الرئيسية بلوق الصفحة 229

حكم الصلاة في الحزام والمحفظة المصنوعة من الجلد

السؤال:

ما أعرفه أن دبغ الجلود طهورها، لكن من وقت قريب سمعت أنه لا يجوز الصلاة في الحزام الجلدي فهل هذا صحيح؟ فزوجي يصلي وهو يلبس حزام من الجلد الطبيعي، وكذلك المحفظة في جيبه من الجلد أيضا.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس كل جلد يحرم لبسه، وليس كل جلد يطهر بالدباغ، أما جلود الحيوانات مأكولة اللحم: فإن دباغها ذكاتها، يعني أنها إذا ذُبحت الذبح الشرعي: فلا حاجة لدباغة جلودها؛ لأنها تطهر بمجرد الذبح.

فإن كانت الجلود لحيوانات مأكولة اللحم لكنها ميتة: فإن جلدها ينجس، ولا يحل استعماله إلا بعد دباغته.

عن ابن عباس – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي  صلى الله عليه وسلم: ” ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به “. رواه البخاري ( 1492 ) – وليس فيه لفظ ” الدبغ ” – ومسلم ( 363 ).

وعن عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا  دبغ  الإهاب فقد طهر “. رواه مسلم ( 366 ).

وإن كانت الحيوانات غير مأكولة اللحم – كالسباع والحمار والخنزير -: فقد اختلف العلماء في جلودها هل يطهرها الدباغ أم لا؟، وأرجح أقوالهم: أنه لا تطهر بالدباغ، بل قد جاء النهي صريحاً عن لبس جلود السباع – وهي غير مأكولة اللحم -.

عن المقدام بن معد يكرب – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها “. رواه أبو داود ( 4131 ).

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

وقيل: إن جلد الميتة يطهر بالدباغ بشرط أن تكون الميتة مما تُحله الذكاة، وأما ما لا تحله الذكاة: فإنه لا يطهر، وهذا القول هو الراجح، وعلى هذا: فجلد الهرة وما دونها في الخِلقة لا يطهر بالدباغ.

فمناط الحكم هو على طهارة الحيوان في حال الحياة، فما كان طاهراً: فإنه يباح استعمال جلد ميتته بعد الدبغ في يابس، ولا يطهر على المذهب، وعلى القول الثاني: يطهر، وعلى القول الثالث: يطهر بالدباغ إذا كانت الميتة مما تحله الذكاة.

والراجح: القول الثالث، بدليل أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: ” دباغها ذكاتها ” – رواه النسائي ( 4243 ) ، وصححه الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 1 / 49 ) – فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذكاة لا تطهِّر إلا ما يباح أكله، فلو أنك ذبحتَ حماراً وذكرتَ اسم الله عليه وأنهر الدم: فإنه لا يسمَّى ذكاة.

وعلى هذا نقول: جلد ما يحرم أكله، ولو كان طاهرًا في الحياة: فإنه لا يطهر بالدباغ، والتعليل: أن الحيوان الطاهر في الحياة إنما جُعل طاهراً لمشقة التحرز منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إنها من الطوافين عليكم والطوافات ” – أي: الهرة، والحديث رواه الترمذي ( 92 ) وأبو داود ( 75 ), والنسائي ( 68 ), وابن ماجه (368 ), وصححه البخاري, والترمذي, والدارقطني والعقيلي كما قال ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 1 / 41 ) – وهذه العلة تنتفي بالموت، وعلى هذا يعود إلى أصله وهو النجاسة، فلا يطهر بالدباغ.

فيكون القول الراجح: كل حيوان مات وهو يؤكل: فإن جلده يطهر بالدباغ، وهذا أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -، وله قول آخر يوافق قول مَن قال: إن ما كان طاهراً في الحياة: فإن جلده يطهر بالدبغ.

” الشرح الممتع ” ( 1 / 74 ، 75 ).

والخلاصة:

أن الجلد الطبيعي إن كان من حيوان مأكول اللحم: جاز استعماله بعد دباغته إن لم يذَّكى تذكية شرعية، ودون الحاجة لدباغته إن كان مذَّكى، وإن كان من حيوان غير مأكول اللحم: فلا يجوز استعماله، وليس لهذا المنع من الاستعمال تعلق بالصلاة، فحيث كان المنع كان في العموم في الصلاة وخارجها.

– وما قلناه عن الحزام الجلدي ينطبق – كذلك – على المحفظة الجلدية.

 

والله أعلم.

أنواع الخلاف، واتباع المذاهب، ومجامع الفتوى

السؤال:

لماذا لا يكون لعلماء الإسلام مَجْمَعًا لإصدار الفتاوى – فقد أصبح بمقدور كل واحد أن يستفتي أي شخص -؟ ولماذا يصر العلماء على إظهار المسائل الخلافية بين المذاهب بدلًا من العمل على تجميع الأمة؟ ولماذا يصرون على الدفاع عن مسائل فيها خلاف بنسبة ( 5 % ) ويثيرون حولها الخلاف – مثل الجهر بالتأمين -؟.

أنا لا أفهم الفرق ما إذا اتبع المسلم المذهب الحنفي أو المالكي أو غيره طالما أنه يصلي الصلوات المفروضة في الجماعة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الخلاف ضد الاتفاق، وهو أن يذهب أحدهما إلى ما يخالف الآخر، ولا فرق بين الاختلاف والخلاف، لا في اللغة ولا في الاصطلاح.

والخلاف مذموم في أصله، ومنهي عنه، قال تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) [ من آل عمران / الآية 103 ] ، وقال تعالى: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ آل عمران / الآية 105 ].

والاختلاف كائن في هذه الأمة كما كان فيما قبلها، قال الله تعالى: ( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) [ هود / الآية 118 ، 119 ].

وأمر الله تعالى عند الاختلاف الرد إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: (  فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُم تُؤمِنُونَ بِالله وَاليوْمِ الآخِر ) [ النساء / من الآية 59 ].

* والخلاف الواقع بين علماء الإسلام ليس نوعًا واحدًا بل هو على نوعين:

اختلاف تضاد، وهو المذموم وهو المحذر منه، واختلاف التنوع وهو جائز ولا حرج على من أخذ بأحد الأقوال فيه، نحو صيغ الأذان والإقامة، وقد يكون بعضها أرجح من بعض.

واختلاف التضاد هو الأكثر شهرة بين المسلمين لاختلاف مذاهبهم ومصادر تعلمهم، والعلماء ليسوا على درجة واحدة في العلم والفهم، وهناك أسباب تدعوهم لتبني أقوالهم ومخالفة غيرهم، وقد يكون الحق معهم وقد يخالفون الحق، ولا يُعرف هذا إلا بعد عرض أقوالهم على الكتاب والسنة، ومن كان منهم من أهل الاجتهاد فأصاب في قوله فله أجران، ومن أخطأ كان له أجر واحد، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه.

واختلاف التضاد الذي يقع بين العلماء هو اختلاف بالنسبة لهم لا بالنسبة للشرع، فالشرع محكم وأدلته لا تتعارض، لكنهم يفتون بحسب ما تبين لهم.

* قال الشاطبي – رحمه الله –:

الشريعةُ كلُّها ترجع إلى قولٍ واحدٍ في فروعها، وإن كَثُرَ الخلافُ، كما أنَّها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك، والدليل عليه أمورٌ:

أحدها: أدلَّةُ القرآن، ومِن ذلك قولُه تعالى: ( وَلَوْ كانَ منْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) [ النساء / الآية 82 ] ، فنفى أن يقع فيه اختلافٌ البتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين: لم يصدُقْ عليه هذا الكلامُ على حالٍ، وفي القرآن: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) الآية [ النساء / الآية 59 ] ، وهذه الآيةُ صريحةٌ في رفعِ التنازعِ والاختلاف، فإنه رَدَّ المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيءٍ واحدٍ، إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف: لم يكن في الرجوع إليه رفعُ تنازعٍ، وهذا باطلٌ …

” الموافقات ” ( 4 / 63 ).

