الرئيسية بلوق الصفحة 402

هل يجوز للأم أن تعطي زكاة مالها لابنتها المتوفى عنها زوجها؟

هل يجوز للأم أن تعطي زكاة مالها لابنتها المتوفى عنها زوجها؟

السؤال:

هل يجوز للأم أن تعطي زكاة مالها لبنتها علماً أنها متوفى عنها زوجها ، ولديها ثلاث بنات ، وينفق عليها والدها بإعطائها مبلغاً من المال كل مدة بأن يرسل أحد أبنائه لإعطائها المال أو الأم تتكلف بتوصيل المال لها ، إما هي بنفسها ، أو عن طريق ابنيها في حالة غياب الأب .

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان الأب قادراً على الإنفاق على ابنته وحفيداته ، وكان قائماً بالفعل على هذه النفقة : فإنه لا يجوز له أن يجعل هذه النفقة من زكاة ماله ؛ لأن نفقة أولاده الفقراء أو العاجزين عن الكسب واجبة عليه .

وإن كان الوالد فقيراً غير قادر على النفقة ، أو امتنع مع قدرته ، وكانت الأم غنية قادرة على النفقة : فإن نفقة أولادها تصبح واجبة عليها ، ولا يحل لها إعطاءهم نفقة من زكاة أموالها .

وحال المنع من إعطاء الزكاة لا يشمل قضاء ديون الأولاد ؛ لأنه لا يجب على الوالدين قضاء ديون أولادهم ، ويصح إعطاء الأولاد من زكاة والديهم لقضاء ديونهم .

قال النووي – رحمه الله – :

قال أصحابنا : لا يجوز للإنسان أن يدفع إلى ولده ولا والده الذي يلزمه نفقته من سهم الفقراء والمساكين لعلتين :

إحداهما : أنه غني بنفقته .

والثانية : أنه بالدفع إليه يجلب إلى نفسه نفعاً ، وهو منع وجوب النفقة عليه .

قال أصحابنا : ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة إذا كانا بهذه الصفة . ” المجموع ” ( 6  / 229 ) .

وفي حال إنفاق الأب على ابنته وحفيداته جزءً من النفقة : فإنه ينتقل الجزء الآخر إلى الأم ، وتكمل به نفقة أولادها إن كانت غنية قادرة على النفقة .

وإن كان المال الذي يرسله الوالد لابنته ليس نفقة شهرية بل هو مال تستعين به الابنة على حياتها : فلا نرى أن هذا يمنع من إعطائها من زكاة والدها أو والدتها ؛ لأن الممنوع في مثل هذه الحال هو الزكاة التي يُسقط بها المنفق واجباً عليه وهو النفقة .

 

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

هل يصح إخراج الزكاة للابنة المتزوجة المحتاجة ؟ .

فأجاب :

كل من اتصف بوصف يستحق به الزكاة فالأصل جواز دفع الزكاة إليه ، وعلى هذا فإن كان الرجل لا يمكنه أن ينفق على ابنته وأولادها : فيدفع الزكاة إليها .

والأفضل والأحوط والأبرأ للذمة أن يدفعها إلى زوجها .

” دروس وفتاوى الحرم المكي ” ( 2 / 397 ) .

 

والله أعلم.

هل يُعطى الابن زكاةً وهو يعيش مع والديه وينفقان عليه؟

هل يُعطى الابن زكاةً وهو يعيش مع والديه وينفقان عليه؟

سؤالي هو:

هناك أصدقاء ومعارف يبعثون لي بزكاة أموالهم لكي أعطيها لمن كان بحاجة مادية ، غالبا دون تحديد لهوية شخص معين ، فهل يجوز أن أعطي شيئاً منها لابني الذي يبلغ من العمر 23 عاماً – مع العلم أنه طالب علم ولا يعمل في أي مهنة وهو ما زال يعيش معنا في نفس البيت ونحن نكفيه الأكل واللباس – ؟ .

– أفيدوني جزاكم الله خيراً .

 

الجواب:

الحمد لله

تجب نفقة ابنكِ الذي يعيش معكم على والده ، والزكاة لها مصارف محدودة قد بيَّنها ربنا تعالى في قوله ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابنِ السَّبيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة/60 .

وبما أنه مكفي من جهة الطعام واللباس فلا يجوز لكِ أن تعطيه من زكاةِ أحدٍ من الناس ؛ لأنكِ بذلك توفرين نفقته على والدهِ ، ويكون الأمر كأنكِ تعطين الزكاة لوالده ، والذي يظهر من سؤالك أن والده – وهو زوجكِ – ليس من أهل الزكاة حتى يُعطى منها ، فيجب عليكِ أداء الأمانة على وجهها الشرعي ، ولا يحل لك التفريط فيها ، وادفعيها لمستحقيها ، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه ، وأن يجنِّبك الخلل والزلل .

 

والله أعلم.

 

 

يشك في شقيق زوجته أنه يأخذ من أموال الصدقات بغير وجه حق !

يشك في شقيق زوجته أنه يأخذ من أموال الصدقات بغير وجه حق !

السؤال:

شقيق زوجتي يعمل في مشروع ” كفالة الطفل اليتيم ” بالجمعية الشرعية الرئيسية بمدينتنا ، وهو في نفس الوقت موظف بالأوقاف ( عامل بالمسجد ) بالشهادة الابتدائية ، أو الإعدادية ، وهو كما أعلم تمام العلم بدأ من الصفر ، أو من تحته ، ومنذ أن عمل في كفالة اليتيم وهو يتولى جمع المبالغ ، والصدقات ، وزكاة الأموال ، وتلقي التبرعات العينية ، والأطعمة ، والأشربة ، وما إلى ذلك ، ثم يتولى توزيعها ، هو وبعض زملائه ، وهو يتقاضى حوالي 150 جنيهاً من الجمعية الشرعية ، وحوالي 250 أو 300 جنيهاً من وظيفة الأوقاف ، يعني إجمالي 450 جنيهاً ، أو لنقل 500 جنيهاً على الأكثر من الوظيفتين .

