الرئيسية بلوق الصفحة 118

لماذا يقدِّر الله لبعض الناس دخول النار؟ وما الحكمة في كونها أبدية على الكفار؟

لماذا يقدِّر الله لبعض الناس دخول النار؟ وما الحكمة في كونها أبدية على الكفار؟

السؤال:

كثير ممن أعرف من الذين هم مهتمون بالإسلام يتساءلون كثيرًا عن القضاء القدر، السؤال الذي وجدته صعبًا في إجابته وأريدكم أن تساعدوني فيه هو: لماذا يقدِّر الله لبعض الناس دخول النار؟ أعرف أن الإنسان يرتكب أعمالًا تدخله النار ولكن إذا كان الله خلقَنا وخلق أعمالَنا فلماذا إذن نعاقَب على ذلك؟ وإذا ما كانت هذه الحياة فانية فلماذا يعاقب الناس بالخلود في النار وليس لمدة محددة إذا ما كانوا غير مؤمنين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن تقدير الله تعالى لأحد أنه يدخل النار ليس يعني أنه قد أجبره على الكفر حتى يتحقق في الآخرة دخول ذلك الكافر النار، وهذا ليس اعتقادًا صحيحًا بل الله تعالى منزَّه عنه، وإنما الواقع أن الله تعالى قد علِم ما سيفعله خلقه في حياتهم الدنيوية، وقد أمر عز وجل القلمَ أن يكتب ذلك العلم الذي سيحصل من خلقه، ولم يُطلع الله تعالى على ذلك العلم ملَكاً مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا، فلا أحد يعلم ماذا كُتب له أو عليه في اللوح المحفوظ، وهو يدل على أن ما يحتج به بعضهم بالقدَر لا قيمة له، فالعبد مكلَّف بالإيمان والعمل، وسيجازيه ربُّه تعالى يوم القيامة على ما قدمت يداه لا على ما كتبه الله تعالى عليه في اللوح المحفوظ، وقد أقام الله عز وجل الحجة على خلقه بإرساله الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) النساء/165، ولولا ذلك لكان لهم حجة على الله تعالى، والله تعالى منزَّه – أصلًا – أن يعاقب أحدًا إلا على ما عمل بعد أن يقيم عليه الحجة، ولذا كان الذين لم تصلهم الرسالات أو كانوا غير مكلفين عند إرسال الرسل يحتجون على الله تعالى يوم القيامة، والله تعالى سيختبرهم في تلك الدار، وأما في الدنيا: فإنه مَن جاءه البلاغ وهو مكلَّف: فليس له عند الله تعالى حجة يوم القيامة، وهو تعالى قد أوضح له طريق الحق والضلال وخيَّره بين سلوك الطريق الأول وله الجنة، أو الثاني وله النار، ولم يُجبره على أن يسلك أحد الطريقين، قال تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ) الكهف/ 29 – 31.

هذا هو اعتقاد المسلمين، ولا مجال فيه لأحد أن يطعن عليه أو يستشكله، ومن يفهم أركان القدَر لم يقع في شباك الوسوسة ولم يسلك طريق الانحراف، وهذه المراتب هي: العلم، ثم الكتابة، ثم المشيئة، ثم الخلق.

ثانيًا:

وأما الجواب عن عذاب النار وأنها أبدي سرمدي ولم لا يكون مؤقتًا: فالجواب عليه من وجوه:

  1. أن هذا الاعتقاد موجود في الأديان كلها التي يعتقد أهلها بالجنة والنار.
  2. أن الطاعن في هذا الاعتقاد لا يخلو من كونه أحد رجلين إما مسلم أو ملحد، فإن كان مسلما فلم يخالِف؟! وإن كان ملحدًا فلم يخاف؟! فالذي يؤمن بربِّه تعالى ويؤمن بهذا الوعيد فحريٌّ به أن لا يخالف شرع الله تعالى وعليه أن يأتي بالمأمور ويترك المحظور وإلا تعرَّض لوعيد من قد آمن به ربًّا وهو يعلم أن وعيد الله حق وقد توعد ربه تعالى من مات على الكفر الأكبر أو الردة أنه يخلَّد في نار جهنَّم أبدًا فعليه الحذر من ذلك وأن لا يموت إلا مسلمًا كما أمره ربه تعالى، وأما غير المؤمن بالله تعالى فلم يخاف من هذا العقاب السرمدي وهو لا يؤمن أصلًا برب ولا بجنة ولا نار؟! وبيننا وبين هذا الملحد يوم القيامة لنرى مَن سينجيه مِن رب السموات والأرض في يوم يقول فيه خواص الناس من المرسلين ” ربِّ سلِّم ربِّ سلِّم “، وأما إن كان المعترض يهوديًّا أو نصرانيًّا فهم يعتقدون أن مخالفيهم سيخلدون في نار جهنَّم فلا نظنهم يعترضون! فقد قال تعالى عنهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى ) البقرة/ 111، فاليهود قالت لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، والنصارى قالت لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا، وكل واحد منهم لا يشك أنه مهتدي ناجٍ وأن مخالفه ضال هالك، وإذا كان حكمهم على بعضهم بعضًا فمن الأكيد سيكون حكمهم كذلك على المسلمين! ويكفي للرد عليهم ما قاله الله عز وجل بعدها مباشرة ( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين. بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة/ 111، 112.
  3. ومن أسباب استحقاق هؤلاء الكفار للخلود الأبدي في النار: ما أخبر الله تعالى به عنهم أنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لعادوا للكفر والضلال.

 

 

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وذكر ابن القيم سفسطةً للدهريين هي قولهم: ” إن الله أعدل من أن يعصيه العبد حقبًا من الزمن فيعاقبه بالعذاب الأبدي “، قالوا: ” إن الإنصاف أن يعذبه قدر المدة التي عصاه فيها “.

ثم قال – في ردها -:

وأما سفسطة الدهريين التي ذكرها – أي: ابن القيم – استطرادًا: فقد تولى الله تعالى الجواب عنها في محكم تنزيله، وهو الذي يعلم المعدوم لو وُجد كيف يكون، وقد علم في سابق علمه أن الخُبث قد تأصل في أرومة هؤلاء الخبثاء بحيث إنهم لو عُذبوا القدْر من الزمن الذي عصوا الله فيه ثم عادوا إلى الدنيا لعادوا لما يستوجبون به العذاب، لا يستطيعون غير ذلك، قال تعالى في سورة الأنعام ( وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) الأنعام/ 27 ، 28. ” مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ”  الشيخ أحمد بن محمد الأمين ( ص 59 ).

  1. وبحسب حال العبد في الدنيا من الطيب والخبث دوامًا وانقطاعًا يكون حاله في الآخرة مع الجنة والنار.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولما كان النَّاس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب: كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة؛ فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد؛ فإنهم إذا عُذبوا بقدر جزائهم: أُخرجوا من النار فأُدخلوا الجنَّة، ولا يبقي إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض.  ” الوابل الصيب ” ( ص 24 ).

 

والله أعلم.

يريدون ترحيله من ” أستراليا ” فهل له أن يأخذ من أموال شركاتهم دون علمهم؟

يريدون ترحيله من ” أستراليا ” فهل له أن يأخذ من أموال شركاتهم دون علمهم؟

السؤال:

إنني أعيش في أستراليا، وقد أتيت إليها كطالب منذ أربع سنوات، وقد أتت أسرتي أيضًا منذ عام، كما أنني أريد أن أستخرج تأشيرة دخول لزوجتي لتدرس وتعمل هنا ولكنهم لم يوافقوا على ذلك ولم يعطوني هذه التأشيرة، وفي نهاية المطاف رفضوا وقالوا: إن علينا الرحيل، أريد فقط أن أسأل: إنني بعد أن أعطيتهم جميع النفقات جاءوا بعد أربع سنوات ليقولوا إنهم رفضونا وإننا يجب أن نغادر بدون سبب، سؤالي هو: إنني كنت أستخدم بطاقات ائتمان وإذا ما سألوني الرحيل فإنني لن أعيد المال لهم، وإذا لم يسمحوا لنا فإنني لن أدفع لهم، كما أنني حصلت على اتصالات هاتفية كنت أدفع لها شهريًّا ولن أكون قادرا على الدفع لها أيضًا، أعرف أن ذلك لن يكون جيِّداً للوصول إلى بلد غير مسلم في المستقبل ولكننهم إذا سمحوا لي بالبقاء فإنني سوف أدفع لهم ما يريدون أو إذا سمحوا لي بالزيارة مرة أخرى، فماذا تقولون في هذا الأمر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب على المسلم أن يكون مثالًا حسنًا للأمانة والوفاء بالعهد وحسن الأخلاق، وقد كان اتصاف المسلمين بهذه الصفات سببًا لدخول الكثير من الكفار في الإسلام لمّا رأوا محاسن الإسلام وحسن خلق أهله.

والغدر والخيانة محرمان في الإسلام سواء كان ذلك مع المسلم أم مع الكافر، والواجب على المسلم احترام العقد الذي بينه وبين البلاد التي هو فيها أو يسافر إليها، حتى لو كانت كافرة، فإن كفرها لا يبيح نقض عهدها ولا خيانتها وأكل أموالها بالباطل.

