الرئيسية بلوق الصفحة 125

كيفية التعرف على طباع الخاطب

كيفية التعرف على طباع الخاطب

السؤال:

تقدم شخص لخطبتي مؤخرا، ونظرا لأن معظم الخاطبين يكونون على حذر بعض الشيء خلال الرؤية الشرعية، وخلال فترة الخطبة بشكل عام: فقد حاولت أن أجد من خلال ” النت ” جواباً على سؤال واحد، وهو كيف أعرف طباع الخاطب؟ نظرا لأن أكثر شيء أخشاه هو أن يكون زوجي له طباع لا تساعدني على طاعته كما أمر الله سبحانه وتعالى، وقد عثرت أثناء بحثي على إعلان عن محاضرة لدكتورة متخصصة في شئون الأسرة، فحضرتها، ولكن لاحظتُ أنها تستخدم ما يسمَّى بعلم ” البرمجة العصبية “، فهل يجوز لي أن أستخدم هذا العلم في معرفة طباع الخاطب؟ وإن كان لا: فكيف أعرف طباعه بطريقة يرضاها الله سبحانه وتعالى؟.

أرجو أن تتكرموا بإجابتي على هذا السؤال، كما أرجو أن تدلوني على كتب تتحدث عن مثل تلك الأمور، وجزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

ليست طباع الخاطب فقط هي التي يوقف عندها، بل كذلك طباع المخطوبة! وطباع الطرفين لا يمكن اكتشافها ومعرفتها من خلال الرؤية الشرعية؛ لأنها جُعلت من أجل النظر إلى صورة كل واحد من الطرفين، وإلى شكله الظاهري، كما لا يمكن معرفة الطباع من خلال ما يفعله بعض العاصين من الخروج مع المخطوبة، والخلوة بها، متعللين بأن ذلك من أجل اكتشاف طباع كل واحد للطرف الآخر، من أجل الوقوف على إمكانية حصول الزواج بينهما؛ لأنه في هذه الفترة يتم كتمان الطباع الحقيقية، وإظهار الكمال في التصرفات، والجمال في الأفعال، وذلك من كلا الطرفين، حتى إذا حصل الزواج: أظهر كل واحد منهما طباعه، فلم يستفيدوا شيئا من علاقتهم تلك، غير الآثام، والسيئات.

ثانيا:

فالذي ينبغي أن يُعرف أن الخطبة هي الرؤية، رؤية كل طرفٍ للآخر، وأما ما تسأل عنه الأخت السائلة من إمكانية معرفة المخطوبة لطباع خطيبها: فإنه يمكنها ذلك عن طريق أمور متعددة، منها:

  1. السؤال والاستفسار عن الخاطب من أهله، وجيرانه، وأقربائه، وزملائه في العمل، فإن مجموع هذا يتم به معرفة طباع الخاطب، وما قد يُخفيه عن زملائه في العمل فإنه لا يستطيع فعل ذلك مع أهله، وما قد يخفى على الجيران لا يخفى على الأقرباء، وهكذا فإن سؤال مجموع هؤلاء يمكن التوصل به إلى صورة حقيقية لذلك المتقدم للخطبة، وهذا من أحد الحكَم الجليلة في وجود وليٍّ للمرأة يقوم على تزويجها.

ومما يدلل على هذا ويؤكده: حديث صحيح في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن طباع بعض الخاطبين للمخطوبة، وهو ما جعلها تصرف النظر عن التزوج بهم، ومثل تلك الطباع لا يعرفها إلا المقربون من ذلك الخاطب.

عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ: ” لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ” فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: ” تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ” قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ” فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ: ” انْكِحِي أُسَامَةَ ” فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ

رواه مسلم ( 1480 ).

قال النووي – رحمه الله –:

قوله صلى الله عليه وسلم: ” أما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه ” فيه تأويلان مشهوران، أحدهما: أنه كثير الأسفار، والثاني: أنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصح، بدليل الرواية التي ذكرها ” مسلم ” بعد هذه أنه ” ضرَّاب للنساء “.

” شرح مسلم ” ( 10 / 97 ).

  1. تكرار الجلوس مع الخاطب، وسؤاله مباشرة عن أشياء تكشف عن طباعه، وهذا لا يكون إلا مع أهل الدين، ممن يصدقون في إجابة المسائل.
  2. تأخير الدخول، وهو أمر تم بسببه اكتشاف كثيرين – وكثيرات – ممن زعموا أخلاقاً كذَّبها واقعُهم، وأظهروا صفاتٍ أبان زيفَها حقيقةُ حالهم.
  3. صلاة الاستخارة، وتجدين صفة صلاتها في جواب السؤال رقم: ( 2217 ).

ويبقى أمر السؤال والاستفصال هو الأمر الأساس في هذا الباب، وينبغي هنا أن ننبه إلى أمرٍ غاية في الأهمية، وهو اختلاف معايير الناس في الحكم على الأشخاص، وينبغي أخذ ذلك في الاعتبار، حتى لا يغتر ولي المرأة بالثناء العام على الخاطب، أو بالمدح المجمل له، وعليه أن ينتبه لكون معيار هذا المادح والمُثني معياراً دنيويًّاً بحتاً، أو هو مدحُ وثناءُ مَن لا يعرف حقيقة حال ذلك المتقدم للخطبة.

عَنْ سَهْل بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ “، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ” مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ “، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا “. رواه البخاري ( 4803 ).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الرجل قد يكون ذا منزلة عالية في الدنيا, ولكنه ليس له قدر عند الله, وقد يكون في الدنيا ذا مرتبة منحطة وليس له قيمة عند الناس, وهو عند الله خير من كثير ممن سواه. ” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 53 ) .

 

والله أعلم.

القهوة والشاي والسكَّر فيها ضرر أحيانا، فهل تحرم كالدخان؟!

القهوة والشاي والسكَّر فيها ضرر أحيانا فهل تحرم كالدخان؟!

السؤال:

اختلفت أنا وبعض أصدقائي في نقاش دار بيننا حول تحريم ما يضر، وكان الدخان هو موضوع النقاش، واستدللت بالآية الكريمة: ( ويحرم عليهم الخبائث )، وقلت: كل ما يضر محرم، فقالوا: إذاً الشاي والقهوة والكولا والسكر والماء كلها محرمة!!؛ لأن كثرة شرب الماء قد تسبب الموت خنقا، وتناول السكَّر في الشاي بكميات كبيرة جدًّا قد يرفع سكر الدم مسببا صدمة قد تسبب الوفاة، وكل شيء قد يتناول بكثرة وهو حلال حتما سيسبب الضرر، فما هو الحد في تحريم تناول مسببات الضرر؟

 

الجواب:

الحمد لله

التدخين محرّم، ولا ينبغي لأحدٍ أن يجادل في كون الدخان من الخبائث، فهو خبيث الرائحة، وخبيث الأثر على صاحبه وعلى من جاوره، ولا يَختلف الأطباء في أن الدخان ضارٌّ بالبدن، وأنه ليس فيه منفعة واحدة، وما كان كذلك: فهو من الخبائث، ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة أنه جاء ليحل الطيبات، ويحرِّم الخبائث.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقال بعض العلماء: كل ما أحل الله تعالى: فهو طيِّبٌ، نافعٌ، في البدن، والدِّين، وكلُّ ما حرمه: فهو خبيث، ضارٌّ، في البدن، والدِّين.

” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 488 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ) من الأطعمة؟. ( قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) وهي كل ما فيه نفع، أو لذة، من غير ضرر بالبدن، ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع الحبوب، والثمار، التي في القرى، والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر، وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع، والخبائث منها.

ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ). ” تفسير السعدي ” ( ص 221 ).

وقد صدرت الفتاوى المتعددة من أئمة الإسلام وعلمائه بحرمة الدخان؛ لأنه من الخبائث، بالإضافة إلى أسباب أخرى في التحريم، كالضرر، والتبذير.

 

 

قال علماء اللجنة الدائمة:

شرب الدخان حرام؛ لأنه ثبت أنه يضر بالصحة؛ ولأنه من الخبائث؛ ولأنه إسراف، وقد قال تعالى: ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ).

الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 178 ، 179 ).

وقالوا – أيضا -:

شرب الدخان حرام؛ لأنه من الخبائث، وقد حرم الله ورسوله الخبائث، وقال تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) ….

الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 179 ، 180 ).

وبه يتبين أن ما استدللتَ به من قوله تعالى: ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) فهو في مكانه، وقد سبق من كلام أهل العلم ما يؤيد ذلك.

ثالثا:

ولا يُختلف في كون الدخان مما يسبب الضرر لشاربه، بل لمن كان بجانبه ممن يستنشق ذلك الدخان المتصاعد من ” السيجارة “، والقاعدة الشرعية هي أن كل ما ثبت ضرره بالقطع أو غلبة الظن فإنه يكون حراما.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الدليل على تحريم ما فيه مضرة: من القرآن، والسنَّة:

فمن القرآن: قال الله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) [ البقرة / من الآية 195 ] ، وقال عزّ وجل: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) [ النساء / من الآية 29 ]، والنهي عن قتل النفس نهيٌ عن أسبابه أيضاً، فكل ما يؤدي إلى الضرر: فهو حرام.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ” لا ضرر ولا ضرار “، وربما يستدل له أيضا بقوله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) [ المائدة / الآية 6 ]، ووجه ذلك: أن الله تعالى أوجب التيمم على المريض حمايةً له عن الضرر، فعدل به عن الماء الذي قد يتضرر باستعماله في البرد والمرض ونحوهما إلى التيمم.

” الشرح الممتع ” ( 15 / 12 ، 13 ).