وقد ارتبط ، وتزوج في وقت قياسي ، واستأجر شقة بحوالي 200 جنيه شهريّاً ، وينفق بشكل ملفت جدّاً ، حتى إنه بدأ يبدل ويغير في تجهيزات بيته قبل مرور عام على زواجه ، ويشتري لأهله كثيراً من اللبس ، ويساعد أمه وأخاه المتزوج حديثاً ، ولا يتحرك إلا بسيارات مخصوصة ( تاكسي ) بحوالي 10 جنيهات يوميّاً ( إجمالي 300 جنيه شهريّاً ) ولا تمر أي ضائقة بأي شخص من أفراد الأسرة إلا وتجده ينفق ويساهم بالمال في حل المشكلة ، ولديه جهازا كمبيوتر اشتراهما بعد زواجه ، وهو للعلم ملتحٍ ، ويقول : إنه يطلب العلم الشرعي ، حتى إنه اعترف لأخته ( زوجتي ) أن أحد المحسنين أعطاه 2000 ( ألفا ) جنيه كإعانة له على طلب العلم ، فاشترى لزوجته بها ذهباً ، وأنا وزوجتي وأمه نعهد عليه كذباً كثيراً في معظم كلامه ، ويدعي أنه تعريض ، ويتذرع بقصة دائماً ما يكررها عن الإمام أحمد رحمه الله ، وأنا بحسي لم أعهد عليه أي علم حصله حتى إنه لا يحفظ جزءً واحداً من كتاب الله تعالى ، ولا يحافظ على أداء الصلوات في جماعة ، وكل ما يذكره من أمور أو فتاوى يكون قد سمعها في خطبة ، أو موعظة لأحد الشيوخ ، ولديه مكتبة عامرة بأمهات الكتب آخرها ” سير أعلام النبلاء ” للذهبي ، ولكنه لم يفتح منها كتاباً وحداً ، ويتذرع بعدم وجود وقت لديه للقراءة ، وقد صرح لزوجتي قبل ذلك أن لأهل العلم رأياً يجيز أخذ زكاة المال كلها ، ناهيك عن حصوله على نصيبه من أي صدقات في صورة لحوم ، أو حبوب لبيته ؛ لأنه من العاملين عليها ! هو يعلم أنني غير مرتاح لمستوى مصاريفه مقارنة بمستوى دخله المعلوم بوضوح ، وأنني مرتاب من ذلك ، بل وعرض على أخته – زوجتي – أن ترد الهدايا إن كنت أنا لا أرتاح .

السؤال هو :

أنه في بعض الأحيان يهدي أخته ( زوجتي ) بعض الهدايا ككتاب ، أو حلوى ، أو فاكهة ، وكذا يعطي أولادي في صورة لعب أطفال ، أو عيدية في العيد ، أو في صورة فسحة ، وأنا بنسبة 70 أو 80 في المائة أشك في أنه يستحل ما لا يستحق ، وقد نوهت لزوجتي بذلك ، وصرحت لها بأنني أخشى أن نكون ممن يشاركونه في الإثم إن كان آثما ، وأنا أخاف من هداياه وعطاياه ، وفي نفس الوقت لو رفضنا ستكون قطيعة بيننا وبينه ، ولكني بالطبع لن أخشى في الله لومه لائم ، وليكن ما يكون ولكن بعد أن تفتنا في هذا الأمر ، هل يجوز لنا أن نرفض هداياه وعطاياه حتى لو كانت ستقطعه عنَّا وتقطعنا عنه ؟ وهل يجوز لزوجتي أن تقبل هي حتى لا تقطع رحمها وأنا وأولادي لا نقبل ؟ بمعنى أن تقبلها منه وتتصدق بها أو تنتفع هي بها دوناً عني وعن أولادي ؟ أنا آسف على الإطالة ، ولكن كان لا بد من التبيان حتى تكون الفتوى عن بينة .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

ليس الأصل في المسلم التهمة ، بل هو على البراءة ، حتى يثبت عليه ما يدينه ، وليس من أخلاق المسلمين تتبع الناس لمعرفة المخفي من أمورهم ، ولذا نهينا عن إساءة الظن بالمسلمين ، كما نهينا عن التجسس ، ونهينا عن تتبع عوراتهم كذلك .

نعم ، ليس كل الظن سيئاً ، لكننا أُمرنا باجتناب الكثير منه ، وهو ما بني على غير قرائن قوية ، وحقائق دامغة ، تدين صاحبها ، وهذا أول ما ينبغي التنبيه عليه في الجواب .

قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) الحجرات/ 12 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين ؛ فـ ( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) وذلك كالظن الخالي من الحقيقة ، والقرينة ، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال ، والأفعال المحرمة ، فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك ، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي ، ويفعل ما لا ينبغي ، وفي ذلك أيضاً : إساءة الظن بالمسلم ، وبغضه ، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه .

( وَلا تَجَسَّسُوا ) أي : لا تفتشوا عن عورات المسلمين ، ولا تتبعوها ، واتركوا المسلم على حاله ، واستعملوا التغافل عن أحواله التي إذا فتشت : ظهر منها ما لا ينبغي . ” تفسير السعدي ” ( ص 801 ) .

وإن ما تذكره عن شقيق زوجتك ليس أمراً عاديّاً طبيعيّاً ، لكن ما يذكره هو محتمل التصديق ، وهو ما يفعله بعض أهل الخير قديما وحديثاً مع طلاب العلم ، والعاملين لخدمة الإسلام ، من تخصيص رواتب شهرية لهم ، أو إعطائهم مكافآت وهدايا دورية ، والتفتيش عن مثل الأمور يولِّد العداوة والبغضاء ، كما قد يكون الدافع له – وحاشاك من ذلك – الحسد الذي يأكل بعض القلوب المريضة إذا رأى غيره على حال أحسن منه – ولسنا نعني بالطبع شقيق زوجتك ، بل كلامنا هو على وجه العموم – .

وأبلغ من ذلك : ما رواه البخاري ( 4946 ) ، ومسلم ( 715 ) – واللفظ له – عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ َقال : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ ) .

قال النووي – رحمه الله – :

( يطرق أهله ليلا يتخونهم ) فهو بفتح اللام وإسكان الياء أي : في الليل , ( والطروق ) بضم الطاء هو الإتيان في الليل , وكل آت في الليل فهو طارق .

ومعنى ( يتخونهم ) : يظن خيانتهم , ويكشف أستارهم , ويكشف هل خانوا أم لا ؟ .

” شرح مسلم ” ( 13 / 71 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن بالمسلم .

” فتح الباري ” ( 90 / 341 ) .

وقال الصنعاني – رحمه الله – :

وفي الحديث : الحث على البعد عن تتبع عورات الأهل ، والحث على ما يجلب التودّد والتحاب بين الزوجين ، وعدم التعرض لما يوجب سوء الظنّ بالأهل ، وبغيرهم أولى . ” سبل السلام ” ( 3 / 269 ، 270 ) .

