الرئيسية بلوق الصفحة 144

مقدار دعاء القنوت وترتيله

مقدار دعاء القنوت وترتيله

السؤال:

ما حكم ترتيل دعاء القنوت وتطويله لأكثر من ( 20 دقيقة )، مع ما يتخلله من دعاء أشبه ما يكون بالكلام؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

القنوت في صلاة الوتر سنة مستحبة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت بعض الأحاديث في بيان صيغة دعاء القنوت.

عن الْحَسَن بْن عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قال:

عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ:

” اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ “.  رواه أبو داود (1425) والترمذي (464) وحسنه، وصححه ابن عبد البر في ” الاستذكار ” (2/285) والنووي في ” الأذكار ” (86).

ثانيا:

الزيادة على الصيغة الواردة لا بأس بها، فإن المقام مقام دعاء، والدعاء أمره واسع، والزيادة فيه مشروعة، كما أنه لا يتعين الالتزام بالصيغة المأثورة، بل يجوز الدعاء بكل صيغة مأثورة وغير مأثورة.

يقول النووي – رحمه الله – في ” المجموع ” (3/477-478):

” قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قول من قال يتعين ( أي الدعاء الوارد ) شاذ مردود، مخالف لجمهور الأصحاب، بل مخالف لجماهير العلماء، فقد حكى القاضي عياض اتفاقهم على أنه لا يتعين في القنوت دعاء … وقال صاحب الحاوي: يحصل بالدعاء المأثور وغير المأثور ” انتهى.

وجاء في ” الموسوعة الفقهية ” (34/63):

” وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة ” انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في ” الشرح الممتع ” (4/52):

” ولو زاد على ذلك فلا بأس لأن المقام مقام دعاء ” انتهى.

 

 

 

ثالثا:

ما هو مقدار القنوت؟ وهل يشرع التطويل فيه أم لا؟.

إذا تأملنا في حديث الحسن بن علي السابق، نجد أن الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم له دعاء مختصر موجز، لا يكاد يستغرق الدقائق المعدودات، مما يدل على أن الأولى في دعاء القنوت هو الاختصار والاقتصار على جوامع الدعاء.

جاء في مغني المحتاج (1/369) :

” قال في المجموع عن البغوي: وتكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، وقال القاضي حسين: ولو طَوَّلَ القنوت زائدًا على العادة كُره ” انتهى.

ولكن لما جاء عن بعض الصحابة الزيادة في دعاء القنوت، والتوسع في صيغته ( انظر سنن البيهقي 2/210-211).

دل ذلك على أنه لا حرج من التطويل أحيانًا بالقدر الذي لا يشق على الناس، خاصة في العشر الأواخر من رمضان، حين يلتمس الناس ليلة القدر.

جاء في الموسوعة الفقهية (34/63):

” وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة “.

قال المجد ابن تيمية: فقد صح عن عمر – رضي الله عنه – أنه كان يقنت بقدر مائة آية، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ” انتهى.

يقول ابن القيم في ” بدائع الفوائد ” (4/921): 

– ” اختلف قوله ( يعني الإمام أحمد ) في قدر القيام في القنوت:

فعنه: بقدر ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ), أو نحو ذلك، وقد روى أبو داود، وسمعت أحمد سئل: عن قول إبراهيم: القنوت قدر ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت )، قال: هذا قليل، يعجبني أن يزيد.

وعنه: كقنوت عمر.

وعنه: كيف شاء.

وجه الأولى: أنَّه وَسَط من القيام، والثانية: فعل عمر، والثالثة: أن طريقه الاستحباب، فسقط التوقيت فيه ” انتهى.

والأحسن في هذا كله والله أعلم هو الاعتدال، فإن خير الأمور الوسط، وقد نهت الشريعة أن نشق على الناس، ولا أرى من يطيل الدعاء أكثر من عشرين دقيقة إلا وقد شق على من خلفه، وأطال إطالة فاحشة، خاصة إذا اعتاد ذلك في كل ليلة.

 

 

 

 

سئل الشيخ ابن عثيمين السؤال التالي ” فتاوى علماء البلد الحرام ” (152):

” بعض أئمة المساجد في رمضان يطيلون الدعاء، وبعضهم يُقَصّر، فما هو الصحيح؟.

فأجاب – رحمه الله -:

” الصحيح ألا يكون غلو ولا تقصير، فالإطالة التي تشق على الناس منهي عنها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا بلغه أن معاذ بن جبل أطال الصلاة في قومه، غضب عليه غضبًا لم يغضب في موعظة مثله قط، وقال لمعاذ بن جبل: ” يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنتَ؟ “. رواه البخاري (6106) ومسلم (465).

فالذي ينبغي أن يقتصر على الكلمات الواردة، أو يزيد.

ولا شك في أن الإطالة شاقة على الناس وترهقهم، ولا سيما الضعفاء منهم، ومِن الناس مَن يكون وراءه أعمال، ولا يُحِبُّ أن ينصرف قبل الإمام، ويشق عليه أن يبقى مع الإمام، فنصيحتي لإخواني الأئمة أن يكونوا بَيْنَ بَيْنَ، كذلك ينبغي أن يترك الدعاء أحيانًا، حتى لا يظن العامة أن الدعاء واجب ” انتهى.

رابعا:

أما ما سألت عنه من حكم ترتيل دعاء القنوت، وتحسين الصوت به، فقد سئل عنه الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -، فأجاب جوابًا مفصلًا.

سئل – رحمه الله – كما في ” فتاوى البلد الحرام ” (153) ما يلي:

بعض أئمة المساجد يحاول ترقيق قلوب الناس، والتأثير فيهم، بتغيير نبرة صوته أحيانًا، في أثناء صلاة التراويح، وفي دعاء القنوت، وقد سمعت بعض الناس يُنكر ذلك، فما قولكم – حفظكم الله – في هذا؟.

فكان جوابه:

” الذي أرى أنَّه إذا كان هذا العمل في الحدود الشرعية، بدون غلو، فإنه لا بأس به، ولا حرج فيه، ولهذا قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: ” لَو كُنتُ أَعلَمُ أَنَّكَ تَستَمِعُ إِلَى قِرَاءَتِي لَحَبَّرتُهُ لَكَ تَحبِيرًا ” أي: حسَّنتُها وزينتها.

فإذا أحسن بعض الناس صوتَه، أو أتى به على صفة ترقِّقُ القلوب، فلا أرى في ذلك بأسًا، لكنَّ الغلو في هذا، لكونه لا يتعدى كلمةً في القرآن إلا فعل مثل هذا الفعل الذي ذكر في السؤال، أرى أنَّ هذا من باب الغلو، ولا ينبغي فعله، والعلم عند الله ” انتهى.

 

والله أعلم.

