله حكمة, وإن لم يعقلها كثير من الناس، أو أكثرهم.

الثاني: أن العدد ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح رعاية حق الزوجين، والولد، والناكح.

قال شيخنا- أي: شيخ الإسلام ابن تيمية -: والصواب أن يقال: أما عدة الوفاة: فهي حرَمٌ لانقضاء النكاح, ورعاية لحق الزوج, ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج، فجعلت العدة حريمًا لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن، فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول، ونكاح الثاني, ولا يتصل الناكحان، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عظُم حقُّه: حرُم نساؤه بعده, وبهذا اختص الرسول صلى الله عليه وسلم لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، بخلاف غيره، فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها: تضررت المتوفى عنها, وربما كان الثاني خيرًا لها من الأول, ولكن لو تأيمت على أولاد الأول: لكانت محمودة على ذلك، مستحبًّا لها, … وإذا كان المقتضي لتحريمها قائمًا: فلا أقل من مدة تتربصها, وقد كانت في الجاهلية تتربص سنة؛ فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر, وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها ينفخ الروح فيحصل بهذه المدة براءة الرحم حيث يحتاج إليه وقضاء حق الزوج اذا لم يحتج إلى ذلك.

” زاد المعاد ”  ( 5 / 665 ، 666 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فأما المقام الأول: ففي شرع العدة عدة حكَم، منها: العلم ببراءة الرحم, وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب, وتفسد, وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة.

ومنها: تعظيم خطر هذا العقد, ورفع قدره, وإظهار شرفه.

ومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق إذ لعله أن يندم، ويفيء، فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة.

ومنها: قضاء حق الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل, ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.

ومنها: الاحتياط لحق الزوج, ومصلحة الزوجة, وحق الولد, والقيام بحق الله الذي أوجبه … فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها، وحكمها.” إعلام الموقعين ” ( 2 / 85 ).

 

 

 

خامسًا:

وأما بخصوص الحكمة في أن عدة المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة: فيمكن أن يقال أولًا:

أنه ليس دومًا تكون عدة الزوجة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة، فقد تكون المطلقة ترضع ولدها فيتأخر نزول حيضها بسبب ذلك، وقد تطول عدتها إلى سنة! وليس هذا موجودًا في عدة المتوفى عنها زوجها، كما قد يرتفع حيضها بسبب غير معلوم فتكون عدتها سنة كاملة! وهذا أيضاً يدل على ما قلناه من كون الطلاق قد تزيد عن عدة الوفاة بضعفين أو ثلاثة أضعاف.

ويقال ثانيًا:

إن العلماء لم يتوقفوا عند كون عدة المتوفى عنها زوجها تعبدية، بل تلمسوا بعض الحِكَم في ذلك مع التسليم بأن حكمة التعبد هي الأصل في ذلك، ومما قالوه في الحكَم معقولة المعنى:

وإن كان هناك بعض التصورات الإنسانية التى يمكن أن تكون سببًا في طول عدة المتوفى عنها زوجها عن عدة المطلقة منها:

  1. أن المتوفى عنها زوجها تكون في حالة حزن، وأسى على فقد شريك حياتها، فناسب ذلك أن تكون عدتها أطول – عادةً ، وغالبًا – من عدة المطلقة الرجعية، والتي قد تكون في حال نزاع مع مطلقها، ويراد إرجاعها لزوجها دون تأخير كبير؛ حتى لا يدخل أحد بينهما ليفسد رجعتها له، ولذا مُنع الزوج من إخراجها من بيتها، ومُنعت هي أن تخرج، وأما المتوفى عنها زوجها: فإن فراق زوجها لها كان بوفاة، وهو ما يبعث على الحزن، وتحتاج معه الزوجة لفترة مناسبة لتنسى حزنها، وتنطلق في حياتها.

وأما إن كانت الزوجة مطلَّقة ثلاثًا: فقد شرعت لها العدة لمعرفة براءة رحمها، وليس ثمة حق للزوج يُراعى هنا، بل هو المطلِّق لها، فيبُحث عن أقصر مدة لتنكح زوجًا آخر يعفها، وينفق عليها، وعلى أولادها.

  1. أن هذه الفترة هي أقصى ما يمكن أن يظهر حمل الزوجة فيه من زوجها، ومعلوم أن وجود الزوج المطلق الذي ينسب ولده له، غير الحال الذي لا يكون فيه موجودًا، بل ميِّتًا، فهو أدعى لأن تتهم الزوجة بما يطعن في عرضها، لو أنه تبين حملها فيما بعد.
  2. وقد ثبت في الطب الحديث أن دخول ماء غير ماء زوجها على رحم المرأة قبل هذه المدة – ما لم ينظف الرحم بولادة – يؤثر على المرأة بإصابتها بأدواء، وقد وجدت هذه الأدواء – والعياذ بالله – عند النساء الزانيات اللاتي يمكنَّ الرجال منهن باستمرار.
  3. وحتى لا تجرح أهل زوجها في عواطفهم، بخروجها من بيتها، أو بزواجها من آخر.

وبكل حال:

فمن المهم معرفة أن العبد لا يسعه إلا الاستجابة لما يأمره به ربه تعالى، وهو الخالق سبحانه العليم بما يُصلح الناس، وما يَصلح لهم.

وكذا معرفة أنه ليس دومًا تكون عدة المتوفى عنها زوجها أطول من عدة المطلقة – أي غير الرجعية، وهي التي لعلها قُصدت في السؤال -، بل قد سبق بيان أن العكس قد يكون  في كثير من الحالات.

 

والله أعلم.

 

أطباء امتياز لا يستفيدون من الاختصاصيين فهل لهم رخصة في التخلف عن الدوام؟

أطباء امتياز لا يستفيدون من الاختصاصيين فهل لهم رخصة في التخلف عن الدوام؟

السؤال:

إن طبيعة دوامنا كأطباء امتياز في السنة التدريبية التي تلي التخرج تكاد تخلو من الفائدة العلمية، والعملية الضرورية – إلا ببعض الأقسام – لتهيئتنا لدخول مجال الإقامة، والاختصاص, حيث من المفترض أن يكون همٌ الكادر الطبي من أطباء الإقامة والاختصاصيين في المستشفى بأن يعلموننا المهارات السريرية، والإجراءات الطبية الأساسية، سواء كانت نظريًّا أو عمليًّا، لندخل الحياة المهنية ذات المسؤولية بثقة أكبر، إلا أننا بقسم النسائية والتوليد يقتصر تكليفنا بأعمال ليست من مهامنا كأطباء، كإرسال المريضة لقسم الأشعة للتصوير, وجلب وإرسال التقارير الطبية، والاستشارات, وكتابة التاريخ الطبي، والفحص السريري، بالإضافة لتقارير الخروج، والوصفات الطبية، والتي هي من مهام كادر التمريض، المراسلين، والمقيمين، الذين يوقعون بنهاية المطاف على ما نكتبه بالملفات، والوصفات عنهم! – يعني: نعمل ككتبة، ومراسلين -، ونادرًا ما نلتقي بالاختصاصيين لنستفيد من علمهم، وخبرتهم التي يتصدقون بها علينا إذا ما التقيناهم على عجل، فنكون فريسة سهلة لأطباء الإقامة، يستغلوننا كيفما يشاؤون، بدلا من الاستفادة، وتعلم الطب منهم؛ لأن الاختصاصيين أوكلوا أمرنا إليهم، ولنكون منصفين فإنهم يعرضون علينا أحيانا دخول غرفة العمليات، أو العيادات، ولكن لشخص واحد من المجموعة فقط، ناهيك عن ما نتعرض له من كشف للعورات بما أننا بهذا القسم.

سؤالي لفضيلتكم:

قد اتفقنا أنا وزملائي بأن نحضر ليوم، أو يومين بالأسبوع، ويوقع بعضنا لبعض؛ لأنه صراحة ليس هناك فائدة كما هو المفروض، بل الاستغلال؛ لأننا بلا أهمية، أو احترام من قبَلهم، ولا حتى من قبَل التمريض!، كما أن دوامنا قصير جدًّا لا يكاد يبدأ حتى ينتهي خلال 3 ساعات، والمسافة عن المستشفى بعيدة، ومواصلاتها صعبة، والأهم من ذلك كله: أن امتحانات دخول الإقامة تكاد تبدأ، وليس هناك وقت نضيعه بلا فائدة على حساب مستقبلنا، وتحديد طريق اختصاصنا، بالإضافة على أني لا أتقاضى أي راتب منهم، على عكس زملائي الآخرين الذين يتقاضونه – لا يتعدى بما يساوي الـ 500 ريال شهريًّا، وهو رمزيٌ خلال هذه السنة التدريبية، والوزارة غير ملزمة بتأديته، وقد وقعتنا على هذا الشرط إلا أنها تؤديه بفترات متفاوتة لكن بشكل كامل -، وما اضطرنا على هذا الفعل هو أنهم لا يعطوننا ورقة إثبات التدريب عندهم إلا بدوام شبه يومي، وهذا إن لم يحصل: يؤدي إلى إعادة تقديم التدريب عندهم مرة أخرى، والتأخر عن تقديم امتحان الإقامة، الذي يؤدى مرة كل السنة.

