الرئيسية بلوق الصفحة 125

حكم العمل في شركة تبيع أدوات الغطس وتدل على مواقعه في العالَم

حكم العمل في شركة تبيع أدوات الغطس وتدل على مواقعه في العالَم

السؤال:

أعمل مبرمجا لشركة تعمل في مجال الغطس، وأنا أجري لهم تعديلات على موقعهم الإلكتروني على الإنترنت، مثلا: أضيف لهم جزءا في الموقع يُمكِّن الزائر من ترك بياناته أو تعليقاته، والموقع باختصار يخبر الزائر عن أماكن شراء أدوات الغطس وأماكن الغطس في أنحاء العالم، ويمكن للزائر أن يكتب تجربته في الغطس في مكان معين, ويوجد بالموقع إعلانات، تظهر في الإعلانات أحيانًا صور لنساء متبرجات, ففي أول عملي كنت لا أرى هذه الإعلانات لأنها تعرض بطريقه عشوائية، وعملي ليس له علاقة بهذه الإعلانات، فعندما رأيتها دب في قلبي أن يكون عملي في موقعهم هذا حرام، وأنه تعاون على المعصية, فما حكم عملي؟.

 

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في السباحة والغطس في أعماق البحار: الجواز، ولكن لا ينبغي إغفال واقع هذين الأمرين في هذا الزمان، فملابس السباحة – في عموم الأرض وغالبها – بالكاد تستر العورة المغلظة! وملابس الغطس تجسم العورة، ويصدق هذا على كلا الجنسين الذكر والأنثى.

وبيع هذه الملابس لكلا الطرفين – السباحين والغطاسين – لا شك في حرمته، فهو إما محرم لذاته كاللباس غير الساتر، والضيِّق، أو أنه يستعان به في المعصية، وذلك بما يكون بينهم من اختلاط، وسياحة محرَّمة، وسفر لدول الكفر لمن هو خارجها في بلاد الإسلام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكلُّ لباسٍ يغلب على الظن أن يُستعان بلبسه على معصية: فلا يجوز بيعه، وخياطته، لمن يستعين به على المعصية، والظلم.

” شرح العمدة ” ( 4 / 386 ).

وأما أماكن الغطس فهي غالبا في دول الكفر، ببحارها، ومحيطاتها، وغالبا ما تكون فرَق الغطَّاسين من الجنسين، ويكون على سفنهم وقواربهم من المنكرات، والمعاصي الشيء الكثير.

والإعلانات التي تضعها الشركة فإنما هي تتحمل إثمها، ولكننا نرى أن أصل الموقع وما يدعو إليه ليس فيه ما يباح في الاستعمال الحالي من أغلب الناس وأكثرهم، والحكم إنما هو للغالب والأكثر، وليس للأصل.

فنرى أنه لا يجوز إعانة تلك الشركة في بيع أدوات الغطس، وملابسها، ولا المشاركة في دلالة الناس على أماكن الغطس في العالَم، ونرى أن هذا يقتضي منك ترك تلك الإعانة لهم ؛ خشية أن تكون شريكاً لهم في آثامهم.

 

والله أعلم.

إغلاق الجوال أثناء خطبة الجمعة هل هو من اللغو الذي يبطل أجر الجمعة؟.

إغلاق الجوال أثناء خطبة الجمعة هل هو من اللغو الذي يبطل أجر الجمعة؟.

السؤال:

خلال خطبة الجمعة يرن الهاتف النقال لبعض الإخوة والخطيب يخطب الجمعة على المنبر، ويقوم من يرن هاتفه بإغلاقه خلال الخطبة، وبعضها يرن رنة موسيقية قريبة من تلك التي في الأغاني الماجنة، ويقوم من يرن هاتفه بإغلاقه خلال الخطبة، فهل هذا يعتبر من اللغو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه؟ وهل يعني أن من لغا فلا جمعة له: أن أجر الجمعة أصبح كصلاة الظهر فقط؟ نعلمكم بأننا قد قمنا بتنبيه المصلين في مرة سابقة ندعوهم لإغلاق الهاتف، وتوجد ملصقات في المسجد تدعو المصلين لإغلاق الهاتف في المسجد، نرجو منكم توضيح هذا الأمر وأن ترسلوا لنا الإجابة باللغتين العربية والانجليزية إن أمكن.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

وضع نغمات الهاتف الجوال على نغمات موسيقية: منكر، ومحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصّ على تحريم المعازف.

ثانيا:

وعلى من نسي إغلاق جواله أثناء خطبة الجمعة: أن يغلقه إذا رنَّ دون شك، ولا ريب، حتى لو كانت نغمة الاتصال مباحة؛ لأن في إبقاء الجوال مستمراً في إصدار نغمة الاتصال تشويشاً على المصلين، وإشغالاً لهم عن واجب الاستماع للخطبة.

والمرجو أنه لا يأثم بنسيانه إغلاق جواله، وأن ما يفعله من إغلاق الجوال لا يدخل في اللغو المنهي عنه أثناء خطبة الجمعة، والمشار إليه في السؤال، وهو الوارد ذِكره في حديث مسلم ( مَنْ مسَّ الحصى فَقَدْ لَغَا )، وقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 2034 ) بإسنادٍ حسَنٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ” وَالذِّي يَقُولُ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ فَلاَ جُمْعَةَ لَهُ ” وأخرجه البخاري ( 934 ) ومسلم ( 851 ) بلفظ: ” إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمْعَة وَالإِمَامُ يَخْطُب فَقَدْ لَغَوْتَ “.

وإنما ينطبق النهي، ويتحمل الإثم، وليس له جمعة، ويكون قد لغا: من تعمَّد فتح جواله أثناء الخطبة، وأغلقه عند انطلاق نغمته كائنة ما كانت؛ لأن الأحاديث السابقة إنما هي في حق المتعمد، لا الناسي، ولا فرق بين مس الحصى، وبين مس أزرار الجوال، والعبث بالمفتاح، والعبث بوبر السجاد.

 

 

ثالثا:

والظاهر أن معنى ( لاَ جُمْعَة لَهُ ) لمن ورد فيه الوعيد إذا لغا أثناء خطبة الجمعة: أنها تُكتب له ظهرا.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا, وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرا “. رواه أبو داود ( 347 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال النضر بن شميل: معنى ( لغوت ): خبتَ من الأجر، وقيل: بطلتْ فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتُك ظهرا.

قلت: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير: ما رواه أبو داود وابن خزيمة من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ” ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً “، قال ابن وهب – أحد رواته -: معناه: أجزأتْ عنه الصلاة، وحُرم فضيلة الجمعة. ” فتح الباري ” ( 2 / 414 ).

وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله: ” كانت له ظهرا ” أي: كانت جمعته له ظهراً، بمعنى: أن الفضيلة التي كانت تحصل له من الجمعة: لم تحصل له، لفوات شروط هذه الفضيلة.

” شرح سنن أبي داود ” ( 2 / 169 ).

فالواجب على القادمين لصلاة الجمعة تعظيم شعائر الله تعالى، ويقتضي تعظيم الجمعة سكون جوارحه من العبث، وسكوت لسانه من التكلم، وإلا أثم، وصارت جمعته ظهرا.

قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

لا شك أن المسلم مأمور حالة خطبة الجمعة بالاستماع، والإنصات، وقطع الحركة، فهو مأمور بشيئين:

أولا: السكون، والهدوء، وعدم الحركة، والعبث.

ثانيًا: هو مأمور بالسكوت عن الكلام، فيحرم عليه أن يتكلم، والإمام يخطب، ويحرم عليه كذلك أن يستعمل الحركة، والعبث، أو يمسح الحصى، ويخطط في الأرض، أو ما أشبه ذلك، وما ذكرته من الحديث: ” من مسَّ الحصى فقد لغا ” فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى ( لغا ) : أنه ارتكب خطأ يُسبب إلغاء ثوابه، فمعنى ( لغا ) : ليس معناه أنه تبطل صلاته، وأنه يؤمر بالإعادة، وإنما معناه أنه لا ثواب له في تلك الصلاة. ” المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 5 / 71 ).