يملك محل اتصالات ولا يدري إن كان زبائنه يعصون الله في مكالماتهم

يملك محل اتصالات ولا يدري إن كان زبائنه يعصون الله في مكالماتهم

السؤال:

هناك أخ لديه مركز اتصالات تليفونية, ويعرض له بعض الشبهات في المال الذي يحصله من ذلك المركز؛ حيث يدخل له بعض الفتيات أو الفتيان يتحدثون في الهاتف, وبعد فترة من المكالمة يشك في أنهم يتحدثون مع أصدقاء من الجنس الآخر, فهل يغلق عليهم الخط؟ وهل المال الذي يأخذه منهم على تلك الفترة حرام أم حلال؟ وهل هذا الشك يكفى للحكم عليهم؟ أم لا يحاول أصلاً الاستماع للمكالمة إلا لمن يشك فيهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في المعاملات مع الكفار وغيرهم الحل والإباحة، والأصل في الأعمال التجارية الإباحة كذلك، ومنها بيع الهواتف وفتح مراكز الاتصالات؛ لأن الغالب في استعمال هذه الهواتف أنه للضرورات وقضاء الحاجات من الأعمال المباحة، والاطمئنان على الأهل، وما يكون فيها من أعمال محرمة وكلام غير جائز قليل ونادر، وهذه الأيام يعيش الناس ” ثورة اتصالات ” ولم يعد أحد يعجز عن توفير وسيلة اتصالات له شخصية إلا في النادر من الأشخاص والبلدان.

ولا يجوز لصاحب هذا المركز للاتصالات أن يتجسس على المكالمات؛ لأن الأصل في المكالمات أنها سرية، وهم قد ائتمنوه على ذلك، وحتى لو وقع في قلبه الشك فإنه لا يباح له البحث والتحري على مكالماتهم.

قال النووي – رحمه الله -:

قال إمام الحرمين – الجويني -: وليس للآمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسس واقتحام الدور بالظنون, بل إن عثر على منكرٍ غيَّره جهدَه، هذا كلام إمام الحرمين.

وقال أقضى القضاة الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت, فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها, مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها, فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس, ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك، وكذا لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة, جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار.

الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه, ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار لم يهجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عن الباطن.  ” شرح مسلم ” ( 2 / 26 ).

فإن غلب على ظنه أو تيقن أن الداخل للمحل سيستعمل هذه المكالمة في محرَّم فإن له أن يمنعه بل يجب عليه ذلك.

 

والله أعلم.

 

يقسم العمل بينه وبين زملائه مع علم المدير

يقسم العمل بينه وبين زملائه مع علم المدير

السؤال:

أعمل طبيبًا في وحدة صحية مع زملاء لي، فهل يجوز تقسيم أيام العمل بيننا مع علم مدير العمل، ومصلحة العمل لا تتوقف، علمًا بأن المرتب ثابت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

العامل الأجير مؤتمن على عمله، وقد تم التعاقد معه على العمل بالصورة المعهودة المعروفة، فلا يجوز له أن يتخلف عن عمله إلا بما يأذن به صاحب العمل ومن تم التعاقد معه.

– هذا هو الأصل، وهذه هي القاعدة، وفي مثل حالة السائل الكريم، ينظر:

فإن كان المدير عليكم هو صاحب العمل، أو كانت الجهة المسؤولة عن هذه الوحدة الصحية قد أعطته الحق في تنظيم عملكم وأوقاته بما يراه مناسبًا، فلكم حينئذ أن تقسموا أيام العمل بينكم بما يراه لكم المدير مناسبًا، وذلك لأنكم لم تقصروا في شيء من عملكم، ولم تخونوا أماناتكم.

أما إن كان المدير لا يملك حق تنظيم عملكم، وهو إنما يتغاضى ويتساهل تقصيرًا وإهمالًا، فلا يجوز لكم عندها أن تقسموا أيام العمل بينكم، إذ الواجب التواجد في مكان العمل في جميع الأيام التي تعارف الناس على العمل فيها، فإن لم تقوموا بذلك، فقد قصرتم وأهملتم، والله سبحانه وتعالى سائلكم يوم القيامة.

سئل الشيخ ابن عثيمين السؤال التالي ” فتاوى علماء البلد الحرام ” (366) :

نحن ثلاثة أشخاص نشتغل في عمل واحد، وهذا العمل يكفي له اثنان بل ويزيدون، فهل علينا إثم إذا اتفقنا فيما بيننا أن يتغيب كل منا عن يوم واحد في الأسبوع؟.

فأجاب – رحمه الله -:

” نعم عليكم في ذلك إثم، والواجب أن يشتغل كل من كل في أيام العمل ولا يتخلف ” انتهى .

وسئل – رحمه الله – كما في ” فتاوى علماء البلد الحرام ” (354) :

ما حكم راتب الموظف الذي يتساهل في عمله ولا يؤديه على الوجه الأكمل، هل يصبح حرامًا أم حلالًا؟.

فأجاب:

إن راتبه فيه شبهة ينبغي له أن يتقي الله وأن يعتني بعمله حتى لا يكون في راتبه شبهة؛ لأن الواجب عليه أن يؤدي الحق الذي عليه حتى يستحل الراتب، فإذا كان لا يبالي فراتبه بعضه حرام، فينبغي له أن يحذر ويقي الله عز وجل “. انتهى.

ولا عبرة بما ترونه أنتم من كون مصلحة العمل لا تتوقف، فقد تكون الجهة المسؤولة عن العمل قد قصدت زيادة عدد الموظفين من الأطباء لتسهيل العلاج إلى الغاية، أو استعدادًا لأي حالة طوارئ قد تضطر الوحدة الصحية إلى أكبر عدد من الأطباء، أو غير ذلك من الأمور التي قد تكون مقصودة من وجود هذا العدد من الأطباء، ومع وجود هذه الأعذار والاحتمالات، يجب عليكم الالتزام بما اتفقتم عليه مع الجهة التي تدفع لكم الأجرة، فالمسلم لا يخون.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ الأنفال / الآية 27 ].

 

والله أعلم.

 

يسأل: لماذا أغلب أهل الأرض كفار ولماذا يرضى الله لهم بدخول جهنم؟!

يسأل: لماذا أغلب أهل الأرض كفار ولماذا يرضى الله لهم بدخول جهنم؟!

السؤال:

إني أتساءل: لماذا أغلب أهل الأرض غير مسلمين؟ فعلى حد علمي أن حبَّ الله لخلقه يزيد على حب الوالدة لولدها بسبعين مرة، فلماذا الأغلبية غير مسلمين؟ وهل صحيح أنه لن يدخل الجنة إلا المسلمون، وأهل السنَّة على وجه التحديد؟ إذا كان هذا صحيحا فإن معنى ذلك أنه لن يدخل الجنة إلا نسبة قليلة مقارنة بتعداد أهل الأرض كلهم، فلماذا إذاً يرضى الله لأغلب خلقه أن يدخلوا النار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ننبه في بداية الجواب إلى أن ما ذكره السائل مِن ” أن حبَّ الله لخلقه يزيد على حب الوالدة لولدها بسبعين مرة “: لا أصل له في القرآن ولا في السنَّة، والله تعالى لا يحب الظالمين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الكافرين، فكيف يُثبَت حبُّ الله تعالى لعموم خلقه والكثرة الكاثرة هم من تلك الأصناف ؟! بل إنَّ الله تعالى يحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، ويحب المتوكلين، ويحب المقسطين – العادلين -، فهذه الأصناف مِن خلقه هم الذين أثبت الله تعالى حبَّه لهم، ولن يكون هؤلاء – بطبيعة الحال – إلا موحِّدين له غير مشركين به.

