الرئيسية بلوق الصفحة 69

نصائح شرعيَّة للأخوات الخريجات من الجامعة

نصائح شرعيَّة للأخوات الخريجات الجامعة

السؤال:

الرجاء من فضيلتكم توجيه نصيحة للخريجات – الفتيات اللواتي أنهين الدراسة الجامعية -، ماذا يفعلن بعد التخرج وقبل الزواج أو لحين الزواج.

 

الجواب:

الحمد لله

وبعد، فهذه نصائح نقدمها لمن أنهت دراستها الجامعية، فنقول:

  1. على كل أخت أنهت دراستها الجامعية أن تحاسب نفسها ابتداء عن تلك السنوات التي قضتها في الجامعة، ماذا كان فيها من معصية، أو تقصير في حق الله، وماذا كان فيها من طاعة، فإن كان حال الأخت ارتكاب شيء من المعاصي: فعليها التوبة الصادقة منها، وفتح صفحة جديدة مع نفسها تجاه ربها تعالى، فتعوض ما فات بالتوبة والطاعة، وإن كان حالها التقصير: فعليها بذل مزيد من النشاط في سبيل رفع همتها، وعليها لوم نفسها على ذلك التقصير بفعل الطاعات، وترك الكسل، والقضاء على العجز.

وإن كان حال الأخت في أثناء دراستها أنها على خير وطاعة: فلتحمد الله تعالى أن نجاها مما وقع فيه غيرها في المعصية، وعليها المحافظة على استقامتها، ودينها، وأن يكون يومها – دائمًا – خيرًا من أمْسِها، وغدها خيرًا من يومها.

 

  1. والنصيحة للأخوات أن لا يحرصن على تكملة الدراسة، ولا البحث عن عمل، بل ليكن الزواج هو الغاية التي تبحث عنها تلك الأخوات؛ لأنه بتكميلها دراستها، أو عملها ستقل فرص زواجها لكبر سنِّها، ثم قد لا تنجو من الفتنة في تلك البيئات الدراسية، أو أماكن العمل، فلا خير لها من تعجيل زواجها، وهذه نصيحة مشتركة، لها، ولأوليائها.

وقد يُفتى في نطاق ضيِّق لبعض الأخوات، وفي بعض التخصصات بتكملة دراستهن، أو العمل، وذلك بعد أن يستشرن من يوثق بعلمه، ودينه.

 

  1. على الأخوات الخريجات استثمار الفترة بين التخرج والزواج بالدعوة إلى الله، فالنساء أحوج ما يكنَّ لداعيات تحثهن على سلوك طريق الاستقامة، ونأسف أن نجد الحاجة ماسة لوجود داعيات، مع قلة من يقوم بهذا الأمر من الأخوات، وثمة الكثير منهن تكون قادرة على البذل والعطاء لبنات جنسها، لكننا نرى العجز والكسل عند الكثيرات.

قال تعالى: ( فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) الأعراف/ 165.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وهكذا سنَّة اللّه في عباده: أن العقوبة إذا نزلت: نجا منها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. ” تفسير السعدي ”  ( ص 306 ).

 

  1. استثمار الوقت في طلب العلم، وحفظ القرآن، وذلك قبل مجيء شواغل الزواج، ففي الزواج تقل فرص طلب العلم، وحفظ القرآن – غالبًا – بسبب الأعمال البيتية، والقيام بحقوق الزوج، ورعاية الأولاد.

عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: ( اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ). رواه الحاكم ( 4 / 341) وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 3355 ).

 

  1. من رضيت لنفسها من الأخوات الخريجات باللحاق بركب العمل، والدخول في سوقه: فلتتق الله ربها فيه، ولتحرص على أن يكون عملها شرعيًا في ذاته، وأن تكون بيئته خالية من المحرمات، كالأغاني، والاختلاط، ومن كانت وظيفتها في تدريس البنات: فلتبذل قصارى جهدها في العناية بهن، والحرص على هدايتهن، واستقامتهن؛ فقد كثرت الفتن على المسلمين والمسلمات، وقد غلبت الكثرة الشجاعة، فيحتاج المسلم من يقوي عزمه، ويقف بجانبه، ويحثه على الطاعة، وبخاصة الإناث؛ فإن حملات الفتن عليهن أكثر، وجانب الوقاية فيهن ضعيف غالبًا.

 

  1. الحرص على الصحبة الصالحة من بنات جنسها، ومن شأن تلك الصحبة الصالحة أن تعين على طاعة الله، وتدل على النافع المفيد، وتثبت السائر على درب الهداية.

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ).

رواه أحمد ( 22029 )، وحسَّنه محققو المسند.

القاصية: المنفردة عن القطيع البعيدة عنه.

 

  1. البُعد عن مهيجات الشهوة، من كتبٍ تُقرأ، أو صور تُرى، أو أفلام تُشاهد، فهذه المرحلة للأخوات لا شك أنها خطيرة، والانسياق وراء تلك المهيجات لا تُضمن عواقبه، مع وجود الإثم أصلًا في فعله، فعلى الأخوات الفضليات التنبه لهذا، والاستعانة بالله تعالى على التثبيت على الدين، فالفتن تسلب العقول، وتحرك الصخور، ولا ملجأ للمسلم إلا ربه، ليطلب منه الثبات على الحق، والانتصار على النفس الأمَّارة بالسوء.

 

ونسأل الله تعالى أن نكون وفقنا في نصائحنا هذه، ونسأله أن يوفق أخواتنا على العمل بها.

 

والله الموفق.

رئيس المركز الإسلامي عندهم تزوج نصرانية فهل فَعَل ما يستحق به العزل عن منصبه؟

رئيس المركز الإسلامي عندهم تزوج نصرانية فهل فَعَل ما يستحق به العزل عن منصبه؟

السؤال:

رئيس ” المركز الإسلامي ” في منطقتنا متزوج من امرأة مسيحية، فهل يجوز له أن يبقى في منصبه كمرشد ديني يقتدي به الناس؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

زواج المسلم من امرأة كتابية – يهودية أو نصرانية – مباح في شرع الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وقول جماهير أهل العلم هو الصواب، وهو مؤيد بنص من كتاب الله تعالى، قال عز وجل: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) المائدة/ 5.

والكتابية المباح التزوج بها: هي المحصنة العفيفة، والتي تُؤمن بدينها، ولو كان محرَّفًا، دون من تخلَّت عن دينها إلى لا دين، أو إلى إلحاد، أو إلى دينٍ وثني.

 

ثانيًا:

ولا يكاد يخفى على المسلمين حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين فيه دواعي اختيار المرأة المتزوج بها، فمن الناس من يَنكحها من أجل جمالها، ومنهم من يفعل ذلك من أجل مالها، وآخرون من أجل حسبها ونسبها، وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية الأمر على اختيار ذات الدين، والمقصود بها المتدينة، المطيعة، المستقيمة على أمر الله تعالى.

ولا شك أن الكتابيات غير داخلات في هذا الأمر، ومن هنا لم نجد حرص المسلمين من السلف على التزوج بالكتابيات كثيرًا، بل لم يفعله إلا القليل جدًّا حتى لا يكاد يُذكر؛ لما يعلمونه من خطر ذلك على أولادهم، ولما فيه من اختلاف الدين الذي يؤدي إلى اختلاف الطباع، والسلوك، ومن هنا – أيضًا -: رأينا أكثر العلماء يقولون بكراهة التزوج بالكتابية ،- والكراهة – كما هو معلوم – لا تنافي الإباحة، فهو فعل خلاف الأولى.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويُكره نكاح الحرائر الكتابيات مع وجود الحرائر المسلمات، قاله القاضي، وأكثر العلماء  ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 461 ).

ولعلَّ الكراهة أن تشتد حين يتزوج تلك الكتابية من يشار إليه بالبنان من أهل العلم، والجاه، والسلطان؛ خشية من تتابع المقلِّدين، والتابعين، على الفعل نفسه، فتبور المسلمات، ويقوى سوق الكتابيات، ولا يخفى ما تعانيه المسلمات من ” عنوسة ” شديدة في هذه الأيام، في كافة البلدان الإسلامية.

وللعلماء والأئمة الذي يمنعون من التزوج بالكتابيات – مع قولهم بأصل الإباحة – وجهة نظر قوية، وأسباب تدفعهم لهذا القول، ومن ذلك:

  1. خوفهم من التزوج بمن ليس عفيفة، فيخالف من يفعل ذلك شرط الإباحة.

عن شقيق بن سلمة قال: تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عم : خلِّ سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. رواه ابن جرير الطبري في ” تفسيره ” ( 4 / 366 )، وصححه الحافظ ابن كثير في ” تفسيره ” ( 1 / 583 ).

