الرئيسية بلوق الصفحة 134

حكم شراء الأرض المشاع عن طريق القرعة

حكم شراء الأرض المشاع عن طريق القرعة

السؤال:

تقوم ” وزارة الإسكان ” في بعض الدول بعمل قرعة لتوزيع بعض الأراضي التي تمتلكها الدولة بهدف تعميرها والبناء عليها، ويشترط في الدخول لهذه القرعة أن يقوم الشخص بإيداع مبلغ من المال في أحد البنوك التابع لتلك الوزارة، ثم يدخل السحب الذي يحدد موعده بعدها بشهر، أو شهرين، فإن وقع الاختيار عليه: امتلك القطعة، ثم أكمل قيمة المال المستحق عليها بأقساط دون فوائد ربوية، وإن لم يقع الاختيار عليه: استرد ماله كاملاً مضافاً إليه قيمة الفائدة البنكية عن المدة التي مكث فيها هذا المال في البنك.

السؤال هو:

أولا: هذه الأرض التي سيتم الاقتراع عليها هي ضمن مجموعة من الأراضي، المعلوم مكانها، وموقعها، ومساحتها، لكن المتسابق لا يعلم أي قطعة بالضبط التي سيربحها في حالة وقوع القرعة عليه، فربما تكون هذه القطعة متميزة جدًّا، وربما تكون غير متميزة، ولكن في كلتا الحالتين ربحه سيكون عاليا.

ثانيا: هل اشتراط الفائدة التي ستضاف إلى المال المودع لدخول السحب يفسد العقد، أم أنه شرط فاسد يصح معه العقد، ويرفض بعدها المتسابق أخذ الربا، أو يرده على البنك؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

بيع القِطع بطريقة القرعة كما وردت في السؤال قد تكون مباحة، وقد تكون محرَّمة: فتكون مباحة في حال أن تكون القطع جميعها معلومة لدى المشتري، ويكون هذا من: ” بيع المشاع ” وهو بيع مباح.

وتكون محرَّمة في حال أن تكون مجهولة من قبَل المشتري، ولا يدري عنها شيئا.

والذي تفعله الحكومات، والنقابات، وغيرهما هو الأول، فتكون لهم قطَع أراضي معلومة لدى الناس، ويتم تقسيمها، وتنظيمها، ثم عرضها على الناس لشرائها، ولا يمكنهم في هذه الحال بيعها بالقطعة؛ لأن ذلك يعني بيع المتميزة، وبوار الأخرى – غالبا -، فيتم عرضها جميعها على المشترين بعد معاينتهم لمواقعها، ومساحاتها، ومن ثم يتم تحديد عينها بالقرعة الشرعية، وهذا هو بيع المشاع، وهو جائز بالاتفاق.

 

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

هل يجوز بيع المشاع؟.

 فأجاب:

” يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل قوله الذي في صحيح مسلم: ” أيما رجل كان له شرك في أرض، أو ربعة، أو حائط فلا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع قبل أن يؤذنه فهو أحق به بالثمن “.

وكذلك يضمن بالإتلاف، وما هو في معنى الإتلاف، كالسراية في العتق، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”  من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط, فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد “.

وإذا باع الشقص المشاع، وقبضه، أو لم يقبضه: فقد اتفق المسلمون على أن حق الشريك باقٍ في النصف الآخر، وإن لم يتصرف بأنواع التصرفات الجائزة في المال المشترك، فللمشتركين أن يتهايئا فيه بالمكان، أو بالزمان، فيسكن هذا بعضه، وهذا بعضه، وبالزمان، يبدأ هذا شهرا، ويبدأ هذا شهرا، ولهما أن يؤجراه، ولأحدهما أن يؤجره من الآخر، ومن امتنع منهما من المؤاجرة: أجبر عليها، عند جمهور العلماء، إلا الشافعي، وفي الإجبار على المهايأة أقوال ثلاثة معروفة “.

” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 233 ، 234 ).

وبيع الأسهم في الشركات هو من باب ” بيع المشاع “، وهو بيع صحيح إن كانت الشركات مما يجوز شراء أسهمها.

ثانيا: ومن وقع عليه الاختيار ثم أكمل معاملة الشراء: فلا حرج عليه، إلا أنه ينبغي التنبه لبعض المحاذير في هذه المعاملة.

ثالثا: ومن لم يقع عليه الاختيار، وردَّ إليه ماله مع زيادته الربوية: فلا يحل له تملك تلك الزيادة، ولا الاستفادة منها، وعليه التخلص منها في طرق الخير المتنوعة.

ولا نرى أن فعل الوزارة هذا، وإلزام المشتري بوضع جزء من المال في البنك مما يفسد العقد، بل هو من الأفعال المحرَّمة عليهم، وعلى البنوك، وعلى من أخذ تلك الزيادة ممن لم يقع عليه الاختيار، وإلزام الناس بوضع المال في البنوك من قبل كثير من الدول ممن لهم قضايا، أو حقوق ليس إلا من باب الإكراه، وكل ما على المسلم فعله هو محاولة تجنب ذلك، فإن لم ينجح: فليتخلص من المال الزائد في وجوه الخير كما سبق القول به.

 

والله أعلم.

حكم العمل في تشغيل وصيانة أجهزة بث القنوات الفضائية والإذاعات

حكم العمل في تشغيل وصيانة أجهزة بث القنوات الفضائية والإذاعات

السؤال:

أنا مهندس اتصالات، أعمل في الهندسة الإذاعية، طبيعة عملي هي تشغيل وصيانة الأجهزة الإلكترونية التي تعمل على إعادة بث القناتين الأولى والثانية المصرية لمنطقة جنوب سيناء، وبعض الإذاعات المحلية، مع العلم أنه ليس لي أي علاقة بطبيعة البرامج التي تقدمها هذه القنوات أو الإذاعات، علما بأن هذه القنوات والإذاعات تبث لخدمة أهداف قومية، هل هذا العمل حرام، ولماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

القنوات الفضائية تزخر في عباب الفضاء، وتنتشر في أرجاء المعمورة، وقلَّما يخلو بيت من إحداها، وهي ليست على درجة واحدة، وإن كان أغلبها لا يخلو من منكر, أو بدعة, أو معصية, أو فجور، بل كفر وإلحاد.

ويمكن تقسيم تلك القنوات إلى ثلاثة أقسام رئيسة: قنوات إسلامية، وقنوات أغاني وأفلام، وقنوات إخبارية, وبرامج علمية, وسياسية.

أما العمل في القنوات الإسلامية تشغيلا، ونقلا لبثها، وصيانة لأجهزتها: فهو عمل مباح، بل يؤجر عليه صاحبه إن نوى به إرشاد الناس، وتعليمهم، وصيانة دينهم وأخلاقهم، ونعني بالقنوات الإسلامية: تلك التي تنشر اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وتخلو من ظهور النساء، وتخلو من الموسيقى والغناء، وذلك مثل: قناة المجد، والحكمة، ولا نعني به تلك القنوات التي تسوِّق نفسها أنها إسلامية وهي تنشر البدعة، وتُظهر النساء، وتُسمع الناس الموسيقى والغناء.

وبعكسه يكون حكم العمل في القنوات الهابطة، والتي تنشر الفساد في برامجها، من أفلام، ومسلسلات، وأغاني، ورسائل عشق وغرام وقلة أدب، وقد تكون تلك القنوات تجوي ذلك الفساد والشر كله، وقد تكون متخصصة في بعضها، كقنوات الأفلام، أو الأغاني، أو الرسائل الماجنة، وهذا لا ينبغي أن يُختلف فيه؛ لما هو ظاهر من حكم تلك المخالفات الشرعية الواقعة في تلك القنوات.

وأما القنوات الإخبارية: فهي مباحة في أصلها، لكن لأن أصحابها – غالبا – لا يعيرون الأحكام الشرعية انتباههم: فهم يقعون في مخالفات شرعية في تلك القنوات، ما بين مذيعة متبرجة، أو موسيقى، أو دعاية لأفلام، أو أخبار رياضية تظهر فيها العورات للنساء والرجال، أو لقاءات مع ملحدين ومبتدعة، وغير ذلك مما هو مشاهد، ومعلوم.

 

والعمل في هذه القنوات تشغيلا، ونقلا لبثها، وصيانة لأجهزتها: لا يخلو من إثم؛ وذلك بسبب ما ذكرناه مما تحويه تلك القنوات، والأليق بالمسلم تجنب العمل فيها، والنقل لبثها، والصيانة لأجهزتها؛ صيانة لدينه؛ وحفاظا على حلِّ كسبه من أن يتلوث بمحرَّم.

وليُعلم أن ما ذكرناه يشمل كل عامل في هذه القنوات، من مهندس، وفني، وإداري، وحارس، كما يشمل من يدعمها، ويؤيدها، ويسمح ببثها والتقاط تردداتها، وهو شريك في الآثام التي تحتويه تلك القنوات، وتبثه للعالَم، وكل ما تسببه تلك البرامج: فله نصيب مما فيها من إثم وسيئات.

وليُعلم – كذلك -: أن ما قلناه في التفصيل والتوضيح ينطبق على القنوات المسموعة – الإذاعة – كما ينطبق على القنوات المرئية، ولا فرق.

قال تعالى: ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) [ العنكبوت / الآية 13 ].

وقال تعالى: (  لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) [ النحل / الآية 25 ].

وقال:  ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ المائدة / من الآية 2 ].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى, كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا “.

رواه مسلم ( 2674 ).

ولا نظن بالقنوات الواردة في السؤال إلا أنها من القسم الثاني، وفي أحسن أحوالها أنها من القسم الثالث، وكلاهما يجب ترك العمل فيها؛ لما هو واضح من المنكرات في الأولى؛ ولما يغلب على الثانية من منكرات ومعاصٍ.

 

والله أعلم.

توفي زوجها وتسأل لمن تكون الحضانة إذا تزوجت من بعده؟

تفصيل القول في أحكام حضانة من رغبت بالزواج ومات زوجها

السؤال:

مات زوجي، فمع من يعيش أبناؤنا، معي؟ أم مع أهل زوجي؟ وماذا لو أردت أن أعود إلى بلدي، فهل لي أن أصطحب أبنائي معي؟ أم أن الواجب تركهم مع أهل زوجي؟ هل لأهل زوجي الحق في تربية أبنائي؟ وهل للزوجة الحق في تربية الأبناء حتى لو رغبت في الزواج؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحضانة شرعا: هي حفظ مَن لا يستقل بأموره، وتربيته بما يصلحه.

” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 299 ).

وفي ( 17 / 301 ):

مقتضى الحضانة: حفظ المحضون، وإمساكه عما يؤذيه، وتربيته لينمو، وذلك بعمل ما يصلحه، وتعهده بطعامه، وشرابه، وغسله، وغسل ثيابه، ودهنه، وتعهد نومه، ويقظته. انتهى.

ثانيا:

وقد اتفق الفقهاء على أن الأم هي أحق الناس بحضانة أولادها قبل سن التمييز إذا حصل طلاق بينها وبين زوجها، أو حصلت له وفاة.

قال ابن المنذر – رحمه الله -:

” وأجمعوا على أن لا حقَّ للأُم في الولد إذا تزوجت “.

” الإجماع ” ( ص 95 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 301 ، 302 ):

وحضانة الطفل تكون للأبوين إذا كان النكاح قائماً بينهما، فإن افترقا: فالحضانة لأم الطفل باتفاق؛ لما ورد أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: ” أنت أحق به ما لم تنكحي “. انتهى.

 

 

 

ثالثا:

والحضانة حق للحاضن لا حق عليه، فيمكنه التخلي عنها، إلا أن يتعين ذلك عليه لعدم وجود من يقوم بها غيره.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” والحضانة حق للحاضن لا حق عليه، وعلى هذا فإذا أراد أن يتخلى عنها لمن دونه: جاز له ذلك “. ” الشرح الممتع ” ( 13 / 536 ).

رابعا:

وقد يتوجب انتقال الحضانة عن الأم لأسباب منها: عدم أهليتها للحضانة بسبب عجزها البدني، أو بسبب فسقها، أو قد تتزوج من غير قريب لأطفالها فينتقل حق الحضانة لغيرها.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

” ودل الحديث – أي : حديث: ” أنتِ أحق به ما لم تنكحي ” – على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد: فالأم أحق به من الأب، ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا يُعرف فيه نزاع “. ” زاد المعاد ” ( 5 / 435 ).

