الرئيسية بلوق الصفحة 66

تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع

تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع

السؤال:

ما حكم هجاء المشركين والفسَّاق؟.

أرجو التفصيل، فقد أعجبني تفصيلكم في سؤال عن حكم الرثاء في الإسلام، فقد كانت إجابة شافية، ومؤصلة، ومعزوة؟ وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الهجاء ” ضد ” المدح “، وقد اتفق الفقهاء على أن الأصل في عرض المسلم أنه مصون، وأنه لا يجوز هجوه من غير أن يكون مستحقًّا لذلك.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 159 ، 160 ):

وقد استدل الفقهاء على عدم جواز هجو المسلم بقول الله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) الأحزاب/ 58، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الحجرات/ 11، وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) – متفق عليه – ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ بِاللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءِ ) – رواه الترمذي، وصححه الألباني -. انتهى.

 

ثانيًا:

ذهب الشافعية إلى جواز هجو المبتدع، والمعلن بفسقه، وذهب الحنفية إلى جواز هجو المنافق.

* قال الشربيني الشافعي – رحمه الله -:

ومثله في جواز الهجو: المبتدع، كما ذكره الغزالي في ” الإحياء “، والفاسق المعلِن، كما قاله العمراني، وبحَثه الإسنوي. ” مغني المحتاج ” ( 4 / 430 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 159 ):

ذهب الفقهاء إلى عدم جواز هجو المسلم، واستثنى الشافعية المبتدع، والفاسق المعلِن بفسقه، فيجوز هجوهم، وعند الحنفية: يجوز هجو المسلم المنافق. انتهى.

وكلما ازداد قبح البدعة، وبُعدها عن الصراط المستقيم: تحتم على أهل السنَّة كشف عوارها، وتبيين ضلالها، وهو من الجهاد في سبيل الله باللسان.

 

* قال ابن القيم – رحمه الله – في بيان شرِّ بدعة التعطيل، والتأويل، وذم أهليهما -:

فكشْف عورات هؤلاء، وبيان فضائحهم، وفساد قواعدهم: مِن أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: ( إِنَّ رُوحَ القُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ )، وقال: ( أُهْجُهُم – أَوْ هَاجِهِم – وَجِبْرِيلُ معك )، وقال: ( اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ مَا دَامَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِكَ )، وقال عن هجائه لهم: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ فِيهم من النَّبْل )، وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله: وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمة الإسلام الذين لهم في الأمَّة لسان صدق: يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص، وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول، ودينه، وأهل النفاق، والإلحاد ؛ لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك ، ومحال، وكفر، وضلال، وتشبيه، وتمثيل، أو تخييل، ثم صرْفها إلى معانٍ يعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي، والألغاز، لا يصدر ممن قصْدُه نصح، وبيان، فالمدافعة عن كلام الله ظن ورسوله، والذب عنه : من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وأنفعها للعبد. ” الصواعق المرسلة ” ( 1 / 301 ، 302 ).

ثالثًا:

وأما الكافر، والمشرك، والمرتد: فظاهر النصوص تدل على جواز هجائهم، بل قد دلَّت سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك من الجهاد.

عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ).  رواه أبو داود ( 2504 ) والنسائي ( 3069 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عيب ديننا، وشتم نبيِّنا: مجاهدة لنا، ومحاربة، فكان نقضاً للعهد ، كالمجاهدة، والمحاربة بالأَوْلى.

يبين ذلك: أن الله سبحانه قال في كتابه: ( وَجَاهِدُوا بِأَمْوالِكم وَأَنْفِسكم فِي سَبيلِ الله ) التوبة/ 41، والجهاد بالنفس: يكون باللسان، كما يكون باليد، بل قد يكون أقوى منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( جَاهِدُوا المُشْرِكين بِأَيْدِيكُم وَأَلْسِنَتِكُم وَأَمْوالِكُم ) رواه النسائي وغيره، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: ( أهْجُهُم وَهَاجِهِم)، ( وكان يُنصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره، وهجائه للمشركين ) – رواه البخاري تعليقا، ورواه أبو داود والترمذي متصلًا، وحسنه الألباني -، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوح القُدُس ) – متفق عليه -، وقال: ( إِنَّ جِبرائيلَ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) – وهو الحديث قبل السابق -، وقال: ( هِيَ أَنْكَى فِيهُم مِن النَّبْل ) رواه مسلم.

” الصارم المسلول ” ( 1 / 213 ).

كما يظهر أن ذلك يكون مقيَّدًا بما إن كان ردًّا على هجاء أولئك الكفار للإسلام، أو لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وقد دلَّ النص القرآني على عدم جواز ابتدائهم بالسب، والهجاء؛ خشية من تعرضهم لله تعالى، أو لدينه، أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، بالسب والشتم، فقال الله تعالى: ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام/ 108.

ومما يدل على جواز هجاء الكفار والمشركين ردًّا عليهم: ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ حسان بن ثابت بأن يهجو المشركين، ردًّا على طعنهم، وأخبره صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام ينصره.

عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ: ( اهْجُهُمْ – أَوْ قَالَ: هَاجِهِمْ – وَجِبْرِيلُ مَعَكَ ). رواه البخاري ( 5801 ) ومسلم ( 2486 ).

* قال العيني – رحمه الله -:

قوله ( اهجهم ): أمرٌ مِن هجا، يهجو، هجوًا، وهو نقيض المدح.

قوله ( أو هاجهم ): شك من الراوي، من المهاجاة، ومعناه: جازهم بهجوهم.

قوله ( وجبريل معك ): يعني: يؤيدك، ويعينك عليه.

” عمدة القاري ” ( 15 / 134 ).

* وفي ” مغني المحتاج ” ( 4 / 430 ):

محل تحريم الهجاء إذا كان لمسلم فإن كان لكافر أي غير معصوم جاز كما صرح به الروياني وغيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر حسَّان بهجو الكفار، بل صرح الشيخ أبو حامد بأنه مندوب.

وظاهر كلامهم جواز هجو الكافر غير المحترم المعين، وعليه: فيفارق عدم جواز لعنه ؛ فإن اللعن: الإبعاد من الخير، ولاعِنه لا يتحقق بعده منه، فقد يختم له بخير بخلاف الهجو. انتهى.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 160 ):

ذهب الفقهاء إلى جواز هجو الكافر غير المعصوم، وكذا المرتد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حسان بن ثابت رضي الله عنه بهجو الكفار. انتهى.

وفي ذِكر جبريل عليه السلام في الحديث دون غيره من الملائكة حكمة بالغة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وإنما خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، وهو روح القدس، بنصرة من نصره، ونافح عنه؛ لأن جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وَهُوَ يتولى نصر رسله، وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط، وفرعون، في البحر .

فمَن نصر رسول الله، وذب عنه أعداءه، ونافح عنه: كان جبريل معه، ومؤيِّدًا له، كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) التحريم/ 4 ]. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 509 ).

وبالتأمل في سبب ورود الحديث: يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين ردًّا على طعنهم، لا أن ذلك كان ابتداءً.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي الحديث : جواز سب المشرك، جوابًا عن سبه للمسلمين, ولا يعارض ذلك مطلق النهي عن سب المشركين لئلا يسبوا المسلمين: لأنه محمول على البداءة به, لا على من أجاب منتصرًا.  ” فتح الباري ” ( 10 / 547 ).

وفي ” حاشية السندي على صحيح البخاري ” ( 4 / 141 ):

وقوله: ( بِرُوحِ القُدُس ) هو جبريل، في ذلك إشارة إلى أن هجو الكفار من أفضل الأعمال، ومحله: إذا كان جوابًا، كما هنا، وإلا فهو منهي عنه لآية: ( وَلاَ تَسُبُّوا الذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دِونِ اللهِ ).  انتهى.

فالخلاصة:

  1. تحريم هجاء المسلم من حيث الأصل.
  2. جواز هجاء الكافر، والمشرك، والمرتد.
  3. مراعاة أن يكون هجاء الكافر ردًّا عليه، لا ابتداء من المسلم.
  4. أن يكون الناظم للهجاء على قدر من البلاغة والفصاحة؛ لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت دون غيره، ولما قد يسببه نظم الجاهل والضعيف من سخرية الشعراء والفصحاء.
  5. جواز ابتداء المبتدع، والمعلِن بفسقه، بالهجاء.
  6. مراعاة عدم الشطط في الهجاء، وعدم التعدي على العرض، وعدم القذف.
  7. من هجا مسلمًا بغير حق: فإنه يستحق التعزير.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 162 ):

للإمام أن يعزِّر مَن يهجو الناس بغير حق؛ وذلك لأن هذا النوع من الهجاء محرم، وفعله معصية، وكل معصية ليس فيها حد: وجب فيها التعزير. انتهى.

 

والله أعلم.

هل معنى حديث ( شقي أو سعيد ) الشقاء والسعادة في الدنيا؟

هل معنى حديث ( شقي أو سعيد ) الشقاء والسعادة في الدنيا؟

السؤال:

أولًا: والله إننا نحبك في الله يا شيخنا العزيز.

ثانيًا: كنت أنا وبعض الإخوة في الله نناقش مغزى حديث رسولنا الكريم الذي رواه عبد الله بن مسعود وخلصنا إلى بعض الأسئلة التي نعرضها بين يدي فضيلتكم للإجابة عليها ، بما فتح الله عليكم.

عن عبد الله بن مسعود قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ( إن أحدكم ليُجمع خلْقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) متفق عليه، صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

من المعلوم أننا كمسلمين يجب أن نؤمن بلب هذا الحديث إيماناً راسخا، ولكن وردت الأسئلة التالية أثناء النقاش، ولقلة زادنا الشرعي: رغبنا أن نستزيد من علمكم، حفظكم الله:

  1. هل السعادة والشقاء من منظور شرعي – التي وردت في الحديث – هما نفس السعادة والشقاء من منظور حسي – أي: التي نعيشهما، ونحسهما في هذه الدنيا الفانية؟.
  2. هل يمكن للإنسان أن يعرف مع أيِّ الفريقين هو؟ هل هناك علامات نستدل بها؟.
  3. في واقعنا الإنساني نجد بعض القصور في التسليم بذلك – أي: بما ورد في الحديث – فهل هذا يعتبر قصورًا في الدين، أو التقوى؟.
  4. بسبب طبيعتنا الإنسانية نتذمر في العادة عندما يتلبسنا الإحساس بالتعاسة، هل ذلك يعتبر إنكارًا لقدَر الله؟.
  5. عندما تغمرنا السعادة من كل جانب، وتنبسط لنا الدنيا: قلَّ أن ننسب ذلك لقدر الله، ولكن نحاول الإيحاء أن ذلك بجهدنا، وعلو همتنا، هل هذا يعتبر نقضًا، أو إنكارًا لقدر الله؟.