 

ثانيًا:

وأما قول السائل ” لماذا أغلب أهل الأرض غير مسلمين؟ “: فالجواب عليه: لأنهم هم من اختار الكفر على الإسلام، ودعنا هنا من المعذورين ممن لم تبلغهم الرسالة، ولنسأل: ما بال من قرءوا عن الإسلام وبلغتهم الدعوة ورأوا الآلاف من أهل دينهم قد سبقوهم إلى الإسلام، ورأوا الملايين تدين بهذا الدين العظيم، ورأوا الآيات البينات تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصدق دعوته وصدق القرآن وإعجازه، وسمعوا المناظرات التي ألجمت خصوم الإسلام ودحرت شبهاتهم، ومع هذا كله – ومعه غيره كثير – لم يؤمنوا بالإسلام ولم يرضوه لأنفسهم دِينًا، بل رضي مليارات منهم بعبادة صليب صنعوه، أو صنم نحتوه، أو قبرٍ شيدوه، ورضي ملايين آخرون بتقديس وعبادة فأر أو بقرة؟!.

إن الحقَّ واضح بيِّن، وإن الآيات الدالات على عظمة الإسلام أكثر من أن تُحصر، وإن الأدلة على بطلان ما يفعله أولئك الكفار لا يُجادل بها عاقل، وإن الفطرة السليمة والعقل الصريح ليرفضان تلك العبادات واتخاذ أولئك الآلهةَ أرباباً من دون الله الواحد الأحد، فها قد بيَّن الله تعالى الحجة وأقام عليهم المحجة، ومع ذلك أبى أكثر الناس إلا كفورًا، ولا تجد أكثر الناس شاكرين موحدين بل كافرين مشركين.

 

ثالثًا:

وأما جواب سؤالك ” فلماذا إذًا يرضى الله لأغلب خلقه أن يدخلوا النار؟ “: فهو أن الله تعالى لم يرض كفرَ أولئك، ولا يحبه منهم، ولكنهم رضوه لأنفسهم، وأما الرب الجليل عز وجل فقد نصَّ في كتابه الكريم على عدم رضاه عن كفر الكافرين فقال تعالى ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) الزمر/ 7 ، فهذا نصٌّ جلي أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر، بل يرضى لهم التوحيد والإسلام، لكنَّهم هم من رضي الكفر لنفسه، وأبى الدخول في سلك الموحدين، والله تعالى لا يجبر أحداً على إسلام ولا على كفر، بل هو عز وجل قد بيَّن طريقي الحق والباطل، والصواب والخطأ، والإسلام والكفر، ثم جعل للخلْق أن يختاروا، مع وعده للمسلمين بالثواب، ووعيده للكفار بالنار، قال تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ) الكهف/ 29 – 31، وقال تعالى ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِل وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا. إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ) الإنسان/ 2 – 6.

وهاك مثالا على بيان هداية الله تعالى لقومٍ هداية دلالة وإرشاد بإرسال الرسول مع الآيات البينات واختيارهم للكفر على الإسلام، وهم قوم ثمود، قال تعالى: ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) فصِّلت/ 17 ، 18، وهؤلاء مثال، ومثلهم كل قوم كفروا بربهم وكذبوا رسولهم، فرضوا بالكفر في الدنيا والخلود في النار في الآخرة، ولهؤلاء الكفار المعاصرين سلف فقد جاءتهم رسل ربهم بالحق، وجعل الله تعالى رسول كل قوم منهم، يعرفونه بصدقه وأمانته، وجعل الله تعالى مع كل واحد منهم آية على مثلها يؤمنها البشر، ومع ذلك فإنهم قالوا عن رسلهم ساحر أو مجنون! وقد طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم آية ليؤمنوا فأراهم انشقاق القمر فقالوا ” سحر ” فصدق فيهم قول الله تعالى ( وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ) الأنعام/ 25، ولم تكتف تلك الأقوام بتكذيب رسل ربهم بل تآمروا عليهم لقتلهم أو نفيهم من ديارهم، قال تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) إبراهيم/ 13، وقال تعالى – على لسان قوم إبراهيم عليه السلام – ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت/ 24، وقال تعالى – عن نبينا عليه السلام – ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) الأنفال/ 30، فإذا كان هذا هو حال من جاءه الرسول من ربه ممن يعرفه، ورأى الآيات بعيني رأسه: فكيف سيكون حال هؤلاء الهنود والصينيين والأوربيين لو أنه جاءهم النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا؟!.

ولما زعم بعض المشركين أن الله تعالى يرضى منهم الكفر وأنه لو لم يكن كذلك لصرفهم عنه: كذَّبهم ربنا تبارك وتعالى وبيَّن أنهم إنما يتبعون أهواءهم وآباءهم الضالين، قال تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا ) النحل/ 35، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) النحل/ 36.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فأوضح في هذه الآية الكريمة أنه لم يكن راضيا بكفرهم، وأنه بعث في كل أمَّة رسولًا، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت، أي: يتباعدوا عن عبادة كل معبود سواه، وأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده، وأن بعضهم حقَّت عليه الضلالة، أي: ثبت عليه الكفر والشقاء .

وقال تعالى في آية الأنعام ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) الأنعام/ 149 ، فملكُه تعالى وحده للتوفيق والهداية هو الحجة البالغة على خلقه، يعني: فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق: فهو فضل منَّا ورحمة، ومَن لم نفعل له ذلك: فهو عدل منَّا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك ديْنًا علينا ولا واجبًا مستَحقًّا يستحقه علينا، بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل.

وحاصل هذا: أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق الخلق، وعلم أن قوماً صائرون إلى الشقاء وقوماً صائرون إلى السعادة، فريق في الجنة وفريق في السعير، وأقام الحجة على الجميع ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبسًا فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك، ثم إنه تعالى وفَّق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقْدِر بها على تحصيل الخير والشر، وصرَف قدرهم وإراداتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء، فأتوا كلَّ ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا طائعين مختارين، غير مجبورين ولا مقهورين.

” أضواء البيان ” ( 7 / 95 ، 96 ).

 

رابعًا:

وأما قولك ” وهل صحيح أنه لن يدخل الجنة إلا المسلمون، وأهل السنَّة على وجه التحديد؟ “: ففيه تفصيل :

أما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم: فنعم، لن يدخل الجنة إلا مسلم؛ لأن الإسلام نسخ الأديان السابقة كلها، وأوجب الله تعالى على خلْقه كلهم الدخول في هذا الدِّين، وأخبر أنه لن يقبل من أحدٍ دِينًا غيره، وأنه مَن لقيه منهم بدين آخر غيره فهو من الخاسرين، قال تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران/ 85.

وأمَّا مِن الأمم السابقة: فإن الجنة يدخلها كل من آمن بنبيِّه وصدَّق رسوله، قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة/ 62.

وأما أن الجنة هي لأهل السنَّة على وجه التحديد: فهو قول عارٍ عن الصحة، بل إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي أجابت دعوته كلهم سيدخلون الجنة، ولا يُحرم منها إلا من ارتد على عقبيه، ونقض إسلامه بما يخرجه منه بالكلية، وأهل البدع الذين خالفوا الشرع، وخاصموا أهل السنة مصيرهم الجنة في نهاية الأمر بفضل الله تعالى ورحمته، ولا يمنع هذا أن يصيب بعض أهل السنة ما يصيبهم من العذاب الذي يستحقونه بسبب ذنوبهم لا اعتقادهم، أو يكون عفو من الله تعالى عن أحد من أهل البدع برحمة منه تعالى وفضل.