خامسا:

وقد اختلف الفقهاء في تحديد من ينتقل إليه حق الحضانة بعد سقوطه عن الأم – بسبب موتها، أو زواجها، أو عجزها، أو فسقها، أو كفرها -، فذهب جمهورهم إلى أنها تنتقل إلى أم الأم، وخالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله -، فقالا بانتقالها إلى الأب، ومن هم من جهته، كأم الأب، وأخت الأب، والعمة، وهنَّ أولى من أم الأم، والأخت من الأم، ومن الخالة.

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

” … بخلاف الصغير، فإن الأم أصلح له من الأب؛ لأن النساء أرفق بالصغير، وأخبر بتغذيته، وحمله، وأصبر على ذلك، وأرحم به، فهي أقدر، وأخبر، وأرحم، وأصبر، في هذا الموضع، فعينت الأم في حق الطفل غير المميز بالشرع.

ولكن يبقى ” تنقيح المناط “: هل عينهن الشارع؛ لكون قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في الحضانة؟ أو لكون النساء أقوم بمقصود الحضانة من الرجال فقط؟ وهذا فيه قولان للعلماء. يظهر أمرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم: مثل أم الأم، وأم الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، ومثل العمة، والخالة، ونحو ذلك، هذا فيه قولان، هما روايتان عن ” أحمد “، وأرجح القولين في الحجة: تقديم نساء العصبة، وهو الذي ذكره ” الخرقي ” في ” مختصره ” في العمة والخالة، وعلى هذا: أم الأب مقدَّمة على أم الأم، والأخت من الأب مقدمة على الأخت من الأم، والعمة مقدمة على الخالة, كما تقدم, وأقارب الأب من الرجال على أقارب الأم، والأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعم أولى من الخال … .

ولم يقدِّم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام، فمن قدمهن في الحضانة: فقد خالف أصول الشريعة، ولكن قدَّم الأم لأنها امرأة، وجنس النساء في الحضانة مقدمات على الرجال، وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد، كما قدَّم الأم على الأب، وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله، هذا هو القياس والاعتبار الصحيح، وأما تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب: فمخالف للأصول، والعقول “. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 122 ، 123).

سادسا:

ولا يجوز للحاضن أن يسافر بأولاده سفرا بعيدا خارج مكان إقامة الطرف الآخر، ويتحتم المنع إن كان بقصد الإضرار به، وعدم تمكينه من رؤيته، وزيارته.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 309 ):

وإذا انقضت عدة الأم: فمكان الحضانة هو البلد الذي يقيم فيه والد المحضون، أو وليه، وكذلك إذا كانت الحاضنة غير الأم؛ لأن للأب حق رؤية المحضون، والإشراف على تربيته، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان الحاضن يقيم في بلد الأب، أو الولي.

هذا قدر مشترك بين المذاهب، وهو ما صرح به الحنفية وتدل عليه عبارات المذاهب الأخرى. انتهى.

وفي ( 17 / 317 ):

لكل من أبوي المحضون إذا افترقا حق رؤيته، وزيارته، وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء. انتهى.

سابعا:

وقد اختلف العلماء في السن الذي تنتهي عنده الحضانة، وأعدل الأقوال، وأقواها: هو قول الحنابلة، وتلخيص مذهبهم في ذلك:

أ. قبل سن السابعة تكون الحضانة للأم، للذكر والأنثى من أولادها.

ب. بعد سبع سنين: يُخيَّر الذكَر بين أمه وأبيه، وتنتقل الأنثى إلى أبيها.

ج. وفي سن الرُّشْد يكون الذَّكر حيث يشاء، وتبقى الأنثى عندما أبيها، حتى يسلمها لزوجها.

 

 

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

” البنت الصغرى حضانتها لأمها ما لم تتزوج، أو يكمل لها سبع سنين فتكون حضانتها لأبيها بشرط أن لا يلحقها ضرر ببقائها عند أبيها.

وأما الكبرى فحضانتها لأبيها ما لم يلحقها ضرر من بقائها عند ضرة أمها “.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 874 ).

ثامنا:

وكل ما سبق ذِكره من أحكام في الحضانة للأب: فهي تشمل من يقوم مقامه عند عدمه، أو عند سقوط حضانته، وتشمل من يقوم مقام الأم عند عدمها، أو عند سقوط حضانتها.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

” وغير الأم ممن له الحضانة من النساء يقوم مقامها، وغير الأب من عصبات الولد يقوم مقامه عند عدمهما، أو كونهما من غير أهل الحضانة “.

” المغني ” ( 9 / 305 ).

تاسعا:

وليُعلم أن أحكام الحضانة مبنية على رعاية مصلحة المحضون، وعليه: فإنه من يثبت فسقه، أو فجوره، أو إهماله لدين ودنيا المحضون: فإنه لا يمكَّن من حضانته، ويسقط حقه في الحضانة، حتى لو كان أحد الأبوين.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” واعلم أن هذه المسائل يجب فيها مراعاة المحضون قبل كل شيء، فإذا كان لو ذهب مع أحدهما، أو بقي مع أحدهما: كان عليه ضرر في دينه، أو دنياه: فإنه لا يُقرُّ في يد من لا يصونه، ولا يُصلحه؛ لأن الغرض الأساسي من الحضانة هو حماية الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه “. ” الشرح الممتع ” ( 13 / 545 ).

وخلاصة ما سبق مما يتعلق بكِ:

  1. أنتِ أحق بأولادك من أهل زوجك، حضانةً، ورعاية، وتربية.
  2. يجب أن تمكني أهل زوجكِ من رؤية أولادك، وزيارتهم.
  3. لا يجوز لك السفر بهم بعيداً عن مكان إقامة أهل زوجك، وإلا انتقلت حضانتهم إليهم.
  4. تسقط عنك حضانة أولادك إن تزوجتِ، وينتقل الأولاد إلى أم أبيهم، فإن لم توجد: فأخت أبيهم، ثم خالتهم.
  5. قبل سن السابعة – وهو سن التمييز – يبقى أولادك معك، فإذا بلغوا سنَّ السابعة: خُيِّر الذكر بينك وبين قرابة أبيه، فإن اختار البقاء معكِ فله ذلك، أو اختار الذهاب لأهل والده فله ذلك، بشرط أن يكون من اختاره ليس فاسقا، وأن يكون يحسن تربيته ورعايته، وتلتحق الأنثى لتلك القرابة حتى زواجها، وكل هذا في حال أنك لم تتزوجي؛ لأنه بزواجك ينتقل أولادك لقرابة زوجك، كما سبق.

والذي ننصحك به:

هو حسن التربية والعناية بأولادك، والإحسان لأهل زوجك وعدم قطيعتهم، وعدم قطع أولادك عنهم، وأن تفكري جديًّا بالزواج؛ لأن فيه إعفافا لك، ولن تنقطع صلتك بأولادك، ولعل الله تعالى أن يرزقك ذرية أخرى طيبة صالحة.

 

والله أعلم.

هل يجوز العمل مع مؤسسة ويسترن يونيون (Western Union ) المختصة في إرسال الأموال؟

السؤال:

هل يجوز العمل مع مؤسسة ويسترن يونيون (Western Union ) المختصة في إرسال الأموال، سواء كموظف، أو كعميل ( مكتب وكالة ) أحسن الله إليكم, ووفقكم لما يحبه ويرضاه؟

 

الجواب:

الحمد لله

جريان التحويل بأكثر من عملة واحدة؛ بأن يدفع الشخص طالب التحويل قيمة الحوالة إلى مصرف بعملة محلية، أو بالخصم من حسابه الجاري، ثم يطلب تحويلها إلى بلد آخر بعملة أخرى، والعادة المتبعة في المصارف في مثل هذه الحالة أن المصرف يتسلم النقود المحلية من طالب التحويل، أو لا يتسلمه إن كان له حساب جارٍ، ثم يسلم طالب التحويل شيكاً يتضمن حوالة على مصرف آخر بمبلغ يعادل هذا من النقود المطلوبة، أو يسلمه إشعاراً بأن المصرف قد أبرق للمصرف الآخر المحوَّل إليه ( بفتح الواو ) بسداد المبلغ المحوَّل فورا للمستفيد.

وبالنظر إلى هذه المعاملة، كما هي جارية في المصارف، يظهر أن فيها اجتماعا لعمليتين:

الأولى: عملية الصرف: وهي بيع نقد بنقد، وذلك عند تسلم المصرف من طالب التحويل قيمة المبلغ المراد تحويله، أو بيع على ما في الذمة – أي ذمة المصرف – إن كان من الحساب الجاري للعميل، وذلك على أساس سعر الصرف السابق مع ربح فرق السعرين.

الثانية: تحويل المبلغ الذي تم صرفه: وذلك بمقتضى الشيك الذي تسلمه طالب التحويل، والذي يتضمن أمراً للمصرف المحوَّل إليه في البلد الآخر بدفع مضمونه إلى المحول إليه، أو بمقتضى الإشعار بأن المصرف قد أبرق للمصرف المحول عليه.

ولا يخفى من خلال الدراسة السابقة في الحوالة والسفتجة ما يلي:

إن الحوالة في الصرف لا تجوز إلا إذا كان المال المحال عليه مقبوضاً في المجلس، فإن لم يدفع المحال عليه في المجلس قبل افتراق المتعاقدين بطل الصرف.

إن اشترط الدائن أو الدافع في السفتجة على محررها أن يوفي المبلغ بعملة أخرى غير جائز، والسبب في هذا كله أن للصرف عند اختلاف النقدين جنسا شرطاً؛ وهو التقابض في مجلس العقد، هذا في النقود المعدنية ( الذهب والفضة )، كما هو معروف عند الفقهاء، وكذلك في النقود الورقية في هذا العصر، على اعتبار أن كل عملة جنس مستقل بنفسه، يجوز المصارفة بينها وبين غيرها من عملات الدول الأخرى.

ومن ثَمَّ فإن هذا التعامل ( اجتماع الصرف مع الحوالة ) غير جائز؛ لأن المحال عليه الذي بيده بدل الصرف غائب عن المجلس، فلا يتحقق التقابض الشرعي.

فرع: الحلول الشرعية لهذه المسألة ( اجتماع الصرف مع الحوالة ):

أولا: أقوال الفقهاء:

تناول الفقهاء والباحثون المعاصرون هذه المسألة، وكانت لهم وجهات نظر مختلفة في تصحيحها، ترجع إلى ثلاثة أقوال:

القول الأول: يرى صحة هذه المعاملة ( اجتماع الصرف مع الحوالة )، كما هي على حالها في البنوك، على اعتبار أن الشيك أو الإشعار الذي يتسلمه طالب التحويل هو قبض حكمي قام مقام القبض الحقيقي، ولكن يشترط أن يكون الشيك أو البرقية يحمل نفس التاريخ الذي وقع فيه الصرف.

القول الثاني: يرى عدم صحة المعاملة، كما هي جارية في البنوك، والحل الشرعي لها هو أن تُفصل عملية الصرف كعقد بيع عن عملية التحويل، وذلك بأن يجري الصرف في الحال على أساس التقابض الناجز بين الطرفين، ثم يعيد طالب التحويل المال الذي تمّ صرفه إلى المصرف ليتخذ إجراءات التحويل اللازمة، فإذا أراد شخص في غزة مثلا إرسال ألف دولار إلى ولده في أمريكا، فإن عليه إن لم يكن معه دولارات أن يشتريها بدفع قيمتها دنانير مثلا، ثم بعد ذلك يتفق مع المصرف لتحويلها.

القول الثالث: يرى وجوب جريان الفصل كما في القول الثاني، إلا أنه يجيز القبض الحكمي في الصرف؛ كأن يتسلم طالب التحويل من المصرف شيكا يملك بقبضه القدرة على التصرف فيه بتسليم محتواه أو تحويله.

استدل القائلون بوجوب انفصال عملية الصرف عن التحويل، على أن يكون الصرف على أساس التقابض الناجز، بما يلي:

1 ـ ما رواه مسلم في صحيحه عن مالك بن أوس أنه قال: ” أقبلت أقول من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله ( وهو عند عمر بن الخطاب ): أرنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطِك ورِقك، فقال عمر بن الخطاب: كلا، والله، لتعطينه ورِقه، أو لتردنَّ إليه ذهبه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” الورِق بالذهب، ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء “.

