وقع في حب فتاة ثم تاب فهل يتخذها صديقة؟
السؤال:
شاب مسلم سافر للدراسة في الخارج بعيدًا عن أهله، تعرَّف على فتاة مسلمة وزادت العلاقة بينهم حتى أصبحت حبًّا، حصل بينهم اللمس والتقبيل ولكن لم يزنيا، شعر بالخوف من الله، وطلب منها أن تغير علاقتها معه أو أن تتركه لأن ما يفعلانه خطأ، تفهمت الموضوع وقالت نبقى أصدقاء ولا نتكلم عن الحب أبدًا ونكون أصدقاء فقط، مع أنه يشعر بأنه ضحى لأجل الله فهو يحبها جدًّا ولكنه يقول بأن هذا غير كافٍ لإرضاء الله، هل يجوز له أن يتحدث معها كصديقة فقط؟ وكيف يشرح لها فهو لا يريد بأن يكون أنانيًّا فهو يحبها جدّاً ولكن حبه لله أكبر؟.
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
إن سلوك المسلم لطرق الفتنة هو السبب في وقوعه في حبائل الشيطان، والشريعة الإسلاميَّة أغلقت بأحكامها العظيمة تلك الطرق وحذَّرت من سلوكها، وحذّرت كذلك من اتباع خطوات الشيطان.
ومن هذه الطرق: ذهاب المسلم إلى بلاد الكفر، وإقامته فيها وحده أو مع أسرة، ودراسته في جامعة مختلطة، وصحبته لأناسٍ فاسدين لا يدلونه على الخير ولا يحذرونه من الشر، وإطلاق العنان لجوارحه أن تعمل في المعصية كالأذن في سماع الغناء، والعين في النظر المحرم وغير ذلك.
ولا يتم للإنسان حفظٌ لنفسه إلا بالابتعاد عن تلك الطرق، والبحث عن سبل السلام والهداية التي يرضى عنها ربُّه تبارك وتعالى.
ثانيًا:
نجد الأخ السائل على خير وهدى وصلاح إن شاء الله، وذلك بخوفه من ربه عز وجل وتركه لعلاقته مع تلك الفتاة بعد أن وقع في محرمات معها بسبب سلوكه لتلك الطرق آنفة الذِّكر.
ومقام الخوف من الله مقام عظيم، وترك شهوات النفس لله تعالى أمرٌ لا يقدر عليه إلا من حقق التوحيد واكتمل الإيمان في قلبه وظهر على جوارحه.
لكن عليه أن يثبت على ما فعل، وأن لا يترك الشيطان ليدله على طريق آخر يسلكه به ليؤدي به إلى نتيجة واحدة وهي الوقوع في المحرَّمات، فلا صداقة بينه وبين تلك الفتاة الأجنبية عنه، وطريق هذه الصداقة معروف نهايته، لذا فإن عليه عدم الاستجابة لطلبها، والبقاء على موقفه، مستعينًا بريه عز وجل أن يهديه الصراط المستقيم، وأن يثبته على الهداية والرشاد.
ثالثًا:
وإذا كان يحبها حقيقة: فإن الطريق السوي الشرعي الذي ينبغي عليه سلوكه هو الزواج بها لا غير، على أننا نود منه إن فكر في الزواج أن يختار ذات الخلق والدين كما هي وصية النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يتزوج بها فإن صداقته لها ستؤدي به إلى الوقوع في محرَّمات كما ذكر هو عن نفسه أنه فعل.
قال الشيخ محمد الصالح العثيمين:
إذا قُدِّر أن يكون بين الرجل وبين امرأة من الناس محبَّة، فإن أكبر ما يدفع الفتنة والفاحشة أن يتزوجها؛ لأنه سوف يبقى قلبُه معلَّقًا بها إن لم يتزوجها، وكذلك هي فربما تحصل الفتنة.
قد يسمع إنسان عن امرأة بأنها ذات خلُق فاضل، وذات عِلم فيرغب أن يتزوجها، وكذلك هي تسمع عن هذا الرجل بأنه ذو خلُق فاضل وعِلم ودين فترغبه، لكن التواصل بين المتحابين على غير وجهٍ شرعي هذا هو البلاء، وهو قطع الأعناق والظهور، فلا يحل في هذه الحال أن يتصل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، ويقول إنه يرغب في زواجها، بل يخبر وليها أنه يريد زواجها، أو تخبر هي وليها أنها تريد الزواج منه، كما فعل عمر رضي الله عنه حينما عرض ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما.