ومن فهم مِن حديث الافتراق ومن قوله صلى الله عليه وسلم في الفرَق الثنتين وسبعين المختلفة المخالفة لأهل السنَّة ( كُلُّها في النَّار ) أنهم مخلَّدون في نار جهنم: فقد أخطأ، وخالف إجماع المسلمين، فضلال هذه الفرَق وتوعدها بالنار لا يعني خلودها فيها، الأئمة الذين أخرجوا بعض الفرَق من الإسلام كالرافضة والجهمية قالوا إنها ليست من الفرق الثنتين والسبعين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومَن قال إن الثنتين والسبعين فِرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة: فقد خالف الكتاب والسنَّة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة؛ فليس فيهم مَن كفَّر كلَّ واحد من الثنتين وسبعين فرقة.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 218 ).

والتكفير للمخالفين هو من منهج أهل البدع والضلال، لا من منهج أهل السنَّة والجماعة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والخوارج هم أول من كفَّر المسلمين، يكفرون بالذنوب، ويكفرون مَن خالفهم في بدعتهم ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون مَن خالفهم فيها.  وأهل السنَّة والجماعة يتبعون الكتاب والسنَّة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق.  ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 279 ).

* وقال – عن الفرق الثنتين والسبعين -:

وإنما يكفِّر بعضُهم بعضاً ببعض المقالات.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 218 ).

 

خامسًا:

واعلم – أخيرًا – أن الله تعالى لا يعذِّب بالنار من لم تصله دعوة الإسلام، فالذين يعيشون في زماننا أو قبله ولم يصل لهم خبر الإسلام: فإنهم يختبرون يوم القيامة.

 

والله أعلم.

تفوته أوقات الصلوات في رمضان بسبب النوم فماذا عليه؟

تفوته أوقات الصلوات في رمضان بسبب النوم فماذا عليه؟

السؤال:

في موسم الصيام أشعر بتعب بحيث إنني إذا نمت يفوتني فرضان أو أكثر وأشعر بالذنب, وسؤالي هو إذا نمت عن صلاة الظهر والعصر حتى أتى وقت المغرب وخفت خروج وقت المغرب فماذا أفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله

اعلم أيها الأخ السائل أن أمر تضييع الصلوات عن وقتها عظيم، وقد توعدَّ الله تعالى على ذلك بوعيد شديد فقال: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) [ مريم / الآية 59 ] .

– ومعنى ( غَيًّا ): قال ابن عباس: خسرانًا، وقال قتادة: شرًّا، وقال عبد الله بن مسعود: واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم.

انظر ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 172 ).

قيل لابن مسعود: إن الله تعالى يكثر من ذكر الصلاة في القرآن: ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) ، و ( الذين هم على صلاتهم يحافظون )، و ( ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون )؛ قال: ذلك – أي: ذلك الوعيد – على مواقيتها؛ قالوا: ما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن إلا على تركها؟ قال: تركها كفر.

” تعظيم قدر الصلاة ” للمروزي ( 2 / 5 ) وسنده حسن كما قال محققه.

وإليك تفصيلا رائعا من هذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، يتكلم في كلمات معدودات عن حكم صلاة الجماعة، وحال تاركها، وأجر الذاهب إليها، وحال من علت همته وهو معذور ليذهب للجماعة وليقام في الصف.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ, فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ. رواه مسلم ( 654 ).

ولا يليق بالمسلم أن لا يعرف الصيام إلا في شهر رمضان، فإن في العام أياما فاضلة استحب فيها الصيام كيوم عرفة، وعاشوراء، وفي كل أسبوع يستحب صيام الاثنين والخميس، وفي كل شهر يستحب صيام ثلاثة أيام منه، فلو أنك عوَّدت نفسك على الصيام طيلة العام لم تره حملاً ثقيلاً يجعلك تنام النهار كلَّه وتضيع الصلوات.

ويجب عليك أن تأخذ بالأسباب التي توقظك للصلاة، ولا يجوز لك تعمد ترك الصلاة بعذر النوم وأنت تستطيع الاستيقاظ في أوقات الصلوات، وبخاصة إذا كانت الجماعة واجبة عليك، وإن فرَّطت في هذا الأمر فقد أثمت على ترك الصلاة حتى يخرج وقتها وعلى تركك للجماعة.

وينبغي أن تنظر في سبب تعبك في الصيام، فإن كان تعبك بسبب مرضٍ يبيح لك الفطر: فلا يجوز لك الصيام وعندك رخصة إفطار لم تأخذ بها وفرَّطت بالصلاة لعدم الأخذ بها، وإن كان تعبك بسبب العمل: فيجب عليك أن تأخذ إجازة منه لتتفرغ في هذا الموسم للأعمال الصالحة والعبادات العظيمة، وإن كان بسبب السهر: فيحرم عليك هذا السهر الذي يسبب لك تركا للصلوات حتى يخرج وقتها.

ويجب عليك أن توصي من حولك من أهلك وزوجتك وأولادك بأن يوقظوك للصلاة، ويجب عليهم هم أن يعينوك على طاعة الله تعالى وأداء الصلوات في أوقاتها.

واعتبر أيها الأخ السائل بصيام الأطفال والنساء الضعيفات وكبار السن، فلعل ذلك أن يدفعك للحرص على عدم تفريطك في نهار صيامك، وتفريطك في صلواتك، واعلم أنك قدوة لغيرك فلا تكن سبباً في تفريط غيرك فيما تفرط فيه أنت.

وإن كنتَ أخذت بالأسباب ولم تستيقظ لتعب شديد أو مرض فخرج وقتان للصلاة فإنك تبدأ بالأول فالأول إلا أن يضيق وقت الثانية فتبدأ بها، فلو استيقظت قبل غروب الشمس ولم تكن صليت الظهر والعصر، وضاق وقت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب فابدأ بالعصر، ثم صلِّ الظهر بعدها، فالمغرب.

ونسأل الله تعالى أن يعينك على طاعته وحسن عبادته، وأن يعلي همتك في الخير.

 

والله أعلم.

يجتمع أهله كل خميس لقراءة القرآن ولقراءة الأذكار جماعة فهل يجوز لهم وماذا يصنع؟

يجتمع أهله كل خميس لقراءة القرآن ولقراءة الأذكار جماعة فهل يجوز لهم وماذا يصنع؟

السؤال:

ما حكم ما يسمَّى بـ ” الختام “؟ وهو اجتماع مجموعة من الناس كل خميس من كل أسبوع يقرءون فيه القرآن والأذكار؟.

إن عائلتي تمارس هذا الفعل باستمرار، ولكني لم أر له أي دليل من السنَّة، وقد أخبرت والداي أن ذلك بدعة، ولكنهم يقولون إنه يجب عليّ أن أفعل ذلك وأن أشارك الناس هذا الخير، فالجميع يفعل ذلك بما فيهم إمام المسجد، فلماذا أنا بالذات أخالفهم!.