نسأل الله أن لا يحرمكم الأجر، وأن ينفع الإسلام والمسلمين بجهودكم، وعلمكم.

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لفظا ” السعادة ” و ” الشقاء ” الواردان في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليسا هما ما نحسه في الدنيا من ” سعادة “، وما يصيبنا فيها من ” شقاء “، بل هما ” الإسلام ” و ” الكفر “، وهما الطريقان إلى ” الجنة ” و ” النار “، والمقصود بالحديث: ما يختم للإنسان بأحد الأمرين في الدنيا، فمن ختم له بخير فهو سعيد، وهو من أهل السعادة، وجزاؤه الجنة، ومن خُتم له بشرٍّ فهو شقي، وهو من أهل الشقاء، ومصيره النار – والعياذ بالله -.

* وقد جاء هذا اللفظان في الكتاب والسنَّة بذات المعنى الذي قلناه:

أ. ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) هود/ 105 – 108.

ب. عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ) قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: ( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ )، ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ). رواه البخاري ( 4666 ) ومسلم ( 2647 ).

– ( المِخصرة ): ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه من عصا، أو عَنَزة.

ج. وفي رسالة العقائد لابن أبي زيد القيرواني ( ص 6 ):

يُضل مَن يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَن يشاء فيوفقه بفضله، فكلٌّ ميسَّر بتيسيره إلى ما سبق مِن علمه، وقدَره، مِن شقيٍّ، أو سعيد. انتهى.

* قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد تكاثرت النُّصوص بذكرِ الكتابِ السابقِ، بالسَّعادة والشقاوة، ففي ” الصحيحين ” عن عليِّ بن أبي طالب – وذكر الحديث -.

ففي هذا الحديث: أنَّ السعادة، والشقاوة: قد سبقَ الكتابُ بهما، وأنَّ ذلك مُقدَّرٌ بحسب الأعمال، وأنَّ كلاًّ ميسر لما خُلق له من الأعمال التي هي سببٌ للسعادة، أو الشقاوة.

وفي ” الصحيحين ” عن عمرانَ بن حُصينٍ، قال: قال رجل  يا رسول الله، أيُعرَفُ أهلُ الجَنَّةِ مِنْ أهلِ النَّار ؟ قالَ: ( نَعَمْ )، قالَ: فَلِمَ يعملُ العاملونَ؟ قال: ( كلٌّ يعملُ لما خُلِقَ له، أو لما ييسر له ).

وقد روي هذا المعنى عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ كثيرةٍ، وحديث ابن مسعود فيه أنَّ السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال .

” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 55 ).

وفي معنى ( فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَاب ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

والمعنى: أنه يتعارض عملُه في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبَّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثَّل العمل، والكتاب، شخصين، ساعيين: لظفِر شخص الكتاب، وغلب شخص العمل. ” فتح الباري ” ( 11 / 487 ).

ومما يدل على أن ما ذكرناه هو المراد: أن الإنسان يصيبه في دنياه سعادة وشقاء، وهما يجتمعان؛ إذ ليس بينهما تضاد، وخاصة المؤمن، فهو سعيد بإيمانه، واستقامته، وقد يكون من أهل الشقاء، والنصب، والتعب، والحديث لم يُرد به النبي صلى الله عليه وسلم هذا، قطعًا، ولذا قال فيه: ( أو )، ومعنى هذا: أنه سلتزمه حال واحدة إما السعادة، أو الشقاء، وهذا لا يكون إلا فيما بينهما تضاد، كالإسلام والكفر في الدنيا، والجنة والنار في الآخرة.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ومعنى قوله ( شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ): أن الملَك يكتب إحدى الكلمتين، كأن يكتب مثلًا: أجل هذا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو شقي باعتبار ما يُختم له، وسعيد باعتبار ما يختم له، كما دل عليه بقية الخبر.

وكان ظاهر السياق أن يقول: ” ويُكتب شقاوته وسعادته “، لكن عدل عن ذلك؛ لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطِّيبي.

” فتح الباري ” ( 11 / 483 ).

 

ثانيًا:

وفي ظننا أن الأسئلة الباقية كانت باعتبار أن السعادة، والشقاء: هي ما يحس به المرء في الدنيا، وقد تبين لكم خطأ هذا، ولا مانع من إجمال الأسئلة الباقية في كلام مجمل يجمعها، فنقول:

ما يصيب المسلم من نعمة وسرَّاء: فهي مِن الله، وليس من جهد العبد، فهو أضعف من أن يحصل شيئًا لولا فضل الله، ورحمته، وإكرامه بتلك النعم، قال تعالى : ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) النحل/ من الآية 53.

وقد طلب الله تعالى من عباده أن ينسبوا هذه النعمة – من سعادة، وهناء، ومال، وولد – إلى الله تعالى، وأن يؤدوا شكرها، ومن شكرها: الثناء على الله تعالى بما يستحقه، وتسخير تلك النِّعَم في طاعة الله تعالى، والمباح من الأفعال.

وما يصيب المسلم من ضراء وشقاء: فهو أيضًا من تقدير الله، وقد يكون ذلك عقوبة للعبد على ما فعل من معاصٍ، وقد يكون ابتلاء ليرفع الله درجته إن صبر، واحتسب مصائبه عند الله تعالى.

وإنما يُعرف المؤمن أنه محقق للإيمان في هذا الباب، وأنه مسلِّم لقدَر الله تعالى، مؤمن به: إذا شكر ربه في السرَّاء، وصبر عند الضرَّاء.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

جعل اللهُ سبحانَه وتعالى عبادَه المؤمنين بكل منزلة خيرًا منه، فهم دائمًا في نعمةٍ من ربهم، أصابَهم ما يُحِبَّون، أو ما يكرهون، وجعل أقضيته، وأقداره التي يقضيها لهم، ويُقدرها عليهم: متاجرَ يَربحون بها عليه، وطُرُقًا يصلون منها إليه، كما ثبت في الصحيح عَن إمامهم ومتبوعهم – الذي إذا دُعي يوم القيامة كل أناسٍ بإمامهم دُعُوا به صلواتُ الله وسلامه عليه – أنه قال: ( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله عجب، ما يقضي الله له من قضاء إلاّ كان خيرًا له، إن أصابته سرَّاءُ شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضرَّاءُ صَبَر فكان خيرًا له ).

فهذا الحديث يَعمُّ جميعَ أَقضيتِه لعبده المؤمن، وأنها خير له إذا صبر على مكروهها، وشكرَ لمحبوبها، بل هذا داخلٌ في مسمَّى الإيمان، فإنه كما قال السلف: ” الإيمان نصفان، نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر “، كقوله تعالى: ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور )، وإذا اعتَبر العبدُ الدينَ كلَّه: رآه يَرجِعُ بجملته إلى الصبر، والشكر.

” جامع المسائل ” ( 1 / 165 ).

 

والله أعلم.

 

هل له أن يشجع علاقة بين مسلم وكافرة حفظا لها من الشر ودعوة لها للخير؟!

هل له أن يشجع علاقة بين مسلم وكافرة حفظا لها من الشر ودعوة لها للخير؟!

السؤال:

هناك امرأة غير مسلمة، لها صديق مسلم، وأود أن تعتنق الإسلام، وعلى الرغم من أن مسألة الصداقة بين الرجل والمرأة مرفوضة إلا أني أشجعهما على البقاء مع بعض لسببين: الأول: أن هناك شابّاً آخر غير مسلم، وهو شاذ، يريد أن ينصب لها فخّاً ويوقعها في شباكه، وأنا لا أحب أن تقع في شرَكه، والسبب الثاني: أن هذا الشاب المسلم قد يستطيع مع مرور الأيام أن يؤثر عليها فتُسلم ، فما العمل لكي تبتعد عن ذلك الشاب غير المسلم؟ وما هي الطريقة الأنسب لدعوتها إلى الإسلام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحن وإن كنا نقدر لك حرصك على الخير، وقصدك لما فيه نفع تلك المرأة: لكننا نرى أنك أخطأت خطأ عظيماً في قولك إنك تشجع علاقة الصداقة بينها وبين ذلك المسلم؛ وكم من مريد للخير لا يصيبه، والواجب أن يكون الحكم الشرعي هو منطلقنا في أفعالنا، وليس أن نحكم عواطفنا لنجلعها منطلقًا، وخاصة أنها تخالف شرع الله، وأنت تعلم أن العلاقة المحرمة بين الرجل والمرأة يعتريها كثير من المخالفات، وقد تؤدي إلى الوقوع في كبائر الذنوب، فأنَّى لعلاقة محرَّمة كهذه أن تؤدي بأصحابها إلى طريق النجاة والسلامة؟! لسنا نتهم أحدًا بسوء نية، ولا برغبة سوء، لكننا نحكم على الفعل، ونعلم الحكمة من تحريمه، فالعلاقة بين النساء والرجال الأجانب حكمها التحريم، والحكمة في تشريع هذا الحكم لا تخفى على من وهبه الله عقلًا ونظرًا، عقلاً يفهم به تلك الحكمة، ونظرًا ينظر من خلاله حوله، ليرى عظيم الفحش والمنكرات من جراء تلك العلاقات المحرمة.

ثانيًا:

ويمكنك أخي السائل أن تؤدي رسالتك العظيمة في حفظ تلك المرأة من الشر، وفي دعوتها للإسلام، عن طريق امرأة – مثلها – مسلمة، وتكون قريبة منها، تدعوها للخير، وتحذرها من الشر، وتكون هذه المرأة المسلمة موجهة من زوجها، أو أخيها، إذا أشكل عليها شيء رجعت إلى رجل من أهلها تستشيره.

 

 

* والخلاصة:

لا يجوز لك تشجيع تلك العلاقة المحرَّمة وذلك الرجل المسلم؛ لحرمة تلك العلاقة في شرع الله تعالى، ويمكنك أداء تلك الرسالة عن طريق امرأة، مسلمة، داعية، وبه نسلِّم تلك المرأة غير المسلمة، وذلك الرجل المسلم، من السوء، والوقوع فيما لا يرضي الرب تعالى.

 

والله أعلم.