  1. خوفهم من أن يتتابع المقلِّدون على التزوج بالكتابيات، وتُترك المسلِمات بلا زواج.

عن عامر بن عبدالله بن نسطاس: أن طلحة بن عبيد الله نكح بنت عظيم اليهود، قال: فعزم عليه ” عمر ” إلا ما طلقها.

رواه عبدالرزاق في ” المصنف ” ( 6 / 79 ).

* قال ابن جرير الطبري- رحمه الله – تعليقًا على قول عمر لحذيفة وطلحة -:

وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رحمة الله عليهم نكاحَ اليهودية والنصرانية: حذرًا مِن أن يقتدي بهما الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلِمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما.

” تفسير الطبري ” ( 4 / 366 ).

  1. ترتب مفاسد كثيرة على مثل ذلك الزواج.

وعليه:

فنقول: إن ما فعله رئيس المركز الإسلامي عندكم هو مكروه، وفي حقه هو: مكروه كراهة شديدة؛ لما له منصب رفيع بين المسلمين، ولما يترتب على ذلك الزواج من مفاسد كثيرة، ولكن ذلك لا يُسقط عدالته، ولا يوجب هجره، بل لا يجيز لكم فعل ذلك، على أننا لا ندري حقيقة سبب ذلك، فقد تكون تلك المرأة لها ظروف خاصة، ويكون التزوج بها سببًا لإسلامها، وبكل حال فهو لم يرتكب خارماً من خوارم المروءة، ولا فعل محرَّمًا، فارفقوا به، وكونوا يدًا واحدة، وخاصة في دياركم تلك، وأنتم أحوج ما تكونون للاجتماع، والائتلاف.

 

والله أعلم.

 

تعليقات على كتاب ” يوم الغضب ” وكتاب ” دانيال ” وذِكر شروط ترقب علامات الساعة

تعليقات على كتاب ” يوم الغضب ” وكتاب ” دانيال ” وذِكر شروط ترقب علامات الساعة

السؤال:

ما حكم بعض الدراسات الحديثة والتي تبحث في أمور الساعة، والغيب، من تحديد نهاية دولة ما، أو ظهور شخص ما، وتحديدها بفترة زمنية معينة بناءً على ما ورد في كتب الحديث، أو بعض كتب أهل الكتاب؟؛ فقد أطلعت على بحث للشيخ الكبير ” سفر الحوالي ” حفظه الله في دراسة على رؤية دانيال عليه السلام في موضوع ” رجسة الخراب “، وتوقع الشيخ بزوال دولة اليهود في عام 1433 هـ، بناءً على دراسته، وإن لم يجزم بذلك، حقيقة: استمتعت بقراءة البحث، ولكن سؤالي: هل هناك ضابط شرعي في التعامل مع ما ورد في كتب أهل الكتاب، وهل بإمكاننا تحديد علامات الساعة متى تقع من خلال دراسات بحثية في الكتب، أو من خلال دراسة الواقع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يختلف المسلمون أنه حصل تحريف في كتب أهل الكتاب مما نسبوه للرب تعالى، ولأنبيائهم عليهم السلام، ولذا كان الموقف الشرعي مما ورد في تلك الكتب موقفاً منضبطًا بأصول علمية، وقواعد متينة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد، لا للاعتقاد؛ فإنها على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا، مما يشهد له بالصدق: فذاك صحيح.

والثاني: ما علمنا كَذِبه بما عندنا مما يخالفه.

والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل: فلا نؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته؛ لما تقدم. ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 366 ).

والذي تقدَّم هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) رواه البخاري ( 3274 ).

والموقف من ” النبوءات ” في كتب أهل الكتاب هو ذات الموقف من أخبارهم وأحاديثم، وهكذا هو الأمر عند الشيخ سفر الحوالي حفظه الله، فقد قال:

وموقفنا من نبوءات أهل الكتاب هو نفس الموقف من عامة أحاديثهم، وأخبارهم، فهي ثلاثة أنواع :

أولًا: ما هو باطل قطعًا:

وهو ما اختلقوه من عند أنفسهم، أو حرَّفوه عن مواضعه، كدعوى أن نبي آخر الزمان سيكون من نسل داود عليه السلام، وأن المسيح الموعود يهودي، وطمسهم للبشارة بالإسلام ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وعمومًا هو: كل ما ورد الوحي المحفوظ – الكتاب، والسنَّة الصحيحة – بخلافه.

ثانيًا: ما هو حق قطعًا، وهو نوعان:

أ. ما صدَّقه الوحي المحفوظ نصًّا، ومن ذلك: إخبارهم بختم النبوة، وإخبارهم بنزول المسيح عليه السلام، وخروج المسيح الدجال، وإخبارهم بالملاحم الكبرى في آخر الزمان بين أهل الكفر وأهل الإيمان، ومن هذا النوع ما قد يكون الخلاف معهم في تفصيله، أو تفسيره.

ب. ما صدقه الواقع، كما في صحيح البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: كُنت باليمن، فلقيت رجلين من أهل اليمن: ذا كلاع، وذا عمرو، فجعلت أحدثهم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال ذو عمرو: لئن كان الذي تذكره من أمر صاحبك: فقد مرَّ على أجله منذ ثلاث – قال ذلك عمرو لأنه كان على إطلاع بكتب اليهود باليمن – قال جرير: وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رُفِع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم، فقالوا: قُبِضَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستُخلف أبو بكر، والناس صالحون.

فقالا: أخبر صاحبك أنا قد جئنا ولعلنا سنعود إن شاء الله، ورجعا إلى اليمن، فحدثت أبا بكر بحديثهم ، فقال: أفلا جئت بهم، فلما كان بعدُ قال لي ذو عمرو: يا جرير! إن بك عليَّ كرامة، وإني مخبرك خبرًا، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمَّرتم في آخر، فإذا كان بالسيف كانوا ملوكًا، يغضبون غضبَ الملوك، ويرضون رضا الملوك.

رواه الإمام البخاري ( 4101 )، وانظر ” فتح الباري ” ( 8 / 76 ).

ثالثًا: ما لا نصدقه، ولا نكذبه:

وهو ما عدا هذين النوعين، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم ) رواه الإمام البخاري ( 4215 ).

ومن ذلك: إخبارهم عن ” الآشوري “، و ” رجسة الخراب “، وأمثالها، وكوننا لا نصدقه ولا نكذبه يعني: خروجه عن دائرة الاعتقاد، والوحي، إلى دائرة الرأي، والرواية التاريخية التي تقبل الخطأ والصواب، والتعديل والإضافة، أي: أن النهي لا يعني عدم البحث فيه مطلقًا، ولكنه بحث مشروط، وضمن دائرة الظن والاحتمال.

” يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب؟ ” الشيخ سفر الحوالي ( ص 11، 12 ).

 

ثانيًا:

والشيخ حفظه الله لم يخالف ما قرره، فهو – كما قال الأخ السائل – لم يجزم بتاريخ يحدده لزوال اليهود من أرض فلسطين المغتصَبة، وهذا نص كلامه في آخر كتابه، قال:

بقي السؤال الأخير والصعب: متى يحل يوم الغضب؟ ومتى يُدمر الله ” رجسة الخراب “؟ ومتى تفك قيود القدس وتعود لها حقوقها؟.

إن الإجابة قد سبقت ضمنًا، فحين حدد دانيال المدة بين الكرب والفرج، وبين عهد الضيقة وعهد الطوبى: كانت كما سبق ( 45 ) سنة.

وقد رأينا أن تحديده قيام ” دولة الرجس ” في القدس كان سنة ( 1967 م ) وهو ما قد وقع، وعليه: فتكون النهاية، أو بداية النهاية سنة ( 1967 + 45 ) = 2012 م، أي: سنة ( 1387 + 45 ) = 1433هـ.

وهو ما نرجو وقوعه ولا نجزم – إلا إذا صدقه الواقع – لكن لو دخل معنا الأصوليون في رهان كما دخلت قريش مع أبي بكر الصدِّيق بشأن الروم : فسوف يخسرون قطعاً ، وبلا أدنى ريب ، وبدون أن نلتزم بتحديد سنة معينة !! .

” يوم الغضب هل بدأ بانتفاضة رجب ؟ ” ( ص 130 ) .

ومن ردَّ على الشيخ بأن قيام ” دولة إسرائيل ” كان سنة 1948 م: فلم يصِب؛ لأن الشيخ حفظه الله نصَّ على اغتصاب اليهود لمدينة ” القدس “! وليس لأصل الاحتلال لفلسطين، وقيام دولة يهود، ومثل هذا لا يخفى على آحاد الناس، فكيف سيخفى على الشيخ؟!.