لا أريد أن أفعل شيئا يخالف السنَّة أو يُعد شِركا، لكن بالمقابل لا أريد أن أغضب والداي، فهل من نصيحة فيما يجب عليَّ أن أفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا مانع من الاجتماع على كتاب الله تعالى في يوم محدد ووقت معيَّن على أن يكون ذلك من أجل تدارس كتاب الله وتفسيره، أو لتعلُّم تجويده وتلاوته، على أن لا يكون ذلك التحديد لليوم والتعيين للوقت من أجل اعتقاد فضل فيه دون غيره، بل يكون ذلك من أجل كونه وقت فراغ لأفراد الأسرة، أو بسبب وجود من يقوم بالتعليم في ذلك اليوم والوقت، ولا نعلم في الشرع ما يدل على أفضلية الاجتماع يوم الخميس، لذا فعلى أسرتكم تجنب ذلك الاجتماع مع الاعتقاد بفضله في ذلك اليوم، ونوصيهم باستمراره إن لم يكن يصاحبه مثل ذلك الاعتقاد بل كان لما ذكرناه من أسباب أو لغيرها من مثلها.

وننبه إلى أنه ليس مشروعا- أن يقرأ المجتمعون القرآن جميعًا بصوت واحد، بل يمكن للمجتمعين التناوب على القراءة أو يقرأ واحد والباقي يستمعون، والأكمل أن يكون مع القراءة تعليم لأحكامه وقراءة في تفسير آياته.

* قال ابن الحاج المالكي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ): فالدراسة المذكورة تُشعر بأنهم لم يجتمعوا على التلاوة صوتًا واحدًا متراسلين؛ لأن المدارسة إنما تكون تلقينًا أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم، وأما الاجتماع على صوت واحد: فليس بمرويٍّ عنهم كما تقدم.

” المدخل ” ( 1 / 92 ).

ثانيًا:

وأما الاجتماع من أجل قراءة الأذكار فلا يجوز مطلقًا، بل هو من الذِّكر الجماعي المبتدع، والأذكار المشروع ذِكرها في اليوم والليلة أو مطلقا هي من العبادات الفردية الخاصة والتي لم يشرع من أجلها اجتماع لا في يوم له فضل ولا في غيره مما لا فضل له من باب أولى.

والفرق بين الاجتماع لقراءة القرآن وتعلمه والاجتماع لذكر الله: أن الأول جاء في الشرع ما يحث عليه ويرغب فيه، كما سبق ذِكره والإحالة عليه، وأما الاجتماع لذِكر الله إما بصوت جماعي أو بقيادة أحد في الحلقة: فقد جاء في الشرع ما يمنعه ويحذر منه، وقد ذكرنا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على طائفة تذكر الله تعالى بقيادة وبيَّن لهم أنهم مخالفون للشرع، وقد ذكرنا القصة بطولها في أجوبة متعددة.

وكل ما ورد في الشرع من وصف مجالس الصحابة بـ ” مجالس ذِكر “: فالمقصود به مجالس علم، أو مجالس ذِكر لكن كل واحد يذكر ربَّه وحده سرًّا، ومنه ما رواه معاوية رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ ( مَا أَجْلَسَكُمْ؟ ) قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ ( آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ ) قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ قَالَ ( أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ ).

رواه مسلم ( 2701 ).

* قال ابن الحاج المالكي – رحمه الله -:

وأما خروجه صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال ( ما أجلسكم؟ ) فقالوا: جلسنا نذكر الله: فهذا أفصح بالمراد في الجميع، وكيف كان اجتماعهم؛ لأنهم لو كانوا يذكرون الله جهرًا لم يَحتج صلى الله عليه وسلم إلى أن يستفهمهم بل كان يخبرهم بالحكم من غير استفهام، فلما أن استفهم دلَّ على أن ذِكرهم كان سرًّا، وكذلك جوابهم له صلى الله عليه وسلم بقولهم ” جلسنا نذكر الله ” أدل دليل على أنهم كانوا يذكرون الله تعالى سرًّا؛ إذ أنه لو كان ذكرهم جهرًا لما كان لإخبارهم بذلك معنى زائدًا، إذ أنه صلى الله عليه وسلم قد سمع ذلك منهم، فكان جوابهم أن يقولوا جلسنا لما سمعتَه أو لما رأيتَه منَّا إلى غير ذلك من هذا المعنى؛ لأنهم يتحاشون أن يكون منهم الجواب لغير فائدة، فبان واتضح أن ذكرهم كان سرًّا لا جهرًا على ما روي عنهم في عبادتهم، وقد قال تعالى في محكم التنزيل ( ادْعُوا ربَّكُم تَضُرُّعاً وَخُفْيَة ).

أو كانوا يتذاكرون بينهم ما كان منهم في أمر الجاهلية من عبادة الأوثان وغير ذلك وما منَّ الله عليهم به من معرفة الإيمان والكتاب والسنَّة فتعظم عندهم النعَم عند تذكر ذلك، فيحمدون الله على ما منَّ به عليهم من تلك النعَم التي يذكرونها، ألا ترى إلى ما روي عنهم أنهم كانوا يقعدون في المسجد بعد صلاة الصبح يتذاكرون بينهم الأشياء التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ويتعجبون من أنفسهم والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد يسمعهم فيتبسم أحيانًا من حكاياتهم عن أنفسهم، فقد تكون تلك الحلقة التي خرج صلى الله عليه وسلم عليها قاعدة لذلك المعنى، فحصل لهم ما حصل من المباهاة بها؛ لأنهم إذا تذاكروا ذلك فيه يعرفون قدر نعَم الله عليهم وأن ما منَّ به عليهم ليس بأيديهم ولا بقدرتهم فتعظم نعَم الله تعالى عليهم أن هداهم وأنقذهم وأضل غيرهم وأصمهم وأعماهم فهم لا يسمعون ولا يبصرون كما جاء في محكم التنزيل.

” المدخل ” ( 1 / 92 ، 93 ).

ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافيا ليترك أهلك ما فيه مخالفة للشرع، والبقاء على ما يتوافق مع الشرع من حلقات القرآن علمًا وتعليمًا، وليُحث كلُّ فرد من أفراد الأسرة على الاستمرار في أذكار اليوم والليلة وغيرها من الأذكار كلُّ واحدٍ وحده من غير أن تكون جماعية، وعليك تبليغ أهلك أحكام ما ذكرناه لك بلطف ولين، فإن استجابوا فنعْم ما يفعلون، وإن رفضوا الاستجابة فلا تشاركهم في فعلهم واهجر فعلهم هجرًا جميلًا من غير عنفٍ يتسبَّب في قطيعة بينك وبينهم، ولا تقدِّم رضاهم على رضا الله تعالى.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه صلاح دينكم ودنياكم.

 

والله أعلم.

يشق عليه القيام للصلوات نظرا لظروف عمله وثقَل نومه

يشق عليه القيام للصلوات نظرا لظروف عمله وثقَل نومه

السؤال:

مواعيد عملي تحتم عليَّ أن أعمل طوال الليل وأن أنام بالنهار, ويصعب عليَّ أن أقوم بالصلوات الأربعة الأخرى، نظراً للتعب في العمل؛ فإني لا أستطيع القيام أثناء النوم والقيام للصلاة ثم أنام مرة أخرى؛ ولسبب آخر وهو أن ” نومي ثقيل “, وعندما أنام لا يستطيع أحد أن يوقظني من النوم، حتى لو أني نويت القيام للصلاة أثناء النوم؛ لأني عندما أنام لا أدري عن أي شيء حولي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

كان بعض الصحابة – رضي الله عنهم – من أهل الأعمال الشاقة؛ كالزراعة والرعي وجلب الحطب ونحو ذلك, ولم يكونوا من المفرطين في صلاتهم، بل كانوا محافظين عليها ليس في وقتها وحسب بل وفي جماعة، وحافظوا على العبادة وطلب العلم، ولم تأت الرخصة لهم في ترك الصلاة من أجل العمل، ولذلك فالواجب على من كان من أهل الأعمال أداء الصلوات في أوقاتها؛ لأن أداء الصلاة في غير وقتها إثم وهي باطلة إلا من عذر، ولم يأتِ في الشرع عذر إلا للنائم والناسي.