وأما أن تقوم المرأة مباشرة بالاتصال بالرجل فهذا محل فتنة.
” أسئلة الباب المفتوح ” ( السؤال رقم 868 ).
والله أعلم.
هل يكمل دراسته في جامعته المختلطة أم يذهب لطلب العلم؟
السؤال:
أنا طالب بكلية الطب وهي كلية مختلطة تكثر فيها الفتن، ولقد تحصلت على فرصه لطلب العلم الشرعي في الخارج، لكن والدي يريدني أن أكمل دراستي في كلية الطب، وأنا أريد اتقاء الفتن، أفيدونا أفادكم الله.
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
لا يجوز للمسلم والمسلمة الدراسة في أماكن مختلطة، وخاصة إذا ترتب على هذه الدراسة فتنة للدارس، وقد بيَّنا هذا في مواضع متعددة.
ثانيًا:
وقد أمرنا الله تعالى ببر الوالدين في مواضع كثيرة في كتابه الكريم، ومنها: قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } [ العنكبوت / 8 ].
وفي الوقت نفسه حرَّم علينا الطاعة – لهم ولغيرهم – إن كانت في معصية.
عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف “.
رواه البخاري ( 6830 ) ومسلم ( 1840 ).
وما يرغب به والدكَ من البقاء في الجامعة المختلطة ليس موافقًا للشرع، وبخاصة أنه قد جاءتك فرصة لطلب العلم الشرعي، ولن يضيِّع الله تعالى من اتقاه وسعى لمرضاته عز وجل كما قال الله تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ … } [ الطلاق / 2 ، 3].
وعليكَ التلطف في إقناع والدكَ، فلا ترفع صوتك ولا تغلظ القول، فكثير من العامة يظنون أن الرزق لا يأتي لأبنائهم من الدراسة الشرعية، فيحبون لأبنائهم الدراسة العلمية الأخرى، طمعًا في العمل والرزق، ورغبة في المنصب والجاه.
وتصحيح مثل هذا الاعتقادات والمفاهيم يحتاج إلى حكمة وذكاء، فلا تعارض بين الدراسة الشرعية والعمل وطلب الرزق.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
إذا أمرني والداي بأن أترك أصحابا طيبين وزملاء أخيارًا، وألا أسافر معهم لأقضي عمرة، مع العلم بأني في طريقي إلى الالتزام، فهل تجب علي طاعتهم في هذه الحالة؟.
فأجاب:
ليس عليك طاعتهم في معصية الله، ولا فيما يضرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إنما الطاعة في المعروف “، و قوله صلى الله عليه وسلم ” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق “، فالذي ينهاك عن صحبة الأخيار: لا تطعه، لا الوالدان ولا غيرهما، ولا تطع أحدًا في مصاحبة الأشرار أيضًا، لكن تخاطب والديك بالكلام الطيب، وبالتي هي أحسن، كأن تقول: يا والدي كذا، ويا أمي كذا، هؤلاء طيبون، وهؤلاء أستفيد منهم، وأنتفع بهم، ويلين قلبي معهم، وأتعلم العلم وأستفيد، فترد عليهم بالكلام الطيب والأسلوب الحسن لا بالعنف والشدة، وإذا منعوك فلا تخبرهم بأنك تتبع الأخيار وتتصل بهم، ولا تخبرهم بأنك ذهبت مع أولئك إذا كانوا لا يرضون بذلك. ولكن عليك أن لا تطيعهم إلا في الطاعة والمعروف.
وإذا أمروك بمصاحبة الأشرار، أو أمروك بالتدخين أو بشرب الخمر أو الزنا أو بغير ذلك من المعاصي فلا تطعهم ولا غيرهم في ذلك، للحديثين المذكورين آنفًا وبالله التوفيق. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 126 ، 127 ).
والله أعلم.