ثانيا:

لا يجوز للمسلم اتباع أحدٍ من الأئمة في كل ما يقول، والواجب على من آتاه الله بصيرة وفهمًا أن يتبع ما وافق الكتاب والسنة مما قالوه، فإن كان هم معذورين في خطئهم لعدم وصول الدليل لهم أو لعدم تبينهم صحته أو لعدم معرفتهم أنه منسوخ, فما هو عذر من جاء بعدهم وعلم ذلك؟.

ولقد نهى الأئمة الأعلام المقتدى بهم عن تقليدهم وحذروا عن ذلك تحذيرًا شديدًا، قال أبو حنيفة: إذا خالف قولي الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط، وقال مالك: كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر – وأشار إلى قبره صلى الله عليه وسلم -، وقال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا وجدتم الحديث في قارعة الطريق فخذوا به ودعوا قولي، وقال أحمد: لا تقلدني ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، ولكن خذ من حيث أخذوا.

ثالثا:

وفرقة الأمة ليس بتبني مسائل فقهية يخالف بعضهم فيها بعضًا، بل الفرقة هي في تبني اعتقادٍ يخالف اعتقاد الفرقة الناجية، وهم أهل السنة والجماعة، ومن هؤلاء المختلفين المفرقين لوحدة الأمة: الأشعرية والمعتزلة والقدرية، ولا نقول الجهمية والرافضة؛ فهؤلاء أقرب إلى كونهم أديانًا منهم إلى عدهم من الفرق المنتسبة للإسلام.

فليحرص المسلم على تبني اعتقاد أهل السنة والجماعة، ولا يتسنى له ذلك إلا بالعلم، ولا علم إلا ما كان مصدره الكتاب والسنة الصحيحة، وهكذا تجتمع الأمة، وليس اجتماعها هو اجتماع على مسائل فقهية قد يُعذر فيها المخالف، وهو الذي ينبغي الحرص عليه ونشره بين المسلمين، فلا يوحدهم ويجمعهم إلا التوحيد، وأما مسائل الفقه فقد يسع فيها الخلاف، وهكذا كان الحال عند الصحابة فاعتقادهم واحد وترجيحاتهم في مسائل الفقه متباينة، وإن كان الخلاف فيها – في زمانهم –  قليلًا.

رابعا:

وأما عن مجامع الفقه والفتوى: فهي كثيرة، لكن ليست كلها تنطلق في فتاواها من الكتاب والسنة، فبعضها لا يفرِّق بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، وبعضها يتعصب لمذهب بلده، والأهم من ذلك أن القليل منها من تتبنى اعتقاد أهل السنة والجماعة.

وقد وفَّق الله تعالى ” اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” في المملكة العربية السعودية للفتوى في جميع أبواب العلم، وكانت فتاواها موفقة في أنها منطلقة من الكتاب والسنة، ولا تتعصب لمذهب على حساب الأدلة، وعقائدهم جميعًا موافقة لعقائد من سلفهم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

كما يوجد فتاوى من مجامع فقهية مشهورة مثل: ” المجمع الفقهي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي، و” مجمع الفقه الإسلامي ” التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وكلاهما يجمع علماء من أقطار الأرض، ويخرج بتوصيات موفقة في مسائل هامة، ونوازل معاصرة.

 

والله الموفق.

شرح أحاديث صحيح البخاري كاملا – الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

بفضل الله ولأول مرة
‏شرح صحيح الإمام البخاري -رحمه الله- للشيخ: محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- ،
تم تقطيعها حديثا حديثا، كل حديث بمقطع فيديو مستقل في (3550) مقطعا .
في ملف (PDF):

https://ihsan-alotibie.com/wp-content/uploads/2021/11/صحيح-البخاري.pdf

ما هو ضابط البدعة الإضافية؟

السؤال:

ما هو ضابط البدعة الإضافية؟ وهل كل ما لم يثبت فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم من عبادة في مكان ما أو زمن ما أو طريقة معينة يعتبر من البدع؟ وهذه بعض الحالات: المواظبة على قراءة الكهف في يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة بالتحديد – ولكن بدون أن ينوي التعبد بتحديد الوقت -، وقراءة جزء في كل يوم من صلاة التراويح، وقراءة القرآن جماعة بصوت واحد، وهل هناك فرق بين نية التعبد وغيرها – كنية التعلم – في البدع الإضافية؟ وما هو الدليل على ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأصل في باب العبادات هو التوقيف والتلقي عن الشرع كما قرر ذلك أهل العلم، وكل من أحدث عبادة تقرب فيها إلى الله تعالى فقد ابتدع في الدين، ولم يقبل الله تعالى منه عبادته، وقد صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ” رواه البخاري – معلقًا – ومسلم ( 1718 ).

* وقال الإمام مالك – رحمه الله -:

من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: (  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [ المائدة / من الآية 3 ] ، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا.

وبالنظر فيما أحدثه الناس من بدعٍ قسَّم بعض أهل العلم البدعة إلى بدعة حقيقية وبدعة إضافية، والبدعة الحقيقية: هي التي لم يدل عليها دليل شرعي, لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم, لا في الجملة ولا في التفصيل، كبدعة المولد وترك الزواج رهبانية وغيرها.

– والبدعة الإضافية: هي ما كان له أصل في الشرع، لكن خالف صاحبها في فعلها من حيث‏:‏ ‏(‏1‏)‏ الكم ‏(‏2‏)‏ الكيف ‏(‏3‏)‏ الزمان ‏(‏4‏)‏ المكان ‏(‏5‏)‏ السبب ‏(‏6‏)‏ الجنس.‏

– والمعنى: أن هذه الأوصاف متى لم يرد باعتبارها دليل شرعي تكون البدعة العبادة بذلك بدعة إضافية.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 8 / 32 ، 33 ):

تنقسم البدعة من حيث قربها من الأدلة أو بعدها عنها إلى حقيقية وإضافية.

البدعة الحقيقية:

هي التي لم يدل عليها دليل شرعي, لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم, لا في الجملة ولا في التفصيل, ولهذا سميت بدعة حقيقية; لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق, وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع; إذ هو مدع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة, ولكن ثبت أن هذه الدعوى غير صحيحة, لا في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر, أما بحسب نفس الأمر فبالعرض, وأما بحسب الظاهر فإن أدلته شبه وليست بأدلة, ومن أمثلتها: التقرب إلى الله تعالى بالرهبانية وترك الزواج مع وجود الداعي إليه وفقد المانع الشرعي, كرهبانية النصارى المذكورة في قوله تعالى: ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله )؛ فهذه كانت قبل الإسلام, أما في الإسلام فقد نسخت في شريعتنا بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: ” فمن رغب عن سنتي فليس مني “، ومنها: أن يفعل المسلم مثل ما يفعل أهل الهند في تعذيب النفس بأنواع العذاب الشنيع والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب وتقشعر منها الجلود, مثل الإحراق بالنار على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العليا والقربى من الله سبحانه في زعمهم.

البدعة الإضافية:

وهي التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق, فلا تكون من تلك الجهة بدعة, والثانية ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، ولما كان العمل له شائبتان, ولم يتخلص لأحد الطرفين, وضعت له هذه التسمية; لأنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لاستنادها إلى دليل, وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لاستنادها إلى شبهة لا إلى دليل, أو لأنها غير مستندة إلى شيء, وهذا النوع من البدع هو مثار الخلاف بين المتكلمين في البدع والسنن, وله أمثلة كثيرة, منها: صلاة الرغائب, وهي: اثنتا عشرة ركعة في ليلة الجمعة الأولى من رجب بكيفية مخصوصة, وقد قال العلماء: إنها بدعة قبيحة منكرة، وكذا صلاة ليلة النصف من شعبان, وهي: مائة ركعة بكيفية خاصة، وصلاة بر الوالدين.

ووجه كونها بدعة إضافية: أنها مشروعة, باعتبار النظر إلى أصل الصلاة؛ لحديث رواه  الطبراني في الأوسط ” الصلاة خير موضوع “, وغير مشروعة باعتبار ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة، فهي مشروعة باعتبار ذاتها, مبتدعة باعتبار ما عرض لها. انتهى.