والدخان لا يُختلف اليوم في أنه ضار، فهو محرَّم؛ وهذا من أسباب تحريمه.

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وكذلك الدخان، فإنه ضارٌّ في عينه، وضرره مُجمعٌ عليه بين الأطباء اليوم، لا يَختلف في ذلك اثنان منهم؛ لما يشتمل عليه من المواد السامة، المفسدة للدم.

” الشرح الممتع ” ( 15 / 10 ).

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

وقد أثبت الأطباء له مضارًّا عظيمة، وقالوا: إنها تكمن في الجسم أولا، ثم تظهر فيه تدريجيًّا، وذكروا أن الدخان الذي يتصاعد عن أوراق التبغ المحترقة: يحتوي على كمية وافرة من المادة السامة هي النيكوتين، فإذا دخل الفم والرئتين: أثَّر فيهما تأثيرا موضعيًّا وعموميًّا؛ لأنه عند دخوله الفم: تؤثر المادة الحريقة السامة التي فيه في الغشاء المخاطي فتهيجه تهيجاً قويًّا، وتسيل منه كمية زائدة من اللعاب، وتغير تركيبه الكيماوي بعض التغيير بحيث تقلل فعله في هضم الطعام، وكذلك تفعل في مفرز المعدة كما فعلت في مفرز الفم، فيحصل حينئذ عسر الهضم، وعند وصول الدخان إلى الرئتين على طريق الحنجرة: تؤثر فيهما المادة الحريقة، فتزيد مفرزهما، وتُحدث فيهما التهابا قويًّا مزمنا، فيتهيج السعال حينئذ لإخراج ذلك المفرز الغزير الذي هو ” البلغم “، ويتسبب عن ذلك تعطيل الشرايين الصدرية، وعروض أمراض صدرية يتعذر البرء منها، وما يجتمع على باطن القصبة من آثار التدخين الكريهة الرائحة: يجتمع مثله على القلب، فيضغط على فتحاته، ويصد عنه الهوى، فيحصل حينئذ عسر التنفس، وتَضعف المعدة، ويقل هضم الطعام.

ويحصل عند المباشر له الذي لم يعتده دوار، وغثيان، وقيء، وصداع، وارتخاء للعضلات، وهي الأعصاب، ثم سبات، وهي كناية عن حالة التخدير الذي هو من لوازم التبغ المتفق عليه، وذلك لما يحويه من المادة السامة، ومَن اعتاده: حصل عنده من فساد الذوق، وعسر الهضم، وقلة القابلية للطعام ما لا يخفى.

والإكثار منه يفضي إلى الهلاك إما تدريجيًّا، وإلا في الحال، كما وقع لأخوين تراهنا على أيهما أكثر من الآخر، فمات أحدهما قبل السيجارة السابعة عشرة! ومات الآخر قبل أن يتم الثامنة عشرة!.

ومِن مضارِّه: تخريب كريات الدم، وتأثيره على القلب بتشويش انتظام ضرباته، ومعارضته القوية لشهية الطعام، وانحطاط القوة العصبية عامَّة، ويظهر هذا بالخدور، والدوار، الذي يحدث عقب استعماله لمن لم يألفه.

” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 12 / 84 ).

وبه يتبين أن ما ذكرتَه من كون الضرر في الدخان من أسباب تحريمه: صحيح، ومن خالف في ذلك فهو جاهل، أو معاند، وما ذكره الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – إنما هو تلخيص لكلام الأطباء أصحاب الخبرة بطب البدن.

رابعا:

وأما تمثيل المناقش لك الدخان بأطعمة وأشربة مباحة قد يتضرر الإنسان إذا أكثر منها: فهي حجة ساقطة، وفي كلامه رد عليه؛ حيث اعترف أنها بذاتها ليست مضرة، ولا مهلكة، وإنما تكون كذلك في أحوال معينة، أو بكميات معينة، أو لأشخاص دون أشخاص، وهذا لا نختلف معه به! والفرق بين ” القهوة ” و ” الشاي ” و ” الماء ” وبين ” الدخان ” فرق عظيم، ومن السذاجة أن يُقارن بينها، فإن تلك الأشربة مباحة في ذاتها، وهي نافعة للبدن، ليست مضرة، ولا ننفي أن تكون كذلك في أحوال معينة، أو لأشخاص معينين، فقد يساء استعمال تلك المواد طبخا، وإعدادا، فيكون في تناولها ضرر، وقد يتناول الإنسان كمية كبيرة منها يُعلم أنها تضره، فتكون حراما، والماء الذي هو عصب الحياة وروحها، وجعل الله منه كل شيء حيًّا قد يسبب الموت أو الضرر للشجر، والحيوان، والإنسان، إذا زادت جرعات الماء عن حد الاعتدال، فهل ثمة عاقل يقول: إن الماء يَحرم بسبب ذلك؟!.

وإذا ثبت ضرر مادة صناعية معينة، كالسكر، والكولا: فيجري فيها ما يجري في الدخان، وإن لم يثبت: فتلحق بالشاي والقهوة والماء، ولسنا نخص الدخان بعينه فنحرمه لضرره، بل هي قاعدة عامة، كما سبق في كلام العلماء.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم شرب: الدخان، الشاي، القهوة، وتعاطي الحبوب المنبهة أو المنومة؟.

فأجابوا:

أولا: يحرم شرب الدخان؛ لما فيه من المفاسد.

ثانيا: شرب الشاي والقهوة: لا بأس به؛ لأنهما من الأشربة المباحة.

ثالثا: لا يجوز تعاطي الحبوب المنبهة والمنومة؛ لما فيها من المضار على متعاطيها؛ ولما ينتج عنها من الأخطار على غيره من المجتمع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 120 ، 121 ).

وقد يصاب المسلم بمرض لا يستطيع معه تناول طعام معيَّن إلا ويصيبه ضرر، فحينئذٍ يحرم عليه تناول ذلك الطعام، مع أنه في أصله من المباحات، ولم يحرم ذلك الطعام على المسلمين جميعا، بل حرُم على ذلك الشخص – ومن هو في حكمه – دون غيره من الناس.

وقد يتناول المسلم طعاما مباحا زائدا عن حدِّه فيتضرر به، فيكون فعله ذلك حراما عليه، وشتان بين تحريم عين الطعام والشراب – كالسم والدخان والمخدرات – وبين تحريم فعل المكلَّف بزيادة جرعة أو قدر من طعام أو شراب، أو بسبب سوء إعداد لهما.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والضارُّ في غيره: مثل أن يكون هذا الطعام لا يلتئم مع هذا الطعام، بمعنى أنك إذا جمعتَ بين الطعامين: حصل الضرر، وإذا أكلتهما على انفرادٍ لم يحصل الضرر، ومن ذلك الحُمْية للمرضى، فإن المريض إذا حُمي عن نوع معينٍ من الطعام، وقيل له: إن تناوله يضرك:  صار عليه حراما … .

 

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

” وإذا خاف الإنسان من الأكل أذًى أو تخمة: حَرُمَ عليه “.

فإذا قال الإنسان: أنا إذا ملأتُ بطني من هذا الطعام: فإنه سيحتاج إلى ماء، فإذا أضفتُ إليه الماء: فلا أكاد أمشي، وأتأذى، فإن جلست: تأذيت، وإن ركعتُ: تأذيت، وإن استلقيت على ظهري: تأذيت، وإن انبطحت على بطني: تأذيت، وفي هذا يقول شيخ الإسلام: ” إذا خاف الأذية: فإنه يحرم عليه الأكل “، وما قاله – رحمه الله -: صحيح؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأكل ما يؤذيه، أو يلبس ما يؤذيه، أو يجلس على ما يؤذيه، حتى الصحابة رضي الله عنهم في السجود، كانوا إذا أذاهم الحر يبسطون ثيابهم، ويسجدون عليها؛ لئلا يتأذوا؛ ولأجل أن يطمئنوا في صلاتهم.

وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام خوف الأذية والتُّخمة ممَّا ضرره في غيره، وهو الإكثار، يعني هو بنفسه ليس بضار، لكن الإكثار منه يكون ضارا مؤذيا، حتى وإن لم يتضرر، لكن الظاهر لي من الناحية الطبية أنه يتضرر؛ لأن المعدة إذا ملأتها سوف تتأذى وتتعب … .

وقد قيل: إن من الأمور المهلكة: إدخال الطعام على الطعام، فإذا صح ذلك كان – أيضاً – حراماً؛ لأن الله يقول: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء / الآية 29 ].

ولا يبعد أن يكون هذا صحيحا، وهو أمر مجرَّب … .

” الشرح الممتع ” ( 15 / 9 – 11 ).

وقال – رحمه الله -:

لو قيل لرجل مصاب بالداء السكري: لا تأكل التمر، ولا الحلوى: صار التمر، والحلوى حراماً عليه؛ لأنها تضره، ووجب عليه اجتنابها، وهي حلال للآخرين.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 229 / السؤال رقم: 2 ).

وبه يتبين خطأ قياس صاحبك المباح من الطعام والشراب على الدخان المحرَّم، وتبين أن ما جاءت به الشريعة هو الذي يشتمل على المصلحة للبشر، وقد أحكم الله تعالى شرعه، ومن خالف كل ما قلناه فإنما هو مجادل بالباطل، وعسى الله أن ينتفع حريص على تحري الحق، وأن ينفع به غيره.

 

والله أعلم.