ثانيا:

والنائم معذور وقت نومه، لكنه مخاطب بالوجوب، فيجب عليه أداء الصلاة بعد استيقاظه من النوم، كما يجب عليه بذل الأسباب للاستيقاظ في الوقت.

عن أنس بن مالك قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ” مَن نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها “. رواه البخاري ( 572 ) ومسلم ( 684 ).

قال الشوكاني – رحمه الله -:

الحديث يدل على أن النائم ليس بمكلف حال نومه وهو إجماع …

وظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضيقه وقيل: إنه إذا تعمد النوم قبل تضيق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلا وقد خرج الوقت كان آثمًا, والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم; لأنه فعله في وقت يباح فعله فيه فيشمله الحديث, وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك فلا إشكال في العصيان بذلك ولا شك في إثم من نام بعد تضيق الوقت لتعليق الخطاب به, والنوم مانع من الامتثال, والواجب إزالة المانع.

” نيل الأوطار ” ( 2 / 33 ، 34 ).

 

 

ثالثا:

والواجب على النائم قبل نومه أن يحرص على الاستيقاظ في وقت الصلاة، وأن يأخذ بالأسباب التي تعينه على أداء الصلاة في وقتها، فإن فعل ولم يستيقظ فهو معذور؛ لأنه أدى الذي عليه و ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )، وقد حصل هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره.

عن أبي قتادة قال: سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة، قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء، يا بلال قم فأذن بالناس بالصلاة، فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابيضت قام فصلى.

رواه البخاري ( 570 ) ومسلم ( 681 ) وعنده: ” احفظوا علينا صلاتنا “، وفي الرواية: ” وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبنا معه, قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا, ثم قال: أما لكم فيَّ أسوة؟! ثم قال: أما إنه ليس في النوم تفريط, إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى, فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها, فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها “.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ بأسباب الاستيقاظ بجعله بلالاً منبههم لصلاتهم، والسفر مظنة التعب والإرهاق ولا يضمن النائم أن يستيقظ في وقت الصلاة، وهو ما حصل مع بلال عندما غلبه النعاس، وحصل مع الجميع بأن استيقظوا على حر الشمس.

ومن سهر في عمل أو غيره ولم يأخذ بأسباب الاستيقاظ – ومنها ترك السهر – فصلَّى بعد الوقت: فيعتبر تاركاً للصلاة متعمدا، وهو غير معذور بنومه.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عمن يسهر ولا يستطيع أن يصلي الفجر إلا بعد خروج الوقت, فهل تقبل منه؟ وحكم بقية الصلوات التي يصليها في الوقت؟.

فأجاب:

أما صلاة الفجر التي يؤخرها عن وقتها وهو قادر على أن يصليها في الوقت؛ لأن بإمكانه أن ينام مبكراً, فإن صلاته هذه لا تقبل منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد “. – رواه مسلم -, والذي يؤخر الصلاة عن وقتها عمداً بلا عذر: قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله, فيكون مردوداً عليه.

لكن قد يقول: إنني أنام، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ” من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك “.

فنقول: إذا كان بإمكانه أن ينام مبكرا ليستيقظ مبكرا، أو يجعل عنده ساعة تنبهه، أو يوصي من ينبهه: فإن تأخيره الصلاة، وعدم قيامه يعتبر تعمدًا لتأخير الصلاة عن وقتها، فلا تقبل منه.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 12 / السؤال رقم 14 ).

رابعا:

وقد يكون الرجل ثقيل النوم، فهذا لا يعذر بإطلاق بل هو على حالين:

الحال الأولى: أن يكون ثقل نومه بسبب سهره في العمل أو في طلب العلم أو قيام الليل: فمثل هذا لا يجوز له أن يتسبب بتضييع الصلاة عن وقتها من أجل ما سبق، ويجب عليه أن يبحث عن عمل آخر لا يسبب له تضييع الصلوات، كما لا يجوز له الاشتغال بالنوافل أو حتى طلب العلم – وهو واجب في أصله – على حساب تضييع الصلوات، وترك الصلاة هنا يعتبر تعمداً؛ لأنه يستطيع تغيير العمل، ويستطيع ترك السهر.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الواجب على الإخوة الذين يخرجون إلى الرحلات أن يشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث جعلهم في رخاء ويسر من العيش، وفي أمن وأمان من الخوف، ويقوموا بما أوجب الله عليهم من الصلاة في أوقاتها، سواء صلاة الفجر أم غيرها، ولا يحل لهم أن يؤخروا صلاة الفجر عن وقتها بحجة أنهم نائمون، لأن هذا النوم لا يعذرون فيه غالباً لكونهم يستطيعون أن يكون لهم منبهات تنبههم للصلاة في وقتها، ويستطيعون أن يناموا مبكرين حتى يقوموا نشيطين.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 12 / السؤال رقم 14 ).

وأما الحال الثانية: أن يكون ثقل النوم طبعاً في الرجل، وليس له تعلق بسهر أو عمل، وقد عرف هذا عن بعض الأقوام والأشخاص، فإن كان كذلك: فهو معذور إن كان قد أخذ بالأسباب ولم يستيقظ.

عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليتُ، ويفطِّرني إذا صمتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله أما قولها: يضربني إذا صليت: فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتُها، قال: فقال: ” لو كانت سورة واحدة لكفت الناس “، وأما قولها: يفطِّرني: فإنها تنطلق فتصوم, وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: ” لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها “، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس: فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك, لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس, قال: ” فإذا استيقظت فصلِّ “. رواه أبو داود ( 2459 ) وصححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 / 65 ).

وهذه الحال قد لا تكون مستمرة دائمة, إنما هي في وقت دون وقت، وتنزل الأحكام على حسب قدرته واستطاعته.

قال الشيخ عبد العظيم آبادي – رحمه الله -:

ذلك أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده، ومن لطف نبيه صلى الله عليه وسلم ورفقه بأمته, ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع واستيلاء العادة, فصار كالشيء المعجوز عنه, وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه, فعذر فيه ولم يثرب عليه, ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض, وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه ويبعثه من المنام فيتمادى به النوم حتى تطلع الشمس دون أن يكون ذلك منه في عامة الأحوال؛ فإنه يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه, ولا يراعي مثل هذا من حاله, ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك مع زوال العذر بوقوع التنبيه ولإيقاظ ممن يحضره ويشاهده، والله أعلم.

” عون المعبود ” ( 7 / 94 ).