وما دامت تلك الدولة قد أمَّنت المسلم الداخل إليها، وتحميه وتحافظ عليه وعلى أمواله: فالواجب عليه أن يكون أميناً تجاه تلك الدولة، فلا يجوز له خيانتها ولا غشها، وإن كان الغدر والخيانة وأكل المال بالباطل لشركات ومؤسسات داخل تلك الدولة الكافرة فهو أوضح بالتحريم؛ لأنها شركات ومؤسسات مستقلة عن الدولة.

وعليه: ولما سبق نقول للأخ السائل:

إن تلك البلاد من حقها أن تُدخل من تشاء من الناس وتمنع من تشاء، ومن دخل من المسلمين ديارهم فلا يحل له غدرهم وخيانتهم لا للدولة ذاتها ولا لمواطنيها ولا لمؤسساتها وشركاتها، وليس له عليهم حق أن يقبلوا دخول أهله في ديارهم أو أن يبقوه فيها إلى ما لا نهاية، وهو قد رضي عند دخوله تلك البلاد قوانينهم وأنظمتهم، ولذا فكونهم لم يسمحوا لك بإحضار بعض أهلك، أو أنهم قد قرروا ترحيلك: كل ذلك لا يجيز لك خيانة شركات الهاتف وشركات بطاقات الائتمان، بل عليك أن تؤدي ما عليك من حقوق مالية لهم، وليس لك أن تغدر بهم فتستولي على أموالهم.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وأما خيانتهم: فمحرمة; لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بتركه خيانتهم, وأمنه إياهم من نفسه, وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ, فهو معلوم في المعنى. انتهى.

– وكلامه رحمه الله في الكفار المحاربين، فأولى أن يكون في غير المحاربين منهم.

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدرًا؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدَّى إلى أهلها مسلِمًا كان أو كافرًا، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة.

 

وأخيرًا: فإن خروج المسلم من تلك الديار فيه خير له ولأهل بيته؛ لأنه لا يخفى على أحدٍ ما وصلت إليه تلك الديار ومثيلاتها من الانحلال والفساد في العقائد والأخلاق، ولم يعُد بإمكان المسلم الحريص على دينه الالتزام بالشرع فيها، ولا يقدر على تربية أولاده وهو بين ظهرانيهم، فالخير له – إن شاء الله – أن يدعها ويرحل إلى بلد مسلم يلتزم فيه بشرع ربه تعالى ويربِّي أولاده على الاستقامة والأخلاق الفاضلة.

 

والله أعلم.

هل يجوز له العمل في صيانة طائرات المسافرين ويُشرب فيها الخمر؟

هل يجوز له العمل في صيانة طائرات المسافرين ويُشرب فيها الخمر؟

السؤال:

أنا أعمل تقنيًّا في شركة متخصصة في نقل المسافرين جوًّا، وهذه الشركة تقدم الخمور للمسافرين، علمًا أن عملي هو تقني إصلاح الكراسي وكل ما يتعلق بالطائرة، فهل أنا مشترك معهم بالإثم؟ وهل مالي حرام؟ علماً أني سألت شيخًا عندنا فقال لي: إنني بعيد كل البعد عن الحرام.

 

الجواب:

الحمد لله

لا حرج من العمل في صيانة الطائرات التي تنقل المسافرين، ولا تعلق لذات العمل بما يُقدَّم فيها من مطعومات أو مشروبات محرَّمة؛ لأن الطائرات تلك أصل عملها مباح وهو نقل المسافرين من جهة إلى أخرى – وهو أمر دخل في باب الضرورة لكثير من الناس – كما لا تعلق للعمل في مجال صيانة السيارات وتصليحها بما يفعله صاحبها من الذهاب إلى أماكن محرمة أو ما يحدث فيها من سماع للمحرمات.

وتكون الصيانة عملًا محرَّمًا إذا كانت الطائرات حربية تستعمل في الحروب الظالمة، أو كانت السيارات خاصة ببنوك أو كنائس أو مصانع خمر وما يشبهها، فيكون الأمر حينئذٍ تعاوناً على الإثم والعدوان، كما تكون الصيانة عملاً محرَّماً إذا كانت لأجهزة الفيديو وغيرها مما يُستمع ويُرى من خلالها المشاهد والمقاطع الصوتية المحرَّمة.

والخلاصة: لا حرج في العمل في صيانة الطائرات التي تنقل المسافرين، وإنما يقع إثم تقديم الخمور على الدولة التي سمحت بهذا وعلى شركات الطيران ومن قدَّم الخمر من موظفي الطائرات.

 

والله أعلم.

 

بينها وبين أسرة زوجها خصومة فهل تسافر معهم للعمرة؟ وهل تصلي الفرض في السيارة؟

بينها وبين أسرة زوجها خصومة فهل تسافر معهم للعمرة؟ وهل تصلي الفرض في السيارة؟

السؤال:

قرر زوجي أداء العمرة مع أفراد أسرته، إنني أيضًا أريد أن أؤدي العمرة ولكن ليس مع أسرته؛ لأنهم يجرحونني كثيرًا ويغضبونني، كما أن العمرة هي عبادة يجب أن نؤديها بخشوع وإخلاص، إذا ذهبت معهم فإنني أخاف أن لا أكون قادرة على التركيز في العبادة بشكل كاف، والأكثر من ذلك لا أحد منهم يصلي الصلوات الخمس لذلك فإنني أخاف على صلاتي بالرغم من أنني أحافظ على وضوئي وأصلي في أي مكان حتى في الأتوبيس أو السيارة عند السفر، هل أعتبر ذلك فرصة ذهبية وأذهب معهم أم علي أن أنتظر حتى أجد فرصة أخرى لاحقًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا كان حال أسرة زوجك كما تذكرينه عنهم فلا ننصحك بالذهاب معهم لأداء العمرة، ونرى أن انتظار فرصة أخرى أفضل من هذه هو الأولى لك؛ لأن من طبيعة السفر أن يُسفر عن أخلاق الناس وهذا لمن لم يكن معروفاً عنه شيء في أخلاقه، وأما من كان يُعرف بسوء الخلق فإن السفر معه مجازفة كبيرة، ويُخشى من ازدياد سوء أخلاقه في سفره ذاك، ولذا فإننا نخشى عليه من آثار السفر مع أسرة زوجك، وقد يتسببون لك في قطيعة أبدية بينك وبينهم مما يؤثر على علاقتك بزوجك، فنرى أن يذهب هو وحده معهم دون أن ترافقيه، وأن تعوضي ذلك بالتفرغ للطاعة والعبادة في بيتك فهو لا شك خير لك من مثل تلك السفرة.

ومع هذا فإننا نرى أنه يجب عليك وعلى زوجك وضع حدٍّ للخصومة بينك وبين أسرة زوجك؛ لما له من آثار سيئة على حياتكما وحياة أولادكما، فضلا عما فيه من اكتساب آثام بسبب ما يحصل من قطيعة وغيبة وقبح كلام، وإذا لم يمكن إصلاح الوضع بالكلية فلا أقل من الالتزام بعدم إظهار الخصومة والوقوع في المعاصي القولية والفعلية، فنرجو أن يسعى زوجك بما هو خير له ولأسرتيه، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه رضاه، وأن يرزقنا وإياك حسن الأخلاق وجميل الفعال.

 

 

ثانيًا:

ونريد تنبيهك على قولك إنك تصلين في أي مكان حتى في السفر حتى في السيارة: أن هذه الصلاة إن كانت فريضة فلا يجوز لك أداؤها فيها؛ لأن الصلاة في السيارة تقتضي منك ترك بعض أركان الصلاة كالقيام والركوع، وتقتضي – غالبًا – تخلف بعض شروطها كالاتجاه للقبلة، ولذا فإنه لا يجوز أداء صلاة الفريضة في السيارة بل يجب النزول منها والالتزام بشروط الصلاة وأركانها، وإنما يعد الصلاة في السيارة للفرض عذرًا في حال عدم توقفها وخشية خروج وقت الصلاة أو الصلاتين المجموعتين، أو في حال عدم استطاعة النزول من السيارة، وللعلم فإنه يجوز صلاة النوافل في السيارة حتى مع استطاعة النزول منها.

 

 

والله أعلم.

مسألة في الميراث وهي أحد صور ” المناسخة “

مسألة في الميراث وهي أحد صور ” المناسخة ”

السؤال:

طلقها زوجها عن طريق الهاتف في حالة غضب، وكان مسافرًا خارج البلد، وعاد بعد أسبوعين من الطلاق، ثم أصيب بجلطة في المخ ودخل في غيبوبة لمدة (3شهور ) تقريبًا، ثم أفاق، وبعد عدة أيام توفت ابنته، ثم توفي بعدها بأيام، فهل ترث الزوجة منه ومن ابنتها؟ وكيفية حساب الميراث علمًا بأن له أختا أيضًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الطلاق في الغضب إذا كان الزوج المطلِّق يدري ما يقول ولم يُغلَق عليه بسبب غضبه فإن طلاقه يقع.

 

ثانيًا:

الزوجةُ هي: من كانتْ في عصمةِ الرجلِ في نكاح قائم أو في فترة طلاقٍ رجعي, فوقوع الطلاق الرجعيِّ عليها لا يعني ذهاب اسم الزوجية, أمَّا إذا كانَ الطلاق طلاقا بائناً فإنه يزول عنها اسم الزوجة وتزول أحكام الزوجية، ومنها عدم التوارث بينهما.