وأنت تذكر أن النسبة عندك في اتهماه لا تتجاوز ال 80 :% ! وهذا يعني أنه لا أدلة ولا براهين عندك على أخذه ما لا يحل له من أموال الناس ، فدع ذلك للإدارة المسئولة عن توظيفه في القيام على التبرعات والصدقات ، وهم يرون ويعلمون ما تراه وتعلمه من حاله ، فهو يظهر ذلك ، ولا يخفيه ، ودع ذلك لتقواه ودينه ، ويوشك آخذ مال الحرام ، والظالم لغيره في الحقوق أن يكون عبرة للناس بما يعاقبه به ربه تعالى .

ثانياً:

وأما بخصوصه هو ، ومن هو على مثل حاله : فالوصية أولاً لهم بتقوى الله تعالى ، ومراقبته عز وجل ، والحذر من الاستيلاء على أموال الناس بغير وجه حق ، وبخاصة إن كان المال ليتيم ، أو مريض ، أو ضعيف ، وبخاصة أيضاً إن كان يستعمل مظهره الإسلامي لكسب ثقة الناس للاستيلاء على أموالهم ، فهذا مما يزيد في الإثم ، والعقوبة .

والوصية لهم ثانياً : أن لا يفتحوا على أنفسهم باب التأويل الفاسد ، فإننا قد رأينا من يستحل أخذ مال التبرعات والصدقات بتأويل فاسد لا أصل له في الشرع ، فمثل هذا المسئول عنه موظف ، يأخذ راتبه من الجمعية الشرعية الخيرية ، فليس له أخذ فلس واحد زيادة عليه ، وليس له أن يتأول أنه من ” العاملين عليها ” الوارد ذِكرهم في مصارف الزكاة في قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ) التوبة/  60 ؛ لأنه يأخذ راتباً على عمله من جهة ، ومن جهة أخرى : فقد لا يكون هو أصلا منهم ، إن كان يُعطى المال لإيصاله للجمعية الخيرية ، فهو هنا مستأمن على هذا المال ، والواجب عليه إيصاله ، وأداء الأمانة على وجهها ، ولا يحل له منه شيء .

فالواجب على من تولى جمع المال من أهل الخير لفقراء واليتامى وغيرهم : أن يتقي الله تعالى في تلك الأموال ، وأن يحرص أشد الحرص على أدائها لأهلها ، وأن يدع عنه التأويل الباطل ، والتعلق بالدنيا الذي يجعله يستولي على ما لا يحل له من مال ، أو طعام ، أو أغراض ، وليعلم أن عقوبة الله قريبة ، وإذا كان الله تعالى أمهله : فإنه لم يهمله .

ثالثاً:

ولذا فإننا نرى معاملة هذا الرجل على البراءة ، وأنه قد يوجد عنده من مصادر الدخل الحلال غير ما تعرفه أنت ، ولا يريد إظهارها لحاجة في نفسه ، ونرى جواز قبول زوجتك وأبنائك لهداياه ، وإن شئت الورع : فباب الورع واسع ، ولك أن تتورع عن ماله بالتصدق به في وجوه الخير إن كان عدم قبولكم للهدايا والصدقات قد يسبب قطيعة بينكم وبينه ، فهو شقيق زوجته ، وخال أولادك .

ولا يكون الحكم تحريم قبول هدية منه ، من مال ، أو طعام ، أو غيره : إلا بأن يُجزم باليقين أن عين هذا المال أو الطعام مأخوذ بغير وجه حق من تلك الجمعية ، أو من بعض أهل الخير طلب إيصال المال لتلك الجمعية ، فاستولى عليها هو .

قال علماء اللجنة الدائمة :

إن عرفتَ أن ما أُعطي لك هدية ، أو قدم لك طعاماً لتأكل منه : حرام بعينه : فلا تأكل منه ، ولا تقبله هدية ، وكذا الحكم إن كان كل كسبهم حراماً .

الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن قعود .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 329 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

أما ما حُرِّم لعينه : فهو حرام ، على الآخذ ، وغيره ، فالخمر – مثلاً – : لو أهداه إليَّ يهودي – مثلاً – أو نصراني ممن يرون إباحة الخمر ، فهل يجوز لي قبوله ؟ لا ؛ لأنه حرام عليَّ بعينه ، وإنسان سرق مال شخص ، وجاء إليَّ فأعطاني إياه ، هذا المال المسروق يحرم أم لا يحرم ؟ يحرم ؛ لأن هذا المال بعينه حرام .

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 2 / السؤال رقم 58 ) .

ونسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الحسد ، وأعمالنا من المعاصي ، وأموالنا من الحرام والشبهات ، وأن يوفقنا لما فيه رضاه .

 

والله أعلم.