إن صح اعتبار الشيك قبضا بالنسبة للحوالة، فلا يمكن اعتبار ذلك قبضا بالنسبة للصرف الشرعي؛ لأن شرط جواز الصرف التقابض في المجلس، والشيك في حد ذاته ليس هو مقابل بدل الصرف، بل نائبا عنه، ويلزم لقبض قيمة ما أثبت فيه مفارقة المجلس قبل القبض الحقيقي للنقود، فلا يقوم مقام بدل الصرف في المجلس، فلا يعتبر قبضه قبضاً في الصرف “.

قرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة: القرار ( 6 ) ( الدورة الخامسة ):

أ – لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقًا, فلا يجوز مثلا بيع ريال سعودي بعملة أخرى متفاضلًا نسيئة بدون تقابض.

ب – لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلًا, سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد, فلا يجوز بيع عشرة ريالات سعودية ورقًا بأحد عشر ريالات سعودية ورقًا, نسيئة أو يد بيد.

ج – يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا إذا كان ذلك يدًا بيد, فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ورقًا كان أو فضة أو أقل من ذلك أو أكثر, وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة ريالات سعودية أو أقل من ذلك أو أكثر إذا كان ذلك يدًا بيد. ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة ريالات سعودية ورق أو أقل من ذلك أو أكثر يدًا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه, ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.

قرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة: القرار ( 6 ) ( الدورة الحادية عشرة ):

إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في موضوع:

1 – صرف النقود في المصارف: هل يستغنى فيه عن القبض بالشيك الذي يتسلمه مريد التحويل؟.

2 – هل يكتفى بالقيد في دفاتر المصرف عن القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى مودعة في المصرف؟.

وبعد البحث والدراسة قرر المجلس ما يلي:

أولًا: يقوم تسلم الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف؟.

ثانيًا: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى, سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه.

 ( ب ) قرار مجمع الإسلامي بجدة رقم ( 55 / 4 / 6 ) الدورة السادسة:

إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعًا وعرفًا:

( أولًا ): القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:

أ – إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.

ب – إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.

ج – إذا اقتطع المصرف – بأمر العميل – مبلغًا من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى, في المصرف نفسه أو غيره, لصالح العميل أو لمستفيد آخر, وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية.

ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل, على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.

( ثانيًا ): تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجزه, المصرف.

 

والله أعلم.

حكم إنشاء مدونة إلكترونية ( BLOG ) للقيام بالدعوة و التعبير عن بعض الأفكار

السؤال:

أفكر في إنشاء مدونة الكترونية ( BLOG ) أعبر فيها عن بعض أفكاري، وأضع فيها مواضيع منوعة، ومختارة عن الإسلام، والأخبار، وغيرها، فما هي الضوابط المحكمة لهذا الموضوع، هل يمكن اعتبار ذلك من اللغو الذي ينبغي أن يعرض عنه المؤمنون؟ وأحس أن عدم فعله من جهة أخرى تقصير، وعدم دفاع ودعوة عن الإسلام، ما دمت أعرف عنه ما يكفي خصوصًا بواسطة الإنترنت.

 

الجواب:

الحمد لله

أوّلًا:

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما هي الدعوة الناجحة، ومن أين تستنبط، وما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الداعية إلى الله ؟ مع ذكر بعض الكتب التي تتحدث عن هذا المجال.

فأجابوا: ” أولًا: الدعوة الناجحة هي: الدعوة إلى الله تعالى على علم وبصيرة، قال الله سبحانه وتعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ) [ فصلت / من الآية 33 ].

وقال تعالى: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) [ يوسف / من الآية  108 ].

ثانيًا: تستنبط الدعوة الناجحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتطبيق الصحابة والتابعين وأتباعهم لذلك على الوجه الصحيح.

ثالثًا: من الشروط التي يجب أن تتوافر في الداعية إلى الله ما جاء ذكرها في قصة شعيب، قال الله تعالى حكاية عن شعيب عليه الصلاة والسلام: ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [ هود / الآية 88 ].

ففي هذه الآية بيان أن من شروط الدعوة: العلم، والكسب الحلال، وامتثاله لما يدعو إليه؛ فيجتنب ما نهى الله عنه، ويمتثل ما أمر الله به، والنية الحسنة، وتفويض الأمر إلى الله تعالى، والتوكل عليه، وأنه هو الذي بيده التوفيق والإلهام.

ومن الشروط أيضًا ما ذكره الله تعالى بقوله: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [ النحل / من الآية 125 ].

ومنها: التحلي بالصبر، قال تعالى: ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ) [ النحل / من الآية 127 ].

وقال تعالى: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) [ الكهف / الآية 28 ].

رابعًا: الكتب التي تتحدث عن هذا المجال: القرآن الكريم؛ فعليك حفظه والإكثار من تلاوته وتدبره، والعناية بالعمل به والدعوة إليه، وتضم إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنها تفسر القرآن وتبينه، ومن كتب السنة: الصحيحان للبخاري ومسلم، وموطأ مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن الإمام ابن ماجه .. وغيرها من كتب السنة، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكتب أئمة الدعوة: الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه “. فتاوى اللجنة الدائمة (12 / 243 – 244).

الشيخ عبد العزيز بن باز. الشيخ عبد الرزاق عفيفي. الشيخ عبد الله بن غديان. الشيخ عبد الله بن قعود.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ذكرت أن الداعي لابد له من معرفة حال المدعو، هل الوسائل مثل المكاتبة والشريط والكتاب تكفي إذا علمت أن حال المدعو قد تدخل في جدال معه ونقاش طويل؟.

فأجاب: ” لا شك أن وسائل الدعوة كثيرة إما بالمقابلة أو المشافهة، وإما بالمراسلة بالكتابة، وإما بالمراسلة عن طريق الشريط، المهم الوصول إلى هداية الخلق بأي وسيلة، وإذا رأيت مثلاً: أنك إذا دخلت معهم مشافهة يحصل في هذا جدل ولا ينتفع أحدكما بالآخر، فلا بأس أن ترسل له رسالة خطية أو شفوية عن طريق الشريط “. لقاءات الباب المفتوح (94 / 12).

سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

( ما رأيكم في أساليب الدعوة الحالية هل إدخال أساليب جديدة تناسب العصر أمر مناسب؟.

فأجاب: ” لا شك أن الدعوة إلى الله من أعظم الواجبات في كل زمان ومكان، وذلك منذ بدء إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام من وقت آدم عليه السلام وحتى نهاية الخليقة، والمؤمنون مكلفون بهذه المهمة, قال تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) [ آل عمران / من الآية 110] .

وقال تعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ آل عمران / الآية 104 ].

فمسئولية الأمة المحمدية في مجال الدعوة أكبر مسئولية، ذلك بما حباها الله من هذا الدين وهذا الكتاب العظيم، وهذا الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام بما أعطاه الله من قدرة على البيان وحرص على هداية الخلق.

وأساليب الدعوة إلى الله لا شك أنها تستمد من الكتاب والسُّنَّة، فالرسول عليه الصلاة والسلام قام بالدعوة منذ أن بعثه الله إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وقد اتخذ عليه الصلاة والسلام أسلوبًا متكاملا في الدعوة وقد استوعبها وفهمها وطبقها هو ومن حوله من صحابته, قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب / من الآية 21 ].

فهو قدوة الدعاة والعاملين والمجاهدين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, ولا مانع في الأساليب أن نستعين بالخبرات والوسائل المتعددة المفيدة والمتجددة مع الأخذ في الاعتبار ألا نحيد عن منهج الرسول – صلى الله عليه وسلم – من حيث المنهج والأسلوب المتبع، وكذلك لا يكون التجديد في أساليب الدعوة تجديدًا مخالفًا لهدي الرسول – صلى الله عليه وسلم- إنما يكون التجديد في نطاق منهج الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعلينا أن ندرك أن حالة كل مجتمع تختلف عن الآخر، ولهذا يجب أن نختار الأسلوب المناسب لكل مجتمع ندعو فيه إلى الله، كذلك علينا أن نعي بأن الدعوة عالمية وليست دعوة محلية أو قبلية.

قال تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) [ الفرقان / الآية 1 ] ؛ ولأن الدعوة عالمية وشاملة لا بد أن نلم بأحوال العالم كله واختلاف طبيعة كل مجتمع، وأن نُعد لكل حالة ما يناسبها ) المنتقى من فتاوى الفوزان (45 / 12- 13) السؤال رقم: ( 188 ).

 قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والداعي لابد له من أمور تجب عليه مراعاتها:

1- إخلاص النية لله عز وجل:

وهذا هو أهم الأمور وأشدها على النفوس، حتى قال بعض السلف: [ ما جاهدت نفسي على شيء ما جاهدتها على الإخلاص ] لأن الإنسان يعتري نفسه النظر إلى أشياء كثيرة: إما إلى الجاه، أو إلى القرب من الناس، أو إلى التصدر، أو إلى أمور دنيوية أخرى كثيرة تخدش الإخلاص وتخل به, فما هو الإخلاص في الدعوة إلى الله عز وجل؟.

الإخلاص في الدعوة إلى الله عز وجل: أن ينوي الداعي قبل كل شيء أنه ممتثل لأمر الله قائم بأمره، مطيعٌ له؛ لأن الله أمره بذلك: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ) [ النحل / من الآية 125 ] , وإذا نوى هذه النية صارت دعوته عبادة، لا يكتب كلمة إلا وله فيها أجر، ولا يلفظ بحرف إلا وله فيه أجر، ولا يمشي إلا وله أجر، ولا يجلس إلا وله أجر، ولا يقوم إلا وله أجر، ما دام في هذه المهمة العظيمة الدعوة إلى الله.

ويضاد ذلك: أن يكون الإنسان يريد من القيام داعياً بين الناس أن يظهر أمامهم، وأن يجلوه، وأن يعظموه، وأن يجعلوه قائداً، فإن هذه نية دنيئة، أدنى من الدين الإسلامي.

الدين الإسلامي يجب أن يكون هو المراد، وألا يكون المراد هو النفع الذاتي، فإن ذلك نقص عظيم.

ثانيا: من أمور الإخلاص: أن يقصد الإنسان بالدعوة إلى الله عز وجل إقامة دين الله في عباد الله، لأن الدين مثل الأرض الرياض.. الأرض الرياض قابلة للزرع لكنها تحتاج إلى ماء، فالدعوة إلى الله بمنزلة الماء الذي ينزل على الأرض الروضة القابلة للإنبات، كذلك ينزل هذا الوحي على قلوب الرجال بواسطة هذا الداعية فتقوم الملة وتستقيم الأمة، وهذا مقصد حسن؛ أن يكون قصد الإنسان بالدعوة إلى الله إقامة دين الله في عباد الله. ويتعلق بالإخلاص كذلك: أن ينوي إصلاح عباد الله؛ لأن العباد يعثرهم ثلاثة أمور:

الأمر الأول: هوى النفس.

والثاني: الشيطان.

والثالث: البيئة والمجتمع.

ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: ” كل مولودٌ يولد على الفطرة: فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه “؛ لأن البيئة لها تأثير عظيم. الهوى أيضاً، الشيطان.. فلا بد أن يكون هناك دعوة تعين عباد الله على محاربة الأعداء الثلاثة وهي: النفس، والشيطان، والمجتمع ، ولهذا تجد فرقاً بين شخص يعيش بين أهلين مستقيمين، وبين آخر يعيش بين أهلين منحرفين ، فالدعوة إلى الله لابد أن ينوي الإنسان بها إصلاح عباد الله.

2- الدعوة إلى الله بحكمة:

الحكمة: هي أن يضع الأشياء مواضعها, ومن الحكمة العلم، أن يكون عالما بما يدعو إليه، عالما بحال من يدعوهم أيضا، فأما كونه عالما بما يدعو إليه فلا بد أن يكون عنده علم من الشرع، يعرف أن هذا حق فيدعو إليه، ويعرف أن هذا باطل فيحذر منه، وأما أن يقوم رجل جاهل لا يعرف فيدعو ويدَّعي أن الله يلهمه حين كلامه وحين خطابه، فهذا غلط، بل لا بد أن يعلم أولاً ثم يدعي؛ لأنه إذا لم يعلم ما يدعو إليه فقد يَضِلْ ويُضِلْ أيضا، وإصلاح الناس بعد الإضلال على يد شخص يقول إنه داعية يصعب على الإنسان أن يقيمه، وأن يزيل هذا الضلال, وإذا تكلم بما لا يعلم فقد وقع هو نفسه فيما حرم الله عليه, قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) [ الأعراف / الآية 33 ].