 

ثالثًا:

هذه المسألة من مسائل ” المناسخة “, وهي: أن يموتَ وارثٌ فأكثرَ قبل قسمةِ التركة، ولها حالات عديدةٌ ما يهمُّنا هنا هو الحالة الأولى من حالات المناسخة, وهي: أن ينحصرَ ورثةُ الميت الثاني فمَن بعدَهُ في ورثةِ الميت الأول، فالذي ماتَ أولًا هي البنت, ثم ماتَ الثاني وهو الأب, ونرى هنا: أن ورثةَ الميت الثاني – الأب – هم ورثة الميت الأول – البنت – والورثةُ هم: الأم والعمة باعتبار وفاة البنت, أو هم: الزوجةُ والأخت باعتبار وفاة الأب.

* وحلُّ المسألة عندَ أهل العلمِ: أن تقسَّم التركةَ كأن الميت الأول هو الذي هلكَ عنهم, فيجبُ علينا تقسيم التركةِ أولًا حتى لا تضيعَ الحقوق, فأصلُ المسألة من ” ثلاث”:

للأم سهم ، وهو الثلث؛ لعدم وجود الفرع الوارث وعدم الجمع من الأخوة والأخوات, قال تعالى ( فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمِّه الثلث ).

للأب سهمان، وهو ما تبقى من التركة؛ لأنه ” عصَبة “، ولعدم وجود الفرع الوارث مطلقًا, قال تعالى ( فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمِّه الثلث ) ولم يذكر نصيبَ الأب, فدلَّت الآية أن ما تبقى فللأب.

وأمَّا العمَّة فليسَ لها شيءٌ؛ لأنها محجوبةٌ بالأب.

ثم بعدَ ذلكَ تقسَّم تركةُ الأب على الورثة, وهم: الزوجة والأخت, وأصل المسألة من ” أربع “:

فللزوجة سهم، وهو الربع ؛ لعدم وجود الفرع الوارث, قال تعالى ( ولهنَّ الربعُ ممَّا تركْتُمْ إن لمْ يكنْ لهنَّ ولدٌ ).

وللأخت سمهان، وهو النصْف؛ لانفرادها ولعدمِ وجودِ من يحجبها, قال تعالى (قل الله يفتيكم في الكلالةِ إن امرؤٌ هلكَ ليسَ له ولها أختٌ فلها نصفُ ما ترك ).

 

– وما بقيَ من المالِ فإنه يُعطَى لذوِي الأرحام.

 

 

والله أعلم.

الأخبار المستقبلية في القرآن والسنَّة وتحقق وقوعها من أدلة صدق هذا الدِّين

الأخبار المستقبلية في القرآن والسنَّة وتحقق وقوعها من أدلة صدق هذا الدِّين

السؤال:

لقد جرى حوار بيني وبين مسيحي حول الإسلام والمسيحية، ومما قاله هذا المسيحي أن الإسلام من وحي الشيطان، ودار نقاش بيننا حتى انتهينا إلى أن الشيطان لا يعرف المستقبل، وقلت له: ما رأيك في النبوءات التي جاءت في الإسلام والتي حدثت بعد ذلك موافقة للآية الكريمة، فرد قائلًا إن النبوءات الموجودة في الأحاديث ليس لها اعتبار فقد تكون مجرد تخمينات أو محض صدفة فقط.

وسؤالي هو: ما هي النبوءات التي وردت في القرآن الكريم وتحققت بعد نزول الآية؟ وكيف نثبت صحة النبوءات التي وردت في الأحاديث الشريفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها غير موضوعة ولا مجرد تخمينات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جعل الله تعالى للحق منارات متعددة متنوعة وكلها تدل على الحق الذي أرسل الله تعالى به رسله الكرام عليهم السلام، وهذه المنارات تدل على صدق المرسَل وصدق المرسَل به لتقوم به الحجة على المخالف ويطمئن قلب المتبع.

ومما يتعلق بهذا الأمر ما جاء في سؤال الأخ الفاضل وهو المتعلق بمنارات جعلها الله تعالى دالَّة على أن القرآن وحي رب العالَمين وأنه لم يكن لبشر قدرة على أن يقول بمثله، ومن الأدلة التي جعلها الله تعالى علامات على ذلك : ما في القرآن من أخبار عن المستقبل والتي وقعت كما أخبر بها الرب عز وجل، وهي كثيرة نذكر منها:

  1. انتصار الروم على الفرص بعد هزيمتهم من قبَلهم أول الأمر.

قال تعالى ( غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ… ) الروم/ 2 – 4 إلى قوله ( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الروم/ 6.

– و ” بِضع ” في اللغة: هي ما بين ثلاث وتسع، وقد جاء انتصار الروم على الفرس بعد سبع سنين من نزول الآية.

 

 

 

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله ( وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ) أي: هذا الذي أخبرناك به – يا محمد – مِن أنا سننصر الروم على فارس وعد من الله حق، وخَبَر صدق لا يُخلف، ولا بد من كونه ووقوعه. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 305 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها اللّه قبل وقوعها ووجدت في زمان من أخبرهم اللّه بها من المسلمين والمشركين، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أن ما وعد اللّه به حق فلذلك يوجد فريق منهم يكذبون بوعد الله، ويكذبون آياته.

” تفسير السعدي ” ( ص 636 ).

  1. انتصار المسلمين في معركة ” بدر “:

قال تعالى ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) القمر/ 45.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وهذا مِن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. ” تفسير القرطبي ” ( 17 / 146 ).

* وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وهذا بشارة لرسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو يعلم أن الله منجز وعده، ولا يَزيد ذلك الكافرين إلا غرورًا فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته.

” التحرير والتنوير ” ( 27 / 213 ).

  1. موت أبي لهب على الكفر.

قال تعالى ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) المسد/ 1-3.

وفي هذه الآيات إخبارٌ من الله تعالى أن عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا لهب سيموت على الكفر ولن يدخل في الإسلام، وهو أمر غيبي أوحاه الله لنبيِّه عليه الصلاة والسلام، وكان بإمكان أبي لهب أن يعلن إسلامه ليكذِّب هذا الخبر – ولو في الظاهر – لكنه لم يفعل، وقد أحدثت هذه الآيات وقعًا عظيمًا على بعض الكفار الذين أرادوا البحث في القرآن عن أخطاء ليشككوا المسلمين بكتاب ربِّهم تعالى، فأبهرتهم هذه الآية – من ضمن آيات كثيرة – فما كان من هذا الراغب بالتشكيك بالقرآن إلا أن يُعلن إسلامه ويصير من الدعاة للإسلام، وهو الدكتور ” جاري ميلر “، ومما قاله في صدد هذه الآيات:

“هذا الرجل – أبو لهب – كان يكره الإسلام كرها شديدًا لدرجة أنه كان يتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم أينما ذهب ليقلل من قيمة ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم, إذا رأى الرسول يتكلم إلى أناس غرباء فإنه ينتظر حتى ينتهي الرسول من كلامه ليذهب إليهم ثم يسألهم ماذا قال لكم محمد؟ لو قال لكم أبيض فهو أسود! ولو قال لكم ليل فهو نهار! والمقصد أنه يخالف أي شيء يقوله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ويشكك الناس فيه.

وقبل ( 10 سنوات ) من وفاة أبي لهب نزلت سورة في القرآن اسمها ” سورة المسد “, هذه السورة تقرر أن أبا لهب سوف يذهب إلى النار, أي بمعنى آخر: أن أبا لهب لن يدخل الإسلام، وخلال عشر سنوات كاملة كل ما كان على أبي لهب أن يفعله هو أن يأتي أمام الناس ويقول ” محمد يقول إني لن أسلم وسوف أدخل النار ولكني أعلن الآن أني أريد أن أدخل في الإسلام وأصبح مسلمًا, الآن ما رأيكم هل محمد صادق فيما يقول أم لا؟ هل الوحي الذي يأتيه وحي إلهي؟ “، لكنَّ أبا لهب لم يفعل ذلك تمامًا رغم أن كل أفعاله كانت هي مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه لم يخالفه في هذا الأمر، يعني القصة كأنها تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي لهب أنت تكرهني وتريد أن تُنهيني؟ حسنًا لديك الفرصة أن تنقض كلامي! لكنه لم يفعل خلال عشر سنوات كاملة! لم يسلم ولم يتظاهر حتى بالإسلام! عشر سنوات كانت لديه الفرصة أن يهدم الاسلام بدقيقة واحدة! ولكن لأن الكلام هذا ليس كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه وحي ممن يعلم الغيب ويعلم أن أبا لهب لن يسلم.

كيف لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يعلم أن أبا لهب سوف يثبت ما في السورة إن لم يكن هذا وحيٌ من الله؟ كيف يكون واثقا خلال عشر سنوات كاملة أن ما لديه حق لو لم يكن يعلم أنه وحي من الله؟ لكي يضع شخص هذا التحدي الخطير ليس له إلا معنى واحد ” هذا وحي من الله “.

انتهى بتصرف يسير من:

http://www.midad.me/arts/view/15449

 

ثانيًا:

وما قيل في القرآن يقال في السنَّة النبويَّة، فقد جاءت السنَّة بمسائل من الغيب أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من ربِّه تعالى، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، ومما ثبت في ذلك:

  1. قوله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة رضي الله عنها ( وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ) رواه البخاري ( 3426 ) ومسلم ( 2450 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة عليها السلام كانت أول مَن مات مِن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعده حتى مِن أزواجه.  ” فتح الباري ” ( 8 / 136 ).

  1. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ ( إِنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ).

رواه البخاري ( 3430 ).