 

ثالثًا:

وما قلناه سابقًا هو توضيح لموقف الشيخ سفر الحوالي حفظه الله، وقد كثر اللغط على كتابه كثيرًا، ولسنا في صدد الدفاع عنه، ولا الرد عليه، ونلتزم جانب الحياد بخصوص الكتاب، ولا نلج فيما لا تحقيق لنا فيه.

وأما بخصوص كتاب ” دانيال “: ففيه من الخلط والخبط ما يصعب معه التوقف في أمره، والقول بأننا لا نصدقه ، ولا نكذبه، فنرى أن لا نأخذ منه شيئًا البتة، ولنا في ذلك سلف.

* قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -:

قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: و ” دانيال ” نبي من أنبياء إسرائيل، كلامه عبراني، وهو على شريعة ” موسى بن عمران “، وكان قبل عيسى بن مريم بزمان ، ومن أسند مثل هذا – أي: خبر السفياني الوارد في كتاب ” دانيال ” – إلى نبي عن غير ثقة، أو توقيف من نبينا صلى الله عليه وسلم: فقد سقطت عدالته، إلا أن يبيِّن وضعه ، لتصح أمانته، وقد ذُكر في هذا الكتاب من الملاحم، وما كان من الحوادث، وسيكون، وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون! وأغرب فيما أغرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون! و فيه من الموضوعات ما يكذِّب آخرُها أوَّلَها، ويتعذر على المتأول لها تأويلها، وما يتعلق به جماعة الزنادقة من تكذيب الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم أن في سنة ثلاثمائة يظهر الدجال من ” يهودية أصبهان “، وقد طعنا في أوائل سبعمائة في هذا الزمان! وذلك شيء ما وقع، ولا كان، ومن الموضوع فيه المصنوع، والتهافت الموضوع: الحديث الطويل الذي استفتح به كتابه، فهلا اتقى الله وخاف عقابه، وإن من أفضح فضيحة في الدِّين نقل مثل هذه الاسرائيليات عن المتهودين! فإنه لا طريق فيما ذكر عن ” دانيال ” إلا عنهم، ولا رواية تؤخذ في ذلك إلا منهم، وقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة عن أبي هريرة قال: ” كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا )، وقد ذكر – أي: البخاري – في كتاب الاعتصام أن ابن عباس قال: ” كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على رسوله أحدث شيء تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أهل الكتاب، بدلوا كلام الله، وغيَّروه، وقد كتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هذا من عند الله ؛ ليشتروا به ثمناً قليلًا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم “.

 * قال ابن دحية رضي الله عنه:

وكيف يُؤمن مَن خان الله وكذب عليه، وكفر، واستكبر، وفجر، وأما حديث الدابة: فقد نطق بخروجها القرآن، ووجب التصديق بها، والإيمان، قال الله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ).

” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 511، 512 ).

 

رابعًا:

وأما بخصوص سؤال الأخ السائل ” وهل بإمكاننا تحديد علامات الساعة متى تقع من خلال دراسات بحثية في الكتب، أو من خلال دراسة الواقع ؟ “: فالجواب: أن التحديد مستحيل؛ فهو في عالم الغيب، فأنَّى لمسلم يتقي الله تعالى أن يحدِّد تاريخًا مستقبليًّا ويزعم أنه سيقع فيه كذا وكذا؟! هذه غاية الجرأة، أما توقع قرب حصول علامة من علامات الساعة باعتبارات شرعية، أو واقعية: فهذا لا حرج فيه، فلا يشك أحد أننا في زماننا هذا أقرب إلى الساعة من الزمان السالف، وكلما مرَّ على الأمة أزمنة كانت إلى الساعة أقرب منها مما سلفها من الأمم قبلها، فلا بأس بالترقب من غير قطع، ولا بأس من التوقع من غير جزم.

وبكل حال ففي هذه المسألة ضوابط تُحكم لجام الخائضين فيها، وتمنعهم من التعدي على الغيب.

* قال الشيخ محمد إسماعيل المقدّم – حفظه الله – تحت فصل ” لا يُستنكر توقع حصول شيء من أشراط الساعة بشروط ” -:

إن ترقب حصول أشراط الساعة التي تقع بإرادة الله عز وجل الكونية القدرية: ليس بدعة، ولا خطأ , خاصة إذا تعاقبت الإرهاصات, والمقدمات، التي جاءت بها الأخبار, ودليل ذلك: أن الصحابة رضي الله عنهم لما سمعوا رسول الله صلى الله عيه وسلم يحدثهم عن الدجال فخفّض فيه ورفّع, حتى ظنوا أنه في طائفة النخل ….

ولا يزال العلماء في كل عصر ومصر يتكلمون بذلك، ويتوقعون قربَ حصول بعص الأشراط، قال القرطبي رحمه الله تعالى: ” كل ما وقع في حديث معاوية هذا: فقد شاهدناه بتلك البلاد، وعاينَّا معظَمه إلا خروج المهدي “.

* ثم قال:

ولا شك أننا أقرب إلى هذه العلامة – وهي خروج المهدي – من أي وقت مضى .

* أما شروط هذا الضابط: 

فأولها: أن تبقى هذه الأشراط في دائرة التوقع المظنون، دون أن تتكلف إيجادها بإجراءات من عند أنفسنا؛ لأنها أمور كونية، قدرية، واقعة لا محالة, ولم نخاطَب باستخراجها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.

وثانيها: أن يراعى الترتيب الزمني لتسلسل الأشراط, طبقًا لما دلّت عليه نصوص الوحي الشريف, وعدم القطع بزمانٍ، أو ترتيب ما لا  دليل على زمنه وترتيبه إلا الظن والتخمين.

وثالثها: أن لا يؤثر هذا الترقّب سلبا على أداء واجب الوقت  وتكاليف الشرع.

والدليل على ذلك: أن صحابة رسول الله – صلى اله عليه وآله وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين – قد صدَّقوا بهذه الأشراط، وكانوا أول المؤمنين بها، ولم يُهدروا التكاليف الشرعية، كالدعوة، وطلب العلم، والجهاد، انتظارًا لوقوعها، بل كان تصديقهم بها أكبر حافز لهم على التنافس في القُرُبات، والاجتهاد في الطاعات؛ امتثالًا منهم لأمر نبيهم صلى الله عليه وسلم (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا )، وذكر من أشراط الساعة ( طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَالدَّابَّةَ، وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ ). ” فقه أشراط الساعة ” ( ص 254 – 258 ) باختصار.

 

والله أعلم.

هل المسلم المقتول ظلمًا وغدرًا يكون شهيدًا؟ وهل من هُدم عليه بيته فمات كذلك؟

هل المسلم المقتول ظلمًا وغدرًا يكون شهيدًا؟ وهل من هُدم عليه بيته فمات كذلك؟

السؤال:

أعرف أن المسلم الذي يموت دفاعًا عن نفسه فهو شهيد، ولو مات غريقًا، أو مات ببطنه: فهو شهيد أيضًا، لكن ما هو حال مَن مات على غِرَّة، ولم يكن قد منح الوقت ليأخذ قرار الدفاع عن النفس، كمن قُتل من الخلف، فهل يعدُّ هذا شهيدًا أيضًا؟ وما حال من سقطت المتفجرات على بيوتهم مثل الناس في غزة دون توقع منهم، ولم يعطوا الفرصة للدفاع عن أنفسهم، فهل هم أيضًا في عداد الشهداء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الذي يظهر لنا أن قتل ظلمًا من قبَل كافر، أو من قبَل لصوص أو قطّاع طرق: أن له أجر الشهيد في الآخرة، وأما في الدنيا: فإنه يغسَّل، ويصلَّى عليه، ولا يُعامل معاملة قتيل المعركة.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 174 ):

ذهب الفقهاء إلى أن للظلم أثرًا في الحكم على المقتول بأنه شهيد، ويُقصد به غير شهيد المعركة مع الكفار، ومِن صوَر القتل ظلمًا: قتيل اللصوص، والبغاة، وقطَّاع الطرق، أو مَن قُتل مدافعًا عن نفسه، أو ماله، أو دمه، أو دِينه، أو أهله، أو المسلمين، أو أهل الذمة، أو مَن قتل دون مظلمة، أو مات في السجن وقد حبس ظلمًا.

واختلفوا في اعتباره شهيد الدنيا والآخرة ، أو شهيد الآخرة فقط؟.

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن مَن قُتل ظلمًا: يُعتبر شهيد الآخرة فقط، له حكم شهيد المعركة مع الكفار في الآخرة من الثواب، وليس له حكمه في الدنيا، فيُغسَّل، ويصلَّى عليه.