أرجو رأيكم الفاضل بهذا الموضوع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن شعور المسلم بالمسؤولية على أمر وُكل فيه، وفوِّض عليه: أمر تحث عليه الشريعة؛ فالأمانة عظيمة، سواء أكانت في أمر ديني، أو دنيوي؛ وخصوصًا في مثل هذه المهن المهمة – مهنة الطبيب – فلا شك أن هذه المهنة من أدق، وأخطر المهن التي ينبغي لمن دخل سلكها أن يقوم بحملها حق القيام؛ لما يترتب عليها من قيام على أبدان الناس بالتشخيص، والرعاية، والتطبيب، وهذا السؤال من الأخ السائل يدل إن شاء الله على وازع ديني.

 

ثانيًا:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أَدِّ الأَمَانَةَ إِلى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ). رواه الترمذي ( 1264 ) وأبو داود ( 3535 )، وصححه الألباني في صحيح أبي داود “.

وهذا الحديث فيه قاعدة عظيمة من قواعد الدين، فالمسلم في أدائه للواجبات، وقيامه بالمعاملات: ينطلق من شرع الله, وليس من معاملة الناس له إن أحسنوا أحسن وإن أساؤوا أساء، بل يجعل نصب عينيه مخافة الله، ورضاه، ويراقب الله في عمله، قبل استشعار مراقبة الناس.

وإن من أداء الأمانة في العمل: الالتزام بوقت بدء الدوام، وانتهائه، وعدم الانشغال أثناءه بما هو خارج عنه، والقيام بالمسئوليات التي تناط به، وغير ذلك مما يختلف باختلاف طبيعة العمل.

وقد أُمر المسلم بإتقان عمله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ ) رواه الطبراني في ” الكبير ” ( 24 / 306 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1113 ).

وإن من إتقان العمل: أن يؤديه على أحسن وجه، وأن يبذل فيه جهده وطاقته.

 

ثالثًا:

عن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ: ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ).  رواه مسلم ( 2553 ).

وهذه – أيضا – قاعدة أخرى من قواعد الدين، وميزان من موازين الشرع، فإذا أراد أن يعرف الإنسان حقيقة أمرٍ أنه من الخير أم من الشر، من البرِّ أم من الإثم: فلينظر إلى قلبه، فإن حاك الأمر في صدره، ولم يطمئن له، ورغب بإخفائه على الناس: فهو دليل على الشبهة، والكراهة، وفي حالات كثيرة: الإثم.

ونمثِّل لذلك بما سأل عنه الأخ السائل، فهذا الاتفاق على حضور بعض ” أطباء الامتياز ” والتوقيع عن الآخرين: لو اطلع عليه المسئول، هل يرضى بذلك؟ وإن رضي بذلك المسئول: فهل من صلاحياته أن يمشي الأمر ولا يُحاسب عليه؟.

وكيف يرضى المسلم أن يُصدَر له شهادة بأنه استكمل فترة معينة حصل فيها على العمل الميداني، والكشف السريري، وهو لم يفعل ذلك؟!.

وأما ما يَحدث من أطباء الاختصاص: فهو تقصير منهم في تعليمكم، وإرشادكم، لكنكم تستطيعون قضاء وقت دوامكم في النافع المفيد لمهنتكم، وذلك بالتجول على المرضى، وسؤالهم عن أحوالهم، والأعراض التي يشعرون بها، والوقوف بأنفسكم على الخدمات السريرية المقدمة لهم من الممرضين، بل حتى الطعام المقدَّم لهم يمنكم متابعته، والتأكد من صلاحيته في نفسه، وصلاحيته للمريض بحسب نوع علته، كما يوجد لكم من الأعمال الجليلة: المساهمة في علاج المرضى، والتسبب في شفائهم بإذن الله! وذلك بما يحدث لهم من ثقة، وطمأنينة، برؤية الأطباء، وسماع التطمينات منهم، ولسنا بالذي يخبركم بما يمكن للطبيب أن يعمله وهو يقضي وقته بين المرضى، فالأعمال كثيرة، وجليلة، ولا تستهينوا بها، وكلها قد لا يسعها وقت دوامكم، فكيف يكون منكم تفريط في أدائها، والقيام بها؟!.

نعم، يمكنكم تجنب حضور عمليات الولادة، وتجنب رؤية العورات؛ لأنه ليس ثمة ضرورة لذلك، على أن لا تضيع أوقاتكم في غير فائدة، وإشغالكم لأوقاتكم بما يزيد من علمكم في المهنة هو مما يمكنكم فعله وقت دوامكم، وذلك بقراءة أو سماع أو رؤية الجديد في عالم الطب.

فعلى ذلك: الواجب على المسلم أن يصبر على أداء الحق المنوط به؛ وأن يجعل مرضاة الله نصب عينيه؛ وأن يؤدي واجبه، بغض النظر عن أداء غيره, والعاقبة لمن اتقى الله، وخافه.

 

والله أعلم.

 

الرقية عن طريق سماع الشريط المسجل هل هي شرعية؟ وهل تدخل في ” لا يسترقون “؟

الرقية عن طريق سماع الشريط المسجل هل هي شرعية؟ وهل تدخل في ” لا يسترقون “؟

السؤال:

هل الاستماع للرقية من الجوال يدخل في الذين يسترقون، أو الذي يذهب فقط إلى الراقي، كما جاء الحديث الذي يقول: ( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

عَنْ عبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا قَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ).

رواه البخاري ( 5378 ) – واللفظ له – ومسلم ( 220 ).

 

ثانيًا:

وقع في رواية ” مسلم ” لفظة ( لاَ يَرْقُون )، وقد حكم العلماء على هذه اللفظة بالشذوذ.

* قال شيخ الإسلام لبن تيمية – رحمه الله -:

ولم يقل ( لاَ يَرْقُون ) وإن كان ذلك قد روي في بعض طرق مسلم  فهو غلط؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رقَى نفسه، وغيره، لكنه لم يسترق؛ فالمسترقي: طالب الدعاء من غيره، بخلاف الراقي لغيره؛ فإنه داعٍ له.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 448 ).

* وقال – رحمه الله -:

والفرق بين الراقي والمسترقي: أن المسترقي: سائل، مستعط، ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي: محسنٌ، نافع.

” المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 1 / 18 ).

ثالثًا:

فعلى ذلك: فالمكروه هو: طلب المسلم الرقية من غيره؛ لأن السين والتاء في لغة العرب بمعنى الطلب، فـ ( يَسْتَرْقُونَ ) يعني: يطلبون الرقية من غيرهم؛ أما إن رقى الإنسان نفسه، أو رقى غيره: فلا كراهة في ذلك.

 

رابعًا:

* وهل يعتبر سماع الرقية من الشريط من طلب الرقية؟.

الذي يظهر لنا أن سماع الرقية من الشريط ليست من باب الطلب؛ فعلى ذلك: لا يدخل من سمعها منه في قوله عليه الصلاة والسلام ( لاَ يَسْتَرْقُونَ ).

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُسأل عنه: هل يجوز أصلاً الرقية عن طريق سماعها بشريط تسجيل؟!.

الذي يظهر أن ذلك غير جائز، والقراءة بنية الرقية والعلاج غير متوفرة في شريط أصم! بل لا بدَّ للرقية من راقٍ، فهو أحد أركان الرقية الثلاثة، وقد توفر المرقي – وهو المريض -، والمرقي به – وهو القرآن -، لكن فقد الراقي! بل يمكن أن يقال فقد المرقي به؛ لأن تلك القراءة لم تكن بنية العلاج، ولو كانت كذلك فهي ليست للشخص الذي سمعها، ولذلك عدَّ علماء اللجنة الدائمة الرقية عن طريق الشريط من البدع المحدثة.

فقد سئلوا:

عند الرقية هل يجوز أن يضع الراقي يده على المريض، ثم يفتح المسجل، مستعينًا بالله، ثم بصوت القارئ فقط، حيث يوجد في الأسواق ( 4 ) أشرطة للتداوي بالقرآن، ودفع الحسد، ونحو ذلك؟.