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قوله ( فئتين عظيمتين ) ووصفهما بالعظيمتين لأن المسلمين كانوا يومئذ فِرقتين: فِرقة مع الحسن رضي الله تعالى عنه، وفرقة مع معاوية، وهذه معجزة عظيمة من النبي حيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر. ” عمدة القاري ” ( 13 / 282 ).

  1. عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ ( يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ ) قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ ( فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ) قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ ( وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى ) قُلْتُ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟ قَالَ (كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ) قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ) قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ ). رواه البخاري (3400 ). وآخر الحديث عند أحمد في ” مسنده ” ( 30 / 197 ): ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا “.

( الحَيْرَة ): بلد معروف قديما مجاور للكوفة.

( الظَّعِينَة ): المرأة في الهودج.

والحديث واضح الدلالة فيما نحن فيه، وقد تحققت النبوءة الثالثة في زمن الخليفةِ الراشدِ عمر بن عبد العزيز، وقد ذكر الإمامُ البخاري هذا الحديثَ تحت باب ” علامات النبوَّة في الإسلام “.

 

 

والله أعلم.

حكم دعاء أن لا يتزوج زوجها عليها وحكم طلب الطلاق منه إذا فعل وأحوال الحنث في اليمين

حكم دعاء أن لا يتزوج زوجها عليها وحكم طلب الطلاق منه إذا فعل وأحوال الحنث في اليمين

السؤال:

تزوجت منذ ثلاث سنوات، ولكن المشاكل بيني وبين زوجي منذ البداية، حتى أنه قد طلقني مرتين، إنه سريع الغضب، ويضربني أحيانًا، ومنذ أسبوعين فقط قال لي إنه يريد الزواج بثانية، إنني لا أستطيع تحمل ذلك، وإن كنت أعلم أنه حق كفله له الشرع ولكنه أمر صعب على نفسي، ومما زاد عدم تقبلي للأمر أني أعرف هذه المرأة التي يريد الزواج بها، إنها إحدى صديقاتي، وقد سألتها عن رأيها في الموضوع بل ونصحتها بأن لا تتزوجه، وقلت لها: سأدعو الله لك بأن يرزقك زوجًا خيرًا منه، وقد علم زوجي بكل هذا فغضب وقال إن هذه معصية كبيرة وما كان ينبغي لي أن أفعل ذلك.

أسئلتي هي:

– هل يجوز أن أدعو الله عليهما فلا يتزوجا؟.

– هل ما فعلته من حديثي معها ومحاولة صرفها جائز؟.

– هل يجوز لي أن أطلب الطلاق إذا تزوجها؟.

– لو حلفتُ على شيء ثم نكثت يميني فهل هذه كبيرة من الكبائر؟ وماذا يجب عليّ حينئذٍ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا مانع من دعاء الزوجة أن لا يتيسر زواج زوجها من صديقتها إذا كان ذلك الزواج يشق عليها تقبله، وما فعلتِه من حديثك مع صديقتك تلك لا يظهر لنا أن فيه مخالفة للشرع، وأنتِ قد أردتِ لها الخير ولم يكن منك دعاء عليها بأن لا تتزوج مطلقًا -وهو الذي فيه إثم- بل إنكِ قد أخبرتِها أنك ستدعين لها بأن يرزقها الله تعالى زوجًا غيره خيرًا منه، وعليه: فقول الزوج إن ما فعلتِه من الحديث معها هو معصية كبيرة ليس صوابا، بل إننا نرى أن دعاءك بعدم زواجه منها أمر مباح لا إثم فيه – وكذا يباح لك الدعاء بأن لا يتزوج عليكِ عمومًا، ولا يباح لك الدعاء عليه بالضرر أو الفقر لئلّا يستطيع الزواج؛ فإن هذا دعاء بإثم، وكذا لا يجوز لك الدعاء عليه أن لا يتزوج إن كان محتاجًا للزواج وهو قادر عليه -، ونرى وجوب نصحها بعدم الزواج منه تحديدًا إن كان – كما تقولين – سريع الغضب وأنه يضربك من غير مسوِّغ شرعي، أو أنه يضربك ضربًا مبرِّحًا.

ثانيًا:

وطلب الزوجة الطلاق من غير سبب يبيح لها ذلك من كبائر الذنوب؛ لما روى ثَوْبَانُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّة ) رواه الترمذي ( 1187 ) وصححه وأبو داود ( 2226 ) وابن ماجه ( 2055 ).

ولا يجوز للزوجة طلب الطلاق لمجرد تزوج زوجها عليها؛ لأن عليها أن تتحمل وتصبر، فإذا هي طلبت الطلاق فإنها تدخل في النهي الوارد في الحديث.

* سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله – :

هل يجـوز للزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا تزوج عليها؛ لعدم وجود الصبر عندها؟.

فأجاب:

لا يجوز لها ذلك، وورد في الحديث يقول صلى الله عليه وسلم ( ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها، ولتنكح، ولها حظه ) أو كما قال، فعليها أن تتحمل وتصبر، وفي الحديث ( أيما امرأة سألت الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة ) عليها أن تتحمل، وتصبر، سيِّما إذا كان الزوج عادلا قائما بما يجب عليه.

http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=145888

وأما طلبها للفراق إذا حصل الزواج من أخرى وتعذَّر عليها الصبر ولم تستطع تحمُّل ذلك نفسيًّا أو بدنيًّا حتى أدَّاها ذلك إلى أنها لم تستطع أن تعطي زوجها حقَّه: فحينئذٍ تكون معذورة في طلبها للفراق.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فإذا تعذَّر الصبر على الزوج وخافت المرأة أن لا تقيم حدودَ الله الواجبةَ عليها لزوجها: فلا بأس أن تطلب الطلاق. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 346 ).

والطلاق هنا ليس المقصود به الطلاق الذي تأخذ معه مهرها، بل المقصود به ” الخلع “، وهو أن تفتدي نفسها منه بما دفع لها من مهر أو أكثر؛ لأنه لا يُجمع لأحد الزوجين بين الكراهية وأخذ المهر، فإذا كرهها الزوج أعطاها مهرها، وإذا كرهته هي فتعطيه مهره الذي بذله لها.

 

ثالثًا:

وأما بخصوص الحِنث في اليمين – وهو مخالفة المحلوف عليه – فإن حكمه يكون بحسب ما حلفتِ عليه، وبحسب المحلوف عليه يكون الحِنث واجبًا أو محرَّمًا أو مكروهًا أو مستحبًّا أو مباحًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 30 / 310، 311 ):

تعمد الحنث في اليمين تجري عليه الأحكام الخمسة  

فقد يكون الحنث واجبًا، وذلك إذا كان الحلف على ترك واجب عيني أو على فعل محرم، فإذا حلف مثلًا على أن لا يصلي إحدى الصلوات الخمس المفروضة: وجب عليه الحنث .

وقد يكون الحنث مندوبًا، وذلك إذا حلف على ترك مندوب كسنَّة الضحى أو على فعل مكروه كأن يلتفت بوجهه في الصلاة، فيندب الحنث.

وقد يكون الحنث مباحًا، وذلك إذا حلف على ترك مباح أو فعله كدخول دار وأكل طعام معين ولبس ثوب فقال بعض الفقهاء: الأفضل في هذا ترك الحنث؛ لما فيه من تعظيم الله تعالى .

وقد يكون الحنث حرامًا، وذلك إذا حلف على فعل واجب أو ترك حرام، فعليه أن ينفِّذ ما حلف عليه؛ لقوله تعالى ( وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) النحل/ 91.

وقَد يكون تعمد الحنث مكروها، وذلك إذا حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه.

انتهى.

وأما بخصوص ما يترتب على الحنث في اليمين فإنه حيث وُجد الحِنث في اليمين فإن ذمتة الحانث مشغولة بكفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين وجبة طعام – غداء أو عشاء – ولا يجوز إخراج الكفارة نقودًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 40 ):

لا خلاف بين الفقهاء في أن كفارة اليمين لا تجب إلا بالحنث فيه، ولا خلاف بينهم في أن موجِب الحنث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين، وذلك بفعل ما حلف على عدم فعله، أو ترك ما حلف على فعله، إذا عُلِم أنه قد تراخى عن فعل ما حلَف على فعله إلى وقت لا يمكنه فيه فعله، ولا خلاف على وجوب الكفارة بالحنث في اليمين المعقودة على أمر في المستقبل نفياً كان أو إثباتًا.

 

والله أعلم.

التعليق على أسلوب بعض الخطباء في إضحاك المصلين في خطبة الجمعة

التعليق على أسلوب بعض الخطباء في إضحاك المصلين في خطبة الجمعة

السؤال:

في بعض الأحيان عندنا هنا في ” الولايات المتحدة ” يوجد بعض الخطباء البارعون لكنهم فكاهيون في نفس الوقت، فتراه يقول بعض الأشياء والتي هي صحيحة في معناها وأصلها ولكن طريقة عرضه لها تجعل المستمعين يضحكون، فما الحكم هنا؟ هل جمعة هؤلاء صحيحة؟ فحسب علمي أن الكلام والأكل والشرب يفسد الجمعة، فما بالك بالضحك؟!.

