الرئيسية بلوق الصفحة 151

حكم نكاح الأباضي من سنية

حكم نكاح الأباضي من سنية

السؤال:

هل يجوز من الشاب صاحب المذهب الإباضي بالزواج من الفتاه صاحبة المذهب الشافعي؟

 

الجواب:

الحمد لله

الإباضية من فرق الخوارج، وهي من فرق الضلال، وقد جاءت نصوص كثيرة صحيحة في ذمهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تكفيرهم.

وقد نقلنا في جواب سابق عن علماء اللجنة الدائمة:

فرقة الإباضية من الفرق الضالة لما فيهم من البغي والعدوان والخروج على عثمان بن عفان وعلي – رضي الله عنهما -، ولا تجوز الصلاة خلفهم . انتهى.

وفي ” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 13 / 30 ) : أن شهادة ” الإباضية ” غير مقبولة شرعا.

وقد جاءت النصوص الواضحة في حسن اختيار الزوج من قبل أولياء الزوجة، ومن ذلك الرضا بدينه وخلقه، وأي دين يُرضى من أهل الفرق الضالة والتي ترى الخروج على أئمة المسلمين، وترى خلق القرآن، وترى كفر مرتكب الكبيرة، وترى إنكار رؤية الله تعالى في الآخرة؟!.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض “. رواه الترمذي ( 1084 ) وابن ماجه ( 1967 ). والحديث: حسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1022 ).

فالذي نراه هو عدم تزويج المبتدعة من نساء أهل السنة؛ وتأثير الزوج على الزوجة كبير، فقد تتأثر به فتعتقد اعتقاده, فتنتقل من الفرقة الناجية إلى إحدى فرق الضلال.

 

والله أعلم.

حكم قراءة القرآن مع الحدث الأصغر، وهل يلزم من ترك المستحب الوقوع في الكراهة

حكم قراءة القرآن مع الحدث الأصغر، وهل يلزم من ترك المستحب الوقوع في الكراهة

السؤال:

إذا كان من المستحب قراءة القرآن ( من الذاكرة ) مع الوضوء، فهل سيكون مكروهاً قراءته كذلك دون وضوء؟ وبشكل عام إذا كان هناك شيء مستحب فعله فهل القيام بنقيضه يكون مكروهًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قراءة القرآن للمحدِث حَدثا أصغر لا بأس بها، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على جوازها، وفي المسألة أحاديث صحيحة تبيِّن أنه لا يجب الوضوء على من أراد قراءة القرآن وهو محدث حدثًا أصغر، وإنما الخلاف في مسِّه للقرآن وفي قراءة الجنب له، والجمهور على المنع منهما.

عن عَبْدَ اللَّهِ بْنٍ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهِيَ خَالَتُهُ – قال: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . رواه البخاري ( 4295 ) ومسلم ( 763 ).

وبوَّب عليه الإمام البخاري بقوله ” بَاب قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ “.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وفيه: قراءة القرآن على غير وضوء؛ لأنه نام النوم الكثير الذي لا يختلف في مثله، ثم استيقظ فقرأ قبل أن يتوضأ، ثم توضأ بعدُ وصلَّى.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 13 / 207 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

فيه : جواز القراءة للمحدِث، وهذا إجماع المسلمين.

” شرح مسلم ” ( 6 / 46 ).

 

 

 

ثانيًا:

وترك المستحب لا يقع فاعله في الكراهة في الأصل؛ لأن باب الاستحباب داخل في الأوامر، وباب الكراهة داخل في المنهيات، فالمستحب هو: ما أَمر به الشرع لا على وجه الإلزام، مثل صلاة الضحى، والكراهة هي : ما نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام، مثل نهي النساء عن اتباع الجنائز، فقد قالت أم عطية رضي الله عنها  ” كُنَّا نُنْهى عَنِ اتِّباع الجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا ” رواه البخاري ( 1219 ) ومسلم ( 938 ).

وفاعل المستحب على وجه التعبد: مأجور، والفاعل للأمر المكروه: لا يأثم.

وعليه: فلا يقال لمن ترك صلاة الضحى أنه وقع في مكروه، كما لا يقال لمن ترك رفع اليدين في الانتقال في الصلاة أنه وقع في مكروه.

* قال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:

وليُعلم الفرق بين قولنا ” يُستحب فعل كذا ” وبين قولنا ” يُكره تركه ” فلا تلازم بينهما؛ فقد يكون الشيء مستحب الفعل ولا يكون مكروه الترك كصلاة الضحى مثلًا وكثير من النوافل  ” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 19 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة.

” فتح الباري ” ( 11 / 17 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لا يلزم مِن ترك السُّنّة الوقوع في المكروه، ولهذا لو أن الإِنسان لم يرفع يديه في الصلاة عند الركوع: لم يفعل مكروهًا.

وهذه قاعدة: أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 358 ).

 

والله أعلم.

حكم ترجمة مقال عن شركة تسوِّق ” السياحة الطبية ” وحكم الكسب من تلك الترجمة

حكم ترجمة مقال عن شركة تسوِّق ” السياحة الطبية ” وحكم الكسب من تلك الترجمة

السؤال:

أقوم بترجمة بعض المقالات من الإنجليزية إلى العربية وخاصة المقالات الطبية من خلال مواقع العمل عن طريق الإنترنت، فطُلب منِّي ترجمة مقال يتكلم عن موضوع يسمَّى ” السياحة الطبية “، فقمت بترجمته، وبعد الدخول لموقع الشركة وجدت أن وظيفة هذه الشركة هي توفير هذه السياحة الطبية من خلال التعامل مع شركات التأمين والمستشفيات والمرضى، وهي تقوم بتوصيل هؤلاء لبعضهم البعض للوصول إلى السياحة الطبية بأقل الأسعار من خلال شركات التأمين، وهذا هو ما قمت بترجمته وإرساله لهم، فقال لي بعض الأخوة: إن هذا قد يكون محرَّمًا.

السؤال:

أولًا: ماذا أفعل بالمال الذي أخذته إذا كان محرَّمًا؟ وهل أقوم بتحويله من الإنترنت إلى حسابي من الأساس أم أتركه؟.

ثانيًا: هل أكمل العمل في نفس الموقع في ترجمة الأشياء المتعلقة بأساليب الجراحة وأوصاف المستشفيات أم أترك العمل على هذا الموقع بالكامل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا داعي لأن تقلق بشأن عملك في ترجمة الأشياء المتعلقة بالطب والجراحة والمستشفيات وعناوينها وأسعار العلاج فيها وغير ذلك مما يتعلق بشأن الطب؛ ففيه مجال للعمل المباح الشيء الكثير، وحاجة الناس لمثل هذه الإرشادات والدلالات ماسَّة، فهذه الترجمات تنفع الطبيب ليتعرف على ما هو جديد في عالم الطب، وتنفع المريض ليتعرف على أفضل مكان يعالِج فيها نفسه، لذا فنرى أن النفع في هذه الترجمات يتعلق بشأن مهم في حياة الناس، ونرى أن جوانب الإثم فيه تكاد تكون محدودة ولن تخفى على مثلك إن شاء الله، كترجمة المقالات المتعلقة بمن يقوم من المستشفيات بتغيير الجنس، أو من يتستر بالتدليك للقيام بالدعارة، أو من يقوم بالتجميل الذي فيه تغيير لخلق الله، وما يشبه هذا مما لا يخفى حكمه إن شاء الله، وقصدنا أن جوانب النفع في هذا الباب كثيرة كثيرة.