فأجابوا:

الأصل أن الراقي هو الذي يباشر قراءة القرآن، وينفث على المريض من ريقه، ففي ” الصحيح ” عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ” أن أناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حيٍّ من أحياء العرب فلم يُقْروهم، فبينما هم كذلك إذ لُدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تُقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلًا. فجعلوا لهم قطعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فضحك وقال: ( وما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي بسهم).

 

 

 

وفي ” الصحيح ” أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها “.

ولِمَا في مباشرة الراقي القراءة بنفسه من معانٍ تقوم في الراقي، لا بد من اعتبارها.

وعليه: فإن الرقية بفتح جهاز التسجيل: خلاف الأصل الشرعي، فالرقية بواسطة جهاز التسجيل: أمرٌ محدثٌ، لا يجوز شرعًا.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 85 – 87 ).

 

والله أعلم.

 

مشروع دعوي، هل يجوز اتخاذ آية قرآنية شعارًا له؟

مشروع دعوي، هل يجوز اتخاذ آية قرآنية شعارًا له؟

السؤال:

لقد قمت صحبة عدة إخوة من شباب المسلمين من مختلف أنحاء العالم ببعث مشروع يوظف التكنولوجيا الحديثة لخدمة الإسلام، وذلك من خلال إنشاء نظام تشغيل حواسيب مرفقًا بجملة من البرامج الإسلامية المفيدة كبرنامج أوقات الصلاة، وبرنامج عرض وتلاوة القرآن الكريم، وموسوعة كتب إسلامية …الخ، كل ذلك اعتمادًا على تقنيات البرامج الحرة، مما يجعل عملنا مرفوعًا عن مسألة ” حقوق النسخ “، وهو ما ييسر الحصول عليه ونشره بصفة مجانية، وقد اخترنا كاسم للمشروع ” سبيلي “، وكشعار الجزء الأول من الآية 108 من سورة يوسف: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني … )، إلا أن بعض الإخوة اعترض على اعتماد آية من القرآن الكريم كشعار لفريق العمل، فيما رأى البعض الآخر أن كتابة هذا الجزء من الآية، أو كامل الآية، أو أكثر من ذلك على شاشة الحاسوب عند فتحه، أو عندما يطلب من المستعمل إدخال اسمه، وكلمة العبور: رأى أن ذلك منهي عنه، قياسًا على النهي عن زخرفة المساجد، وكتابة الآيات فيها، أجبتهم – شيخي الكريم – أن الرأي الثاني هو قياس باطل؛ لغياب وجه الشبه، وأن الاعتراض الأول لم يؤيده نص من القرآن، أو السنَّة، أو أقوال العلماء، وأن أغلب الجمعيات القرآنية، أو الدعوية، أو الجهادية: تعتمد آية، أو جزءً من آية، كشعار لها، ولعملها، فلم يقتنعوا!.

الرجاء أن تفتونا في ذلك، أثابكم الله، وأن تبينوا لنا الحق، حتى نتبعه، ونبتعد عن الهوى، كما نرجو منكم الدعاء لمشروعنا بالنجاح، وأن يجعله الله في ميزان حسناتنا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.

ملاحظة: عملنا في نسخته الحالية يحمل اسم ” النسخة الإسلامية لأوبونتو “، وعنواننا على الشبكة هو: http://www.ubuntume.com/ar:start

وجزاكم الله عنَّا وعن المسلمين كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أخي الفاضل

أولًا:

جزاكم الله خيرًا على همتكم الطيبة، والعظيمة، على هذا المشروع، والذي يدل على حرصكم، ومحبتكم لخدمة الإسلام، والمسلمين.

ونسأل الله أن يجعل عملكم خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقكم، ويسدد خطاكم لإتمام هذا المشروع، وأن يجعله في ميزان حسناتكم.

ثانيًا:

الأصل في القرآن أنه كتاب هداية، وإرشاد، وتعليم، فقد أنزله الله لهذه الغايات العظيمة قال تعالى: ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) المائدة/ 15، 16.

ولذا فالواجب تجاه القرآن هو العمل بأحكامه، والاهتداء بهديه، والتحلي بما حث عليه من أخلاق، وآداب.

ومن هنا فلم يكن من هدي السلف تعليق القرآن على الجدر، والحوائط، والمحاريب، وغيرها؛ لتعظيمهم لكتاب ربهم، ولعلمهم بالحكَم الجليلة من إنزاله.

 

ثالثًا:

وعلى ذلك: فالأولى للمسلم أن يجتنب اتخاذ آية من القرآن، أو جزءً من آية، لتكون شعارًا لمشروع، أو عمل دعوي.

وفي القول بالجواز فتح الباب أمام الأحزاب، والجماعات، والفرق الإسلامية، والنوادي الرياضية، والشركات التجارية، والمصانع، والوزارات، ليتخذ كل واحد من أولئك آية من القرآن يجعلها شعارًا له، وبذلك يُستعمل القرآن في غير ما أنزل من أجله، ويصير للدعاية، والإعلان، للأشخاص، والهيئات، كمثل من اتخذ شعارًا لمطعمه ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) البقرة/ من الآية 57! وشتان شتان بين معنى القائل، وكون القائل هو الله الممتن على خلقه برزقه لهم، مع استعمال الآية في طعام مصنوع، ويقدَّم بثمن، وهو من مخلوق مرزوق، مربوب.

وفي القول بالجواز فتح الباب أمام تحريف معاني الآيات ليوهم أصحاب الشعارات انطباقها عليهم، وأحيانًا: عليهم دون غيرهم، كمثل من رشَّح نفسه لانتخابات ” نيابية ” واتخذ شعارًا له في جملته الانتخابية، وهو قوله تعالى ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) القصص/  من الآية 26، فانظر لهذا التحريف لمعنى الآية، وانظر كيف زكَّى نفسه، مع أن الآية في وصف ابنة الرجل لموسى عليه السلام، فأين ذلك النائب من موسى عليه السلام؟ وكيف يصف نفسه بالقوة والأمانة لشيء قادم، لا ماضٍ؟! ثم إن موسى عليه السلام لم يقل ذلك عن نفسه، بل قاله عنه غيره، وهكذا في سلسلة من الشعارات تتخذها الجماعات، والهيئات، وحتى الشركات، وكل واحد من أولئك ينتقي من القرآن ما يوافق هواه ليسوِّق لما يدعو إليه.

أما إطلاق اسم ” سبيلي ” على المشروع، أو أي كلمة أخرى، ولو كانت من القرآن الكريم: فلا نرى مانعًا، ولا حرجًا في ذلك؛ فالكلمة ليست آية.

 

 

رابعًا:

وأما الاستدلال على الجواز بما روي عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنْ بُيِّتُّمْ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ ” حم لَا يُنْصَرُونَ” ). رواه الترمذي ( 1682 ) وأبو داود ( 2599 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

فالجواب عليه:

  1. أن الشعار في الحديث ليس معناه ما يُقصد به في زماننا هذا، والذي سأل عنه الأخ السائل، بل الشعار في الحديث معناه: ” العلاَمة التي كانوا يتعارفون بها في الحرب ” كما قاله ابن الأثير الجزري، وغيره.
  2. أنه ليس في القرآن آية ” حم. لا يُنصرون “، وقد اختلف العلماء في أصل ذلك الشعار ما هو، كما اختلفوا في معناه، والذي يظهر أن العلامة التي كانت بينهم هي لفظة ” حم ” وحدها، وهي إشارة إلى ” السور ” التي تبدأ بهذين الحرفين؛ لما لها من شأن عظيم، وأن كلمة ” لا يُنصرون ” ليست من ذات الشعار.

* قال ابن الأثير الجزري – رحمه الله -:

قيل: معناه: ” اللهمّ لا يُنْصرون “، ويُريد به الخَبر، لا الدُّعاء؛ لأنه لو كان دُعاء لقال: ” لا يُنْصَرُوا ” مَجْزوماً، فكأنه قال: واللّه لا يُنْصَرُون.

وقيل: إنّ السُّوَر التي في أوّلها ( حم ) سُوَرٌ لَها شَأن، فَنَبَّه أنّ ذِكْرها لِشَرف مَنْزِلتها مما يُسْتَظْهَر به على اسْتِنْزال النَّصْر من اللّه.

وقوله ” لا يُنْصَرون “: كلام مُسْتَأْنَف، كأَنه حِين قال: قولوا ” حم “، قيل : ماذا يكون إذا قُلنا؟ فقال: لا يُنْصَرون.

” النهاية في غريب الأثر ” ( 1 / 446 ).

وأما من قال بالمنع قياساً على المنع من ” زخرفة المساجد “: فلا ندري وجه الشبه بينهما، إلا أن يكون قصده منعكم من ” زخرفة الآية “، وليس اتخاذها شعارًا لمشروعكم.