ومن مقتضيات تعظيم الجمعة، ومن مقتضيات السكوت والسكون: إغلاق الجوالات أن تصدر نغمات أثناء الخطبة، وفي هذا من التشويش على الحاضرين، ومن التسبب بحركة صاحبه ما لا يخفى، فإن كان ناسياً: فالأمر هيِّن، وإن كان غير مبالٍ، أو متعمداً: أثم، وبطلت جمعته، أيًّا كانت نغمة جواله، لكن إن كانت نغمة محرمة: كان آثماً زيادة.

 

والله أعلم.

أسباب المشكلات بين الزوجة وأهل زوجها، وطرق حلها

أسباب المشكلات بين الزوجة وأهل زوجها، وطرق حلها

السؤال:

في البداية: جزاكم الله خيرا على ما تقدمونه لخدمة الإسلام وأهله، وسؤالي هو: فضيلة الشيخ كيف أتعامل مع تدخلات أهل زوجي في شؤني الخاصة؟ وهل يكون من سوء الخلق عندما أرد عليهم؛ لأنهم من النوع الذي يتمادى عند السكوت، ويعلم الله وحده أني تجاهلت كثيراً من تدخلاتهم وأساليبهم المستفزة، ولكن يبدو أنهم لا يأتون بالتجاهل؛ لأن أسئلتهم تمادت، والله – يا شيخ – إن إحدى أخوات زوجي كانت تتحدث عن التعدد، وكان زوجي جالساً بجواري، وتقول: ” وماذا في لو تزوج الثانية “؟ ، وأنا جالسة ولم تراع مشاعري، وكنت وقتها في بداية زواجي في زيارة عندهم، والله ما عرفوا خيري من شري، حتى تقول هذا الكلام، وعندما يمتدح شيئاً أفعله – وهو في أندر النادر أمامهم – تقول: هذا من واجبها، وهذا كله أمامي، ووالله – يا شيخ – ما فتحت فمي بكلمة واحدة؛ لأننا تربينا على عدم الرد على من يسيء لنا، أنا وأخواتي، حتى الرد المؤدب لا أجيده إلا في النادر جدًّا، وبعدها أحس بتأنيب الضمير، ولو أطنب في طرح تدخلاتهم وأسئلتهم، حتى في رضعات طفلي، ومكان استحمامه، ونظافته الشخصية، وأنا – بشهادة زوجي – لم أهمله، أو أقصر معه، حتى أطفالهم يرددون نفس أسئلتهم، حتى كرهت الذهاب إليهم، وإنني عندما أذهب إليهم لا أبين أني منزعجة، أو تجرحني، وتحرجني، وأكون عادية، ولكن مشحونة من الداخل، وبالذات أن زوجي قال: لو تحدثتِ مع أحد عن تعامل أهلي معك: أسألك عنها أمام الله.

الأسئلة: سبق – يا شيخ – أن فضفضتُ لأختي، وزوجة أخي عن بعض تصرفاتهم، وتعاملهم معي، وهن – يعلم الله – عاقلات، ويقلن لي: ردي بأدب على الشيء الذي لا يُسكت عنه، وما تستطيعين تجاهله تجاهليه, هل آثم على ذلك؟.

هل لزوجي الحق في تحذيري من الحديث عن تعاملهم معي لأي مخلوق؟.

وأنت تعلم – يا شيخ – أن الإنسان يحتاج أن يفضفض عن مشاكله وهمومه لأحد، والله إني أشعر بالكبت لدرجة أني أصبحت لا أحب أن أراهم، أو أسمع أصواتهم؛ لأني أصبحت مشحونة جدًّا، حتى من زوجي، وأصبحت عصبية، وأنا أكره أن أعامله بجفاء، وأعذره في أنه لا يريد أن تشوَّه صورة أهله عند أحدٍ، ولكن مِن حقي أن أستشير مَن هم أكبر منِّي، وأعمق تجربة، هل يجوز لي أن أستشير، وأبث همومي لمن هو ثقة، أو أبقى في دائرة الكبت، والشحن النفسي؟.

كيف أتعامل مع زوجي وأهله بما يرضي الله، وبما لا يهدر حقوقي، أو يكسر الحدود في علاقتي معهم؟ لأن خراب كثير من البيوت عندما يتخطى أحدهم الحدود في التعامل مع الطرف الآخر ولا يوضع لها حدود.

هل يجوز لي أن أرفض السكن بجوار أهله لتجنب المشاكل؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

– كثيرة هي المشكلات القائمة بين الزوجة وأهل زوجها، ولحل أي مشكلة ينبغي النظر في أسبابها قبل كل شيء:

  1. فقد تكون هذه الأسباب راجعة لطبيعة أهل الزوج، فبعض الناس صار الشر طبعا لهم، يكبِّرون الصغير، ويعظمون التافه الحقير، وهؤلاء ليس المشكلات فقط بينهم وبين زوجة ابنهم، بل هي عامة تشمل الناس جميعا، وحل هذه المعضلة يحتاج لجهود مضنية، بتعليمهم الخطأ من الصواب، والخير من الشر، وتربيتهم على الإيمان والطاعة، وفي هذه الحال يجب على الزوج الذي يعلم هذا من طبيعة أهله أن لا يلتفت لكلامهم في زوجته، ولا يقيم له وزنا، وأن يساهم في إصلاح حال أهله، ودعوتهم للخير، وأن يخفف على زوجته إذا وقع عليها ظلم من أهله.
  2. وقد يكون سبب المشكلات بين الطرفين: الغيرة التي تدب في قلوب أهل الزوج، وذلك عندما يرون تعلق ابنهم بزوجته، وتدليلها لها، وحلُّ هذه المشكلة يكون بتعويضهم بدلال زائد، ورعاية خاصة، وكثرة هدايا، مع عدم إظهار تعلق الزوج بزوجته أمامهم، ومع إعطاء الزوج اهتماما لهم، وكثرة الدعاء بأن يزيل الله الغيرة من قلوبهم.
  3. وقد يكون سبب تلك المشكلات: ما يراه أهل الزوج على الزوجة من تقصير مع ابنهم، أو مع أولادها، أو في بيتها، أو ما تبديه لهم من تصرفات شائنة، وعدم احترام لوالدتهم، وغير ذلك مما هو موجود فعلا – وليس افتراء – عند كثير من الزوجات، وهذا هو الجانب الإيجابي من تلك المشكلات! لأنه به تعرف الزوجة ما عندها من تقصير، وتفريط، فتصلح الخطأ، وتجبر الخلل، وتكمل النقص، ولا يمكن لزوجة أن تدعي الكمال في تصرفاتها، وأخلاقها، وهذا أيسر الأسباب لتلك المشكلات؛ لأن الحل سهل ويسير على الزوجة، وهو إصلاح نفسها، وإصلاح ما بينها وبين أهل زوجها، بحسن التصرف، وإعطاء كل ذي حق حقَّه من التقدير، وبذلك تصلح ما فسد من الأمور، وتكسب قلب زوجها لجانبها.

ثانيا:

والذي نراه أنه على الزوجة أن تطيع زوجها إن أمرها أن لا تخبر أحدا بما يجري بينها وبين أهله، وهذا القرار من الزوج فيه مصلحة عظيمة تفوق مصلحة تنفيس الزوجة عن نفسها، فمثل هذه الأمور إذا ظهرت وانتشرت: شارك كل واحد برأي، أو اخترع مكيدة، أو ساهم برأي منكوس لحل تلك المشكلات، وهنا يتسع الخرق على الراقع، وتكثر تلك المشكلات، وتتعدد أسبابها، وقد يشق، أو يصعب بعده حلها.

وشكوى الزوجة لأحد من العقلاء جائز، ولا يدخل في الغيبة المحرمة، وفي الوقت نفسه للزوج أن يمنعها من هذا المباح إن كان يرى مصلحة شرعية من المنع.