 

 

ثانيًا:

ونحن نشكر لك اهتمامك بالحكم الشرعي بما قمت به من عمل، ونشكر لك استعدادك لترك العمل بالكلية إن كان فيه مخالفة شرعية، وهو يدل – إن شاء الله – على استقامة على الطاعة وحبٍّ لأكل الحلال الطيب، ونسأل الله أن يرزقك إياه ويجعل عملك كلَّه صالحاً وأن يتقبله منك.

والذي نراه فيما قمت به من ترجمة لما يتعلق بـ ” السياحة الطبية “: أنه – ابتداءً – ليس عليك إثم لأنك لم تتعمد الوقوع فيه، وأما العمل نفسه فالذي يظهر لنا أنه ينبغي التفريق بين كون الشركة هي شركة وساطة بين شركات التأمين وبين أماكن العلاج، أو تكون شركة وساطة بين الراغبين بالعلاج ووسائطهم من حكومات وأماكن عملهم وشركات تأمينهم وبين أماكن العلاج، ففي الحالة الأولى يكون العمل محرَّماً لأن فيه تعاملا مباشرًا مع شركات قائمة على المقامرة في أكثر أحوالها، وأما في الحالة الثانية فالظاهر الجواز لأن المقصود من العمل العلاج ذاته للراغبين فيه وليس المقصود التعامل المباشر مع شركات التأمين المحرَّم، فهو أشبه ما يكون بعمل موقع لعرض البضائع المباحة مع علم مصمم الموقع بوجود من يشتري عن طريق البنوك الربوية أو بطرق محرَّمة بين الراغب بالشراء ووسطائه، فكان القصد من الموقع بيع البضائع المباحة لا التعامل المباشر مع من يشتريها بطريقة مخالفة للشرع.

وعليه:

  1. إذا كانت تلك الشركة التي توفِّر السياحة الطبية عملها هو التعامل المباشر مع شركات التأمين فقط لدلالتهم على أحسن الأسعار وأرخص أماكن العلاج: فالظاهر لنا عدم جواز ترجمة ما يتعلق بالدلالة على تلك الشركة؛ لأن فيه إعانة شركات التأمين – وأكثرها شركات مقامرة والعبرة بالأكثر – على عملها المحرَّم، والله يقول: ( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2، ونرى أن تتصدق -والحالة هذه – بكسبك من ذلك العمل وتلك الترجمة في وجوه الخير المختلفة، مع البقاء في عملك لترجمة الأشياء الأخرى الكثيرة المباحة.
  2. وأما إذا كان عمل تلك الشركة التي توفِّر السياحة الطبية هو الدلالة على أحسن أسعار العلاج وأرخص أماكن العلاج لجميع الراغبين بالعلاج: فالظاهر لنا جواز ترجمة ما يتعلق بتلك الشركة؛ لأن المقصود هو أمر مباح، ولم تُكلَّفوا بالبحث عن أنواع الراغبين وطريقة علاجهم، ولو علمتم أن منهم من سيتعالج عن طريق شركة تأمين: فهذا راجع لفعله هو فهو يتحمل أثر فعله، وثمة كثيرون سيتعالجون على حسابهم أو على حساب حكوماتهم، أو يكون ثمن العلاج من أموالهم التي أجبروا على دفعها، أو يكون العلاج ميزة يقدمها مكان العمل لموظفيه، وأما أنتم فقد كان عملكم هو دلالتهم على أمر مباح يقومون به، فلا يلزمك – والحالة هذه – إخراج ما كسبته من ذاك العمل وتلك الترجمة.

 

والله أعلم.

حكم استعمال المبيدات الحشرية في رش ثمار الزراعة

حكم استعمال المبيدات الحشرية في رش ثمار الزراعة

السؤال:

ما الحكم الشرعي في استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة والتي تتسبب أحيانًا في تسمم بعض المنتجات الزراعية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المبيدات الحشرية سلاح خطير يعبث به كثيرون بالتسبب بضرر بالغ بالبيئة وبالطعام والشراب والتربة، وكل ذلك طمعًا بدنيا زائلة، وقد تنادى العقلاء في أرجاء العالَم لوضع حدٍّ لما يقوم به أولئك العابثون بذلك الضر العظيم، والذي يؤدي ليس إلى قتل الناس الذين يتناولون تلك الثمار المزروعة والتي رُشَّت بالمبيدات وقطفت قبل الوقت المسموح به، وقد أدى ذلك في كثير من البلدان إلى التسبب بقتل من أكل من تلك الثمار، وهذا عدا عن تأثير تلك المبيدات على التربة والمياه الجوفية وعلى الهواء، فتسببت بتلوث ذلك كله.

وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: ” يجب التعامل مع جميع أنواع مبيدات الحشرات على أنها مواد سامة، ويجب ارتداء الملابس الواقية عند استعمالها لتجنب حوادث التسمم، وتختار المبيدات المراد استعمالها بحذر شديد؛ وذلك لأن الاختيار الخاطئ قد يؤدي إلى قتل أو يؤدي إلى الإضرار بالنبات أو الحيوان المراد حمايته، كما يجب تجنب الاستعمال المكثف للمواد التي تترك متبقيات ضارة على المحاصيل الغذائية”. انتهى.

وفيها – أيضًا -: ” وقد يؤدِّي التلوث بالمبيدات الحشرية، والكيميائيات العضوية الأخرى إلى تسمم الأغذية أيضًا “. انتهى.

* وقال الأستاذ كمال مختار إسماعيل: ” ولقد وجد أن حوالي نصف وفيات الإنسان المصري بين سني ( 25 – 50 سنة ) ترجع إلى الأمراض التي تصيب الكبد، ويتصدرها ” الالتهاب الكبدي الفيروسي ” و ” البلهارسيا ” ثم زيادة نسبة التلوث في الماء والهواء والإسراف في استعمال المبيدات الحشرية التي تحوى السموم الكيماوية والتي تصل عصارة الخضروات والفواكه “. انتهى من ” كنوز في الرقية والطب النبوي ” ( ص 246 ) – ترقيم الشاملة -.

* وقال الأستاذ محمد محمود كالو: ولكثرة هذه الآفات استعمل الإنسان المبيدات والمضادات للأعشاب والحشرات، ومن أجل جشعه الزائد استعمل مخصبات وأسمدة لزيادة الإنتاج والمحصول، ونتيجة للاستعمال المفرط والخاطئ لهذه الأسمدة والمبيدات: فإن كمية كبيرة من هذه السموم تبقى في التربة دون انحلال زمنًا طويلًا، فمنها ما يمتصها النبات، ومنها مع هطول الأمطار أو الري تتسرب إلى طبقات الأرض مسببة تلوثاً للمياه الجوفية والسطحية، أو تبخر بفعل حرارة الشمس مسببة تلوث الهواء المحيط” . انتهى من موقف القرآن من العبث البشري بالبيئة (ص: 17) – ترقيم الشاملة.