* وقال الشاطبي – رحمه الله – وهو الذي سماها بهذا الاسم -:

ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية أن يكون أصل العبادة مشروعًا إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهماً أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حد لها، ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زماناً دون زمان، ما عدا ما نهي عن صيامه على الخصوص كالعيدين، وندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا خص منه يومًا من الجمعة بعينه، أو أيامًا من الشهر بأعيانها – لا من جهة ما عينه الشارع – فإن ذلك ظاهر بأنه من جهة اختيار المكلف، كيوم الأربعاء مثلًا في الجمعة، والسابع والثامن في الشهر، وما أشبه ذلك، بحيث لا يقصد بذلك وجهًا بعينه مما لا ينثني عنه. فإذا قيل له: لم خصصت تلك الأيام دون غيرها؟ لم يكن له بذلك حجة غير التصميم، أو يقول: إن الشيخ الفلاني مات فيه أو ما أشبه ذلك، فلا شك أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيَّاماً بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلف بدعة، إذ هي تشريع بغير مستند.

ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصًا، كتخصيص اليوم بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط، كان تشريعًا زائدا.

ولا حجة له في أن يقول: إن هذا الزمان ثبت فضله على غيره فيحسن فيه إيقاع العبادات؛ لأنا نقول: هذا الحسن هل ثبت له أصل أم لا؟ فإن ثبت فهو مسألتنا كما ثبت الفضل في قيام ليالي رمضان، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الاثنين والخميس، فإن لم يثبت فما مستندك فيه العقل لا يحسن ولا يقبح ولا شرع يستند إليه؟ فلم يبق إلا أنه ابتداع في التخصيص، كإحداث الخطب وتحري ختم القرآن في بعض ليالي رمضان. ” الاعتصام ” ( 1 / 485 ، 486 ).

وذكر – رحمه الله – أمثلة كثيرة على البدعة الإضافية، ومنها:

– تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة.

– ومن ذلك: قراءة القرآن بهيئة الاجتماع عشية عرفة في المسجد للدعاء تشبهًا بأهل عرفة.

– ومن ذلك: الأذان والإقامة في العيدين، فقد نقل ابن عبد البر اتفاق الفقهاء على أن لا أذان ولا إقامة فيهما، ولا في شيء من الصلوات المسنونات والنوافل، وإنما الأذان للمكتوبات، وعلى هذا مضى عمل الخلفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وجماعة الصحابة – رضي الله عنهم -، وعلماء التابعين، وفقهاء الأمصار.

ثانيًا:

وبما سبق من التفصيل العلمي يُعرف الجواب عن الحالات التي جاء ذكرها في السؤال، فقراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها مشروع، ولم يأتِ تخصيص وقت معين لقراءتها فيه، فلا يجوز التعبد لله بوقت معيَّن تُقرأ فيه هذه السورة.

ولا نعلم بأسًا من قراءة جزء من القرآن كل ليلة في صلاة التراويح، ومقدار القراءة أمره واسع، وهو أمر للترتيب لا للتعبد بالتحديد.

وقراءة القرآن بصوت جماعي لا يجوز إلا أن يراد به التعليم، فإن كان ثمة من يعلم طلبة فيرددون وراءه بصوت واحد فيجوز، وأما إن قُصد به التعبد فلا يجوز، وهو من البدع الإضافية؛ لأن قراءة القرآن مشروعة في أصلها، وقد خالفوا هنا في الكيفية.

وإذا التزم المسلم حضور درس في وقت معيَّن فلا يعني هذا وقوعه في ” البدعة الإضافية “؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيصه يومًا للنساء يعلمهن ويعظهن؛ ولأن المسلم لا يقصد التعبد لله بما يحدده من وقت.

عن أبي سعيد الخدري قال: قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلَبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن, فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار، فقالت امرأة: واثنتين؟ فقال: واثنتين. رواه البخاري ( 102 ) وبوَّب عليه: باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، ومسلم ( 2634 ).

وقد جعل بعض أهل البدع الاحتفال بالموالد البدعية والاجتماع للعبادة مثل تحديد يوم للدرس والموعظة، وقد ردَّ الشيخ ابن عثيمين على مثل هذه الشبهة.

 

والله أعلم.

حكم خطبة الجمعة بغير اللغة العربية

السؤال:

هل تشرع الخطبة بلغة غير اللغة العربية في مكان أغلبيته لا يتكلمون العربية؟ وما هو الدليل على ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

اشترط بعض أهل العلم أن تكون خطبة الجمعة باللغة العربية، وقالوا: إنه ذِكر مفروض كالتشهد فوجب أن يكون باللغة العربية.

وذهب آخرون إلى جواز خطبة الجمعة بغير العربية متى كان المصلون لا يفهمون العربية ولا يحسنونها؛ لأن المقصود من خطبة الجمعة هو الوعظ والإرشاد وذلك حاصل بكل لسان، لكن على من لا يُحسن اللغة العربية أن يجتهد في تعلم العربية خروجًا من الخلاف.

* قال النووي – رحمه الله -:

هل يشترط كون الخطبة بالعربية؟

فيه طريقان:

أصحهما – وبه قطع الجمهور -: يشترط؛ لأنه ذِكر مفروض فشرط فيه العربية كالتشهد وتكبيرة الإحرام مع قوله صلى اللّه عليه وسلم: ” صلوا كما رأيتموني أصلي “, وكان يخطب بالعربية.

والثاني: فيه وجهان حكاهما جماعة منهم المتولى أحدهما: هذا، والثاني: مستحب ولا يشترط؛ لأن المقصود الوعظ وهو حاصل بكل اللغات.

قال أصحابنا: فإذا قلنا بالاشتراط فلم يكن فيهم من يحسن العربية: جاز أن يخطب بلسانه مدة التعلم، وكذا إن تعلم واحد منهم التكبير، فإن مضى زمن التعلم ولم يتعلم أحد منهم عصوْا بذلك ويصلون الظهر أربعًا ولا تنعقد لهم جمعة.

” المجموع ” ( 4 / 440 ).

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يجوز تفسير خطبة الجمعة للناس إذا كانوا عجميين ليفهموا معناها؟.

فأجاب:

نعم، يجوز ذلك فيخطب بالعربية ويفسر الخطبة باللغة التي يفهمها المستمعون؛ لأن المقصود وعظهم وتذكيرهم وتعليمهم أحكام الشريعة ولا يحصل ذلك إلا بالترجمة. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 370 ).

* وفي فتوى مفصَّلة حول الموضوع قال الشيخ –  رحمه الله -:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فقد تنازع العلماء – رحمهم الله – في جواز ترجمة الخطب المنبرية في يوم الجمعة والعيدين إلى اللغات العجمية، فمنع ذلك جمع من أهل العلم رغبة منهم – رضي الله عنهم – في بقاء اللغة العربية والمحافظة عليها والسير على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه – رضي الله عنهم – في إلقاء الخطب باللغة العربية في بلاد العجم وغيرها وتشجيعًا للناس على تعلم اللغة العربية والعناية بها.

وذهب آخرون من أهل العلم إلى جواز ترجمة الخطب باللغة العجمية إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يعرفون اللغة العربية، نظرًا للمعنى الذي من أجله شرع الله الخطبة وهو تفهيم الناس ما شرعه الله لهم من الأحكام وما نهاهم عنه من المعاصي والآثام، وإرشادهم إلى الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة وتحذيرهم من خلافها، ولا شك أن مراعاة المعاني والمقاصد أولى وأوجب من مراعاة الألفاظ والرسوم ولا سيما إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يهتمون باللغة العربية ولا تؤثر فيهم خطبة الخطيب باللغة العربية تسابقًا إلى تعلمها وحرصًا عليها.