نبذة عن ابن رشد الحفيد، وبيان شيء من سوء اعتقاده

نبذة عن ابن رشد الحفيد، وبيان شيء من سوء اعتقاده

السؤال:

نسمع كثيرا عن ” ابن رشد ” الذي عاش في الأندلس، هناك من الناس من يثني عليه، وهناك من يحذر منه، وهناك من يكفره!، حتى إن السينما المصرية أصدرت فلما عن حياته!! أفيدونا نفع الله بكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ” ابن رشد ” ليس شخصا واحدا بل هما اثنان! وقد اشتركا في الاسم، واسم الأب، والكنية، والمنصب، والبلدة! ويفرَّق بينهما بأن أُطلق على واحد منهما ” ابن رشد الحفيد “، والآخر ” ابن رشد الجد “.

وابن رشد الحفيد هو: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، فقد طابق اسمه اسم جده، واسم أبي جده اسم أبيه، وكلٌّ منهما قاضٍ، وكل منهما قرطبي، وكلٌّ منهما يقال له: ابن رشد.

ومن العلماء من يطلق على ابن رشد الحفيد ألقاب تعريفية للتميز كـ: ” الأصغر ” و” الفيلسوف “، ومنهم من يطلق عليه: ” الأول “، ويطلقون على جده –  ولد عام ( 450 هـ )، وتوفي عام 520 هـ -: ” الأكبر ” و” الفقيه “، و” الثاني “، وإليه الإشارة في قول ابن القيم – رحمه الله – في ” النونية “:

وأبو الوليد المالكي أيضا حكى *** إجماعهم أعني ابن رشد الثاني

وابن رشد الجد هو المشهور عند المالكية، وهو صاحب ” مقدمات ابن رشد “، وأما الحفيد فهو فيلسوف، وقد انتقد في اعتقده، واتهم بالزندقة.

  1. ولد ابن رشد الحفيد في قرطبة، عام ( 520 هـ )، نشأ في بيت علم، وفضل، فطلب العلم، ونبغ فيه، وبرع في الطب، حتى صار طبيباً خاصًّا لبعض أمراء الأندلس، ثم ولي لقضاء في ” إشبيلية “، ثم ” قرطبة “، ثم صار ” قاضي القضاة “.

قال الإمام الذهبي – رحمه الله -:

مولده قبل موت جده بشهر سنة عشرين وخمس مئة، عرض ” الموطأ ” على أبيه، وأخذ عن أبي مروان بن مسرة، وجماعة، وبرع في الفقه، وأخذ الطب عن أبي مروان بن حزبول، ثم أقبل على علوم الأوائل، وبلاياهم، حتى صار يضرب به المثل في ذلك.

قال الأبَّار: لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا، وعلما، وفضلا، وكان متواضعا، منخفض الجناح، يقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقِل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سوَّد في ما ألَّف وقيَّد نحواً من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الحكماء، فكانت له فيها الإمامة.

وكان يُفزع إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع وفور العربية، وقيل: كان يحفظ ديوان أبي تمام، والمتنبي.

ولي قضاء قرطبة، فحُمدت سيرته.

قال ابن أبي أصيبعة في ” تاريخ الحكماء “: كان أوحد في الفقه والخلاف، وبرع في الطب، وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة، وقيل: كان رث البزة، قوي النفس، لازم في الطب أبا جعفر بن هارون مدة، ولمَّا كان المنصور صاحب المغرب بقرطبة: استدعى ابن رشد، واحترمه كثيرا، ثم نقم عليه بعد، – يعني: لأجل الفلسفة -.

قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: لمَّا دخلتُ البلاد: سألتُ عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة ” يعقوب “، لا يدخل إليه أحد؛ لأنَّه رفعت عنه أقوال رديَّة، ونسبت إليه العلوم المهجورة.

– ولا ينبغي أن يُروى عنه.

” سير أعلام النبلاء ” ( 21 / 307 – 309 ) مختصرا.

  1. كان لابن رشد كلمات في إثبات صفات الله تعالى موافقة لمذهب السلف، ليس بسبب تعظيمه للكتاب والسنَّة، بل لاعتقاده أن الشريعة لا تخالف الفلسفة، والتي يسميها ” الحكمة “، وقد ألَّف في ذلك رسالة خاصة، ولذلك فقد نقد مذهب الأشاعرة في تحريفهم الصفات – الذي يسمونه تأويلاً – نقداً شديداً، وهو ما جعل بعض متعصبة الأشاعرة يطعنون به، ويذمونه، وبخاصة في إثبات صفة العلو، حيث قال في كتابه ” مناهج الأدلة “:

وأما هذه الصفة: فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي، ومن اقتدى بقوله، فظواهر الشرع كلها تقتضي إثباتها لله تعالى مثل قوله سبحانه: ( الرحمن على العرش استوى ) وقوله تعالى: ( وسع كرسيه السموات والأرض ) وقوله تعالى: ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) ، وقوله تعالى: ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ) ، وقوله تعالى: ( تعرج الملائكة والروح إليه ) ، وقوله تعالى: ( أأمنتم من في السماء ) ، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلِّط التأويل عليها: عاد الشرع كلُّه مؤوَّلاً، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات: عاد الشرع كله متشابهاً؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن مِن السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى.

وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله، والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع في ذلك. انظر ” اجتماع الجيوش الإسلامية ” ( ص 207 ، 208 ).

  1. ومما أُخذ على ابن رشد الحفيد: تعظيمه لفلاسفة اليونان، وتقديم أقوالهم على نصوص الوحي ، وقد فيه الغربيون حتى أطلقوا عليه لقب ” المعلِّم الثاني “! والأول عندهم هو ” أرسطو “، ولذا فقد حوكم، وضرب، وأهين، بسبب تلك الفلسفة، وكلمات الزندقة.

أ. قال أبو حيان الأندلسي – رحمه الله -:

وكثيرا ما ينقل هذا الرجل – أي: أبو عبد الله الرازي – عن حكماء الإسلام في التفسير، وينقل كلامهم تارة منسوبا إليهم، وتارة مستنداً به ويعني: بحكماء الفلاسفة الذين خلقوا في مدة الملة الإسلامية، وهم أحق بأنْ يسمّوا سفهاء جهلاء من أن يسموا حكماء، إذ هم أعداء الأنبياء والمحرفون للشريعة الإسلامية، وهم أضر على المسلمين من اليهود والنصارى. وإذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – نهى عن قراءة التوراة مع كونها كتابا إلهيًّا، فلأنْ ينهى عن قراءة كلام الفلاسفة أحق.

وقد غلب في هذا الزمان وقبله بقليل الاشتغال بجهالات الفلاسفة على أكثر الناس، ويسمونها الحكمة، ويستجهلون من عرى عنها، ويعتقدون أنهم الكملة من الناس، ويعكفون على دراستها، ولا تكاد تلقى أحداً منهم يحفظ قرآنا، ولا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولقد غضضت مرة من ” ابن سينا “، ونسبته للجهل، فقال لي بعضهم – وأظهر التعجب من كون أحد يغض من ” ابن سينا ” -: كيف يكون أعلم الناس بالله ينسب للجهل؟!.

ولما ظهر من قاضي الجماعة أبي الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد بن رشد الاعتناء بمقالات الفلاسفة والتعظيم لهم: أغرى به علماء الإسلام بالأندلس: المنصور منصور الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي ملك المغرب والأندلس حتى أوقع به ما هو مشهور، من ضربه، ولعنه، وإهانته، وإهانة جماعة منهم على رؤوس الإشهاد، وكان مما خوطب به المنصور في حقهم قول بعض العلماء الشعراء:

خليفتنا جزاك الله خيرا *** عن الإسلام والسعي الكريم

فحق جهاده جاهدت فيه *** إلى أن فزت بالفتح العظيم

وصيرت الأنام بحسن هدى *** على نهج الصراط المستقيم

فجاهد في أناس قد أضلوا *** طريق الشرع بالعلم القديم

وحرق كتبهم شرقا وغربًا *** ففيها كامنا شر العلوم

يدب إلى العقائد من أذاها *** سموم والعقائد كالجسوم

وفي أمثالها إذ لا دواء *** يكون السيف ترياق السموم

 

وقال:

يا وحشة الإسلام من فرقة *** شاغلة أنفسها بالسفه

قد نبذت دين الهدى خلفها *** وادعت الحكمة والفلسفه

وقال:

قد ظهرت في عصرنا فرقة *** ظهورها شؤم على العصر

لا تقتدي في الدين إلا بما *** سن ابن سينا أو أبو نصر

” تفسير البحر المحيط ” ( 5 / 151 ).

ب. وقد ردَّ عليه الشاطبي – رحمه الله – في زعمه الحاجة لعلوم الفلسلفة لفهم الشريعة فقال:

وزعم ” ابن رشد ” الحكيم في كتابه الذي سمَّاه بـ ” فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ” أن علوم الفلسفة مطلوبة؛ إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها، ولو قال قائل: إن الأمر بالضد مما قال: لما بعُد في المعارضة.

وشاهِد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها، أم كانوا تاركين لها، أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه.

” الموافقات ” ( 4 / 198 ).

ج. وقد وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بالباطني في مواضع عدة من كتبه، ونقل عنه أقوالا شنيعة، وزندقة ظاهرة، ومن ذلك قوله: إن الرسل يكذبون للمصلحة!:

قال – رحمه الله -:

وابن سينا وأمثاله لمَّا عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية؛ بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب: سلك مسلك التخييل، وقال: إنه خاطب الجمهور بما يُخيَّل إليهم؛ مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك.

فهؤلاء يقولون: إن الرسل كذبوا للمصلحة، وهذا طريق ابن رشد الحفيد، وأمثاله من الباطنية، فالذين عظَّموا الرسل من هؤلاء عن الكذب: نسبوهم إلى التلبيس، والإضلال، والذين أقروا بأنهم بيَّنوا الحق قالوا: إنهم كذبوا للمصلحة.

وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا الحق وأنهم بيَّنوه مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق، فهم الصادقون المصدوقون، علموا الحق وبينوه، فمن قال: إنهم كذبوا للمصلحة: فهو من إخوان المكذبين للرسل، لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير، والعدل في العالم: لم يمكنه أن يقول: كذبوا لطلب العلو والفساد، بل قال: كذبوا لمصلحة الخلق. كما يحكى عن ” ابن التومرت ” وأمثاله، ولهذا كان هؤلاء لا يفرقون بين النبي والساحر إلا من جهة حسن القصد؛ فإن النبي يقصد الخير، والساحر يقصد الشر، وإلا فلكل منهما خوارق هي عندهم قوى نفسانية، وكلاهما عندهم يكذب! لكن الساحر يكذب للعلو والفساد، والنبي عندهم يكذب للمصلحة؛ إذ لم يمكنه إقامة العدل فيهم إلا بنوع من الكذب.

” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 157 ، 158 ).

  1. ومن مؤلفات ابن رشد الحفيد: ” بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ” الكليات في الطب “، ” مختصر المستصفى في الأصول “، ” تهافت التهافت “، وهو رد على كتاب ” تهافت الفلاسفة ” للغزالي، ” فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال “، ” الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة “، ” شرح كتاب البرهان لأرسطو “، ” شرح كتاب النفس لأرسطو “، وغيرها كثير.
  2. توفي ابن رشد الحفيد في صفر سنة ( 595 هـ ) ، ودفن بمراكش، ثم حمل رفاته بعد إلى مسقطه رأسه بالأندلس.

 

والله الموفق.

متى يكون الفعل خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم دون أمَّته؟.

متى يكون الفعل خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم دون أمَّته؟.

السؤال:

في بعض الأحيان يقول العلماء عن فعل فعَله الرسول عليه الصلاة والسلام: إنه خاص به، مثل استماعه للجارية وهي تضرب على الدف، فما الدليل أو الضابط في هذا الموضوع؛ لأنه عندما نقول للمخالِف: إن هذا الفعل خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام, يقول: فما الدليل إذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

سؤال المخالف عن الدليل على كون الفعل خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم في محله، وهذا من حقه.

وينبغي أن يُعلم أن الأصل فيما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أنه له، وللأمَّة، ولا يجوز نسبة الفعل للخصوصية إلا بدليل واضح بيِّن؛ لقوله تعالى: ( لقَدْ كاَنَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب / من الآية 16 ]، ولم يفهم الصحابة – رضي الله عنهم – من أفعاله إلا أنها مجال الاقتداء والائتساء به، وأنها من شرع الله تعالى، على اختلاف أحكامها بين واجب، أو مستحب، أو مباح، ومما يدل على ذلك:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ, فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ, فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ” لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ ” فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: ” إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ, فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ, فَلْيَنْظُرْ فِيهَا فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ, ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا”. رواه أحمد ( 17 / 242 ، 243 ) وصححه محققو المسند.

بل إن النبي صلى الله عليه غضب من بعض أصحابه لمَّا نسبوا فعلا فعله صلى الله عليه وسلم للخصوصية.

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ “، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: ” وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّبِعُ “. رواه أبو داود ( 2389 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

لذا فإنه لا يجوز نسبة فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصوص إلا بدليل واضح ينص على الخصوصية.

قال ابن حزم – رحمه الله -:

ولا يجوز أن يقال في شيء فعله عليه السلام أنه خصوص له إلا بنص في ذلك؛ لأنه عليه السلام قد غضب على من قال ذلك، وكل شيء أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو حرام. ” الإحكام في أصول الأحكام ” ( 4 / 433 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

الأصل: مشاركة أمته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل، ولذلك قالت أُمُّ سلمة: ” اخرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحدَاً حتى تَحْلِقَ رأسك وتنحر هَدْيك “، وعلمت أن الناس سيتابعونه. ” زاد المعاد ” ( 3 / 307 ).

وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

ما الذي يبيِّن أو يثبت أن هذا الشيء خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؟.

فأجاب:

الأصل: أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عام له وللأمة، إلا ما دل الدليل على اختصاصه به صلى الله عليه وسلم، فالخصوصية لا بد لها من دليل – والله أعلم -؛ لقوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب / من الآية 21 ]. ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 5 / 369 ، السؤال رقم: 488 ).

ثانيا:

ومن الأحكام الخاصة به صلى الله عليه وسلم: التزوج من غير مهر ولا ولي، والتزوج بأكثر من أربع، ووصال الصوم لأكثر من يوم.

قال ابن حزم – رحمه الله -:

فلا يحل لأحد بعد هذا أن يقول في شيء فعله عليه السلام إنه خصوص له، إلا بنص، مثل: النص الوارد في الموهبة بقوله تعالى: ( خالصةً لك من دون المؤمنين )، ومثل: وصاله عليه السلام في الصوم، وقوله ناهياً لهم: ” إني لست كهيئتكم “، ومثل نومه عليه السلام وصلاته دون تجديد وضوء، فسئل عليه السلام عن ذلك، فقال: ” عيناي تنامان ولا ينام قلبي “.

فما جاء فيه بيان كما ذكرنا: فهو خصوص، وما لم يأت فيه نص كما قلنا: فلنا أن نتأسى به عليه السلام، ولنا في ذلك الأجر الجزيل، ولنا أن نترك غير راغبين عن ذلك، فلا نأثم، ولا نؤجر. ” الإحكام في أصول الأحكام ” ( 4 / 433 ).

ثالثا:

وأما حديث ضرب الجارية بالدف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم: فليس خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم – وإن قال به بعض العلماء – وكيف يكون كذلك وقد دخل عليه – وهي تضرب بالدف – أبو بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟! وليس ثمة إشارة في الحديث تخص ضرب الدف في السرور والفرح برجوع النبي صلى الله عليه وسلم فقط دون غيره، فالصحيح أنه يقاس عليه غيره.

عن بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلاَّ فَلاَ ” فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ “. رواه الترمذي ( 3690 ) وصححه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

حديث صحيح، وله وجهان:

أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح؛ تطيبا لقلبها؛ وجبرا، وتأليفا لها على زيادة الإيمان، وقوته، وفرحها بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم سالما، مؤيدا، منصورا على أعدائه، قد أظهره الله، وأظهر دينه، وهذا من أفضل القُرَب، فأُمرت بالوفاء به.

” إعلام الموقعين عن رب العالمين ” ( 4 / 320 ).

 

– والذي يظهر أن هذه الحادثة واقعة عين، لم تتكرر، فلا عموم فيها.

 

 

والله أعلم.

هل يجوز لكاتب في منتدى أن يسمي نفسه ” عمر بن الخطاب “؟

هل يجوز لكاتب في منتدى أن يسمي نفسه ” عمر بن الخطاب “؟

السؤال:

لاحظت بالمدة الأخيرة انتشار بعض المسميات في المنتديات، حيث يقوم أشخاص بتسمية أنفسهم بأسماء الصحابة، كأبي بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب، يستخدموها صراحة وبالاسم الكامل، فهل هذا جائز؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

تسمية الأبناء بأسماء الأنبياء عليهم السلام، والصحابة – رضي الله عنهم -، والتابعين – رحمهم الله -: من خير ما يفعله الآباء مع أبنائهم في هذا الباب.

وأما بخصوص عين السؤال وهو تسمية بعض المحبين للصحابة – رضي الله عنهم – أنفسهم باسم الصحابي واسم أبيه، أو باسمه ولقبه: فهذا لا يجوز؛ لسببين:

الأول: أن في هذا الفعل انتحالاً لشخصية معروفة مشهورة، وليس هو من باب انتساب المرء لغير أبيه؛ لأن المسلم عندما يقول عن نفسه أنه ” عمر بن الخطاب ” فهو إنما استعمل الاسم كاملاً لقباً له، ولو كان اسم الرجل ” عمر ” ثم قال عن نفسه: أنه ” ابن الخطاب “، أو كان اسمه ” علي ” ثم أضاف إليه ” ابن أبي طالب “: لكان هذا من كبائر الذنوب؛ لأنه انتسابٌ لغير الأب الشرعي.

والثاني: أنه يعرِّض هذا الاسم للامتهان، والامتهان قد يكون من مسلم، وقد يكون من كافر، وخاصة الرافضة، فالمسلم قد يسخر من صاحب الاسم، وبذا يعرِّض الاسم للامتهان، والرافضي يقوم دينه على السب والشتم واللعن، فيجمع بين شتم صاحب الاسم الأصلي، وشتم المتلقب به.

ثانيا:

وثمة من الصحابة والسلف من سمَّى أبناءه بأسماء الأنبياء، ولم نر مَن سمَّى ابنه ” موسى بن عمران “، ولا ” عيسى بن مريم “، وكذا قد سمَّى السلفُ أبناءهم بأسماء الصحابة، وليس منهم مَن سمَّى ابنه بعلي بن أبي طالب، وكذا سمَّى السلف أبناءهم بأسماء العلماء والأئمة، ولم نرَ مَن سمَّى ابنه ” مالك بن أنس “، أو ” أحمد بن حنبل “.

فمَن أحبَّ الصحابة – رضي الله عنهم -: فليحذ حذو المحبين لهم من سلف هذه الأمة في الاكتفاء بأسمائهم الأولى، أو اختيار كناهم كنية له، وأما أن يختار الاسم كاملاً: فهذا لم يفعله قبله أحد، وهو غير جائز في الأصل؛ لما قدمناه من أسباب.

