الرئيسية بلوق الصفحة 77

حكم توصيل خدمة الاتصالات والإنترنت للمطارات والمستشفيات والفنادق

حكم توصيل خدمة الاتصالات والإنترنت للمطارات والمستشفيات والفنادق

السؤال:

أنوي إنشاء خدمة إنترنت، واتصالات لاسلكية في بعض الأماكن، مثل: المستشفيات، والمطارات، ومحطات القطار، والباصات، والفنادق … الخ، ولكن قبل البدء في مثل هذا المشروع أريد أولًا أن أعرف حكم الشرع فيه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

 

تختلف خدمة الاتصالات اللاسلكية عن خدمة الإنترنت؛ وذلك لأن غالب استعمال الاتصالات إنما هو في المباح من الأعمال، وليس فيها ما يحذر منه مشغل مثل هذه الخدمة، وذلك بخلاف خدمة الإنترنت فإنها تعرض ما فيه مجال للتحذير منه، فالإنترنت يعرض المكتوب، والمسموع، والمرئي، من كل شيء غث وسمين، كفر وإسلام، معصية وطاعة، ومن علم حقيقة المواقع التي تظهر في الإنترنت ظهر له الكم الهائل من الصفحات والمواقع والبرامج التي تعلن الكفر، والمعاصي، والآثام، وأن الخير الذي فيها قليل بالنسبة للشر الذي تحويه.

ولذا فإن القول بحكم إنشاء خدمة الاتصالات اللاسلكية: هو الجواز، وأما حكم إنشاء خدمة الإنترنت: فمن حيث العموم نقول: إن الحكم يختلف باختلاف استعمال المستخدم المستفيد من هذه الخدمة، وهم على أحوال:

  1. أن يُعلم – قطعًا، أو غالبًا – أنهم يستخدمون هذه الشبكة العالمية في النافع، والمباح: فيجوز توصيل هذه الخدمة لهم.
  2. أن يُعلم – قطعًا أو غالبًا – أنهم يستخدمون هذه الشبكة العالمية في المحرمات، كالبنوك، ومقاهي الإنترنت: فلا يجوز توصيل هذه الخدمة لهم؛ لما فيها من التعاون على الإثم.
  3. أن يستوي الأمر عند المستخدمين لها، أو لا يُعلم كيف يستخدمونها: فهنا يُنظر إلى الغالب من استعمال من يُراد توصيل تلك الخدمة لهم، فإن كان الغالب على استعمالهم النفع المباح: جاز توصيل الخدمة لهم، وإن كان الغالب على استعمالهم الضار المحرم: حرم توصيل الشبكة لهم.

 

 

* وبالتأمل فيما ذكره الأخ السائل:

– لا نرى مانعاً من توصيل الخدمة لكل من الأماكن التالية: ( المستشفيات، والمطارات، ومحطات القطار، والباصات، ونحوها ).

– ونرى المنع في توصيلها: للفنادق، ونحوها.

 

والذي دعانا لهذا التفريق: الفرق في استعمال مريدي تلك الأماكن، واختلاف طبيعتها، فالأماكن الأولى هي أماكن خِدمية، ولا يتمكن المتصفح فيها من رؤية المواقع الشاذة المحرمة بسهولة ؛ لوجود كثيرين حوله يشاهدونه، والحرص في تلك الأماكن يكون – عادة – على الأعمال المتعلقة بالحياة؛ لأن تلك الأماكن أماكن عمل، وحركة، وهذا بخلاف الفنادق، والشقق المفروشة؛ فإنها أماكن يخلو بها المستخدم مع نفسه، وعادة ما يكون هؤلاء من أهل السياحة المحرمة، والذين يشبعون رغباتهم المحرمة في أماكن بعيدة عن مجتمعاتهم، ورقابة من يعرفونه من أهلهم وأقربائهم.

 

ومن أوجه التفريق بين الأمرين: اختلاف حكم العمل فيها، فبينما يجوز العمل فيما ذكرناه من الأماكن الأولى: نرى عدم جواز العمل في الفنادق، ونعني بها: الفنادق الكبيرة، التي تحتوي على مسابح مختلطة، وأماكن شرب الخمور، وتقدم الأطعمة المحرمة.

 

وقد ذكرنا في جواب سابق فتاوى لبعض أهل العلم في تحريم العمل في وظيفة حارس أمن في فندق فيه محرمات، وكذا في تحريم العمل في شقق وغرف مفروشة فيها محرمات – أيضًا – ، فلينظر.