فالمقصود حينئذ لم يحصل والمطلوب بالبقاء على اللغة العربية لم يتحقق، وبذلك يظهر للمتأمل أن القول بجواز ترجمة الخطب باللغات السائدة بين المخاطبين الذين يعقلون بها الكلام ويفهمون بها المراد أولى وأحق بالاتباع، ولا سيما إذا كان عدم الترجمة يفضي إلى النزاع والخصام، فلا شك أن الترجمة والحالة هذه متعينة لحصول المصلحة بها وزوال المفسدة، وإذا كان في المخاطبين من يعرف اللغة العربية فالمشروع للخطيب أن يجمع بين اللغتين فيخطب باللغة العربية ويترجمها باللغة الأخرى التي يفهمها الآخرون، وبذلك يجمع بين المصلحتين وتنتفي المضرة كلها وينقطع النزاع بين المخاطبين.

ويدل على ذلك من الشرع المطهر أدلة كثيرة منها: ما تقدم وهو أن المقصود من الخطبة نفع المخاطبين وتذكيرهم بحق الله ودعوتهم إليه وتحذيرهم مما نهى الله عنه ولا يحصل ذلك إلا بلغتهم، ومنها: أن الله سبحانه إنما أرسل الرسل عليهم السلام بألسنة قومهم ليفهموهم مراد الله سبحانه بلغاتهم كما قال عز وجل: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) [ إبراهيم / من الآية 4 ] ، وقال عز وجل: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) [ إبراهيم / الآية 1 ] .

وكيف يمكن إخراجهم به من الظلمات إلى النور وهم لا يعرفون معناه ولا يفهمون مراد الله منه، فعلم أنه لا بد من ترجمة تبين المراد وتوضح لهم حق الله سبحانه إذا لم يتيسر لهم تعلم لغته والعناية بها، ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود ليكاتبهم بها ويقيم عليهم الحجة، كما يقرأ كتبهم إذا وردت ويوضح للنبي صلى الله عليه وسلم مرادهم ومن ذلك أن الصحابة – رضي الله عنهم – لما غزوا بلاد العجم من فارس والروم لم يقاتلوهم حتى دعوهم إلى الإسلام بواسطة المترجمين، ولما فتحوا البلاد العجمية دعوا الناس إلى الله سبحانه باللغة العربية وأمروا الناس بتعلمها, ومن جهلها منهم دعوه بلغته وأفهموه المراد باللغة التي يفهمها, فقامت بذلك الحجة, وانقطعت المعذرة, ولا شك أن هذا السبيل لا بد منه ولا سيما في آخر الزمان وعند غربة الإسلام وتمسك كل قبيل بلغته.

فإن الحاجة للترجمة ضرورية ولا يتم للداعي دعوة إلا بذلك.

وأسأل الله أن يوفق المسلمين أينما كانوا للفقه في دينه, والتمسك بشريعته, والاستقامة عليها, وأن يصلح ولاة أمرهم, وأن ينصر دينه, ويخذل أعداءه, إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وصلى الله على عبده ورسوله محمد, وآله وصحبه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 372 – 375 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن البراك:

اللغة العربية هي لغة القرآن والسنة، فينبغي للمسلمين أن يتعلموها؛ لأن فهم اللسان العربي من أعظم الأسباب المعينة على فهم القرآن وفهم السنة، والعبادات الشرعية القولية منها ما يجب أن يكون باللسان العربي؛ كالقرآن في الصلاة وخارج الصلاة، فإن ترجمة القرآن لا تقوم مقامه ولا تعد قرآناً بل هي نوع من التفسير، وهكذا ينبغي أن تكون الأذكار باللغة العربية، مثل أذكار الصلاة من التسبيح والتكبير وألفاظ التشهد، وأما الدعاء فإن كان بالعربية كان أوْلى، ويجوز أن يكون بغير العربية، ولا ينبغي لمن يحسن اللغة العربية أن يعدل عنها إلى غيرها، ومن العبادات القولية خطبة الجمعة، فإذا كان الخطيب يحسن اللغة العربية والمستمعون كذلك، فيجب أن يخطب باللغة العربية، وإذا كان المستمعون لا يحسنون اللغة العربية فينبغي أن يخطب باللغة التي يفهم بها المخاطبون، ويتلو الآيات بنصها ويفسرها باللغة التي يخطب بها، هذا إذا كان الخطيب يحسن لغة جمهور المستمعين، وأما إن كان لا يحسن لغة المستمعين، أو كان المذهب الذي يتمذهب به لا تجوز فيه الخطبة إلا باللغة العربية: فلا ينبغي أن تكرر الخطبة قبل الصلاة، ولكن يخطب قبل الصلاة باللغة العربية، وبعد الصلاة يقوم من يترجمها للمستمعين باللغة التي يفهمونها لتحصل الفائدة، وليس ذلك بواجب، وإذا كان المستمعون لا يحسنون العربية: فلا ينبغي أن يخطب عليهم باللغة العربية؛ لأنه لا معنى لإلقاء الخطبة على قوم أكثرهم لا يفقه لما يسمع شيئًا، والمقصود من الخطبة إيصال معاني الكلام من المواعظ وبيان الأحكام والأوامر والنواهي إلى الحاضرين، وما ذكره السائل من الخطبة مرتين هو من اجتهاد الإمام والمحبين للخير والدعوة إلى الله، فيؤجرون على هذا الاجتهاد، ولكن الصواب عندي أنه يغني عن ذلك ترجمة الخطبة بعد الصلاة إذا تيسر ذلك، وشرط تقدم خطبتين لصلاة الجمعة يحصل بما ألقاه الإمام قبل الصلاة، ولو كان بغير اللسان الذي يدركه أكثر المستمعين، فإنه لا بد أن يكون في المستمعين من يحسن اللسان العربي وتحصل له الفائدة، ويشترك الجميع بأجر الحضور والرغبة في معرفة أحكام الدين ، والله تعالى يقول: ( اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) [ التغابن / من الآية 16 ], ويقول: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية286 ]، والله أعلم.

” من موقع المسلم نت “.

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

لم يثبت في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه يشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية، وإنما كان صلى الله عليه وسلم يخطب باللغة العربية في الجمعة وغيرها؛ لأنها لغته ولغة قومه، فوعظ من يخطب فيهم وأرشدهم وذكرهم بلغتهم التي يفهمونها، لكنه أرسل إلى الملوك وعظماء الأمم كتبًا باللغة العربية، وهو يعلم أن لغتهم غير اللغة العربية، ويعلم أنهم سيترجمونها إلى لغتهم ليعرفوا ما فيها .‏

وعلى هذا يجوز لخطيب الجمعة في البلاد التي لا يعرف أهلها أو السواد الأعظم من سكانها اللغة العربية أن يخطب باللغة العربية ثم يترجمها إلى لغة بلاده؛ ليفهموا ما نصحهم وذكرهم به، فيستفيدوا من خطبته، وله أن يخطب خطبة الجمعة بلغة بلاده مع أنها غير عربية، وبذلك يتم الإرشاد والتعليم والوعظ والتذكير ويتحقق المقصود من الخطبة، غير أن أداء الخطبة باللغة العربية ثم ترجمتها إلى المستمعين أولى، جمعًا بين الاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه وكتبه، وبين تحقيق المقصود من الخطبة خروجاً من الخلاف في ذلك‏.‏

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 253 ، 254 ).

* وسئلوا:‏

إننا مبتعثون من المملكة العربية السعودية، وإننا نصلي صلاة الجمعة في مكان أعددناه لصلاة الجمعة فقط، وليس بمسجد، وأن الأغلبية من المصلين يتكلمون العربية، ويوجد قلة قليلة لا يتكلمون العربية، وهم مسلمون، ويصلون معنا كذلك، وأننا اختلفنا فيما بيننا‏:‏ هل تكون الخطبة بالعربية، أم بالإنجليزية‏؟‏ علماً أننا في الوقت الحاضر الخطبة تلقى بالعربية، ثم تترجم إلى الإنجليزية كمقاطع، أي: يخطب السطرين الأولين بالعربية ثم يترجمها إلى الإنجليزية؛ لذا نرجو من فضيلتكم التكرم بالإجابة جزاكم الله خيرًا؛ لأننا في أمس الحاجة لمعرفة الحل‏.‏

فأجاب:‏

إذا كان الواقع كما ذكر‏:‏ فالخطبة تلقى باللغة العربية وتترجم للأقلية بلغتهم إنجليزية أو غيرها، ويراعى ما هو أصلح للمستمعين في الترجمة من تجزئتها عقب كل مقطع من الخطبة أو تأخير الترجمة حتى ينتهي من الخطبة فيفعل ما هو الأنفع للمستمع‏.‏

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 /  254 ، 255 ).