وذهب الحنابلة في المذهب: إلى أن مَن قُتل ظلمًا: فهو شهيد، يلحق بشهيد المعركة في أنه لا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه؛ لقول سعيد بن زيد رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( مَن قتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد )، ولأنهم مقتولون بغير حق، فأشبهوا مَن قتلهم الكفار. انتهى.

ولا يشترط لتحصيل ثواب الشهداء أن يواجه ذلك المظلوم أولئك المعتدين، فإن قتلوه على حين غِرَّة: كان مستحقّاً لثواب الشهداء إن شاء الله، ومما يدل على ذلك: قتْل عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، رضي الله عنهما، فقد قتِلا ظلمًا، وغدرًا، ووصفهما النبي صلى الله عليه وسلم بالشهداء.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى ” أُحُدٍ ” وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ ( اثْبُتْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ ). رواه البخاري ( 3483 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

على كل حال: هو رضي الله عنه – أي: عثمان بن عفان – كان معروفاً بكثرة القراءة، والتهجد، فدخل عيه أولئك المعتدون الظالمون، فقتلوه، فقُتل شهيدًا، وبذلك تحقق قول الرسول عليه الصلاة والسلام حينما صعد على جبل ” أُحُد “، وهو جبل معروف كبير في ” المدينة ” هو، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وارتجَّ بهم الجبل، وهذا من آيات الله، ليس هو ارتجاج نقمة، وخسف، لكنه ارتجاج فرَح، فلما ارتج بهم الجبل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( اثبت أُحُد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ) فالنبي هو عليه الصلاة والسلام، والصدِّيق: أبو بك، والشهيدان: عمر، وعثمان، وكلاهما رضي الله عنهما قُتل شهيدًا، أما عمر: فقُتل وهو متقدم لصلاة الفجر بالمسلمين، قُتل في المحراب، وأما عثمان: فقُتل وهو يتهجد في بيته في صلاة الليل، فرضي الله عنهما، وألحقنا وصالح المسلمين بهما في دار النعيم المقيم.

” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 129، 130 ).

 

ثانيًا:

وأما من مات بهدم بيته: فهو شهيد إن شاء الله من وجهين:

الأول: بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا كان هدم البيت بيد الكفرة المجرمين من اليهود، أوالصليبيين، ظلمًا، وعدوانًا؟! ونقصد بالشهيد هنا كما ذكرناه قبلُ وهو أن له أجر الشهداء في الآخرة، دون أن نطلق عليه لقب ” شهيد “؛ خروجًا من الخلاف في جواز إطلاق ذلك اللقب من عدم جوازه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ). رواه البخاري ( 2674 ) ومسلم ( 1914 ).

وذكرنا في جواب سابق فتوى لعلماء اللجنة الدائمة في رجاء أن يكون من يموت بحادث سيارة أنّ له أجر الشهيد، فما ها هنا أولى.

والثاني: أنه قُتل على يد كافرٍ حربي، وهو اليهود قاتلهم الله.

* قال الأستاذ عبد الرحمن بن غرمان بن عبد الله – حفظه الله -:

ذهب الجمهور، من الحنفية، والحنابلة، والصحيح من مذهب المالكية، وقول عند الشافعية: إلى أن مقتول الحربي بغير معركة: شهيد على الإطلاق، بأي صورة كان ذلك القتل، سواء كان غافلًا، أو نائمًا، ناصبه القتال، أو لم يناصبه.

في الصورة الأولى: وهي قتل الحربي للمسلم: يظهر لي – والله تعالى أعلم – رجحان قول الجمهور؛ لأن اشتراط القتل في المعترك: ليس عليه دليل بيِّن.

” أحكام الشهيد في الفقه الإسلامي ” ( 103 – 106 ) باختصار.

 

ثالثًا:

ومن المهم التفريق بين شهداء المعركة، وغيرهم ممن ذكرنا، سواء في الأجور يوم القيامة، أو في الأحكام الدنيوية.

*قال النووي – رحمه الله -:

واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:

أحدها: المقتول في حرب الكفار، بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة، وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه.

والثاني: شهيد في الثواب، دون أحكام الدنيا، وهو المبطون، والمطعون، وصاحب الهدم، ومَن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الاحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا، فهذا يغسَّل، ويصلَّى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.

والثالث: مَن غلَّ في الغنيمة، وشبهه، ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، إذا قُتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. ” شرح مسلم ” ( 2 / 164 ).

 

والله أعلم.

 

هل اختلاف السلف في عدِّ البسملة آية من الفاتحة يدخل في تحريف القرآن؟

هل اختلاف السلف في عدِّ البسملة آية من الفاتحة يدخل في تحريف القرآن؟

السؤال:

القرآن الكريم نقل إلينا بالتواتر، من غير نقص، ولا زيادة, ولا شك فيه، ولا ريب, ولا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه, وهذا ما تعلمناه وتربينا عليه.

سؤالي هو: كيف اختلف أهل العلم من السلف على أن البسملة آية من سورة الفاتحة، أو أنها ليست بآية؟ وهل هذا الخلاف معتبر؟ وأنا هنا لا أبحث في أدلة هذا الفريق، وذلك الفريق, ولا أبحث عن معلومات إضافية في هذه المسألة من ناحية فقهية, فلقد قرأت فيها الكثير والكثير من الأبحاث, ولكن بحثي وسؤالي هو ” كيف نسوِّغ الاختلاف في آية من القرآن الكريم الذي نقل إلينا بالتواتر، جمع عن جمع، وهكذا، على أنها آية، أو ليست بآية “؟ هل يجب أن لا يكون هناك خلاف في هذه المسألة؟. أرجو أن تنفِّسوا عنِّي كربة هذا الهم الذي أصابني من هذه المسألة.

 

الجواب:

الحمد لله

لم يختلف المسلمون في أن الله تعالى قد حفظ كتابه من الزيادة والنقصان؛ تحقيقًا لقوله عز وجل ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحِجر/ 9.

وقد أجمع المسلمون على كفر كل من يخالف هذا فيزعم أن كتاب الله تعالى فيه ما ليس منه، أو نقص منه ما أنزل الله فيه.

* قال القاضي عياض – رحمه الله -:

وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول ( الحمد لله رب العالمين ) إلى آخر ( قل أعوذ برب الناس ) أنه كلام الله، ووحيه المنزَّل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدَّله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأُجمع على أنه ليس من القرآن، عامدًا لكل هذا: أنه كافر.

” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 2 / 304، 305 ).

وبالتأمل في كلمات هذا الإمام – ومثله غيره ممن نقل مثل هذا الإجماع = تجد الحذر مما وقع فيه اختلاف بين العلماء في بعض الحروف مما لم تثبت عندهم من طريق صحيح، أو مما وقع فيه اختلاف من باب الاجتهاد، أو لاختلاف القراءات، وأن كل هؤلاء لم يفعلوا فعل الرافضة الذين كفَّروا من نقل القرآن من الصحابة، واعتقدوا النقص والزيادة فيه؛ اتباعًا لهواهم، ولذلك لم يكن هؤلاء من المسلمين أصلًا.

* قال ابن حزم – رحمه الله – جوابًا عن احتجاج النصارى بدعوى أن الرافضة تقول بتحريف القرآن -:

وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القرآن: فإن الروافض ليسوا من المسلمين. ” الفصَل في الملل والنِّحَل  ” ( 2 / 80 ).

فشتان بين هذا الذي يعتقده الرافضة، وبين ما جاء في السؤال، فالبسملة في أول الفاتحة مما وقع فيه اختلاف بين أهل السنَّة هل هي آية منها، أم ليست كذلك، فالخلاف لا في كونها موجودة أو لا، بل الخلاف في عدِّها الآية الأولى من السورة، أم أن أولها ( الحمد لله رب العالَمين )، وبكل حال فلا خلاف في كون البسملة مثبتة في أول سور القرآن كلها إلا سورة التوبة، لكن كونها هي الآية الأولى أو لا هو الذي وقع فيه الاختلاف، وهو ليس من بابة خلاف الرافضة، وهذا يدل على عدم الإجماع على كونها آية منها، لا على عدم جواز تلاوتها، ومثل هذا لا يكفر المخالف فيه، بل المجتهد دائر بين الأجر والأجرين.

* قال الشوكاني – رحمه الله – في الكلام عن البسملة -:

واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها؛ لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفًا مُجمعًا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد: فإنه يكفر بالإجماع.

ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة ” النمل “، ولا خلاف في إثباتها خطّاً في أوائل السور في المصحف، إلا في أول سورة ” التوبة “.