هل يجوز المشاركة في رحلات التخييم المختلطة؟
السؤال:
هل يجوز أن نشارك في رحلات التخييم، علما أنه يذهب فيها الشباب والشابات؟.
الجواب:
الحمد لله
شرع الله تبارك وتعالى من الأحكام ما تُحفظ به الأعراض والأديان والعقول والنفوس والأموال، ولا يتعدى أحد على شيء من شرع الله إلا ويتعرض لوعيد الله تعالى.
ورحلات التخييم المختلطة هي أشبه بالاجتماع على محاربة الشريعة لما فيها من منكرات ظاهرة لا يستطيع أحدٌ أن يجادل فيها إلا أن يقول باطلًا أو يشهد زورًا .
وهذه الرحلات يراد منها التعود على الاختلاط بين الجنسين، والتعارف المحرم بينهم، وفيها من النظر والخلوة والمماسة الشيء الكثير، فمن يستطيع ضبط الأمور بين الشاب والشابة إذا خرجوا في تلك الرحلات، سواء في تنزههم أو في لعبهم أو في منامهم؟.
إن هذه الأمور هي أوضح ما تكون من حيث حكمها الشرعي، ولكن يمكن أن يلبس شياطين الجن والإنس على الشاب والشابة بتجويز هذه الأمور.
ولو سألنا الشاب الذي يرى بعينه ما يكون فيها من منكرات هل تحب أن تكون أختك في هذه الرحلة لرفض ذلك وقد يغضب من مجرد السؤال.
فواقع الحال يبين حقيقة الحكم الشرعي في هذه الرحلات المختلطة, ولذا فإنه لا يفتي بجوازها إلا من أراد نشر الفاحشة في المؤمنين، وقد توعد الله تعالى هؤلاء بقوله: { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } [ النور / 19 ].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:
{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } أي: الأمور الشنيعة المستقبحة, فيحبون أن تشتهر الفاحشة { فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: موجع للقلب والبدن؛ وذلك لغشه لإخوانه المسلمين, ومحبة الشر لهم, وجراءته على أعراضهم.
فإذا كان هذا الوعيد لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة, واستحلاء ذلك بالقلب, فكيف بما هو أعظم من ذلك, من إظهاره, ونقله؟! وسواء كانت الفاحشة صادرة, أو غير صادرة.
وكل هذا من رحمة الله لعباده المؤمنين, وصيانة أعراضهم, كما صان دماءهم وأموالهم, وأمرهم بما يقتضي المصافاة, وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه, ويكره له ما يكره لنفسه.
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } فلذلك علَّمكم, وبيَّن لكم ما تجهلونه.
” تفسير السعدي “.
قال علماء اللجنة الدائمة:
لا يجوز الإتيان إلى الأماكن التي انتشرت فيها المنكرات، وفي المتع التي أحلها الله لنا غنية عما حرم سبحانه علينا. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 361 ).
والله أعلم.
هل أبوا النبي صلى الله عليه وسلم في النار؟
السؤال:
هل أبو النبي صلى الله عليه وسلم في النار؟
– أريد جوابًا مفصلًا ومدعمًا بالأدلة وأجيبوا عن الشبهات حول من قال إنه ليس في النار.
الجواب:
الحمد لله
من اعتقاد أهل السنة والجماعة عدم الجزم لأحدٍ بجنة أو نار إلا ما جاء به النص على ذلك، ومما ورد في السنة الصحيحة – وكلاهما في ” صحيح مسلم ” – إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ” أن أباه في النار “، وكذا تحريم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأمه.
ويمكن أن يقال: إنهما كفرا بملة إبراهيم عليه السلام، ويمكن القول إنهما من أهل الفترة، لكن الله تعالى أوحى إليه بما يكون عليه مصيرهما.
وكون بعض أهل الأنبياء كفارًا موجود قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فامرأة نوح عليه السلام وابنه من الكفار، وامرأة لوط عليه السلام كذلك، وكذا والد إبراهيم عليه السلام، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم أهله وأقرباءه فآمن كثيرون وكفر كثيرون، وكان ممن كفر: عمَّاه: أبو لهب، وأبو طالب، وغيرهما.
فما يقوله بعض الناس بخلاف هذا فهو إما كلام مبني على أحاديث غير صحيحة، أو كلام بعاطفة تغلب على النصوص وتعارضه.