وننصح الإخوة الأفاضل: أن يجعلوا مكان تلك الآية: بيتًا من الشعر، أو حكمة سديدة، أو قولًا لأحد الأئمة، تدل على طبيعة المشروع، أو تحث على المشاركة فيه، أو دعمه.

وفقكم الله لكل خير، وسدد خطاكم.

 

والله أعلم.

 

التزام ابن أخيه بحفظ القرآن أثَّر سلبًا على تحصيله الدراسي فكيف يصنع أهله؟

التزام ابن أخيه بحفظ القرآن أثَّر سلبًا على تحصيله الدراسي فكيف يصنع أهله؟

السؤال:

آمل أن تكونوا بخير، وسؤالي يختص بحفظ القرآن، حيث يبلغ ابن أخي من العمر 12 عامًا, وبدأ في الحفظ منذ حوالي 4 أشهر، وهو يذهب للمدرسة، ثم يذهب للمسجد لمدة ساعتين ونصف من يوم الاثنين إلى الجمعة، والمشكلة التي نواجهها الآن أن مستواه بدأ يتأثر في المدرسة نتيجة لمقدار العمل، والضغط الذي يتعرض له, وهو يحاول أن يقوم بأداء الفروض المدرسية، وحفظ القرآن, وقد تدنت درجاته, وهو الآن تحت المستوى المطلوب الأمر الذي يقلقنا؛ لأن أمامه اختبارات هامة في السنة المقبلة ستؤثر على تحديد الكلية التي سيلتحق بها، فماذا نفعل في هذا الموقف؟ وقد قيل لنا إنه من الخطأ أن نقوم بإيقاف حفظه للقرآن، وعلى الجانب الآخر فإن تعليمه هام بالنسبة له حتى يحصل على درجات عالية ويلتحق بجامعة جيدة, ونحن نريد أن نتخذ أفضل القرار، لكننا في حيرة من أمرنا، فهل بوسعكم – رجاء – تقديم النصح في هذا الشأن، وتوضيح حكم الإسلام في هذه المواقف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن تربية الأبناء منذ صغرهم على الدِّين، وتحفيظهم كتاب الله، وتعليمهم سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم: من الواجبات التي افترضها الله على الوالدين، وهو من محاسن أفعال الأهل مع أولادهم، وهو مما ينتفعون بها دنيا، وأخرى، إن شاء الله.

فنشكر أبوي هذا الطفل، ومن يشجعه على حفظ كتاب الله، وتعلمه، ونسأل الله أن يكتب لهم الأجر يوم القيامة، فما أعظم أن يلقى الإنسان ربَّه وفي صحيفته أعمال دلَّ عليها، أو ساهم في وجودها.

ثانيًا:

ومما لا شك فيه: أن مقياس التفاضل عند الله هو بما يكتسبه المسلم من تقوى، وإيمان، وأعمال صالحة، وقد اختصَّ الله تعالى حافظ القرآن بخصائص عظيمة، وميزات رفيعة، في الدنيا، والآخرة، وللوقوف على بعضٍ من تلك الميزات: يُنظر في أجوبتنا الأخرى.

ثالثًا:

والأصل أن يوازن المسلم بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة، قال تعالى: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) القصص/ 77.

قال الحسن وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. انظر ” تفسير القرطبي ” ( 13 / 314 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ) أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القرُبات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة.

( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) أي: مما أباح الله فيها من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزَوْرك عليك حقًّا، فآتِ كل ذي حقٍّ حقَّه.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 253 ، 254 ).

فالمسلم يعمل لدنياه، كما يعمل لآخرته, وإن كان العمل للآخرة مقدَّمًا عند التعارض؛ لأن الحياة الأبدية، والخلود، ليس في الدنيا، بل في الآخرة، إما في جنة، أو في نار، ولذلك قيل: ” اعمَل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمَل لآخرتك كأنك تموت غدًا “.

رابعًا:

أن يجمع المسلم بين حفظ كتاب الله، وبين مراجعة الدروس المدرسية: أمرٌ ليس صعب المنال، ولكن يحتاج الأمر إلى ترتيب الوقت، وتنظيمه؛ فيجعل وقتًا للحفظ، ومراجعة القرآن, ووقتًا لمراجعة الدروس المدرسية,  ووقتًا للراحة, بل ووقتًا للترويح عن النفس، ويكون ذلك بعمل جدول للوقت، وتنظيمٍ لساعات يومه، مع مراعاة عدم الضغط، وعدم التشديد عليه.

خامسًا:

كما ينبغي مراعاة مستوى الحفظ، والذكاء، لدى الطفل، والشاب، فلا يُحمَّل أحدٌ فوق طاقته، وأكثر من وُسعه؛ ولعل هذا يكون السبب في تقصير ذلك الشاب في جانب، دون الآخر؛ فإذا كان في مقدوره حفظ  صفحة من القرآن يوميًّا: فلا يحمَّل حفظ وجهين، وهكذا؛ حتى يتسنَّى له وقت للواجبات المدرسية, وكذلك الأمر بالنسبة للواجبات المدرسة، فتحميله فوق طاقته يعرِّضه للضغط، والتشويش.

سادسًا:

عند تعارض الأولويات، وازدحامها: يقدَّم خيرُ الخيرين، ويدفع شرُّ الأشرين, وهذه قاعدة عامة عند تعارض المصالح، والمفاسد.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والرسل بُعثوا بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد، وتقليلها, وتقديم خير الخيرين على أدناهما حسب الإمكان, ودفع شرِّ الشرَّين بخيرهما.

” الجواب الصحيح ” ( 2 / 215 ).

 

 

وعلى ذلك: إذا كان ذلك الشاب لا يتم حفظ القرآن، وتكميل هذا الجانب الروحي إلا بنقصانٍ في الجانب الآخر الدنيوي: فتقديم هذا الجانب أولى، وأحرى.

 

* فالنصيحة لوالدي الطفل:

أن يَعملوا على تنظيم وقت هذا الغلام الشاب؛ وعليهم الجمع، والموازنة، بين حفظ القرآن وتحسين أدائه المدرسي، من غير إخلال بواحدٍ منهما، وإن ازدحمت المصالح: قُدِّم أعظمهما مصلحة، لدينه، ودنياه.

 

– والله هو الموفق، والمعين, ومنه يستمد الحول، والقوة.

 

والله أعلم.

 

يطلب ترك الاستقامة بحجة النقص والتقصير من بعض المحسوبين على الالتزام!

يطلب ترك الاستقامة بحجة النقص والتقصير من بعض المحسوبين على الالتزام!

السؤال:

بادئ ذي بدئ أشكر لكم جهدكم المبارك، وأسأل الله عز وجل أن يجعل ما تقدمونه في موازين حسناتكم يوم القيامة.

ثمة شبهة من تلبيس إبليس على بعض الناس، وهي أنهم يرددون مقولة: ” إما أن تأخذ الدين بأكمله، أو تتركه، ولا تتزين به ” !، والسبب في ذلك: مخالطتهم، ومعرفتهم لأشخاص حولهم سَمْتهم الالتزام بأحكام الشرع، وواجباته، لكن لديهم تقصير، ومخالفة، ونقص في أمور أخرى! فهلًا حررتم لنا جوابًا شافيًا في رد هذه الشبهة، ودحض هذه الحجة؛ لأنها منتشرة، وأثرها خطير، وهي من تلبيس إبليس!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جزاك الله خيرًا، وبارك فيك – أخي السائل -، وجعلنا وإياك مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

لا شك أن هذه القضية تجول في خاطر كثيرٍ من الناس, ولعل كثيرًا منهم يرغب عن طريق الاستقامة، أو يتأخر التحاقه بالطريق لهذه الشبهة التي ذكرها السائل، والذي نشكره على اهتمامه بالبحث عن توضيح لهذه المسألة؛ وهذا يدل عن حس إسلامي لدى السائل وغيرة صادقة، إن شاء الله.

ثانيًا:

إن الصراع بين الخير والشر مستمر منذ خلق الله آدم, فقد استكبر إبليس بعده عن الانقياد لأمر الله، وهو في هذا الصراع لا يزال يلقي الشبهة تلو الأخرى ليصد الناس عن طريق الاستقامة، قال تعالى مخبرًا عن حال الشيطان وقوله: ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) الأعراف/ 17.

ثالثًا:

وعدم الكمال من طبيعة البشر؛ ومهما بلغ الإنسان كمالًا في العلم، والتقوى، والإيمان: فوقوع الذنب منه، والمعصية، والتقصير: غير مستبعد, ولذلك لما ذكر الله ما أعده للمتقين بيَّن شيئًا من صفاتهم، ومنها: المسارعة إلى التوبة، والاستغفار، وهذا دليل أن التقي لا بد أن تقع منه الهفوة، والزلة، أو يقع منه التقصير.

قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران/ 133 – 135.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ).

رواه مسلم ( 2749 ).

رابعًا:

هذا، وإن طريق الاستقامة طريق شاق، ويحتاج إلى مجاهدة، وصبر؛ فالإنسان في هذا الطريق يصارع هوى النفس، والشيطان، والشهوات، والشبهات، ويبقى بين صدٍّ وردٍّ، وقُرب وبُعد، ولكن بالصبر، والعلم، والجهاد، يبلغ غايته، كما قال تعالى: ( والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنَا ) العنكبوت/ 69.

عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ، فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ، فَجَاهَدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ).

رواه النسائي ( 3134 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

خامسًا:

وإذا كانت تلك هي حال المسلم مع الشيطان في صراعه معه، وإذا عُلم أن المسلم لن تخلو حياته من زلة، أو تقصير: تبين بطلان ذلك القول الجريء في أنه إما أن يستقيم المسلم على أمر الله بالكلية، أو يدع الاستقامة بالكلية! وفيه من الافتراء على الشرع ما يستوجب الإثم على قائله، وعلى من تفوه به التوبة، والاستغفار، والندم عليه؛ لأن صاحب القول ذاك يدعو للفجور، وارتكاب المحرمات؛ لأنه لن يكون في استطاعة أحد أن يستقيم على أمر الله تعالى بكليته، فصار المطلوب – على حسب ذلك القائل – أن يترك الاستقامة المستطاعة ليفعل كل محرَّم نهى الله عنه، ويترك كل واجب يستطيع المسلم فعله! وهذا بلا شك زندقة ظاهرة، ودعوة للفجور، وقطع لكل فضيلة.

 

سادسًا:

نعم، يُطلب من المسلم أن يدخل في الإسلام كافة، وينهى عن ارتكاب ما نهى الله عنه، لكن ماذا طلب الله ممن خالف ذلك؟! طلب منهم التوبة، والاستغفار، فعل الأوامر، وعدم الاستمرار في تركها، وترك النواهي، وعدم الاستمرار في فعلها، والآيات في ذلك أشهر من أن تُذكر، وقد سبق ذِكر واحدة منها.

ومن طلب من فاعل المعصية الواحدة أن يزيد عليها بفعل كل معصية، وأن يترك كل واجب أوجبه الله عليه: فهو فاعل لما يضاد أمر الله تعالى، وهو غير داخل في سلك المؤمنين؛ لأن من صفات المؤمنين: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومثل هذا آمر بالمنكر، ناهٍ عن المعروف!.

سابعًا:

وإن ما يقع فيه بعض أهل الاستقامة من مخالفة الشرع، في فعل محرَّم، أو ترك واجب: لا يجعل غيره يحذو حذوه، بل يجعله يعتبر به لئلا يقع منه مثل فعله، ويجعله يحمد ربه على العافية في دينه أن سلَّمه ربه تعالى من الفتنة، وليس ينبغي أن يدعوه ذلك إلى اليأس، وترك الاستقامة على أمر الله؛ فإنه إن فعل ذلك صار أشدَّ إثمًا، وأكثر بُعدًا عن الله تعالى، وصار ما أنكره على غيره من الوقوع في المعصية لا شيء بالنسبة لما وقع هو فيه.

والإنسان رهين عمله، كما قال تعالى: ( كلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) المدثر/ 38، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُها) رواه مسلم ( 223 ).

والقدوة والأسوة للمسلمين ليس هو فلان، أو فلان، إنما هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يكون للمسلم أسوة حسنة، يقتدي بفعله، ويهتدي بهديه، ولا يغتر المسلم بما يكون عليه حال غيره من الصلاح فقد يُختم له بسوء، كما لا يتسرع بالحكم على صاحب المعاصي بالهلاك، فقد يُختم له بخير، وإنما الأعمال بالخواتيم.

* قال أنس – رضي الله عنه -: 

لا تعجبوا لعمل رجلٍ حتى تعلموا بما يختم له به؛ فقد يعمل الرجل برهة من دهره، أو زمانًا من عمره عملًا سيئًا، لو مات عليه: مات على شر، فيتحول إلى عمل صالح فيُختم له به, وقد يعمل العبد برهة من دهره، أو زمانًا من عمره عملًا صالحًا، لو مات عليه: مات على خير، فيتحول إلى عملٍ سيءٍ فيختم له به.

رواه أحمد في ” مسنده ” ( 3 / 223 )، وصححه محققوه.

وعلى الإنسان في سيره إلى الله أن يحاول أن يبلغ الغاية، والكمال، وأن يجاهد نفسه في سبيل تحقيق ذلك، وأن يجعل الغاية مرضاة الله، وليغض نظره عن أفعال الناس، وأعمالهم، إلا أن يستفيد فيعتبر، أو يتعظ، إن فعل غيرُه معصية، أو يستفيد بالحث على أن يفعل كفعله إن رآه على طاعة، وخير، وكل امرئ بما كسب مجزي، ومرتهن.

 

والله أعلم.

 

 

 

هل يلزم الموصى إليه أن يغسل ويصلي الموصي؟ ومسائل في العزاء

هل يلزم الموصى إليه أن يغسل ويصلي الموصي؟ ومسائل في العزاء

السؤال:

إذا أوصت المتوفاة بأن يغسلها بناتها، فهل عليهن أن ينفذن الوصية، مع العلم أنهن لا يأمنَّ أنفسهن، ويخفن أن يرتكبن معصية، كأن يدفعهن الحزن والجزع لارتكاب ما يغضب الله تعالى، كاللطم على الخدود، فهنّ يطلبن من الله تعالى الثبات، ويرغبن بالبعد عن مواطن الفتن، فهل يجوز لهن عدم تنفيذ الوصية؟ وهل يجب عليهن الذهاب مع المتوفاة كأن تكون أمًّا، أو أختًا، هل يجب عليهن مرافقة المتوفاة إلى مكان غسل الموتى؟ وهل يأثمن في حال عدم مرافقتها؟ نحن نعلم بأن مجالس العزاء من البدع، ولكن إذا كان هناك من الأهل من يجلس للعزاء في حالة وفاة قريب له، فهل في ذهابنا لتقديم العزاء في هذه المجالس ارتكاب لمعصية؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. إذا كان الميت قد أوصى لشخص معين بأن يغسله: فهو أولى الناس بتغسيله إذا نازعه أحد، وربما كان ذلك لسبب، كأن يكون هذا الوصي أمينًا يستر ما يراه من سوء، أو أن يكون عالمًا بأحكام الغسل، أو غير ذلك، وقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه زوجته أسماء بنت عميس بغسله بعد موته، وأوصت فاطمة زوجها عليًّا بغسلها، وأوصى أنس بن مالك تلميذَه التابعي الجليل محمد بن سيرين بالأمر نفسه، وقد نفَّذ الأوصياء جميعًا ما أوصوا به، وهم مقدمون على أقرب الناس من الميت.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” وأوْلى الناس بغسله: وصيُّه “، أي: لو تنازع الناس فيمن يغسل هذا الميت، قلنا: أولى الناس بغسله: وصيه، أي: الذي أوصى أن يغسله.

واستفدنا من قول المؤلف: ” وصيه ” أنه يجوز للميت أن يوصي ألاَّ يغسله إلا فلان، والميت قد يوصي بذلك لسبب، مثل: أن يكون هذا الوصيُّ تقيًّا يستر ما يراه من مكروه، أو أن يكون عالِمًا بأحكام الغسل، أو أن يكون رفيقًا؛ لأن بعض الذين يغسلون الأموات يعاملونهم بشدة عند نزع ثيابهم، وكأنما يسلخون جلد شاة مذبوحة – نسأل الله العافية -، فيوصي لشخص معين، فإذا كان الميت قد أوصى لشخص معين بأن يغسله: فهو أولى الناس بتغسيله.

والدليل على استفادة أولوية التغسيل بالوصية: ” أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته “، ” وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين “.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 5 / 265 ، 266 ).

وهل تنفيذ الوصية في مثل هذه الأحوال واجب شرعي على الموصى إليه؟ الظاهر: عدم وجوب ذلك؛ فلا واجب شرعي إلا ما جاء من الشرع، ولو كان ذلك واجبا شرعيًّا لوقع كثيرون في حرج، وخاصة أهل العلم والفضل، فكل المحبين لهم يودون لو غسلهم أولئك العلماء والفضلاء، وصلوا عليهم، وهذا يوقعهم في حرج بلا ريب، ولذا لم يكن واجبًا تنفيذ مثل هذه الوصايا.