 

والله أعلم.

 

هل تجوز العمليات الفدائية التي يقتل فيها المجاهد نفسه؟

السؤال:

– أرجو منكم عدم تأجيل الرد على هذا السؤال؛ لأنه خطير بمعنى الكلمة.

أنا فلسطيني وأرغب بصراحة بتفجير نفسي كاستشهادي فداءا للأقصى الشريف أنا ومن هم في مثل سني من أقراني، ولكن صراحة نظراً لأنه تم التشكيك في هذا الموضوع فأرجو منكم الرد على رسالتي هذه بمدى كون هذا العمل يدخل ضمن سبل الشهادة أم لا؟.

أرجو منكم الدقة التامة في الإجابة جزاكم الله خيرا، علمًا بأن ما تجيبون به سيحاسبكم الله على الفتوى به إن لم يكن صحيحًا، لا أقصد الإهانة أو الإخافة ولكن لأبين أن أرواحًا ستتوقف على هذه الفتوى إن لم أكن أبالغ.

وفي الختام تقبلوا مني فائق الشكر والامتنان،  وجزاكم الله عنا كل خير سواء أجبتم أم لا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

القتال القائم بين المسلمين في فلسطين واليهود جهاد شرعي.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:

ما تقول الشريعة الإسلامية في جهاد الفلسطينيين الحالي، هل هو جهاد في سبيل الله، أم جهاد في سبيل الأرض والحرية؟ وهل يعتبر الجهاد من أجل تخليص الأرض جهاداً في سبيل الله؟.

فأجاب:

لقد ثبت بشهادة العدول الثقات أن الانتفاضة الفلسطينية والقائمين بها من خواص المسلمين هناك، وأن جهادهم إسلامي؛ لأنهم مظلومون من اليهود، ولأن الواجب عليهم الدفاع عن دينهم وأنفسهم وأهليهم وأولادهم وإخراج عدوهم من أرضهم بكل ما استطاعوا من قوة.

وقد أخبرنا الثقات الذين خالطوهم في جهادهم وشاركوهم في ذلك عن حماسهم الإسلامي وحرصهم على تطبيق الشريعة الإسلامية فيما بينهم، فالواجب على الدول الإسلامية وعلى بقية المسلمين تأييدهم ودعمهم ليتخلصوا من عدوهم، وليرجعوا إلى بلادهم، عملًا بقول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) [ التوبة / الآية 123 ] ، وقوله سبحانه: ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ التوبة / الآية 41 ] ، وقوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) [ الصف / من الآية10 – 13 ] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم “؛ ولأنهم مظلومون، فالواجب على إخوانهم المسلمين نصرهم على من ظلمهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه “, متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا قالوا: يا رسول الله نصرته مظلوماً فكيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه “، والأحاديث في وجوب الجهاد في سبيل الله ونصر المظلوم وردع الظالم كثيرة جدًّا.

فنسأل الله أن ينصر إخواننا المجاهدين في سبيل الله في فلسطين وفي غيرها على عدوهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق المسلمين جميعًا لمساعدتهم والوقوف في صفهم ضد عدوهم، وأن يخذل أعداء الإسلام أينما كانوا وينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، إنه سميع قريب.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 4 / 295 ، 296 ).

ثانيا:

وعلى المجاهدين في كل مكان الالتزام بأحكام الشرع في جهادهم، فلا يحل لهم مخالفة الشرع بقتل الأطفال والنساء والشيوخ غير المحاربين، كما لا يحل لهم التمثيل بجثث الكفار.

والمسألة المطروحة في السؤال فيها أقوال ثلاثة: فالجمهور على جوازها وأنها من الجهاد المشروع، وهو قول الشيخ عبد الله بن حميد, وعبد الله بن منيع، وعبد الله البسام, وغيرهم، والقول الثاني بالمنع منها، وهو قول الشيخين ابن باز وابن عثيمين، والقول الثالث هو الجواز بشروط وضوابط، وهو قول الشيخ الألباني – رحمه الله -.

والذي نراه في المسألة المطروحة في السؤال أن مباشرة قتل المسلم لنفسه حتى لو كان في مقابلها قتل بعض أعداء الله مما ينبغي تركها والبحث عن سبل أخرى لإيلام العدو وقتله دون الحاجة لمباشرة قتل النفس.

ونحن ذكرنا أن لأهل العلم المعاصرين أقوالًا بالجواز، وأنها من الجهاد المشروع، ونقول لإخواننا هناك إذا كنتم تثقون بأحدٍ من أهل العلم واستفتيتموه فأفتاكم بالجواز فلا حرج عليكم من الأخذ بفتواه، لكن لا يحل لكم الانتقاص من العلماء الذين منعوا من هذا أو وضعوا ضوابط شرعية للجواز، فهم لم يمنعوكم من الجهاد لكنهم ذكروا ما يدينون الله به، وليس في دين الله محاباة أو مجاملة على حساب الشرع، فلا تفرحوا أعداء الله من اليهود وغيرهم بالوقيعة في أهل العلم الذين يرون خلاف ما تسمعونه من علمائكم ومفتيكم.

ولبعض العلماء قول بالجواز بشروط منها: إخلاص النية لله، لا بقصد الانتقام والثأر والسمعة، وأن يكون ذلك بإذن قائد الحرب، وأن يكون هذا الفعل يسبِّب إيلامًا للعدو ونكاية.

* سئل الشيخ الألباني – رحمه الله -:

بالنسبة للعمليات العسكرية الحديثة، فيه قوات تسمى بالكوماندوز، فيكون فيه قوات للعدو تضايق المسلمين، فيضعون فرقة انتحارية تضع القنابل ويدخلون على دبابات العدو، ويكون هناك قتل … فهل يعد هذا انتحارًا؟.

فأجاب:

لا يعد هذا انتحارًا؛ لأن الانتحار هو أن يقتل المسلم نفسه خلاصًا من هذه الحياة التعيسة، أما هذه الصورة التي أنت تسأل عنها: فهذا ليس انتحارًا، بل هذا جهادٌ في سبيل الله، إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فرديًّا أو شخصيًّا، إنما يكون هذا بأمر قائد الجيش، فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي، ويرى أن في خسارته ربح كبير من جهة أخرى، وهو إفناء عدد كبير من المشركين والكفار، فالرأي رأيه ويجب طاعته، حتى لو لم يرض هذا الإنسان فعليه طاعته.

الانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام؛ لأنه ما يفعله إلا غضبان على ربه ولم يرض بقضاء الله، أما هذا فليس انتحاراً، كما كان يفعله الصحابة، يهجم على جماعة ( كردوس ) من الكفار بسيفه، ويعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت صابرًا، لأنه يعلم أن مآله الجنة، فشتان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية وبين من يتخلص من حياته بالانتحار، أو يركب رأسه ويجتهد بنفسه، فهذا يدخل في باب إلقاء النفس في التهلكة. ” سلسلة الهدى والنور ” ( شريط رقم 134 ).