 

والله أعلم.

مسائل متعددة بخصوص ” صندوق عائلة وقفي “

مسائل متعددة بخصوص ” صندوق عائلة وقفي ”

السؤال:

تعتزم عائلتنا المباركة على إنشاء صندوق وقف خيري قائم على الاستثمار، بحيث يتم جمع مبالغ تصرف على ( جميع الأنشطة التي تهدف إلى تعزيز صلة الرحم بين أفراد العائلة )، وذلك من العوائد المتوقعة من المشاريع الاستثمارية، بحيث يتم تنمية رأس المال، والاستفادة من الأرباح، دون التأثير على رأس المال المستثمَر، فيهدف إنشاء الوقف الخيري أن يقوم بتمويل نفسه من خلال استثمارات لرأس مال يتبرع به المحسنون من العائلة ( الأحياء والأموات ) للصرف على تحقيق أهداف الوقف، بحيث يكون العمل مؤسَّسي، قائم على مجموعة من الشباب يتم ترشيحهم من مجلس العائلة بمسمَّى ( مجلس الوقف ) بحيث يستهدف التالي:

  1. تحقيق التعارف، والتآلف، والترابط بين أفراد الأسرة.
  2. تنمية صلة القربى، وصلة الرحم، وتثبيت ودعم العادات، والتقاليد الحميدة، وغَرس قيَم التسامح، والإخاء في نفوس أفراد العائلة، وتعهد النشء، ورعاية الشباب، واحترام الكبير، وحماية المُسنّ.
  3. العمل على رفع المستويين الاجتماعي، والمعيشي لأفراد العائلة.
  4. العمل على حل مشاكل أفراد العائلة معنويًّا، وماديًّا بما يتناسب مع قدرات الوقف.
  5. رفع المستويات الثقافية، والتعليمية، والدينية لأطفال وشباب العائلة، من خلال توجيه اللجان المختصة.
  6. فتح فرص العمل أمام شباب العائلة، من خلال معارف العائلة، وقدرات مجلسها، بحيث تغطي كافة قطاعات العمل.
  7. تنمية المشاريع الاستثمارية الصغيرة للعائلة.

 

ففكرة عمل الوقف تقوم على استثمار المبلغ في مشاريع ذات عوائد جيدة، وخطورة قليلة، على أن يتم الصرف من الأرباح فيما يحقق أهداف الوقف أعلاه.

فنرجو منكم التكرم بالإفادة في جواز ذلك من عدمه.

أحسن الله لكم جزيل الأجر، والمثوبة.

 

 

 

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

  1. هذه الصناديق الأسرية التي تقوم على إنشائها الأسرة الكبيرة – القبيلة -، أو الأسرة الصغيرة – الفخذ -: كلها من العمل النافع الطيب، وهو من التعاون على البر والتقوى، ومن التقوي بالمسلمين بعضهم ببعض، وفيه التخلص مما وقع فيه كثيرون في مهاوي الردى بالأخذ للقروض الربوية، ويُرجى أن يكون في مثل هذه الصناديق أجور متعددة، وصرف لكثير من أسباب الإثم والسخط من الرب تعالى.

قال تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) المائدة/ 2.

وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ). رواه البخاري ( 467 ) ومسلم (2585).

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وهذا التشبيك من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كان لمصلحة وفائدة، لم يكن عبثًا؛ فإنه لمَّا شبَّه شدَّ المؤمنين بعضهم بعضًا بالبنيان: كان ذلك تشبيهًا بالقول، ثم أوضحه بالفعل، فشبَّك أصابعه بعضها في بعض؛ ليتأكد بذلك المثال الذي ضربه لهم بقوله، ويزداد بيانا وظهورًا .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 584 ).

وعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ: مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ: تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ). رواه البخاري ( 5665 ) ومسلم ( 2586 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين، بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم، والملاطفة، والتعاضد في غير إثمٍ، ولا مكروهٍ.

” شرح مسلم ” ( 16 / 139 ).

  1. وهذا الصندوق الوارد ذِكره في السؤال هو من الصناديق الوقفية، ومما لا شك فيه أن الشريعة حثَّت على الوقف، ورتبت عليه الأجور العظيمة، وهو المراد بالصدقة الجارية، والتي تجري أجورها على أهلها بعد موتهم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ). رواه مسلم ( 1631 ).