 

الجواب:

الحمد لله

ينبغي على الداعية وطالب العلم أن يولي خطبة الجمعة اهتمامًا خاصًّا من حيث وقتها وموضوعها وأسلوب عرضها وطريقة أدائها، وليس أمرها بسعة المحاضرات العامة أو الدروس واللقاءات؛ فإنه يمكنه التبسط مع الحضور والتلاميذ فيها ما لا يمكنه في خطب الجمعة؛ لما لخطبة الجمعة من هيبة عظيمة ومنزلة جليلة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وكذلك كانت خطبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنما هي تقرير لأصول الإِيمان من الإِيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائِه، وذكرِ الجنة، والنار، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب مِن خُطبته إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفة بالله وأيامه. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 423 ).

ومثل هذه المواضيع لا يصلح معها إلا الجديَّة في الطرح والقوة في الأداء، ولا يصلح معها الهزل وإضحاك الناس، وقد يقتضي موضوع الخطبة من الخطيب احمرار عينه ورفع صوته واشتداد غضبه، كما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم إذا اقتضى منه الأمر ذلك، فقد روى مسلم ( 867 ) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ: احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ ” صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ “.

* قال النووي – رحمه الله -:

يُستدل به على أنه يُستحب للخطيب أن يفخِّم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلامه، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند انذاره أمرًا عظيمًا وتحديده خطبًا جسيمًا. ” شرح مسلم ” ( 6 / 155، 156 ).

ومن هذه الأمور العظيمة والخطوب الجسيمة: التذكير بالساعة وبالنار، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 28 / 364 ) من قول جابر: ” ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَتَحْمَرُّ وَجْنَتَاهُ وَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ “.

وروى الإمام أحمد ( 37 / 353 ) – وحسَّنه المحققون – عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَقُولُ ( أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ ) حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ مِنْ مَقَامِي هَذَا، قَالَ: حَتَّى وَقَعَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ.

وفي حال كانت الخطبة بيانًا لأحكام فقهية أو تنبيهًا على سلوك معيَّن فلا يكون ثمة حاجة لرفع صوت ولا احمرار وجه ولا اشتداد غضب، لكن لا ينبغي أن يخرج أسلوب الخطبة عن الجدية، ولكل مقام مقال.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح حديث جابر -:

وإنما كان يفعل هذا لأنه أقوى في التأثير على السامع، فكان صلى الله عليه وسلم يكون على هذه الحال للمصلحة وإلا فإنه من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خُلقًا وألينهم عريكة، لكن لكل مقام مقال، فالخطبة ينبغي أن تحرك القلوب وتؤثر في النفوس وذلك في موضوعها وفي كيفية أدائها. ” شرح رياض الصالحين ” (2/334).

ومع هذا فلا يمنع أن يتبسم الخطيب أحيانًا في حال كان ما جاء به مناسبًا له التبسم، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يخالف ما قلناه من جدية خطبة الجمعة وأهميتها؛ لأن هذا ليس هديًا له صلى الله عليه وسلم في سائر خطبه، ثم إنه لم يُضحك الناس، وقد كان تبسُّمه تعجبًّا، فاختلف الأمر عما نحن في صدد بيان منعه وعدم لائقيته لخطبة الجمعة.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْوَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: قَحَطَ الْمَطَرُ فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَمَا نَرَى مِنْ سَحَابٍ، فَاسْتَسْقَى فَنَشَأَ السَّحَابُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ مُطِرُوا حَتَّى سَالَتْ مَثَاعِبُ الْمَدِينَةِ، فَمَا زَالَتْ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ مَا تُقْلِعُ، ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ: غَرِقْنَا فَادْعُ رَبَّكَ يَحْبِسْهَا عَنَّا، فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ الْمَدِينَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا، يُمْطَرُ مَا حَوَالَيْنَا، وَلاَ يُمْطِرُ مِنْهَا شَيءٌ، يُرِيهِمُ اللَّهُ كَرَامَةَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِجَابَةَ دَعْوَتِه. رواه البخاري ( 5742 ).

 

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

” فضحك ” وفي رواية ثابت ” فتبسَّم “.

” عمدة القاري ” ( 7 / 40 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفيه: جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجُّباً من أحوال الناس.

” فتح الباري ” ( 2 / 507 ).

فالخلاصة: نوصي الخطباء بأن يجعلوا لخطبة الجمعة هيبتها اللائقة بها، وأن تبقى في إطار الجدية والاتزان، وللإخوة الدعاة وطلبة العلم من أهل الظرافة سعة في المحاضرات والدروس.

ثانيًا:

وأما بخصوص حكم جمعة من ضحك في الخطبة فلا يبعد القول ببطلان خطبته؛ لأن القهقهة لا تخرج عن كونها كلامًا أو لعبًا وعبثًا، وكلا الأمرين جاء النص على أن من فعله فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له – على الصحيح من معنى ” اللغو ” -، فقد روى مسلم ( 857 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ مسَّ الحصى فَقَدْ لَغَا )، وروى البخاري ( 934 ) ومسلم ( 851 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه – أيضًا – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمْعَة وَالإِمَامُ يَخْطُب فَقَدْ لَغَوْتَ ).

ومما يؤكد صحة معنى اللغو في الأحاديث أنه لا أجر له على جمعته: حديثان:

  1. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَتَلَا آيَةً وَإِلَى جَنْبِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أُبَيُّ، مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَ: فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي أُبَيٌّ: مَا لَكَ مِنْ جُمُعَتِكَ إِلَّا مَا لَغَيْتَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَلَوْتَ آيَةً وَإِلَى جَنْبِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَسَأَلْتُهُ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي حَتَّى إِذَا نَزَلْتَ زَعَمَ أُبَيٌّ أَنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ جُمُعَتِي إِلَّا مَا لَغَيْتُ؟ فَقَالَ ( صَدَقَ أُبَيٌّ فَإِذَا سَمِعْتَ إِمَامَكَ يَتَكَلَّمُ فَأَنْصِتْ حَتَّى يَفْرُغَ ). رواه أحمد ( 36 / 60 ) وصححه المحققون.
  2. عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ ( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ – إِنْ كَانَ لَهَا – وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا ). أبو داود ( 347 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في بيان خصائص الجمعة -:

الخاصة التاسعة: الإِنصات للخطبة إذا سمعها وجوبًا، في أصح القولين، فإن تركه: كان لاغيًا، ومن لغا: فلا جمعة له، وفي ” المسند ” مرفوعًا ( والذي يقول لِصاحِبِه أنصِتْ، فَلا جُمُعَةَ لَهُ ). ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 377 ).

وقد أجمع العلماء على بطلان صلاة من قهقه في صلاته واختلفت اتجاهاتهم في تخريج سبب ذلك، فمنهم من قال لأن القهقهة فيه إذا كان صدرت من صاحبها فبان منه حرفان فما فوق فهو كلام، وهذا قول جمهور العلماء، ومن لم يجعل القهقهة مبطلة للصلاة من باب أنها كلام فهي عنده لعب وعبث، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وكما أن الصلاة تنزه عن الكلام والعبث فكذاك خطبة الجمعة.

* قال ابن المنذر – رحمه الله -:

أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة .

” الأوسط ” ( 3 / 254 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

مذهبنا: أن التبسم لا يضر، وكذا الضحك إن لم يبن منه حرفان، فإن بان: بطلت صلاته، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلانها بالضحك، وهو محمول علي من بان منه حرفان. ” المجموع ” ( 4 / 89 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما القهقهة ونحوها: ففيها جوابان:

أحدهما: أن تدل على معنى بالطبع.

والثاني: أنا لا نسلم أن تلك أبطلت لأجل كونها كلاما؛ يدل على ذلك: أن القهقهة تُبطل بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وهذه الأنواع – يعني: مثل التأوه والأنين والبكاء – فيها نزاع، بل قد يقال: إن القهقهة فيها أصوات عالية تنافي حال الصلاة وتنافي الخشوع الواجب في الصلاة فهي كالصوت العالي الممتد الذي لا حرف معه، وأيضًا: فإن فيها من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض مقصودها فأبطلت لذلك لا لكونه متكلمًا، وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلامًا وليس مجرد الصوت كلامًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 618 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والقول الراجح: أن الصَّلاة لا تبطل بذلك – يعني: بمثل النحنحة والأنين -، ولو بَانَ حرفان؛ لأن ذلك ليس بكلام، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إنما حَرَّم الكلام، اللَّهُمَّ إلا أن يقع ذلك على سبيل اللعب، فإن الصلاة تبطل به؛ لمنافاته الصلاة فيكون كالقهقهة.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 368 ).

وعليه: فلا يخرج الضاحك في خطبة الجمعة بالقهقهة من كونه متكلمًا أو عابثًا بفعله ذاك، ولا يبعد بطلان جمعته عليه، وإذا كان الخطيب قد تعمَّد إضحاك المصلين فعليه وزرهم، وإذا لم يكن هو السبب فلا يتحمَّل شيئًا، وفي حال مشاركة الخطيب للمصلين في الضحك فلا نجزم ببطلان جمعته؛ لأن الكلام ومس الحصى إنما يُمنع منه الحاضرون للخطبة لا الخطيب نفسه، لكنه لن يخرج منها سالمًا.

مع التنبيه أننا لم نجد فيما اطلعنا عليه من كتب أهل العلم من نصَّ على حكم ضحك الحاضرين لخطبة الجمعة، ولذلك لم نذكر مرجعًا نحيل عليه، ولذلك – أيضًا – لم نجزم بالحكم وإنما قلنا ” لا يبعد القول ببطلان جمعة من ضحك فيها ” وليس يعني هذا – كما نبهنا عليه سابقًا – بطلان صلاته بل المراد بطلان أجر جمعته.