ومن باب الفائدة نزيد فنقول: إن محبة أهل السنَّة لشيخ الإسلام ابن تيمية قد دفعت بعض المحبين لتسمية ابنه ” ابن تيمية “! وصارت كنى كثيرين منهم ” أبو ابن تيمية “! وهذا خطأ، ولا يحل لأحد أن يفعله؛ لأن لفظة ” ابن ” تدل صراحة في باب الأسماء على البنوة الحقيقية، أي: بنوة النسب، وهذا الشخص المسمَّى ” ابن تيمية ” ليس من أمهاته – الأم والجدات – من اسمها ” تيمية “، فكيف ينسب نفسه إلى من ليس في نسبه؟!.

فالواجب على المحبين للصحابة حفظ كرامة من يحبون، وعدم تعريض أسمائهم للامتهان، وليكن حب الصحابة دافعاً لهم للتخلق بأخلاقهم، والسير على هديهم، في طلب العلم، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، وغير ذلك من أبواب الاقتداء والائتساء.

 

والله أعلم.

تخشى أن تكون تسببت بتمزق غشاء البكارة, فماذا تصنع؟

تخشى أن تكون تسببت بتمزق غشاء البكارة, فماذا تصنع؟

السؤال:

تعرضت منذ فترة إلى حكاك شديد في ” الفرج “، مع العلم أني لا زلت عذراء، قمت بإدخال إصبعي وحك المنطقة إلى أن نزف قليل من الدم ذو لون أحمر فاتح، مع العلم أني كنت قد أكملت يومها فترة الحيض، بعدها ذهبت إلى صيدلية، ووصفت حالة المرض، دون ذكر ما حدث، وقد شفيت من المرض، إلا أني لا زلت خائفة من كوني قد ضررت بكارتي، ولم أستطع زيارة الطبيب خجلاً، فكيف لي التأكد من عذريتي دون اللجوء للطبيب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه مسألة طبية وليست شرعية، ولا يمكن الجزم بأحد الاحتمالين إن كان غشاء البكارة قد تمزق أو لا إلا بالفحص الطبي، فعليك مراجعة طبيبة موثوقة للنظر في الغشاء إن كان تمزقه هو سبب الدم النازل، أم لا.

ولا نرى داعٍ للخجل من هذا الفحص، بل نراه ضروريًّا لكِ لسببين:

الأول: قطع القلق، والهم، والغم، والخوف في حياتك؛ لأن هذا أشبه بالموت البطيء.

الثاني: أن تحضري من الطبيبة تقريراً طبيًّا بسبب هذا التمزق – إن كان تمزق جراء إدخال الأصبع -، وهذا مفيد جدًّا لك في المستقبل، فهو يقطع الطريق على كل متشكك، ويُظهر حقيقة الأمر، ولذا فلا ننصح بالتأخر في مراجعة الطبيبة – لا الطبيب – لهذا الأمر المهم.

وغشاء البكارة أنواع، وثخانته درجات، وبما أنك قريبة من الثلاثين فإنه من المعلوم أن الغشاء يزداد صلابة، وهذا ما يذكره الأطباء المختصون، ولذا فقد يكون ما حصل معك لا تعلق له بتمزق غشاء البكارة البتة، وإنما هي أوهام وخيالات، ولا يَقطع الأمر إلا الفحص من قبَل الطبيبة.

 

والله الموفق.

هل يجوز له العمل مندوبا لشركة ” آرلا ” الدنماركية ؟.

هل يجوز له العمل مندوبا لشركة ” آرلا ” الدنماركية ؟.

السؤال:

أعمل مندوب مبيعات بشركة ” آرلا ” الدانمركية للأغذية في دولة خليجية، ولقد بدأتُ العمل مع الشركة بعد قيام أمانة ” المؤتمر العالمي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ” برئاسة الدكتور يوسف القرضاوي، والأمين العام للمؤتمر الدكتور سلمان العودة بالتوصية باستثناء منتجات شركة ” آرلا ” للأغذية من المقاطعة، وهي ( لورباك، بوك، دانو، البقرات الثلاث ) تثميناً لموقف الشركة التي أعلنت استنكار وإدانة الرسوم، ورفضت أي مبرر لتسويغها، والتحقت بالعمل بتاريخ 11 مارس 2007 م، فهل راتبي حلال، أو يقع عليَّ أي خطأ بسبب العمل في الشركة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

في 30 / 9 / 2005 م قامت صحيفة دانمركية بنشر رسومات يدوية تسيء لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قام المسلمون في أنحاء العالَم قيام رجل واحد في الذب عن عرض نبيهم صلى الله عليه وسلم، وقاموا من تلقاء أنفسهم بالدعوة لمقاطعة البضائع التي تأتي من الدولة التي سكتت عن تلك الرسومات بدعوى ” حرية الرأي والتعبير “، وقد أيَّد عامة العلماء تلك المقاطعة؛ لما رأوه من تأثيرها على الشركات في تلك الدولة، ولعلها أن تحرِّك تلك الشركات باتجاه الضغط على الدولة للاستنكار، والأخذ على يد المسيء لنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد مرور عدة أشهر أخرجت شركة ” آرلا ” بياناً من عدة لغات تُعلن فيه استنكارها للعمل المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعلن براءتها من ذلك الفعل، وقد تعرَّضت تلك الشركة لإساءة بالغة من بعض فئات مجتمعها، بل إن الدولة نفسها التي ادعت أنها تقف مع حرية الرأي والتعبير قامت باستنكار فعل تلك الشركة، ووصفت فعلها بأنه ركوع مخزٍ للمسلمين! وقد انقسم أهل العلم بعد بيان الشركة ذاك إلى قسمين: منهم من قال بوجوب استمرار المقاطعة؛ لأنها آتت أُكلها، وقد تظهر نتائج أفضل من هذا، ومنهم من قال بأنه من الظلم الإبقاء على مقاطعة من وقف بجانب الحق، وأيَّدت المسلمين في غضبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وأننا يجب علينا تشجيع مثل هذه المواقف بنصرتهم، وتأييدهم، لا بخذلانهم، وتعريضهم للإهانة من مجتمعهم وحكومتهم.

وسواء رجحنا الموقف الأول أم الثاني: فإننا لا نرى لعملك فيها أي تعلق بموضوع المقاطعة، ولم نر أو نسمع أحداً من أهل العلم دعا لترك العمال وظائفهم في الشركات التي تصنع وتبيع المباح من الأطعمة والأشربة، وإنما كانت المقاطعة وسيلة ضغط على الشركات لتضغط على حكومتها للاعتذار ومعاقبة المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ثمة منع للعمل في الشركات الدنماركية فلا ينبغي أن يشمل هذا المنع تلك الشركة التي تسأل عن العمل مندوباً لها؛ لأن موقفها كان مشرِّفاً، فكيف ولم يصدر أصلًا من الفتاوى ما يمنع من العمل فيها؟!.

وعليه: فالذي نراه هو جواز عملك مندوباً لتك الشركة، بشرط أن يكون مجال عملك في المباح من الأطعمة والأشربة.

 

– ونسأل الله أن يرزقك رزقاً حسناً، وأن يبارك لك فيه.

 

والله أعلم.

متى يكون ذبح الموت؟ وما حال أصحاب الكبائر في البرزخ؟

متى يكون ذبح الموت؟ وما حال أصحاب الكبائر في البرزخ؟

السؤال:

عندما يؤتى بالموت على شكل كبش ويذبح أمام أهل الجنة والنار، ويقال لكل منهم: خلود فلا موت, هل هذا يكون بعد خروج أصحاب الكبائر من أمة محمد من النار, أم قبله؟.

وأيضًا نفس التساؤل: عندما يسألون أصحاب الكبائر في القبور, هل يجاوبون على أسئلة منكر ونكير, أم يقولون لا أعلم؟ وهل يرون مقعدهم من الجنة أو النار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الذي لا ينبغي أن يقال غيره هو أن الذبح للموت لا يكون إلا بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، واستقرار أهل النار في جهنم، ويقتضي هذا أنه لا يكون الذبح قبل خروج الموحدين من نار جهنم؛ لأن الخطاب يكون لأهل الجنة وأهل النار، ولا ينسب الموحدون للنار وهم سيخرجون منها.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ, فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ, فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ, فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ, فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ, فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ )، وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ( وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ). رواه البخاري ( 4453 ) ومسلم (2849 ).

وفي رواية ابن عمر في البخاري ( 6182 ) ومسلم ( 2850 ): ( إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ, وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ, جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ, ثُمَّ يُذْبَحُ, ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ, وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ, وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ “.

وينظر كلام ابن القيم – رحمه الله – في الرد على من اعترض على هذا الحديث بعقله.

 

ثانيًا:

وبخصوص فتنة القبر لأصحاب الكبائر: فثمة مسائل ثلاثة:

الأولى: إجابة الملكين منكر ونكير على أسئلتهما في العقيدة: عن ربه عز وجل، وعن دينه، وعن نبيه صلى الله عليه وسلم.

والثانية: تعذيبه على ذنوبه.

والثالثة: هل يرى الفاسق في قبره مقعده في الجنة؟.

أما الأولى: فإن الظاهر أن الناس فيها قسمان: مسلم، ومنافق، أو كافر، فالمسلم يجيب عن أسئلة الملَكين، ولو كان فاسقاً، والكافر – أو المنافق – لا يجيب، ويعذَّب على ذلك.