وبما سبق يتبين: أنه لا يجوز لمزارع استعمال المبيدات الحشرية وفق هواه، بل لا بدَّ من رجوعه لأهل الاختصاص لدلالته على النوع الملائم ليستعمله، ويجب عليه التقيد بالتعليمات والإرشادات المتعلقة بكيفية رش الأشجار والثمار، والالتزام القطعي بالوقت المسموح له بقطف الثمار بعدها، ومن خالف ذلك فقطف ثمرة أشجاره قبل الوقت المسموح به فهو آثم إثمًا عظيمًا لأنه سيتسبب لغيره بالضرر البالغ، وهو في حقيقة أمره يبيع مواد سامة محرَّمة لا مواد نافعة مباحة، ويلزمه مسئولية كل ما يترتب عليه من آثار سيئة، ويكون كسبه سحتًا.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ ( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ) رواه ابن ماجه ( 2314 )، وحسنه النووي وابن الصلاح وابن رجب – كما في ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 304 ) – وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

* قال علماء اللجنة الدائمة – في شرح الحديث -: ” نهى النبي صلى الله عليه وسلم المكلَّف أن يضرَّ نفسه أو يضرّ غيره، ففيه دلالة على منع الإنسان من التعدي على نفسه، أو غيره.

وهذا الحديث وإن كان فيه مقال إلا أنه جاء من طرق يقوي بعضها بعضًا، وله شواهد فينهض إلى درجة الحسن لغيره، ويصلح للاستدلال به.

ونوصيك بمراجعة كتاب ” جامع العلوم والحكم ” للحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان”. انتهى من ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 400 ).

 

والله أعلم.

أجر تفطير الصائم لمن أطعم تمرة أم لمن أشبع؟ وهل النية للصوم في كل ليلة؟

أجر تفطير الصائم لمن أطعم تمرة أم لمن أشبع؟ وهل النية للصوم في كل ليلة؟

السؤال:

نعرف أن من فطر صائمًا فله مثل أجره، فإذا فطرت صائما على شربة ماء وذهب ليصلي المغرب في المسجد وفي الطريق دعاه أحد أصدقائه، فهل الأجر لمن فطَّره على شربة ماء أم للاثنين؟

هل يجب التلفظ باللسان أم يكتفي بالنية؟ وهل مشروط كل يوم ولا يصح الصوم إلا بها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

تفطير الصائم من الأعمال الصالحة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مفطِّر الصائم له مثل أجر الصائم.

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا “. رواه الترمذي (807) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وابن ماجه ( 1746 ).

وقد اختلف العلماء في معنى الحديث فذهب بعضهم إلى حصول الأجر حتى لو أطعمه تمرة، أو سقاه شربة ماء.

قال المناوي:

( من فطَّر صائما ) بعشائه، وكذا بتمر، فإن لم يتيسر فبماء.

” فيض القدير ” ( 6 / 187 ).

وقال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

وظاهر كلامهم: أي شيء كان، كما هو ظاهر الخبر.

” الفروع ” ( 3 / 73 ).

والصحيح: أن الأجر الوارد في الحديث إنما هو لمن أشبع الصائم، لا لمن ابتدأه بالطعام والشراب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والمراد بتفطيره: أن يُشبعه.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 460 ).

وليس يعني هذا أن من ابتدأ الصائم بتمرة أو شربة ماء أنه لا يؤجر، بل له على ذلك أجور عظيمة، قال الله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [ الزلزلة / الآية 7 – 8 ] ، وكلامنا على فقه الحديث والأجر الموعود عليه صاحبه، ولا يمكن أن يكون من تكلَّف بالطعام والشراب يضيع عليه أجر تفطير الصائمين برجُل سبقه بتمرة أو شربة ماء.

ثانيا:

والنية محلها في القلب، ولا يجوز لأحدٍ أن يتلفظ بها لا في الصيام ولا في غيره، وقد بيّنّا فيما سبق بدعية التلفظ بالنية في العبادات.

ثالثا:

أما مسألة كفاية النية من أول الشهر لأيامه جميعا: فقد وقع خلاف بين العلماء في هذه المسألة:

وقد ذهب الإمام أحمد والجمهور إلى أنه يلزم تجديد النية كل ليلة؛ لأن لكل ليلة حكمها، واستدلوا بلفظ أثر ابن عمر وحفصة – وقد روي مرفوعاً وموقوفا، والموقوف أصح – ” لا صيام لمن لم يجمع النية قبل الفجر ” وفي رواية ( يبيِّت )، وقالوا: إن ظاهر الأثر أن لكل ليلة نية مستقلة.

وذهب الإمام مالك وطائفة من أهل العلم إلى أن النية في أول ليلة تكفي عن سائر الشهر، وقالوا: إن النية من أول الشهر تجزيء عن النية من كل ليلة، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه المشهور: ” وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئ مَا نَوَى “، قالوا: وهذا قد نوى صيام جميع الشهر، وشهر رمضان بمنزلة العبادة الواحدة.

والصحيح من القولين هو الثاني، إلا أنه ينبغي التنبه إلى أنه إن قُطع تتابع الصوم بسبب حيض أو مرضٍ أو سفرٍ: فإنه تلزم نية جديدة.

 

والله أعلم.

كان زوجها على علاقة محرَّمة مع امرأة ثم تزوجها وتسأل مسائل متعددة

كان زوجها على علاقة محرَّمة مع امرأة ثم تزوجها وتسأل مسائل متعددة

السؤال:

أكتب لك رسالتي هذه من بلاد الغربة من ” لندن “, حيث قدمت مع زوجي وأولادي الخمسة – اثنان منهم مع أزواجهم, حيث تسهلت لهم فرصة إكمال دراستهم العليا في الخارج – ووجد زوجي الأكاديمي فرصة عمل في ” لندن ” فانتقلنا جميعنا على أن نكون مع أولادنا في هذه الفترة الدراسية التي مضت منها سنة.

الذي حدث – وأريد من فضيلتكم الرد عليه بشيء من التفصيل – هو أنه في ظروف الغربة والشعور بالضعف والخوف وضرورة وجود رب الأسرة دائما قريباً من الأولاد موجهًا معينًا على الدراسة بتهيئة جو أسري مريح, ومع مدى انشغاله بالعمل – فهو يخرج التاسعة ويعود السادسة وأكثر أحيانًا – فقد أقدم على الزواج من أخرى تدرس الدكتوراة  في نفس البلد, هذه الأخرى له قصة معها, حيث كان على علاقة بها واتصال دام ثلاث سنوات, هذه العلاقة والاتصال بشتى أنواعه بنيت على أنه طلبها من والدها ووافق أهلها وهم على علم أنه يتحدث معها، وكنت أخوفه بالله لكنه كان يبرر موقفه على أنه سوف يتزوجها، وهي الآن تدرس في ” لندن ” حيث انتقلت إلى هنا قبل مجيئنا بسنة أو أكثر.