 

 

والله أعلم.

ما حكم من ولد لأبويْن مسلميْن ثم ارتدَّ قبل بلوغه أو بعده؟

ما حكم من ولد لأبويْن مسلميْن ثم ارتدَّ قبل بلوغه أو بعده؟

السؤال:

أرجو إجابة على سؤالي بالتفصيل والتوضيح؛ لأهميته الخاصة عندي، وهذا السؤال نقلًا عن شخص آخر، وهو يقول:

“أؤمن بالله عز وجل، وأنا مسلم، وأعلم أن الإسلام هو خير الأديان وأفضلها، فليس الإسلام اعتقادا كاعتقاد اليهود الذين يظنون أنهم شعب الله المختار، فإذا كانوا شعب الله المختار فلماذا خلق الله ( 5 مليار ) شخصًا ليسوا يهودًا!.

وعلى كلٍّ فالإسلام هو أفضل الأديان وأحسنها، ولكن بخصوص الإكراه في الدين، ألم يقل الله عزوجل ( لا إكراه في الدين )، ويجوز أن يدخل غير المسلم في الإسلام، إذن فلماذا لا يجوز للمسلم أن يتحول لدين آخر خاصة إذا ولد على دين الإسلام ولم يكن له خيار اختيار دين آخر؟.

ولم أرَ في القرآن ما يدل على حد الردة، ولكن ظهر هذا الحد على أيدي جهلاء المسلمين الذين لا يعرفون دين الإسلام حقيقة، أليس كذلك؟”

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الردة هي الرجوع عن الإسلام بقول أو فعل أو اعتقاد، ومن مات عليها حبط عمله وكان جزاؤه النار خالدًا فيها، قال تعالى ( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/ 217.

ويستتاب المرتد، فإن تاب وإلا قُتل كفرًا، وحكم المرتد مجمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه، سوى قول للحنفية في عدم دخول المرأة فيه، وهو قول ضعيف.

ولا يشترط للحد أن يُذكر في القرآن، بل يكفي أن يثبت بنصٍّ من نصوص الوحي، ولا فرق بين نص قرآني ونص حديثي، ونحن نعجب من جرأة الرجل الذي تنقل عنه حيث زعم أن حد الردة ظهر على أيدي جهلاء المسلمين، وبكل حال فالذي يظهر أن قائل تلك العبارات جاهل الشرع فنسأل الله أن يتجاوز عنه.

ثانيًا:

وإذا ثبت أن حكم المرتد القتل كفرًا إذا لم يرجع للإسلام فنبين بعد ذلك أن هذا الحكم لا يتعارض مع النهي عن إكراه الناس على الدخول في الإسلام؛ لأن هذا النهي لا يشمل المرتد عن الإسلام؛ فقد أجمع علماء الإسلام على أن قوله تعالى ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/256 ليس على عمومه، وأنه لا يدخل فيه المرتد، بالإجماع.

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

وأما قول الله تعالى لا إكراه في الدين فلا حجة لهم فيه, لأنه لم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذه الآية ليست على ظاهرها; لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه. ” المحلى” ( 1/ 188 ).

ثالثًا:

– وأما بخصوص تحول المسلم الذي يولد لأبوين مسلميْن عن دين الإسلام عندما يبلغ: فهي مسألة جليلة دقيقة، وينتظم البحث فيها من خلال النقاط الآتية:

  1. أطفال المسلمين تبع لوالديهم المسلمين، ولذا فمن كان له أبوان مسلمان فله حكم الإسلام، فهو يرث ويورث، وإذا مات غسِّل ودفن وصليَ عليه ودُفن في مقابر المسلمين، وهو في الآخرة من أهل الجنة بإجماع أهل العلم.

* قال النووي الشافعي – رحمه الله -:

فمَن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا: استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا.

” شرح مسلم” ( 16/ 208).

* وقال ابن قدامة الحنبلي – رحمه الله -:

الولد يتبع أبويه في الدّين، فإن اختلفا: وجب أن يتبع المسلم منهما كولد المسلم من الكتابية. ” المغني” ( 10/ 91 ).

  1. لا يُشترط لصحة إسلام الصبي البلوغ، بل يصح الإسلام من المميِّز، وهو قول الجمهور، خلافاً للشافعي وزُفَر – من الحنفية -.

*  الكاساني الحنفي – رحمه الله -:

فأما إذا أسلم وهو يعقل الإسلام فلا تعتبر التبعية ويصح إسلامه عندنا.

وعند الشافعي رحمه الله: لا يصح. ” بدائع الصنائع “( 7/ 104 ).

* وقال ابن قدامة الحنبلي – رحمه الله -:

الصبي يصح إسلامه في الجملة، وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق وابن أبي شيبة وأبو أيوب.

وقال الشافعي وزفر: لا يصح إسلامه حتى يبلغ.

” المغني” ( 10/85 ) وفيه رد علمي موفَّق على المخالفين.

والصحيح قول الجمهور:

أ. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يولَدُ عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ).

رواه البخاري ( 1292 ) ومسلم ( 2658 ).

ب. إسلام سيدنا علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة وهم صغار دون البلوغ .

ج.عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ (أَسْلِمْ) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ ). رواه البخاري (1290).

  1. ردة الصبي المميز معتبرة عند الجمهور، سواء كان تابعًا لأبويه أو أنه أسلم بنفسه، خلافًا للشافعي وأبي يوسف لأنهما لا يريان انعقاد إسلامه أصلًا.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

كلُّ مَن تلفظ بالإسلام أو أخبر عن نفسه به ثم أنكر معرفته بما قال: لم يُقبل إنكاره، وكان مرتدًّا، نص عليه أحمد في مواضع.

إذا ثبت هذا: فإنه- أي: الصبي – إذا ارتد: صحَّت ردته، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو الظاهر من مذهب مالك.

وعند الشافعي: لا يصح إسلامه ولا ردته،وقد روي عن أحمد أنه يصح إسلامه ولا تصح ردته. ” المغني” ( 10/ 88 ).

* وقال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله -:

قوله ( وإذا ارتد صبي عاقل صح ) سواء كان إسلامه بنفسه أو تبعًا لأبويه ثم ارتد قبل البلوغ فتحرم عليه امرأته ولا يبقى وارثًا، ولكن لا يُقتل؛ لأن القتل عقوبة، وهو ليس من أهلها في الدنيا.” حاشية ابن عابدين” ( 4/ 257).

والصحيح – والله أعلم – أن الصبي المميز يصح إسلامه ولا تصح ردته.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والبالغ ضد الصغير، فإنه إذا ارتد وهو صغير: فإن ظاهر كلام المؤلف – أي: الحجاوي – أنه لا يكفر؛ لأنه غير مكلف، وقد رفع عنه القلم، فلو أنه أشرك بأن سجد لصنم، أو ما أشبه ذلك: فإننا لا نكفره، كما أنه لو ترك الصلاة لا يكفر، وعلى هذا: فلا تصح ردة غير البالغ، وهذا ظاهر كلام المؤلف، وهو الصحيح.

ولكن المذهب: أن ردة الصغير المميز معتبرة، ولكنه لا يُدعَى إلى الإسلام إلا بعد بلوغه، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل.

وهناك قول ثالث في مسألة الصغير: أن ردته معتبرة، ويُدْعَى إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قتل.

فالأقوال إذا ثلاثة، ولكن القول الصحيح: أن ردته غير معتبرة؛ لعموم الأدلة الدالة على رفع الجناح عن الصغير. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع” (14/445،446).

  1. والقائلون بوقوع الردة هذه لا يقولون بقتله وهو صبي إلا في قول شاذ أنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل.

 

 

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

الصبي لا يُقتل، سواء قلنا بصحة ردته أو لم نقل؛ لأن الغلام لا يجب عليه عقوبة، بدليل أنه لا يتعلق به حكم الزنا والسرقة في سائر الحدود، ولا يقتل قصاصًا.

” المغني “( 10/ 62 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية” ( 22/ 181):

ذهب القائلون بوقوع ردة الصبي إلى أنه لا يُقتل قبل بلوغه. انتهى.

* وأما بخصوص القول الشاذ بقتل الصبي المميز المرتد فقد قال المرداوي الحنبلي رحمه الله:

وقال في” الروضة”: تصح ردة مميز، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، وتجري عليه أحكام البُلَّغ، وغير المميز ينتظر بلوغه، فإن بلغ مرتدًا: قُتل بعد الاستتابة.

وقيل: لا يقتل حتى يبلغ مكلفًا. انتهى.

” الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف” ( 10/ 249 ).

  1. وعند الحنفية: يُنتظر بلوغه ليجبر على الإسلام بالضرب والتهديد.

وعند الحنابلة: ينتظر بلوغه ليستتاب، فإن تاب وإلا قُتل.

* قال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله -:

قوله ( ويجبر عليه بالضرب ) أي: والحبس.

قلت: والظاهر: أن هذا بعد بلوغه؛ لما مرَّ أنَّ الصبي ليس من أهل العقوبة، ولما في” كافي الحاكم”: وإن ارتد الغلام المراهق عن الإسلام: لم يُقتل، فإن أدرك كافرًا: حُبس ولم يقتل .” حاشية ابن عابدين” ( 4/ 257).