” نيل الأوطار ” ( 2 / 215 ) .

وبه تعلم: أنه لا فرق بين خلاف أهل السنَّة في هذه المسألة، وبين خلافهم في آيات من القرآن اختلفت القراءات فيها بزيادة حرف، أو نقصه، وأن ذلك ليس هو المقصود بالإجماع على تكفير من فعل ذلك، أو اعتقده.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقًا، أما قوله في سورة النمل ” ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ): فهي آية من القرآن إجماعًا.

وأما سورة ” براءة “: فليست البسملة آية منها اجماعًا، واختُلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن، وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط، وقيل: هي آية من أول كل سورة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى

* قال مقيده عفا الله عنه:

ومِن أحسن ما قيل في ذلك: الجمع بين الأقوال: بأن البسملة في بعض القراءات – كقراءة ابن كثير – آية من القرآن، وفي بعض القراءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا.

فقوله في سورة ” الحديد ” ( فإن الله هو الغني الحميد ) لفظة ( هو ) من القرآن في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع، وابن عامر؛ لأنهما قرءا ( فإن الله الغني الحميد )، وبعض المصاحف فيه لفظة ( هو )، وبعضها ليست فيه.

 

وقوله ( فأينما تولوا فثمَّ وجه الله إن الله واسع عليم )، ( وقالوا اتخذ الله ولدًا ) الآية، فالواو من قوله ( وقالوا ) في هذه الآية من القرآن على قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن لأنه قرأ ( قالوا اتخذ الله ولدًا) بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام، وقس على هذا.

 

وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء، وأشار إلى هذا الجمع في ” المراقي ” بقوله :

وليس للقرآن تعزى البسملة *** وكونها منه الخلاف نقله

وبعضهم الى القرآن نظر *** وذاك للوفاق رأي معتبر

” مذكرة في أصول الفقه ” ( ص 66 ، 67 ).

 

والله أعلم.

 

 

أنواع الصمت، وكيف تعالج نفسها من تعاني من الصمت حتى تفرَّق الناس عنها؟

أنواع الصمت، وكيف تعالج نفسها من تعاني من الصمت حتى تفرَّق الناس عنها؟

السؤال:

سؤالي هو: أنا أفتقد الصديقة في الحياة، والسبب: الصمت، فأحس أن الناس يبتعدون عني بسبب صمتي في بعض الأحيان، بل، وأغلبها، فما حكم التعارف في الإنترنت مع نفس جنسي – أنثى -، ومن بلاد أخرى؟ وهل يمكنكم إعطائي نصائح للخروج من صمتي المتواصل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الصمت نوعان: نوع محمود مطلوب، وآخر مذموم مرفوض.

* وهذا بيان الفرق بينهما:

أما الأول: فهو ما جاءت النصوص الصحيحة الصريحة بالتوصية به، والوعد بالجنة لمن التزم به، وهو الذي يحتاج لجهاد نفس حتى يحصله، ومداره على أمرين:

أ. الصمت عن قول الزور، والفحش من القول.

ب. الصمت عن فضول الكلام، وعن المباح الذي قد يجر إلى ما لا تُحمد عقباه.

وهذه طائفة من النصوص النبوية، وأقوال العلماء في هذا النوع:

  1. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ). رواه البخاري ( 5672 ) ومسلم ( 47 ).
  2. عَنْ سَهْلِ بنِ سعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ ). رواهُ البخاري ( 6474 ).
  3. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَمَتَ نَجَا ).

رواه الترمذي ( 2501 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* وأما أقوال العلماء فكثيرة، ومنها:

  1. * قال الحسن البصري – رحمه الله -:

أربع لا مثل لهن: الصمت، وهو أول العبادة، والتواضع، وذِكر الله، وقلة المشي. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 21 / 37 ).

  1. * وقال عطاء بن أبي رباح – رحمه الله -:

كانوا يكرهون فضول الكلام. ” التمهيد ” ( 21 / 39 ).

  1. وقيل لبكر بن عبد الله المزني رحمه الله: إنك تطيل الصمت، فقال: إن لساني سبُع، إن تركتُه أكلني، وأنشد الخشني شعرًا:

لسان الفتى سبُعٌ عليه مراقب *** فإن لم يدع مرغوبه فهو آكله

” أدب المجالسة ” ( ص 78 ) لابن عبد البر.

ثانيًا:

وأما النوع الثاني من الصمت: فهو النوع المذموم، ومداره على أمرين:

  1. الصمت عن الجهر بالحق، والدعوة إلى الله.
  2. الصمت عن إنكار المنكر.

وقد جمع الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه الأنواع جميعها في سياق واحد، فقال:

فالصمت المرغب فيه: ترك الكلام الباطل، وكذا المباح إن جرَّ إلى شيء من ذلك، والصمت المنهي عنه: ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه.

” فتح الباري ” ( 7 / 151 ).

ثالثًا:

والذي يظهر لنا أن ما تعانين منه أيتها الأخت يجمع النوعين السابقين، فأنتِ تصمتين عن بيان الحق، كما تصمتين عن إنكار المنكر، ويمكن عدُّ هذا النوع قسمًا ثالثًا من أنواع الصمت، وهو مرض، ينبغي أن تعالجي نفسك منه، وهو ما تطلبين منَّا النصح والتوجيه فيه، ومما نذكره لك في هذا الباب:

  1. أن تعلمي أن صمتكِ ليس من شرع الله، بل هو محرَّم ، فلعلَّ معرفة حكم صمتك أن يكون رادعًا لك من الالتزام بالصمت في أحوالك جميعها.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه، قال قيس بن مسلم: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على امرأة من ” أحمس ” يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم فقال : ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: ” تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من أعمال الجاهلية، فتكلمت ” رواه البخاري، وروى أبو داود بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا صمات يوم إلى الليل …. فإن نذر ذلك في اعتكافه، أو غيره: لم يلزمه الوفاء به، وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ولا نعلم فيه مخالفًا. ” المغني ” ( 3 / 148 ).

  1. أن تبدئي بتعويد نفسك على الخروج من صمتك بالتدريج، وذلك بالانبساط في التكلم أولًا مع أقرب الناس منك، كأمك، وأختك، ثم تنتقلين إلى من هو أبعد، مثل صديقاتك، وهكذا، حتى تنتقلين إلى ما هو أوسع من ذلك، وذلك بالحديث في مجتمع الأخوات في المناسبات الشرعية، أو المباحة.
  2. كما ننصحك في كسر صمتك، وعلاج نفسك من ذلك المرض: بالتكلم مع الآخرين – ابتداء – من وراء حجاب، ونقصد به التكلم مع الأخوات في برامج المحادثة، مثل ” البال توك “، مع الالتزام بالضوابط الشرعية، من مثل الحديث في الغرف الخاصة بالأخوات، ولعلَّ ذلك أن يجرأكِ على الحديث بعد ذلك مواجهة.

رابعًا:

وأما بخصوص ما سألت عنه الأخت من حكم التعارف على بنات جنسها في ” الإنترنت”: فهو لا يخرج عن المباح الذي يكون في حياتها الطبيعية، مع الأخذ بعين الاعتبار أمور مهمة:

  1. الانتباه لمن يزعم أنه أنثى، وليس كذلك واقع أمره، وعليه: فتنتبه الأخت للتعارف العشوائي، وليكن تعارفها انتقائيًّا، فتعرفها على أخت موثوقة هو البداية، لتعرفها بعد ذلك على أخوات موثوقات، وهكذا تعرفها كل أخت على صديقة لها، ولتحذر من الوثوق المطلق بالناس؛ فإنه قد جرَّ آلامًا على كثيرين.
  2. أن تجعلي وقتًا مخصوصًا للأخوات اللاتي تعرفتِ عليهن، وعدم هدر الوقت في الحديث معهن، وليكن الكلام في المفيد النافع، لا في اللغو الضار.
  3. الحذر من إرسال صورك الشخصية لأحد، كائنًا من كان.

ولعلَّ في هذه المعرفة لأولئك الأخوات الفضليات ما يعينك على كسر الصمت في حياتك، وعلى بناء علاقات متينة مع الناس، وخاصة مع أقربائك، وصديقاتك، ونوصيك بحسن الاختيار للصحبة، وعدم إطلاق العنان للنفس في توسيع العلاقات، والاقتصار على من ينفعك في دينك، ودنياك.

 

والله أعلم.