مسجدان متقاربان والثاني منهما قليل المصلين أو معدومه ففي أي المسجدين يصلي؟

مسجدان متقاربان والثاني منهما قليل المصلين أو معدومه ففي أي المسجدين يصلي؟

السؤال:

نحن في منطقتنا يوجد مسجدان متقاربان، أحدهما يمتلأ عادة بالمصلين، أما الآخر: فيكون خالٍ من المصلين حتى إنَّه في بعض الأحيان لا يفتح المسجد أحيانا، ففي هذه الحالة أيهما أفضل: الصلاة في المسجد الممتلئ، أم إعمار المسجد الآخر؟.

وثانيًا: – بارك الله فيك – الإمام الذي في المسجد الممتلئ لا يراعي السنَّة، فهو مسبل، ولا يراعي السنَّة، أما المسجد الآخر: فإمامه نوعًا ما ملتزم ما استطاع بالسنَّة.

فنرجو منكم توضيح في أي المساجد الصلاة تكون فيه أفضل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

انتشار المساجد، وكثرتها، ولو في الحي الواحد: علامة خير، وهو مما يشجع الناس على أداء الصلاة في بيوت الله، لكننا ففي الوقت نفسه ننبه على أمورٍ:

  1. أن لا يكون بناء المساجد بتقارب شديد، حتى لا يكاد المصلي يجد فرقًا في المسافة في الذهاب لواحد منهما؛ لئلا يكون بناؤها من الإسراف، والمباهاة، وهو ما حدث مع المسجد الآخر عندكم، حتى إنه ليأتي عليه أوقات لا يُفتح فيها لعدم وجود مصلين!.
  2. أن لا يكون بناء المسجد الآخر نتيجة عداوة، وبغضاء، وتعصب، بين أهل الحي الواحد، والمسجد على هذا سيؤصل للفُرقة، ويؤخر من الإصلاح.
  3. أن لا يصلَّى الجمعة فيهما، بل يصلى في المسجد الكبير منهما؛ ليجتمع المصلون في مكانٍ واحد، وبعض أهل العلم يرى بطلان الصلاة في المساجد الفرعية في القرية الواحدة، ونحن وإن كنا نرى عدم البطلان، لكننا نمنع من صلاة الجمعة في المسجدين المتقاربين، إلا لعذر شرعي، كامتلائهما بالمصلين، وغيرها من الأعذار المبيحة.
  4. ونرى أن بناء المساجد في المناطق التي تخلو من مساجد بالكلية أولى من بنائها في أماكن يوجد فيها من المساجد ما يؤدي الغرض.

هذه التنبيهات نرجو أن يُهتم بأمرها، وأن تكون في واقع التنفيذ، ومن المؤسف أننا لا نجد رسالة المسجد تحقق أهدافها في بعض الأماكن التي يوجد فيها مساجد متقاربة.

 

 

 

 

ثانيًا:

وبما أن الحال هو ما ذكرتَ : فإننا نرى أن تكون الصلاة في المسجد الأول؛ لأمور:

  1. أن اجتماع المصلين في مسجد واحد من شأنه أن يحقق الألفة بينهم، ويزيد في ترابطهم، فيُعرف مريضهم فيُعاد، وفقيرهم فيُعان، وميتهم فيُصلَّى عليه، ويُعزى أهله.
  2. أن المسجد الذي يصلي فيه أهل الحي جميعهم يعين على تعليمهم، ووعظهم، بخلاف تشتتهم في أكثر من مكان، فإذا جاء العلِم ليُعلِّم، والواعظ ليعظ، ويكون الناس قد اجتمعوا في صعيد واحد: فإن الخير والنفع والفائدة تصل لجميعهم.
  3. كلما زاد عدد المصلين في الجماعة: كان أحب إلى الله.

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ).

رواه أبو داود ( 554 ) والنسائي ( 843 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لو قدِّر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثرُ جماعة مِن الآخر: فالأفضلُ أن يذهبَ إلى الأكثرِ جماعة؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ( صَلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، … ).

وهذا عامٌّ، فإذا وُجِدَ مسجدان: أحدُهما أكثرُ جماعة مِن الآخرِ: فالأفضلُ أن تُصلِّيَ في الذي هو أكثر جماعة.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 150، 151 ).

ثالثًا:

وأما بخصوص الإمام في المسجد الثاني: فإننا نرى أن ينضم إلى المسجد الأول، ولا يُحدث تفرقاً بين المسلمين، وليس في الإمام الأول ما يمنع من الصلاة خلفه، لا في اعتقاده، ولا في قراءته، واجتماع المسلمين مصلحة عظيمة، وخاصة إن كانوا أهل حيٍّ واحد، بل حتى لو كان حضور الإمام الثاني يعني أن تقام جماعة فيه، فانضمامه إلى المسجد الأول: أولى.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأفضل لغير أهل الثَّغر أنْ يصلِّي في المسجدِ الذي تُقام فيه الجماعةُ إذا حضر، ولا تُقام إذا لم يحضر، مثال ذلك: إذا كان هناك مسجدٌ قائمٌ يصلِّي فيه الناسُ، لكن فيه رَجُلٌ إن حَضَرَ وصار إمامًا: أُقيمت الجماعةُ، وإنْ لم يحضُرْ: تفرَّقَ الناسُ: فالأفضلُ لهذا الرَّجُلِ أنْ يصلِّيَ في هذا المسجدِ مِن أجلِ عِمارته؛ لأنَّه لو لم يحضُرْ لتعطَّلَ المسجدُ، وتعطيلُ المساجدِ لا ينبغي، فصلاةُ هذا الرَّجُلِ في هذا المسجد: أفضلُ مِن صلاتِهِ في مسجدٍ أكثرَ جماعةٍ.

لكن ينبغي أن يقيَّد هذا بشرطٍ، وهو أن لا يكون المسجدُ قريبًا مِن المسجدِ الأكثرِ جماعةً، فقد يُقال: إنَّ الأفضلَ أن يجتمعَ المسلمون في مسجدٍ واحدٍ، وأنَّ هذا أَولى مِن التفرُّق، فإذا قُدِّرَ أن هذا مسجدٌ قديمٌ ينتابه خمسةٌ، أو عشرةٌ من الناسِ، وحولَه مسجدٌ يجتمعُ فيه جمعٌ كثيرٌ، ولا يشقُّ على أهلِ المسجدِ القديمِ أنْ يتقدَّموا إلى المسجدِ الآخرِ، فرُبَّما يُقال: إنَّ الأفضلَ أن ينضمُّوا إلى المسجدِ الآخر، وأن يجتمعوا فيه؛ لأنَّه كلَّما كَثُرَ الجمعُ: كان أفضل.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 150 ).

 

والله أعلم.

 

له مشاركات نافعة في الإنترنت وينظر أحيانا لمحرمات فهل يبقى فيه أم يخرج؟

له مشاركات نافعة في الإنترنت وينظر أحيانا لمحرمات فهل يبقى فيه أم يخرج؟

هل ترك الشبكة أولى أم معالجة الذنب أولى؟؟؟

السؤال:

أولًا: جزاكم الله خيرًا على ما تبذلونه لنصرة الدين، وخدمة الإسلام، والمسلمين.

ثانيًا: أنا طويلب علم، لي أنشطة دعوية لا بأس بها على الشبكة العنكبوتية، مشرف في إحدى المنتديات الطبية الإسلامية، لكني أزل أحياناً في خضم بحثي بالشبكة برؤية ما يحرم، وكلما تبت إلى الله عدت إلى هذا الذنب.

سؤالي: هل الأفضل الإقلاع تمامًا عن الشبكة العنكبوتية، وتركها، مع ترك الخير الذي أقدمه في هذه الشبكة، أم الأفضل علاج نفسي، وعلاج قلبي، ومحاولة الإقلاع عن الذنب كليةً؟ فأنا محتار بين الأمرين.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس في الأمر حيرة يا أخانا السائل، فأنت تعلم أن النصح لك بترك الشبكة العنكبوتية لن يكون هو نهاية الأمر عندك في النظر إلى المحرمات، فثمة الفضائيات، وثمة المجلات، نعم، يمكن أن تجد في ” الإنترنت ” ما لا تجده فيما ذُكر، لكن كلامنا على أصل فعلك للمعصية، وأن إغلاق طريقٍ عليك ليس إغلاقاً لفعل المعصية خارجه، خاصة وأنك قد تجد في ” الإنترنت ” ما يقوي إيمانك، ويزيد في علمك، وينفع كثيرًا من الناس.

لذا فإن الواجب الذي لا خيار لك فيه: هو علاج نفسك من فعل معصية النظر المحرَّم حيثما كانت الصورة، والمشهد.

وأما بخصوص بقائك داخل الشبكة العنكبوتية أو لا: فإن في ذلك تفصيلًا:

أ. إن كنتَ تعتقد – أو يغلب على ظنك – ترك معصية النظر المحرَّم بالكلية بخروجك من الشبكة: فاقطع علاقتك بها، حتى تحصِّن نفسك، وتعالجها، وتعلم أنه لن يكون لك فيها إلا مساهمات الخير.

ب. وإن كنت تعتقد –  أو يغلب على ظنك – أنك لن تترك معصية النظر المحرَّم، وأنك ستنشغل بمتابعة التافه من برامج الفضائيات، والنظر في الصحف، والمجلات، أو أنك ستتابع الشبكة من المقاهي: فالنصيحة لك أن تبقى داخل الشبكة، على أن تجاهد نفسك حق الجهاد أن تبتعد عن كل محرَّم يشاهد، ويُسمع، وفي اعتقادنا أنك لو تحصر نفسك في متابعة مواقع معينة نافعة، علمية، وأخبارية، وتحصر نفسك في الالتزام بمواعيد محددة في غرف صوتية في ” البال توك ” تقدِّم فيها النافع المفيد، وتستمع لما فيه زيادة في علمك وإيمانك: في اعتقادنا أنك لن تجد الوقت الذي تنتقل فيه إلى الضار، السيء، المحرَّم، من المواقع.

وانظر أخي السائل إلى مثال قريب: وهو الفضائيات الإسلامية، فإن عددها دون الثلاثين، ومع ذلك لا يجد المسلم المتفرغ وقتًا ليشاهد غيرها، فقد أشغلته عن متابعة غيرها، بل وأحيانًا يود أن يشاهد أكثر من قناة في آنٍ واحدٍ، وقد شغلتْ كثرتُها كثيرين عن مجرد النظر في غيرها، وخاصة مَن صنَع لنفسه برنامجا للاستفادة منها، بطلب علم، أو مشاهدة ما هو نافع من البرامج الوثائقية، والمناظر الطبيعية، ولو تأملت في المواقع النافعة المفيدة في الشبكة العنكبوتية: لرأيتها بالمئات، ولو عمِّرت عمر نوح عليه السلام فلن تستطيع مشاهدة وسماع موادها كاملة، فأين الوقت الذي تجده يا طالب العلم لتصرفه فيما حرَّم الله عليك؟!.