أسئلتي لفضيلتكم هي:

  1. شعرتُ بالظلم أنه تزوج في بلد الغربة ونحن بهذه الظروف, فأيامنا التي يكون فيها عند الأخرى نشعر فيها بعدم الأمان، فهل آثم عندما أقول له بأنك قد ظلمتنا بزواجك؟.
  2. هو يبرر ذلك بأنه قضاء وقدر، نعم، آمنت بالله وأنه قضاء وقدر، ولكني أقول له: إنك أنت الذي قدرته على نفسك لأنك مشيت بهذا الطريق وفتحت له أبوابك، فهل أنا محقة أم هو؟.
  3. هل يجوز أن أطلب منه أن لا يذهب إليها إلا يوم أو يومين في الأسبوع حيث احتياجاتنا أكثر من احتياجاتها؟ مع العلم أن أهلها وإخوانها يعيشون معها في نفس المكان.
  4. هل يجوز لي أن أدعو الله بأن يصرفها عنَّا بما يشاء وكيف ما شاء, وأن أدعو الله عليها بعدم توفيقها مع زوجي لأني أشعر أنها خَدعت زوجي بكلامها فهي بنت وتصغره بعشرين سنة, وهو قد تجاوز الخمسين؟.
  5. وأخيرًا: إن لم يسمح لي الشرع بذلك, وشعرت أنني لا أطيق ولا أتحمل الوضع معه وأردت أن أعيش معه فقط لأجل أولادي هل أكون آثمة؟ مع العلم أنه قال لي: افعلي الشيْء الذي يريحك.

واعذرني إذا عشت في هذا الوضع فقد انشغل في أمور الدنيا ومشاكلها, و أنا أريد أن انشغل بآخرتي فبماذا تنصحونني أثابكم الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما كان عليه زوجكِ من علاقة مع تلك المرأة قبل التزوج بها أمرٌ منكر، وعليه التوبة منه، فلا يزال يبوء بإثمه حتى لو تزوجها ما لم يتب من فعله توبة نصوحاً، وينطبق الأمر ذاته على المرأة تلك.

وقد أحسنتِ في نصحك له بترك تلك العلاقة المحرمة، ونرجو الله أن يكتب لك أجر تلك النصيحة وذاك التخويف بالله تعالى.

 

ثانيًا:

وجوابًا على أسئلتك نقول:

  1. لا تكونين آثمة في قولك لزوجك ” إنك ظلمتنا بزواجك ” إذا كان فعلًا يقع منه الظلم تجاهك وتجاه أولاده، كأن يبيت عند الأخرى ما ليس لها به حق، وكأن يقصِّر في النفقة عليكم مع القدرة، وكأن يفرِّط في رعاية أولاده والعناية بهم ومتابعة أمور دينهم واستقامتهم، والواجب عليه – والحالة هذه – أن يتقي الله تعالى ربَّه وأن يرفع الظلم عمن ظلمهم، وأولهم نفسه حيث ظلمها بتعريضها لوعيد الله.

وأما إذا كان مؤديًّا ما افترض الله عليه من العدل بينك وبين الأخرى في النفقة والمبيت والسكنى، وإذا كان قائمًا على أولاده بالعناية والرعاية والمتابعة: فإنه لا يكون واقعًا في الظلم، وعليه: فيكون قولك له ” إنك ظلمتنا بزواجك ” في غير مكانه، ويجب الكف عنه فورًا؛ لأنه اتهام في غير محله.

  1. كلاكما محق من جهة، ولكلامه هو وجه آخر من البطلان! فهو صدَقَ في قوله إنَّ زواجه قضاء وقدر لكنه تهرَّب من الواقع أنه هو الذي أقدم على فعله، وأن معاتبتك له ليست على حادث سيارة وقع قدرًا بل على أمر خطَّط له ودبَّره وسعى لتحقيقه، وقوله إن زواجه ” قضاء وقدر ” يُشعر بأنه مجبور على فعله! وهو وجه البطلان في كلامه، وهو يعرف ما تقصدين لكنه تهرَّب من المواجهة بالاتكاء على ما هو مكتوب مقدَّر في الأزل!.

وأنتِ صادقة في أنه هو الذي ملَك أمر زواجه، وهو الذي سعى لتحقيقه في أرض الواقع، لذا فكان عليه أن يردَّ ردًّا شرعيًّا مقنعًا كأن يقول هذا أمر أباحه الله، أو يقول أنا بحاجة لزوجة أخرى، أو يقول هذا خير من البقاء على علاقة محرَّمة مع تلك المرأة، وأما أن يتكئ على القضاء والقدر المجرَّدين فهو فعل العاجز، لكن يبدو أنه يريد التخلص من إحراجك ومعاتبتك له بأقصر طريق ليقطع عنك الاستمرار في المعاتبة.

  1. لا يجوز لك أن تطلبي من زوجك الذهاب يومًا أو يومين فقط في الأسبوع لزوجته الأخرى، وأنت بذلك تقعين في الظلم لنفسك وتسببينه له، فكما كفل الله تعالى لك حقوقك فكذلك الأمر بخصوص الزوجة الأخرى، ولا فرق، والواجب على الزوج أن يقسم أيام الأسبوع لكل زوجة بالتساوي وهو العدل الذي أمره الله تعالى به، ولا مانع من الاتفاق على أيام مخصوصة يكون فيها عند أي واحدة منكما، ولا مانع أن تتنازل واحدة منكما عن حقها في بعض أيامها، لكنَّ ذلك مشروط بأن يكون عن طيبِ نفسٍ منها، لا بالإكراه ولا بالمخاجلة.
  2. لا يجوز لك الدعاء على الزوجة الأخرى بعدم التوفيق؛ فهو دعاء بإثم لا يقبله الله، ويُخشى من رجوع أثره السيء عليكِ، فاحذري، لكن إن رأيتِ منها شرًّا وسوءً فلك أن تدعي الله تعالى أن يكفَّ شرَّها وأذاها عنكِ وعن أولادك، وليس لك الدعاء بالمطلق أن يصرفها الله عنك وأن لا يوفقها وأنتِ لم تري منها ظلمًا ولا سوءً، وأنتِ لا تعلمين الخير أين يكون، فقد كان في زواج زوجك منها توقف عن ارتكابه لآثام ومعاصٍ متعددة، وهذا خير له ولها، وقد ترين منها خيراً لك ولأولادك فيما يأتي من قادم الأيام، كأن تحتاجين لوقوف أحد معك لمساعدتك في علاج أو ولادة، أو يحتاج أولادك لمن يرعاهم بغيابك عنهم، وغير ذلك كثير مما نراه ونسمعه من حال كثير من الأسر التي عدَّد فيها ربُّ الأسرة فتزوج أكثر من واحدة.
  3. لا ننصحك باتخاذ ذلك القرار الذي تودين فيه التفرغ لأولادك دون أن تكوني زوجة لزوجك؛ لعدة أمور:

أ. أن هذا منافٍ للفطرة التي فطر الله عليها النساء من وجود شهوة في نفسها، ولا تستطيع المرأة تصريفها إلا مع زوجها.