والخلاصة: أن الذي يظهر من حالك أن ثقل نومك له تعلق بالسهر، والسهر كان بسبب العمل وعليه: فلا يجوز لك البقاء في عملك هذا؛ لأنه يؤدي بك إلى ترك أعظم الأركان العملية في الإسلام، وأنتَ عبد لله تعالى أمرك ونهاك، والواجب عليك الطاعة، فلا يحل لك البقاء في عملك وابحث عن غيره يعوضك الله خيراً منه، وسترى التغير الطيب في دينك وجسمك ونفسيتك، أما الدين: فإن أداء الصلوات في أوقاتها من أعظم الواجبات، وتركه من أعظم المحرمات، وأما جسمك: فإن علماء الطب قد ذكروا مضار كثيرة لمن يعمل بالليل، وإن نوم النهار كله لا يعوض الجسم ما يحتاجه من قليل نوم في الليل، وكل ما سبق يؤثر على نفسيتك تأثيراً سلبيًّا.

 

والله أعلم.

 

هل يصوم عن شخص مريض في ليل رمضان؟!

هل يصوم عن شخص مريض في ليل رمضان؟!

السؤال:

إذا كان أحد أفراد أسرتي مريضًا, فهل يصح الصوم عني وعنه لمدة ( 24 ساعة ) دون أكل سحور؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

المكلف بالصوم الذي يصيبه المرض فلا يستطيع معه الصوم له حالتان: إما أن يكون مرضه عارضا طارئا: فهذا يفطر وعليه القضاء بعد شفائه وقدرته على الصيام، أو يكون مرضه مزمنا: فهذا يُفطر ويُطعم عن كل يومٍ مسكينا.

وعليه: فلا يجوز لأحدٍ أن يصوم عن قريبك المريض، إلا أن يقدر على القضاء فيموت قبل قضائه، فيمكن لوليه أن يصوم عنه.

ثانيا:

وشهر رمضان لا يتسع لغيره، والصوم إنما يكون في نهاره لا في ليله، قال الله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) [ البقرة / من الآية 187 ]، ففي هذه الآية الكريمة بيان وقت الصوم – وهو النهار – ووقت الفطر – وهو الليل -، ولا يصح – بحال – جعل ليل رمضان مكانا للصوم, لا عن المكلف ولا عن غيره، ولا يُعرف هذا عن أحدٍ من أهل العلم، ولا يمكن أن يكون قولاً لأحدٍ.

ومن مفاسد هذا القول: الوصال في الصوم، وهو منهي عنه، وعدم تعجيل الفطر، وعدم تبييت النية، وترك أكلة السحر – وهو العلامة الفارقة بين صيامنا وصيام أهل الكتاب -، وغير ذلك من المفاسد التي تؤكد شذوذ هذا القول وبطلانه.

ثالثا:

والأصل في العبادات البدنية أن يُؤدّيها المسلم عن نفسه، ولا تدخلها النيابة، فلا يجوز لأحدٍ أن يصلي عن أحدٍ ولا أن يصوم عنه بإجماع العلماء، وإنما تدخل النيابة في الحج والعمرة لمن يعجز عنه في حياته كما جاء في النصوص الصحيحة الصريحة.

 

 

 

قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

أما الصلاة فإجماع من العلماء أنه لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ فَرْضا عليه من الصلاة، ولا سُنة، ولا تطوعًا لا عن حي ولا عن ميت، وكذلك الصيام عن الحي لا يجزئ صوم أحدٌ في حياته عن أحد، وهذا كله إجماع لا خلاف فيه.

وأما من مات وعليه صيام فهذا موضع اختلف فيه العلماء قديما وحديثا.

” الاستذكار ” ( 3 / 340 ).

والخلاصة:

أننا نسأل الله لقريبك الشفاء العاجل، واعلم أن شهر رمضان لا يتسع لغير صوم نهاره عن نفسك ولا عن غيرك، وأن الليل ليس محلا للصيام لا في فرض ولا في نافلة، وأن هذا المريض إما أن يكون مرضه عارضا فعليه القضاء بعد رمضان، أو أن يكون مزمنا فعليه الفدية، ولكم أن تصوموا عنه إن قدر على القضاء ولم يفعل، ولكم أن تفدوا عنه إن مات قبل إطعامه الفدية، فإن مات قبل شفائه – في حال المرض العارض – فلا يُصام عنه ولا يُفدى.

 

والله أعلم.

يتهمون زوجة أخيهم بعمل السحر من غير بيِّنة، حكم ذلك، والنصح فيه

يتهمون زوجة أخيهم بعمل السحر من غير بيِّنة، حكم ذلك، والنصح فيه

السؤال:

عندي سؤال أتمنى من سماحتكم إفادتنا وهو: هناك شخص يشيع هو وأخته إشاعة على زوجة أخيهم بأنها تفعل السحر هي وعائلتها، ولم يوجد هناك دليل، علماً بأن هذه الزوجة أعرفها بأنها حاجَّة ومصلية، وأخي عندما سمع هذا الكلام من أخي زوجها أصبح يتكلم عنها بالسوء ويقول أريد أن أسأل عنها، وأصبح كلام على هذه الزوجة في أغلب كلامه. أريد من سماحتكم نصيحة إلى أخي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لم تختلف الشرائع السماوية على حفظ أعراض الناس ودينهم وعقلهم وأموالهم ونفوسهم، ومن وسائل حفظ أعراض الناس لجم الأفواه عن الطعن فيها وقذفها واتهامهما بما ليس فيها، ولذا لم تأت شريعة بإباحة الغيبة ولا بإباحة القذف ولا بإباحة الاتهام بالباطل من غير بينة، وتفاوتت الشرائع في عقوبة من يخالف أمر الله لكنها لم تختلف في تحريم قذف الأعراض والمنع من اتهام البريء بما ليس فيه.

والاتهام للشخص بعمل السحر هو من الاتهام بالباطل في العرض والدِّين، ولا يحل لأحد أن يتهم أحدًا بعمل السحر لآخر أو آخرين إلا أن يثبت ذلك بالبينة الشرعية، وطريق ذلك أمران:

الأول: الإقرار، ونعني به: اعتراف تلك المرأة أنها عملت سحرًا لأحد.

الثاني: الشهادة، ونعني به: شهادة ثقتين على تلك المرأة أنها قامت بعمل سحر لأحدٍ.

وما لم يوجد أحد هذين الأمرين: فإن اتهامها بعمل سحر هو قول منكر واتهام باطل، وفاعل ذلك يستحق الإثم والعقوبة، وقد أمرنا الله تعالى باجتناب الظن، وتوعد على ظلم الآخرين واتهامهم بما ليس فيهم، فقال تعالى في الأولى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ) الحجرات/ 12، وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا ) رواه البخاري ( 4849 ) ومسلم (2563 ).

وقال تعالى في الثانية: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) الأحزاب/ 58.

 

* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

والمراد بالأذى: أذى القول بقرينة قوله (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا ) لأن البهتان من أنواع الأقوال، وذلك تحقير لأقوالهم، وأتبع ذلك التحقير بأنه ” إثم مبين “، والمراد بالمبين: العظيم القوي، أي: جُرمًا من أشد الجرم، وهو وعيد بالعقاب عليه.

وضمير ( اكْتَسَبُوا ) عائد إلى المؤمنين والمؤمنات على سبيل التغليب، والمجرور في موضع الحال، وهذا الحال لزيادة تشنيع ذلك الأذى بأنه ظلم وكذب.” التحرير والتنوير ” ( 22 / 105 ).

* سئل الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -:

كيف يستطيع الإنسان أن يكتشف أن فلانا قد قام بعمل سحر له؟ خاصة أن لديه علامات، ولكنها ليست يقينية، ويخاف الواحد أن يكون ظالمًا، إني في حيرة، أرجو إجابتي، والله يحفظكم.