وقال تعالى: ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) [ الإسراء / الآية 36 ].

فكيف تدعو بما لا تعلم؟ وأن يكون عنده علم بحال المدعو حتى يكون منزلاً له منزلته، لأن هناك فرقا بين أن تدعو شخصا جاهلا ساذجا لا يعرف شيئا، وهو لين العريكة طيب القلب، فهذا دعوته سهلة، ينقاد بأدنى سبب، وبين أن تدعو رجلا ماردا عنده جدل ولسان فصيح، فهذا يحتاج إلى دعوة قوية، وتكون بأسلوب مقنع واضح بين ينبني على الأدلة من الكتاب والسنة وعلى الأدلة من العقل أيضاً؛ لأن من الناس من إيمانه بالكتاب والسنة ضعيف، لكن إذا ذكرت له أشياء معقولة خضع وعجز عن الجدال؛ فلا بد أن تعلم حال من تدعوهم إلى الله عز وجل لتكون على بصيرة من الأمر في كيفية دعوتهم، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له: ” إنك تأتي قوما أهل كتاب “, فبين له حالهم من أجل أن يكون لديه استعداد لمواجهتهم وكيفية مخاطبتهم, وإذا كان عنده – أي عند الداعية – علم بأحوال المدعو فإنه سوف ينزله منزلته، إن كان من أصحاب لين القول ألان له القول، وإن كان من أصحاب إغلاظ القول أغلظ له القول ولا بأس، فإن الله يقول: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) [ العنكبوت / من الآية 46 ] .

فهؤلاء الذين ظلموا يعاملون معاملة تليق بظلمهم، والظلم هنا بمعنى المعاندة، أي: معاندة الحق والمراوغة.

3- الأسوة الحسنة:

ومما تجب العناية به بالنسبة للداعي: أن يكون هو أسوة حسنة، عنده عبادة ومعاملة طيبة، وعنده أيضاً أخلاق يدعو الناس بها، وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: ” إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم ولكن تسعوهم بحسن الخلق “, فحسن الخلق جذاب، كم من إنسان قليل العلم يهدي الله على يديه أمماً لأنه حسن الخلق، وكم من إنسان عنده علم واسع كثير لكنه جاف سيئ الخلق ينفر الناس منه، وقد ذكر الله نبيه بهذا فقال: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) [ آل عمران / من الآية 159 ].

وهذه الرحمة رحمة للداعي وللمدعو، فهي رحمة من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام، ورحمة من الله للخلق الذين يدعوهم الرسول؛ لأنه لو كان فظا غليظ القلب ما اهتدوا على يديه، فلهذا ينبغي للداعية أن يكون رحب الصدر واسعاً، يأخذ ويعطي ولا يأنف؛ ولهذا قال: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) [ السجدة / من الآية 24 ].

 ومن صبرهم: أن يصبروا على أذى الناس الذين يدعونهم؛ لأنه لابد من أذية، فلابد من الصبر. وكذلك من آداب الداعية: أنه ينبغي له أن يتقيد بما يقول حسب ما تقتضيه الحاجة، فهناك أناس لا يحسن أن تتكلم معهم في أمور اجتماعية توجب تشتت أفهامهم وأفكارهم، وربما توجب العداوة بينهم، وهناك أناس مميزون يمكن أن تتكلم عندهم في الأمور الاجتماعية لمحاولة إصلاحها، فالناس يختلفون، ولهذا أنا أحث نفسي وإياكم على ألا نحقر أنفسنا على أن ندعو إلى الله بكل ما نستطيع وبكل أسلوب وعلى كل حال؛ لأن ذلك خيرٌ لنا ولمن ندعوهم إلى الله، فإن ( من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة “.

لقاءات الباب المفتوح (94 / 2).

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يقول البعض في أمر الدعوة حين يأتون إلى دعوة القوم من أهل الكتاب يقولون: لا نقدر أن ندعو الناس هؤلاء بالقرآن لأنهم أصلاً لا يؤمنون بالقرآن، علما أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذاً إلى أهل اليمن بعثه إلى أهل كتاب، وفي رواية البخاري: ” أن يوحدوا الله ” وقول شيخ الإسلام: القرآن كله توحيد، فماذا يكون نصيحتكم فضيلة الشيخ لهذه المقولة، التي أخشى أن يكون فيها تعطيل لكتاب الله؟.

فأجاب: ” نحن نقول: إن الدعوة إلى دين الله تعالى وإلى شريعة الله لا تكون إلا بالطرق التي شرعها الله عز وجل، ولا شك أن الدعوة بالقرآن والسنة هي أقرب وسيلة إلى القبول، لكن لا مانع من أن يكون لدى الإنسان أدلة عقلية يؤيد بها الكتاب والسنة؛ لأن من الناس من لا يؤمن بالأدلة السمعية أي: بالقرآن والسنة، لكن إذا أتته الأدلة العقلية اقتنع، وهذا موجود في القرآن، فإن الله تعالى يحاج بعض المشركين بالأدلة العقلية وهذا إبراهيم قال لأبيه: ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ) [ مريم / الآية 42 ].

فحاجه بالأدلة العقلية، وكذلك حاج قومه بذلك بالأدلة العقلية حين رأى كوكبا فقال: هذا ربي، ورأى القمر فقال: هذا ربي، ورأى الشمس فقال: هذا ربي، وكلها لما غابت تبينت أنها ليست آلهة، وأما كون النصارى واليهود لا يؤمنون بالقرآن فلا يخالهم لا يؤمنون به، لكن لا يؤمنون بعموم الرسالة، ولهذا تجدهم يرون الاحتجاج بالقرآن، وسمعت في المؤتمر الباطل الذي يعقد الآن في القاهرة مؤتمر السكان والبيئة سمعت صدىً عظيماً للآية التي تلتها رئيسة وزراء باكستان وهي قوله تعالى: ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) [ الأنعام / من الآية 151 ] , والآية الأخرى: ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) [ الإسراء / من الآية 31 ] .

حيث نقلوا مما تكلمت به أنها استدلت بهذه الآية، وهذا يدل على أن للقرآن شأناً حتى عند غير المسلمين. السائل: شيخنا! الأدلة العقلية التي ذكرتها من القرآن هي شاهد على الربوبية إذاً هي من القرآن، أليس كذلك؟ الشيخ: نعم، لكنها أدلة عقلية “. لقاءات الباب المفتوح ( 72 / السؤال رقم: 3 ) .

 

 

والله أعلم.

 

شاب كان على علاقة محرمة ثم تاب ويمر بحالة نفسية صعبة، ويريد الزواج من أختها.

السؤال:

أود أن أقول أنني قد بعثت لكم برسالة طويلة فيها استشارة قبل شهر تقريبًا, وقد تلقيت الرد منكم, مفاد رسالتي أنني كنت على علاقة حب محرمة مع زوجة أخي لمدة ثلاث سنوات, لم نستطع الابتعاد عن بعضنا رغم المحاولات العديدة من الطرفين, وبعد إرسالي الرسالة لكم وبعد نصحكم لي دعوت الله كثيرًا, وتضرعت إليه بأن يخلصني مما أنا فيه, فلا أنا ولا هي مرتاحون بسبب هذا الموضوع الذي يسبب لنا تأنيب الضمير والتعب والإرهاق طوال الوقت, والحمد لله كان تثبيت الله ثم صبرنا في هذه الثلاث سنوات سببًا في عدم وقوعنا في الزنا ولله الحمد. استطعنا بعد جهد أن ننهي هذه العلاقة التي دامت ثلاثة شهور ولله الحمد, باتفاق الطرفين, ومما قوّى قلبي وساعدني في إنهاء الموضوع رسالتكم ونصحكم لي بعد إعانة الله سبحانه وتعالى, أنا متأكد أننا لن نعود لبعضنا مرة أخرى, وأنا متأكد كذلك أنها لن تعود لي مرة أخرى, تابت والحمد لله, وأسأل الله أن يتقبل توبتنا, وأن يغفر ذنوبنا, ويؤجركم على نصحكم, وأنا الآن أعيش حالة نفسية سيئة بسبب فراقنا, ولكني متيقن وواثق بربي أنه سيصبرني, وأنها ليست إلا مدة قصيرة حتى أنسى ما جرى, وأبدأ حياتي بدون الرجوع والتفكير فيما مضى منا, ففي داخلي إحساس بالفرح أننا فعلنا الصواب الذي كان ولا بد أن نفعله من فترة طويلة, وأعلم علم اليقين أن زواجي من بنت الحلال سينسيني كل ما مضى؛ وذلك عندما تكون امرأة عندي في بيتي تهتم لأمري وتنتظر عودتي, وأكون أنا أهم شخص لديها في حياتها, أعلم أن ذلك سيجعلني أكن كل ما في قلبي لها, وأعيش حياتي لأسعدها, الحمد لله على كل نعمه سبحانه, يا شيخ سبق وأن ذكرت في سؤالي السابق لكم أن هذه المرأة لها أخت صغرى ذات خلق وجمال, أنا الآن أعلم أنني سأواجه مشكله في حياتي الزوجية الجديدة ألا وهي المقارنة, فان لم تكن الزوجة الجديدة ذات خلق وجمال, وبها صفات مميزة, فاني سأظل أقارن بينها وبين المرأة السابقة, هذه الأخت الصغرى فيها كل ما أتنمى من صفات, وأعلم أنه إذا تزوجتها فإنها ستجعلني أنسى ما كان بيني وبين أختها سابقًا إن شاء الله, وقد ذكرت شيئًا من ذلك في رسالتي السابقة وكان من جوابكم أنه إذا كانت نيتي من زواجي بالصغرى هو التقرب للكبرى أو لا, لا والله ليس ذلك أبدًا فنحن ولله الحمد قد أنهينا ما بيننا ولن نعود ما دامت السماوات والأرض بإذن الله, أنا الآن أريد أن أسارع بالزواج,  لو جلست على هذه الحال فإنني سأبحث عن بنت بالحرام نظرًا لحالتي النفسية والعياذ بالله, فأريد أن أعف نفسي,  سؤالي يا شيخ أنني الآن أريد أن أتزوج هذه الأخت الصغرى نظرًا لصفات يتمناها الجميع ليعيش حياة سعيدة, والأخت الكبرى تعرفني جيدًا وتعلم أخلاقي وكل شيء عني, وأهلها يعرفون عني جيدًا, وأنا متأكد بمشيئة الله أنهم لن يرفضوني أبدًا إذا تقدمت لخطبتها, و لكن المشكلة هي أن الأخت الصغرى تعلم قليلًا مما كان بيني و بين أختها, فالكبرى قد قالت لها بعضًا مما بيننا؛ وذلك بسبب الضيق الذي بداخلها فاحتاجت لأن تخرج قليلًا مما بداخلها لأختها, كان ذلك منذ مدة طويلة, أنا متأكد الآن أنها ستقول لأختها الصغرى أنها أنهت علاقتها بي, وأننا ابتعدنا عن بعضنا, أنا أعلم أن الأخت الصغرى تهتم لأمري ولا أظن أنها سترفضني أبدًا, ولكن لا أدري هل سيكون هذا الموضوع عائقًا في موافقتها, أنا فكرت وقلت: أنني سوف أتصل عليها وأحادثها هاتفيًّا, وأسألها ما إذا كان هناك مانع من تقدمي لها بالخطبة, وهذا الكلام سيكون بيني وبينها فقط, لا أحد يعلم, ولا نخبر به أحدًا؛ لتفكر مع نفسها, فهل زواجي منها مستحيل لأي سبب في نفسها, إذا كانت إجابتها أنه ليس مستحيلًا فسأتقدم لخطبتها من أهلها, وإذا قالت: أنه مستحيل؛ لسبب ما, ربما يكون علاقتي السابقة, فإنني سأنهي الموضوع بدون أن يعلم أي أحد به, وقد تكون عندها استفسارات وأسئلة عن الموضوع السابق فسأجيبها وأرى ما رأيها, فما رأيكم يا شيخ فيما سأفعله؟ وما هو التوقيت المناسب؟ فأنا لا أريد أن تقول أنه بمجرد انفصاله عن أختي جاء ليخطبني، وأنه رجل ليس في قلبه حب، نسي بسرعة, لا أدري متى هو التوقيت المناسب, وما الذي يجب علي أن أقوله لها اذا سألتني عن موضوعي السابق؟ ويلزمني سنة ونصف حتى يتوفر لدي المبلغ الكامل للزواج والمهر والبيت والأثاث وكل شي الحمد لله, أنا أتمنى أن أتزوج الآن؛ حتى أنسى, ولكن يجب علي الانتظار حتى يتوفر المبلغ, ولكني سأخطب الآن وأنتظر, ليست هذه هي المشكلة، ولكن المشكلة هي ماذا يجب أن أقول لها, وأرجو منكم نصيحة أخ لأخيه يا شيخ بأن تعطيني أسلوبًا أو طريقة لأخبرها بالأمر. ادع لي يا شيخ بأن يوفقني الله لأتزوج هذي البنت؛ لأنها ستجعلني أنسى ماضيَّ, فأنا لا أريد أن تكون حياتي قائمة على ذكريات قديمة بسبب أنني تزوجت امرأة أخرى ليست كما أتمنى, لن يكون هناك أي رد فعل تجاه أختها في حال رؤيتي لها, فهي امرأة منقبة طبعًا, وهو ما سيحدث نادرًا في حياتنا إذا جاءت وأخي عندنا, وأنا واثق أنه لن يحدث شي بإذن الله, ولن يميل قلبي لها مرة أخرى, وحتى لو حصل ذلك فلن أسمح لذلك التأثير أن يظهر في تعابير وجهي أو تصرفاتي أبدًا مهما حدث أمام زوجتي أو من ورائها, يا شيخ أرجوك أعطني أسلوبًا مناسبًا لإخبار البنت الصغرى هذا الخبر؟ وما الذي يجب علي فعله؟ جزاكم الله خيرًا, ورفع منزلتكم, ووفقكم لما فيه الخير والصلاح, وبارك لكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وأتمنى الرد في أسرع وقت ممكن؛ لكي يتسنى لي التصرف سريعًا قبل أن يتم خطبة البنت من قبل شخص آخر, كما أتمنى عدم النشر, وجزاكم الله خيرًا..