عن أنس: ” أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفَّى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار “، رواه مسلم برقم ( 203 ).
قال الإمام النووي: فيه: أن مَن مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقرَّبين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. ” شرح صحيح مسلم ” ( 3 / 79 ).
وقد قال بعض العلماء بخلاف هذا، وقالوا: إن الله تعالى أحيا أبَوَي النبي صلى الله عليه وسلم فآمنا به وماتا!.
والأحاديث التي جاءت بإحياء والدي النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث موضوعة كما قال المحققون من أهل العلم، فإن في أسانيدها مجاهيل وضعفاء.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:
هل صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟.
فأجاب:
لم يصحَّ ذلك عن أحدٍ من أهل الحديث، بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلَق، وإن كان قد روى فى ذلك أبو بكر – يعني: الخطيب – في كتابه ” السابق واللاحق “، وذكره أبو القاسم السهيلى في ” شرح السيرة ” بإسنادٍ فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبى فى ” التذكرة “، وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه مِن أظهر الموضوعات كذبًا كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك فى الكتب المعتمدة فى الحديث: لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازى والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح؛ لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متديِّن؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة من وجهين: مِن جهة إحياء الموتى، ومِن جهة الإيمان بعد الموت.
فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحدٌ من الثقات عُلم أنه كذب، والخطيب البغدادى هو فى كتاب ” السابق واللاحق ” مقصوده أن يَذكر مَن تقدم ومن تأخر من المحدثين عن شخصٍ واحدٍ سواء كان الذى يروونه صدقًا أو كذبًا، وابن شاهين يروى الغث والسمين، والسهيلى إنما ذكر ذلك بإسناد فيه مجاهيل، ثم هذا خلاف الكتاب والسنَّة الصحيحة والإجماع، قال الله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا. وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدَهم الموتُ قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار }، فبيَّن الله تعالى أنه لا توبة لمن مات كافرًا، وقال تعالى: { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنَّة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون }، فأخبر أن سنَّته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس، فكيف بعد الموت ونحو ذلك من النصوص؟، وفي صحيح مسلم: ” أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟ قال: إن أباك في النار، فلمَّا أدبر دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار “، وفي صحيح مسلم أيضًا أنه قال: استأذنتُ ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكِّر الآخرة ” ….
” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 324 – 327 ) مختصرًا، وليراجعه من أراد الاستزادة.
والله أعلم.
شبهة الصوفية على الرقص في الذِّكر
السؤال:
ما صحة ما ينسب لأبي بكر الصديق من أنه لما بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة قام فرحًا وفتل (دار حول نفسه ) فرحًا؟.
ومنها يأخذ الصوفية المولوية الذين يدورون حول أنفسهم بطريقة عجيبة قد تصل لمدة ربع ساعة وهي منتشرة في تركيا والشام ومصر.
الجواب:
الحمد لله
استدل الصوفية على رقصهم ووجدهم ببعض أدلة، ومنها حديث عن أبي بكر، وعن جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنهم -.
- أما حديث أبي بكر:
عن ابن عمر قال: كنتُ عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خلَّها – أي: عقدها – في صدره بخِلال، فنزل جبريل فقال: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلَّها في صدره بخلال؟ فقال: أنفَقَ ماله عليَّ قبل الفتح، قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه السلام، وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: أراضٍ أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: أسْخط على ربي عز وجل؟ إني عن ربي راض.
رواه البغوي في ” التفسير ” ( 4 / 295 ). وهو حديث موضوع، فيه العلاء بن عمرو الحنفي، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال الأزدي: لا يكتب عنه بحال.
وقد ذكر هذا الحديثَ الذهبيُّ في ” ميزان الاعتدال ” ( 5 / 127 )، وقال: هو كذب.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
هل تخلل أبو بكر بالعباءة؟ وتخللت الملائكة لأجله بالعباءة أم لا؟.
فأجاب:
الحمد لله، لم يتخلل أبو بكر بالعباءة، ولا الملائكة تخللوا بالعباءة، وذلك كذب، والله أعلم.
” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 107 ).
- وأما حديث جعفر:
عن علي – رضي الله عنه – قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وجعفر وزيد قال: فقال لزيد: أنت مولاي فحجل، قال: وقال لجعفر: أنت أشبهتَ خلْقي وخلُقي، قال: فحجل وراء زيد، قال: وقال لي: أنت منِّي وأنا منك، قال فحجلتُ وراء جعفر “. رواه أحمد ( 2 / 213 ).
قال شعيب الأرناؤط: إسناده ضعيف، هانئ بن هانئ تقدم القول فيه، … ومثله لا يحتمل التفرد، ولفظ ” الحجل ” في الحديث منكر غريب.
ج. قال ابن القيم – في سياق ذكر رجوع جعفر من الحبشة -:
وأما ما روي في هذه القصة أن جعفرًا لما نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حجل – يعني: مشى على رجل واحدة – إعظامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله أشباه الدِّباب الرقَّاصون أصلًا لهم في الرقص: فقال البيهقي – وقد رواه من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر -: وفي إسناده إلى الثوري من لا يعرف.
قلتُ: ولو صحَّ لم يكن في هذا حجة على جواز التشبه بالدِّباب، والتكسر، والتخنث في المشي المنافي لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا لعله كان من عادة الحبشة تعظيماً لكبرائها كضرب الجوك عند الترك ونحو ذلك، فجرى جعفر على تلك العادة وفعلها مرة، ثم تركها لسنَّة الإسلام، فأين هذا من القفز، والتكسر، والتثني، والتخنث؟ وبالله التوفيق.
” زاد المعاد ” ( 3 / 333 ، 334 ).
والله أعلم.
هل صحيح أن المرأة المتبرجة لا تجد ريح الجنّة ولو كانت مكرهة؟
السؤال:
هل صحيح أن المرأة التي تبدي جسمها برغبتها أو رغمًا عنها، لن تجد ريح الجنة؟ أرجو ذكر الدليل من القرآن والسنة.
الجواب:
الحمد لله
– نعم، صحيح، لكن ليس في حق المرأة المكرَهة، بل من تبرجت برغبتها.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا “. رواه مسلم ( 2128 ).
وأما المكرَهة على نزع الحجاب فلا يشملها الوعيد الوارد في الحديث، على أن يكون الإكراهُ إكراهًا شرعيًّا مبيحًا لها أن تنزعه.
والإكراه شرعًا: هو حمل الغير على تصرف لا يريده ولا يرضاه بوسيلة لتحقيق ذلك بحيث لا يستطيع التخلص إلا بحصول ضرر به أعظم من ضرره بفعله، ويعرف ذلك باليقين أو غلبة الظن.
– وشروط تحقق الإكراه المبيح لفعل الحرام.
– أن يكونَ المُكرِه قادرًا على تحقيق تهديده، كالسلطان أو قاطع الطريق.
– أن يكونَ المكرَه عاجزًا عن دفع التهديد لضعفه كالمرأة أو المسجون، فإن استطاع المكرَه الهرب أو الاستعانة بغيره أو المقاومة: فلا يعدُّ مكرَها إن لم يفعل ما يستطيعه.
– أن يكون الإكراه عاجلًا أو آجلًا قريبًا، فإن كان بعيدًا: فلا يعتبر مبيحًا لفعل المحرَّم.
– أن يتعلق الإكراه بالعرض أو الشرف أو النفس بالقتل أو التعذيب، أما خصم جزء من الراتب، أو الفصل من الوظيفة، أو الطرد من البلاد: فلا تعتبر هذه ومثيلاتها أعذارًا لنزع الحجاب أو فعل المحرَّم.
– أن يفعل المكرَه أدنى قدَر من المحرَّم، ولا يجوز أن يرضى قلبه بهذا المنكَر، فمن أجبرت على نزع الحجاب: لا يجوز لها وضع المساحيق ولا الخروج ببنطال أو غير ذلك من المحرَّمات.
– أن يتركَ المكرَه الفعل المحرَّم متى زال الإكراه دون تأخير أو توانٍ.
والله أعلم.