ومما يستدل به على وجوب تنفيذ الوصية: قوله تعالى ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) البقرة/ 240.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – في فوائد هذه الآية -:

ومنها: أن المرأة يحل لها إذا أوصى زوجها أن تبقى في البيت: أن تخرج، ولا تنفذ وصيته؛ لقوله تعالى: ( فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ )؛ لأن هذا شيء يتعلق بها، وليس لزوجها مصلحة فيه.

ويتفرع عليه: لو أوصى الزوج الزوجة ألا تتزوج من بعده: لا يلزمها؛ لأنه إذا كان لا يلزمها أن تبقى في البيت مدة الحول: فلأن لا يلزمها أن تبقى غير متزوجة من باب أولى.

وكذلك يؤخذ منه قياسًا: كل مَن أوصى شخصًا بأمر يتعلق بالشخص الموصى له: فإن الحق له في تنفيذ الوصية، وعدم تنفيذها.

” تفسير سورة البقرة ” ( 3 / 187 ، 188 ).

وأما الواجب تنفيذه مما أوصى به الميت قبل موته: فهو فيما يتعلق بماله الذي كان يملكه، وحتى هذا فإنه مرتبط بالشرع، فلا يحل له أن يوصي بأكثر من الثلث، ولا يوصي لوارث.

  1. شرط تولي الموصى إليه غسل المتوفَّى: أن يكون صالحًا لذلك، قادرًا عليه، وإلا لم يشرع له القيام بذلك، وعندها يتولى تغسيل المتوفى: الأقرب فالأقرب، ممن يُحسن تغسيل الأموات.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

وهذا الترتيب في الأولوية: إذا كانوا كلهم يحسنون التغسيل، وطالبوا به, وإلا فإنه يقدَّم العالم بأحكام التغسيل على مَن لا علم له.

والمرأة تغسلها النساء, والأولى بتغسيل المرأة الميتة: وصيتها, فإن كانت أوصت أن تغسلها امرأة معينة: قُدِّمت على غيرها، إذا كان فيها صلاحية لذلك, ثم بعدها تتولى تغسيلها القربى، فالقربى من نسائها.

” الملخص الفقهي ” ( 1 / 300 ).

وعليه: فالأولى لبنات الأم الميتة أن يقمن بتغسيلها، بشرط أن يكنَّ على علم بطريقة التغسيل الشرعي، وبشرط أهم: وهو عدم وقوعهن في إثم النياحة، وشق الثياب، وغيرها مما نهيت عنه.

  1. فالوصية بفعل المعاصي: لا تصح، ويأثم من يوصي بذلك، وأما الوصية بمباح يُحتمل أن يقع صاحبه فيه بمعصية: فلا يأثم من أوصى بذلك إن غلب على ظنه عدم وقوع معصية، ويأثم من نفذها إن علم من نفسه، أو غلب على ظنه وقوعه في الإثم.

فوصية الأم بناتِها بأن يغسلنها: ليس عليها فيها حرج من حيث الأصل؛ بل هنّ أولى من يقوم بذلك من النساء، لكن إذا خشيت البنات من ارتكاب الإثم باللطم، وشق الثياب، والنياحة: فلا جناح عليهن من عدم تنفيذ وصية والدتهن بغسلها، بل هو المتعين عليهن فعله بلا شك، وليلتمسن لها امرأة أمينة، تقية، تقوم بغسلها.

  1. ولا يلزمهن اتباع المغسّلة إلى موضع الغسل، إلا إذا احتاجت إلى من يساعدها، وهن قادرات على ذلك، من غير أن يقعن في الإثم.
  2. يشرع تقديم التعزية لأهل الميت، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عزَّى أهل جعفر بن أبي طالب لما استشهد في مؤتة، وسيأتي ذِكر ذلك عن عائشة رضي الله عنها.
  3. وتكون التعزية بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( إنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ إلى أَجَل مُسَمَّى، فَلْتَصْبرْ وَلْتَحْتَسب ) رواه البخاري ( 1284 ) ومسلم (923)، أو قول ” عَظَّم الله أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ “، أو أي كلمات طيبة تعين على الصبر، وتذكّر بالرضا بقدر الله؛ لأن المقصود من التعزية: تسلية أهل المصيبة في مصيبتهم، ومواساتهم، وجبرهم.
  4. وليس للتعزية مكان معين يخصص لها، فإن تيسر لأهل الميت إقامته خارج البيت: كان أولى، كما يفعله كثيرون في فعله في مكان التقاء العشيرة – مضافة، أو ديوانية – أو يقام عند جار، والمهم في ذلك أمران:

أ. الابتعاد قدر المستطاع عن بيت أهل المصيبة؛ حتى  لا يزاد عليهم حمل استقبال الناس فوق مصيبتهم.

ب. أن يُتجنب الإسراف والتبذير، كأن تستأجر صالة بمبالغ باهظة، أو تُنصب خيم، أو تُعلّق إضاءات، أو تُقدّم ضيافات، وكأنها اجتماع أفراح!.

  1. يجوز الذهاب لتعزية أهل الميت، ومجالستهم بقصد التخفيف عنهم، وخاصة النساء، فهنَّ أحوج من الرجال للتعزية، والتذكير بالله تعالى، وبوجوب التسليم بقضائه، وقدَره؛ لما يكثر منهن النياحة، وشق الثياب، ورفع الصوت، عند تلك المصائب، وهو ما كانت تفعله النساء الصحابيات، بل كانت الفقيهة عائشة رضي الله عنها تصنع لأهل الميت طعامًا يخفف عنهن الحزن، فتجمع بين الأمور المعنوية، والحسية، في سبيل تخفيف المصاب عليهن.

 

 

 

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ).

رواه البخاري ( 5101 ) ومسلم ( 2216 ).

 

وقول عائشة في الحديث ” أنها كانت إذا مات الميت “: يدل على أنها كانت عادة عندهم، وأن ذلك كان يتكرر منها.

– وقولها ” ثم تفرقن ” يدل على أنهنَّ كنَّ مجتمعات.

– وقولها ” ثم تفرَّقن إلا أهلها ” يدل على أن غيرهنَّ كان معهنَّ، ثم انصرفن.

– ولمعرفة ” التلبينة ” وفوائدها، وطريقة صنعها: فلينظر في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.

 

 

هل إعادة الحياة بعد موت بعض الناس ما يناقض أن الموتة واحدة؟

هل إعادة الحياة بعد موت بعض الناس ما يناقض أن الموتة واحدة؟

السؤال:

بصفتي أدرس الدين المقارن: بماذا أجيب من يسألني سؤالًا حول الآية في الإنجيل التي تقول ” إنه قد كتب على ابن آدم أن يموت مرة واحدة، ثم يأتي الحساب “، مما يعنى أن كل إنسان سيموت مرة واحدة، فماذا أقول إذا سألني أحدهم: لماذا يقول الإنجيل بأن عيسى قد أعاد الحياة إلى ” لزروس “، وبذلك فإنه عند وفاته فإنها ستكون ميتته الثانية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن مسؤولية المعلّم مسؤولية عظيمة، ومهمته عزيزة؛ فهو المربي، والمعلّم، والقدوة؛ يروي ظمأ طلابه، ويرفع حيرتهم؛ ووظيفته وظيفة الأنبياء والرسل إذا أخلص النية؛ فنسأل الله أن يوفقك لحمل هذه المسؤولية والقيام بحقها، فأجرك عظيم في نصحك وتوجيهك لطلابك.

 

ثانيًا:

اختص الله تعالى الأنبياءَ بآيات بيّنات، وكانت كل آية مما اشتهر بمثل جنسها أقوامهم، وكانت معجزة عيسى عليه السلام إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، بإذن من الله تعالى، كما قال: ( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) آل عمران/ 49.

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

قال كثير من العلماء: بعثَ الله كل نبيّ من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه؛ فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر، وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيَّرت كلَّ سحَّار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار: انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار، وأما عيسى عليه السلام: فبُعث في زمن الأطباء، وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث مَن هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟! وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بُعث في زمان الفصحاء، والبلغاء، ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله عز وجل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعَشر سور من مثله، أو بسورة من مثله: لم يستطيعوا أبدًا .

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 485 ).

وآيات الأنبياء هي خروج عن المألوف، وخرق للعادة؛ تثبيتًا للنبي، وأتباعه، وعلامة على رسالته، وصدقه فيما يدعو إليه.

 

ثالثًا:

والموت معناه مفارقة الروح للجسد، وليس المقصود بالموت فناء الأرواح، بل المقصود به: أن تفارق الروح الجسد، إما إلى نعيم، وإما إلى عذاب.