هل يجوز تغطية الرأس بمظلة أثناء الحج لتحمي الجسم من أشعة الشمس؟

السؤال : هل يجوز تغطية الرأس بمظلة أثناء الحج لتحمي الجسم من أشعة الشمس ؟ هذه المظلة يمكن أن توضع على الكتف وتكون اليدان طليقتان .
ج3268
الحمد لله
اعلم – رحمك الله – أن من محظورات الحج للرجال تغطية الرأس ، و اعلم أن كشفه واجب.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : ” قام رجل فقال يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام فقال النبي صلى عليه وسلم لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ” .
رواه البخاري (1468 ) ومسلم ( 1177 ) .
فالحديث واضح في تحريم لبس العمائم و هي أغطية الرؤوس و البرانس وهي أغطية تكون متصلة بالثوب أو القميص كلباس بعض إخواننا في بلاد المغرب العربي .
و قد جعلها الإمام ابن القيم مراتب ثلاث ، يقول :
أن المحرم ممنوع من تغطية الرأس ، و المراتب فيه ثلاث: ممنوع منه بالاتفاق ، و جائز بالاتفاق ، ومختلف فيه .
فالأول : كل متصل ملامس يراد لستر الرأس كالعمامة و القبعة و الطاقية و الخوذة و غيرها.
و الثاني : كالخيمة و البيت و الشجرة و نحوها و قد صح عن النبي صلى عليه وسلم أنه ضربت له قبة بنمرة و هو محرم 00000000
و الثالث : كالمحمل و المحارة و الهودج ، فيه ثلاثة أقوال : الجواز و هو قول الشافعي و أبي حنيفة رحمهما الله ، و الثاني : المنع فإن فعل افتدى و هو مذهب مالك رحمه الله ، والثالث : المنع فإن فعل فلا فدية عليه .
والثلاثة روايات عن أحمد رحمه الله .
” زاد المعاد ” ( 2/225 ) .
و المحمل : هو ما يتخذه الراكب على بعيره يستظل به من الشمس و غيرها .
و المحارة و الهودج : مثله وهو معروف .
وقال الشيخ ابن عثيمين :
و ستر الرأس أقسام :
القسم الأول : جائز بالنص و الإجماع مثل أن يضع الإنسان على رأسه لبداً أن يلبده بشيء كالحناء مثلاً أو العسل أو الصمغ لكي يهبط الشعر .
ودليله : ما في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه : “رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يهل ملبداً “البخاري ، أي : واضعاً شيئاً يلبد شعره .
القسم الثاني : أن يغطيه بما لا يقصد ب به التغطية والستر ولا يستر غالباً.
القسم الثالث : أن يستره بما يلبس عادة على الرأس مثل الطاقية والشماغ والعمامة فهذه حرام بالنص .
القسم الرابع : أن يغطى بما لا يعد لبساً لكنه ملاصقاً و يقصد به التغطية فلا يجوز و دليله قوله صلى الله عليه و سلم : لا تخمروا رأسه .
القسم الخامس : أن يظلل رأسه بتابع له كالشمسية و السيارة و محمل البعير وما أشبهه ، فهذا محل خلاف بين العلماء فمنهم من أجازه و هو الصحيح ومنهم من منعه .
القسم السادس : أن يستظل بمنفصل عنه غير تابع كالاستظلال بالخيمة و ثوب يضعه على شجرة أو ما أشبهه . فهذا جائز و لا بأس به و قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم : ” ضربت له قبة بنمرة فبقي فيها حتى زالت الشمس في عرفة ” ، رواه مسلم .
فإن قال قائل : التظليل بالشمسية و نحوها أليس ستراً ؟
الجواب : ليس ستراً لأن الذي يمشي إلى جنبك يرى كل رأسك و النبي صلى الله عليه و سلم كان يقود به أسامة وكان الفضل رديف النبي صلى الله عليه وسلم في دفعه من مزدلفة إلى منى ، وكان بلال و أسامة أحدهما يقود به البعير و الثاني واضع ثوبه على رأسه حتى رمى جمرة العقبة ” ، رواه مسلم .
أي يظلله به وهذا كالشمسية تماماً ، انتهى كلام الشيخ
” الشرح الممتع ” ( 7 / 141 – 143 ) .
و لا يضر وضع المظلة على الأكتاف إذ ليس ثم دليل ينهى عن ذلك .

و الله أعلم .

يستشكل السائل: هل الحجر الأسود في السماء؟

السؤال:

كنت أقرأ كتابا عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم, وذكر الكاتب أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي حكم في مسألة وضع الحجر الأسود في الكعبة.  والآن، سمعت أن حجرا أسودا  موجود في السماء أعلى الكعبة, فهل هو الحجر ذاته الذي ساعد الرسول عليه السلام في وضعه في مكانه؟  وإذا كان ذلك صوابا, فكيف وجدت الحاجة لوضع الحجر في موضعه, والحجر مرفوع في السماء؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. الحجر الأسود نزل من السماء من الجنة ونزل أشد بياضاً من الثلج ولكن ذنوب وخطايا بني آدم استحالته أسود .

عن ابن عباس قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ”  نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم ” . رواه الترمذي ( 877 ) وصححه ، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6756 ) .

 

  1. أما قصة وضع الحجر الأسود في مكانه الذي عليه الآن :

عن مجاهد عن مولاه أنه حدثه  : ” أنه كان فيمن يبني الكعبة في الجاهلية فذكر اختلافهم في وضع الحجر الأسود قال : اجعلوا بينكم حكماً قالوا : أول رجل يطلع من الفج فجاء النبي  صلى الله عليه وسلم  فقالوا : أتاكم الأمين فذكر الحديث “.  رواه أحمد ( 15543 ) . والحديث : رواه الحاكم ( 3 / 458 ) وصححه وأقره الذهبي .

وعن علي بن أبي طالب في بناء الكعبة قال : ”  لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم  قد دخل قالوا قد جاء الأمين ” . رواه أبو داود الطيالسي ( 18 ) . وصححه الحاكم ( 1 / 458 ) ووافقه الذهبي .

 

  1. أما أن الحجر بين السماء والأرض فهذا مما لم نسمع به من قبل وليس فيه شيء صحيح فيما نعلم .

 

والله أعلم.

 