هل القرآن يصلح لكل زمان ومكان؟
السؤال:
أقرأ القرآن، و أريد أن أعرف إذا كانت هذه الآيات صالحة لأي وقت، هناك بعض الآيات التي استخدمت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالذات، فهل كل الآيات صالحة لأي زمان ولأي موقف تدل عليه هذه الآية؟.
أرجو الشرح، جزاكم الله خيرًا
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
ختم الله تعالى الرسالات برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وختم النبيين به هو صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } [ الأحزاب / 40 ]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن مَثَلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لَبِنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ” – رواه البخاري ( 3342 ) ومسلم ( 2286 ) -.
وكانت آيات الرسل التي جعلها الله تعالى علامات على صدق الرسل قبله صلى الله عليه وسلم خاصة بزمانهم فقط؛ لأن كل رسول أُرسل إلى قومه خاصة، ومن الطبيعي أن تكون آية للنبي صلى الله عليه وسلم خالدة ومستمرة لكل زمان ومكان؛ لأنه بُعث للناس كافة وإلى قيام الساعة، فكان ” القرآن الكريم ” هو تلك الآية الخالدة، فعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ما مِن الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ” – رواه البخاري ( 4696 ) ومسلم ( 152 ) -.
وفي القرآن الكريم آيات متعددة فيها بيان ما سبق ذِكره، ومنه أن القرآن كتاب هداية وتشريع للناس إلى قيام الساعة، ولا يحل لأحدٍ أن يخرج على أحكامه وتشريعاته، قال الله تعالى: { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } [ البقرة / 2 ]، وقال: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا } ] الإسراء / 9 ]، وقال تعالى: { كتاب أنزلناه إليك مباركٌ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } [ إبراهيم / 2 ].
وقال تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا } [ النساء / 65 ]، وقال: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا } [ الأحزاب / 36 ].
وبناءً على هذه النصوص يُعَدُّ من يختار من الأحكام غير ما اختاره الله ورسوله قد ضلَّ ضلالًا بعيدًا، قال تعالى: { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور / 63 ].
وإذا قُصد بالآية قوم معينون أو شخص معين فلا يعني ذلك أن الآية له دون غيره إلا بنص خاص يبين ذلك، فآيات الظهار والطلاق واليمين واللعان وغيرها وإن كان سبب نزولها مناسبة معينة أو سبب نزول فإنها عامة في كل أحد إذا تشابهت المناسبة والسبب.
وكذلك إذا قال الله عز وجل: { ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا }، فإن كلمة ” القوم ” في الآية يُقصد بها أعداء الإسلام أينما كانوا، وإن كان المعنى المقصود بـ ” القوم ” هم الكفار الذين يحاربون الله ورسوله.
ثانيًا:
وبعض الناس يريد من هذه الجملة معنى باطلًا، وهو أن الشريعة تتغير أحكامها على حسب الزمان والمكان، وهذا معنى ” صلاحيتها ” عنده، فيصبح للآية والحديث معنى آخر غير المعنى الذي أراده الله تعالى وفهمه المسلمون.
قال الشيخ ابن عثيمين:
والدين الإسلامي: متضمن لجميع المصالح التي تضمنتها الأديان السابقة، متميز عليها بكونه صالحًا لكل زمان، ومكان وأمة، قال الله تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه } [ المائدة / 48 ].
ومعنى كونه صالحًا لكل زمان ومكان وأمة: أن التمسك به لا ينافي مصالح الأمة في أي زمان، أو مكان، بل هو صلاحها، وليس معنى ذلك أنه خاضع لكل زمان ومكان وأمة كما يريده بعض الناس.
” فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 5 / 101 ).
والله أعلم.