* وقال أبو عبد الله الزركشي الحنبلي – رحمه الله -:

إذا أقام- أي: الصبي – على رجوعه- أي: عن الإسلام -: فإنه يصير مرتدًا، لكن لا يُقتل حتى يبلغ؛ لأن القتل عقوبة متأكدة فلا تجب على الصبي كالحد، وحذارًا من قتله بأمرٍ محتمل.” شرح الزركشي على مختصر الخِرَقي ” ( 3/ 93 ).

* وقال أبو الحسن المرداوي الحنبلي – رحمه الله -:

قوله ” ولا يُقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه”: وهذا المذهب، وعليه عامة الأصحاب، وقطع به أكثرهم.” الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف” (10/249 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية” ( 13/ 229):

ذهب الحنفية والحنابلة إلى صحة تكفير الصبي المميز إذا صدر منه ما هو مكفِّر. ويُفهم من كلام المالكية تقييده بالصبي المميز المراهق فقط …. مع اتفاقهم على أنه لا يُقتل بل يُجبر على الإسلام بالضرب والتهديد والحبس.

وعند الحنابلة: يُنتظر إلى ما بعد البلوغ والاستتابة، فإن أصر قتل؛ لحديث ( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر ). انتهى.

  1. إذا بلغ الصبي فأقر بالإسلام أو استمر مسلمًا حكمًا ثم ارتد: فهو مرتد بالإجماع.

* قال الكاساني- رحمه الله -:

لو أقر بالإسلام ثم ارتد يقتل لوجود الردة منه بوجود دليلها وهو الإقرار.

” بدائع الصنائع “( 7/ 135 ).

* قال ابن المنذر – رحمه الله -:

وأجمع أهل العلم بأن العبد إذا ارتد فاستتيب فلم يتب قتل ولا أحفظ فيه خلافًا.

” الإجماع ” ( ص 121 ).

  1. إذا بلغ الصبي مرتدًا ولم يُسمع منه الإقرار بالإسلام : يكون مرتدًا عند الحنابلة، فيستتاب وإلا قتل.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فإذا بلغ فثبت على ردَّته: ثبت حكم الردة حينئذ، فيستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل، سواء قلنا إنه كان مرتدًا قبل بلوغه أو لم نقل، وسواء كان مسلمًا أصليًّا فارتد أو كان كافرًا فأسلم صبيًّا ثم ارتد.” المغني” ( 10/ 62 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن ما هو الأصل في الإنسان أهو الكفر أو الإسلام؟.

الجواب: إذا كان أبواه مسلميْن أو أحدهما: فهو مسلم، فإن اختار غير الإسلام: فهو مرتد.” الشرح الممتع على زاد المستقنع” ( 14/ 452 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

المذهب-أي -: الحنبلي -: أن ردة الصغير المميز معتبرة، ولكنه لا يُدعَى إلى الإسلام إلا بعد بلوغه، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع” (14/446 ).

ولا يكون مرتدًا عند الحنفية والشافعية، وعليه: فلا يقتل، لكنه يُجبر على الإسلام بالحبس والضرب عند الحنفية، ويُجتهد عليه عند الشافعي.

* قال الشافعي- رحمه الله -:

فمن أقر بالإيمان قبل البلوغ وإن كان عاقلًا ثم ارتد قبل البلوغ أو بعده، ثم لم يتب بعد البلوغ: فلا يقتل؛ لأن إيمانه لم يكن وهو بالغ، ويؤمر بالإيمان، ويجهد عليه بلا قتل إن لم يفعله.” الأم” ( 6 / 649 ).

 

 

 

* وقال الكاساني- رحمه الله -:

صبي أبواه مسلمان حتى حُكم بإسلامه تبعاً لأبويه فبلغ كافرًا ولم يُسمع منه إقرار باللسان بعد البلوغ: لا يقتل؛ لانعدام الردة منه؛ إذ هي اسم للتكذيب بعد سابقة التصديق، ولم يوجد منه التصديق بعد البلوغ أصلًا لانعدام دليله، وهو الإقرار ….

فلم يكن الموجود منه حقيقة، فلا يقتل، ولكنه يحبس؛ لأنه كان له حكم الإسلام قبل البلوغ. ” بدائع الصنائع” ( 7/ 135 ).

* وقال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

وقال أصحاب الرأي: إذا أسلم أبواه أو أحدهما وأدرك فأبى الإسلام: أُجبر عليه ولم يقتل. ” المغني” ( 10/ 91 ).

وينبغي تقييد كلام الحنفية والشافعي بأن الصبي عند بلوغه لم يستمر على الإسلام لا بإقرار ولا بقيام بشعائره؛ لأن مثل هذا لو وقعت منه الردة بعد ذلك كان مرتدًّا، وإنما يريدون بقولهم ذاك أن الصبي عند بلوغه كان على غير الإسلام لا إقرارًا ولا عملًا.

رابعًا:

وبما أن عين المسألة فيها خلاف بين العلماء فإن مرجع المسألة هو القضاء، وبحسب ما يرى القاضي الشرعي فإنه يحكم به على من بلغ مرتدًا، وبكل حال فلا ينبغي أن ننشغل بأمر مختلف فيه – وهو هل كونه يستتاب أم لا – ونغفل عما هو متفق عليه وهو أنه كافر مصيره نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، فمن العجيب ما نراه من المدافعين عن كون مثل هذا الشخص غير مرتد، وأنه لا ينبغي إكراهه على الإسلام، وأنه لا يدخل في جملة المرتدين، وكأن هؤلاء القائلين يريدون رحمته والرأفة به، وما علموا أنهم يضرونه بذلك، وأنَّ من قال بعدم تطبيق حد الردة عليه لم يتركه هملًا بل منهم من قال بوجوب بذل الجهد عليه حتى يُسلم، وآخرون قالوا يحبس ويهدد ويضرب حتى يُسلم، وهؤلاء هم أهل الشفقة والرحمة على الحقيقة، والأكثر رحمة به وشفقة هم من قال بأنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتل ردة؛ لأن هذا الأمر هو الذي ينقذه من الموت على الكفر والذي إن مات عليه استحق الخلود في نار جهنم.

وبه يُعرف أن قول القائل ” إذن فلماذا لا يجوز للمسلم أن يتحول لدين آخر خاصة إذا ولد على دين الإسلام ولم يكن له خيار اختيار دين آخر “: من أعجب العجائب وأغرب الغرائب أن يصدر من مسلم، ومن ذا الذي سيقول لك إنه يجوز لذاك المولود من أبوين مسلميْن أن يتحول لدين آخر؟! وهل ثمة من يجرؤ على هذا فيجوِّز الدخول في الكفر ليخلد صاحبه في النار؟! وهل ترى أدلة في الشرع يمكن أن تُجيز لأحدٍ أن يفتي بجواز الكفر بالله تعالى؟! نعم يمكن أن يقال إنه لا يقتل، أو إنه لا يستتاب، لكن لن تجد من يقول بأنه يجوز له أن يتحول إلى الكفر لأنه لم يختر دينه وهو صغير! ولن أن تجد من يقول له إنك بالخيار لتختار ما تشاء من الأديان غير الإسلام، بل هو على خطر عظيم إن فعل ذلك وتحول عن الإسلام، وسيكون مصيره النار خالدًا فيها.

والعجيب أن الوصول إلى الإسلام يستغرق من أناس جل حياتهم ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس، ومثل هذا الإنسان يُنعم الله تعالى بنعمة جليلة وهي أنه يجعله مولودًا لأبوين مسلميْن ثم هو يكفر بهذه النعمة بل ويكفر بمنعمها! ويختار بشرًا ليعبده، أو حجرًا ليقدسه، أو حيواناً ليعظمه، وما بمثل هذا تقابل أدنى النعم فكيف بأعلاها وأجلِّها؟!.

 

 

والله أعلم.

يريد تفصيل قصة قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليهود بني قريظة

يريد تفصيل قصة قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليهود بني قريظة

السؤال:

هل من الممكن أن تحدثونا عن نهاية ” بني قريظة “؟ أحد الأشخاص غير المسلمين قال لي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بإعدام الرجال كلهم – وعددهم بالمئات – واستعباد النساء والأطفال، فهل هذا صحيح؟ وكيف تم الأمر بالتفصيل؟.

بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من الجيد للمسلم عدم الاستماع لما يقوله أعداء الإسلام عن الدين حتى يتبين منه ويتثبت؛ حتى لا يَنسب للإسلام ما ليس منه، وحتى يقف على الأمر على حقيقته إذا كان ثابتًا في الشرع المطهَّر، وإن إرجاعك الأمر إلى أهله مما تستحق عليه الشكر والثناء.

ثانيًا:

عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية كان فيما حولها ثلاثة طوائف من اليهود، وهم: ” بنو قَيْنُقاع” و “بنو النضير” و” بنو قريظة “، وكان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء للخزرج، وكانت بنو قريظة حلفاء للأوس.

فلما قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة هادن أولئك اليهود جميعًا ووادعهم، وكل من يعرف التاريخ والحاضر يعلم أن اليهود أهل غدر وخيانة، ولذا فإن جميع تلك الطوائف من اليهود لم يلتزموا بهدنتهم ولم يوفوا بعهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حاربوا المسلمين وتآمروا على قتله وقتل أصحابه، فتعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم كلٌّ بحسب حاله وما يستحقه، فمنَّ على بني قيْنقاع، وأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة لأنهم كانوا أشدَّ عداوة وأغلظ كفرًا وقد سبُّوه – صلى الله عليه وسلم -، وهم الذين اختاروا أن يَحكم فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أوكل سعدَ بن معاذ سيد الأوس ليحكم عليهم، فحكم عليهم – رضي الله عنه – بقتل رجالهم وسبي نسائهم وغلمانهم وتقسيم أموالهم، وهم حربيون، والإمام مخيَّر في الحربي الأسير إما أن يمنَّ عليه بلا مقابل، أو يأخذ منه الفداء، أو يُقتل، ولما كان بنو قريظة قد نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإن حكم نقضهم يسري إلى نسائهم وذرياتهم إذا كان النقض بالحرب.