فأجاب:

المبتلى بالسحر أو بما يظن أن سحر لا طريق إلى اكتشاف الساحر الذي سحره أو دبَّر له السحر إلا بإقراره، أو ببيِّنة تشهد بأن فلانا عملَ سحرًا لفلان، أو سعى إلى من يسحره، وأما مجرد الظنون والقرائن الضعيفة : فلا يجوز أن يعوَّل عليها، فلا يجوز أن يعتمد على هذه الظنون والأوهام بلا برهان تؤدي إلى ظلم المتهم، كما لا يجوز الاعتماد في هذا على أخبار الجن الذين في بعض المصروعين، كما لو قال بعضهم إنه مربوط بسحر من فلان أو فلان؛ فإن الجن الذي في الملموس فاسق أو كافر، فلا يجوز تصديقه إذا قال: إن فلانًا عمل سحرًا لفلان: فإن قوله ليس بحجة، فالواجب الحذر من الانسياق مع الظنون وأقوال فسقة الجن أو السحرة؛ فإن مِن السحرة مَن يخبر بمحل السحر وبمن قال به وهو يعتمد في ذلك على أخبار الشياطين، أو يكون كذابًا يقول ذلك من عند نفسه؟

وعلى كل حال: فالجزم بتعيين الساحر بأنه هو الذي قام وعمل السحر لذلك المبتلى من أصعب الأشياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

http://www.islamlight.net/index.php?option=com_ftawa2&task=view&Itemid=0&catid=1466&id=2132

 

ولما سبق كله: فعلى كل من يطعن على تلك المرأة بأنها تعمل السحر أن يتقي الله تعالى ربَّه، وأن يعلم أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وأن الله تعالى سائله على ما افتراه عليها، وما دام أنه ليس ثمة اعتراف أو شهود فيبقى الأمر في دائرة الظن المذموم، وهذا الافتراء والكذب قد يلحق مثله المتكلم بالباطل فيفتري عليه الناس كما افترى هو على غيره، ولا رادع للناس في القول على الآخرين بالباطل إلا العقوبات التعزيرية في الدنيا، والوعيد الأخروي بالعذاب.

 

فليحفظ المسلم عليه لسانه، وليلتفت لنفسه، وليبك على خطيئته، وليكف أذاه عن المسلمين.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

التفصيل في مسألة الإذن بالدخول للمحارم لبيت الزوج

ولا تأذن في بيته إلا بإذنه

السؤال:

ما هي الحالات التي يجب على الزوجين الإذن فيها لدخول أو عدم دخول أحد محارمهما؟. وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

منزل الزوجية منزل مشرف مكرم، أمر الله تعالى كلا من الزوجين بحفظه، وخص الزوجة بما أمرها به من حفظ أمانة هذا المنزل، فإنها ربة البيت وصاحبته.

عن جابر – رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: ” فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُم أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُم عَلَيهِنَّ أَلَّا يُوطِئنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تَكرَهُونَهُ، فَإِن فَعَلنَ ذَلك فَاضرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيكُم رِزقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ “. رواه مسلم ( 1218 ).

ويمكن تقرير مسألة الإذن في بيت الزوجية من خلال التفصيل التالي:

أولًا: إذا أذن الزوج إذنًا صريحًا لزوجته بإدخال شخص معين من محارمها أو بعض النساء أو كان إذنه عامًا، فيجوز للزوجة حينئذ أن تأذن في بيته لهم، باتفاق أهل العلم.

ثانيًا: إذا سكت الزوج عن الإذن، فإنها تعمل بما يغلب على ظنها، فتأذن في بيته لمن يغلب على ظنها أن زوجها لا يمانع من دخوله بيته، ممن يجوز له أن يدخل على الزوجة في غياب الزوج، من المحارم والنساء، أما إن غلب على ظنها أن زوجها يكره دخول شخص معين في غيابه، فلا يجوز لها أن تدخله، وذلك باتفاق أهل العلم.

جاء في الموسوعة الفقهية (30/125):

” من حقّ الزّوج على زوجته ألا تأذن في بيته لأحد إلاّ بإذنه، لما ورد عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:

” لَا يَحِلُّ لِلْمَرأَةِ أَن تَصُومَ وَزَوجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذنِهِ، وَلَاْ تَأْذَن فِي بَيتِهِ إِلاّ بِإِذنِهِ “. رواه البخاري ( 4899 ) ومسلم ( 1026 ).

ونقل ابن حجر عن النّوويّ قوله: في هذا الحديث إشارة إلى أنّه لا يفتات على الزّوج بالإذن في بيته إلاّ بإذنه، وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزّوج به، أمّا لو علمت رضا الزّوج بذلك فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال الضّيفان موضعا معدًّا لهم سواء كان حاضرا أم غائبا فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاصّ لذلك.

وحاصله أنّه لا بدّ من اعتبار إذنه تفصيلاً أو إجمالاً ” انتهى.

 

 

ثالثا:

فإذا صرح الزوج بكراهيته دخول شخص معين، أو أي أحد بيته في غيابه، فيحرم عليها أن تأذن له في دخول بيت زوجها.

ولكن هل للزوج أن يمنع زوجته من إدخال والديها أو محارمها لزيارتها؟.

في المسألة خلاف بين أهل العلم على قولين: الجواز والمنع.

جاء في ” الموسوعة الفقهية ” (24/82):

” الصحيح من مذهب الحنفية وهو مذهب المالكية: أن الزوج لا يمنع أبوي الزوجة من الدخول عليها في كل جمعة، ولا يمنع غيرهما من المحارم في كل سنة، وكذا بالنسبة لأولادها من غيره إن كانوا صغارًا، لا يمنعهم الزوج من الدخول إليها كل يوم مرة، وإن اتَّهَمَ والدَيها بإفسادها، فيُقضَى لهما بالدخول مع امرأة أمينة من جهة الزوج، وعليه أجرتها.

وذهب الشافعية وهو قول للحنفية: إلى أن له المنع من الدخول، معلَّلًا بأن المنزل ملكه، وله حق المنع من دخول ملكه.

وذهب الحنابلة إلى أنه: ليس للزوج منع أبوها من زيارتها؛ لما فيه من قطيعة الرحم، لكن إن علم بقرائن الحال حدوث ضرر بزيارتهما أو زيارة أحدهما، فله المنع “. انتهى.

والراجح من هذه الأقوال هو أنه لا يحق للزوج منع الوالدين والمحارم من زيارة زوجته؛ لما في ذلك من قطيعة الرحم، والقطيعة محرمة على كل حال، فلا يجوز للزوج أن يسعى في محرم، بل الواجب عليه أن يسعى في إصلاح ذات البين، وصلة الأرحام، ومعلوم أن إكرام أرحام الزوجة هو من إكرام الزوجة وإحسان صحبتها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

” خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهلِهِ ” رواه الترمذي (3895) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وصححه الألباني  في ” الصحيحة ” (1174).

فإن يجد ريبة من بعض أرحام الزوجة، أو يغلب على ظنه أن أحدًا منهم أو والديها يسعون للإفساد بينهم، فيجوز له حينئذ منعهم من زيارتها درءًا للمفسدة، ولا إثم عليه في ذلك.

 

والله أعلم.