وقد كتب الله الموتَ على كل العباد، كما قال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا لبَشَر منْ قَبْلكَ الخُلْدَ ) الأنبياء / 34، وبيّن أن أهل الجنة لا يذوقون موتة غير موتة الدنيا، كما قال تعالى: ( لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) الدخان/ 56.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الروح تفارق الجسد، وتتصل به أحيانًا، ومفارقة الروح تسمّى موتًا – كما قدمنا -، وليست هي روح حياة بدنه التي كان يحيى بها في الدنيا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فالأرواح تعاد إلى بدن الميت، وتفارقه، وهل يسمَّى ذلك موتًا؟ فيه قولان، قيل: يسمَّى ذلك موتًا، وتأولوا على ذلك قوله تعالى: ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )غافر/ من الآية 11، قيل: إن الحياة الأولى في هذه الدار، والحياة الثانية في القبر، والموتة الثانية في القبر.

والصحيح: أن هذه الآية كقوله ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) البقرة/ من الآية 28، فالموتة الأولى: قبل هذه الحياة، والموتة الثانية: بعد هذه الحياة، وقوله تعالى: ( ثُمَّ يُحْييكُم ) بعد الموت، قال تعالى: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) طـه/ 55، وقال {  قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) الأعراف/ 25، فالروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وتفارقه متى شاء الله تعالى، لا يتوقت ذلك بمرة، ولا مرتين، والنوم أخو الموت، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه: ( باسْمكَ اللهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا ) وكان إذا استيقظ يقول: ( الحَمْدُ لله الذي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإلَيْه النُّشُور ) – رواه البخاري (5953 ) -، فقد سمَّى النوم: موتًا، والاستيقاظ: حياة.

” مجموع الفتاوى ”  ( 4 / 275 ).

 

 

رابعًا:

إن عيسى عليه السلام كان من آياته: إحياء الموتى، وهذه الآية من عند الله، قد اختصه بها دون غيره من الأنبياء.

ونحن لا نلتفت إلى ما نقلتَه عن الإنجيل؛ لاعتقادنا بتحريفه من جهة، ولأن ما نَقلته موافق لما عندنا في الشرع، من أن الخلق يموتون موتة واحدة، لا يرجعون بعدها إلى الدنيا؛ لانتقالهم لعالم البرزخ، ولكننا نقول أكثر العمومات له ما يخصصها، وقد اختص الله من عموم منع رجوع الأرواح إلى الأجساد – وهو الموت الحقيقي – بعض الأموات؛ آية على قدرة الحق سبحانه على إحياء الناس جميعًا بعد موتهم، أو آية لنبي – كما خصّ به عيسى عليه السلام – ولا محذور في ذلك؛ لأن هذا الإحياء ورجوع الروح كان بأمر الله تعالى، ومن أمثلة ذلك:

  1. ما جاء في قصة القتيل زمن موسى عليه السلام، وما حصل من إحياء الله تعالى له ليدل على من قتله، قال تعالى: ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) البقرة/ 73.
  2. وما حصل من إحياء الله تعالى للرجل الذي أماته – وحماره – مائة عام، ثم أحياه، قال الله تعالى: ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) البقرة/ 259.
  3. وما حصل من إحياء الله تعالى لقوم كثُر، قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) البقرة/ 243.
  4. وما حصل من إحياء الله تعالى لمن أماته من قوم موسى عليه السلام الذين طلبوا منه رؤية ربه تعالى، فأخذتهم الصاعقة، فماتوا، ثم بعثهم الرب تعالى، قال تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) البقرة/ 56.

وهذا كله يضاف إلى ما أخبر الله تعالى به من إحياء عيسى عليه السلام لبعض الموتى بأمر الله تعالى، وكل هذا استثناء من العموم، والأصل، وليس هذا بغريب، ولا عجيب في واقع الحياة، فلو قال قائل إنه لا إنجاب إلا من ذكر وأنثى: لكان صادقًا، بل هو مؤيد بالقرآن والسنَّة، كمثل قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) الحجرات/ من الآية 13، وقد خُصَّ هذا العموم بآدم عليه السلام الذي خُلق من غير ذكر ولا أنثى، وخُصّت حواء عليها السلام، حيث خُلقت من ذكر بلا أنثى، وخُصَّ عيسى عليه السلام، حيث خُلق من أنثى بلا ذَكر.

 

وبكل حال:

فالبعث إلى الحياة بعد الموت حصل قطعًا في صور متعددة، وليس هو البعث للحساب، فذام لن يكون إلا مرة واحدة، ولجميع الخلق، فلا يتنافى هذا مع ما ذكرناه من إرجاع الله تعالى بعض الناس إلى الحياة لحكَم جليلة، يكفي منها حكمتان:

  1. إثبات قدرة الله على بعث الخلائق جميعها يوم القيامة، ولذا كانت هذه الصور المستثناة من أعظم الأدلة على البعث، واختصاص الله تعالى به.
  2. جعلها آية على صدق النبي، وأنه مرسل من عند الله تعالى، كما في إحياء عيسى عليه السلام للموتى بإذن ربه، وكما في إحياء قتيل قوم موسى.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – بعد أن عدَّد ما في سورة البقرة من مواضع أحيا الله فيها بعض الموتى -:

ولا ينافي هذا ما ذَكر الله في قوله تعالى: ( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) المؤمنون/ 15 ، 16؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها – كإخراج عيسى الموتى من قبورهم – تعتبر أمرًا عارضًا، يُؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى، أما البعث العام: فإنه لا يكون إلا يوم القيامة، ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: ( مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) الأنبياء/ 38، ويقولون: ( فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) الدخان/ 36، نقول: إن هؤلاء مموِّهون، فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن، بل يوم القيامة، ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب. انتهى.

 

 

والله أعلم.

زوجها يرى عدم إرسال أولاده إلى المدارس لفسادها، فما الحل؟

زوجها يرى عدم إرسال أولاده إلى المدارس لفسادها، فما الحل؟

السؤال:

أنا في اختلاف دائمًا مع زوجي، وسبب ذلك: أنه لا يريد ترك الأولاد يذهبون إلى المدارس, ويقول: إن المدارس تفسد تربية الأولاد، فما رأي حضرتكم من ناحية الدين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا: 

الأولاد نعمة عظيمة مِن نعَم الله تعالى على عباده, وهي أمانة في عنق العبد يُسأل عنها يوم القيامة، كما جاء في الحديث عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ).

رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).

ومن الواجب على الأب أن يحفظ أولاده من كل مكروه، مادي، أو معنوي, وأولى ما يجب حفظه هو دينهم، واستقامتهم.

 

ثانيًا:

الأصل في المسلم أن يوازن بين حسنات الشيء وسيئاته، ويقارن بين السلبيات والإيجابيات، ويغلب الجانب الأرجح.

ولا شك أن المدارس لها سلبياتها، وإيجابياتها، فالمدارس لها تأثير إيجابي، وسلبي، في تربية الأولاد، وتنشئتهم، ويشكوا كثير من الآباء والأمهات من سلبيات المدارس, وهذا واقع تعيشه أغلب الأسر الملتزمة, ولكن يستطيع المسلم أن يتغلب على تلك السلبيات بأمور عدة:

أ. الاستعانة بالله سبحانه وتعالى في حفظهم بالدعاء، والتضرع إليه، والدعاء سلاح عظيم في حفظ الأولاد، وقد ذكر الله من دعاء الصالحين: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) الفرقان/ 74.

مع توضيح أن صلاح الوالدين له دور في صلاح الأبناء، كما قال تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) الكهف/ 82.

 

 

* قال ابن رجب – رحمه الله -:

وقد يحفظُ الله العبدَ بصلاحه بعدَ موته في ذريَّته، كما قيل في قوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحاً ): أنَّهما حُفِظا بصلاح أبيهما.

” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 186 ).

ب. أن يكون للوالدين دور في نشأة الأولاد، وتربيتهم, وعدم  الاقتصار على دور المدرسة، فواجبٌ على الأب أن يصطحب أولاده إلى المسجد، ويبعث بهم إلى حلقات تحفيظ القرآن، ودروس العلم, وأن يغرس فيهم حب الدين، وهكذا الحال أيضاً بالنسبة للأم في بيتها مع بناتها.

ج. أن يراقب الأولادَ مراقبة حثيثة، ويتابعهم متابعة متواصلة في المدرسة، مع المعلمين, ومع الطلبة، مع النصح والتوجيه لأولاده بالرفق، واللين، ويجمع بين الترغيب والترهيب.

د. الاستعاضة عن المدارس الحكومية بالمدارس الإسلامية التي تهتم بالجانب الديني للطلبة, وأن يختار لذلك الأفضل، والأحسن, وهي كثيرة – والحمد لله -، وفي أغلب البلاد, وأما إن كانوا لا يقدر ماديّاً على دفع رسوم تلك المدارس: فيمكن البحث عن المدرسة الأحسن، والأفضل من المدارس العامة، بالسؤال، والاستشارة.