فبادر فورًا إلى التوبة الصادقة من كل ذنبٍ فعلتَه، واندم على ما فرَّطت في جنب الله، واعقد العزم على عدم العوْد لتلك الذنوب، وأقبل على الله بقلبٍ سليم طاهر، واسأله التوفيق، والسداد، وتطهير جوارحك من الحرام، واشكر نعَم الله عليك بتصريفها فيما يحب ربك ويرضاه منك.

 

والله أعلم.

 

 

” معركة الجَمَل “، أسبابها، حقيقتها، نتائجها، وموقف المسلم منها

” معركة الجَمَل “، أسبابها، حقيقتها، نتائجها، وموقف المسلم منها

السؤال:

أخبروني عن سبب القتال بين السيدة عائشة رضي الله عنها وبين الإمام علي رضي الله عنه.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. في عام 35 هـ بدأ اليهودي الذي أظهر إسلامه ” عبد الله بن سبأ ” في إحداث فتنة في المسلمين، في تأليبهم على خليفتهم ” عثمان بن عفان ” رضي الله عنه، حتى نجح في العراق، ومصر، فقام أتباعه من الخوارج بمحاصرة الخليفة الراشد الصابر، ثم اجتمعوا على قتله، وهو ابن ثمانين عامًا، وكان رحمه الله عند قتله يتلو كتاب الله تعالى، وكان ذلك في ذي الحجة من عام 35 هـ.
  2. اجتمع الناس بعد ذلك على مبايعة علي بن أبي طالب رضي اله عنه أميرًا للمؤمنين، وامتنع معاوية رضي الله، ومعه أهل الشام، من مبايعة علي رضي الله عنه، قبل أن يُقتص من قَتَلة عثمان رضي الله عنه، وكان علي رضي الله عنه يرى أن توحيد المسلمين تحت قيادة واحدة مقدمًا على غيره، مع عدم تضييعه للقصاص من قتلة عثمان، والقصاص لا يأتي إلا من دولة قوية مجتمعة على كلمة واحدة، لا من دولة ضعيفة متفرقة على حاكمها.
  3. وكانت عائشة رضي الله عنها في ذلك الوقت في ” مكة ” حاجَّة، فبقيت فيها مع أمهات المؤمنين؛ انتظارًا لجلاء الفتنة في المدينة والتي ازدادت بعد قتل عثمان رضي الله عنه، وكان قد ذهب إلى مكة بعد موسم الحج معتمرًا: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، رضي الله عنهما، وكلاهما كان قد بايع عليًّا في المدينة، فتشاوروا مع عائشة على الخروج للإصلاح، فخرجوا إلى ” البصرة “، ولم يكن خروجهم رضي الله عنهم للقتال، بل كان من أجل الإصلاح بين الفريقين – علي ومن معه، ومعاوية وأهل الشام – وذلك بالقصاص من قتلة عثمان والذين يوجد أكثرهم في ” البصرة “، فساروا بقيادة عائشة، وكانوا نحو ثلاثة آلاف، ولم يشاركها في الخروج أمهات المؤمنين، ولا طائفة من الصحابة كابن عمر، رضي الله عن الجميع.
  4. خرج إلى هؤلاء الصحابة الأجلاء ومن معهم ليقاتلهم: ” جَبَلة بن عمرو ” – وهو من الذين شاركوا في قتل عثمان – مع جماعة من أتباعه، فهزموا شرَّ هزيمة، وانضم جماعات إلى جيش طلحة والزبير، حتى صار عددهم قريبا من ستة آلاف.
  5. استنفر علي رضي الله عنه أهلَ الكوفة، فنفروا معه، فخرج من المدينة ومعه ستمائة رجل، وكان ذلك ليتجه بهم إلى الشام، فالتقى مع أهل الكوفة في ” ذي قار ” في العراق، فلما سمع بالقتال مع أهل البصرة: خرج لمقاتلة طلحة والزبير ومن معهم، فسار بمن معه حتى وصلوا قرب البصرة، فالتقوا جميعاً مع فريق طلحة والزبير، ومعهما عائشة رضي الله عن الجميع، وبه يُعلم أن طلحة والزبير لم يقصدا قتال علي رضي الله عنه، ولا الخروج عليه ولو أرادوا ذلك لتوجهوا إلى المدينة، لا إلى البصرة.
  6. خاف الخوارج على أنفسهم من اتفاق الفريقين عليهم، والقصاص منهم، فعمدوا إلى الفتنة بينهم، حتى نجحوا في إثارة الحرب بين الفريقين، دون أن يقصدها واحد من الصحابة.
  7. وحصل بينهما قتال، وسميت ” وقعة الجَمَل ” نسبة للجمل الذي كانت تركبه عائشة رضي الله عنها في هودجها عليه، وكان هو رمز المعركة؛ لاستبسال الناس في الدفاع عن عائشة وهي فيه، ولذلك توقفت المعركة بمجرد سقوطه، وكانت عائشة رضي الله عنها قد جاءت أرض المعركة بجمَلها لإيقاف القتال، ولعلهم أن يقدروا أمهم، وزوجة نبيهم، ولكنَّ الخوارج وأهل الفتنة أبوا ذلك، بل رشقوا جملها بالنبال والسهام بغية قتلها! وكانت تلك الوقعة في جمادى الآخرة، سنة 36 هـ.
  8. قُتل في تلك الوقعة: حوالي المائتين من الفريقين، أو أقل، وسبب ذلك:

أ. أن المعركة استمرت ما بين الظهر والمغرب فقط.

ب. طبيعة المعركة كانت دفاعية، لا هجومية.

ج. تعظيم حرمة الدم التي رسخت في أولئك الكبار، وما حصل فقد كانت بفتنة الخوارج.

  1. وكان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما ممن قُتل في هذه المعركة، ولم يكونا مشاركيْن في القتال، بل قتل طلحة بسهم غير مقصود، وقتل الزبير غدْرًا، فبكى علي رضي الله عنه لمَّا رأى طلحة مقتولًا، وبشَّر قاتل الزبير بالنار! ولم يأذن له بالدخول عليه.
  2. ثم التقى علي وعائشة رضي الله عنهما، واعتذر كل واحدٍ منهما للآخر.
  3. جهَّز علي رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها إلى المدينة، وأرسل معها أربعين امرأة من النساء، معزَّزة، مكرَّمة.
  4. كانت عائشة قد همَّت بالرجوع أثناء مسيرها للإصلاح، وذلك لحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها غُلبت على الاستمرار، وكان سبب الإصلاح بين المسلمين قد غلب عليها، مع إقناع بعض الصحابة لها بالاستمرار .

عن قيس بن أبي حازم قال: لمَّا أقبلتْ عائشة رضي الله عنها بلغت مياه ” بني عامر ” ليلًا: نبحتْ الكلابُ، قالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: ماء ” الحوأب ” – ماء قريب من البصرة، على طريق مكة -، قالت: ما أظنني إلا أنَّني راجعة، فقال بعضُ من كان معها: ” بل تَقْدُمين فيراكِ المسلمون فيصلح الله ذات بينهم “، قالت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ذات يومٍ: ( كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلاَبُ الحَوْأب؟ ).

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

وجملة القول: أنَّ الحديثَ صحيحُ الإسناد، ولا إشكالَ في متنه، خلافاً لظنِّ الأستاذ الأفغاني، فإنَّ غايةَ ما فيه: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها لمَّا علمت بـ ” الحوأب”: كان عليها أنْ ترجع، والحديث يدل على أنَّها لم ترجع، وهذا مما لا يليق أنْ ينسب لأمِّ المؤمنين.

وجوابنا على ذلك: أنَّه ليس كلُّ ما يقع مِن الكُمَّل يكون لائقاً بهم، إذ المعصوم من عصمه الله، والسنيُّ لا ينبغي له أنْ يغالي فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصافِّ الأئمة الشيعة المعصومين عندهم، ولا نشك أنَّ خروجَ أمِّ المؤمنين كان خطأً مِن أصله، ولذلك همّتْ بالرجوع حين علمتْ بتحقُّقِ نبوءةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند ” الحوأب “، لكن الزبير رضي الله عنه أقنعها بترك الرجوع بقوله: ” عسى الله أنْ يصلح بك النَّاس “، ولا نشك أنَّه كان مخطئاً في ذلك أيضًا، والعقل يقطع بأنَّه لا مناص مِن القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولا شك أنَّ عائشةَ رضي الله عنها هي المخطئة لأسبابٍ كثيرةٍ، وأدلةٍ واضحةٍ، ومنها: ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك مما يدل على أنَّ خطأها مِن الخطأ المغفور، بل: المأجور.

” السلسلة الصحية ” ( الحديث رقم 474 ).

  1. ندمت عائشة رضي الله عنها أشد الندم على خروجها ذاك، وهو يدل على متانة دينها ، وفضلها، رضي الله عنها.

أ.*  قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإنَّ عائشة لم تقاتِل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجتْ لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنَّتْ أنَّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ ترك الخروج كان أولى، فكانتْ إذا ذكرتْ خروجَها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن ” يوم الجمل ” لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم. ” منهاج السنة ” ( 4 / 316 ).

ب. * وقال الذهبي – رحمه الله -:

ولا ريب أن عائشة ندمت ندامةً كليَّةً على مسيرها إلى البصرة، وحضورهما يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ.

” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 177 ).

 

 

 

 

ج. * وقال – رحمه الله -:

عن قيس قال: قالت عائشةُ – وكانت تُحدِّث نفسَها أنْ تُدفن في بيتها – فقالتْ: إني أحدثتُ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَثًا، ادفنوني مع أزواجه، فدُفنتْ بالبقيع رضي الله عنها.

* قلت – أي: الذهبي -:

تعني بالحدَث: مسيرها ” يوم الجمل “؛ فإنَّها ندمتْ ندامةً كليةً، وتابتْ من ذلك، على أنَّها ما فعلتْ ذلك إلا متأوِّلةً، قاصدةً للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعةٌ من الكبار، رضي الله عن الجميع.

” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 193 ).