* ابن حجر الهيتمي – رحمه الله -:

ومقتضى أحاديث سؤال الملكين: أن المؤمن ولو فاسقًا يجيبهما، كالعدل، ولكن بشارته تحتمل أن تكون بحسب حاله. ” الفتاوى الحديثية ” ( ص 7 ).

وأما الثانية: فإنه لا يلزم من إجابة المسلم الفاسق على أسئلة الملَكين أنه لا يعذَّب على اقترافه الذنوب والمعاصي، إن لم يتب منها، وإن شاء الله تعذيبه، بل مِن عذاب هؤلاء ما يستمر إلى قيام الساعة، ومنه ما ينقطع.

* قال الشيخ محمد السفاريني – رحمه الله -:

فمن أغضب الله، وأسخطه، في هذه الدار، بارتكاب مناهيه، ولم يتب، ومات على ذلك: كان له عذاب البرزخ بقدر غضب الله، وسخطه عليه، فمستقل، ومستكثر، ومصدق، ومكذب . ” لوامع الأنوار البهية ” ( 2 / 18 ).

وقال:

ومن الذين يعذبون في قبورهم، وأخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: الجبارون، والمتكبرون، والمراءون، والهمازون، واللمازون، والطعانون على السلف، والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان الظلمة الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، ونحو هؤلاء، ممن يشتغل بذنوب الناس عن ذنبه، وبعيوبهم عن عيبه، فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها، وقلتها، وصغرها، وكبرها، ولما كان أكثر الناس كذلك: كان أصحاب القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب، فنسأل الله تعالى العافية، والرحمة، والعفو، والغفران، وبالله الإعانة، والعون .

” لوامع الأنوار البهية ” ( 2 / 19 ).

وهذا التعذيب على بعض المعاصي لا يمنع من إجابة الملَكين على أسئلتهم الثلاثة على الصواب.

وأما المسألة الثالثة: ففيه احتمالان:

  1. الأول: أن المسلم يرى مقعده في الجنة باعتباره ليس كافرًا، وأن مصيره إليها، لكن هذا لا يعني أنه لن يعذَّب في قبره إن شاء الله تعذيبه، ويشبه هذا حال المسلم في الدنيا، فإنه يعلم أن مصيره في الآخرة في الجنة، وهذا لا يعني عدم تعرضه للعذاب قبلها، كما يشبه هذا حال أهل الكبائر عند تطاير الصحف يوم القيامة، فمذهب أهل السنَّة والجماعة أنهم يأخذون كتبهم بأيمانهم، ونجاتهم من الخلود في النار لا يعني عدم دخولهم فيها لمن شاء الله أن يعذِّب منهم.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

مذهب أهل السنة والجماعة: أنه من مات على الإيمان: يتناول كتابه بيمينه، ولو كان مرتكباً للكبائر، وأنَّ من مات على الكفر – والعياذ بالله -: يتناول كتابه بشماله، من وراء ظهره، وهو بذلك يمثل هيئة الفاتر، المتألم، الكاره لما يتناوله، ولكن لا بد من تناوله، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، فإنها لم يُذكر فيها بالنسبة لتناول الكتاب إلا مؤمن – ولو مطلق الإيمان -، وكافر، وإن اختلف نوع كفره، أو تفاوتت درجته. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 726 ، 727 ).

ونحن نجزم بصحة ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم من وجود من يُعذَّب في قبره من المسلمين إلى يوم القيامة، كمثل آكل الربا الذي رآه صلى الله عليه وسلم يسبح في نهر من الدم، وكمثل الزناة  والزواني الذين رآهم صلى الله عليه وسلم في تنور يصرخون، وغير هؤلاء، ونجزم أن مصير هؤلاء إن كانوا مسلمين هو الجنة في نهاية الأمر، فيمكن أن يقال: إن عذاب هؤلاء في البرزخ على أرواحهم، وبشارتهم بالجنة في نهاية المطاف هو لأرواحهم مقترنة بأجسادهم.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ, عُرِضَ عَلَى مَقْعَدِهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. رواه البخاري ( 1379 ) ومسلم ( 2866 ).

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

* قال القرطبي: وهذا في حق المؤمن والكافر واضح، فأما المؤمن المخلِّط: فمحتمل في حقه أيضاً؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، ثم هو مخصوص بغير الشهداء؛ لأنهم أحياء، وأرواحهم تسرح في الجنة.

ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم: تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدرًا زائدًا على ما هي فيه الآن. ” فتح الباري ” (3/243 ).

* وقال الشيخ أبو الحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري:

ويكون عرض المقعدين على كل واحد من المؤمن المخلص والكافر والمؤمن المخلط؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، فيرى مقعده في الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما تستحق. ” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 1 / 222 ).

  1. والثاني: أنه يمكن أن يقال: إن عرض مقعد الجنة على المؤمن المخلِّط، أو المسلم الفاسق هو لإخباره بأن هذا مقعدك في قبرك لولا أنك أذنبت، واستحققت العذاب، ويُعرض عليه مقعده من النار ويقال له: هذا بسبب ذنوبك.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

فعلى هذا: يحتمل في المذنب الذي قُدِّر عليه أن يعذب قبل أن يدخل الجنة أن يقال له – مثلًا – بعد عرض مقعده من الجنة: هذا مقعدك من أول وهلة لو لم تذنب، وهذا مقعدك من أول وهلة لعصيانك، نسأل الله العفو والعافية من كل بلية، في الحياة، وبعد الموت، إنه ذو الفضل العظيم. ” فتح الباري ” ( 11 / 366 ).

وكلا الاحتمالين وارد في الحديث، فقد قال بعض العلماء: أن المقعد في القبر هو المصير في الآخرة، وقال آخرون: إنه القبر.

 

 

* قال الشيخ أبو الحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري:

( هذا ) أي: المقعد المعروض عليك.

( مقعدك حتى يبعثك الله إليه ) الضمير يرجع إلى المقعد المعروض، أي: المقعد المعروض مقعدك بعد، ولا تدخله الآن، ولا تصل إليه حتى يبعثك الله إليه.

وقيل: حتى غاية للعرض، أي: يعرض عليك إلى البعث، ويحتمل أن يكون الإشارة إلى القبر، والضمير في ( إليه ) يرجع إلى المقعد المعروض، والمعنى: القبر مقعدك إلى أن يبعثك الله إلى المقعد المعروض.

ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله، أي: لقاء الله، أو: إلى يوم الحشر، أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر، فترى عند ذلك هواناً، أو كرامةً، تنسى عنده هذا المقعد.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 1 / 223 ).

 

والله أعلم.

 

1. سائل يقول: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أنّ مصيرهم في الجنة أو النار؟! 2. تفصيل القول في معنى قوله تعالى: ( فإما يأتينكم مني هدى ) وهل يدخل إبليس

  1. سائل يقول: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أنّ مصيرهم في الجنة أو النار؟!
  2. تفصيل القول في معنى قوله تعالى: ( فإما يأتينكم مني هدى ) وهل يدخل إبليس فيه؟

السؤال:

لدي سؤال أتمنى منكم الإجابة عليه، وجزاكم الله خيرًا، إذا كان الله سبحانه يعلم الغيب، ويعلم ماذا سيفعل الناس، ويعلم من سيذهب إلى النار، أو إلى الجنة – حيث أن علم الله سبق كل شيء – فلماذا خلَقَنَا إذن؟ ولماذا أنزل الله إبليس إلى الأرض مع آدم و حواء مع العلم أن التوبة لن تنفعه وأنه حكم عليه بجهنم؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن معرفة الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق فيها الجواب عن كثير من الإشكالات والشبهات التي يرددها كثير من الملحدين، وقد يتأثر بها بعض المسلمين، ومن تلك الشبهات الظن بأن الله تعالى خلق الناس من أجل أن يضع بعضهم في الجنة، وآخرين في النار! وهذا ظن خاطئ، وما من أجل ذلك خلق الله الخلق، وأوجدهم.

وليعلم الأخ السائل – ومن رام معرفة الحق – أن الغاية من خلق الإنسان، وخلق السموات، والأرض: ليُعرف سبحانه وتعالى، ويوحَّد، ويطاع.

قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدون ) [ الذاريات / الآية 56 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: إنما خلقتُهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( إلا ليعبدون ) أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعا، أو كرهًا. وهذا اختيار ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 239 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السموات والأرض ليُعرفَ، ويُعبدَ ويوحَّد ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )[ الذاريات / الآية 56 ]، وقال تعالى: ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) [ الحجر/ من الآية 85 ]، وقال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا ) [ التحريم / 12 ]، وقال تعالى: ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات والأرض وأن الله بكل شيء عليم ) [المائدة/الآية 97 ]، فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق، والأمر: أن يُعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض كما قال تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) [ الحديد / 25 ]، فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله، وأنزل كتبه: ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، ومن أعظم القسط: التوحيد، بل هو رأس العدل، وقوامه، وأن الشرك ظلم، كما قال تعالى: ( إن الشرك لظلم عظيم )، فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل. ” الجواب الكافي ” ( ص 88 ، 89 ).

وثمة خلط عند كثيرين بين الغاية المرادة من العباد، والغاية المرادة بالعباد، فالأولى هي معرفة الله وتوحيده – كما سبق ذِكره -، والثانية: هي إثابة المطيع، ومعاقبة العاصي.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما الحق الذي هو غاية خلقها – أي: السموات والأرض وما بينهما -: فهو غاية تُراد من العباد، وغاية تراد بهم، فالتي تُراد منهم: أن يعرفوا الله تعالى، وصفات كماله عز وجل، وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا، فيكون هو وحده إلههم، ومعبودهم، ومطاعهم، ومحبوبهم، قال تعالى: ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا).