هل يجب عليه الحج من منزله أم يجوز من منزل والدته؟

هل يجب أن يتوجه الإنسان للحج من منزله أم من منزل أمه ؟ وهل يجب أن يعود الإنسان إلى منزله ثم يتوجه للحج ؟
الحمد لله
أولاً :
يفهم السؤال من أحد وجهين :
1- هل يجب على المسلم أن يحرم للحج من بيته – أي من بلده – :
فالجواب : أن السنة وردت أن يحرم المسلم من الميقات حيث وقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا ينبغي للمسلم أن يحرم من بيته – أي بلده – ، وقد كرهه جمهور العلماء ، وقد سأل الإمام مالكاً رجلٌ من أين أحرم ؟ فقال : من المسجد – أي : الميقات – مِن حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرجل : إني أريد أن أحرم من بيتي ! فقال له الإمام مالك : لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة ، فقال الرجل : وأي فتنة ؟ إنما هي بعض أميال أزيدها ! فقال له الإمام مالك : وأي فتنة أعظم أن تظن أنك هديت إلى سنة لم يسبق إليها رسول الله ، يقول تعالى :{ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور / 63 ] ، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة وهي مسألة الإحرام قبل الميقات :
فذهب الأحناف إلى أن الأفضل أن يحرم من بلده .
وذهب جمهور العلماء إلى أن الأفضل أن يحرم المسلم من الميقات كما تقدم عن الإمام مالك ، وإنكاره على من أحرم قبل الميقات ، ولكن اتفقوا على أنه مَن أحرم من بلده : انعقد إحرامه .
واستدل الجمهور بعدة آثار وردت عن الصحابة منها : ما علقه البخاري في صحيحه من قوله : كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان ” .
وكذلك ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
انظر ” المغني ” لابن قدامة ( 3 / 188 ) .
والكراهة في عرف المتقدمين التحريم .
ولا شك أن قول الجمهور هو الأصوب والموافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم .
2- وردت السنة أن يحرم المسلم من المواقيت التي وقَّتها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم ، هنَّ لهنَّ ، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة .
رواه البخاري ( 1529 ) ومسلم ( 1181 ) .
فدل هذا الحديث أن الآفاقي يحرم من حيث وقَّت له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي ميقات مر عليه ، وأما من كان منزله دون الميقات : فإنه يحرم من بيته ، وأما أهل مكة فالصحيح أنه يجب عليهم إذا أرادوا العمرة الخروج للحلِّ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بالخروج للحل لما أرادت العمرة بعد الانتهاء من الحج .
ثانياً :
إذا كان المسلم دخل مكة للحج واعتمر ثم يوم التروية – وهو يوم الثامن من ذي الحجة – أراد أن يحرم للحج بالذهاب إلى منى – وهو الوجه الثاني للسؤال – فهل يجوز له أن يحرم من سكنه أو من منزل أمه كما ذكر السائل ؟
فالجواب : نعم يجوز للمسلم الذي يريد أن يتوجه إلى منى أن يحرم من حيث شاء من منزله أو منزل أمه أو من المسجد أو من الحمامات العامة ولا فرق في ذلك وهو السنة ولا يشرع له الرجوع إلى الميقات للإحرام من هناك ، ففي حديث جابر الطويل في الحج قال: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر ” .
رواه مسلم ( 1218 ) .
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن متعة الحج فقال : أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلَّد الهدي ” ، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال : ” مَن قلَّد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ” ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك ……”.
رواه البخاري ( 1572 ) .
والشاهد من الحديثين : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم التروية أن يحرموا من حيث شاؤوا ولم يحدده من مكان وهذه هي السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

والله أعلم

هل الحج يكفر حتى ترك الصلاة؟

الحج عن الغير, هل يغفر ذنوب الذي لم يحج وبخاصة ذنب ترك الصلاة.سواء كان الذي لم يحج أوصى بذلك أو لم يوص. وهل يغفر ذنب الذي يحج عن نفسه وبخاصة ذنب ترك الصلاة؟. نرجو منكم إجابتنا مع الأدلة ورأي العلماء في ذلك.
الحمد لله
أولاً :
قولك في مرتين (خاصة ذنب ترك الصلاة ) فهو تركيز منك على أن الصلاة تركها ذنبه عظيم عند الله وهو كذلك ، فقد أجمع الصحابة على كفر تارك الصلاة ، وذهب قوم إلى أن تارك الصلاة ليس بكافر ، ولكن الصحيح أن تارك الصلاة كافر مرتد .
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ” .
رواه الترمذي ( 2545 ) والنسائي ( 459 ) وابن ماجة ( 1069 ) .
قال الوادياشي :
رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ولا نعرف له علة
” تحفة المحتاج ” ( 1 / 575 ) .
وعن أبي سفيان قال : سمعت جابراً يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ” .
رواه مسلم ( 116 ) .
فعليه ذهب عامة الصحابة إلى تكفير تارك الصلاة ، ومن السلف : عبد الله بن شقيق ، وإبراهيم النخعي ، وإسحاق بن راهويه ، وأحمد بن حنبل ، وعبد الله بن المبارك ، والحكم بن عتيبة … وغيرهم .
وهي أول ما يسأل عنه المرء يوم القيامة ، فإن صلحت : صلح عمله كله ، وإن فسدت : فسد عمله كله .
ولكن سواء أكان تارك الصلاة كافراً أو غير كافر فإنه بالتوبة أصبح من المسلمين ، فإن تاب وحجَّ نرجو أن تكون ذنوبه كله مغفورة إلا ما كان من حق العباد .
وإن كان تارك الصلاة غير كافر – على مذهب العلماء الآخرين – : فإن الله تعالى يغفر للحاج الذي يحج حجاً مبروراً .
عن أبي هريرة : ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل ؟ فقال : الإيمان بالله ورسوله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور ” .
رواه البخاري ( 26 ) ومسلم ( 83 ) .
والحج المبرور معناه :
1- أن يكون من مالٍ حلال .
2- أن يبتعد عن الفسق الإثم والجدال فيه .
3- أن يأتي بالمناسك وفق السنة النبوية .
4- أن لا يرائي بحجه ،بل يخلص فيه لربه .
5- أن لا يعقبه بمعصية أو إثم .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ” .
رواه البخاري ( 1449 ) ومسلم ( 1350 ) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ” .
رواه البخاري ( 1683 ) ومسلم ( 1349 ) .
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” … وأن الحج يهدم ما كان قبله ” .
رواه مسلم ( 121 ) .
فإن حج المسلم حجاً لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيه ، وجاء بما أوجبه الله عليه ، ولم يقترف بحجه المحرمات : فعسى أن يكون هذا الحاج ممن حج حجاً تغفر له ذنوبه عند الله كلها إلا الحقوق التي للعباد ، فإن الله تعالى لا يغفرها حتى يُرجع للناس ما عليه من الحقوق المادية والعينية كالأمانة والرهن والدين وما أشبه ذلك ؛ وذلك لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها .
قال ابن حجر :
قوله : ” رجع كيوم ولدته أمه ” : أي بغير ذنب ، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك ، وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري .
قال الطيبي : الفاء في قوله ” فلم يرفث ” : معطوف على الشرط ، وجوابه : رجع ، أي : صار ، والجار والمجرور : خبر له ، ويجوز أن يكون حالا ، أي : صار مشابها لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه ا.هـ وقد وقع في رواية الدارقطني المذكورة : ” رجع كهيئته يوم ولدته أمه ” .
وقال في موضع آخر :
وقوله : ” كما ولدته أمه ” ، أي : عاريا من الذنوب ، وللترمذي من طريق ابن عيينة عن منصور : ” غفر له ما تقدم من ذنبه ” .
” فتح الباري” ( 4 / 20 ) .
ثانياً :
أما الحج عن الغير ففيه أقوال :
1. قال بعضهم : يجب الحج عن الميت أوصى بذلك أو لم يوص لأن الحج حق مادي كما أنه حق شرعي وإذا مات المسلم وجب على ورثته رد الحقوق المادية إلى أصحابها والحج أحدها، مستدلين بأحاديث نذكر منها هذا الحديث :
عن ابن عباس رضي الله عنهما : ” أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال : نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ” .
رواه البخاري ( 1754 ) .