* قال النووي – رحمه الله -: قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف. ” شرح مسلم ” ( 11 / 85 ).

  1. والوقف يجوز في الأراضي، والعقارات.

* قال الماوردي – رحمه الله -:

يجوز وقف العقار، والدور، والأرض، والرقيق، والماشية، والسلاح، وكل عين تبقى بقاءً متصلًا ويمكن الانتفاع بها. ” الحاوي الكبير ” ( 9 / 316 ).

  1. ولا بأس في انتفاع من يشارك منكم في الصندوق الوقفي من ريع الوقف.

* قال ابن عابدين – رحمه الله -:

وجاز جعل الغلة كلها، أو بعضها لنفسه. ” حاشية ابن عابدين ” ( 4 / 384 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

إن الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق على نفسه: صح الوقف، والشرط، نص عليه أحمد. ” المغني ” ( 5 / 604 ) .

  1. ولا يشترط في الوقف أن يكون من شخص واحد، بل يجوز الاشتراك به من مجموعة.

* قال السرخسي – رحمه الله -:

وإذا كانت الأرض بين رجُلين، فتصدقا بها صدقة موقوفة على بعض الوجوه التي وصفناها ودفعاها إلى ولي يقوم بها: كان ذلك جائزًا.

” المبسوط ” ( 12 / 38 ).

  1. وما وضعتموه من شروط في الوقف، وأوجه منافعه: جاز لكم تغييره حسب المصلحة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وفاسد، كالشروط في سائر العقود، ومن قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع: فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف، لا في وجوب العمل بها …

وأما أن تُجعل نصوص الواقف، أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها: فهذا كفر باتفاق المسلمين. ” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 47 – 49 ).

  1. ولا يجوز أن يكون من ريع الوقف ما يُنفق على محرَّم، أو باطل.

فلا تُدفع من الأموال لمن اقترض بالربا، إلا إن ثبتت توبته بيقين، ولا في قضايا ارتكب أصحابها منكرات وآثام، كقضايا الخمور والمخدرات، بل عليكم جعل الريع من ذلك المال الوقفي في أوجه الخير المختلفة.

 

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

كل ما شُرط من العمل من الوقوف التي توقف على الأعمال: فلا بد أن تكون قربة، إما واجبًا؛ وإما مستحبًّا، وأما اشتراط عمل محرم: فلا يصح، باتفاق علماء المسلمين؛ بل وكذلك المكروه، وكذلك المباح، على الصحيح.

وقد اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح، وفاسد، كالشروط في سائر العقود. ” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 47 ).

* وقال – رحمه الله -:

لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشروط إن وافقت كتاب الله: كانت صحيحة، وإن خالفت كتاب الله: كانت باطلة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب على منبره وقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط ، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق )، وهذا الكلام حكمه ثابت، في البيع، والإجارة، والوقف، وغير ذلك، باتفاق الأئمة.

” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 48 ).

  1. لا زكاة في مال الصندوق الذي تسألون عنه؛ لأن المالَ مالُ وقف.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

قبيلة من القبائل كوَّنوا مبلغًا من المال، وجعلوا هذا المبلغ خاصًّا لما يجري على هذه القبيلة من الدم، ومشوا هذا المبلغ للتجارة، والربح الناتج عايد للدم أيضًا، فهل يجب بهذا المبلغ زكاة أم لا؟ وإذا لم يتاجر فيه هل عليه زكاة أم لا؟ وهل يحق للقبيلة نفسها أن تدفع فيه زكاة أموالها من النقدين؟.

فأجابوا:

إذا كان الواقع كما ذُكر: فلا زكاة في المال المذكور؛ لكونه في حكم الوقف، سواء كان مجمَّدًا، أو في تجارة تدار، ولا يجوز أن تُدفع فيه الزكاة؛ لكونه ليس مخصصًا للفقراء، ولا غيرهم، من مصارف الزكاة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 291، 292 ).

 

ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه الخير والنفع لكم، ونوصيكم بأن يكون في ” مجلس الوقف ” من أهل العلم الشرعي؛ حتى يدلونكم على الحلال النافع في الأعمال، ويجنبونكم الحرام الضار منها.

 

والله أعلم.

عقائد الإباضية الفاسدة، وحكم الصلاة خلفهم

عقائد الإباضية الفاسدة، وحكم الصلاة خلفهم

السؤال:

أشهد أني أحبك في الله، وأشكرك جدًّا على الموقع الناجح، الذي – حقيقةً – استفدت منه كثيرًا من المسائل العلمية العصرية التي في مجتمعنا.