فأخبر أنه خلق العالم ليَعرف عبادُه كمالَ قدرته، وإحاطة علمه، وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده.

وقال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )، فهذه الغاية هي المرادة من العباد، وهي أن يعرفوا ربهم، ويعبدوه وحده.

وأما الغاية المرادة بهم: فهي الجزاء بالعدل، والفضل، والثواب، والعقاب، قال تعالى: ( ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) [ النجم / الآية 31 ]، قال تعالى ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) [ طه / الآية 15 ]، وقال تعالى: ( ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) [ النحل / الآية 39 ]، قال تعالى: ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعًا وعد الله حقًّا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) [ يونس / الآية 3 – 4 ]. ” بدائع الفوائد ” ( 4 / 971 ).

وبه يُعلم أنه ليست الغاية من خلق الخلق هو إثابة المطيع، ومعاقبة العاصي، بل هذه هي الغاية المرادة بهم، ولو أن الله تعالى خلق الخلق وجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير: ما تحققت الغاية التي أرادها الله من عباده.

ثانيًا:

إن الله تعالى لا يُدخل الناس الجنة والنار بعلمه تعالى باستحقاق كل فريق منهم، بل يُدخلهم الجنة والنار بأعمالهم التي قاموا بها في دنياهم، ولو أن الله تعالى خلق خلّقاً وأدخلهم ناره: لكان لهم الحجة على الله بأنه لم يختبرهم، ولم يجعل لهم مجالاً للعمل، وهذه حجة أراد الله تعالى دحضها بأن خلقهم في الدنيا، وركَّب لهم عقولاً، وأنزل كتبه، وأرسل رسله، وكل ذلك لئلّا يكون لهؤلاء حجة على الله يوم القيامة.

قال تعالى: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [ النساء / الآية 165 ].

فإذا كان خلقهم مع عدم إرسال الرسل يكون لهم حجة عند الله: فكيف أن لا يوجد خلّاق لهم؟.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فصرح في هذه الآية الكريمة: بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحدٍ بإرسال الرسل، مبشِّرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين مَن عصاهم النار.

وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعَها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين: بيَّنها في آخر سورة طه بقوله: ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَى )، وأشار لها في سورة القصص بقوله: ( وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )، وقوله جلَّ وعلا: ( ذلِكَ أَن لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ )، وقوله: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ)، وكقوله: ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ )، إلى غير ذلك من الآيات.

ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحدًا إلا بعد الإنذار، والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام: تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة: بأنه لم يُدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فمن ذلك قوله جلَّ وعلا: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ ).

ومعلوم أن قوله جلَّ وعلا: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ ) يعم جميع الأفواج الملقين في النار. قال أبو حيان في ” البحر المحيط ” في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه: و( كُلَّمَا ) تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين.

ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ )، وقوله في هذه الآية: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) عام لجميع الكفار.

فقوله تعالى: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ) إلى قوله: ( قالُوا بَلَى ): عام في جميع الكفار، وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا، فعصوا أمر ربهم، كما هو واضح. ” أضواء البيان ” ( 3 / 66 ، 67 ).

وفي اعتقادنا أن معرفة الغاية التي خلَق الله الخلق من أجلها، ومعرفة أن الله تعالى لا يعذِّب أحدًا وفق ما يعلم منه سبحانه، بل جزاء أعماله في الدنيا، وأن في هذا قطعاً لحجته عند الله: يكون بذلك الجواب عن الإشكال الوارد في السؤال.

ثالثًا:

وأما سؤال الأخ الثاني فلم يتبين لنا المراد منه، والذي ينبغي أن يعلمه أن الله تعالى لم يأمر إبليس بالهبوط إلى الأرض من أجل أن يتوب، بل هو عقوبة له على تركه أمر رب العالمين بالسجود لآدم، وذلك المنزل العالي لا يستحقه ذلك الشيطان الرجيم، قال تعالى: ( قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) [ الأعراف / الآية 13 ].

ولعلَّ الأخ السائل أراد قوله تعالى: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ البقرة / الآية 38 ]، وقوله تعالى: ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) [ طه / الآية 123 ].

فهاتان الآيتان الظاهر منهما الأمر بالهبوط لآدم وإبليس، وفيهما الترغيب باتباع هدى الله، والتحذير من مخالفة أمره، فإن كان هذا مراد الأخ السائل: فالجواب عليه من وجوه ثلاثة ليس فيها إشكال: 

  1. أن المخاطب بهاتين الآيتين: آدم، وحواء، وذريتهما، وليس معهم إبليس لعنه الله.

* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ).

الظاهر أن ألف الاثنين في قوله: ( اهْبِطَا ): راجعة إلى آدَم، وحَوَّاء, المذكوريْن في قوله: ( فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا )، خلافًا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس، وآدم، وأمْرُه إياهما بالهبوط مِن الجنة المذكور في آية ” طه ” هذه: جاء مُبيَّنًا في غير هذا الموضع، كقوله في سورة ” البقرة “: ( وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )، وقوله فيها أيضًا: ( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )، وقوله في ” الأعراف “: ( قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ).

وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يُقال: كيف جيء بصيغة الجمع في قوله: ( اهْبِطُواْ ) في ” البقرة ” و” الأعراف “، وبصيغة التثنية في ” طه ” في قوله: ( اهْبِطَا ) مع أنه أَتْبع صيغة التثنية في ” طه ” بصيغة الجمع في قوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّى هُدًى )؟.

وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك: أن التثنية باعتبار آدم وحَوَّاء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما، خلافًا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم، وإبليس، والجمع باعتبار معهم ذريتهما معهما، وخلافاً لمن زعم أن الجمع في قوله: ( اهْبِطُواْ ) مراد به: آدم، وحواء، وإبليس، والحَيَّة، والدليل على أن الحية ليست مرادة في ذلك: هو أنها لا تدخل في قوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) لأنها غير مكلفة. ” أضواء البيان ” ( 4 / 120 ).

  1. أن المقصود بذلك الخطاب: ذرية آدم عليه السلام.

* قال البغوي – رحمه الله -: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ) أي: فإن يأتكم يا ذرية آدم ( مِنِّي هُدًى ) أي: رشد، وبيان شريعة، وقيل: كتاب ورسول. ” تفسير البغوي ” ( 1 / 86 ).

  1. أن المقصود بذلك الخطاب: ذرية آدم، وذرية إبليس، دونهما.

ولا شك أن من ذرية آدم من تنكب الطريق، وكفر بالله رب العالمين، ولا شك أن من ذرية إبليس من كان من الموحدين، كما في قوله تعالى – على لسان الجن -: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا. وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) [ الجن / 14 – 15 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير آية ” البقرة ” -: يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد: الذرية: أنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية: الهُدَى: الأنبياء، والرسل، والبيان، وقال مقاتل بن حَيَّان: الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: الهدى: القرآن.  وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعَمّ.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 240 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله – أيضًا – في تفسير آية ” طه ” -:

يقول تعالى لآدم، وحواء، وإبليس: ( اهبطوا منها جميعًا ) ، أي: من الجنَّة، كلكم. ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.

وقوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) قال أبو العالية: الأنبياء، والرسل، والبيان.

( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 322 ).

فالإهباط عند ابن كثير للجميع – خلافاً لما رجحه الشنقيطي -، والخطاب في قوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) لذرية آدم، وإبليس، كما فهمنا ذلك من كلامه – رحمه الله -، ولو لم يكن ما فهمناه عنه صحيحاً: فهو قول صحيح موافق لواقع الحال.

ويبقى الإشكال في القول بدخول ” إبليس ” في الآية، والجواب عنه يسير إن شاء الله، وهو: أن الله تعالى وإن كان علم من إبليس أنه لا يتوب من ذنبه: فإنه لا يمنع من ترغيبه بالتوبة، فتكون هذه الآية له ولآدم وحواء خاصة، ولغيرهم من الخلق عامَّة، وفي بيان أنه قد وقعت معصية من أطراف ثلاثة، فعوقبوا، ثم رُغبوا بالتوبة، فتاب طرفان، وتنكبها الثالث، وليس في ذلك ما يُشكل، وهو نظير كثير من الآيات التي يأمر الله تعالى فيها بالتوبة، والدخول في الإسلام، وفي هؤلاء طوائف علم الله تعالى أنهم لا يستجيبون، وأنهم يموتون على الكفر، وما قلناه في الآية في وجهها الرابع هو قول الإمام الطبري – رحمه الله -، حيث قال في تفسير آية البقرة: وقول أبي العالية في ذلك – وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية -: فأقرب إلى الصواب منه عندي، وأشبهُ بظاهر التلاوة: أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم يا معشرَ من أُهبط إلى الأرض من سمائي، وهو آدمُ، وزوجته، وإبليس – كما قد ذكرنا قبلُ في تأويل الآية التي قبلها -: إما يأتينكم منّي بيانٌ من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتبعه منكم: فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليّ معصية، وخلافٌ لأمري وطاعتي، يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائبُ على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيمُ لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: ( إنه هو التّواب الرحيم ).

وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم جل ثناؤه: ( اهبطوا منها جميعًا )، والذين خوطبوا به هم من سمّينا، في قول الحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدّمنا الرواية عنهم، وذلك وإن كان خطابًا من الله جل ذكره لمن أُهبط حينئذٍ من السماء إلى الأرض: فهو سنّة الله في جميع خلقه، وتعريفٌ منه بذلك الذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) [ البقرة / الآية 6 ]، وفي قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) [ البقرة / الآية 8 ]، وأنّ حكمه فيهم – إن تابوا إليه، وأنابوا، واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم -: أنهم عنده في الآخرة ممن لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون، وأنهم إن هلكوا على كُفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة: كانوا من أهل النار، المخلَّدين فيها. ” تفسير الطبري ” ( 1 / 550 ، 551 ) .