فالذي نراه أنكِ قد أخطأتِ بمخالفة كلامه، وبكلامك مع أختك، وزوجة أخيك، بما جرى بينك وبين أهل زوجك، ولإصلاح ذلك: عليك التوبة والاستغفار، وعدم الاستمرار في الكلام معهما في هذا الشأن، وتوصيتهما بعدم ذِكر شيء مما قلتيه لهما لأحدٍ من الناس، ولا داعي للاعتراف لزوجك بما فعلتيه؛ لعدم ترتب مصلحة على ذلك، بل إن الظاهر أنه سيترتب عليه مفاسد، منها: كراهيته لك، ولفعلك، ومنها: منعك من الحديث نهائيًّا مع أختك، وزوجة أخيك، وكل ذلك متوقع، والشيطان له حضور بالغ في مثل هذه الأوقات، وهو ينفخ فيها، ويعظم شأنها، ويوقع بينكم العداوة والبغضاء.

ثالثا:

ويحتاج التعامل مع زوجك وأهله لحكمة بالغة منكِ، وأنتِ – إن شاء الله – تستطيعين التعامل مع ذلك، وقد بان لنا ذلك من خلال قولك ” لأننا تربينا على عدم الرد على من يسيء لنا، أنا وأخواتي، حتى الرد المؤدب لا أجيده إلا في النادر جدًّا، وبعدها أحس بتأنيب الضمير “، ومن خلال قولك الآخر: ” وإنني عندما أذهب إليهم لا أبيِّن أني منزعجة، أو تجرحني، وتحرجني، وأكون عادية، ولكن مشحونة من الداخل “، وهذا الأمر لا يفعله إلا من يتحكم في نفسه، ولا يفعله إلا العقلاء من الناس.

* والمطلوب منك:

  1. تجاهل ما تسمعينه من أهل زوجك مما تعرفين أنه بقصد الاستفزاز، وأنه محض افتراء.
  2. أن تصلحي شأنك، وبيتك، وأولادك، وما تسمعينه منهم مما هو عندك فعلا: فلا بدَّ من إصلاحه، والقيام عليه حق القيام.
  3. حاولي التودد لأهله بحسن الأسلوب، ورقة الكلمات، وجميل التصرفات، وتفقديهم بين الحين والآخر بهدية تليق بهم، أو بطعام تصنعينه لهم، أو بحلويات تخصينهم بها، ومعروف أن للهدايا شأناً بالغاً في تقريب القلوب، وإشاعة المحبة والمودة بين طرفيها.
  4. أحسني لزوجك بعدم ذِكر ما يجري من أهله لأحدٍ من الناس، واجعلي ثقته فيك عالية، ولا تجعلي يسمع منك أو يرى ما يكره.
  5. ومع كل ذلك: فإن هذا لا يعني السكوت الكلِّي عن الطعونات، والافتراءات، منهم عليكِ، لكننا ننصحك برد ذلك إلى زوجك، وتحميله مسئولية إصلاح الأمور، وإعطاء كل ذي حقَّه، وأظهري له حسن تربية أهلك لك.
  6. وأخيرا: لا بأس أن تقترحي على زوجك الانتقال من السكن من قرب أهله، وليس واجباً عليه أن يستجيب، فحقك إنما هو في سكن مستقل، وأنت تتمتعين به، لكن من الحكمة والمصلحة أن يبتعد الزوج عن سكن أهله إن كان يعلم عدم توافق بينهم وبين زوجته، ولعلَّ ذلك البُعد أن يساهم في تقوية الروابط بين الأطراف جميعها، وأن يزيل من القلوب تلك الإحن، وذلك الحقد.

 

واستعيني بالله ربك بالدعاء، مع القيام بما أوجب عليك من الطاعات، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه رضاه، وأن يجمع بينكم جميعاً على خير.

 

والله أعلم.

كيفية التعرف على طباع الخاطب

كيفية التعرف على طباع الخاطب

السؤال:

تقدم شخص لخطبتي مؤخرا، ونظرا لأن معظم الخاطبين يكونون على حذر بعض الشيء خلال الرؤية الشرعية، وخلال فترة الخطبة بشكل عام: فقد حاولت أن أجد من خلال ” النت ” جواباً على سؤال واحد، وهو كيف أعرف طباع الخاطب؟ نظرا لأن أكثر شيء أخشاه هو أن يكون زوجي له طباع لا تساعدني على طاعته كما أمر الله سبحانه وتعالى، وقد عثرت أثناء بحثي على إعلان عن محاضرة لدكتورة متخصصة في شئون الأسرة، فحضرتها، ولكن لاحظتُ أنها تستخدم ما يسمَّى بعلم ” البرمجة العصبية “، فهل يجوز لي أن أستخدم هذا العلم في معرفة طباع الخاطب؟ وإن كان لا: فكيف أعرف طباعه بطريقة يرضاها الله سبحانه وتعالى؟.

أرجو أن تتكرموا بإجابتي على هذا السؤال، كما أرجو أن تدلوني على كتب تتحدث عن مثل تلك الأمور، وجزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ليست طباع الخاطب فقط هي التي يوقف عندها، بل كذلك طباع المخطوبة! وطباع الطرفين لا يمكن اكتشافها ومعرفتها من خلال الرؤية الشرعية؛ لأنها جُعلت من أجل النظر إلى صورة كل واحد من الطرفين، وإلى شكله الظاهري، كما لا يمكن معرفة الطباع من خلال ما يفعله بعض العاصين من الخروج مع المخطوبة، والخلوة بها، متعللين بأن ذلك من أجل اكتشاف طباع كل واحد للطرف الآخر، من أجل الوقوف على إمكانية حصول الزواج بينهما؛ لأنه في هذه الفترة يتم كتمان الطباع الحقيقية، وإظهار الكمال في التصرفات، والجمال في الأفعال، وذلك من كلا الطرفين، حتى إذا حصل الزواج: أظهر كل واحد منهما طباعه، فلم يستفيدوا شيئا من علاقتهم تلك، غير الآثام، والسيئات.

ثانيا:

فالذي ينبغي أن يُعرف أن الخطبة هي الرؤية، رؤية كل طرفٍ للآخر، وأما ما تسأل عنه الأخت السائلة من إمكانية معرفة المخطوبة لطباع خطيبها: فإنه يمكنها ذلك عن طريق أمور متعددة، منها:

  1. السؤال والاستفسار عن الخاطب من أهله، وجيرانه، وأقربائه، وزملائه في العمل، فإن مجموع هذا يتم به معرفة طباع الخاطب، وما قد يُخفيه عن زملائه في العمل فإنه لا يستطيع فعل ذلك مع أهله، وما قد يخفى على الجيران لا يخفى على الأقرباء، وهكذا فإن سؤال مجموع هؤلاء يمكن التوصل به إلى صورة حقيقية لذلك المتقدم للخطبة، وهذا من أحد الحكَم الجليلة في وجود وليٍّ للمرأة يقوم على تزويجها.

ومما يدلل على هذا ويؤكده: حديث صحيح في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن طباع بعض الخاطبين للمخطوبة، وهو ما جعلها تصرف النظر عن التزوج بهم، ومثل تلك الطباع لا يعرفها إلا المقربون من ذلك الخاطب.

عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ: ” لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ” فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: ” تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ” قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ” فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ: ” انْكِحِي أُسَامَةَ ” فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ

رواه مسلم ( 1480 ).

قال النووي – رحمه الله –:

قوله صلى الله عليه وسلم: ” أما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه ” فيه تأويلان مشهوران، أحدهما: أنه كثير الأسفار، والثاني: أنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصح، بدليل الرواية التي ذكرها ” مسلم ” بعد هذه أنه ” ضرَّاب للنساء “.

” شرح مسلم ” ( 10 / 97 ).

  1. تكرار الجلوس مع الخاطب، وسؤاله مباشرة عن أشياء تكشف عن طباعه، وهذا لا يكون إلا مع أهل الدين، ممن يصدقون في إجابة المسائل.
  2. تأخير الدخول، وهو أمر تم بسببه اكتشاف كثيرين – وكثيرات – ممن زعموا أخلاقاً كذَّبها واقعُهم، وأظهروا صفاتٍ أبان زيفَها حقيقةُ حالهم.
  3. صلاة الاستخارة، وتجدين صفة صلاتها في جواب السؤال رقم: ( 2217 ).