* وفي موضع آخر ذكر الشيخ – رحمه الله – حديثًا وذكر ما يستدل به عليه، فقال:

عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الروم, فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر, وعلى أهل مصر عقبة بن عامر, وعلى الجماعة فضالة بن عبيد, فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم, فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة, فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل, وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه, فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت, وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه, فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها, فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ), فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو, فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. رواه الترمذي ( 2972 ) – واللفظ له -، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأبو داود ( 2512 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح موارد الظمآن ” ( 2 / 119 ) – وهو من أواخر كتبه – وقال:

وهذا ما أصاب المسلمين اليوم، فشُغلوا بإصلاح أموالهم وتنميتها عن الاهتمام بدينهم والدفاع عن بلادهم، وقد غزاها أذل الناس، فصدَق فيهم قول نبيهم صلى الله عليه وسلم: ” إذا تبايعتم بالعينة … ” الحديث، وفيه: ” وتركتم الجهاد في سبيل الله: سلَّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم “.

وفي الحديث ما يدل على ما يُعرف اليوم بـ ” العمليَّات الانتحاريَّة ” التي يقوم بها بعض الشباب المسلم ضد أعداء الله، ولكن لذلك شروط، من أهمِّها أن يكون القائم بها قاصدًا وجه الله، والانتصار لدين الله، لا رياءً، ولا سمعةً، ولا شجاعةً، ولا يأسًا من الحياة. انتهى .

* والخلاصة:

أن الأقوال في هذه المسألة ثلاثة – كما سبق -، ومن رأى الخروج من الخلاف بترك هذا الفعل وبحث عن طرق أخرى للنكاية بالعدو –  وما أكثرها – فهو أحسن، ومن استفتى من يثق بدينه وعلمه فأفتاه بأحد الأقوال الثلاثة وجب عليه التزامه إلا أن يتبين له ضعف قوله وقوة قول آخر من غير اتباع هوى، ولا يجوز التثريب والطعن في العلماء الذين اختلفوا في هذه المسألة، وهذا الطعن يُفرح العدو فليبتعد عنه العاقل، وبخاصة أولئك الذين نرى تميعهم مع فرق وأحزاب الضلال، ونرى تميعهم تجاه المخالفين في العقيدة، فهذه المسألة من النوازل، وهي أولى بإعذار المخالف.

 

والله أعلم.

هل يجوز له الأخذ من لحيته حتى لا يتعرض للأذى؟

السؤال:

سيتزوج صديقي في إحدى الدول الإسلامية، وهو مستقيم ويتبع السنة ( يعفي لحيته ) ولله الحمد، وأسأل الله الهداية للجميع، والدولة التي سيسافر إليها تحتجز الأشخاص الملتحين – خصوصًا الذين تكون لهم أصول باكستانية – في المطار ثم تقوم الشرطة السرية بمتابعتهم، وصديقي لا يريد أن يسبب صعوبات لعائلة زوجته، حيث من المتوقع أن تتم متابعتهم ويتعرضون لمضايقات من قبل الحكومة، لذلك فإنه يرغب في تهذيب لحيته قليلًا لهذه المناسبة فقط ثم يطلقها مرة أخرى، وهو لم يكن ليقصر لحيته لولا الأسباب المذكورة.

 

الجواب:

الحمد لله

إعفاء اللحية واجب شرعي، وحلقها محرم، وحرمتها محل اتفاق بين العلماء.

* قال ابن حزم:

واتفقوا على أن حلق اللحية مثلة لا يجوز.

” المحلى ” ( 2 / 189 ).

وأما حلقها خوفًا من الاعتقال أو تعرض معفيها للأذى: فإن هذا الخوف ليس على درجة واحدة، فمنه ما يكون ظنًّا راجحًا، ومنه ما يكون ظنًّا مرجوحًا، ومنه ما يستوي طرفاه، ومنه ما يكون وهمًا.

والأظهر أنه لا يجوز له حلق لحيته أو تخفيفها إلا في حالة وقوع الأذى وفي حالة الظن الراجح، ولا يجوز فيما عداه.

ويدخل هذا الفعل في باب الضرورة، قال تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) [ البقرة / من الآية 173 ] ، أو في باب الإكراه، قال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ النحل / الآية 106 ].

ويجب أن يكون الأذى الذي يمكن أن يلحقه مما لا يمكن تحمله، لا مجرد المضايقة والسؤال والتحقيق، فإن هذه الأمور لا يسلم منها حالق اللحية، وهي لا تجيز لصاحبها الوقوع في الإثم.

وللإكراه شروط لا بدَّ من تحققها حتى يجوز للمسلم أن يترخص بفعل الحرام أو قوله إذا حصل له، ومعرفتها أمر هام لادعاء كثيرين أنهم مكرَهين وليس كذلك.

* قال ابن قدامة:

– ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور:

أحدها:‏ أن يكون من قادرٍ بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه، وحكي عن الشعبي‏:‏ إن أكرهه اللص‏‏ لم يقع طلاقه وإن أكرهه السلطان وقع، قال ابن عيينة:‏ لأن اللص يقتله.

وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع، والذين أكرهوا عماراً لم يكونوا لصوصاً,‏ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار‏:‏ ‏” ‏إن عادوا فعُد‏ “‏؛ ولأنه إكراه فمنع وقوع الطلاق كإكراه اللصوص.

الثاني‏:‏ أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه.

الثالث: أن يكون مما يستضر به ضررا كثيرا,‏ كالقتل والضرب الشديد، والقيد‏,‏ والحبس الطويل، فأما الشتم والسب‏‏ فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير.

فأما الضرر اليسير فإن كان في حق من لا يبالي به‏:‏ فليس بإكراه، وإن كان في بعض ذوي المروءات على وجه يكون إخراقًا بصاحبه,‏ وغضًّا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره، وإن توعد بتعذيب ولده‏:‏ فقد قيل‏:‏ ليس بإكراه؛ لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى: أن يكون إكراها؛ لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه,‏ فكذلك هذا.‏  ” المغني ” ( 7 / 292 ).

وقال بعض الفقهاء: إن جواز ارتكاب المحرم – ما عدا القتل – أو الكفر إنما هو بعد وقوع الأذى لا قبله، ولم يعدوا الوعيد من باب الإكراه.

والصواب: أن التهديد مِن قادرٍ على الفعل له حكم الإكراه، وبخاصة إذا سبق تكرر مثل هذه الحوادث، وهو قول الإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.

* قال ابن قدامة:

والرواية الثانية: أن الوعيد بمفرده إكراه، قال في رواية ابن منصور‏:‏ حد الإكراه إذا خاف القتل‏,‏ أو ضربًا شديدًا وهذا قول أكثر الفقهاء, وبه يقول أبو حنيفة والشافعي؛ لأن الإكراه لا يكون إلا بالوعيد؛ فإن الماضي من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره عليه‏,‏ ولا يخشى من وقوعه وإنما أبيح له فعل المكره عليه دفعًا لما يتوعده به من العقوبة فيما بعد, وهو في الموضعين واحد‏,‏ ولأنه متى توعده بالقتل وعلم أنه يقتله فلم يبح له الفعل‏‏ أفضى إلى قتله وإلقائه بيده إلى التهلكة ولا يفيد ثبوت الرخصة بالإكراه شيئًا. ” المغني ” ( 7 / 292 ).

ويجب التنبه إلى أنه يجب أن يكون السفر إلى ذلك البلد ضروريًّا، فإن لم يكن كذلك فلا يجوز له ارتكاب المحرم من أجل دخوله له، وليس رؤية الأهل والأقارب أو العمل في تلك البلاد من الضرورات التي تجيز الذهاب إليها، وكثير من الأسر تلتقي في دول أخرى أو في الحج والعمرة، فليس ثمة ضرورة عند كثيرين في ذهابهم لتلك البلدان التي يقع فيها الأذى والضرر على أهل العلم والدين والاستقامة.

وإذا كان الأذى يُدفع بتخفيف اللحية فلا يحلقها بل يكتفي بالتخفيف، فالحلق أشد من التخفيف.

على أننا نقول إنه لم تعد الدول تأخذ الناس على أشكالهم، بل على أسمائهم، ومن كانت صورته بلحية وفي الواقع بدونها كان أدعى للتهمة، فليُعلم هذا؛ ليُعلم أن كثيراً من الناس ليس عندهم إلا الوهم والشك، وبخاصة أن السائل يقول إن صاحبه سيعفي لحيته بعد أن يصل لبيته! وهذا يؤكد ما قلناه، وهو أن الأذى قد يكون متوهمًا، وقد يكون مجرد كلام وسؤال دون تعريض صاحب اللحية للضرب والضرر.