ودل على وجوب التحجيج عن الميت سواء أوصى أم لم يوص ؛ لأن الدين يجب قضاؤه مطلقا ، وكذا سائر الحقوق المالية من كفارة ونحوها ، وإلى هذا ذهب ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي
” سبل السلام ” ( 2 / 182 ) .
2. وقال آخرون : يستحب الحج عن الغير ولا يجب :
قال القرطبي :
وقال ابن حبيب : جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا منهض له ولم يحج وعمن مات ولم يحج وأن يحج عنه ولده وإن لم يوص به ويجزئه إن شاء الله تعالى .
” تفسير القرطبي ” ( 4 / 152 ) .
وقال القرطبي – أيضاً – :
” أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم ” ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوعات وإيصال البر والخيرات للأموات ، ألا ترى أنه قد شبه فعل الحج بالديْن ، وبالإجماع لو مات ميت وعليه دين : لم يجب على وليه قضاؤه من ماله ، فإن تطوع بذلك تأدى الدين عنه ، ومن الدليل على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض على أبيها ما صرحت به هذه المرأة بقولها ” لا يستطيع ” ومن لا يستطيع لا يجب عليه ، وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة ، فلا يجوز
” تفسير القرطبي ” ( 4 / 152 ) .
ويشير القرطبي إلى رواية حديث الخثعمية وفيه : ” إن أبي لا يستطيع أن يقوم على الراحلة أفحج عنه ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم .
والحديث في الصحيحين .
3. وقال بعضهم : لا يحج أحد عن أحد أوصى أو لم يوص :
قال ابن حجر :
فروى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عمر بإسناد صحيح : لا يحج أحدٌ عن أحدٍ ، ونحوه عن مالك والليث ، وعن مالك أيضا : إن أوصى بذلك : فليحج عنه ، وإلا فلا .
” فتح الباري ” ( 4 / 66 ) .
وفسَّر بعض العلماء معنى كلام الإمام مالك أنه لا يحج أحد عن أحد أي : أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه .
قال الشنقيطي :
واعلم أن ما اشتهر عن مالك مِن أنه يقول : لا يحج أحدٌ عن أحدٍ معناه عنده : أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض ، والمعضوب عنده ليس بقادر ، وأحرى الميت ، فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلا بوصية …
” أضواء البيان ” ( 5 / 104 ، 105 ) .
4. وقال بعضهم : يحج عنه إن أوصى ، وإن لم يوص فلا يحج ، وهو قول مالك كما قال ابن حجر فيما نقلناه عنه سابقاً .
5. وقال بعضهم : لا يحج عنه إن فرط في الحج في حياته .
قال القرطبي :
ولهذا قال علماؤنا : أن من مات ولم يحج وهو قادر ، فالوعيد يتوجه عليه ولا يجزئ أن يحج عنه غيره لأن حج الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد والله أعلم .
وقال سعيد بن جبير : لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه .
” تفسير القرطبي ” ( 4 / 154 ) .
والوعيد المشار إليه في كلام القرطبي هو : قوله تعالى { ومن كفر فإن الله غنيٌّ عن العالمين } .
6. وقال بعضهم : يجوز الحج عن الميت وإن فرط بالحج .
قال ابن حجر :
وقال ابن العربي : حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أن ليس للإنسان إلا ما سعى رفقاً من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقا .
” فتح الباري ” ( 4 / 70 ) .
فقوله : ” باستدراك ما فرط فيه المرء ” يدل على أن المفرط في الحج يجوز الحج عنه .
والصحيح من الأقوال هذه – والله تعالى أعلم – هو : جواز الحج عن الميت أوصى بذلك أم لم يوص ، ولو كان مفرطاً .
قال الشنقيطي رحمه الله :
وقد قدَّمنا أن الأظهر عندنا وجوب الحج فوراً ، وعليه فلو فرَّط وهو قادر على الحج حتى مات مفرِّطاً مع القدرة : أنه يُحجُّ عنه من رأس ماله إن ترك مالاً ؛ لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته ، فكانت ديْناً عليه ، وقضاء ديْن الله : صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث قال : ” فدَيِْن الله أحق أن يُقضى ” .
أما من عاجله الموت قبل التمكن : فمات غير مفرِّط : فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه ولا دَيْن لله عليه ؛ لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته ، ولن يكلف الله نفساً إلا وسعها .
” أضواء البيان ” ( 5 / 104 ) .
ومن فتاوى اللجنة الدائمة :
إذا مات المسلم ولم يقض فريضة الحج وهو مستكمل لشروط وجوب الحج : وجب أن يُحجَّ عنه من ماله الذي خلَّفه سواء أوصى بذلك أم لم يوص .
وإذا حجَّ عنه غيره ممن يصح منه الحج وكان قد أدى فريضة الحج عن نفسه : صحَّ حجه عنه وأجزأ في سقوط الفرض عنه .
عبد العزيز بن باز ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد الله بن غديان ، عبد الله بن قعود
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 100 ) .
ثالثاً :
أما هل يحصل غفران الذنوب للحاج أم المحجوج عنه ؟ : فالصحيح أن الأجر يقع لهما لعموم قوله : ” من حج ” فلم يبين أنه حج عن نفسه أو عن غيره .
قال الإمام ابن حزم :
عن داود أنه قال : قلت لسعيد بن المسيب : يا أبا محمد لأيهما الأجر أللحاج أم للمحجوج عنه ؟ فقال سعيد : إن الله تعالى واسع لهما جميعا .
قال أبو محمد – يعني ابن حزم – : صدق سعيد رحمه الله .
” المحلى ” ( 7 / 61 ) .