ويبقى أمر السؤال والاستفصال هو الأمر الأساس في هذا الباب، وينبغي هنا أن ننبه إلى أمرٍ غاية في الأهمية، وهو اختلاف معايير الناس في الحكم على الأشخاص، وينبغي أخذ ذلك في الاعتبار، حتى لا يغتر ولي المرأة بالثناء العام على الخاطب، أو بالمدح المجمل له، وعليه أن ينتبه لكون معيار هذا المادح والمُثني معياراً دنيويًّاً بحتاً، أو هو مدحُ وثناءُ مَن لا يعرف حقيقة حال ذلك المتقدم للخطبة.

عَنْ سَهْل بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ “، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ” مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ “، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا “. رواه البخاري ( 4803 ).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الرجل قد يكون ذا منزلة عالية في الدنيا, ولكنه ليس له قدر عند الله, وقد يكون في الدنيا ذا مرتبة منحطة وليس له قيمة عند الناس, وهو عند الله خير من كثير ممن سواه. ” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 53 ) .

 

والله أعلم.

القهوة والشاي والسكَّر فيها ضرر أحيانا، فهل تحرم كالدخان؟!

القهوة والشاي والسكَّر فيها ضرر أحيانا فهل تحرم كالدخان؟!

السؤال:

اختلفت أنا وبعض أصدقائي في نقاش دار بيننا حول تحريم ما يضر، وكان الدخان هو موضوع النقاش، واستدللت بالآية الكريمة: ( ويحرم عليهم الخبائث )، وقلت: كل ما يضر محرم، فقالوا: إذاً الشاي والقهوة والكولا والسكر والماء كلها محرمة!!؛ لأن كثرة شرب الماء قد تسبب الموت خنقا، وتناول السكَّر في الشاي بكميات كبيرة جدًّا قد يرفع سكر الدم مسببا صدمة قد تسبب الوفاة، وكل شيء قد يتناول بكثرة وهو حلال حتما سيسبب الضرر، فما هو الحد في تحريم تناول مسببات الضرر؟

 

الجواب:

الحمد لله

التدخين محرّم، ولا ينبغي لأحدٍ أن يجادل في كون الدخان من الخبائث، فهو خبيث الرائحة، وخبيث الأثر على صاحبه وعلى من جاوره، ولا يَختلف الأطباء في أن الدخان ضارٌّ بالبدن، وأنه ليس فيه منفعة واحدة، وما كان كذلك: فهو من الخبائث، ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة أنه جاء ليحل الطيبات، ويحرِّم الخبائث.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقال بعض العلماء: كل ما أحل الله تعالى: فهو طيِّبٌ، نافعٌ، في البدن، والدِّين، وكلُّ ما حرمه: فهو خبيث، ضارٌّ، في البدن، والدِّين.

” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 488 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ) من الأطعمة؟. ( قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) وهي كل ما فيه نفع، أو لذة، من غير ضرر بالبدن، ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع الحبوب، والثمار، التي في القرى، والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر، وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع، والخبائث منها.

ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ). ” تفسير السعدي ” ( ص 221 ).

وقد صدرت الفتاوى المتعددة من أئمة الإسلام وعلمائه بحرمة الدخان؛ لأنه من الخبائث، بالإضافة إلى أسباب أخرى في التحريم، كالضرر، والتبذير.

 

 

قال علماء اللجنة الدائمة:

شرب الدخان حرام؛ لأنه ثبت أنه يضر بالصحة؛ ولأنه من الخبائث؛ ولأنه إسراف، وقد قال تعالى: ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ).

الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 178 ، 179 ).

وقالوا – أيضا -:

شرب الدخان حرام؛ لأنه من الخبائث، وقد حرم الله ورسوله الخبائث، وقال تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) ….

الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 179 ، 180 ).

وبه يتبين أن ما استدللتَ به من قوله تعالى: ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) فهو في مكانه، وقد سبق من كلام أهل العلم ما يؤيد ذلك.

ثالثا:

ولا يُختلف في كون الدخان مما يسبب الضرر لشاربه، بل لمن كان بجانبه ممن يستنشق ذلك الدخان المتصاعد من ” السيجارة “، والقاعدة الشرعية هي أن كل ما ثبت ضرره بالقطع أو غلبة الظن فإنه يكون حراما.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الدليل على تحريم ما فيه مضرة: من القرآن، والسنَّة:

فمن القرآن: قال الله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) [ البقرة / من الآية 195 ] ، وقال عزّ وجل: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) [ النساء / من الآية 29 ]، والنهي عن قتل النفس نهيٌ عن أسبابه أيضاً، فكل ما يؤدي إلى الضرر: فهو حرام.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ” لا ضرر ولا ضرار “، وربما يستدل له أيضا بقوله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) [ المائدة / الآية 6 ]، ووجه ذلك: أن الله تعالى أوجب التيمم على المريض حمايةً له عن الضرر، فعدل به عن الماء الذي قد يتضرر باستعماله في البرد والمرض ونحوهما إلى التيمم.

” الشرح الممتع ” ( 15 / 12 ، 13 ).

والدخان لا يُختلف اليوم في أنه ضار، فهو محرَّم؛ وهذا من أسباب تحريمه.

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وكذلك الدخان، فإنه ضارٌّ في عينه، وضرره مُجمعٌ عليه بين الأطباء اليوم، لا يَختلف في ذلك اثنان منهم؛ لما يشتمل عليه من المواد السامة، المفسدة للدم.

” الشرح الممتع ” ( 15 / 10 ).

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

وقد أثبت الأطباء له مضارًّا عظيمة، وقالوا: إنها تكمن في الجسم أولا، ثم تظهر فيه تدريجيًّا، وذكروا أن الدخان الذي يتصاعد عن أوراق التبغ المحترقة: يحتوي على كمية وافرة من المادة السامة هي النيكوتين، فإذا دخل الفم والرئتين: أثَّر فيهما تأثيرا موضعيًّا وعموميًّا؛ لأنه عند دخوله الفم: تؤثر المادة الحريقة السامة التي فيه في الغشاء المخاطي فتهيجه تهيجاً قويًّا، وتسيل منه كمية زائدة من اللعاب، وتغير تركيبه الكيماوي بعض التغيير بحيث تقلل فعله في هضم الطعام، وكذلك تفعل في مفرز المعدة كما فعلت في مفرز الفم، فيحصل حينئذ عسر الهضم، وعند وصول الدخان إلى الرئتين على طريق الحنجرة: تؤثر فيهما المادة الحريقة، فتزيد مفرزهما، وتُحدث فيهما التهابا قويًّا مزمنا، فيتهيج السعال حينئذ لإخراج ذلك المفرز الغزير الذي هو ” البلغم “، ويتسبب عن ذلك تعطيل الشرايين الصدرية، وعروض أمراض صدرية يتعذر البرء منها، وما يجتمع على باطن القصبة من آثار التدخين الكريهة الرائحة: يجتمع مثله على القلب، فيضغط على فتحاته، ويصد عنه الهوى، فيحصل حينئذ عسر التنفس، وتَضعف المعدة، ويقل هضم الطعام.

ويحصل عند المباشر له الذي لم يعتده دوار، وغثيان، وقيء، وصداع، وارتخاء للعضلات، وهي الأعصاب، ثم سبات، وهي كناية عن حالة التخدير الذي هو من لوازم التبغ المتفق عليه، وذلك لما يحويه من المادة السامة، ومَن اعتاده: حصل عنده من فساد الذوق، وعسر الهضم، وقلة القابلية للطعام ما لا يخفى.

والإكثار منه يفضي إلى الهلاك إما تدريجيًّا، وإلا في الحال، كما وقع لأخوين تراهنا على أيهما أكثر من الآخر، فمات أحدهما قبل السيجارة السابعة عشرة! ومات الآخر قبل أن يتم الثامنة عشرة!.

ومِن مضارِّه: تخريب كريات الدم، وتأثيره على القلب بتشويش انتظام ضرباته، ومعارضته القوية لشهية الطعام، وانحطاط القوة العصبية عامَّة، ويظهر هذا بالخدور، والدوار، الذي يحدث عقب استعماله لمن لم يألفه.

” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 12 / 84 ).

وبه يتبين أن ما ذكرتَه من كون الضرر في الدخان من أسباب تحريمه: صحيح، ومن خالف في ذلك فهو جاهل، أو معاند، وما ذكره الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – إنما هو تلخيص لكلام الأطباء أصحاب الخبرة بطب البدن.