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الله المستعان، إنا لله وإنا إليه راجعون، كلمات لا تكفي وحدها للبداية في التعليق على رسالتك، لا تكفي وحدها دون أن يكون معها ألَم في القلب، ودمعة في العين، وتحسر على الحال التي وصل لها المسلمون، وخاصة من يزعم منهم الالتزام والاستقامة، ونرجو أن يتأمل هذا من يميع الفتاوى فيبيح الاختلاط المحرم، والمصافحة للأجنبية، والنظر، والدخول على بيت الأخ المتزوج، والجلسات العائلية! ليتأمل هؤلاء ما يحدث في واقع الناس، وليعلموا المسئولية الملقاة على عاتقهم من منع الناس من الوقوع في المحرمات، فكم من دليل يمنع من الدخول على النساء، وكم من دليل يمنع من النظر المحرم، وكم يوجد في الشرع من تحريم لمقدمات الفاحشة، ثم يُتغاضى عن كل ذلك، ويُتساهل في الفتوى، مع وجود المهيجات الجنسية الكثيرة، ومع وجود المفسدات للأخلاق والأديان؟!.

ولا نظن أنك تجهل الأحكام الشرعية، لكن نعتقد أنه قد تخفى عليك أمورٌ كثيرة، لذا سنخاطب الآن إيمانك بالله، وفطرتك، وعقلك، ولن نخاطب عاطفتك؛ لأنها هي التي أهلكتك، فاسمع منا، وتأمل فيما نقوله لك:

  1. هل تعتقد أن زوجة أخيك هي المرأة المناسبة لك؟ هل هي التي ستأمنها على بيتك، وعلى أولادك؟ وهل التي ستتشرف بالاقتران بها بعد خيانتها؟ فكِّر قليلاً، ما الذي يمنعها من تكرار الأمر مع غيرك؟ إن الحب – الخبيث – الذي وقعتما فيه قد يتكرر مع غيرك معها، وإذا كانت استقامتها الآن لم تمنعها من الاستمرار في خيانة زوجها ثلاث سنوات: فما الذي سيمنع من تكرار فصول المأساة نفسها مع غيرك؟!!.
  2. وماذا لو أن غيرك هو الذي أحبها وأحبته؟ نعم، ماذا لو أخبرك صديق لك أنه وقع في غرام زوجة أخيك، وأنها هي تحبه أيضاً، وبينهما مراسلات ولقاءات، فنسألك بالله الذي لا إله غيره أن تجيب صادقاً، هل تعذر هذا الصديق بعشقه لها؟ هل تعذرها بعشقها له؟ هل تسوغ لهما أفعالهما لأن الأمر ليس بأيديهما، وأن الحب أقوى منهما؟ فكيف تقبل لنفسك ما لا تقبله لغيرك – والعذر واحد -؟ وكيف تريد منا أن نمشي لك خيانتك لأخيك، وخيانة زوجته له، وأنت لا تمشي ذلك لصديقك الذي وقع في غرامها ووقعت في غرامه؟!.
  3. تأمل قليلاً لا في عذاب الله الأخروي المتوعَّد به الخائن، والمخبب المرأة على زوجها، والمخرب للبيوت الشرعية، والفاعل للأمور المحرمة من المراسلة والمحادثة مع الأجنبية: بل تأمل العذاب الدنيوي، وهو الفضيحة! نعم، إنها أشد من الجلد، وأشد من السجن، ولعلك تتمنى الموت عليها – وتذكر أنك طلبت منا أن لا ننشر سؤالك ومشكلتك على الموقع، والسبب: الفضيحة! – هذه الفضيحة أبطالها: امرأة ملتزمة مستقيمة متزوجة عندها بيت وزوج وأولاد، والبطل الثاني زوج أختها المستقيم الملتزم المؤتمن على عرض أخيه! ومن هو الضحية؟ إنه الزوج الغافل الذي ائتمن زوجته على بيته وعرضه، إنه الذي ائتمن أخاه على عرضه، وبدلاً من أن يحافظ الأخ على عرض أخيه ذهب لينتهك حرمته، وليفترس عرضه، وكاد للبيت الشرعي حتى فارق الزوج زوجته، ثم تزوج الخائنان!.

هذه هي حقيقة الأمر، شئت أم أبيت، وهذه هي فصول القصة، وهذه هي الفضيحة، فأي حياة سيعيشها أخوك الغافل؟! وأي حياة ستعيشها أنت وتلك الخائنة؟! هل ستهنئان بطعام وشراب؟! وهل ستهنئان بجماع وإنجاب؟!.

  1. وعندنا سؤال لك أيضًا، ونرجو أن تجيبه صادقا، ماذا لو حصل هذا مع زوجتك التي ستتزوجها؟ نعم ما هو موقفك من هذا الأمر؟ وقعت زوجتك في حب شخص، وبادلها الحب بمراسلات ولقاءات – دون الزنا – وهي تعيش معك في بيتك، تنام بجانبها وعقلها عند عشيقها، تقبلها وتتخيل قبلة عشيقها، تلمسها وتتمنى يد غيرك! هذا هو الواقع الذي تعيشه زوجة أخيك الآن، وهذا هو الواقع الذي ستعيشه زوجتك لو حصل معها مثل الذي يحصل الآن مع زوجة أخيك بسببك! فلا تكابر، ولا تجادل، ولا تأمن عقوبة الله لك في الدنيا بمثل ما فعلت مع غيرك.

وتأمل هذا الحديث؛ لتعلم مشروعية سؤالنا هذا، وقارن بين حال الرجل فيه وحالك:

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ، مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ : أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ.

رواه أحمد ( 21708 )، وصححه الألباني في ” الصحيحة ” ( 370 ).

  1. إننا لنجزم أنك تعيش في كآبة، وقلق، وحزن، ونجزم أنك تعلم مدى مخالفتك للشرع، فنسألك بعد ذلك: هل أنت جاهز للقاء الله تعالى؟ ماذا لو كانت خاتمتك وأنت على هذه الحال، فهل هي حال ترضاها لنفسك لتلقى بها ربك؟ وماذا لو كانت خاتمتك – والعياذ بالله – وأنت تراسل أو تحادث زوجة أخيك الأجنبية المتزوجة؟! هل هذه خاتمة حسنة أم سيئة؟ هل يمكنك التفكير في نفسك قليلاً لتعلم أين أنت ذاهب بها؟!.

 

  1. لا تسوِّغ أفعالك بما هو وهَم ومخالف للشرع والواقع، فلا تقل ليس الأمر بيدي، ولا نستطيع الابتعاد، ولا تقل إن بينها وبين زوجها مشكلات قبل دخولي في حياتها، ولا تقل إننا لم نصل للزنا!، وكل هذا وغيره مما يشبهه في رسالتك وهَمٌ ومخالف للشرع، فالأمر بيدك، وتستطيع معاهدة نفسك، ومعاهدة ربك تعالى أن لا يكون بينك وبينها صلة محرمة، ولو أن كل عاصٍ قال قولتك هذه لما تركت الزانية زناها، ولا اللص سرقاته، بل ولما ترك الكافر كفره!.

وكون المشكلات كانت بينها وبين زوجها قبل دخولك في حياتها لا يعني أنك لست السبب في استمرارها وعظمها، ولو لم تكن أنت في حياتها لتفاهمت مع زوجها بما يصلح بيتها، ولكنها تتأمل في أن تخلصها – بزعمها – من مشكلاتها مع زوجها لتعيش معك – بزعمكما – حياة هانئة، وأنَّى لكما هذا!.

وقولك إننا لم نصل للزنا! ماذا يعني؟ هل الذي منعكما هو الخوف من الله تعالى؟ فلم عصيتموه ولم تخافوه فيما تفعلانه من المحرمات؟ وهل يعني أنكما تملكان نفسيكما وتأمنان من الوقوع فيه؟ هذا محض خيال، والزنا أقرب إليكما من عدمه، وكيف لا وقد وقعتما في زنا اليد والرجل واللسان والأذن؟!.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ: النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ: الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ “.

رواه البخاري ( 5889 ), ومسلم ( 2657 ).

وفي رواية أحمد ( 10537 ):

” كُلُّ ابْنِ آدَمَ لَهُ حَظُّهُ مِنْ الزِّنَا؛ فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ؛ وَزِنَا الْيَدَيْنِ الْبَطْشُ؛ وَزِنَا الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ؛ وَزِنَا الْفَمِ الْقُبَلُ, وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى, وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ “.

ثانيا:

إن فتنة النساء فتنة عظيمة، وقد أوقعت المرأة في شباكها طوائف وجماعات، فكم من حاكم سُلب حكمه بسبب امرأة، وكم من طالب علم ضيَّع علمه بسببهن، وكم من زاهد وعابد أشغلنه عن طاعة الله تعالى، وانظر ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في فتنتهن:

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ “.

رواه البخاري ( 4808 ) , ومسلم ( 2740 ).

 

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ, وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ, فَاتَّقُوا الدُّنْيَا, وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ “. رواه مسلم ( 2742 ).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

” أخبر صلّى الله عليه وسلم في هذا الحديث بحال الدنيا وما هي عليه من الوصف الذي يروق الناظرين والذائقين، ثم أخبر أن الله جعلها محنة، وابتلاء للعباد، ثم أمر بفعل الأسباب التي تقي من الوقوع في فتنتها.

فإخباره بأنها حلوة خضرة يعم أوصافها التي هي عليها، فهي حلوة في مذاقها وطعمها، ولذاتها وشهواتها، خضرة في رونقها وحسنها الظاهر، كما قال تعالى: (  زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ” [ آل عمران / من الآية 14 ] ، وقال تعالى: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) [ الكهف / الآية 7 ] .

فهذه اللذات المنوعة فيها، والمناظر البهيجة، جعلها الله ابتلاء منه وامتحانا، واستخلف فيها العباد لينظر كيف يعملون, فمن تناولها من حلها، ووضعها في حقها، واستعان بها على ما خلق له من القيام بعبودية الله: كانت زاداً له وراحلة إلى دار أشرف منها وأبقى، وتمَّت له السعادة الدنيوية والأخروية.