هل تغير اسم بنتها التي نسبتها لزوج أمّها الكافر، فتنسبها لزوجها الأخير؟
السؤال:
تزوجت أوربية مسلمة قصتها كالآتي:
طلق أبوها المسيحي أمها المسيحية بعد حياة مليئة بالذل والصدام العنيف، فتزوجت الأم رجلًا آخر لكنه كان أسوأ، سامها سوء العذاب، فطلقت نفسها منه لكنها حملت اسمه، وكذلك البنت أصبحت تحمل اسم زوج أمها طبقا للقانون، تزوجت البنت من رجل صوفي ضال وأنجبت منه طفلة، ثم طلقها، ورفض كتابة الطفلة باسمه حيث إنه يدعي أنها خرجت من الإسلام ببعدها عن الصوفية واعتناقها منهج السلف، الآن اضطرت إلى كتابة الطفلة باسم زوج أمها، ثم تزوجت البنت برجل مسلم ملتزم، فهل يجوز لها أن تحمل اسمه وكذلك الطفلة، حيث أنها لا ترغب أن تحمل اسم زوج أمها الكافر؟ وكذلك الطفلة بنت الصوفي الذي تبرأ من نسبها لأن القانون غير إسلامي؟.
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
يجب على المسلم أن لا يقيم في بلاد الكفر، بل يهرب بدينه إلى دار الإسلام التي يستطيع أن يطبق فيها أحكام الشرع.
وقد تكرر منا التحذير من الإقامة في بلاد الكفر في أكثر من سؤال فليراجع.
ثانيًا:
من الأخطاء الشائعة أن يقال ” مسيحي “، فهم ليسوا أتباع المسيح، والصواب أن يقال ” نصراني “.
ثالثًا:
لا يجوز للمرأة أن تحمل اسم زوجها، بل ينسب الناس إلى آبائهم، والمرأة قد تتزوج عدة أزواج، لكنه لن يكون لها إلا أبٌ واحد، والله تعالى يقول { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } [ الأحزاب / 5]، ومن العار أن توجد هذه القوانين في بلاد تدعي الحضارة، وتدعي أن تعطي المرأة حقوقها، وهي تنتسب إلى غير من كان السبب في وجودها، وتتخير من الأزواج من تشاء لتنسب إليه أبناءها.
ولا يجوز في الشرع المطهر نسبة الأبناء إلى زوج الأم، وعليه: فإن ما فعلتْه البنت من نسبة نفسها إلى زوج أمها باطل، وأبطل منه ما تسأل عنه وهو نسبة ولدها إلى زوج أمها نفسه؛ لأنه سيصبح أخًا لها في القانون الجائر، وهو ابنها في الواقع والشرع.
وعليها أن ترفع أمرها إلى من يمكنه إنصافها وذلك بإرغام ذلك الصوفي المنحرف ليسجل الولد باسمه، فهو لجهله وحماقته يتهم الأخت بالردة – ظلمًا وزورًا – وهو يقع في أمر كبير وهو التبرؤ من نسبة الولد إليه، والرضا بنسبته إلى غير أبيه، وما علاقة النسب بالدين لو كان يفقه الشرع؟.
والله أعلم.
هل تخلع النقاب بسبب ضرره عليها وعلى جنينها؟
السؤال:
أنا سيدة منتقبة وحامل وأحس بضيق شديد في التنفس من النقاب ونصحتني طبيبة مسلمة منتقبة بأن أخلع النقاب خوفًا على صحتي وصحة الجنين، فماذا أفعل أفادكم الله؟.
الجواب:
الحمد لله
لا يأمر الله تعالى بما فيه ضرر على عباده، وشريعة الله تعالى حكيمة وأحكامه غاية في اليسر والحكمة ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومن شقَّ عليه أمرٌ من الشريعة فإن المشقة تجلب التيسير كما هي قواعد الشرع، فمن عجر عن الصلاة قائما فإنه يصلي قاعدًا، ومن عجز عن الصوم – لكبر سنه أو لمرضه المزمن – فإنه يفطر ويطعم، وهكذا.
ولا زالت النساء تلبس النقاب والخمار ولم نر منهن شكاوى أو ضجرًا منه، فلعلَّ ما حصل مع الأخت السائلة – أو مع غيرها – إنما هو بسبب صفة نقابها أو خمارها، أو بسبب طريقة لبسه، فمن كان نقابها سميكًا فإنه يمكن أن يضايقها في التنفس والرؤية، فالحل في مثل هذا أن تخفف من سماكته.
وبعض النساء تشد النقاب حول وجهها بعنف وشدة وهو ما يسبب لها ضيقًا في التنفس، والحل في مثل هذا أن تخفف من شد نقابها حتى يسهل عليها التنفس براحة ويسر.
والله أعلم.