والله أعلم

أداء من لا يستطيع الحج للعمرة

كنت أفكر في تقديم تذكرة سفر لأداء العمرة لأحد الأقارب. لكن أحد الأقارب قال: بما أن الحج ليس واجبا على هذا الشخص, فإنه لا يجب عليه أن يعتمر. وكنت أقصد أن الحج محدد الوقت (باليوم والشهر) بينما العمرة يمكن تأديتها في أي وقت من العام. وأن كون هذا الشخص لا يستطيع تأدية الحج, فإن ذلك لا يمنعه من تأدية مناسك العمرة. وإذا نظرنا إلى صيام رمضان, فإذا لم يتمكن الشخص من الصيام خلال الشهر لسبب مقبول شرعا, فإن ذلك لا يمنعه من صيام أي يوم آخر خلال أيام السنة, وإن كان ذلك صيام نافلة. هل صحيح أن الشخص إذا لم يتمكن من تأدية الفريضة, فإنه يجب عليه ألا يؤدي النافلة (من جنس ذلك العمل)؟ ما أعلمه هو أن هذا النقاش لا ينطبق على الصلاة لأنه لا يجوز للمسلم أن يُفوّت الفريضة ويؤدي نافلة فقط بدلا عنها, لكن بخصوص الحج والعمرة, فقد كانت أرى الموضوع يخالف ذلك. أرجو أن تجيب على سؤالي مستدلا بالقرآن والحديث ما أمكن ذلك.
وجزاك الله خيرا.
الحمد لله
لقد ورد إلينا هذا السؤال بنفس الصيغة والقصة ، وقد أجبنا عليه هناك ونزيد هنا قليلاً تتمة للجواب على آخر السؤال :
أولاً :
أخطأ من قال لك : إنه لا يجوز للرجل فعل العمرة قبل الحج ، كون هذا مما لا دليل عليه ، بل هو جائز ، فقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى ذلك إجماع العلماء .
والدليل على ذلك :
عن عكرمة بن خالد : سأل ابن عمر رضي الله عنهما عن العمرة قبل الحج ، فقال : لا بأس، قال عكرمة : قال ابن عمر : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج …”. رواه البخاري ( 1684 ).
عن أبي إسحاق قال : سألت مسروقاً وعطاء ومجاهداً فقالوا : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج ، وقال : سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما يقول : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين . رواه البخاري ( 1689 ) .
قال الشافعي :
أخبرنا مالك عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أنه قال : والله لأن أعتمر قبل أن أحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة ، فقلت للشافعي : فإنا نكره العمرة قبل الحج .
قال الشافعي : فقد كرهتم ما رويتم عن ابن عمر أنه أحبه منها ، وما رويتم عن عائشة أنها قالت :
” خرجنا مع رسول الله فمنَّا مَن أهلَّ بعمرة ، ومنَّا مَن جمع الحج والعمرة ، ومنَّا مَن أهلَّ بحج ” ، فلم كرهتم ما روي أنه فعل مع النبي صلى الله عليه وسلم وما ابن عمر استحسنه ؟ وما أذن الله فيه من التمتع ؟ إن هذا لسوء الاختيار والله المستعان . ” الأم ” ( 7 / 269 ) .
وقال ابن عبد البر :
وقد قال الله عز وجل : { وأتموا الحج والعمرة لله } [ البقرة / 196 ] ، فبدأ بالحج قبل العمرة وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل أن يحج . ” التمهيد ” ( 2 / 81 ) .
فهذا الذي قاله ابن عبد البر فيه نقل الإجماع عن العلماء ، بل قد قال أوضح من ذلك :
عن عبد الرحمن بن حرملة : أن رجلا سأل سعيد بن المسيب فقال : أعتمر قبل أن أحج ؟ فقال سعيد : نعم، قد اعتمر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يحج ” مالك في الموطأ – ( 768 ) – يتصل هذا الحديث من وجوه صحاح ، وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه كلهم يجيزون العمرة قبل الحج لمن شاء ، لا بأس بذلك عندهم ، وكلهم يقول : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم اعتمر قبل حجته . ” التمهيد ” ( 20 / 13 ) .
وقال النووي :
أجمع العلماء على جواز العمرة قبل الحج ، سواء حج في سنته أم لا ، وكذا الحج قبل العمرة واحتجوا له بحديث ابن عمر ” أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل أن يحج ” رواه البخاري ، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر قبل حجته ” ، وكان أصحابه في حجة الوداع أقساماً : منهم من اعتمر قبل الحج ، ومنهم من حج قبل العمرة كما سبق .
” المجموع ” ( 7 / 168 ) .
قلنا : لا دليل صحيح ينهى عن العمرة قبل الحج ، ولكن هناك حديث غير صحيح في المسألة، ولعل صاحبك الذي نهاك عن تقديم المساعدة للذي يريد العمرة قبل الحج قد استدل به وإليك الحديث وقول العلماء فيه :
عن سعيد بن المسيب : أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد عنده : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج ” . رواه أبو داود ( 1793 ) .
قال ابن حزم :
أما حديث ابن المسيب ففي غاية الوهي والسقوط ؛ لأنه مرسل عمن لم يسم ، وفيه أيضا ثلاثة مجهولون أبو عيسى الخراساني وعبد الله ابن القاسم وأبوه ففيه خمسة عيوب . ” حجة الوداع ” ( ص 485 ) .
وقال ابن قدامة :
فإن قيل : فقد روى أبو داود بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر فشهد عنده : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن العمرة قبل الحج ” ، قلنا : هذا حاله في مخالفة الكتاب والسنة والإجماع كحال حديث أبي ذر بل هو أدنى حالاً فإن في إسناده مقالاً . ” المغني ” ( 3 / 125 ) .
وقال الشوكاني :
وقال أبو سليمان الخطابي : في إسناد هذا الحديث مقال ، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته وجوز ذلك إجماع أهل العلم ولم يذكر فيه خلافا . انتهى .
” نيل الأوطار ” ( 5 / 58 ) .
ثانياً :
بالنسبة للتطوع قبل أداء الفرض من جنس العمل : فإن الصحيح هو الجواز إذا كان وقت الفريضة متسعاً ، فقضاء رمضان – مثلاً – يمكن قضاؤه خلال العام إلى آخر يومٍ من شعبان ، وعليه : فلا مانع من صيام بعض النوافل خلال العام ، وخاصة ما لا يمكن إداركه في غير يومها ، كصيام عرفة وعاشوراء ، وأما التطوع بلا سبب شرعي لتخصيصه قبل قضاء ما عليه من الصوم : فإن هذا مما لا يفعله عاقل ، ومن هنا قال أبو بكر رضي الله عنه : لا يقبل الله نافلة حتى تؤدى فريضة .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
… فهل يجوز أن يصوم قبل القضاء ، وهل يصح لو صام ؟
المذهب – أي : الحنبلي – : لا يصح التطوع قبل القضاء ، ويأثم .
وعلَّلوا : أن النافلة لا تؤدى قبل الفريضة .
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك ما لم يضق الوقت ، وقال : ما دام الوقت موسَّعاً فإنه يجوز أن يتنفل كما لو تنفل قبل أن يصلي ، فمثلاً : الظهر يدخل وقتها من الزوال وينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله ، فله أن يؤخرها إلى آخر الوقت ، وفي هذه المدة يجوز له أن يتنفل ؛ لأن الوقت موسَّع .
وهذا القول أظهر وأقرب إلى الصواب ، وأن صومه صحيح ، ولا يأثم ؛ لأن القياس فيه ظاهر .
… والجواب عن التعليل الذي ذكره الحنابلة أن نقول : الفريضة وقتها في هذا الحال موسَّع ، فلم يفرض عليَّ أن أفعلها الآن حتى أقول إنني تركت الفرض ، بل هذا فرض في الذمة وسَّع الله تعالى فيه ، فإذا صمت النفل فلا حرج … ” الشرح الممتع ” ( 6 / 448 ) .