وسؤالي:

نحن طلاب ” معهد العلوم الشرعية ” في سلطنة عمان، وحقيقةً أغلب طلابه من المذهب ” الإباضي “، والحمد لله نحن متحابون في الله كثيرًا، ولكن في صلاتيْ الظهر والعصر هم لا يقرؤون بعد الفاتحة سورةً، هذا على حسب مذهبهم.

هل صلاتنا خلفهم كصلاتي الظهر والعصر جائزة، علمًا بأننا نحاول تأخير الصلاة حتى لا نصلي معهم، ونصلي مع شباب مذهب أهل السنة، ولكن نخاف أن يحدث فتنة بيننا وبينهم، فماذا نفعل، أحسن الله إليك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

القراءة بعد الفاتحة في الصلاة في الركعتين الأوليين سنَّة عند جمهور العلماء، حتى نقل ابن قدامة الاتفاق عليه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنه يسنُّ قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة. ” المغني ” ( 1 / 568 ).

وهذا الاتفاق المنقول من ابن قدامة ليس صوابًا، فقد خالف في هذا: الحنفية، فذهبوا إلى إيجاب قراءة شيء من القرآن غير الفاتحة.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 76 ) – في سياق ذِكر واجبات الصلاة عند الحنفية -:

ضم أقصر سورة إلى الفاتحة – كسورة الكوثر – ، أو ما يقوم مقامها من ثلاث آيات قصار، نحو قوله تعالى: ( ثم نظر . ثم عبس وبسر . ثم أدبر واستكبر )، أو آية طويلة تعدل ثلاث آيات قصار، وقدروها بثلاثين حرفًا، ومحل هذا الضم: في الأوليين من الفرض، وجميع ركعات النفل، والوتر .انتهى.

ولذا كان الأصوب أن يقال هو قول ” جمهور العلماء “، وليس ” اتفاق العلماء “.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 33 / 48 ):

ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة: إلى أنه يسنُّ للمصلي أن يقرأ شيئًا من القرآن بعد الفاتحة .

كما ذهب الحنفية إلى أن قراءة أقصر سورة من القرآن، أو ما يقوم مقامها بعد الفاتحة: واجب، وليس بسنَّة، فإن أتى بها: انتفت الكراهة التحريمية. انتهى.

* ولهذه السنَّة أدلة كثيرة، ومنها:

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ. رواه البخاري ( 743 ) ومسلم ( 451 ).

وحتى على القول بالوجوب: فإننا لا نعلم أحدًا من أهل العلم يقول ببطلان الصلاة إذا لم يقرأ المصلي شيئًا بعد الفاتحة، بل من قرأ الفاتحة وحدها في صلاته أجزأه، وصحت صلاته.

عن عَطَاء أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: ” فِي كُلِّ صَلاَةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ “. البخاري ( 738 ) ومسلم (396).

ثانيًا:

وبعد أن علمتم أن الاكتفاء بالفاتحة لا يؤثر في صحة الصلاة: نقول: إن الإباضية فرقة خارجية في أصلها، وهي ضالة في اعتقادها ومنهجها، وقد تبنوا عقائد مخالفة للقرآن، والسنَّة، ومن هذه العقائد الضالة ما هو كفر عند أهل السنَّة، كالقول بخلق القرآن، ولم تكتف هذه الفرقة بخارجيتها حتى أضافت إليها بدعة الاعتزال، والتجهم، ولذا اشتد عليهم أهل السنَّة، وبينوا بُعدهم عن طريق الهداية.

* وفي ” الدرر السنية في الكتب النجدية ” ( 13 / 431 ) – من فتوى مشتركة لكلٍّ من: الشيخان عبد الله وإبراهيم ابنا الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ – رحمهما الله – ، والشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله – قالوا:

وأما إباضية أهل هذا الزمان: فحقيقة مذهبهم وطريقتهم: جهمية، قبوريون، وإنما ينتسبون إلى الإباضية انتسابًا، فلا يَشك في كفرهم، وضلالهم، إلا من غلب عليه الهوى، وأعمى الله عين بصيرته؛ فمن تولاهم: فهو عاص، ظالم، يجب هجره ، ومباعدته، والتحذير منه، حتى يعلن بالتوبة، كما أعلن بالظلم، والمعصية.انتهى.