ب. أن هذا منافٍ للعشرة الحسنة التي أمرك الله تعالى بها تجاه زوجك.

ج. نرى تناقضاً في مواقفكِ عليك مراجعة نفسك لأجلها، فحين كان زوجك يرتكب المحرمات في العلاقات قبل الزواج مع تلك المرأة لثلاث سنوات لم نرَ موقفاً منك سوى النصح والتخويف، والآن عندما فعل الشيء الصواب الحلال نرى موقفك الهجر والترك له! ألا ترين أنه ثمة تناقض في موقفيكِ؟! وأن فعل زوجك الأول المحرَّم هو الموجب عليك موقفك الثاني! لا العكس، فآمل أن تعيدي النظر في موقفك هذا.

د. ثم إنه لا يُدرى ما يكون من حال زواج زوجك الثاني، فقد تشوبه شوائب ولا يُكتب له الاستمرار، فيكون بُعدك عن زوجك تلك السنوات فيه صعوبة في الإصلاح بعدها.

هـ. ليس ثمة تناقض بين تفرغك للآخرة وقيامك على شئون أولادك وبين بقاؤك زوجة لها كامل الحقوق وتعطي كامل الواجبات، بل إن غياب زوجك عنك عند زوجته الثانية يدع لك الفرصة الكبيرة للتفرغ لشئون نفسك وطاعتك وطلبك للعلم والتفرغ لأولادك ولبيتك، فلا تفتحي على الشيطان بابًا ينفذ من خلاله إلى قلبك وعقلك فيفسدهما عليك.

و. إن اتخاذ هذا القرار منك من شأنه أن يؤثر سلباً على تربية أولادك – ذكورًا وإناثًا – ويسبب لهم آثارًا سيئة مما سيرونه من كثرة فقد أبيهم، وسيؤثر قرارك عليك أنت أيضًا لأنه سيجعلك تتحملين مسئولية أكبر من ذي قبل تجاه أولادك.

فالذي نؤكد عليه: عدم اتخاذ هذا القرار، وأن تبقي زوجة صالحة، تؤدين واجباتك الزوجية، وتعاشرين زوجك بالمعروف.

 

ثالثًا:

وأما الحل الذي تقترحينه فهو جائز على الصحيح ويسمَّى ” الصلح “، وهو خير من الطلاق –  ولا شك، وخير منه أن يكون منكِ هبة لأيامك للزوجة الأخرى، والفرق بين ما تقترحينه وبين ما نقترحه لك أنه في حال الهبة يمكنك قطعها وعدم الاستمرار بها، وأما في حال اختيارك للصلح طريقا فإنه لن يمكنك التراجع عنه، وهذا هو الفرق بين ” الهبة ” و ” الصلح “.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله ” فإن رجعت قسم لها مستقبلًا ” يعني: بعد أن وهبت القَسْم له، أو لزوجةٍ أخرى فإن لها أن ترجع، ويقسم لها في المستقبل، ولا يقضي ما مضى، وهذا فائدة قوله ” مستقبلًا “.

فإن قال قائل: أليست الهبة تلزم بالقبض؟.

قلنا: بلى، لكنهم قالوا: هنا ما حصل القبض؛ لأن الأيام تتجدد يومًا بعد يوم، ولهذا قلنا: إنه يقسم لها مستقبلا ولا ترجع فيما مضى، لأن الذي فات قد قُبض، والهبة بعد قبضها لا رجوع فيها، أما ما يستقبل فإنه لم يأتِ بعد فلها أن ترجع فيه.

وهذا التعليل لما قاله المؤلف صحيح، لكن ينبغي أن يكون هذا مشروطًا بما إذا لم يكن هناك صلح، فإن كان هناك صلح: فينبغي أن لا تملك الرجوع؛ لقوله تعالى ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ) النساء: 128، والصلح لازم، وكيف الصلح؟ كأن تشعر من هذا الرجل أنه سيطلقها وخافت، فقالت له: أنا أتفق معك على أن أجعل يومي لفلانة، وتبقيني في حِبالك، فوافق على هذا الصلح، فصارت المسألة معاقدة، فإذا كانت معاقدة: فإنه يجب أن تبقى وأن تلزم، وإلا فلا فائدة من الصلح، وهذا الذي اختاره ابن القيم رحمه الله.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 436 ، 437 ).

ونسأل الله تعالى أن يهديك لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق، وأن يثبتك على دينه، وأن ييسر لك الخير حيث كان، وأن يجمع بينك وبين زوجك وأولادك على خير.

 

والله أعلم.

 

حشرة الفِراش، طريقة التخلص منها، وحكم دمها

حشرة الفِراش، طريقة التخلص منها، وحكم دمها

السؤال:

لم أستطع الهرب من الإصابة ببلاء وباء ” بق الفِراش ” في أمريكا، ونتيجة لذلك فإن الملابس التي أرتديها عليها بقع من بق الفراش سواء من أحشائه أو من الدم الذي يخرج مني، وقد تغسل الملابس مرات عديدة ولا يزول منها أحشاء بق الفراش، وقد قرأت فتوى حيث ذكرت حديثاً أنه يجب على المرء أن يحتها ثم يغسلها ثم يصلي، فهل يجوز الصلاة في هذه الملابس على الرغم من أنها ملونة بالحمرة من أثر مواد كيماوية من أحشاء بق الفراش والدم؟ وما هو وضع هذه الثياب وطهارتها؟.

فبلاء ” بق الفراش ” الذي أصاب أمريكا كالأوبئة التي أصابت قوم فرعون عندما عصوا موسى عليه السلام، أسأل الله أن ينجي المسلمين من البلاء الذي لا مفر منه إلا بعفوه. آمين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” بق الفراش ” أو ” حشرة الفراش ” هي حشرة صغيره غير مجنحة، طولها (4- 7 مليمتر)، ولونها يميل إلى البني الداكن، وهي بيضاوية الشكل، تمص الدماء أثناء النوم، وتسبب الحكة الشديدة والحساسية.

ويعاني الملايين في العالم من هذه البقة، وتبذل الدول والمؤسسات أموالًا طائلة للتعريف بخطرها وطرق القضاء عليها، ويُستعمل في سبيل ذلك مبيدات حشرية متنوعة.

وقد جاءت الإشارة إلى هذه البقة – وغيرها – في بعض الأحاديث الصحيحة، وفيها العلاج المحكم للقضاء عليها، وهو: نفض الفراش مع التسمية!.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ وَلْيُسَمِّ اللَّهَ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ ). رواه البخاري ( 5961 ) ومسلم ( 2714 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

( داخلة الإزار ) طرفه، ومعناه: أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يَدخل فيه؛ لئلّا يكون فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات، ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لئلّا يحصل في يده مكروه إن كان هناك. ” شرح مسلم ” ( 17 / 37 ، 38 ).