 

والله أعلم.

زوجها متدين ويسبل بنطاله ويصر على صواب فعله وهي تخالفه

زوجها متدين ويسبل بنطاله ويصر على صواب فعله وهي تخالفه

السؤال:

أولا: أود أن أسجل إعجابي بموقعكم الرائع المليء بالفوائد.

ثانيا: أتمنى أن تجيبوني عن سؤالي التالي بارك الله بكم: أنا امرأة تزوجت حديثا من رجل ملتزم ولله الحمد، ولكن دائما زوجي يأخذ بالحكم الأسهل في الدِّين، أو يأخذ بالأمر الذي عليه خلاف بين العلماء, وهو يتلقى دروسه على يد شيخ، فمثلًا عندما كنت أتحدث معه عن الإسبال في البنطال أنه حرام, فأجابني قائلا بأن الإسبال غير الجائز هو في ثلاثة: العمامة، والإزار، والقميص؛ لما روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الإسبال في ثلاث في العمامة والإزار والقميص “، فحصر الرسول صلى الله عليه وسلم الإسبال بالألف واللام للثلاثة المذكورين فقط، ولم يذكر السروال، مع أن السروال كان معروفاً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قالوا: إن اليهود يتسرولون ولا يأتزرون، فهل نأتزر ولا نتسرول, فقال: تسرولوا واتزروا وخالفوا اليهود، يقول جابر أيضا: ” كنا نعفو عن الإسبال في اللحية إلا في حج وعمرة ” لكن اللحية ليس من الإسبال المنهي عنه، أي: أن البنطال واللحية ليس من الإسبال المنهي عنه، ولذلك هو يسبل في البنطال، هذا من بعض الخلافات الفقهية بيننا.

ومن أقوال الشيخ الذي يتعلم عنده: أن كل عالم يأخذ بالأحكام التي تتناسب مع بلده، فمثلاً علماء السعودية يتخذون الأحكام الأصعب للتناسب مع طبيعة بلدهم، فيجعلون من الواجب غطاء المرأة وجهها، ويضعون من الأدلة ما يتماشى مع ذلك، وكذلك بلاد الشام يأخذون باستحباب تغطية المرأة وجهها وأنه ليس واجبا ليتماشى مع أهل بلدهم، وهكذا.

والسؤال عن الموضوع الأول هو هل الإسبال في البنطال جائز؟، وماذا يعني الإسناد الصحيح كما هو مذكور في الحديث؟، وهل أنا عليَّ أن أتكلم معه كثيرا، أم أسكت عن ذلك وعن غيره مما يوجد فيه خلاف فقهي؟، مع أن قلبي يتفطر عندما أراه مسبلاً في بنطاله، وهل قول الشيخ صحيح؟ أفيدونا، جزاكم الله خيرًا، واعتذر عن الإطالة في رسالتي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الموقع، وأن يكتب الأجر لكل من قام على إنشائه، واستمراره.

 

ثانيا:

الواجب على المسلم تحري الحق والصواب في مسائل الشرع، ولا ينبغي لمسلم يتقي الله تعالى أن يكون شعاره في الالتزام بالأحكام الشرعية البحث عن الأسهل، فضلا عن تمييع دينه، واتباع الفتاوى ممن لا يثق بدينه وعلمه، ومن أراد التعبد فلا ينبغي له التعبد بغير ما شرعه الله، وما شرعه الله مما وقع فيه اختلاف ليس يعني أنه يختار من الأقوال ما يشاء، بل غاية المتعبد أن يكون مقلِّدا، أو عنده حظ من العلم والنظر، فإن كان مقلِّدا فيقلِّد في مسائل الشرع من يثق بدينه وعلمه، ولو أفتاه بما هو شاق عليه، وإن كان من أهل العلم والنظر: فيبحث في مسائل الشرع بتجرد، ويرجح من الأقوال ما تقويه الأدلة الشرعية، وتؤيده، ولو كان شاقًّا على النفس.

وليُعلم أن الله تعالى ما أراد لنا في تشريعاته العسر، بل أراد اليسر، فقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [ البقرة / من الآية 185 ]، ومن أجل ذلك كان تشريعاته كلها في مقدور النفس أن تأتي بها، وقد قال تعالى في ذلك: ( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية 233 ]، وقال: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية 286 ] ، وقال: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ) [ الطلاق / من الآية 7 ].

ثالثا:

وأما بخصوص الإسبال في البنطال: فليُعلم أولا أن البنطال في حد ذاته قد يكون لبسه غير شرعي، من جهة كونه ضيِّقا يفصِّل العورة، أو من جهة كونه مسبلا، وبما أن الكلام على الأمر الثاني: فنقول: إن الإسبال ليس في الإزار والقميص والعمامة، كما فهم بعضهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو عام في كل ما يُلبس من ثياب، ونحن نذكر الحديث، وكلام أهل العلم ليقف المسلم على الصواب في المسألة:

عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. رواه أبو داود ( 4094 ) والنسائي ( 5334 ) وابن ماجه ( 3576 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وهذا الحديث ليس فيه حصر هذه الأنواع من الملبوسات في الإسبال، فليس الأسلوب أسلوب حصر، ولا قصر، وقد جاءت نصوص عامَّة بلفظ ” الثوب “، وهو لفظ يشمل كل ما يلبسه المسلم على بدنه:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ “. رواه البخاري ( 3465 ) ومسلم ( 2085 ).

 

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ ” الإزار “: لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار، والأردية، فلما لبِس الناس القميص، والدراريع: كان حكمها حكم الإزار في النهي.

قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب؛ فإنه يشمل جميع ذلك. ” فتح الباري ” ( 10 / 262 ).

– وقد جاء النص في الثوب، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين، السابق ذِكره.

قال بدر الدين العيني الحنفي – رحمه الله -:

قوله: ” من جر ثوبه ” يدخل فيه الإزار، والرداء، والقميص، والسراويل، والجبة، والقباء، وغير ذلك مما يسمى ثوباً، بل ورد في الحديث دخول العمامة في ذلك، كما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي قال: ” الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة “. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 21 / 295 ).

وقال ولي الدين العراقي الشافعي – رحمه الله -:

يدخل في قوله: ” ثوبه “: الإزار، والرداء، والقميص، والسراويل، والجبة، والقباء، ونحو ذلك مما يسمَّى ثوبا، وفي صحيح البخاري عن شعبة قلت لمحارب: أذكرَ ” إزاره “؟ قال: ما خصَّ إزارا، ولا قميصا. ” طرح التثريب ” ( 9 / 29 ).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

عن طول السراويل إذا تعدَّى عن الكعب، هل يجوز؟

فأجاب :

طول القميص، والسراويل، وسائر اللباس، إذا تعدى: ليس له أن يجعل ذلك أسفل من الكعبين، كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ” الإسبال في السراويل والإزار والقميص ” يعني: نهى عن الإسبال .

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 144 ).

فهؤلاء أئمة الإسلام من جميع المذاهب يرون أن ما ورد في الحديث ليس للحصر، وأن لفظ ” الثوب ” الممنوع من إسباله يدخل فيه كل ما يُلبس، ومنه: السراويل، وهو البنطال بلغة عصرنا.

رابعا:

وأما الحديث الوارد في السؤال حول اليهود وتسرولهم: فليس كما جاء في السؤال، ونصه:

عن أبي أُمَامَةَ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنْ الْأَنْصَارٍ بِيضٌ لِحَاهُمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَخَفَّفُونَ وَلَا يَنْتَعِلُونَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” فَتَخَفَّفُوا وَانْتَعِلُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ “، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”  قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ “. رواه الإمام أحمد في مسنده ( 36 / 613 ) وصححه محققو المسند.

وقول جابر لم نعرفه، وقد أُمرنا بإعفاء اللحى، كما أُمرنا بتقصير الثياب، وليس لطول اللحية حدٌّ إلا إذا فحش طولها عن المعتاد، ولا يطلق على إطالتها ” إسبال “، و” السبال ” الوارد في الحديث هو ” الشارب “، و” العثانين ” هي اللحى.

خامسا:

ولا يجوز لزوجكِ، ولا لغيره أن يعتقد السوء بعلماء المسلمين، وأنهم تحكمهم أهواؤهم، أو بيئاتهم في الفتاوى الشرعية، بل على من قال هذا أن يتوب منه توبة صادقة؛ لأنه طعنٌ في دين أولئك الفقهاء الأخيار، وثمة جملة وردت في السؤال غاية في السوء، نرجو أن لا يكون قد قالها زوجك، وأنك نقلتيها بأسلوبك، وهي قوله عن مشايخ المملكة العربية السعودية: ” ويضعون من الأدلة ما يتماشى مع ذلك “! فهذا اتهام بالباطل، وقول عظيم، وقد جعلهم بذلك من الكذابين على شرع الله تعالى!.

والذي نعتقده هو أن مشايخ الشام، ومشايخ الجزيرة العربية عموما، ومشايخ الهند، وأفريقيا، من أهل السنة والجماعة: أنهم كلهم ينشدون الحق، وأنهم يبلغون عن الله تعالى ما يعلمون أنه الصواب، والراجح من الأدلة، وفقهها، وأنه لا دخل لبيئاتهم في ترجيحاتهم، فالواجب تحري العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، من زوجك، وغيره من المسلمين.

 

والله أعلم.