ومَن جعلها أكبر همه، وغاية علمه ومراده: لم يؤتَ منها إلا ما كُتب له، وكان مآله بعد ذلك إلى الشقاء، ولم يهنأ بلذاتها، ولا شهواتها، إلا مدة قليلة، فكانت لذاته قليلة، وأحزانه طويلة.

وكل نوع من لذاتها فيه هذه الفتنة والاختبار، ولكن أبلغ ما يكون وأشد فتنة: النساء؛ فإن فتنتهن عظيمة، والوقوع فيها خطير، وضررها كبير؛ فإنهن مصائد الشيطان وحبائله، كم صاد بهن من مُعافى فأصبح أسير شهوته، رهين ذنبه، قد عَزَّ عليه الخلاص، والذنب ذنبه فإنه الذي لم يحترز من هذه البلية، وإلا فلو تحرز منها، ولم يدخل مداخل التهم، ولا تعرض للبلاء، واستعان باعتصامه بالمولى: لنجا من هذه الفتنة، وخلص من هذه المحنة.

ولهذا حذر النبي صلّى الله عليه وسلم في هذا الحديث منها على الخصوص، وأخبر بما جَرَّت على من قبلنا من الأمم؛ فإن في ذلك عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين “.

” بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخيار ” ( ص 177 ، 178 ).

 

ولو لم يكن منا أخي السائل إلا نقل هذا الحديث وشرحه من هذا الإمام لكان كافيا لك، فنرجو إعادة قراءة الحديث وشرحه؛ ففيه بيان أصل مشكلتك، وسببها، وفيه الحل الشرعي.

ثالثا:

والذي ننصحك به إذا كنت تريد النجاة من خزي الدنيا والآخرة:

  1. الكف المباشر – ودون تردد – عن الكلام مع زوجة أخيك، مهاتفة، ومشافهة، ومراسلة، والخروج الكلي من حياتها، ومن باب أولى عدم اللقاء بها لا في مناسبة، ولا غير مناسبة، فهي أجنبية عنك، وعلاقتك مع أخيك لا تستلزم لقاء زوجته ومحادثتها.
  2. الانتقال من المكان الذي تعيش فيه إن كان بالقرب من أخيك إلى مكان آخر بعيد، وإذا صعب عليك هذا: فالكف عن زيارة بيت أخيك، ولو لمناسبة، ويمكنك الالتقاء به في بيتك، أو محادثته على الهاتف، إلى أن يُصلح الله قلبك، ويُصلح زوجته.
  3. إذا كان زواجك من أخت زوجة أخيك تقصد منه القرب من أختها، أو أن هذا الزواج لن يصلح حالك وحال أختها: فلا تتزوجها، ولا تدمِّر بيتاً ثانياً، وتحطم قلباً آخر!.

بل إننا لا نختار لك مطلقًا أن تتزوج هذه الأخت الصغرى؛ فإنه يخشى من ذلك أن تزيد فرص اللقاء والاتصال بينكما، إما في بيتك أو بيت أخيك، أو بيت أصهارك؟!!.

فاحذر الشهوة الخفية يا عبد الله!!.

إنك في هذه العلاقة الآثمة تعديت حدود الله، واعتديت على حق أخيك ورحمه، فكيف لو كانت أختها عندك، وبقيتما على هذه الحال، أو انكشف شيء من أمركما، ستكون قطعتَ رحم أخيك، وقطعت هي رحم أختها، و … !!.

إن حرمة العدوان هنا، يا عبد الله ستكون أعظم؛ فلو أردت الزواج بأخرى، بعد امرأتك، لحل لك ما طاب من النساء، وأما أخت زوجك فهي عليك حرام، لو كانت خلية، فكيف لو كانت متزوجة، فيكف لو كانت زوجة لأخيك، فكيف لو لم ترد الحلال، وإنما هي خطوات الشيطان؟!!.

وإذا لم تقصد بزواجك منها ما سبق، وسيكون تزوجك بها قاطعا للعلاقة الآثمة مع أختها، ولن يكون التزوج بها مُرجعا الأمور السيئة لحالها: فالذي نراه أنك لا تقدم على ذلك إلا إذا كنت قادرًا على الابتعاد عن المخالطة بأخيك وبيته، والاجتهاد في نقل عملك ومسكنك إلى مكان آخر، حيث يعز اللقاء بينكما، وتيأس النفوس من مطامعها.

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ”  يَا مَعْشَر الشَّباب مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ, فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ “.

رواه البخاري ( 1806 ) , ومسلم ( 1400 ) .

وفي النساء، سوى هذه الفتاة كثير يا عبد الله, فاستبرئ لنفسك، وتذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم: ”  دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ “. رواه الترمذي (2518) وصححه الألباني.

وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ – رحمه الله -: ” مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنْ الْوَرَعِ؛ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ” ذكره البخاري في صحيحه.

واترك عنك قول الإثم والإفك ” أني لا أريد أن أغضبها ” فكيف ترضى أن تُغضب الله تعالى ويهون عليه ذلك، وتستعظم غضب عشيقتك المتزوجة من أخيك؟!.

  1. عمِّر قلبك بالإيمان، واغسل درنه بالطاعات، ولا تقبل لنفسك أن تكون مع العصاة، ولا تقبل لنفسك إلا طهارة القلب، واللسان، الجوارح، ولو بدأت توبتك بالذهاب للعمرة، والإكثار من الطواف والصلاة والدعاء هناك: فهو خير لك إن شاء الله.
  2. استعن بالله خالقك، وتذلل بين يديه، واطلب منه الصفح والعفو، واسأله أن يطهر قلبك من الرجس.
  3. أشغل وقتك بالمفيد والنافع، ولا تستسلم لنزغات الشيطان ووساوسه، واعلم أنه يكيد لك، ويريد إيقاعك في شباك سوئه، فاحذره، واستعن بالله تعالى عليه.

رابعا:

وهذه رسالة عامة لكل مسلم: أن يتقي الله في نفسه، ويتقيه تعالى في أهل بيته، وإياكم والتساهل في دين الله، وكم من رجل تساهل مع بناته أو مع زوجته في الأحكام الشرعية فندم وخسر خسرانا مبينا، كم تساهل الناس مع أخت الزوجة فوقعوا في محاذير شرعية، وكم تساهل الناس مع أخي الزوج فوقعوا كذلك مثلهم، والشريعة المطهرة فيها النجاة لمن تمسك بها، وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر.

عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِيَّاكُمْ وَالدُّخولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَار: يَا رَسُولَ الله، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ “.

رواه البخاري ( 5232 ) , ومسلم ( 2172 ).

الحمو: أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج.

 

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

” لو قيل: إنه يجب أن تستر عن أخي زوجها أكثر مما تستتر عن رجل الشارع، لو قيل بذلك: لكان له وجه؛ لأنها إذا كشفت وجهها لأخي زوجها، وهو معه في البيت: صارت الفتنة أعظم، فأي ساعة يدخل البيت – وقد أغراه الشيطان – يمكن يحاول خداعها، لكن في الشارع لو أن الرجل نظر إليها وأعجبته لا يستطيع الوصول إليها كأخي زوجها، فالمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذه النقطة، حيث قال: ” إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ “.   يعني: فاحذروه “.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 85 / السؤال رقم: 5 ).

وقال – رحمه الله -:

” يعني: فِرُّوا منه كما تفرون من الموت، وهو البلاء؛ لأن الحمو إذا دخل على بيت قريبه تجد الناس لا تنكره، وهو – أيضاً – يرى أن الأمر هين أن يدخل على بيت قريبه؛ فيحصل الشر “.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 63 / السؤال رقم: 1 ).

فاحذروا الاختلاط، وكفوا وأهلَكم وأولادكم عن مشاهدة الفضائيات الفاجرة، وتابعوا أنفسكم وأهليكم بالنصح، ونسأل الله تعالى أن يصلح بيوت المسلمين، وأن يهدي أولياء الأمور لما فيه صلاحهم وصلاح ذرياتهم وأهليهم.

وأنت أخي السائل:

اتق الله تعالى ربك، واعلم أنه تعالى يراك، ويعلم خائنة نفسك، وما يُخفي صدرك، وقد جاءك البرهان والبيان، وأقيمت عليك الحجة، فلا تفرِّط في نفسك، ولا تكن سبباً لفساد دين وأخلاق غيرك، وداوم على العلم النافع والعمل الصالح، واسأل الله تعالى أن يتجاوز عنك ما مضى، وأره من نفسك صدقاً في التوبة وإصلاح الحال.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ “.

رواه الترمذي ( 1987 ) ، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

إذا ما خلوتَ بريبة في ظلمـة               والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها               إن الذي خلق الظلام يراني

 

 

والله أعلم.

شاب يسأل عن حكم الصلاة خلف خطباء عندهم بدع

السؤال:

أنا شاب على منهج أهل السنة والجماعة، عندنا في بلدنا كثير من الخطباء يلبِسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق، ( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون )، وأخشى مِن هذا الفهم المقلوب؛ فإن القلوب ضعيفة والشبَه خطَّافة، فمن ذلك أنهم يزعمون أن لبلدنا خصوصية منذ تاريخ قديم، وأنه ينبغي علينا المحافظة على تلك الخصوصية؛ لكي تبقى الكلمة مجتمعة، فهل برأيك يصح إطلاق مثل هذه العبارات؟.

ثانيا: أريد أن أعرف هل يمكنني التخلف عن صلاة الجمعة، وأن أقتصر على الصلاة في البيت، فالله المستعان، فقد آذانا المنافقون.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا: الصلاة خلف المبتدعة والفساق:     

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما حكم الصلاة خلف إمام مبتدع؟.

فأجاب: ” الصلاة خلف الإمام المبتدع إن كانت بدعته مكفرة, فإنه لا يجوز أن تصلى خلفه؛ لأن صاحب البدعة المكفرة لا تقبل له صلاة؛ لأن الكفر يمنع من قبول الصلاة, وإذا كانت لا تقبل صلاته, فكيف تأتمّ بإمام لا صلاة له؟! لكن إذا كنت لا تدري عنه وصليت خلفه ثم تبين لك بعد ذلك أنه مبتدع بدعة مكفرة فإن صلاتك صحيحة؛ لقول الله تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) والإنسان لا يعلم الغيب, أما إذا كانت البدعة مفسقة لا تخرج الإنسان من الإسلام فإن الصلاة خلفه صحيحة على القول الراجح: وهو أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة؛ لأنه أعني الفاسق تصح صلاته وتقبل صلاته وفسقه وعدالته لنفسه, ليس علينا منها شيء, مادام يأتي بالصلاة على الوجه المطلوب, أما إذا كان يخل بالصلاة فإنك لا تصلى خلفه, ولو كان سليما من البدعة والفسوق, هذا هو حاصل ما يقال عن الرجل المبتدع. على أن بعض العلماء يقول: إن الفاسق مطلقاً لا تجوز الصلاة خلفه, ولكن هذا قول مرجوح, والراجح أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة, ولكن كما قلت لك: إذا كان يخل بالصلاة, فلا تصلِّ خلفه, وكذلك أيضا إن أمكنك أن تجد إماما عدلا مستقيما في دينه فإن صلاتك خلفه أولى من صلاتك خلف هذا الرجل الفاسق “.

فتاوى نور على الدرب النصية  (182 / 26).

 

 

 

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما صحة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لا يؤمَّنَّ فاجرٌ مؤمناً إلا أن يضربه بسوط أو عصا “؟.

فأجاب: ” هذا حديث ضعيف، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: إنه تجوز إمامة الفاسق، مثلا: لو تقدم إنسان قد حلق لحيته، وصلى بنا فإن الصلاة صحيحة؛ لكن لا شك أنه كلما كان الإمام أتقى فهو أَولى “. لقاءات الباب المفتوح  ( 130 / السؤال رقم: 5 ).

قال الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي:  

– ” مسألة الصلاة خلف الفاسق، أو المبتدع، هل تصح، أو لا تصح؟.

بعض العلماء يرى أن الصلاة غير صحيحة، فإذا صلى خلف المبتدع أو الفاسق فإنه يعيدها، وقال بعضهم: إنه يصلي خلفه نفلًا، ثم يعيدها، وذهب آخرون إلى أنها تصح وهو الصواب، فالصواب أن صلاته صحيحة، بشرط أن تكون بدعته أو فسقه لا يوصله إلى الكفر، أما إذا كانت بدعته أو فسقه يوصله إلى الكفر فإن صلاته لا تصح، أي إذا كان وثنيًّا يدعو غير الله؛ يذبح للأولياء أو الصالحين، أو حلولي أو اتحادي، فهذا لا تصح الصلاة خلفه.