رابعا:

وأما تمثيل المناقش لك الدخان بأطعمة وأشربة مباحة قد يتضرر الإنسان إذا أكثر منها: فهي حجة ساقطة، وفي كلامه رد عليه؛ حيث اعترف أنها بذاتها ليست مضرة، ولا مهلكة، وإنما تكون كذلك في أحوال معينة، أو بكميات معينة، أو لأشخاص دون أشخاص، وهذا لا نختلف معه به! والفرق بين ” القهوة ” و ” الشاي ” و ” الماء ” وبين ” الدخان ” فرق عظيم، ومن السذاجة أن يُقارن بينها، فإن تلك الأشربة مباحة في ذاتها، وهي نافعة للبدن، ليست مضرة، ولا ننفي أن تكون كذلك في أحوال معينة، أو لأشخاص معينين، فقد يساء استعمال تلك المواد طبخا، وإعدادا، فيكون في تناولها ضرر، وقد يتناول الإنسان كمية كبيرة منها يُعلم أنها تضره، فتكون حراما، والماء الذي هو عصب الحياة وروحها، وجعل الله منه كل شيء حيًّا قد يسبب الموت أو الضرر للشجر، والحيوان، والإنسان، إذا زادت جرعات الماء عن حد الاعتدال، فهل ثمة عاقل يقول: إن الماء يَحرم بسبب ذلك؟!.

وإذا ثبت ضرر مادة صناعية معينة، كالسكر، والكولا: فيجري فيها ما يجري في الدخان، وإن لم يثبت: فتلحق بالشاي والقهوة والماء، ولسنا نخص الدخان بعينه فنحرمه لضرره، بل هي قاعدة عامة، كما سبق في كلام العلماء.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم شرب: الدخان، الشاي، القهوة، وتعاطي الحبوب المنبهة أو المنومة؟.

فأجابوا:

أولا: يحرم شرب الدخان؛ لما فيه من المفاسد.

ثانيا: شرب الشاي والقهوة: لا بأس به؛ لأنهما من الأشربة المباحة.

ثالثا: لا يجوز تعاطي الحبوب المنبهة والمنومة؛ لما فيها من المضار على متعاطيها؛ ولما ينتج عنها من الأخطار على غيره من المجتمع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 120 ، 121 ).

وقد يصاب المسلم بمرض لا يستطيع معه تناول طعام معيَّن إلا ويصيبه ضرر، فحينئذٍ يحرم عليه تناول ذلك الطعام، مع أنه في أصله من المباحات، ولم يحرم ذلك الطعام على المسلمين جميعا، بل حرُم على ذلك الشخص – ومن هو في حكمه – دون غيره من الناس.

وقد يتناول المسلم طعاما مباحا زائدا عن حدِّه فيتضرر به، فيكون فعله ذلك حراما عليه، وشتان بين تحريم عين الطعام والشراب – كالسم والدخان والمخدرات – وبين تحريم فعل المكلَّف بزيادة جرعة أو قدر من طعام أو شراب، أو بسبب سوء إعداد لهما.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والضارُّ في غيره: مثل أن يكون هذا الطعام لا يلتئم مع هذا الطعام، بمعنى أنك إذا جمعتَ بين الطعامين: حصل الضرر، وإذا أكلتهما على انفرادٍ لم يحصل الضرر، ومن ذلك الحُمْية للمرضى، فإن المريض إذا حُمي عن نوع معينٍ من الطعام، وقيل له: إن تناوله يضرك:  صار عليه حراما … .

 

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

” وإذا خاف الإنسان من الأكل أذًى أو تخمة: حَرُمَ عليه “.

فإذا قال الإنسان: أنا إذا ملأتُ بطني من هذا الطعام: فإنه سيحتاج إلى ماء، فإذا أضفتُ إليه الماء: فلا أكاد أمشي، وأتأذى، فإن جلست: تأذيت، وإن ركعتُ: تأذيت، وإن استلقيت على ظهري: تأذيت، وإن انبطحت على بطني: تأذيت، وفي هذا يقول شيخ الإسلام: ” إذا خاف الأذية: فإنه يحرم عليه الأكل “، وما قاله – رحمه الله -: صحيح؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأكل ما يؤذيه، أو يلبس ما يؤذيه، أو يجلس على ما يؤذيه، حتى الصحابة رضي الله عنهم في السجود، كانوا إذا أذاهم الحر يبسطون ثيابهم، ويسجدون عليها؛ لئلا يتأذوا؛ ولأجل أن يطمئنوا في صلاتهم.

وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام خوف الأذية والتُّخمة ممَّا ضرره في غيره، وهو الإكثار، يعني هو بنفسه ليس بضار، لكن الإكثار منه يكون ضارا مؤذيا، حتى وإن لم يتضرر، لكن الظاهر لي من الناحية الطبية أنه يتضرر؛ لأن المعدة إذا ملأتها سوف تتأذى وتتعب … .

وقد قيل: إن من الأمور المهلكة: إدخال الطعام على الطعام، فإذا صح ذلك كان – أيضاً – حراماً؛ لأن الله يقول: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء / الآية 29 ].

ولا يبعد أن يكون هذا صحيحا، وهو أمر مجرَّب … .

” الشرح الممتع ” ( 15 / 9 – 11 ).

وقال – رحمه الله -:

لو قيل لرجل مصاب بالداء السكري: لا تأكل التمر، ولا الحلوى: صار التمر، والحلوى حراماً عليه؛ لأنها تضره، ووجب عليه اجتنابها، وهي حلال للآخرين.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 229 / السؤال رقم: 2 ).

وبه يتبين خطأ قياس صاحبك المباح من الطعام والشراب على الدخان المحرَّم، وتبين أن ما جاءت به الشريعة هو الذي يشتمل على المصلحة للبشر، وقد أحكم الله تعالى شرعه، ومن خالف كل ما قلناه فإنما هو مجادل بالباطل، وعسى الله أن ينتفع حريص على تحري الحق، وأن ينفع به غيره.

 

والله أعلم.

نبذة عن ابن رشد الحفيد، وبيان شيء من سوء اعتقاده

نبذة عن ابن رشد الحفيد، وبيان شيء من سوء اعتقاده

السؤال:

نسمع كثيرا عن ” ابن رشد ” الذي عاش في الأندلس، هناك من الناس من يثني عليه، وهناك من يحذر منه، وهناك من يكفره!، حتى إن السينما المصرية أصدرت فلما عن حياته!! أفيدونا نفع الله بكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ” ابن رشد ” ليس شخصا واحدا بل هما اثنان! وقد اشتركا في الاسم، واسم الأب، والكنية، والمنصب، والبلدة! ويفرَّق بينهما بأن أُطلق على واحد منهما ” ابن رشد الحفيد “، والآخر ” ابن رشد الجد “.

وابن رشد الحفيد هو: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، فقد طابق اسمه اسم جده، واسم أبي جده اسم أبيه، وكلٌّ منهما قاضٍ، وكل منهما قرطبي، وكلٌّ منهما يقال له: ابن رشد.

ومن العلماء من يطلق على ابن رشد الحفيد ألقاب تعريفية للتميز كـ: ” الأصغر ” و” الفيلسوف “، ومنهم من يطلق عليه: ” الأول “، ويطلقون على جده –  ولد عام ( 450 هـ )، وتوفي عام 520 هـ -: ” الأكبر ” و” الفقيه “، و” الثاني “، وإليه الإشارة في قول ابن القيم – رحمه الله – في ” النونية “:

وأبو الوليد المالكي أيضا حكى *** إجماعهم أعني ابن رشد الثاني

وابن رشد الجد هو المشهور عند المالكية، وهو صاحب ” مقدمات ابن رشد “، وأما الحفيد فهو فيلسوف، وقد انتقد في اعتقده، واتهم بالزندقة.

  1. ولد ابن رشد الحفيد في قرطبة، عام ( 520 هـ )، نشأ في بيت علم، وفضل، فطلب العلم، ونبغ فيه، وبرع في الطب، حتى صار طبيباً خاصًّا لبعض أمراء الأندلس، ثم ولي لقضاء في ” إشبيلية “، ثم ” قرطبة “، ثم صار ” قاضي القضاة “.