ثانيًا:

وليس عليك أن تقلق من الدماء التي تصيب ملابسك بسبب تلك الحشرة؛ لأن دماء تلك الحشرة لا تسيل، وما كان هذا حاله فهو من الدماء الطاهرة لا النجسة، فليس يجب عليك غسل الملابس المصابة بتلك الدماء وجوبًا شرعيًّا، لكنه يُزال من باب النظافة وإزالة القذر.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -: ودم ما لا نفس له سائلة، كالبق، والبراغيث، والذباب، ونحوه، فيه روايتان، إحداهما: أنه طاهر، وممن رخص في دم البراغيث: عطاء وطاووس والحسن والشعبي والحاكم وحبيب بن أبي ثابت وحماد والشافعي وإسحاق; ولأنه لو كان نجسًا لنجس الماء اليسير إذا مات فيه، فإنه إذا مكث في الماء لا يسلم من خروج فضلة منه فيه، ولأنه ليس بدم مسفوح، وإنما حرم الله الدم المسفوح.

والرواية الثانية عن أحمد قال في دم البراغيث إذا كثر: إني لأفزع منه، وقال النخعي: اغسل ما استطعت، وقال مالك في دم البراغيث: إذا كثر وانتشر: فإني أرى أن يغسل.

والأول أظهر، وقول أحمد إني لأفزع منه ليس بصريح في نجاسته، وإنما هو دليل على توقفه فيه، وليس المنسوب إلى البراغيث دمًا إنما هو بولها في الظاهر، وبول هذه الحشرات ليس بنجس، والله أعلم. ” المغني شرح مختصر الخرقي ” ( 1 / 410 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في بيان أنواع الدماء الطاهرة -:

دم ما لا يسيل دمه، كدم البعوضة، والبقِّ، والذُّباب، ونحوها، فلو تلوَّث الثَّوب بشيء من ذلك: فهو طاهر لا يجب غَسْلُه.

وربما يُستدَلُّ على ذلك – بأنَّ ميْتة هذا النوع من الحشَرات طاهرة – بقوله صلّى الله عليه وسلّم ( إِذا وَقَع الذُّبابُ في شرابِ أحدكم فلْيَغْمِسْهُ ثم لينزِعْهُ فإِن في أحد جناحَيه داء وفي الآخر شفاء ) – رواه البخاري -.

ويلزم من غَمْسِه: الموت، إِذا كان الشَّراب حارًّا، أو دُهنًا، ولو كانت ميْتته نجسة: لتنجَّس بذلك الشَّراب ولا سيَّما إِذا كان الإِناء صغيرًا.” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” (1/440 ).

والدم الذي يخرج منك ليس نجسًا ولا ينقض الوضوء.

وأما ما قرأته مما يُحت ثم يُقرص ثم يُغسل ليصلَّى به: فهو الثوب الذي أصابه دم حيض، ودم الحيض نجس بغير خلاف نعلمه بين العلماء.

 

والله أعلم.

جواب على سائل يهودي حول القرآن والتوراة

جواب على سائل يهودي حول القرآن والتوراة

السؤال:

أعلم أن نقطة الاتفاق بين الإسلام واليهودية هي عبادة الله الواحد وحرمة عبادة الأصنام،  والفرق الأساسي بينهما هو كتاب كل دين – أقصد القرآن والتوراة -، فكيف تختلف تعاليم القرآن عن تعاليم التوراة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نرحب بك في موقعنا هذا ونسأل الله أن نقدِّم لك المفيد من المعلومات، وأن يكون ذلك نافعًا لك في دينك ودنياك.

 

ثانيًا:

اعلم أن الكتب السماوية كلها مصدرها واحد، وهو الرب عزَّ وجل، قال تعالى ( اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ. مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) آل عمران/ 2 – 4.

واعلم أن من أعظم القواسم المشتركة بينها كلها: أنها تدعو الناس لتوحيد الله تعالى ونبذ الشرك، قال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) الأنبياء/ 25، وقال تعالى ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ) النحل/  36.

 

ثالثًا:

واعلم أن الإيمان بهذه الكتب ركن من أركان الإيمان في الإسلام، وأنه لا يكون مسلماً من كفر بأيٍّ من الكتب السماوية السابقة، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ) النساء/ 136، وقال تعالى ( وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا ) النساء/ 136.

 

رابعًا:

واعلم أن التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام قد وصفها ربُّنا تعالى بما تستحقه من صفات، وقد جاء ذِكر هذه الصفات في القرآن الكريم، ومنها: أنها ” هدى ” و ” نور ” و ” فرقان ” و ” ضياء ” و ” ذِكر ” و ” رحمة “، قال تعالى ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ) المائدة/ 44، وقال تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ ) الأنبياء/ 48، وقال تعالى ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ) الأنعام/154.

 

خامسًا:

– والتوراة الموجودة اليوم تشتمل على خمسة أسفار وهي:

  1. ” سِفر التكوين “: ويتحدث هذا السفر عن خلق العالم، وظهور الإنسان، وطوفان نوح، وولادة إبراهيم إلى موت يوسف عليه الصلاة والسلام.
  2. ” سِفر الخروج “: ويتحدث عن حياة بني إسرائيل في مصر، منذ أيام يعقوب إلى خروجهم إلى أرض كنعان مع موسى ويوشع بن نون.
  3. ” سِفر اللاويين “: نسبة إلى لاوي بن يعقوب، وفي هذا السِّفر حديث عن الطهارة، والنجاسة، وتقديم الذبائح، والنذر، وتعظيم هارون وبنيه.
  4. ” سِفر العدد “: يحصي قبائل بني إسرائيل منذ يعقوب، وأفرادَهم ومواشيهم.
  5. ” سفر التثنية “: وفيه أحكام، وعبادات، وسياسة، واجتماع، واقتصاد، وثلاثة خطابات لموسى عليه السلام.

واعلم أن التوراة التي أُمرنا بالإيمان بها، والتي جاءت أوصافها بما سبق ذِكره ليست هي هذه التوراة الحالية التي بأيدي اليهود؛ وذلك بسبب التحريف والتبديل والتغيير الذي نالها من أهلها، قال تعالى ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) البقرة/78،79، وقال تعالى ( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) البقرة/ 75، وقال تعالى ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ) المائدة/ 13.