 

والله أعلم.

وضع المصحف في حقيبة عند القدمين، وكيف يفعل بأوراق كتب فيها آيات

السؤال:

أحاول حفظ سورة البقرة، وأحمل مصحفي في حقيبة الظهر،  وأضع هذه الحقيبة ( أحيانًا ) على أرضية السيارة على مقربة من قدمي،  فهل يعد ذلك من احتقار القرآن؟ كما أقوم أيضًا بتصوير الصفحة التي أرغب في حفظها وأرددها طوال اليوم، لكن بعد أن أتمكن من حفظها ماذا أفعل بتلك الورقة؟ هل يجوز أن أتخلص منها بإلقائها؟ أخبرني أحد الإخوة أن أحرقها وألا أرميها في النفايات.

 

الجواب:      

الحمد لله

أولا:

ذكرنا سابقًا فتوى للشيخ محمد بن صالح العثيمين في تحريم سماع القرآن من السماعات التي تكون تحت الأقدام، وقد ذكر الشيخ أن هذا من إهانة كتاب الله، ونرى أن ما جاء السؤال وهو وضع الحقيبة التي فيها القرآن عند الأقدام أولى أن تكون داخلة في الإهانة، لأن فيها المصحف نفسه.

ثانيا:

وأما بالنسبة للورقة التي كتبت فيها آيات من القرآن فإن لها حكم المصحف، ومن العلماء من رأى إتلافها بطريقة الدفن، ومنهم من قال بحرقها، وذهب آخرون إلى غسله بالماء.

فقد صرّح الحنفيّة والحنابلة بأنّ المصحف إذا صار بحالٍ لا يقرأ فيه ، يدفن كالمسلم، فيجعل في خرقةٍ طاهرةٍ، ويدفن في محلٍّ غير ممتهنٍ لا يوطأ، وقد روي أنّ عثمان بن عفّان دفن المصاحف بين القبر والمنبر, أمّا غيره من الكتب فالأحسن كذلك أن تدفن.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

أما المصحف العتيق والذي تخرق وصار بحيث لا ينتفع به بالقراءة فيه فإنه يدفن في مكان يصان فيه كما أن كرامة بدن المؤمن دفنه في موضع يصان فيه.

” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 599 ).

وقال الحليمي: يغسل المصحف البالي بالماء.

وأما الإحراق: فقد كرهه الحنفية، وفعله عثمان – رضي الله عنه – في قصة حرق المصاحف المشهورة، ولم يُنقل إنكار أحدٍ عليه.

والذي نراه أن الأمر واسع، ويفعل المسلم ما يتيسر دون عناء وتكلف.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

الواجب إذا كان هناك آيات في بعض الأوراق، أو البسملة، أو غير ذلك مما فيه ذكر الله: فالواجب أن يُحرق أو يدفن في أرض طيبة، أما إلقاؤه في القمامة: فهذا لا يجوز؛ لأن فيه إهانة لأسماء الله وآياته، ولو مُزِّقت؛ فقد تبقى كلمة الجلالة أو الرحمن أو غيرها من أسماء الله في بعض القطع، وقد تبقى بعض الآيات في بعض القطع.

والمقصود: أن الواجب إما أن يُحرَّق تحريقًا كاملًا، وإما أن يُدفن في أرض طيبة، مثل المصحف الذي تَمَزَّق وقلَّ الانتفاع به؛ يدفن في أرض طيبة، أو يُحرَّق، أما إلقاؤه في القمامات، أو في أسواق الناس، أو في الأحواش: فلا يجوز, ولا يضر تطاير الرماد إذا أحرق. ” فتاوى نور على الدرب ” ( 1 / 418 ).

* وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

هل يجوز حرق أوراق من المصحف الشريف إذا خيف عليها الامتهان‏؟‏.

فأجاب:

نعم، إذا درس المصحف وتمزق وخشي عليه من الامتهان أصبح في حالة لا يمكن الانتفاع به والقراءة فيه: فلا بأس أن يحرق أو يدفن في أرض طاهرة؛ لأن كلا من الأمرين فعله الصحابة – رضي الله عنهم -، فقد دفنوا المصاحف، وكذلك حرقوا المصاحف لما جمعوا الناس على مصحف واحد، وهو مصحف عثمان – رضي الله عنه -, وحرقوا ما عداه من بقية المصاحف، فالمصحف إذا كان في حالة لا يمكن الانتفاع به لتمزقه فإنه إما أن يدفن في مكان طاهر وإما أن يحرق.‏

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 75 ).

 

والله أعلم.

 

يصوم فقط ولا يؤدي بقية الشعائر الإسلامية الأخرى

السؤال:

ما حكم الموحد الذي يصوم فقط, ولا يؤدي بقية الشعائر الإسلامية الأخرى – مع الأخذ بالاعتبار قوله تعالى في الحديث القدسي: ” كل عمل ابن ادم له … ” الخ ؟.

 

الجواب:      

الحمد لله

قد بيّنا في عدة أجوبة حكم تارك الصلاة ، وأنه كافر بالنص وإجماع الصحابة، وعليه: فمن ترك الصلاة وقام بغيرها من الأعمال من صيام وصدقة وغيرهما لم ينفعه ذلك، وهذه فتاوى أهل العلم في هذه المسألة واضحة بيِّنة.

  1. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى :

ما حكم صيام من لا يصلي إلا في رمضان، بل ربما صام ولم يصل؟.

فأجاب:

كل من حُكِمَ بكفره بطلت أعماله قال تعالى: ( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) وقال تعالى: ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).

وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يكفر كفراً أكبر إذا كان مقرًّا بالوجوب ولكنه يكون كافراً كفراً أصغر، ويكون عمله هذا أقبح وأشنع من عمل الزاني والسارق ونحو ذلك، ومع هذا يصح صيامه وحجه عندهم إذا أداها على وجه شرعي، ولكن تكون جريمته عدم المحافظة على الصلاة، وهو على خطر عظيم من وقوعه في الشرك الأكبر عند جمع من أهل العلم، وحكى بعضهم قول الأكثرين أنه لا يكفر الكفر الأكبر إن تركها تكاسلًا وتهاونًا وإنما يكون بذلك قد أتى كفرا أصغر، وجريمة عظيمة، ومنكرًا شنيعًا أعظم من الزنا والسرقة والعقوق وأعظم من شرب الخمر نسأل الله السلامة.

ولكن الصواب والصحيح من قولي العلماء: أنه يكفر كفراً أكبر نسأل الله العافية؛ لما تقدم من الأدلة الشرعية، فمن صام وهو لم يصل: فلا صيام له ولا حج له. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 9 / 280 ، 281 ).

  1. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

يعيب بعض علماء المسلمين على المسلم الذي يصوم ولا يصلي، فما دخل الصلاة في الصيام، فأنا أريد أن أصوم لأدخل مع الداخلين من باب ” الريان “، ومعلوم أن رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، أرجو التوضيح وفقكم الله؟.

فأجاب:

الذين عابوا عليك أن تصوم ولا تصلي: على صواب فيما عابوه عليك؛ وذلك لأن الصلاة عمود الإسلام، ولا يقوم الإسلام إلا بها، والتارك لها كافر خارج عن ملة الإسلام، والكافر لا يَقبل الله منه صيامًا، ولا صدقة، ولا حجًّا ولا غيرها من الأعمال الصالحة؛ لقول الله تعالى: ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ) [ التوبة / الآية 54 ].

وعلى هذا فإذا كنت تصوم ولا تصلي فإننا نقول لك: أن صيامك باطل غير صحيح، ولا ينفعك عند الله، ولا يقربك إليه.