أما إذا كان مبتدعًا أو فاسقًا، ولم يوصله إلى الكفر فالصلاة صحيحة والدليل على ذلك أن الصحابة صلوا خلف الحجاج وكان الحجاج فاسقًا ظالمًا، ولما ثبت في صحيح البخاري أن النبي قال: ” يصلون لكم – يعني: الأئمة – فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم “, لكن إذا وجدت غير الفاسق فلا تصل خلفه، ولا ينبغي أن يرتب إمامًا للناس، إذا كان فاسقًا أو مبتدعًا، أي لا يجوز أن يكون إمامًا للناس، وإذا وجد فاسق أو مبتدع يصلي بالناس يجب أن يرفع إلى ولاة الأمور حتى يعزل، ويعيّن إمام من أهل السنة والجماعة سلفي المعتقد، لا أشعري، ولا فاسق، بل يعين عدل، لكن إذا بليت وصليت خلفه فصلاتك صحيحة، وإن لم تجد جماعة إلا هو تصلي خلفه، وإذا وجدت غيره تصلي خلف غيره، وإذا صليت خلفه، فمعناه أنك أقررته على المنكر وأقل شيء لإنكار المنكر ألا تصلي خلفه “.

أجوبة مفيدة عن أسئلة عديدة (1 / 30).

قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

” الصلاة خلف المبتدع في الدين والقبوري وإذا أقيمت الصلاة وهو إمام ما الحل؟.

أولًا: الصلاة خلف المبتدعة وأهل الكبائر بمعنى أهل الكبائر المظهرين لها، الأصل فيها أنها جائزة، الصحابة رضوان الله عليهم صلوا وراء أمراء الجور الذين يظهرون الكبائر وإزهاق النفوس كما صلى ابن عمر خلف الحجاج ابن يوسف، وأنس صلى خلف الحجاج أيضًا، كما روى صلاة ابن عمر خلف الحجاج البخاري وغيره، هذا من جهة أهل الكبائر، و أهل البدع كذلك يصلي خلفهم، وأهل السنة والجماعة نصوا على ذلك في عقائدهم، لكن إذا كان صاحب البدعة هذه يمكن أن يستغنى عنه؛ بمعنى أنه ليس بإمام راتب شخص يتقدم وتعرف أنه صاحب بدعة هنا تنهره عن التقدم ويتقدم صاحب السنة، يعني أنه عند الاختيار لا يجوز أن يؤمّ صاحب كبيرة ولا صاحب معصية ظاهرة ولا صاحب بدعة، لكن إذا كان ليس عند الاختيار، وإنما أدركت جماعة وفيهم من هو كذلك فإذا كانت بدعته لا تخرجه إلى الكفر فإنه يصلي خلفه، والإمام أحمد ذكر في مسائل أنها بدعة, ومع ذلك أمر بالصلاة وراء من فعلها من مثل القنوت في صلاة الفجر فإنه بدعة, ومع ذلك سئل عن الصلاة خلف من يقنت في الفجر قال: تصلي خلفه، قال هل أرفع يدي معه؟ قال: لا. قال ما أصنع؟ قال: تسكت . أو كما روي عنه “. شرح كتاب ثلاثة الأصول قسم العقيدة (20 / 90).

ثانيا: التعامل مع أهل البدع:

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

” كَثُرَ الرافضة عندنا في السكن، وأصبح لهم بعض التحرك مع الطلاب الذين يأتون من خارج البلاد، فيذهبون معهم إلى الأسواق، ويباشرون عليهم، ولهم بعض الأشياء، فما الحل معهم؟.

فأجاب: ( إذا كان لهؤلاء نشاط في الدعوة إلى بدعتهم فليكن منكم نشاط أكبر في الدعوة إلى سنتكم؛ لأن الحق إذا قام به أهله فإن الله عزَّ وجلَّ يقول في كتابه: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) [ الأنبياء / الآية 18 ].

لكن كوننا نرى نشاط أهل البدع في بدعتهم – ولا سيما البدع الغليظة – ثم نسكت أو نقول: ماذا نفعل؟ فإن هذا يعتبر جبنا، فإذا كان لهم دعوة فلتكن دعوتكم أنتم أكبر وأعظم؛ لأنكم على حق ومأجورون، أما أهل البدع إذا دعوا إلى بِدَعِهم فهم آثمون مأزورون؛ عليهم الوبال، وعليهم وبال كل مَن دعوه إلى هذه البدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة “, فأنا أحثكم على أن يكون لكم نشاط عظيم، فإذا كانوا يبذلون درهماً فابذلوا درهمين، وإذا كانوا يأتون إلى هؤلاء في بيوتهم ويدعونهم إلى أن يأتوا إليهم في البيوت فليكن نشاطكم في هذا أكثر وأعظم. السائل: ومضايقتهم لنا؟ الشيخ: كما قلنا فيما سبق أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا قاعدة نسير عليها؛ نعاملهم بمثل ما يعاملوننا به “. لقاءات الباب المفتوح (24 / السؤال رقم: 18).

 

والله أعلم.

تابت من العمل في البنك ويريد أهلها وزوجها أن تبقى فيه!.

تابت من العمل في البنك ويريد أهلها وزوجها أن تبقى فيه!.

السؤال:

نرجو من فضيلتكم أن تساعدونا على حل هذه المشكلة، لي صديقة عمرها (43 سنة )، متزوجة، وأم لثلاثة أطفال، تعمل في بنك ربوي مند ( 20 سنة )، في السنة الأخيرة – والحمد لله – هداها الله سبحانه وتعالى إلى الاقتناع بأن هذا العمل حرام شرعا؛ لما فيه من تعاملات ربوية، ومساعدة على نشرها، واتخذت قرارها بتركه، لكن الأمور لم تجرِ بهذه السهولة، اصطدمت بمعارضة قوية من عائلتها، من جهة أولى زوجها، حاول المستحيل لمنعها لدرجة أن الأمر وصل للتهديد بالطلاق إن هي أصرت على موقفها، فهو لا يريدها أن تترك العمل؛ لأنها تساهم – تقريبا- بنصف راتبها في مستلزمات البيت، وما يعزز أكثر رفضه – في نظره – أنه يتحجج بأن عملها يمنح لأطفالهما تأميناً صحيًّا لا يمكنه أن يوفره من خلال عمله ( يعمل في عمل مند أكثر من 15 سنة بعقد قابل للتجديد كل سنة ) تخبره بأنها ستقنع بما يجنيه هو، وأن الله هو المؤمن وكل شيء بيده، لكن لا فائدة، ومن جهة أخرى والدها الذي وصل به الأمر بتخييرها بين رضاه، وسخطه إن تركت العمل، يقول لها: يمكنك تركه ولكن بشرط أن تجدي عملًا آخر قبل ذلك، وهذا نراه شرطاً تعجيزيًّا، وذلك لسببين:

أولا: مشكلة السن، عمرها ( 43 سنة )، ثانيا: استفحال مشكلة البطالة في بلادنا، هناك صعوبة في إيجاد عمل آخر، كما أنه عمل على إقناع شقيقيها على عدم مساعدتها سواء ماديًّا، أو معنويًّا، بين قوسين: أسرتها أسرة ملتزمة بتعاليم ديننا الإسلامي، لكن عملها هو نقطة خلافهم، هي الآن حائرة، لا تدري ما تفعل، زوجها يخبرها أن الله سبحانه وتعالى أمر الزوجة بطاعة زوجها، وهذا هو فوزها الأكبر أكثر من أي شيء، وبين والدها الذي يهدد إن لم تطعه سيسخط عليها دنيا وآخرة، وبأن بر الوالدين وطاعتهما فوق كل ما تريد أن تفعله، وأنها يجب عليها المحافظة على عملها لأنه هو مستقبلها، وأنها يمكن أن تمر بظروف قاسية إن تركته.

نرجو من فضيلتكم أن تنصحوها، وأن تضعوها على الطريق الصحيح، وأن تبينوا لها حكم ما يقول زوجها، وأبوها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا تخلو هذه الدنيا من ابتلاء، فيبتلى المسلم فيها بأنواع شتى من الابتلاءات، وابتلاء التائب من ذنبه، والمقبل على ربه تعالى بعد زمن من المعصية: أمرٌ لا بدَّ له أن يعيه حق الوعي، وأن يهتم بشأنه أعظم الاهتمام؛ حيث هو الآن في محطة الاختبار ليُرى صدقه في توبته وإقباله على ربه تعالى من عدمه، لذا فإنه يجب على صديقتك أن تعلم أن ابتلاءها هو في صالحها إن صبرت عليه وتحملته، وأنه أمرٌ يعرض للتائبين من ذنوبهم، والمقبلين على ربهم تعالى، فلا تجزع، ولا تفزع، ولا تضجر، ولتكن مع ربها تعالى بالإنابة، والدعاء، والعمل الصالح، وستجد ما يسرها إن شاء الله، من التثبيت على الطاعة، والتوفيق للعمل الصالح.

وطريق الجنة محفوف بالمكاره، ومن صبر على قطع هذا الطريق فإن نهايته ستكون سعيدة، وطريق النار محفوف بالشهوات، ولو استمتع العاصي بدنياه بتلك الشهوات فإنه سيندم على ذلك أشد الندم، وسيجد من الحسرة والسخط والعذاب ما يُنسيه استمتاعه ذاك.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ “. رواه البخاري ( 6122 ) , ومسلم ( 2823 ).

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ “. رواه مسلم ( 2822 ).

قال النووي – رحمه الله -:

” قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وفصيحه، وجوامعه، التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، من التمثيل الحسن، ومعناه: لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب: وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة: باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار: بارتكاب الشهوات، فأما المكاره: فيدخل فيها: الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك.

وأما الشهوات التي النار محفوفة بها: فالظاهر أنها: الشهوات المحرمة، كالخمر، والزنا، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، واستعمال الملاهي، ونحو ذلك.

وأما الشهوات المباحة: فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها؛ مخافة أن يجر إلى المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها، ونحو ذلك “. ” شرح مسلم ” ( 17 / 165 ، 166 ).

ثانيا:

ونحمد الله تعالى أن وفقها للتوبة من الكسب المحرَّم، ومن الإعانة على ما يسخط الرب تعالى من العمل في الربا، وهو من كبائر الذنوب التي توعد الله أصحابها بالمحق والعذاب، إلا أن يتوبوا ويعودوا لربهم بصدق وإخلاص.

 

 

 

ثالثا:

ومن الواجب على هذه الأخت الفاضلة أن تلتزم الصدق في توبتها، فتندم على ما فات من عمرها الذي قضته في العمل المحرَّم، وتعزم عزماً مؤكداً على عدم العود للعمل في البنوك الربوية، ولا في غيرها من الأماكن المحرَّمة.

قال علماء اللجنة الدائمة:

” العمل في البنوك التي تتعامل بالربا: من الأمور المحرمة، ولا يجوز لك أن تستمر فيه؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه بقوله: ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر – رضي الله عنه -: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه “، وعن ابن مسعود – رضي الله عنه -: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه. رواه الخمسة، وصححه الترمذي.

وعليك التوبة إلى الله من ذلك “.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 45 ، 46 ).

وقالوا:

” ثبت تحريم الربا بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، وثبت أن التعاون عليه بالكتابة، والشهادة، ونحوهما: حرام، وعلى هذا: فالعمل في البنوك الربوية محرم؛ لما فيه من التعاون على الإجراءات الربوية من حساب، وصرف، وقبض، وتقييد، وكتابة، وحراسة، ونحو ذلك، وقد قال تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) “.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 46 ، 47 ).

رابعا:

وإذا كانت صديقتك لم تكن تعلم أن عملها محرَّم: فإن ما بيدها من الأموال المكتسبة من عملها في البنك: حلال لها التصرف فيها كيف تشاء؛ فهو ملك لها، وكذا ما يصرف لها من مكافآت، وأما إن كانت تعلم أن عملها محرَّم: فما صرفته من مال لا تُطالب به، ويحرم عليها ما تكسبه بعد علمها بالحرمة، سواء أكان ذلك من رواتبها، أم من مكافآت لنهاية خدمتها.