أسباب سقوط ” الأندلس “

أسباب سقوط ” الأندلس ”

السؤال:

هل من الممكن تسليط الضوء على الأسباب التي أدت إلى هزيمة المسلمين، واندحارهم، من الأندلس، والبرتغال، حتى يتسنَّى لنا تصحيح الأخطاء، ومحاولة معالجة ما يمكن معالجته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

امتد حكم الإسلام على ” إسبانيا ” ثمانية قرون، وقد شيَّد المسلمون في تلك البلاد حضارة شهد لها التاريخ، ثم بدأ شمس الإسلام بالأفول عن تلك البلاد؛ لأسباب كثيرة، اجتمعت، فأدَّت إلى سقوطها بأيدي النصارى الحاقدين، الذين أقاموا ” محاكم التفتيش “، والتي كان يُنكَّل فيها بالمسلمين تنكيلًا ما سمع التاريخ بمثله، واستمروا على ذلك على قضوا على الوجود الإسلامي في تلك البلاد، ومحوا آثاره الدالة عليه، وكان ذلك في سنة 897 هـ ، 1492 م

ثانيًا:

وفي القرآن والسنَّة إشارات صريحة لما فيه عز المسلمين، وذلُّهم، فمتى تخلَّى المسلمون عن أسباب العزَّة: فإنهم يرضون لأنفسهم الذلَّ، وهو ما حصل في نهاية الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس.

* ويمكن إجمال الأسباب الكثيرة للذل الذي يعاقب به من ترك أسباب العزة بسببين:

الأول: الانغماس في شهوات الدنيا، وملذاتها.

والثاني: ترك الجهاد في سبيل الله، بكافة أنواعه.

وهذان السببان هما أهم أسباب سقوط ” الأندلس ” في أيدي النصارى الحاقدين.

ومما يدل على ذينك السببين في الكتاب والسنَّة:

  1. 1. قوله تعالى: ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) البقرة/ 195.

* وقد جاء تفسير هذه الآية عن أبي أيوب الأنصاري بما يُفهم الاستدلال بها:

عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا، وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّة ).

رواه الترمذي ( 2972 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

  1. 2. عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ).

رواه أبو داود ( 3462 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

ومِن أعظم ما حصل به الذل من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم: تركُ ما كان عليه مِن جهاد أعداء الله، فمن سلك سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم: عزَّ، ومَن ترك الجهاد مع قدرته عليه: ذل، وقد سبق حديث: ( إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه من رقابكم حتى تراجعوا دينكم )، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم سكة الحرث فقال: ( ما دخلت دار قوم إلا دخلها الذل )، فمَن ترك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد مع قدرته، واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة: حصل له من الذل ، فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة؟!.

” الحِكَم الجديرة بالإذاعة ” ( ص 249 ) ضمن ” مجموع رسائل ابن رجب ” المجلد الأول.

  1. 3. وقوله تعالى: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 216.

* قال القرطبي – رحمه الله – وهو ممن شهد سقوط الأندلس -:

والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة، وهو خير لكم، في أنكم تَغلِبون، وتَظفرون، وتَغنمون، وتُؤجرون، ومن مات: مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدَّعة، وترك القتال، وهو شر لكم، في أنكم تُغلَبون، وتُذَلُّون، ويَذهب أمركم.

قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته.

” تفسير القرطبي ” ( 3 / 39 ).

وقد جمع الشيخ ناصر العمر حفظه الله مجموعة من الأسباب التي أدت إلى سقوط دولة الأندلس، وها نحن نسوقها الآن، وهي:

  1. ضعف العقيدة والانحراف عن المنهج.
  2. موالاة اليهود والنصارى، والثقة بهم، والتحالف معهم.
  3. الانغماس في الشهوات، والركون إلى الدَّعة، والترف، وعدم إعداد الأمة للجهاد.
  4. إلغاء الخلافة، وبداية عهد الطوائف.
  5. الاختلاف والتفرق بين المسلمين.
  6. تخلِّي بعض العلماء عن القيام بواجبهم.
  7. عدم سماع ملوك الطوائف لنصح العلماء وتحذيرهم.
  8. مؤامرات النصارى ومخططاتهم.
  9. وحدة كلمة النصارى.
  10. غدر النصارى ونقضهم للعهود.
  11. استماتة النصارى في سحق المسلمين.
  12. التخاذل عن نصرة من يحتاج إلى النصرة.
  13. الفرار عن مواطن المواجهة، والهجرة من الأندلس.
  14. الرضا بالخضوع، والذل تحت حكم النصارى.
  15. سوء السياسة، وإرهاق الأمة بالجبايات.
  16. الاضطراب السياسي، وكثرة الفتن، والمؤامرات.
  17. تقديم المصالح الشخصية، وغلبة الأنانية، وحُبُّ الذات.

* ويمكن الاطلاع على الكتاب هنا:

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=84&book=1021

* كما يمكن الاستزادة من توضيح الأسباب بالنظر في كتب متعددة مؤلفة في الموضوع، ومنها:

  1. كتاب ” التكاثر المادي وأثره في سقوط الاندلس ” للدكتور عبد الحليم عويس.
  2. كتاب ” لماذا غربت شمس الإسلام عن الأندلس؟ ” للدكتور أبو النور أحمد الزعبي.

 

ثالثًا:

وأما ” البرتغال “: فقد كانت جزءً من ” الأندلس “، وكانت تعرف بـ ” بغربي الأندلس “، وقد كان أول ظهور لدولتهم في سنة 133 هـ، 750 م، وذلك في الجهة الشمالية من ” البرتغال “، وكان ذلك بسبب هجرة المسلمين من تلك الجهة بسبب حدوث مجاعة، واتخذوا من مدينة ” بورتو ” عاصمة لهم، وبدؤوا بالتوسع شيئًا فشيئًا من الأراضي الإسلامية كلما وجدوا ضعفًا فيها، وقد توسعوا كثيرًا بسبب ضعف المسلمين في ” الأندلس “، ونقلوا عاصمتهم إلى ” لشبونة “، وبذا يكونون مستولين على ” غرب الأندلس “، فاضطر المسلمون تحت حكم ” البرتغال ” إلى الهجرة إلى بلاد الإسلام، ولم يبق إلا من كان مستضعفًا، حتى صدر سنة 947 هـ، 1540 م قرار الدولة الصليبية البرتغالية بطرد من تبقى من المسلمين.

 

والله أعلم.

 

 

 

تعمل بعيدًا عن أهلها وتعاني من الوحدة والعزلة

تعمل بعيدًا عن أهلها وتعاني من الوحدة والعزلة

السؤال:

أصبت بعاهة خَلقية منذ الولادة، وأمضيت سنوات عديدة من العلاج خلال طفولتي، لم أتعالج تمامًا، وتأخرت في دراستي، ورغم ذلك: استطعت الحصول على أعلى الشهادات – ولله الحمد -، والحصول على عمل حكومي، بعيدًا عن عائلتي، الحمد لله، رغم الآلام أستطيع المشي، والاعتماد على نفسي، عائلتي تركتني أعيش وحدي، ولم تشأ الانتقال للعيش معي، لم يتقدم لي أحد للزواج، السؤال: كيف أصبر على وحدتي وعزلتي؟ أنا أحتاج لهذا العمل كي أعيل نفسي، فوالدي كبير السن، وإخوتي كلهم منشغلون مع عائلاتهم ، أحيانًا أحس بأنني لا أستحق السعادة، وأستغفر الله، وأحاول الصبر، أضع الحجاب – ولله الحمد -، وأحاول التصبر، وأحمد الله، وأحلم بالجنة، كيف أستطيع التغلب على هواجسي، وضعف نفسي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يُعظم لك الأجر على ما ابتلاكِ به، ولا شك أن لله تعالى الحكمة البالغة في ذلك، فالوصية لك: الاستمرار على احتساب مصيبتك عند ربك تعالى، والصبر على ذلك، وعدم التضجر والتسخط، وهذا هو حال المؤمن الذي تعجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الشاكر في السرَّاء، الصابر في الضراء، وخير خلق الله تعالى هم الرسل الكرام، ولننظر كيف كانت حياتهم مليئة بالابتلاءات، فهذا أيوب عليهم السلام صبر على ما ابتلاه الله به من بلاء في بدنه ثمان عشرة سنة، حتى صار مضرب الأمثال في الصبر، وهذا يعقوب عليه السلام ابتلاه ربه تعالى بغياب ابنيْه، وكلاهما صبر حتى فرَّج الله عنهم، ورفع قدرهم، وأجزل لهم المثوبة.

ثانيًا:

وأما بخصوص عملك – أختنا السائلة -: فإنه وإن كان الأصل هو أن المرأة تقر في بيتها، لكن لا يحرم عملها إن كان منضبطًا بضوابط الشرع، وخاصة مع الحاجة الماسة له من قبَلها، كأن تفقد المعيل الذي يُنفق عليها، وقد يتحتم في بعض الأحيان كأن تسد بعملها ثغرة مهمة تحفظ به أعراض النساء.