ومن يقرأ كتبهم المعتمدة في اعتقادهم يجد الضلال المبين، من تكفير أفاضل صحابة النبي صلى الله عليه، كالخليفتين: علي، وعثمان رضي الله عنهما، وتكفير طلحة، والزبير، ومعاوية، مع تمجيدهم للخوارج، وقتلة أولئك الصحابة الأجلاء.

* ففي كتاب ” جوابات الإمام! السالمي “( 5 / 252 ) – أثناء بيانه لصفة الباغي:

ومنها: أن يعطل الإمام الحدود، ويتسلط على الرعية، ويفعل فيهم بهوى نفسه ما شاء فيستتيبونه فيصر على ذلك، فيصير بعد الإمامة جبَّارًا عنيدًا، فإنه يكون بذلك باغياً على المسلمين، ويجوز لكل من قدِر عليه قتله ليريح الناس من ظلمه، وفساده، فإن أمكن الاجتماع عليه من المسلمين: كان ذلك أولى، كما فعل المسلمون بعثمان!، وإن لم يمكن: جاز قتله غيلة، كما فعلوا في علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص، فإن ثلاثة من المسلمين اتفقوا على قتل هؤلاء الرؤساء في ليلة واحدة بعد أن خلع ” علي ” نفسه، وقاتل أهل النهروان  . انتهى

وهذا الكتاب عبارة عن فتاوى للإمام! عبد الله بن حميد السالمي، وهو من المجددين في أصول المذهب الإباضي.

* و جاء في كتاب ” السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان ” ( 2 / 300 – 315 ) – عند ذكر الاختلاف في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام – قال:

فاستخلف ستة رهـط، عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، فولوا أمرهم عبد الرحمن بن عوف، واختار أفضلهم يومئذ، عثمان بن عفان، فبايعوه وبايعه أهل الشورى وسائر المسلمين، فسار بالعدل ست سنين، وهو في ذلك مقصر عن سيرة عمر، ثم أحدث في الست الأواخر أحداثا  كفر بها!، من تعطيل الحدود، و… فسار إليه المسلمون، واستـتابوه، فأعطاهم الرضى، ثم رجع فنكث توبته، ورجع إلى جوره، وأصر على ظلمه، فسألوه أن يعتزل أو يعدل، فأبى، فقتلوه، وبايع المسلمون بعده عليا على طاعة الله، وقتال من طلب بدم عثمان، فنكث طلحة والزبير بيعة علي، وخرجا بعائشة إلى البصرة … ثم سار إليهم علي بالمسلمين من المدينة، فدعاهما إلى التوبة والرجوع فأبيا، فقاتلهما ومن معه، فهرب الزبير وثبت طلحة فقتل في المعركة، وقتل الزبير فارا، فبرئ المسلمون منهما، واستتابوا عائشة فتابت من ذلك، واستتاب المسلمون الناس من ولاية عثمان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام. انتهى.

* وجاء في كتاب ” هيميان الزاد إلى دار المعاد ” ( 11 / 342 – 348 ) – وهو كتاب تفسير للقرآن، لمؤلفه: محمد بن يوسف أطفيش – قال:  عند تفسير قول الله عز وجل: ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) النور/ 55 -:

( ومن كفر بعد ذلك ) الإنعامَ منهم، والإنعامُ يحصل بإنجاز الوعد، وحصول الخلافة، والمراد بالكفر: كفر النعمة، وهو المسمى عندنا كفر النفاق!، أو المراد: كفر الشرك بالارتداد.

( فأولئك هم الفاسقون ) الكاملون في النفاق، أو الشرك، وقد قيل: من كفر بعد الذي أنزلت فأولئك هم الفاسقون فسق شرك.

وأقول – والله أعلم بغيبه -: إن أول مَن كفر تلك النعمة، وجحد حقَّها: عثمان بن عفان!، جعله المسلمون على أنفسهم، وأموالهم، ودينهم، فخانهم في كل ذلك ….

ثم ذكر حديثًا مكذوبًا نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن عثمان فرعون هذه الأمة )! * ثم قال في آخر هذا الغثاء:

وإنما بسطت بعض مساوئ عثمان لقول ” الخازن ” وهو من الشافعية، أن أول من جحد حق النعمة وفسَقَ: قتلةُ عثمان، وإنما ذكرت ذلك ليكون قذى في عينيه، وفي عيني ” البيضاوي “، وغيرهما، وَيْلهما! اعتمدا على سراب!، وما ذُكر ثابت عندنا! …. انتهى.