وهذا التبديل والتحريف في كلام الله تعالى في التوراة قد قامت عليه الشواهد الكثيرة المتعددة، سواء كان التحريف للمعنى أو للفظ، أو لكليهما، مما يدل على أنه يستحيل أن تكون تلك النسخة مستحقة لتلك الأوصاف التي سبق ذِكرها للنسخة الأصلية، ومن الشواهد على أن التوراة الحالية ليست هي التوراة المنزلة من رب العالمين:

  1. ما حصل للتوراة من الضياع والنسخ والتحريف والتدمير، فلقد حُرِّف فيها، وبُدِّل، وضاعت، وتعرضت لسبع تدميرات، منذ عهد سليمان عليه السلام ( 945 ) قبل الميلاد إلى أن حصل التدمير السابع عام 613 م، مما يدل على ضياعها وانقطاع سندها.
  2. ما تشتمل عليه من عقائد باطلة لا تمت إلى ما جاء به المرسلون بأدنى صلة.
  3. اشتمالها على تنقص الرب جل وعلا وتشبيهه بالمخلوقين، ومن ذلك قولهم: ” إن الله تصارع مع يعقوب ليلة كاملة فصرعه يعقوب! “، ومن ذلك قولهم: ” إن الله ندم على خلق البشر لما رأى من معاصيهم، وأنه بكى حتى رمد فعادته الملائكة! “، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
  4. اشتمالها على سبِّ الأنبياء والطعن فيهم، ومن ذلك قولهم: ” إن نبي الله هارون صنع عجلاً وعبده مع بني إسرائيل! “، وقولهم: ” إن لوطًا شرب خمرًا حتى سكر، ثم قام على ابنتيه فزنى بهما الواحدة تلو الأخرى! “، وقولهم: ” إن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره، وعَبَدَ الأصنام، وبنى لها المعابد! “.
  5. اشتمالها على المغالطات والمستحيلات والمتناقضات.
  6. أن المعركة التي قامت بين التوراة وحقائق العلم الحديث أثبتت ما في التوراة من الأخطاء العلمية.

ومن تلك الكتب التي تكلمت على هذا الموضوع كتابان هما: ” أصل الإنسان ” و ” التوراة والإنجيل والقرآن ” لعالم فرنسي اسمه ” موريس بوكاي ” حيث أثبت وجود أخطاء علمية في التوراة والإنجيل، وأثبت في الوقت نفسه عدم تعارض القرآن مع العلم الحديث وحقائقه، بل سجل شهادات تفوق سبق القرآنُ فيها العلمَ بألف وأربعمائة عام.

يُنظر كتاب ” الإيمان بالكتب ” للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد ( ص 15 )، ومنه استفدنا فقرة ” خامسًا “.

ولعله قد تبين لك الآن أنه لم يعد ثمة قواسم مشتركة بين القرآن والتوراة حتى في عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام؛ لما حصل في التوراة الآن من تحريف قبيح تعلق حتى في الغاية التي من أجلها أرسل الله تعالى الرسل، فاقرأ – مثلًا – في ” سفر التكوين ” ( 32 : 1 – 5 ) تجد فيه أن هارون عليه السلام هو الذي صنع العِجِل، وأمَر بني إسرائيل بعبادته!، واقرأ في السفر نفسه ( 11: 10 – 12 ) تجد أن سليمان عليه السلام عَبَدَ الأصنام في آخر حياته، وبنى لها المعابد!!.

وكل هذا من الكذب والافتراء على دين الله تعالى وعلى أنبيائه الكرام عليهم السلام.

وحتى ما يوجد في التوراة من تحريم الربا ووجوب التعامل بالأمانة فإنهم حرَّفوا معناه، ونسبوا للرب تعالى أن ذاك التحريم للربا وذاك الوجوب في التعامل بالأمانة هو في حال إذا كان تعامل اليهود بعضهم مع بعض! وأما إذا كان تعاملهم مع غير اليهود فإنهم يستحلون الربا معهم ويستحلون خيانتهم.

وقد ذكر الله تعالى ذلك عنهم في القرآن الكريم فقال ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران/ 75.

وأما القرآن الكريم فقد تكفل الله تعالى بحفظه بأسباب كثيرة.

 

سادسًا:

واعلم أن الله تعالى قد ختم رسالاته إلى الأرض بالإسلام، وختم أنبياءه ومرسَليه بنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه تعالى قد ختم كتبه المنزلة من عنده بالقرآن الكريم، لذا كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثاً للناس كافَّة، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) الأعراف/ 158، وقال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) سبأ/ 28، ولذا كان القرآن الكريم ذِكرًا للعالَمين، قال تعالى (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) القلم/ 52.

ولذلك فقد أوجب الله تعالى على كل أحد أن يدخل في الإسلام، وأن يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا من عند ربِّه تعالى، ولا يحل لأحدٍ كان على دينٍ أن يستمر عليه، ولو فعل فهو غير نافعه عند ربه؛ لأن الإسلام خُتمت به الديانات، وأحكام القرآن ناسخة ومهيمنة على ما قبلها في الأديان التي قبله، فلا ينفع أحدٌ أن يعمل بشريعةٍ أو يتعبد ربَّه تعالى بدينٍ إلا بشريعة ودين الإسلام، قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) آل عمران/ 19، وقال تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران/ 85.

 

ونسأل الله تعالى أن نكون قد وفينا سؤالك حقَّه من الإجابة، ونسأله تعالى أن يشرح صدرك للإسلام، وما وجدته غير واضح ويحتاج لمزيد بيان فلا تتردد في مراسلتنا بشأنه.

 

والله أعلم.

 

تعرفت على رجل أجنبي في موقع زواج فخدعها بعلاقة محرمة وتريد التوبة فماذا تصنع؟

تعرفت على رجل أجنبي في موقع زواج فخدعها بعلاقة محرمة وتريد التوبة فماذا تصنع؟

السؤال:

أعيش في ندم دائم منذ أسابيع حيث أني ارتكبت ذنبًا، من أجل أن أجد شريك حياتي دخلت على موقع على الإنترنت لأحدِّث شخصا ما، وبالفعل تحدثت إلى شخص ما، وبالفعل تعرفت على هذا الشخص وقابلته وقابل أسرتنا وبدأت المقابلات بيننا، في بداية الأمر كانت في الأماكن العامة، وبعد ذلك وقعنا فيما حرم الله عز وجل، ولكني عزمت أن لا أفعل هذا، وطلبت منه أيضًا أن لا يطلب مني شيئًا كهذا، ولقد أدرك أيضًا حرمة ما فعل، وعاهدني أن لا يفعل، ولكن للأسف عادت بنا الحال إلى أن وقعنا مرة ثانية فيما حرم الله.

ولكني أديت الحج – والحمد لله – ومع ذلك أشعر بأني ارتكبت ذنبًا من الكبائر، وهو يخبرني كثيرًا أنه يريد الزواج مني ولكني للأسف ونظرًا لما فعله شعرت بضعفه وأصبحت أشعر بالغضب منه الأمر الذي جعله لا يريد الزواج مني.

وللعلم لم تحدث بيننا كبائر ذنوب ولا أمور كبيرة، حاولت إقناعه كثيرا أنه ينبغي علينا التوبة وأن نتزوج ولكنه لم يستجب لي، أشعر بأسى وحزن شديد بل وندم على ما صرت إليه حيث أشعر أن هذا بسبب ضعفي.

يريد مني أن أسامحه ونبقى أصدقاء ولكني لا أريد أن أرتكب ذنبًا آخر في أن أكون صديقة له، ولا أريد أن أسامحه وأريد أن يتألم مما فعله معي.