هذا ملخَّص الأمر في حال طوائف اليهود في المدينة وما آل إليه أمرهم، وهذا حال بني قُريظة، وسنذكر من كلام الإمام ابن القيِّم رحمه الله ما يوضح ذلك ويفصِّله.

 

ثالثًا:

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

  1. ووادع رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن بالمدينة مِن اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا، وبادر حَبْرُهم وعالمُهم عبدُاللهِ بنُ سلاَم فدخل في الإسلام، وأبى عامَّتُهم إلا الكفرَ.

وكانوا ثلاثَ قبائل: بنو قَيْنُقَاع، وبنو النَّضير، وبنو قُرَيْظَة، وحاربَه الثلاثة، فمنَّ على بني قَيْنُقَاع، وأجلَى بني النَّضِير، وقتل بني قُريظة وسبى ذُرِّيَّتهم، ونزلت سورة الحشر في بَني النَّضيرِ، وسورة الأحزاب في بني قُريظة.

” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 65).

  1. وكانت غزوة كل طائفة منهم عَقِبَ كُلِّ غزوة من الغزوات الكبار، فغزوة بني قَيْنُقَاع عقب” بدر “، وغزوة بني النَّضير عقب غزوة ” أُحُد “، وغزوة بني قُريظة عقب” الخندق”. ” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 135).
  2. وحكم في اليهود بعدة قضايا، فعاهدَهم أوَّل مقدمه المدينة، ثم حاربه بُنو قَيْنُقَاع فظَفِرَ بهم ومنَّ عليهم، ثم حاربه بنو النضير فظفِرَ بهم وأجلاهم، ثُمَّ حارَبه بنو قُريظة فظفِرَ بهم وقتلهم ثم حاربه أهلُ خيبر فظَفِرَ بهم وأقرَّهم في أرض خيبرَ ما شاء سِوى مَنْ قتل مِنهم.” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 5/ 66 ، 67 ).
  3. وأما قُريظة: فكانت أشدَّ اليهودِ عداوةً لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوا أغلظَهم كُفرًا، ولذلك جرى عليهم ما لم يجرِ على إخوانهم.

وكان سببُ غزوهم: أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صُلْحٌ: جاء حُيَيُّ بن أخطَب إلى بني قُريظة في ديارهم، فقال: قد جئتُكم بعزِّ الدَّهر، جئتكم بقُريش على سادتها، وغَطَفَان على قادتها، وأنتم أهلُ الشَّوْكَة والسلاح، فهلمَّ حتى نناجِزَ محمَّدًا ونفرُغ منه، فقالَ لهُ رئيسُهم: بل جئتني والله بذُلِّ الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءه، فهو يرعُدُ ويبرُق، فلم يزل حُيَي يُخادعه ويَعِده ويُمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حِصنه يُصيبه ما أصابهم، ففعل، ونقضُوا عهدَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأظهروا سبَّه، فبلغ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبرُ، فأرسلَ يستعلِمُ الأمرَ، فوجدهم قد نقضُوا العهد، فكبَّر وقال: (أبْشِرُوا يا مَعْشرَ المسلمين ).

فلما انصَرَفَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة لم يكن إلا أن وضع سِلاحه، فجاءه جبريلُ فقال: أوضعتَ السِّلاح؟ والله إن الملائكةَ لم تضعْ أسلحَتِها، فانهض بمن معكَ إلى بني قُريظة فإني سائرٌ أمامك أُزلزل بهم حصونَهم وأقذِف في قلوبهم الرُّعبَ، فسار جبريلُ في موكبه من الملائكة ورسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أثره في موكبه مِن المهاجرِين والأنصار، وقال لأصحابه يومئذ ( لا يُصَلَّيَنَّ أَحَدُكُم العَصْرَ إِلا في بني قُرَيْظَةَ )، فبادروا إلى امتثال أمرِه ونهضُوا مِن فورهم، فأدركتهم العصرُ في الطريق، فقال بعضُهم: لا نُصليها إلا في بني قُريظة كما أمرنا، فصلَّوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضُهم: لم يُرِدْ منَّا ذلك وإنما أراد سُرعة الخروج، فَصَلَّوْهَا في الطريق، فلم يُعنِّفْ واحدة من الطائفتين.

وأعطى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرايةَ عليَّ بن أبي طالب، واستخلفَ على المدينة ابنَ أمِّ مكتومٍ، ونازل حصُون بني قُريظة، وحصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، ولمَّا اشتد عليهم الحِصَارُ عرض عليهم رئيسُهم كعبُ بن أسد ثلاثَ خِصال: إما أن يُسْلِمُوا ويدخُلوا مع محمد في دينه، وإما أن يَقتلوا ذراريَهم ويخرجوا إليه بالسيوف مُصلتة يناجِزُونه حتى يظفروا بِه، أو يُقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجمُوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوا أصحابِه ويكبِسُوهم يومَ السبت لأنهم قد أمِنُوا أن يُقاتِلوهم فيه، فأَبَوْا عليه أن يُجِيبُوهُ إلى واحدة منهن،…ثم إنهم نزلُوا على حُكم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقامَت إليه الأوسُ، فقالوا: يا رَسُولَ الله قد فعلتَ في بني قَيْنُقَاع ما قد عَلِمْتوهم حلفاءُ إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسِنْ فيهم، فقال ( ألاَ تَرْضوَنَ أَنْ يَحْكُم فِيِهمْ رَجُلٌ مِنْكُم؟ ) قالوا: بلى، قال ( فَذَاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعَاذ ) قالوا: قد رضينا، فأرسلَ إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرُج معهم لجُرح كان به، فأُرْكِبَ حمارًا وجاء إلى رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجعلُوا يقولون له وهم كَنَفتاهُ: يا سَعْدُ أجمل إلى مواليَك فأحْسِن فيهم فإن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حكَّمك فِيهم لِتُحْسِنَ فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئاً، فلما أكثرُوا عليه قال: لقد آن لِسعد ألا تأخذه في اللهِ لومةُ لائم، فلما سَمِعُوا ذلِكَ منه رجعَ بعضُهم إلى المدينة فنعى إليهم القومَ، فلما انتهى سعد إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للصحابة: ( قُومُوا إلَى سَيِّدكُم ) فلما أنزلُوهُ قالوا: يا سعدُ إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حُكمك، قال: وحكمي نافِذٌ عليهم؟ قالوا: نعم، قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: وعلى مَنها هنا؟ وأعرض بوجهِهِ  وأشار إلى ناحية رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إجلالًا له وتعظيمًا، قال: ( نعم، وعليَّ )، قال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرِّجَالُ، وتُسْبىَ الذُّرِّيَّةُ، وتقسمَ الأموالُ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَات ) وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، وهرب عمرو بن سُعْدَى، فانطلق فلمْ يُعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخُول معهم في نقض العهد، فلما حكم فيهم بذلك أمرَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتل كُلِّ مَن جرت عليه الموسى منهم، ومَن لم يُنْبتْ أُلحِقَ بالذُرِّية، فحفر لهم خنادِقَ في سوق المدينة، وضُرِبَتْ أعناقهم، وكانوا مابين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يُقتل مِن النساء أحد سوى امرأة واحدة كانت طَرحَتْ على رأس سويد بن الصامت رحى فقتلته، وجعل يذهب بهم                   إلى الخنادق أرسالًا أرسالًا، فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعبُ؛ ما تراه يصنَعُ بنا؟ فقال: أفي  كل موطن لا تعقِلُونَ؟ أما ترون الدَّاعي لا يَنْزعُ، والذاهِبُ منكم لا يرجعُ، هو واللهِ القتلُ. ” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 129 – 135).

  1. وكان هَدْيُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه إذا صالح قوماً فَنَقَضَ بعضُهم عهده وصُلْحه وأقرَّهم البَاقُونَ ورضُوا به: غزا الجميعَ وجعلهم كُلَّهُم ناقضين، كما فعل بِقُريظة والنَّضير وبني قَيْنُقَاع، وكما فعل في أهل مكة، فهذه سُنَّته في أهل العهد، وعلى هذا ينبغي أن يَجرِىَ الحُكْمُ في أهل الذِّمة كما صرَّح به الفقهاءُ من أصحاب أحمد وغيرهم .” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 136).
  2. ولما حكم سعدُ بن معاذ في بني قُريظة بأن تُقتَل مقاتلتُهم وتُسبى ذراريهم وتُغنم أموالُهم: أخبره رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أن هذا حُكْمُ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن فوق سَبْعِ سَمَاوات )، وتضمَّن هذا الحكم: أن ناقضي العهدِ يسر ينقضُهم إلى نسائهم وذُرِّيَّتِهم إذا كان نقضُهم بالحرب، ويعودون أهلَ حرب، وهذا عينُ حكمِ اللهِ عزَّ وجل.” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 5/ 67).

 

 

والله أعلم.