د. * وقال الزيلعي – رحمه الله -:

وقد أظهرتْ عائشةُ الندمَ ، كما أخرجه ابن عبد البر في كتاب ” الاستيعاب: عن ابن أبي عتيق – وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق – قال: قالت عائشة لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أنْ تنهاني عن مسيري؟ قال: ” رأيتُ رجلاً غلب عليكِ – يعني: ابن الزبير – ” فقالتْ: ” أما والله لو نَهيتَني ما خرجتُ “. ” نصب الراية ” ( 4 / 69 ، 70 ).

  1. هذا باختصار ما حصل في أسباب تلك الوقعة، وما حصل أثناءها، وبعدها، وكل ما سبق ذِكره من تأول عائشة رضي الله في الخروج، ومن نيتها في الإصلاح، ومن همها بالرجوع، ومن ندمها وبكائها على ما حصل: يدل على الحقيقة لتلك المرأة العظيمة، والتي يحق لمثلها التأول، وكيف لا وهي الفقيهة معلمة الرجال؟!.
  2. وينبغي أن يُعلم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا طرفًا في تلك الوقعة، وإنما كان الخوارج هو من افتعل تلك الحرب، وأجج نارها، وما حصل بين الفريقين لم يكن إلا مناوشة، ولم تكن حربًا.

 

ونسأل الله أن يطهِّر ألسنتنا من الوقيعة بالصحابة الأجلاء، كما طهَّر أيدينا من المشاركة فيها، ونسأله تعالى أن يُعظم الأجر للمصيب، وأن يعفو عن المخطئ.

 

والله أعلم.

 

هل سبب القحط هو المعاصي والآثام؟ أم الأحوال الجوية؟!

هل سبب القحط هو المعاصي والآثام أم الأحوال الجوية؟!

السؤال:

أحد الزملاء قال لي: سبب عدم نزول المطر هو المناخ، والحالة الجوية للمنطقة، ولا علاقة للذنوب بهذا الأمر!، فقلت له: قول الله على لسان نوح ( فقلت استغفروا ربكم … ) الآيات، لكنه لم يقتنع بالدليل الشرعي، ورد بدليل عقلي قائلا: مكة، والمدينة، تعانيان من القحط، بينما ” أبها “، ودول الشام لا ينقطع عنها المطر، ولا أظن أن أهل الشام أقل ذنوبًا من مكة، والمدينة، أما قصة نوح فربما لها تأويل آخر.

السؤال: كيف أرد على زميلي بدليل عقلي؟ وهل هو على خطر؟.

أرجو إرسال الإجابة على البريد بأسرع وقت، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكرك يا أخي الفاضل على اهتمامك بأصحابك، وزملائك, وعلى حرصك على نصيحتهم، وتذكيرهم؛ فالدين النصيحة.

نعم، يا أخي كما ذكرتَ لزميلك أن سبب حبس المطر هو بسبب الذنوب، والمعاصي؛ فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يُرفع إلا بتوبة، وهذا قد قرره الله تعالى في القرآن الكريم كثيرًا, ومن ذلك:

– قوله تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم/ 41.

– وقال تعالى: ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) الجن/ 16.

– وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) الأعراف/ 96.

* قال ابن كثير – رحمه الله في تفسير -:

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا ) أي: آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدَّقت به، واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات، وترك المحرمات:  ( لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) أي: قطر السماء، ونبات الأرض.

قال تعالى: ( وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أي: ولكن كذبوا رسلهم، فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم، والمحارم.

” تفسير ابن كثير ”  ( 3 / 451 ).

 

 

ومن السنَّة:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَال: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ).

رواه ابن ماجه ( 4155 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

* ومن أقوال السلف:

* قال أبو هريرة رضي الله عنه: 

إن الحباري – نوع من الطيور – لتموت في وكرها من ظلم الظالم .

* وقال مجاهد رحمه الله: 

إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَنَة – أي: القحط- وأمسك المطر, وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم.

* وقال عكرمة رحمه الله:

دواب الأرض وهوامها، حتي الخنافس، والعقارب يقولون: مُنعنا القطر بذنوب بني آدم.

– انظر ” الجواب الكافي ”  لابن القيم ( ص 38 ).

* ومن أقوال المعاصرين:   

قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله – يذكِّر المسلمين بتأخر نزول المطر وسبب ذلك -:

فقد رأيتم الواقع، وهو تأخر نزول الغيث عن إبانه، وقحوط المطر وعدم مجيئه في أزمانه، ولا ريب أن سبب ذلك هو معاصي الله، ومخالفة أمره، بترك الواجبات، وارتكاب المحرمات.

فإنه ما من شرٍّ في العالم، ولا فساد، ولا نقص ديني، أو دنيوي: إلا وسببه المعاصي، والمخالفات، كما أنه ما من خيرٍ في العالم، ولا نعمة دينية، أو دنيوية: إلا وسببها طاعة الله تعالى، وإقامة دينه. ….

فيا عباد الله: التوبة، التوبة! تفلحوا، وتنجحوا، وتستقيم أحوالكم، وتصلحوا، قال الله تعالى: ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ) هود/ 52.

وارجعوا إلى ربكم، بالتجرد، والتخلص من حقوق الله التي له قبَلكم، واخرجوا من جميع المظالم التي عند بعضكم لبعض، وأكثروا من الاستغفار، بقلب يقظان حاضر، معترف بالذنوب، مقر بالتقصير والعيوب، وأديموا التضرع لرب الأرباب: يُدرَّ عليكم الرزق من السحاب. ” فتاوى الشيخ ابن إبراهيم ” ( 3 / 128 – 131 ) باختصار شديد، وانظرها في: ” الدرر السنية في الكتب النجدية ” ( 20 / 390 – 396 ).

ثانيًا: 

ومما اتفق عليه العقلاء من جميع الأمم: أن المعاصي لها تأثير على واقع حياتهم، وسبُل رزقهم, ومما يدل على ذلك: أن هؤلاء العقلاء يوصون باجتناب الظلم؛ لما يعلمون من سرعة تعجيل عقابه, بل حتى العرب قبل الإسلام كانوا يحذرون عاقبة بعض المعاصي، كالبغي، والغدر، والظلم.

ثالثًا:

والعقل يدل على مجازاة الفعل الحسن بالإحسان, وعلى مجازاة الفعل السيئ بالعقاب، والحرمان، ومثال ذلك: أنك تجد المعلِّم في المدرسة يثيب الطلبة المجتهدين بالجائزة، والثناء, ويكون عكس ذلك للمقصرين, وهكذا صاحب العمل في عمله يشجع العامل المجتهد، ويزيد له في أجره, وعلى عكس ذلك يكون الحال مع العامل المقصر.

ولله المثل الأعلى، فهو سبحانه وتعالى ينبِّه عباده إلى الرجوع إليه، والتوبة، بمثل هذه السنن، كالجفاف، وتأخر المطر، وضيق الرزق؛ ليرجعوا إليه، ويتركوا ما هم من معاصٍ وآثام، ولو حصل شيء من الرزق من السماء: فلأجل البهائم! كما مرَّ في الحديث.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وقد استسقى نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى المصلَّى متواضعًا، متذللًا، متخشعًا، مترسِّلًا، متضرعًا، وحسبك به، فكيف بنا، ولا توبة معنا، إلا العناد، ومخالفة رب العباد، فأنَّى نُسقى؟! لكن قد قال صلى في حديث ابن عمر: ( وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِم إِلاَّ مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ البَهَائِم لَمْ يُمْطًروا ) الحديث.

” تفسير القرطبي ” ( 1 / 418 ).

رابعًا:

وإن الإسلام لينظر إلى ربط الأسباب بمسبباتها, فتأخر المطر مثلًا سببه الحالة الجوية، والمناخ, ولكن المسبِّب لذلك هو الله، الذي جعل من أسباب تأخر المطر، وسوء المناخ : المجاهرة بالذنب، والمعصية.

فمن الذي يسيِّر الرياح لتسوق السحاب؟ ومن الذي يقدِّر لذلك السحاب أن ينزل الأمطار؟ فهذه أسباب دنيوية هي من فعل الله تعالى، وأمره، قال تعالى: ( أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ النمل/ 63، وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ) النور/ 43.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

أي: ألم تشاهد ببصرك عظيم قدرة الله، وكيف ( يُزْجِي ) أي: يسوق ( سَحَابًا) قطعا متفرقة، ( ثُمَّ يُؤَلِّفُ ) بين تلك القطع، فيجعله سحابًا متراكمًا، مثل الجبال.

( فَتَرَى الْوَدْقَ ) أي: الوابل، والمطر، يخرج من خلال السحاب، نقطًا متفرقةً، ليحصل بها الانتفاع من دون ضرر، فتمتلئ بذلك وتتدفق الخلجان، وتسيل الأودية ، وتنبت الأرض من كل زوج كريم، وتارة ينزل الله من ذلك السحاب برَدًا يتلف ما يصيبه.

( فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ) بحسب ما اقتضاه حُكمه القدري، وحكمته التي يُحمد عليها.

( يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ) أي: يكاد ضوء برق ذلك السحاب، من شدته ( يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ ).

أليس الذي أنشأها، وساقها لعباده المفتقرين، وأنزلها على وجه يحصل به النفع، وينتفي به الضرر: كامل القدرة، نافذ المشيئة، واسع الرحمة؟.

” تفسير السعدي ” ( ص 570 ).

وهكذا يقال في الزلازل، والبراكين، وكل ما يقال في أسبابهما المادية: فيُقال: إن الله تعالى هو من يقدر تلك الأسباب، وهو سبحانه يقدرها وقت يشاء، على من يشاء.

ومن هنا فإن صاحبك على خطر عظيم إذا اعتقد بأنه لا تعلق لأمر الله بنزول المطر، وانحباسه، بل علينا أن نكون أكثر وضوحًا بأن إثمه قد يكون خروجًا من الملَّة!، ودليلنا على ذلك:

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ سَمَاءٍ – أي: مطر – كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ( هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ )، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ: فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ). رواه البخاري ( 810 ) ومسلم ( 71 ).

سماء: أي: مطر.

نوْء: كوكب.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله حاكيا عن الله عز وجل ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ) فمعناه عندي على وجهين:

أما أحدهما: فإن المعتقد أن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله عز وجل: فذلك كافر كفرًا صريحًا، يجب استتابته عليه، وقتله؛ لنبذه الإسلام، ورده القرآن.