والله أعلم

متى يذبح الحاج؟

إذا ذهب حاج لتأدية مناسك الحج, هل يجب عليه أن يذبح “قربانا”؟ وهل يذبح أيضا في بلده؟
الحمد لله
1. الحج له ثلاثة أنواع : الإفراد ، والتمتع ، والقِران .
عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب أن يُهلَّ بعمرة فليهل ، ومن أحب أن يهل بحجة فليهل ، ولولا أني أهديت لأهللت بعمرة فمنهم من أهل بعمرة ومنهم من أهل بحجة ، وكنت ممن أهل بعمرة فحضت قبل أن أدخل مكة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : دعي عمرتَك ، وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلِّي بالحج ، ففعلت ، فلما كانت ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأردفها فأهلت بعمرة مكان عمرتها فقضى الله حجها وعمرتها ، ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم .
رواه البخاري ( 1694 ) ومسلم ( 1211 ) .
2. وليس في الإفراد – وهو الحج وحده من غير عمرة قبله – ذبح .
3. وأما التمتع : ففيه ذبح ، وهو دم شكران ، يشكر فيها الحاج ربَّه تعالى على أن شرع له هذا النسك، وفيه يجمع الحاج بين العمرة والحج ، ويتحلل بينهما ويتمتع بالطيب واللباس والجماع .
عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله … رواه البخاري ( 1606 ) ومسلم ( 1227 ) .
4. وأما القِران : ففيه ذبح ، وهو ما يأتي به الحاج من بهيمة الأنعام – الغنم والبقر والإبل – من الحلِّ قبل أن يُحرم ، والفرق بين المتمتع والقارن : أن القارن لا يتحلل بعد الانتهاء من عمرته ، فيظل على إحرامه إلى حين الثامن من ذي الحجة وهو يوم دخوله في نية الحج .
وهذه صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تمنى أنه لم يسق الهدي ليجعلها عمرة ويتمتع .
عن حفصة رضي الله عنهم قالت : قلت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت ؟ قال : إني لبَّدت رأسي وقلَّدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج . رواه البخاري( 1610 ) ومسلم( 1229 ).
عن عروة أن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا ” . رواه البخاري ( 6802 ) ومسلم ( 1211 ) .
5. وكلا المتمتع والقارن يذبح يوم النحر ، وهو يوم العيد .
عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي … فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه .. . رواه البخاري ( 1606 ) ومسلم ( 1227 ) .
6. وليس على أحدٍ من الحجاج ذبحٌ في بلده ، إذ الذبح من المناسك ، وهو لا يكون إلا في مكة ، وحتى لو كان على الحاج ذبح لوقوعه في محظورات الحج فإنه لا يذبح في بلده بل يكون ذبحه في منى أو مكة .
قال عبد العظيم آبادي : ويجوز ذبح جميع الهدايا في أرض الحرم بالاتفاق ، إلا أن مِنى أفضل لدماء الحج، ومكة – لا سيما المروة – لدماء العمرة ، ولعل هذا وجه تخصيصهما بالذكر ، كذا في ” المرقاة ” .

والله أعلم

حكم لبس النقاب للمرأة أثناء الإحرام! تبيه مهم.

السؤال:

حججت واعتمرت في العام الماضي ، كنت أعلم أن النقاب لا يجوز ، ومع هذا فكان علي أن أتنقب لأنه كان كثير من الناس حولي وقت الحج ، قيل لي بأن ما فعلتُه كان خطأ وأنني كان من المفترض أن أغطي وجهي بشيء آخر ، ماذا يجب أن أفعل الآن لأصحح هذا الخطأ ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

لبس النقاب من محظورات الإحرام ، ويمكن للمرأة أن تغطي وجهها أمام الأجانب بعد الإحرام بشيء من الثياب تسدله من أعلى رأسها على وجهها .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قام رجل فقال يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم … ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ” . رواه البخاري ( 1741 ) .

قال ابن قدامة :

وجملة ذلك : أن المرأة  يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه ، لا نعلم في هذا خلافاً إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها ، ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة فلا يكون اختلافاً .

قال ابن المنذر : وكراهية البرقع ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة ، ولا نعلم أحداً خالف فيه ، وقد روى البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ” ، فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها ، روي ذلك عن عثمان وعائشة ، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ، ولا نعلم فيه خلافاً ، وذلك لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه ” رواه أبو داود والأثرم ؛ ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها ، فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة … المغني ” ( 3 / 154 ) .

وفِعل إحدى محظورات الإحرام عمداً لعذر : يوجب الفدية وهي : إما صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، أو ذبح شاة ، وليس عليه إثم لوجود العذر في فعله للمحظور .

 قال الشيخ ابن عثيمين :

وإذا فعل المُحرم شيئاً من المحظورات السابقة من الجماع أو قتلِ الصيد أو غيرهما فله ثلاث حالاتٍ :

الأولى : أن يكون ناسياً أو جاهلاً أو مُكرَهاً أو نائماً ، فلا شيء عليه ، لا إثم ولا فدية ولا فساد نسك ؛ لقوله تعالى : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَـنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَـفِرِينَ } ، وقوله : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } …

الثانية : أن يفعل المحظور عمداً لكن لِعُذرٍ يبيحُه ، فعليه ما يترتب على فعل المحظور ، ولا إثم عليه ؛ لقوله تعالى : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضري الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .

الثالثة : أن يفعل المحظور عَمداً بلا عُذرٍ يبيحه ، فعليه ما يترتب على فعله مع الإثم

” مناسك الحج والعمرة ” ( الفصل الخامس / محظورات الإحرام ) .

 

والله أعلم.