قال الإمام الذهبي – رحمه الله -:

مولده قبل موت جده بشهر سنة عشرين وخمس مئة، عرض ” الموطأ ” على أبيه، وأخذ عن أبي مروان بن مسرة، وجماعة، وبرع في الفقه، وأخذ الطب عن أبي مروان بن حزبول، ثم أقبل على علوم الأوائل، وبلاياهم، حتى صار يضرب به المثل في ذلك.

قال الأبَّار: لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا، وعلما، وفضلا، وكان متواضعا، منخفض الجناح، يقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقِل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سوَّد في ما ألَّف وقيَّد نحواً من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الحكماء، فكانت له فيها الإمامة.

وكان يُفزع إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع وفور العربية، وقيل: كان يحفظ ديوان أبي تمام، والمتنبي.

ولي قضاء قرطبة، فحُمدت سيرته.

قال ابن أبي أصيبعة في ” تاريخ الحكماء “: كان أوحد في الفقه والخلاف، وبرع في الطب، وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة، وقيل: كان رث البزة، قوي النفس، لازم في الطب أبا جعفر بن هارون مدة، ولمَّا كان المنصور صاحب المغرب بقرطبة: استدعى ابن رشد، واحترمه كثيرا، ثم نقم عليه بعد، – يعني: لأجل الفلسفة -.

قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: لمَّا دخلتُ البلاد: سألتُ عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة ” يعقوب “، لا يدخل إليه أحد؛ لأنَّه رفعت عنه أقوال رديَّة، ونسبت إليه العلوم المهجورة.

– ولا ينبغي أن يُروى عنه.

” سير أعلام النبلاء ” ( 21 / 307 – 309 ) مختصرا.

  1. كان لابن رشد كلمات في إثبات صفات الله تعالى موافقة لمذهب السلف، ليس بسبب تعظيمه للكتاب والسنَّة، بل لاعتقاده أن الشريعة لا تخالف الفلسفة، والتي يسميها ” الحكمة “، وقد ألَّف في ذلك رسالة خاصة، ولذلك فقد نقد مذهب الأشاعرة في تحريفهم الصفات – الذي يسمونه تأويلاً – نقداً شديداً، وهو ما جعل بعض متعصبة الأشاعرة يطعنون به، ويذمونه، وبخاصة في إثبات صفة العلو، حيث قال في كتابه ” مناهج الأدلة “:

وأما هذه الصفة: فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي، ومن اقتدى بقوله، فظواهر الشرع كلها تقتضي إثباتها لله تعالى مثل قوله سبحانه: ( الرحمن على العرش استوى ) وقوله تعالى: ( وسع كرسيه السموات والأرض ) وقوله تعالى: ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) ، وقوله تعالى: ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ) ، وقوله تعالى: ( تعرج الملائكة والروح إليه ) ، وقوله تعالى: ( أأمنتم من في السماء ) ، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلِّط التأويل عليها: عاد الشرع كلُّه مؤوَّلاً، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات: عاد الشرع كله متشابهاً؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن مِن السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى.

وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله، والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع في ذلك. انظر ” اجتماع الجيوش الإسلامية ” ( ص 207 ، 208 ).

  1. ومما أُخذ على ابن رشد الحفيد: تعظيمه لفلاسفة اليونان، وتقديم أقوالهم على نصوص الوحي ، وقد فيه الغربيون حتى أطلقوا عليه لقب ” المعلِّم الثاني “! والأول عندهم هو ” أرسطو “، ولذا فقد حوكم، وضرب، وأهين، بسبب تلك الفلسفة، وكلمات الزندقة.

أ. قال أبو حيان الأندلسي – رحمه الله -:

وكثيرا ما ينقل هذا الرجل – أي: أبو عبد الله الرازي – عن حكماء الإسلام في التفسير، وينقل كلامهم تارة منسوبا إليهم، وتارة مستنداً به ويعني: بحكماء الفلاسفة الذين خلقوا في مدة الملة الإسلامية، وهم أحق بأنْ يسمّوا سفهاء جهلاء من أن يسموا حكماء، إذ هم أعداء الأنبياء والمحرفون للشريعة الإسلامية، وهم أضر على المسلمين من اليهود والنصارى. وإذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – نهى عن قراءة التوراة مع كونها كتابا إلهيًّا، فلأنْ ينهى عن قراءة كلام الفلاسفة أحق.

وقد غلب في هذا الزمان وقبله بقليل الاشتغال بجهالات الفلاسفة على أكثر الناس، ويسمونها الحكمة، ويستجهلون من عرى عنها، ويعتقدون أنهم الكملة من الناس، ويعكفون على دراستها، ولا تكاد تلقى أحداً منهم يحفظ قرآنا، ولا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولقد غضضت مرة من ” ابن سينا “، ونسبته للجهل، فقال لي بعضهم – وأظهر التعجب من كون أحد يغض من ” ابن سينا ” -: كيف يكون أعلم الناس بالله ينسب للجهل؟!.

ولما ظهر من قاضي الجماعة أبي الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد بن رشد الاعتناء بمقالات الفلاسفة والتعظيم لهم: أغرى به علماء الإسلام بالأندلس: المنصور منصور الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي ملك المغرب والأندلس حتى أوقع به ما هو مشهور، من ضربه، ولعنه، وإهانته، وإهانة جماعة منهم على رؤوس الإشهاد، وكان مما خوطب به المنصور في حقهم قول بعض العلماء الشعراء:

خليفتنا جزاك الله خيرا *** عن الإسلام والسعي الكريم

فحق جهاده جاهدت فيه *** إلى أن فزت بالفتح العظيم

وصيرت الأنام بحسن هدى *** على نهج الصراط المستقيم

فجاهد في أناس قد أضلوا *** طريق الشرع بالعلم القديم

وحرق كتبهم شرقا وغربًا *** ففيها كامنا شر العلوم

يدب إلى العقائد من أذاها *** سموم والعقائد كالجسوم

وفي أمثالها إذ لا دواء *** يكون السيف ترياق السموم

 

وقال:

يا وحشة الإسلام من فرقة *** شاغلة أنفسها بالسفه

قد نبذت دين الهدى خلفها *** وادعت الحكمة والفلسفه

وقال:

قد ظهرت في عصرنا فرقة *** ظهورها شؤم على العصر

لا تقتدي في الدين إلا بما *** سن ابن سينا أو أبو نصر

” تفسير البحر المحيط ” ( 5 / 151 ).

ب. وقد ردَّ عليه الشاطبي – رحمه الله – في زعمه الحاجة لعلوم الفلسلفة لفهم الشريعة فقال:

وزعم ” ابن رشد ” الحكيم في كتابه الذي سمَّاه بـ ” فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ” أن علوم الفلسفة مطلوبة؛ إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها، ولو قال قائل: إن الأمر بالضد مما قال: لما بعُد في المعارضة.

وشاهِد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها، أم كانوا تاركين لها، أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه.

” الموافقات ” ( 4 / 198 ).

ج. وقد وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بالباطني في مواضع عدة من كتبه، ونقل عنه أقوالا شنيعة، وزندقة ظاهرة، ومن ذلك قوله: إن الرسل يكذبون للمصلحة!:

قال – رحمه الله -:

وابن سينا وأمثاله لمَّا عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية؛ بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب: سلك مسلك التخييل، وقال: إنه خاطب الجمهور بما يُخيَّل إليهم؛ مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك.

فهؤلاء يقولون: إن الرسل كذبوا للمصلحة، وهذا طريق ابن رشد الحفيد، وأمثاله من الباطنية، فالذين عظَّموا الرسل من هؤلاء عن الكذب: نسبوهم إلى التلبيس، والإضلال، والذين أقروا بأنهم بيَّنوا الحق قالوا: إنهم كذبوا للمصلحة.

وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا الحق وأنهم بيَّنوه مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق، فهم الصادقون المصدوقون، علموا الحق وبينوه، فمن قال: إنهم كذبوا للمصلحة: فهو من إخوان المكذبين للرسل، لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير، والعدل في العالم: لم يمكنه أن يقول: كذبوا لطلب العلو والفساد، بل قال: كذبوا لمصلحة الخلق. كما يحكى عن ” ابن التومرت ” وأمثاله، ولهذا كان هؤلاء لا يفرقون بين النبي والساحر إلا من جهة حسن القصد؛ فإن النبي يقصد الخير، والساحر يقصد الشر، وإلا فلكل منهما خوارق هي عندهم قوى نفسانية، وكلاهما عندهم يكذب! لكن الساحر يكذب للعلو والفساد، والنبي عندهم يكذب للمصلحة؛ إذ لم يمكنه إقامة العدل فيهم إلا بنوع من الكذب.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 157 ، 158 ).

  1. ومن مؤلفات ابن رشد الحفيد: ” بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ” الكليات في الطب “، ” مختصر المستصفى في الأصول “، ” تهافت التهافت “، وهو رد على كتاب ” تهافت الفلاسفة ” للغزالي، ” فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال “، ” الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة “، ” شرح كتاب البرهان لأرسطو “، ” شرح كتاب النفس لأرسطو “، وغيرها كثير.
  2. توفي ابن رشد الحفيد في صفر سنة ( 595 هـ ) ، ودفن بمراكش، ثم حمل رفاته بعد إلى مسقطه رأسه بالأندلس.

 

والله الموفق.

متى يكون الفعل خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم دون أمَّته؟.

متى يكون الفعل خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم دون أمَّته؟.

السؤال:

في بعض الأحيان يقول العلماء عن فعل فعَله الرسول عليه الصلاة والسلام: إنه خاص به، مثل استماعه للجارية وهي تضرب على الدف، فما الدليل أو الضابط في هذا الموضوع؛ لأنه عندما نقول للمخالِف: إن هذا الفعل خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام, يقول: فما الدليل إذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

سؤال المخالف عن الدليل على كون الفعل خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم في محله، وهذا من حقه.

وينبغي أن يُعلم أن الأصل فيما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أنه له، وللأمَّة، ولا يجوز نسبة الفعل للخصوصية إلا بدليل واضح بيِّن؛ لقوله تعالى: ( لقَدْ كاَنَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب / من الآية 16 ]، ولم يفهم الصحابة – رضي الله عنهم – من أفعاله إلا أنها مجال الاقتداء والائتساء به، وأنها من شرع الله تعالى، على اختلاف أحكامها بين واجب، أو مستحب، أو مباح، ومما يدل على ذلك:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ, فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ, فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ” لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ ” فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: ” إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ, فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ, فَلْيَنْظُرْ فِيهَا فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ, ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا”. رواه أحمد ( 17 / 242 ، 243 ) وصححه محققو المسند.

بل إن النبي صلى الله عليه غضب من بعض أصحابه لمَّا نسبوا فعلا فعله صلى الله عليه وسلم للخصوصية.

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ “، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: ” وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّبِعُ “. رواه أبو داود ( 2389 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

لذا فإنه لا يجوز نسبة فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصوص إلا بدليل واضح ينص على الخصوصية.

قال ابن حزم – رحمه الله -:

ولا يجوز أن يقال في شيء فعله عليه السلام أنه خصوص له إلا بنص في ذلك؛ لأنه عليه السلام قد غضب على من قال ذلك، وكل شيء أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو حرام. ” الإحكام في أصول الأحكام ” ( 4 / 433 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

الأصل: مشاركة أمته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل، ولذلك قالت أُمُّ سلمة: ” اخرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحدَاً حتى تَحْلِقَ رأسك وتنحر هَدْيك “، وعلمت أن الناس سيتابعونه. ” زاد المعاد ” ( 3 / 307 ).

وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

ما الذي يبيِّن أو يثبت أن هذا الشيء خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؟.

فأجاب:

الأصل: أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عام له وللأمة، إلا ما دل الدليل على اختصاصه به صلى الله عليه وسلم، فالخصوصية لا بد لها من دليل – والله أعلم -؛ لقوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب / من الآية 21 ]. ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 5 / 369 ، السؤال رقم: 488 ).

ثانيا:

ومن الأحكام الخاصة به صلى الله عليه وسلم: التزوج من غير مهر ولا ولي، والتزوج بأكثر من أربع، ووصال الصوم لأكثر من يوم.

قال ابن حزم – رحمه الله -:

فلا يحل لأحد بعد هذا أن يقول في شيء فعله عليه السلام إنه خصوص له، إلا بنص، مثل: النص الوارد في الموهبة بقوله تعالى: ( خالصةً لك من دون المؤمنين )، ومثل: وصاله عليه السلام في الصوم، وقوله ناهياً لهم: ” إني لست كهيئتكم “، ومثل نومه عليه السلام وصلاته دون تجديد وضوء، فسئل عليه السلام عن ذلك، فقال: ” عيناي تنامان ولا ينام قلبي “.

فما جاء فيه بيان كما ذكرنا: فهو خصوص، وما لم يأت فيه نص كما قلنا: فلنا أن نتأسى به عليه السلام، ولنا في ذلك الأجر الجزيل، ولنا أن نترك غير راغبين عن ذلك، فلا نأثم، ولا نؤجر. ” الإحكام في أصول الأحكام ” ( 4 / 433 ).

ثالثا:

وأما حديث ضرب الجارية بالدف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم: فليس خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم – وإن قال به بعض العلماء – وكيف يكون كذلك وقد دخل عليه – وهي تضرب بالدف – أبو بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟! وليس ثمة إشارة في الحديث تخص ضرب الدف في السرور والفرح برجوع النبي صلى الله عليه وسلم فقط دون غيره، فالصحيح أنه يقاس عليه غيره.

عن بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلاَّ فَلاَ ” فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ “. رواه الترمذي ( 3690 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

حديث صحيح، وله وجهان:

أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح؛ تطيبا لقلبها؛ وجبرا، وتأليفا لها على زيادة الإيمان، وقوته، وفرحها بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم سالما، مؤيدا، منصورا على أعدائه، قد أظهره الله، وأظهر دينه، وهذا من أفضل القُرَب، فأُمرت بالوفاء به.

” إعلام الموقعين عن رب العالمين ” ( 4 / 320 ).

 

– والذي يظهر أن هذه الحادثة واقعة عين، لم تتكرر، فلا عموم فيها.

 

 

والله أعلم.

هل يجوز لكاتب في منتدى أن يسمي نفسه ” عمر بن الخطاب “؟

هل يجوز لكاتب في منتدى أن يسمي نفسه ” عمر بن الخطاب “؟

السؤال:

لاحظت بالمدة الأخيرة انتشار بعض المسميات في المنتديات، حيث يقوم أشخاص بتسمية أنفسهم بأسماء الصحابة، كأبي بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب، يستخدموها صراحة وبالاسم الكامل، فهل هذا جائز؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

تسمية الأبناء بأسماء الأنبياء عليهم السلام، والصحابة – رضي الله عنهم -، والتابعين – رحمهم الله -: من خير ما يفعله الآباء مع أبنائهم في هذا الباب.

وأما بخصوص عين السؤال وهو تسمية بعض المحبين للصحابة – رضي الله عنهم – أنفسهم باسم الصحابي واسم أبيه، أو باسمه ولقبه: فهذا لا يجوز؛ لسببين:

الأول: أن في هذا الفعل انتحالاً لشخصية معروفة مشهورة، وليس هو من باب انتساب المرء لغير أبيه؛ لأن المسلم عندما يقول عن نفسه أنه ” عمر بن الخطاب ” فهو إنما استعمل الاسم كاملاً لقباً له، ولو كان اسم الرجل ” عمر ” ثم قال عن نفسه: أنه ” ابن الخطاب “، أو كان اسمه ” علي ” ثم أضاف إليه ” ابن أبي طالب “: لكان هذا من كبائر الذنوب؛ لأنه انتسابٌ لغير الأب الشرعي.

والثاني: أنه يعرِّض هذا الاسم للامتهان، والامتهان قد يكون من مسلم، وقد يكون من كافر، وخاصة الرافضة، فالمسلم قد يسخر من صاحب الاسم، وبذا يعرِّض الاسم للامتهان، والرافضي يقوم دينه على السب والشتم واللعن، فيجمع بين شتم صاحب الاسم الأصلي، وشتم المتلقب به.