قال علماء اللجنة الدائمة:

” المدة التي جلستها في البنك للعمل فيها: نرجو من الله أن يغفر إثمها عنك، وما جمعتَه من نقود وقبضتها بسبب العمل في البنك عن المدة الماضية: لا إثم عليك فيها؛ إذا كنت تجهل الحكم في ذلك “.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 46 ).

وقالوا:

” إذا كان الواقع كما ذكرت، من أنك تركت العمل به بعد أن أخبرت أنه لا يجوز العمل في البنك: فلا حرج عليك فيما قبضته من البنك مقابل عملك لديه مدة الأشهر المذكورة، ولا يلزمك التصدق بها، وتكفي التوبة عن ذلك، عفا الله عنا وعنك؛ لقول الله سبحانه: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ) الآية “.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 50 ، 51 ).

خامسا:

طاعة الوالدين والإحسان إليهما: فرض على الولد، من ذكر وأنثى.

قال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) [ الإسراء / الآية 23 – 24 ].

قال القرطبي – رحمه الله -:

” أمر اللّه سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل برّ الوالدين مقروناً بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا )، وقال: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) “. ” تفسير القرطبي ” ( 10 / 238 ).

وطاعة الزوج على الزوجة واجبة، فهو رب البيت، والمسئول عنه، وهو الذي جعل الله له القوامة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 28 / 326 ، 327 ):

طاعة الزّوج واجبة على الزّوجة .

قال اللّه تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) .

قال القرطبيّ: ” قيام الرّجال على النّساء هو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها، وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز – أي الخروج -، وأنّ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصيةً “….

وقال ابن قدامة: ” طاعة الزّوج واجبة “ :

” قال أحمد في امرأة لها زوج وأمّ مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمّها، إلاّ أن يأذن لها “. انتهى .

وإذا عُلم أن طاعة الوالدين والزوج واجبة: فاعلمي أن ذلك مقيَّد بكونها بالمعروف، وأنه لا يحل طاعتهم في معصية الله تعالى.

– عن علي – رضي الله عنه – قال: قال صلى الله عليه وسلم يقول: ” لاَ طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ ” رواه البخاري ( 6830 ) ومسلم (1840).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 28 / 327 ): طاعة المخلوقين – ممّن تجب طاعتهم – كالوالدين، والزّوج، وولاة الأمر: فإنّ وجوب طاعتهم مقيّد بأن لا يكون في معصية، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

قال تعالى في الوالدين: ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ). وفي طاعة الزّوج روت صفيّة عن عائشة – رضي الله تعالى عنهما – قالت: إنّ امرأةً من الأنصار زوّجت ابنتها، فتمعّط شعر رأسها، فجاءت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقالت: إنّ زوجها أمرني أن أصل في شعرها فقال: ” لا، إنّه قد لعن الموصلات ” – رواه البخاري -، قال ابن حجر: لو دعاها الزّوج إلى معصية: فعليها أن تمتنع، فإن أدّبها على ذلك: كان الإثم عليه.انتهى.

وفي ( 30 / 123 ، 124 ): ثمّ إنّ وجوب طاعة الزّوج مقيّد بأن لا يكون في معصية، فلا يجوز للمرأة أن تطيعه فيما لا يحلّ، مثل أن يطلب منها الوطء في زمان الحيض أو في غير محلّ الحرث، أو غير ذلك من المعاصي، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . انتهى.

وقال الشيخ الفوزان – حفظه الله -: ” المرأة مأمورة بطاعة الله سبحانه وتعالى، ومأمورة بطاعة زوجها، وبطاعة والديها، ضمن طاعة الله عز وجل “.

أمَّا إذا كان في طاعة المخلوق: من والد، أو زوج، معصية للخالق: فهذا لا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إنما الطاعة في المعروف ” – رواه البخاري -؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق ” – رواه أحمد – “. ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 1 / 265 ، 266، سؤال رقم: 161 ).

فأعلمي صديقتك بحرمة طاعتها لوالديها وزوجها في الرجوع للعمل في البنك الربوي، وأن غضب والديها ودعاءهم عليها لا وزن له عند الله تعالى؛ لأنه والحالة هذه يكونان آثمان، وأمرهما يحرم عليها طاعته، وكذا الأمر فيما يتعلق بالزوج.

وإن وفقت إلى الجمع بين إرضاء الله تعالى وعدم إسخاط الوالدين والزوج بالعمل في مكان مباح: فذلك أفضل، وأجمع للشمل، وإن عجزت عن التوفيق بين الأمرين: فلتقدم مرضاة الله على رضا أي أحدٍ سواه، وإن أصابها سوء أو أذى أو ضرر: فلتصبر، ولتحتسب، ونسأل الله أن يجعل ذلك كفارة لسيئاتها، ورفعة في درجاتها.

 

والله أعلم.

مسألة ميراث تتعلق بأعمام وعمات

مسألة ميراث تتعلق بأعمام وعمات

السؤال:

توفى جدي وله ثلاثة أبناء ( أعمامي )، وبنت ( عمتي )، تزوج أحد الأبناء (والدي )، ورزق بثلاثة أبناء، وبنت ( أنا )، ثم توفى والدي، وبعد فترة توفي عمي وليس له أبناء، وكان عمي الثالث يعمل في منطقة أخرى، وكان يتردد بين فترة وأخرى لزيارة أخته وأبناء أخيه، لكن انقطعت أخباره، وعندما سأل عنه ابن عمتي في المنطقة التي كان يعمل بها قيل: إنه توفي، وهذه المعلومة منذ ( 40 سنة )، علما بأنه كان كبيرا في السن، ولم يتزوج ( ليس له أبناء )، ولم تقسم التركة حتى الآن، فكيف تقسم تركة الجد بين عمتي، وأبناء أخيها ( أخواتي وأنا )؟

الجواب:

الحمد لله

الذي يرث جدك هم أبناؤه وبناته – أعمامك وعماتك -، وبما أن لجدك ثلاثة أبناء وبنت: فإنه يرث الأبناء مع البنت تعصيباً: للذكر مثل حظ الأنثيين.

ولو فرض أن التركة هي ( 1000 دينار ): فإن الأبناء الثلاثة لهم: (85.714 % )، أي: ( 857.14 دينار )، ويقسَّم بينهم هذا المبلغ بالتساوي، ويكون نصيب كل واحد منهم: ( 285.7 ), ويكون للبنت: ( 14.285 % )، أي: ( 142.85 دينار ).

ولا يرث أحفاد جدك – أولاد أعمامك وعماتك – شيئا، وهم محجوبون لوجود أعمامك.

وكل من مات بعد جدك فإنه يرثه ورثته:

  1. فأنتِ وأشقائك ترثون والدكم، ولا يرث أعمامك ولا عمتك منها شيئاً؛ لأنهم يُحجبون بوجود أشقائك الذكور.
  2. وبوفاة عمك بعد والدك – وليس له ذرية -: فإن الذين يرثونه هم: شقيقه وشقيقته، أي: عمك وعمتك.

ويكون التقسيم: للذكر مثل حظ الأنثيين، فلعمك حصتان، ولعمتك حصة واحدة، هي نصف حصة عمك.

  1. وبوفاة عمك الثالث – وليس له ذرية -: فإن ورثته هم: شقيقته، وأبناء أخيه – وهم أشقاؤك -، وأنتِ لا ترثين شيئا, ويكون التقسيم: لعمتك – أخت المتوفى -: النصف فرضا، والنصف الآخر يقسَّم بين أشقائك بالتساوي، تعصيبا.

وما ذكرناه سابقا يشمل حصة المتوفى من تركة جدك، ويضاف إليه كل ما يملكه المتوفى من مال، وذلك بعد قضاء الديون، وتنفيذ الوصايا التي تكون دون ثلث التركة.

 

والله أعلم.

كانا على علاقة غير شرعية, ثم تابا وتزوجا من غير ولي, فكيف يتصرفون الآن؟.

كانا على علاقة غير شرعية, ثم تابا وتزوجا من غير ولي, فكيف يتصرفون الآن؟.

السؤال:

لدي سؤال فيما يتعلق بزواجي، فأنا مقيم بفرنسا، تزوجت بامرأة أرملة لها أولاد، وكانت لي معها علاقة غير شرعية – زنا – وتزوجنا بعدها, وتبنا إلى الله توبة نصوحة، وقد حضر زواجنا إمام من تلك البلدة، وشهود، كانوا ( 5 أشخاص )، ولم أدرِ في ذلك الوقت بشرط الولي في الزواج، وبعد زواجنا سألتها عن رأي والديها، قالت لي: بأنهما غير موافقين على الزواج، مع العلم أن والديها يعيشان في المغرب، وهي تعيش بفرنسا، لكن بعد الزواج سامحوها، والآن العلاقة معهم حميمة، فزارونا، وزرناهم، والآن لدي منها بنتان، فأرشدوني، جزاكم الله خيرا، هل العقد صحيح أم لا؟ وما عليَّ فعله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن يتقبل توبتكما، وأن يغفر لكما ذنوبكما، وأن يعينكما على طاعته، وحسن عبادته.

ثانيا:

عقدكم النكاح من غير موافقة ولي الزوجة عليه: باطل، ويجب عليكم إعادته، بحضور الولي وموافقته عليه.

والإيجاب من الولي من الشروط الواجب تحققها في العقد حتى يكون صحيحاً، وقد دلَّ على هذا الشرط – أو الركن – القرآن والسنَّة.

قال تعالى: ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) [ النور / من الآية 32 ].

وقال تعالى: ( وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ) [ البقرة / من الآية 221 ] .

وواضح من الآيتين أن المرأة لا تنكح نفسها إلا بولي؛ لأن الخطاب فيهما موجه إلى الأولياء، ولا يتم العقد الشرعي إلا بموافقته.

وعن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَليٍّ “. رواه الترمذي ( 1101 ) وأبو داود ( 2085 ) وابن ماجه ( 1881 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

” جمهور العلماء يقولون: النكاح بغير ولي باطل، يعزرون من يفعل ذلك، اقتداء بعمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، وهذا مذهب الشافعي، بل طائفة منهم يقيمون الحد في ذلك بالرجم، وغيره “. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 21 ).

وقال – أيضًا -:

” دلَّ القرآن في غير موضع، والسنَّة في غير موضع، وهو عادة الصحابة، إنما كان يزوج النساء الرجال، لا يعرف عن امرأة تزوج نفسها، وهذا مما يفرق فيه بين النكاح، ومتخذات أخدان، ولهذا قالت عائشة: ” لا تزوج المرأة نفسها؛ فإن البغي هي التي تزوج نفسها “. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 131 ).

وقال صاحب ” عون المعبود ” ( 6 / 101 ):

” والحق: أن النكاح بغير الولي باطل، كما يدل عليه الحديث.

والواجب عليكما الآن الانفصال بعضكما عن بعض، دون الحاجة لطلاق، وأن تعتد زوجتك بحيضة واحدة، ثم إذا أردتما تصحيح العقد وجعله موافقا للشرع: أن يُعاد إنشاء العقد بذهابك إلى أهلها خاطبا، ويكون إنشاء العقد بحضور ولي الزوجة وموافقته، وموافقتها على الزواج بك “.

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل تجب موافقة الولي في حالة زواج المرأة الثيب مرة أخرى؟ وما شروط الزواج الصحيح في حالتها؟.

فأجاب:

” مِن شرط صحة النكاح: صدوره عن ولي، سواء كانت المرأة بكرا، أو ثيِّبا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا نكاح إلا بولي “، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا تزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نفسَها “، ولكن الأيم لا بد من إذنها صريحا، وهي الثيب، أما البكر: فيكفي سكوتها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا : يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت “. متفق على صحته.

وروى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها وإذنها صماتها “، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ” الأيم أحق بنفسها من وليها “: أنه ليس لوليها تزويجها إلا بإذن صريح منها؛ جمعاً بين الأحاديث في هذا الباب، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو الحق الموافق للأحاديث الصحيحة. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 38 – 40 ).

 

 

 

ثالثا:

وأما بخصوص الأبناء: فإنهم يُنسبون إليك إن كنتَ بالفعل تجهل شرطية موافقة الولي، وإن كنتَ تعلم بطلان نكاحك لشرطية الولي في عقد النكاح: فلا ينسب الأولاد إليك، بل ينسبون إلى أمهم.

 

والله أعلم.