هـ. الحرص على أن يكون للوالدين دور في اختيار الصحبة الصالحة في المدرسة، وفي الحي، وذلك بأن يكونوا – مثلًا – من زملاء المسجد، أو حلقة تحفيظ القرآن، أو الأقرباء الذين يوثق بهم.

و. أن يحرص الوالدان أن لا يكون هناك فجوة بينهم وبين أولادهم، بحيث لو حصلت مشكلة مثلًا: سارع الأولاد إلى الوالدين لعرضها عليهم, وهذا معلوم بالتجربة.

والشاهد: أن مِن أعظم المسؤولية هي مسؤولية الأولاد، وقد قال ابن القيم رحمه الله: ” فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم, وترك تعليمهم فرائض الدين، وسننه، فأضاعوهم صغارًا. ” تحفة المودود ” ( ص 229 ).

ثم بعد ذلك نبين أنه لو اضطر إنسان لإخراج أولاده من المدارس: فالأصل أن يجد لهم بديلًا مناسبًا عن تلك المدارس لئلا يضيع أمرهم إلى لا شيء، وخاصة أننا وجدنا من تورع عن المدارس فهجرها: فضاع أولاده ما بين التلفاز، والشارع، وغرقوا في الجهل، وأكثروا من اللعب، فلم يصنع شيئًا، بل قد أثم بإيقاع الضرر عليهم، ومن البديل المناسب:

أ. الدراسة المنزلية، فيجعل دراسة أولاده في البيت، تحت نظره، ويكون تقديم الامتحانات النهائية في المدرسة، فيجمع بين حفظهم من شر المدارس، وبين حصولهم على شهادات مدرسية، حكومية.

  1. الدراسة عن بُعد، وهي معمول بها في بعض البلدان، وذلك عن طريق الإنترنت في المنزل.
  2. مدارس تحفيظ القرآن في المساجد، أو المراكز الإسلامية، والتي تُعنى بتعليم العلم الشرعي.

وهذا كله على افتراض أنه لم يستطع أن يجد مدرسة يثِق بها، أو كانت كلها مختلطة، أو أنها تعلِّم الكفر والإلحاد، أو أنه رأى أنه لا خير فيها، وما فيها من نفع فيمكنه تحصيله من غيرها.

والنصيحة للأخت أن تستعين بالله، وأن تلجأ إليه بالدعاء, وأن تحاور زوجها, وتناقشه، باللين، والحجة، والبيان, وأن تستعين بأولي العقل والصلاح من أهلها، أو أهله, والله هو الله المأمول أن يحفظنا، وإياكم، وذرارينا من كل سوء، وشر.

 

والله أعلم.

 

 

كحل الإثمد، تعريفه، ومصدره، وفوائده، وضوابط استعماله للنساء والرجال

كحل الإثمد، تعريفه، ومصدره، وفوائده، وضوابط استعماله للنساء والرجال

السؤال:

استمعت، ورأيت، حديثًا، بخصوص استخدام الكحل في العين، فقد استخدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم الإثمد، وقال: إنه ينمى الرموش، ويزيد من قوة الإبصار، فهل من السنَّة استخدام هذا الكحل؟ وما هو كحل الإثمد ( تعريفه ، وتفسيره)؟ وأين يمكن إيجاده؟ ولدى كحل أحمر اللون مكتوب عليه أنه إثمد، كما كتب على الزجاجة الحديث السابق، وقد اشتراه قريب لي من المملكة العربية السعودية.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الإثمد نوع من أنواع الكحل، وهو أجودها، ويوجد في الحجاز، والمغرب، وأصبهان، وغيرها من الدول، وهو في الأصل ” حَجَر ” أسود يميل إلى الحُمرة، يدق، ويُصنع منه كُحلًا للعينين.

* قال مرتضى الزبيدي – رحمه الله -:

” الإِثْمِدُ ” بالكسر: حَجَرُ الكُحْل، وهو أَسودُ إِلى حُمْرَة، ومعدنه بأَصبهانَ، وهو أَجْوَدُه، وبالمَغْرِب، وهو أَصْلَبُ.  ” تاج العروس ” ( 4 / 468 ).

* وقال المباركفوري – رحمه الله -:

يكون في بلاد الحجاز، وأجوده يؤتى به من أصبهان.

” تحفة الأحوذي ” ( 5 / 365 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وأجودُه: السريعُ التفتيتِ الذي لفُتاته بصيصٌ، وداخلُه أملسُ ليس فيه شيء من الأوساخ. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 283 ).

 

ثانيًا:

جاء في السنَّة النبوية أحاديث صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم الكحل، وحثَّ على التكحل بالإثمد خاصة؛ لمزاياه، ومن ذلك:

  1. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ ). رواه أبو داود ( 3878 ) والنسائي ( 5113 ) وابن ماجه (3497)، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
  2. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو البَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ ). رواه الترمذي ( 1757 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
  3. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عَلَيْكُم بِالإِثْمِد فَإِنَّهُ مَنْبَتَةٌ للشَّعْرِ، مَذْهَبَةٌ للقَذَى، مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ ). أخرجه الطبراني في ” الكبير ” ( 1 / 109 ، رقم 183 ). وحسَّنه المنذري والعراقي وابن حجر ، انظر ” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 89 ) و ” فتح الباري ” ( 10 / 157 ).

– ومعنى ( يجلو البصر ): من الجلاء، أي: يحسِّن النظر، ويزيد نور العين، بدفعه المواد الرديئة المنحدرة من الرأس.

– ( ويُنبت الشعر ) من الإنبات، والمراد بالشعر هنا: الهدب، وهو الذي ينبت على أشفار العين. انظر ” عون المعبود ” ( 11 / 75 ).

 

ثالثًا:

نصَّ العلماء على استحباب استخدام الكحل، خاصة الإثمد منه.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في فوائد الكحل بعامة -:

وفي الكحل: حفظٌ لصحة العين، وتقوية للنور الباصر، وجِلاء لها، وتلطيف للمادة الرديئة، واستخراج لها، مع الزينة في بعض أنواعه، وله عند النوم مزيد فضل؛ لاشتمالها على الكحل، وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها، وخدمة الطبيعة لها، وللإثمد من ذلك خاصية.

” زاد المعاد ” ( 4 / 257 ).

* وقال – رحمه الله – في فوائد الإثمد خاصة -:

ينفعُ العين ويُقوِّيها، ويشد أعصابَها، ويحفظُ صِحتها، ويُذهب اللَّحم الزائد في القُروح ويُدملها، ويُنقِّي أوساخها، ويجلوها، ويُذهب الصداع إذا اكتُحل به مع العسل المائي الرقيق، وإذا دُقَّ وخُلِطَ ببعض الشحوم الطرية، ولُطخ على حرق النار: لم تَعرض فيه خُشْكَرِيشةٌ – أي: قِشرة -، ونفع من التنفُّط الحادث بسببه، وهو أجود أكحال العين، لا سِيَّما للمشايخ، والذين قد ضعفت أبصارُهم، إذا جُعِلَ معه شيءٌ من المسك. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 283 ).

وجاءت رواية أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتحل في العين اليمنى ثلاثًا، وفي اليسرى مرتين، لكن الرواية ضعيفة، ولذا فمن اكتحل استحب له الوتر في كلتا العينين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويستحب أن يكتحل وترًا. ” شرح العمدة ” ( 1 / 225 ).

 

رابعًا:

والكحل زينة، لذا لا يجوز للمرأة إظهاره أمام الأجانب، كما لا يجوز للرجل أن يقصد التزين به.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والاكتحال نوعان:

أحدهما: اكتحالٌ لتقوية البصر، وجلاء الغشاوة من العين، وتنظيفها وتطهيرها بدون أن يكون له جمال، فهذا لا بأس به، بل إنه مما ينبغي فعله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل في عينيه، ولا سيما إذا كان بالإثمد.

النوع الثاني: ما يقصد به الجَمال، والزينة، فهذا للنساء مطلوب؛ لأن المرأة مطلوب منها أن تتجمل لزوجها.

وأما الرجال: فمحل نظر، وأنا أتوقف فيه، وقد يفرَّق فيه بين الشاب الذي يُخشى من اكتحاله فتنه، فيُمنع، وبين الكبير الذي لا يُخشى ذلك من اكتحال، فلا يمنع.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 73 ).

فعلى ذلك يتبين أن الإثمد نوع من أنواع الكحل، وهو يميل إلى الاحمرار، وله خاصية تقوية البصر، وتنظيف العين، ويستحب استخدامه للرجال والنساء، إلا أنه يكره استخدامه للرجال إذا قصد به الزينة، وتتزين به المرأة لغير الأجانب.

 

والله أعلم.