أريد أن أتوب إلى الله عز وجل فهل من أدعية للتوبة؟ وهل عليّ وزر من أن لا أسامحه على ما فعل بل وألعنه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المواقع الإلكترونية المختصة بالتعارف عن طريقها من أجل الزواج لم يُرَ منها إلا الشر والسوء؛ فإنه يدخل فيها كثير من العابثين من أجل اللهو ومن أجل اللعب بأعراض الفتيات والنساء، فيتم التعارف والوعود بالزواج مع الكذب في بيان حاله وحالته فقط من أجل الوصول لفريسته وقضاء شهوته المحرَّمة معها، وفي الغالب الأكثر لا يرضى صاحب المروءة أن تكون شريكة حياته ممن عرضت نفسها على تلك المواقع لتجد الزوج المناسب، ولذا فإن الصادقين من الداخلين لتلك المواقع أقل من القليل، ولذا لا نرى الدخول فيها، وللجادين والجادات في البحث عن الزواج اللجوء إلى الطرق الاعتيادية المباحة من أجل تحقيق هذا الغرض، وليس لهم أن يسلكوا طريق تلك المواقع ففيها من السوء والشر الشيء الكثير.

ثانيًا:

ولا شك أنك تحتاجين لتوبة مما حصل بينك وبين ذاك الرجل الأجنبي عنك من مراسلة ومحادثة ولقاء، ثم مما جرى مما هو أعظم من ذلك من الحرام، وليس ثمة أدعية تقال في التوبة أعظم من الاستغفار الصادق وطلب العفو من الله أن يغفر الذنب ويقبل التوب.

واعلمي أنه لا تكون توبة صادقة مع الاستمرار في الدخول لتلك المواقع، ولا مع الاستمرار في مراسلة الأجانب عنك من الرجال، ولا مع بقاء ذلك الرجل الأجنبي في حياتك، فحتى تكون التوبة صادقة لا بدَّ من التخلص من ذلك كله، فلا دخول لمواقع التعارف من أجل الزواج حتى لا تتكرر المعصية مع شخص آخر، ولا مراسلات ولا محادثات مع رجال أجانب، وكذلك يجب عليك قطع العلاقة مع ذلك الرجل الأجنبي والذي أوقعكِ في الحرام أكثر من مرة، وها هو يريد لتلك العلاقة أن تستمر بعد أن أظهر لك نيته بعدم رغبته التزوج منكِ، وهو يؤكد ما ذكرناه عن أحوال أولئك العابثين بأعراض النساء، وهو محتاج لتوبة صادقة بينه وبين ربِّه، وهو مذنب ذنوبًا عظيمة ليس يرفع آثامها مسامحة تصدر منك، وليس ثمة حاجة لأن تلعنينه؛ فليس المؤمن باللعَّان، ولا تعوِّدي لسانك على مثل هذا القول، واشتغلي بأمر توبتك والقيام بما يكفِّر ذنوبك من طاعات، ونرجو الله تعالى أن يكون قد غفر لك ذنوبك كلها بما قمتِ به من أداء مناسك الحج، ودعي أمره ليتولاه ربُّه وخالقه جلَّ في علاه.

ثالثًا:

واعلمي ليس ثمة صداقة بين النساء والرجال الأجانب عنهن، ولا تثمر تلك العلاقات والصداقات إلا الوقوع في المزيد من المحرمات، ولكِ في بنات جنسك غنية عن صداقة ذلك الرجل وغيره من الرجال الأجانب، فابحثي عن أخوات مستقيمات على الطاعة ليكنَّ صديقات لك تتعاونين معهنَّ على البر والتقوى، وتقوي إيمانك بصحبتهن، ولعلَّ الله تعالى أن ييسر أمر زواجك عن طريق إحداهن.

ونسأل الله تعالى أن ييسر أمركِ، وأن يلبسكِ لباس الطهر والعفاف، وأن يوفقك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

باع تمثالًا مجسَّمًا وجعل ثمنه كله في دفع الزيادة الربوية عن أصدقائه فهل يرتفع عنه الإثم؟

باع تمثالًا مجسَّمًا وجعل ثمنه كله في دفع الزيادة الربوية عن أصدقائه فهل يرتفع عنه الإثم؟

السؤال:

شخص باع تمثالًا أثريًّا مجسَّمًا، وهو يعلم أن المال حرام ونجس، ولكنه استغل المال بالكامل في دفع فوائد قروض بنوك ربوية عن أصدقائه، مع تعهدهم بعدم الرجوع للاقتراض الربوي مرة أخرى، فهل الشخص عليه وزر؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد ذكرنا في جواب سابق حرمة صناعة التماثيل، وبيَّنا وجوب تكسير الأصنام.

ولا فرق بين أن تكون التماثيل مصنوعة من خشب أو حديد أو جبس، فالحكم فيها واحد، ولا فرق بين كونها قديمة أو حديثة.

 

ثانيًا:

– وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرَّم بيع الأصنام.

فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ  وَهُوَ بِمَكَّةَ ( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ). رواه البخاري ( 2121 ) ومسلم ( 1581 ).

وعليه: فقد أخطأ خطأ عظيمًا ذلك الشخص الذي تُخبر أنه باع التمثال المجسَّم، وليَعلم أن كسبه محرَّم، ولا يجوز له أن يُنفق به على نفسه، ولا أن يرجع شيء من نفعه عليه، مع وجوب التوبة الصادقة من معصيته.

ولا تشفع له النية الحسنة في التخلص من المال بوجوه خير مختلفة في عدم اكتساب الآثام على بيعه لذلك التمثال المجسَّم؛ فالنية الحسنة لا تشفع للعمل المخالف للشرع خاصة مع علم صاحبها أنه يرتكب بفعله معصية ويكتسب إثمًا.

وليحذر المسلم من مكائد الشيطان كأن يزين له وضع المال في بنك ربوي ليأخذ الفائدة الربوية عليه لينفقها على المحتاجين من المسلمين؛ فإن هذا من أبواب مكر الشيطان بالمسلم، وإنما الأمر بالتخلص من المال المحرَّم للتائب من ذنبه، ففرق بين من يؤمر بالتخلص من المال المكتسب بالحرام بعد توبته، وبين من يتعمد ارتكاب الحرام ليتخلص من أمواله.

* قال علماء اللجنة الدائمة  

ولا يحل للإنسان الإقدام على أخذ الفوائد، ولا الاستمرار في أخذها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد .” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / 354 ، 355 ).

وعلى كل حال:

فالإثم حاصل بفعله لذلك البيع المحرَّم، وعليه التوبة منه، وقد أحسن في التخلص منه بما لا يرجع نفعه إليه، وقد أحسن بأخذ العهد على أصدقائه بعدم العودة إلى معصية الربا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومَن أخذ عوضًا عن عين محرمة أو نفع استوفاه مثل أجرة حمال الخمر وأجرة صانع الصليب وأجرة البغي ونحو ذلك: فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوَض كفارة لما فعله؛ فإن هذا العوَض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 142 ).

 

ونسأل الله تعالى أن يأجره على عمله هذا – أي: على أخذه العهد على أصدقائه -، وأنه إذا تاب أن يقبل الله منه توبته ويوفقه لعدم العودة لمثل هذا الفعل.

 

والله أعلم.