ومن أعظم الضوابط المهمة في عمل المرأة حتى يكون جائزًا: أن لا يكون معها في عملها رجال أجانب عنها، وقد ذكرنا أدلة تحريم الاختلاط والعمل المختلط في أجوبة سابقة.

ومن المهم كذلك أن يكون العمل في نفسه ليس في مجال محرَّم، فلا تعمل في بنك ربوي، ولا في مؤسسة تأمين، ولا في مصنع ينتج مواد محرَّم على المسلم استعمالها.

ثالثًا:

ومن المهم – أختنا السائلة -أن تقضي على وحدتك، وعزلتك عن الناس؛ لما في الوحدة والعزلة من مساوئ، ومضار، فالوحدة والعزلة طريق الفتنة، وفعل المعصية، والشك، والهم، والغم، والقلق، والاكتئاب، وغير ذلك مما يعلمه من يعاني جراء ما يعيشه من كان وحيدًا بعيدًا عن الناس.

ولذا كان من الواجب عليك المبادرة للقضاء على وحدتك وعزلتك عن الناس، ونقصد بالناس من يجوز أن يكونوا شركاء معك في السكن، وفي ذلك نوصيك بفعل أحد الأمور التالية:

  1. أن تبحثي عن عمل مباح بقرب أهلك وأسرتك، فبذا تقضين على العزلة، وتشعرين بالأمان بينهم، وتقومين على رعاية والدك الكبير في السن، فإن عجزت عن ذلك ببدنك: فلا أقل من وجودك معه، والاستئناس بالقرب منه، واستئناسه بقربه منك.
  2. فإن كان الأمر الأول يصعب تحقيقه: فابحثي عن أخت فاضلة، أو اثنتين؛ لتسكنوا سوية في بيت واحد؛ فإن من شأن هذا أن يقضي على عزلتك ووحدتك، وأن يعينك على الطاعة والعبادة، فالمجموعة يذكر بعضهم بعضًا، ويشجع بعضهم بعضًا، وما يجرؤ الإنسان على فعله إن كان وحيدًا: لا يستطيع فعله مع وجود غيره معه.
  3. فإن لم يتيسر شيء مما سبق: فيمكنك البحث – في مكان عملك – عن أسرة لا يوجد فيها رجال أجانب، وأن تعرضي عليهم السكنى معهم، مقابل مشاركتهم بمصاريف البيت، ولا تخلو المجتمعات – عادة – من وجود أُسَر لمطلقة أو أرملة معهن بناتهن، ولا وجود لرجال في بيوتهن.
  4. فإن لم يتيسر شيء مما سبق: فالذي نوصيك به: عمل برنامج يومي منوع منضبط، يجمع بين قراءة القرآن، وقراءة ما يتيسر من كتب العلم، والاستماع لبرامج نافعة هادفة من المذياع أو من القنوات الإسلامية الموثوقة، وبذا تقضين على وقت الفراغ الذي يجلب الأمراض، ويقضي على العمر الذي يمضي منك من غير نفع، ولا فائدة.

 

واللهَ نسأل أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يملأ قلبك يقينًا، وحياتك سعادة، ووقتك طاعة ونفعًا.

 

والله أعلم.

هل تتزوج برجل من غير توثيق العقد رسميًّا ودون علم والدها؟

هل تتزوج برجل من غير توثيق العقد رسميًّا ودون علم والدها؟

السؤال:

أنا سيدة مغربية، أرملة، وأم لطفلين، أستفتي حضرتكم – جزاكم الله خيرًا – في مسألة الزواج، حيث استعسر عليَّ الزواج بشخص متزوج عن طريق القانون المغربي؛ حيث يستوجب موافقة الزوجة، التي اشترطت الطلاق في حالة إذا ما فكَّر الزوج في التعدد، فلتفادي زعزعة البيت الأول، ولتفادي تعريض الأبناء لأي انعكاس سلبي بسبب الطلاق، ولأننا حريصون على إنشاء علاقة أساسها العفة، والتكافل: فكَّرنا في الزواج بالطريقة الشرعية، بعقد عرفي، يستوفي شروط صحة الزواج في الإسلام، وهي الشهود، والولي، والمهر، والإيجاب والقبول – طبعًا – ، لكن أبي لن يقبل بهذه الصيغة، مع أنها شرعية، والصيغة القانونية مستحيلة.

فكرت أن أقيم وليمة، بحضور الأب والأهل، وأُشهر الزواج، دون أن أخبر أبي بالصيغة التي سيتم بها الزواج؛ وذلك بأن أدَّعي أن الإجراءات تمت في المحكمة، مع أنها عكس ذلك، ستتم عند عدول، وشهود؛ وذلك تفاديًا لأي رفض يمكن أن يأتي من قبَله، فهل يكون الزواج صحيحًا؟ علمًا أن العريس خطبني من أبي، وأبي وافق على الزواج، وبقي الاختلاف فقط في الصيغة.

أرجو أن تفتوني بما ييسر زواجي من هذا الشخص؛ لأني أراه نعم المعين لي على تربية أبنائي، فكل المشاكل التي واجهتنا كانت نتيجة حرصه على رعايتي أنا وأبنائي، دون أن يؤثر ذلك على استقرار أسرته، خصوصًا أن زوجته لا تناقش فكرة التعدد، وتهدد بطلب الطلاق، وأي مبادرة للزواج القانوني سيتم إخبارها قانونيًّا، وينهار استقرار الأسرة، وأي إخبار لأبي بأن الزواج ليس قانونيًّا بل فقط شرعي: سيحرمني من إنسان لمست فيه الأخلاق الحسنة، وتوسمت فيه الخير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن الزواج الشرعي هو ما كان متحققاً فيه أركانه، مع خلوه من الموانع التي تمنع انعقاده، فإذا كان ثمة إيجاب من ولي المرأة، وقبول من الرجل، وكان ذلك بحضور شهود يشهدون العقد، أو كان العقد معلَنًا عنه: كان زواجاً شرعيَّا، إذا خلا من الموانع، ولا يٌشترط في العقد الشرعي حتى يكون صحيحًا أن يوثق في المحاكم الشرعية، أو النظامية، أو البلديات.

وليس الأمر بهذه السهولة في واقعنا المعاصر حتى نقول إنه يكفي أن يُجرى العقد وفق الشرع وكفى، بل حصل من التعقيدات في الحياة، ووُجد من فساد الذمم: ما احتيج معه إلى إيجاب توثيق العقود الزوجية؛ لما يترتب على ذلك من مصالح عظيمة، من إثبات النسب، والمهر، والميراث، ودفع التهمة عن الزوجة بعلاقتها مع رجل، وحملها منه، وهذا ما يدفعنا للتوكيد على ضرورة توثيق العقود الزوجية، وإلا ترتب على عدم ذلك من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله.

وعليه: فما تفكرين فيه من أن يتم إنشاء عقد زوجية مع ذلك الرجل، وإخفاء ذلك عن الدولة، وعن والدك: أمر فيه مجازفة عظيمة، ولا نظن أحدًا من أهل العلم، والعقل، يوافقك على ذلك الفعل، وإن كان شرعيًّا في الأصل، لكن فيه من احتمال وقوع مفاسد عظيمة ما يمنعنا من القول بإباحة فعله، كما أننا لا نرضى أن تحتالي على والدك بالكذب عليه، أو بإيهامه بحصول العقد بصورة رسمية، قانونية، فالقول بالمنع هو المتعين، ولا يحل لك، ولا لذاك الرجل، أن يكون زواجكما خارجًا عن التوثيق الرسمي، لا لأن الزواج يكون باطلًا، بل لما يترتب عليه من مفاسد، ولما فيه من تضييع لمصالح.

*قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا تمَّ القبول والإيجاب، مع بقية شروط النكاح، وانتفاء موانعه: صح، وإذا كان تقييده قانونًا يتوقف عليه ما للطرفين من المصالح الشرعية الحاضرة، والمستقبلة، للنكاح: وجب ذلك.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 87 ).

ثانيًا:

والذي يتعين عليكِ – أختي السائلة – فعله هو ما يلي:

  1. قطع النظر والتفكير في إنشاء العقد بالصورة التي ذكرتِ في سؤالك.
  2. قد جعل الله في الأزواج غير ذاك الرجل بدلًا، فلم تخل الأرض من رجل يرغب بالزواج، وليس متزوجًا، ويمكنكما إنشاء العقد جون الحاجة للحيلة على والدك، ودون ترتب مفاسد جراء ذلك، فلا مانع أن تعرضي نفسك على رجل عاقل تطلبين منه التقدم لأهلك للزواج بك، وليس ذلك يعيبك، وقد فعلته صحابيات شريفات عفيفات، والعرض يكون إما مباشرة منك، أو عن طريق أخوات، وصديقات، يخبرن أزواجهن، وأهاليهن ليبحثوا لك عمن يناسبك من الرجال من أهل الاستقامة، وهذه الطريقة أفضل من عرضك الأمر مباشرة على أحد.