ثانيا:

وثمة من الصحابة والسلف من سمَّى أبناءه بأسماء الأنبياء، ولم نر مَن سمَّى ابنه ” موسى بن عمران “، ولا ” عيسى بن مريم “، وكذا قد سمَّى السلفُ أبناءهم بأسماء الصحابة، وليس منهم مَن سمَّى ابنه بعلي بن أبي طالب، وكذا سمَّى السلف أبناءهم بأسماء العلماء والأئمة، ولم نرَ مَن سمَّى ابنه ” مالك بن أنس “، أو ” أحمد بن حنبل “.

فمَن أحبَّ الصحابة – رضي الله عنهم -: فليحذ حذو المحبين لهم من سلف هذه الأمة في الاكتفاء بأسمائهم الأولى، أو اختيار كناهم كنية له، وأما أن يختار الاسم كاملاً: فهذا لم يفعله قبله أحد، وهو غير جائز في الأصل؛ لما قدمناه من أسباب.

ومن باب الفائدة نزيد فنقول: إن محبة أهل السنَّة لشيخ الإسلام ابن تيمية قد دفعت بعض المحبين لتسمية ابنه ” ابن تيمية “! وصارت كنى كثيرين منهم ” أبو ابن تيمية “! وهذا خطأ، ولا يحل لأحد أن يفعله؛ لأن لفظة ” ابن ” تدل صراحة في باب الأسماء على البنوة الحقيقية، أي: بنوة النسب، وهذا الشخص المسمَّى ” ابن تيمية ” ليس من أمهاته – الأم والجدات – من اسمها ” تيمية “، فكيف ينسب نفسه إلى من ليس في نسبه؟!.

فالواجب على المحبين للصحابة حفظ كرامة من يحبون، وعدم تعريض أسمائهم للامتهان، وليكن حب الصحابة دافعاً لهم للتخلق بأخلاقهم، والسير على هديهم، في طلب العلم، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، وغير ذلك من أبواب الاقتداء والائتساء.

 

والله أعلم.

تخشى أن تكون تسببت بتمزق غشاء البكارة, فماذا تصنع؟

تخشى أن تكون تسببت بتمزق غشاء البكارة, فماذا تصنع؟

السؤال:

تعرضت منذ فترة إلى حكاك شديد في ” الفرج “، مع العلم أني لا زلت عذراء، قمت بإدخال إصبعي وحك المنطقة إلى أن نزف قليل من الدم ذو لون أحمر فاتح، مع العلم أني كنت قد أكملت يومها فترة الحيض، بعدها ذهبت إلى صيدلية، ووصفت حالة المرض، دون ذكر ما حدث، وقد شفيت من المرض، إلا أني لا زلت خائفة من كوني قد ضررت بكارتي، ولم أستطع زيارة الطبيب خجلاً، فكيف لي التأكد من عذريتي دون اللجوء للطبيب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه مسألة طبية وليست شرعية، ولا يمكن الجزم بأحد الاحتمالين إن كان غشاء البكارة قد تمزق أو لا إلا بالفحص الطبي، فعليك مراجعة طبيبة موثوقة للنظر في الغشاء إن كان تمزقه هو سبب الدم النازل، أم لا.

ولا نرى داعٍ للخجل من هذا الفحص، بل نراه ضروريًّا لكِ لسببين:

الأول: قطع القلق، والهم، والغم، والخوف في حياتك؛ لأن هذا أشبه بالموت البطيء.

الثاني: أن تحضري من الطبيبة تقريراً طبيًّا بسبب هذا التمزق – إن كان تمزق جراء إدخال الأصبع -، وهذا مفيد جدًّا لك في المستقبل، فهو يقطع الطريق على كل متشكك، ويُظهر حقيقة الأمر، ولذا فلا ننصح بالتأخر في مراجعة الطبيبة – لا الطبيب – لهذا الأمر المهم.

وغشاء البكارة أنواع، وثخانته درجات، وبما أنك قريبة من الثلاثين فإنه من المعلوم أن الغشاء يزداد صلابة، وهذا ما يذكره الأطباء المختصون، ولذا فقد يكون ما حصل معك لا تعلق له بتمزق غشاء البكارة البتة، وإنما هي أوهام وخيالات، ولا يَقطع الأمر إلا الفحص من قبَل الطبيبة.

 

والله الموفق.

هل يجوز له العمل مندوبا لشركة ” آرلا ” الدنماركية ؟.

هل يجوز له العمل مندوبا لشركة ” آرلا ” الدنماركية ؟.

السؤال:

أعمل مندوب مبيعات بشركة ” آرلا ” الدانمركية للأغذية في دولة خليجية، ولقد بدأتُ العمل مع الشركة بعد قيام أمانة ” المؤتمر العالمي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ” برئاسة الدكتور يوسف القرضاوي، والأمين العام للمؤتمر الدكتور سلمان العودة بالتوصية باستثناء منتجات شركة ” آرلا ” للأغذية من المقاطعة، وهي ( لورباك، بوك، دانو، البقرات الثلاث ) تثميناً لموقف الشركة التي أعلنت استنكار وإدانة الرسوم، ورفضت أي مبرر لتسويغها، والتحقت بالعمل بتاريخ 11 مارس 2007 م، فهل راتبي حلال، أو يقع عليَّ أي خطأ بسبب العمل في الشركة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

في 30 / 9 / 2005 م قامت صحيفة دانمركية بنشر رسومات يدوية تسيء لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قام المسلمون في أنحاء العالَم قيام رجل واحد في الذب عن عرض نبيهم صلى الله عليه وسلم، وقاموا من تلقاء أنفسهم بالدعوة لمقاطعة البضائع التي تأتي من الدولة التي سكتت عن تلك الرسومات بدعوى ” حرية الرأي والتعبير “، وقد أيَّد عامة العلماء تلك المقاطعة؛ لما رأوه من تأثيرها على الشركات في تلك الدولة، ولعلها أن تحرِّك تلك الشركات باتجاه الضغط على الدولة للاستنكار، والأخذ على يد المسيء لنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد مرور عدة أشهر أخرجت شركة ” آرلا ” بياناً من عدة لغات تُعلن فيه استنكارها للعمل المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعلن براءتها من ذلك الفعل، وقد تعرَّضت تلك الشركة لإساءة بالغة من بعض فئات مجتمعها، بل إن الدولة نفسها التي ادعت أنها تقف مع حرية الرأي والتعبير قامت باستنكار فعل تلك الشركة، ووصفت فعلها بأنه ركوع مخزٍ للمسلمين! وقد انقسم أهل العلم بعد بيان الشركة ذاك إلى قسمين: منهم من قال بوجوب استمرار المقاطعة؛ لأنها آتت أُكلها، وقد تظهر نتائج أفضل من هذا، ومنهم من قال بأنه من الظلم الإبقاء على مقاطعة من وقف بجانب الحق، وأيَّدت المسلمين في غضبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وأننا يجب علينا تشجيع مثل هذه المواقف بنصرتهم، وتأييدهم، لا بخذلانهم، وتعريضهم للإهانة من مجتمعهم وحكومتهم.

وسواء رجحنا الموقف الأول أم الثاني: فإننا لا نرى لعملك فيها أي تعلق بموضوع المقاطعة، ولم نر أو نسمع أحداً من أهل العلم دعا لترك العمال وظائفهم في الشركات التي تصنع وتبيع المباح من الأطعمة والأشربة، وإنما كانت المقاطعة وسيلة ضغط على الشركات لتضغط على حكومتها للاعتذار ومعاقبة المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ثمة منع للعمل في الشركات الدنماركية فلا ينبغي أن يشمل هذا المنع تلك الشركة التي تسأل عن العمل مندوباً لها؛ لأن موقفها كان مشرِّفاً، فكيف ولم يصدر أصلًا من الفتاوى ما يمنع من العمل فيها؟!.

وعليه: فالذي نراه هو جواز عملك مندوباً لتك الشركة، بشرط أن يكون مجال عملك في المباح من الأطعمة والأشربة.

 

– ونسأل الله أن يرزقك رزقاً حسناً، وأن يبارك لك فيه.

 

والله أعلم.