والوجه الآخر: أن يعتقد أن النوء يُنزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدَّره الله، وسبق في علمه، فهذا وإن كان وجهًا مباحًا: فإن فيه أيضًا كفرًا بنعمة الله عز وجل، وجهلًا بلطيف حكمته؛ لأنه يُنزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء، وكثيرًا ما يخوى النوء، فلا يَنزل معه شيءٌ من الماء، وذلك مِن الله، لا مِن النوء. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 16 / 286 ).

خامسًا:

وإن رغد العيش، ووفرة الماء، قد يكون لبعض الناس، والأمم، بلاء، واستدراجًا، كما هو مشاهد في بلاد الغرب, وهذا مبلغهم من النعيم، وقد عجلت لهم طيباتهم في الدنيا, وسيكون عليهم بسبب ذلك زيادة في العذاب في الآخرة.

قال تعالى: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) آل عمران/ 180.

كما جاء ذلك مبيَّناً في حديث عُقْبَةَ بن عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لَهُ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ نَزَعَ هَذِهِ الآيَةَ: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) الأنعام / 45.  رواه الطبراني في ” الكبير ” ( 17 / 330 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ”    ( 413 ).

سادسًا:

فتحصَّل مما سبق:

أنَّ حبس المطر عن قوم، أو بلد: إنما هو بأمر الله تعالى، ومهما كان له من الأسباب المادية: فيقال: إن الله تعالى هو من قدَّرها، فإذا قدَّرها على قوم مؤمنين: فلحكَم جليلة، منها: تعبدهم ربهم تعالى بالدعاء، والخشية، والإنابة، أو لإحداث توبة مما عصوا به ربهم تعالى، وكلا الأمرين إن فعلوهما فهما محبوبان له تعالى، مع استغنائه عن خلقه.

وإذا قدَّر الله تعالى المطر والرزق لبلد، أو قوم عصاة غير تائبين، أو كفار غير مسلمين: فلحكَم جليلة، وأسباب عديدة، منها: استدرجهم بالخيرات لزيادة العذاب عليهم يوم القيامة، ومنها: أنه من أجل البهائم، لا من أجلهم هم، وإذا حصل ذلك: صارت البهائم حينئذٍ خيرًا منهم.

* قال المناوي – رحمه الله -:

أي: لم يُنزل إليهم المطر؛ عقوبةً، بشؤم منعهم للزكاة عن مستحقيها، فانتفاعهم بالمطر إنما هو واقع تبعاً للبهائم! فالبهائم حينئذ خيرٌ منهم! وهذا وعيد شديد على ترك إخراج الزكاة أعظِم به من وعيد.

” فيض القدير ” ( 5 / 378 ، 379 ).

 

هذا ملخَّص ما أردنا إيصاله للأخ السائل، فنرجو أن يكون ما ذكرناه نافعًا له، ولكل من قرأه من القراء الأفاضل.

 

والله أعلم.

ما حكم من يغتسل كل يوم؟ وحكم المنشفة والصابون والسواك وتجاوز المقدار الذي كان يستخدمه النبي؟

ما حكم من يغتسل كل يوم؟ وهل يجوز تجاوز مقدار الماء الذي استعمله النبي في وضوئه وغسله؟ وهل يُستعمل الصابون والمنشفة في الغسل؟ وهل كان الصحابة يغسلون ملابسهم؟

السؤال:

انتقدني بعض الأشخاص بسبب أنني لا أغتسل يوميًّا، وبفعلي هذا إنما أقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يغتسل يوميًّا, ولكن الناس في هذا الزمن ينظرون إلى هذا الأمر باستغراب، كذلك هل من الضروري استخدام الصابون والمنشفة طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخدم ذلك \؟ وماذا عن مقدار الماء الذي ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل به، هل ينبغي التقيد بنفس الكمية؟ وهل كان الصحابة يغسلون ملابسهم؟ وكم مرة في الأسبوع؟ وماذا عن استخدام السواك، هل المحافظة عليه سنَّة مؤكدة؟ وكيف يمكن الجمع بين ما وصلنا إليه من تقدم، ورخاء، وتوفر الأشياء في جميع مناحي الحياة، وبين التأسي، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟.  أرجوا التوضيح في كل ما سبق.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخي السائل الموفق أن الاغتسال يوميًّا ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي، ولا أمر، ولا فعل، والذي أوجبه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب: الغسل مرة كل سبعة أيام.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ).رواه البخاري ( 856 ) ومسلم ( 849 ).

وهذا عام، يشمل النساء، والرجال.

كما أنه صلى الله عليه وسلم أوجب الغسل على من قدم المسجد لصلاة الجمعة، من النساء والرجال.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ). رواه البخاري ( 820 ) ومسلم ( 846 ).

فمن اغتسل لصلاة الجمعة: فقد أدى الواجب الذي عليه في هذا الحديث، والحديث الذي قبله، ومن لم يكن من أهل الوجوب، أو كان معذورًا عن الذهاب لصلاة الجمعة: فلا بدَّ له من غسل لمرة واحدة في كل سبعة أيام.

وأما الحكم الشرعي لمن اغتسل كل يوم: فيُنظر، فإن كان الغسل لحاجة، أو ضرورة، كمن يعمل عملًا يتطلب منه خروج عرق بغزارة، أو رائحة كريهة: فهذا يغتسل كل يوم – ولو أكثر من مرة – ليُذهب هذه الرائحة، فهذا مطلب شرعي، وهو أن يكون الإنسان بهيئة حسنة، ورائحة طيبة.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ.

رواه البخاري ( 1965 ) ومسلم ( 847 ).

أرواح: روائح كريهة.

ولفظ مسلم:

” كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ “.

تفَل: رائحة كريهة.

وهذا الحديث قبل أن يشرع وجوب الغسل لكل من قدم الجمعة، سواء كان له رائحة، أو لم يكن، كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد الخدري السابق.

* قال الشافعي – رحمه الله – بعد أن ذكر مواضع يستحب فيعها الغسل عنده -:

وأستحب الغسل بين هذا: عند تغير البدن بالعرَق، وغيره؛ تنظيفًا للبدن، وكذلك أحبُّه للحائض، وليس من هذا واحد واجب. ” الأم ” ( 2 / 146 ).

وأما الاغتسال كل يوم لغير ضرورة، أو حاجة، كحب التنظف: فليس ثمة ما يمنع منه، والإسلام حض على التطهر، والنظافة، وليس هو من الإسراف، إلا أن يزيد في استعمال الماء من غير داعٍ، كمن يغتسل في حوض الاستحمام الذي يملؤه لمجرد الاستمتاع، ثم تضيع المياه في المجاري، وأما من اغتسل، وأكثر من استعمال الماء، وكان لماء الاغتسال تصريف نافع، كسقي زرع، أو إعادة تكرير: فلا بأس بفعله.

وقد ثبت عن بعض السلف أنه كان يغتسل كل يوم، وقد بوَّب ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” بابًا بعنوان ” مَن كان يحب أن يغتسل كل يوم “، وروى ذلك عن: عثمان بن عفان، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين.

– انظر ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 1 / 198، 190 ).

ثانيًا:

وأما استخدام المنشفة والصابون: فليس ثمة ما يمنع منهما, والصابون لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الهيئة, ولكن كانوا يستخدمون شيئًا يقوم مقامه، وهو ورق ” الأشنان “، فكان يقوم مقام الصابون في تنظيف الأيدي، والآنية، والملابس،  وكذا كان يُستعمل ” السدر ” في الغسل – للأحياء والأموات – لإعطاء رائحة طيبة بخلطه مع الماء.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز لك أن تغتسل بالشامبو مع الماء، ولو كان مخلوطاً بليمون، أو بيض، وتغتسل بالصابون، والأشنان، ونحو ذلك، مع الماء، لمساعدته على إزالة الأوساخ

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 24 / 108 ).

والاكتفاء بالماء في الغسل هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا نعلم أحدًا من أهل العلم يمنع من استعمال الصابون، والمنظفات المباحة غير المضرة، في الغسل.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل الجنابة تغسل بالصابون، ولماذا؟

فأجابوا:

يجب الغسل من الجنابة بالماء، ولا يجب فيه استعمال المنظفات، كالصابون، ونحوه، وهذا هو الذي دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن استعمل الصابون، أو نحوه من المنظفات: فلا بأس.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 315 ).

وأما المنشفة: فالوارد في أنه صلى الله عليه وسلم كانت له منشفة يتنشف بها: لا يصح منه شيء، وهو أمر ليس بحاجة لسنَّة تُثبته؛ لأنه فعل جِبِليّ، وقد ثبت في الصحيحين أن ميمونة رضي الله عنه جاءت له بخرقة يتنشف بها، فلم يُردها، ولو كان فعلها منكرًا لأنكره عليها، ولذا فما قاله بعض العلماء من استحباب ترك التنشف من الوضوء والغسل: مرجوح، ومثله من قال بكراهة التنشف، سواء من الوضوء، أو من الغسل.

* قال النووي – رحمه الله -:

وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب:

أحدها: أنه لا بأس به في الوضوء والغسل، وهو قول أنس بن مالك، والثوري.

والثاني: مكروه فيهما، وهو قول ابن عمر، وابن أبي ليلى.

والثالث: يُكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما.

– ولمَّا نقل – رحمه الله – الخلاف بين الشافعية في التنشيف: قال:

والثالث: أنه مباح، يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره؛ فإن المنع، والاستحباب : يحتاج إلى دليل ظاهر. ” شرح مسلم ” ( 3 / 231 ).

وقال:

وقد احتج بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة في هذا الحديث ” وجعل يقول بالماء هكذا ” يعني: ينفضه، قال: فإذا كان النفض مباحًا: كان التنشيف مثله، أو أولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء. ” شرح مسلم ” ( 3 / 232 ).

* سُئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز تنشيف الأعضاء بعد الوضوء؟.

فأجاب:

نعم، يجوز للإنسان إذا توضأ أن ينشف أعضاءه، وكذلك إذا اغتسل يجوز له أن ينشف أعضاءه؛ لأن الأصل في ما عدا العبادات: الحِل، حتى يقوم دليل على التحريم .

وأما حديث ميمونة: رضي الله عنها أنها ” جاءت بالمنديل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن اغتسل فردها، وجعل ينفض الماء بيده “: فإنَّ رده للمنديل لا يدل على كراهته لذلك؛ فإنها قضية عيْن يحتمل أن يكون المنديل فيه ما لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمندل به من أجله، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينفض الماء بيده.

وقد يقول قائل: إن إحضار ميمونة المنديل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: دليل على أن ذلك أمر جائز عندهم، وأمر مشهور، وإلا فما كان هناك داعٍ لإحضارها للمنديل.