– وفي جواب سابق ذكرنا مسألة ” إذا أعجبت المرأة بخلُق ودِين رجل، فهل تعرض نفسها عليه ليتزوجها؟ “، فلينظر؛ ففيه ضوابط، وتنبيهات مهمة للغاية.

  1. قطع العلاقة كلية بذلك الرجل، وقد شعرنا بوجود علاقة غير شرعية بينكما؛ وقد ظهر ذلك من خلال مدحه، والثناء عليه، والإصرار على التزوج به، فاحذري من سخط الله وغضبه، واقطعي العلاقة معه دون تردد، لا كتابة، ولا محادثة.

والله أعلم.

التعليق على معلِّم في مدرسة إسلامية يدرِّس قصة غربية بطلها ” خنزير “!

التعليق على معلِّم في مدرسة إسلامية يدرِّس قصة غربية بطلها ” خنزير “!

السؤال:

أعيش في الغرب مع أطفالي، وحرصت أن ألحقهم بالمدارس الإسلامية، وقد قام أحد المدرسين المسلمين باختيار قصة تدور أحداثها حول ” خنزير “، وعند التحدث مع المعلم حول هذا الأمر: احتج بأن القصة مستواها الأدبي راقٍ جدًّا، ونحن لا نقول للأطفال كلوا لحم الخنزير، فلا يَرى مانع من تدريس هذه القصة، فهل هناك محذور شرعي من تدريس هذه القصص التي تدور أحداثها حول خنزير؟.

وللمعلومية اسم القصة Charlotte’s Web وللمزيد من المعلومات عنها يرجى تصفح هذا الموقع.

http://en.wikipedia.org/wiki/Charlotte%27s_Web

 

 

الجواب:

الحمد لله

لا نتعجب عندما نرى إعجاب الغرب بتفاهات، فقد تعودنا منهم ذلك في أخبارهم، وحكاياتهم، وتنافسهم على بلوغ الأرقام القياسية في ” أطول أظافر “، و ” أبعد بصقة “!، وغيرها، كما تعودنا منهم تكبير الصغير وتعظيمه، والاستعانة بالعظيم وتحقيره، فها هي أشهر مذيعة في ” أمريكا ” – وهي بالمناسبة إحدى ممثلات فيلم القصة الواردة في السؤال – تقول على الملأ أمام الملايين إن إطلاق قول لفظة ” زنجية ” على امرأة سوداء البشرة أعظم بكثير من قذفها بالزنا! ويتم التصفيق لها بحرارة! وهكذا هي حياتهم المليئة بالتناقضات، والعجائب، والغرائب.

ومن القصص التافهة التي لقيت رواجًا في ذلك العالَم الضائع قصص ” هاري بوتر “! ومنها  – كذلك – ما هو وارد في السؤال من قصة تافهة تحولت إلى ” فيلم رسوم متحركة “، حُشد له كبار نجوم الفن عندهم، ليؤدي كل واحد منهم دوره، وهو التكلم بلسان حيوان! فواحد لخنزير، وآخر لفأر، وثالثة لأوزة، ورابعة لبقرة، وهكذا لحيوانات أخرى.

فما هي القصة التي فتنت أولئك القوم؟.

” تبدأ القصة عندما تضع أنثى الخنزير! الخاصة بالمزارِع ” جون أربلز ” بضعة خنازير صغيرة، ومع الوقت يلاحظ ” أربلز ” أن أحدها قزم، ولا ينمو بالشكل المطلوب، فيقرر قتله، في ذلك الوقت ترجوه ابنته البالغة من العمر ثماني سنوات أن لايقوم بقتله، فيقرر والدها أن يمنحها الخنزير الصغير كحيوان أليف لها!، بدورها تطلق عليه اسم ” ويبر “، يظل ” ويبر ” مع ” فيرن ” لعدة أسابيع، ثم يقرر والدها أن يبيعه لعمها، وتداوم ” فيرن ” على زيارة ” ويبر ” في مزرعة عمها وقتما استطاعت، إلا أن ” ويبر ” يزداد شعوره بالوحدة يومًا بعد الآخر، في نهاية المطاف يستمع ” ويبر ” لصوت دافئ، يخبره أنه بامكانها أن تكون صديقة له، هذا الصوت هو لـ ” شارلوت “، أنثى العنكبوت الرصاصية، وسرعان ما يصبح ” ويبر ” جزءً من مجتمع حيوانات المزرعة، وفي يوم يخبره ” خروف عجوز “! أنه – أي: ” ويبر ” – سوف يذبح ليقدم كوجبة رئيسية في ” الكريسماس “!، يصاب ” ويبر ” بالهلع، فيهرع إلى ” تشارلوت ” طلبًا للمساعدة، يخطر على بال ” شارلوت ” فكرة، وهي: كتابة كلمات على الشبكة التي تحيكها تبيِّن فيها مدى تفوق وتميُّز ” الخنزير ويبر “، وهي ” بعض الخنازير ” رائعة “، ” متوهجة “، ” متواضعة “، وكانت حجتها أنه اذا صار ” ويبر ” شهيرًا: فإنه من الصعب أن يتم ذبحه حينها، وبفضل ” تشارلوت”: فإن ” ويبر ” لم يتم ذبحه فحسب بل صار حديث المقاطعة بأسرها، بل وربح جائزة خاصة في ” كرنفال “! المقاطعة، وبسبب فترة العمر القصيرة للعناكب: تموت العنكبوت ” تشارلوت “، ويحزن ” ويبر “، وحيوانات المزرعة، ويتعهد بحماية كيس البيض الذي وضعته ” تشارلوت “، وعندما يفقس بيض ” تشارلوت ” في المزرعة: تخرج منها العناكب الصغيرة منتشرة في أماكن أخرى، حيث تبدأ كل منها حياتها الخاصة، باستثناء ثلاث عناكب صغيرة تقرر البقاء في المزرعة؛ ليكونوا أصدقاء ” ويبر ” وهم ” جوي “، ” أرانيا “، و ” نيللي “.

انتهى من الموسوعة ” ويكبيديا “!.

فأي معانٍ سامية تحتويها تلك القصة التافهة حيث يكون كتابها الأكثر مبيعًا، وحتى يُحشد لها تلك الطاقات، وتبذل لها طائل الأموال؟! إنه لا شيء غير ما يعيشه أولئك القوم من فراغ ديني، وفراغ عاطفي، وفراغ عقلي.

نقول: لا نعجب عندما نرى هذه الأمور معظمة عند الغرب الكافر، أما أن يأتي معلم مسلم ويعظم هذه القصة، ويعلمها للتلامذة المسلمين في مدرسة إسلامية: فهذا هو غير المقبول، وهذا هو الذي – فعلًا – يدعو للعجب.

وغير خافٍ على مسلم تحريم أكل لحم الخنزير، وكذا ما ورد في الفأر من نصوص تحذِّر من جرها الفتيلة، وإحراق البيت بالنار، وأنها من الدواب التي تُقتل في الحل والحرم، ولا ندري كيف لهذا المعلِّم أن يجمع بين بيان حكم هذين الحيوانين مع ما يقرؤه على الطلبة من نصوص حوار بين ذينك الحيوانين، بل إن بطل القصة – ومن ثمَّ ” الفيلم ” – هو ” الخنزير! ولا ندري كيف سيقدم تلك النصوص مع تلك الأحكام التي يعلمها من الشرع.

وبكل حال: ليس عندنا أكثر مما قلناه، ونحن ندري وجود من يعيش بعقلية الإنسان الغربي، حتى لو لم يعش بينهم، وحسبه أن يكون حاله هو هذا، ونحن نربأ بذلك المدرس أن يكون من هؤلاء، فعسى أن يغيِّر رأيه، وينبذ تلك القصة التافهة، ويبحث في المخزون الهائل في تاريخ المسلمين، ومؤلفاتهم، ولن يعجز عن إيجاد شيء يقدمه لأولئك الطلبة، وإن لم يجد فليقم هو بكتابة ذلك مستفيدًا من تاريخ وأحكام شرعه المطهَّر.

 

– وانظري تعقيبنا على قصص ” هاري بوتر ” و ” مفكرة الموت ” في أجوبتنا الأخرى داخل الموقع.

 

والله أعلم.