وأما ما وهمته من أن رمضان إلى رمضان مكفرًا لما بينهما فإننا نقول لك: إنك لم تعرف الحديث الوارد في هذا؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” الصلوات الخمس؛ والجمعة إلى الجمعة؛ ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر “، فاشترط النبي عليه الصلاة والسلام لتكفير رمضان إلى رمضان أن تجتنب الكبائر، وأنت أيها الرجل الذي لا يصلي ويصوم لم تجتنب الكبائر، فأي كبيرة أعظم من ترك الصلاة، بل إن ترك الصلاة كفر، فكيف يمكن أن يكفر الصيام عنك؟! فترك الصلاة كفر، ولا يقبل منك الصيام.

فعليك يا أخي أن تتوب إلى ربك، وأن تقوم بما فرض الله عليك من صلاتك، ثم بعد ذلك تصوم، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: ” ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك, فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات لكل يوم وليلة “، فبدأ بالصلاة ثم ثنى بالزكاة بعد ذكر شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله.

” فتاوى نور على الدرب ” ( فتاوى الصلاة ).

  1. وسئل الشيخ رحمه الله تعالى :

ما حكم صيام تارك الصلاة؟.

فأجاب بقوله:

تارك الصلاة صومه ليس بصحيح ولا مقبول منه؛ لأن تارك الصلاة كافر مرتد؛ لقوله تعالى: ( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءٰاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة “؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر “؛ ولأن هذا قول عامة الصحابة إن لم يكن إجماعًا منهم، قال عبد الله بن شقيق – رحمه الله – وهو من التابعين المشهورين: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، وعلى هذا فإذا صام الإنسان وهو لا يصلي فصومه مردود غير مقبول، ولا نافع له عند الله يوم القيامة، ونحن نقول له: صل ثم صم، أما أن تصوم ولا تصلي فصومك مردود عليك؛ لأن الكافر لا تقبل منه العبادة.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 19 / السؤال رقم 42 ).

ونحن بدورنا ننصحك بما نصحك به الشيخ ابن عثيمين أن تتقي الله تعالى وتبدأ بالصلاة ثم تتبعه باقي العبادات، ولا تفرِّق بين العبادات والطاعات فتطبق ما تشاء وتدع ما تشاء.

وإياك أن تستدل بما لا يصلح دليلًا لفعلك؛ فحديث: ” إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ” هو في بيان عظيم فضل الصيام, وليس في بيان جواز ترك الصلاة!!.

 

والله أعلم.

كيف يقوم بالدعوة مع الكفار؟

السؤال:

كيف أقوم بدعوة الكافرين؟ كيف أجعلهم يؤمنون أنه لا إله إلا الله؟ كيف أجعلهم يعتقدون أن الإسلام هو دين الحق؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يجب أن يُعلم أن رسالة الإسلام رسالة للعالمين، وقد كان النبي يُبعث لقومه، وبُعث النبي صلى الله عليه وسلم للناس جميعًا، قال تعالى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) [ الأعراف / من الآية 158 ] ، وقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) [ سبأ / من الآية 28 ] ، وقـال تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) [ الفرقان / الآية 1 ] ، وعليه: فالبشر جميعًا مدعون إلى الدخول في هذا الدين.

ثانيًا:

وهناك أصول يجب مراعاتها في الدعوة إلى الله مع هؤلاء الكفار، ومنها:

  1. تبليغهم دين الله تعالى كما أنزله الله، وعلى وجه بيِّن واضح لا لبس فيه، وبلغتهم التي يعرفونها ويفهمون معانيها؛ لأن الحجة لا تقام على هؤلاء إلا بتوصيل الدين الصحيح لهم، والدين المشوَّه المحرَّف هو بطبيعته منفِّر فكيف سيقتنع به هؤلاء، ومن هؤلاء المحرِّفة الذين يدعون إلى إسلام محرَّف: الرافضة والصوفية والقاديانية وأمثالهم.

قال تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [ آل عمران / الآية 85 ] ، وقال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) [ المائدة / من الآية 67 ] .

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله:

أما بالنسبة إلى ولاة الأمور، ومن لهم القدرة الواسعة: فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان، بالطرق الممكنة، وباللغات الحية التي ينطق بها الناس، يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية وبغيرها.

” الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ” ( ص 17 ).

  1. ويجب على الداعية أن يكون عالماً بشبهات الكفار حول دين الإسلام فيفندها، وأن يكون ملمّاً بتناقضات دينهم فيصل من خلالها لتشكيكهم فيه.

قال تعالى: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) [ الأنبياء / الآية 18 ]، وقال تعالى: ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) [ الأنعام / من الآية 149 ] ، وقال تعالى: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) [النساء / الآية 82 ].

  1. ويجب مراعاة التلطف في الدعوة واستعمال الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن كلٌّ في مكانه الذي يستحقه.

قال تعالى لموسى وفرعون: ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) [ طه / الآية 43 – 44 ] ، وقـال تعالى: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [ النحل / الآية 125 ] .

  1. وعلى الداعية أن يبدأ مع الكافر بالأمر الأهم وهو توحيد الله تعالى.

قال تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران / الآية 64 ]، وقال تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ … ) [ النحل / من الآية 36 ].

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل عندما أرسله داعيًا إلى أهل اليمن أن يبدأ بالتوحيد ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب, فليكن أول ما تدعوهـم إلى أن يوحدوا الله تعالى, فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم, فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس “. متفق عليه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله –:

بدأ بالشهادتين لأنهما أصل الدين، الذي لا يصح شيء إلا بهما، فمن كان غير موحـد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار والوحدانية.

* وقال:

يبدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ لأنه لو طالبهم بالجميع لأول مرة لم يأمن النفرة. ” فتح الباري ” ( 3 / 357 ).

وقد كانت طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوة الكفار هي بيان أصول الدين بالأدلة العقلية الدالة على ثبوت الله وتوحيده وصدقه، وعلى المعاد إمكانًا ووقوعًا، وهكذا كان الأمر في كتاب الله تعالى، وليس هذا استدلالًا بالنصوص فهم لا يؤمنون بها، لكن القرآن والسنة فيهما أدلة عقلية على التوحيد وأصول الدين والمعاد، وذلك مثل الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها على معاد الأبدان، ومثل الاستدلال بالتقسيمات المنطقية العقلية على وحدانية الله تعالى في أسمائه وأفعاله وصفاته.

* قال الشيخ الشنقيطي – وقد ذكر أمثلة متعددة -:

ومن أمثلة السبر والتقسيم في القرآن: قوله تعالى: ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـالِقُونَ ) فكأنه تعالى يقول: لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح:

الأولى: أن يكونوا خُلقوا من غير شيء أي بدون خالق أصلًا.

الثانية: أن يكونوا خَلقوا أنفسهم.

الثالثة: أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم.

ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه، والثالث: هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا.

” أضواء البيان ” ( 4 / 398 ).

ثالثًا:

وعلى المسلم استعمال الوسائل المشروعة في دعوة الكفار مثل: الإذاعة، التلفاز، الهاتف الأشرطة، الكتب، الصحف والمجلات، الإنترنت وغيرها، على أن يراعي الضوابط الشرعية، ولا يقع في الحرام من أجل دعوة الكفار.

وقد نجحت مواقع كثيرة في دعوة الكفار من خلال الرد على رسائلهم بلغاتهم، ومن خلال دعوتهم بتبيين حقائق الإسلام بصورة ميسرة، ونجح شباب عاملون بتكوين قوائم بريدية واستعمالها في الدعوة إلى الله، ونجح آخرون بعمل فلاشات دعوية، وآخرون في غرف ” البال توك ” وهكذا غيرهم بالوسائل المعروفة كالكتب والشريط والصحف.

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتباً إلى ملوك وأمراء العالم يدعوهم إلى الإسلام، وأرسل الدعاة العلماء ليبلغوا دين الله تعالى مواجهة، وعلماؤنا في هذا الزمان يدعون إلى الله تعالى بما ذكرناه من الوسائل، ولهم جهود مشكورة في هذا الباب.

ونسأل الله تعالى أن يوفقك للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجزيك خيرًا على غيرتك على دينه، وأن ييسر لك الخير حيث كان.

 

والله أعلم.