وأهم شيء أن تعرف القاعدة، وهي أن الأصل في ما سوى العبادات: الحل، حتى يقوم دليل على التحريم . ” فتاوى إسلامية ” ( 1 / 222، 223 ).

ثالثًا:

وأما عن مقدار الماء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل به: فما بين الصاع إلى خمسة أمداد، والصاع: أربعة أمداد.

عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد. رواه البخاري ( 198 ) ومسلم ( 325 ).

والأصل في صاع النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أربع حفنات باليدين المعتدلتين.

ومقدار المد عند المالكية، والشافعية، والحنابلة: رطل وثلث، وعليه: فالصاع: خمسة أرطال وثلث. والرطل المعتمد عند الفقهاء هو الرطل البغدادي.

 

* قال الفيومي – رحمه الله -:

قال الفقهاء: وإذا أُطلق الرطل في الفروع: فالمراد به رطل بغداد.

” المصباح المنير ” ( ص 230 ).

وأما تقديره بالوزن: ففيه اختلاف بين العلماء، وقد حقق الشيخ عطية سالم رحمه الله الصاع النبوي بالنسبة للطعام، وبالنسبة للماء، فقال:

فكان وزن الصاع بعد هذا التأكيد هو بالعدس المجروش 600 , 2، كيلوين وستمائة جرام. وبالماء: 100  ,3 ثلاثة كيلوات ومائة جرام.

وأرجو أن يكون هذا العمل كافياً لبيان الوزن التقريبي للصاع النبوي في الزكاة.

” أضواء البيان ” التتمة ( 8 / 292 ).

وهذا المقدار من الماء كافٍ للوضوء، والغسل، ولكن هل لا يجوز الزيادة عليه؟ الظاهر هو الجواز، ونقل فيه الإجماع، ولا شك أن من توضأ، واغتسل، بما ثبت من مقدار الماء في وضوء، وغسل النبي صلى الله عليه وسلم: أنه فعل الأفضل، وله فيه أجر.

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” (  4 / 179، 180 ):

اتفق الفقهاء على أن ما يجزئ في الوضوء، والغسل: غير مقدر بمقدار معين، ونقل ابن عابدين الإجماع على ذلك، وقال: إن ما ورد في الحديث: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع “: ليس بتقدير لازم، بل هو بيان أدنى القدر المسنون، حتى إن من أسبغ بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه: زاد عليه؛ لأن طباع الناس وأحوالهم مختلفة.

واتفقوا كذلك على أن الإسراف في استعمال الماء: مكروه، ولهذا صرح الحنابلة بأنه يجزئ المُد وما دون ذلك في الوضوء، وإن توضأ بأكثر من ذلك: جاز، إلا أنه يكره الإسراف.   انتهى.

رابعًا:

وأما غسل الملابس وكم مرة؛ فمرد ذلك إلى العرف والحاجة  فإن كانت تتسخ لطبيعة البيئة، أو العمل: فيغسلها على حسب ذلك؛ والمراد: أن يكون الإنسان في هيئة حسنة، وهذا مطلب شرعي.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ).

رواه مسلم ( 91 ).

خامسًا:

وأما عن سنية السواك، واستحبابه في بعض الحالات فراجع أجوبتنا الأخرى في الموقع.

سادسًا:

وأما عن سؤالك عن كيفية الجمع بين ما وصلنا إليه من تقدم، وبين التأسي، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم: فالجواب عليه: أنه ليس ثمة تعارض أصلًا بينهما، فيؤخذ بما وهبه الله لنا، وأنعم به علينا، بما لا يتعارض مع شرع الله تعالى، والإسلام لا يعارض وسائل الترفيه المعاصرة؛ لأن الأصل في الأمور الدنيوية: الإباحة، بل ربما تكون هذه الوسائل معينة على طاعة الله، كما هو الواقع في أمور كثيرة، كالطائرات، والبواخر، والفضائيات.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

نأخذ من الغرب والشرق ما ينفعنا، وندع ما يضرنا، إذا جاءنا من الغرب، أو الشرق شيء ينفعنا نأخذه، ونستفيد منه، كما نأخذ منهم ما أخذنا من سلاح، ومن طائرات، ومن سيارات، ومن بواخر، وغير ذلك، نأخذ منهم من الدواء، ومن غير الدواء، ومن وجوه الزينة ما ينفعنا، ولا يكون فيه مشابهة لغيرنا من أعداء الله، بل نأخذ الشيء الذي ينفع، وندع ما يضر.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 223 ).

 

وجزاك الله خيرًا أخي السائل، وبارك فيك؛ على حبك لتطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ واعلم أن أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: أشدهم له اتباعًا، ونسأل الله أن يجعلك منهم.

 

والله أعلم.

 

 

أخوهم يصر على التزوج بأجنبية كتابية، ويرفض التزوج بغيرها، فماذا يصنعون؟

أخوهم يصر على التزوج بأجنبية كتابية، ويرفض التزوج بغيرها، فماذا يصنعون؟

السؤال:

أنا أعاني من مشكلات في إيجاد عروسة لأخي الأكبر، فكل فتاة يتقدم لخطبتها: ترفضه، دون إبداء للأسباب، وأمي قلقة عليه، فمؤخرًا أخبرنا أنه يريد الارتباط بفتاة أمريكية، وقال: إنها تريد أن تسلم، لكنها لا تؤدي شعائر الإسلام كما ينبغي، ويرى أخي أنه طالما أنها تذهب للمسجد: فإنها ستعتنق الإسلام لاحقًا، أم عاجلًا، كما أن هذا يدل على أنها فتاة صالحة، وأهلي على  خلاف كبير مع أخي، فنحن لا نريد فقط فتاة مسلمة، بل نريدها أن تكون موافقة لتقاليدنا، وهو يرى أن هذه عقلية منغلقة، ويرفض ذلك، ويصر على الزواج من هذه الفتاة لأنها تريد أن تسلم، فهل يمكن أن تنصحونا وتذكروا لنا أحاديث وآيات؟.

أرجو المساعدة.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا كان واقع أخيك كما تنقله عنه من أنه كلما تقدَّم لفتاة رفضته، ودون إبداء الأسباب: فإن هذا يدعوكم للتأمل جيِّدًا في حاله، وهو يحتمل – عندنا – أمرين:

  1. أن ظاهره يدل على باطنه عند من تراه من النساء، ولا يحتاج أهل المخطوبة للسؤال عنه حتى يوافقوا عليه زوجًا.
  2. أن يكون مسحورًا، وقد حصلت حالات مشابهة كثيرًا، للرجال، والنساء.

وأما علاج الحال الأولى: فهو إصلاح باطنه، وظاهره، ومن أصلح ما بينه وبين الله : أصلح الله ما بينه وبين الناس.

وأما علاج الحال الثانية: فهو بالرقية الشرعية، كقراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات على ماء، ثم يشرب منه، أو تتم القراءة عليه مباشرة من شيخ مختص موثوق بدينه، وعلمه.

ثانيًا:

ومن حيث إصراره على التزوج بتلك المرأة القريبة من الإسلام على حد زعمه: فإنه ثمة أمور يجدر التنبيه عليها:

  1. أن التزوج بالنصرانية جائز من حيث الأصل، إن كانت فعلاً نصرانية، وعفيفة.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية – يهودية أو نصرانية – إذا كانت محصنة، وهي الحرة العفيفة؛ لقوله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ … ).

وترك الزواج بها أولى وأحوط للمؤمن؛ لئلا تجره وذريته إلى دينها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 314, 315 ).

– انظر الشروط الواجب توفرها في الكتابية حتى يحل نكاحها في أجوبتنا الأخرى.

  1. قد يكون تزوج أخيك بتلك المرأة خيرًا له، ولها، ولكم، أما له: فلأن إصراره على التزوج بها قد يجعله يقع معها في الفاحشة، وقد يتزوجها في نهاية المطاف رغمًا عنه، فيخسركم، وأما لها: فإنه فعلًا قد يكون الأمر كما يقول، وقد تدخل في الإسلام بعد تزوجه بها، وأما لكم: فحتى لا تفقدوا أخاكم بإجباره على الزواج من يكره، فيخالفكم إلى ما لا ترغبون به، فيقاطعكم، وتفقدوه، فالأمر يحتاج لحكمة في التعامل، ومزيد من التعقل.
  2. يبحث كثير من الأهل عن زوجة متدينة، وعفيفة، وفاضلة، وجميلة، ويضعون المواصفات المبالغ بها لابنهم، ويغفلون عن أمر مهم، وهو أنه لا تتوفر في ابنهم ذاك من المواصفات ما يمكن أن يُقبل من الزوجة، وإذا قُبل: ما يمكن أن ينسجم معها في حياتهما الزوجية، فالذي ننبه عليه هنا: أنه ينبغي البحث عن زوجة قريبة المواصفات من الابن الراغب بالزواج؛ حتى لا تكون ثمة فوارق بينهما تؤدي في نهاية الأمر إلى الفراق، إلا أن يوجد – وهذا نادر – من تكون متدينة تقبل بمن هو أقل منها حتى تعينه على طاعة ربه، ويستقيم على أمر خالقه، والعادة أن تأثير الزوج هو الأقوى، ولذا فلا ننصح النساء المستقيمات بمثل هذه المخاطرة.

وملخص هذا التنبيه: أنه قد تكونون تبحثون عن زوجة بمواصفات لا يرغب بها أخوكم، وهو يرى أن هذا ” عقلية منغلقة ” منكم، فلا تتعبوا أنفسكم بالبحث عن شيء هو غير مقتنع به، والمهم الآن هو أن يعف نفسه من الوقوع في الحرام، وقد يكون سبباً في إسلامها، ولم لا تجعلوه يجرب حظه من الزواج بها وأنتم قريبون منه، فقد يحتاج إليكم عندما يرى الأمر بخلاف ما تصور، ثم تقع الفرقة بينه وبين من اختارها، وهنا يكون منه الاقتناع برأيكم، واختياركم.

  1. نحن نفرِّق في أجوبتنا بين السؤال الذي يرد من الشخص الراغب بالزواج، وبين كونه من أهله، فأما إن كان هو المراسل لنا والسائل: فإننا نحذره أشد التحذير من الزواج بكتابية تحمل جنسية دولة كافرة؛ لما في ذلك من مفاسد كثيرة، ونبذل جهدنا في تنفيره من ذلك الزواج، بخلاف ما إن كان السؤال من أهله – كحالتكم هذه – ويكون هو مقتنعًا برأيه واختياره، فنحن نبين لكم ما نراه صوابًا، وفي الوقت نفسه قد نحثكم على تزويجه بتلك المرأة؛ خشية من حصول علاقة محرمة، أو من وقوعهم في الفاحشة المنكرة، فلا شك أن الزواج بها هنا يكون هو الحل الأمثل.

فنرى: التلطف في منعه من التزوج بتلك المرأة، مع تبيين المفاسد من ذلك، ومحاولة إقناعه من غير طريقكم، واجعلوا ذلك من طريق من يثق هو به، وإن أصرَّ على الزواج بها: فقفوا معه، وآزروه، ولا تخسروه، فهو أحوج ما يكون للنصح، والتذكير حينئذ.

 

والله أعلم.

 

تفصيل القول في حكم تقبيل قدميْ الوالدين ومن في منزلتهم

تفصيل القول في حكم تقبيل قدميْ الوالدين ومن في منزلتهم

السؤال:

إنني مشوَّش حيال لمس قدم أشخاص آخرين، أو تقبيلها، فقد قرأت في مدونة بأن ” طاهر القدري ” قد أظهر أدلة من الأحاديث بأنه من الجائز لمس قدم الآخرين، أو تقبيلها، وأن البخاري كانت له رؤى حيال هذا الأمر، وقد كتب كتباً في صحة هذا الأمر، وأن طاهر القدري قد دعم رؤيته بأحاديث موضوعة، أو ضعيفة، فماذا يجب أن يكون موقفنا حيال طاهر القدري؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أشهر ما يُستدل به على تقبيل الرِّجْلين: حديثان، وحادثة، أما الحديث الأول: ففيه تقبيل يهودييْن لرجلَي النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: فيه تقبيل وفد عبد القيس لرجل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الحادثة : ففيها تقبيل الإمام مسلم لرجليْ الإمام البخاري، رحمهما الله، ونحن نذكر تفصيل ذلك، وكلام العلماء حولها.

الحديث الأول:

عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَقَالَ لَهُمْ: ( لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ وَلَا تَسْحَرُوا وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً وَلَا تُوَلُّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ ) قَالَ: فَقَبَّلُوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ.

رواه الترمذي ( 2733 )، والنسائي ( 4078 )، وابن ماجه ( 3705 )، وضعفه الألباني في ” ضعيف الترمذي “، وصححه كثيرون، كالحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 5 / 240 )، وابن الملقن في ” البدر المنير ” ( 9 / 48 )، والنووي في ” المجموع ” ( 4 / 640 )، و” رياض الصالحين ” ( حديث 889 ).

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلِمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون. ” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 125 ).

 

* وقال الزيلعي – رحمه الله -:

والحديث فيه إشكالان:

أحدهما: أنهم سألوا عن تسعة، وأجاب في الحديث بعشرة، وهذا لا يرِد على رواية أبي نعيم والطبراني؛ لأنهما لم يذكرا فيه ” السحر “، ولا على رواية أحمد أيضًا؛ لأنه لم يذكر ” القذف ” مرة، وشك في أخرى، فيبقى المعنى في رواية غيرهم: أي: ” خذوا ما سألتموني عنه وأزيدكم ما يختص بكم لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم “.

الإشكال الثاني: أن هذه وصايا في التوراة، ليس فيها حجج على فرعون وقومه، فأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟! وما جاء هذا إلا من عبد الله بن سلمة؛ فإن في حفظه شيئًا، وتكلموا فيه، وأن له مناكير، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات، فاشتبه عليه بالتسع الآيات، فوهِم في ذلك، والله أعلم. ” تخريج الكشاف ” ( 2 / 293 ).

والحديث: بوَّب عليه الترمذي بقوله: ” باب ما جاء في قبلة اليد والرِّجل “.

* قال ابن بطَّال – رحمه الله -:

قال الأبهري: وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر، والتعظيم لمن فعل ذلك به، وأما إذا قبَّل إنسانٌ يدَ إنسانٍ، أو وجهه، أو شيئًا من بدنه – ما لم يكن عورة – على وجه القربة إلى الله، لدينه، أو لعلمه، أو لشرفه: فإن ذلك جائز.

” شرح صحيح البخاري ” ( 9 / 46 ).

* وقال المباركفوري – رحمه الله -:

والحديث يدل على جواز تقبيل اليد والرِّجْل.

” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 437 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الحاصل: أن هذين الرجلين قبَّلا يدَ النبي صلى الله عليه وسلم، ورِجْله، فأقرهما على ذلك، وفي هذا: جواز تقبيل اليد، والرِّجْل، للإنسان الكبير الشرَف والعلم، كذلك تقبيل اليد، والرِّجْل، من الأب، والأم، وما أشبه ذلك؛ لأن لهما حقًّا، وهذا من التواضع. ” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 451 ).

* وسئل الشيخ عبد المحسن العباد – حفظه الله -:

أبي – أحيانًا – يأمرني بتقبيل رِجله مازحًا؟.

فأجاب:

لا مانع مِن أن تقبلها.

”  شرح سنن أبي داود ” ( 29 / 342 ).

 

 

ثانيًا:

الحديث الثاني:

عن أُمّ أَبَانَ بِنْتِ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ عَنْ جَدِّهَا زَارِعٍ – وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ – قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرِجْلَهُ. رواه أبو داود ( 5227 )، وجوَّد الحافظ ابن حجر إسناده في ” فتح الباري ” ( 11 / 57 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” وقال: ” حسنٌ، دون ذِكر الرِّجْلين “.

والحديث بوَّب عليه أبو داود بقوله: ” بَاب فِي قُبْلَةِ الرِّجْلِ “.

 

ثالثًا:

وأما الحادثة:

فهي حوار حصل بين الإمامين مسلم والبخاري، وقد اشتهر على أن الإمام مسلمًا قبَّل رجليْ البخاري، وأثنى عليه بعلمه، والصحيح: أنه ليس في القصة إلا تقبيل ما بين عيني الإمام البخاري، وأن مسلمًا طلب من البخاري أن يقبِّل رجليه، وليس في القصة أنه فعل ذلك.

ففي ” تاريخ بغداد ” ( 13 / 102 ) عن أحمد بن حمدون القصار قال: سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبَّل بين عينيه، وقال: دعني حتى أقبِّل رجليك، يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله.

* وفي ” تاريخ دمشق ” ( 52 / 68 ):

فقبَّل بين عينيه، فقال : دعني حتى أقبِّل رجليك، يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث. انتهى.

وللفائدة:

فقد ضعَّف الحافظ العراقي رحمه الله القصَّة هذه، وردَّ عليه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنها ثابتة وصحيحة.

* قال الحافظ العراقي – رحمه الله -:

والغالب على الظن: عدم صحتها، وأنا أتهم بها ” أحمد بن حمدون القصار ” راويها عن مسلم؛ فقد تُكلم فيه.

” التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ” ( ص 118 ).

* ورد الحافظ ابن حجر على العراقي فقال:

الحكاية صحيحة، قد رواها غير الحاكم على الصحة، من غير نكارة، وكذا رواها البيهقي عن الحاكم على الصواب، كما سنوضحه؛ لأن المنكَر منها إنما هو قوله  ” إن البخاري قال: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد المعلول “، والواقع: أن في الباب عدة أحاديث لا يخفى مثلها على البخاري “.

والحق أن البخاري لم يعبِّر بهذه العبارة، وقد رأيت أن أسوق لفظ الحكاية من الطريق التي ذكرها الحاكم وضعفها الشيخ، ثم أسوقها من الطريق الأخرى الصحيحة التي لا مطعن فيها، ولا نكارة، ثم أبيِّن حال الحديث، ومن أعلَّه، أو صححه لتتم الفائدة … ” النكت على كتاب ابن الصلاح ” ( 2 / 715 ، 716 ).

 

رابعًا:

وحيث نقول بجواز تقبيل الرجلين: فإنه لا بدَّ من ضوابط لهذا الجواز، ومنها:

  1. أن يكون هذا التقبيل للوالدين، وأهل العلم.

وقد سبق النقل على الشيخين العثيمين والعبَّاد ما يؤيد ذلك.

  1. أن يكون التقبيل قربة إلى الله، لا لدنيا يصيبها، ولا مع ذل يلحقه.

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما تقبيل يده لِغِناه، ودنياه، وشوكته، ووجاهته عند أهل الدنيا بالدنيا ونحو ذلك: فمكروه شديد الكراهة، وقال المتولي: لا يجوز، فأشار إلى تحريمه.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 636 ).

وقال:

وتقبيل رأسه ورِجله: كيَده.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 636، 637 ).

  1. أن لا يُفعل هذا التقبيل مع من يحرص عليه، ومن حرص على أن يقبِّل الناس يده: لم يستحق تقبيلها، فكيف بتقبيل رجليه؟!.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما ابتداء مدِّ اليدِ للناس ليقبِّلوها، وقصده لذلك: فيُنهى عن ذلك، بلا نزاع، كائنًا من كان، بخلاف ما إذا كان المقبِّل المبتدئ بذلك.

” المستدرك على مجموع الفتاوى ” ( 1 / 29 ).

* وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

الذي يُنتقد من بعض الناس: أنه إذا سلَّم عليه أحد: مَدّ يده إليه، وكأنه يقول: قَبِّل يدي ! فهذا هو الذي يُستنكر، ويقال للإنسان عندئذ: لا تفعل.

” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 452 ).

  1. أن لا يكون هذا التقبيل إلا نادرًا، وحيث يقتضيه الفعل، لا في كل مرة يلقاه فيها.

 

 

 

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

أما مَن يقبِّل يدك تكريمًا، وتعظيمًا، أو رأسك، أو جبهتك: فهذا لا بأس به، إلا أن هذا لا يكون في كل مرة يلقاك؛ لأنه سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك إذا لاقى الرجل أخاه أينحني له؟ قال: ( لا ) قال: أيقبله ويعانقه؟ قال: ( لا )، قال: أيصافحه؟ قال: ( نعم ).

لكن إذا كان لسبب: فلا بأس للغائب.

” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 452 ).

 

خامسًا:

وأما بخصوص ” طاهر القدري “: فليس عندنا معلومات وافية عنه، وبكل حال: فمن استدل بالضعيف، أو الموضوع، من الأحاديث: ردَّ عليه ن ولم يُلتفت لقوله، وقد أغنانا الله تعالى بما ثبت في صحيح السنَّة.

 

والله أعلم.