ومما يدل على تكفيرهم لأهل السنَّة:  فتوى الفقيه! أحمد بن مداد، نقلها عنه العالم! ” مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي ” في كتابه ” لباب الآثار ” ( 1 / 271 ) من طبعة ” وزارة التراث العمانية “، كما نقلها عنه وأثبتها له العلامة! ” سعيد بن بشير الصبحي ” في كتاب ” الجامع الكبير ” ( 1 / 38 )، وهذا الكتاب طبعته ” وزارة التراث القومي والثقافة ” بسلطنة عمان سنة 1407هـ – 1986م .

* ونص الفتوى: مسألة:

عن الشيخ أحمد بن مداد – رحمه الله -:

ما تقول في جميع أهل المذاهب سوى الإباضي؟ هل يجوز تخطئتهم وتضليلهم؟ ويجوز أن يلعنوا ولا ينتقض وضوء من فعله واعتقده أم لا؟.

قال:

نعم، جائز ذلك، ولا ينتقض وضوء من فعل ذلك، إذ هو قال الحق، والصواب، والصدق؛ لأن جميع مخالفينا من المذاهب هم عندنا هالكون، مُحدِثون  في الدين، مبتدعون، كافرون كفر نعمة، منافقون، ظالمون، يشهد بذلك كتاب الله، وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين!.

وندين لله تعالى ونعتقد أن دين الإباضية هو دين الله تعالى، ودين رسوله، وإن من خالف الدين الإباضي: فقد خالف دين الله!، وإن من مات على غير الدين الإباضي: فهو النار قطعًا!، بذلك نشهد وندين لله تعالى، وإن من مات على الدين الإباضي: فهو في الجنة قطعًا، بذلك ندين، وأن من شك في الدين الإباضي، وزعم أن الحق في غير الدين الإباضي: فهو عندنا كافر، كفر نعمة، فاسق، منافق، ضال، مبتدع، محدث في الدين.

ولو حلف أحد بطلاق نسائه أن من مات على غير الدين الإباضي فهو في النار: فلا طلاق عليه، وكذلك لا حنث؛ لأنه حلف على يقين، وعلم، وليس هذا غيبًا، والله أعلم!. انتهى.

وقد استفدنا تلك النقولات من كتاب ” كنتُ إباضيًّا ” لأبي صالح مصطفى الشرقاوي.

وينبغي التنبه إلى أن من دخل النار عندهم فلا يخرج منها أبدًا، فهم يحكمون على أولئك الصحابة الأجلاء، وعلى المخالفين لهم من أهل السنَّة بالخلود في نار جهنَّم.

 

* ومن هنا: فإن طائفة من العلماء والأئمة ذهبوا إلى عدم جواز الصلاة خلف أحدٍ منهم، ومن هؤلاء:

  1. علماء اللجنة الدائمة.
  2. * الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -، حيث قال:

طائفة الإباضية قديماً كانوا من الخوارج الذين يُكفِّرون بالذنوب، وفي هذا الوقت اعتنقوا مذهب المعتزلة، فيقولون بتعطيل الله تعالى عن صفات الكمال، فينفون السمع، والبصر، والكلام، وغيرها، ويعتقدون أن القرآن مخلوق، وأن الله لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يُبصر، ويُنكرون رؤية أهل الجنة لربهم تعالى، ومن عقيدتهم قديمًا: التكفير بالذنوب، ولكنهم الآن انتشرت عندهم الذنوب، كشرب الخمور، وبيعها علانية، وتعطيل الحدود، وإباحة السفور، ثم هم مع ذلك يكفِّرون أهل السنة، ويمنعون الصلاة خلفنا، فلذلك نقول: لا يُصلَّى خلف هذه الطائفة.

انتهى، من موقعه:

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=3198&parent=542

 

فاحرصوا على الصلاة خلف واحدٍ منكم، واتركوا الصلاة خلف الإباضية، وتلطفوا في الإنكار عليهم، وتجنبوا مواجهتهم، واسألوا الله الهداية والثبات على الحق.

 

– وللمزيد حول هذه الفرقة الضالة: يُنظر هذا الموقع المتخصص في ذلك:

http://alabadyah.com/

 

والله أعلم.

 

صوَّر بحثًا، وحذف منه أشياء، وأوهم القراء أنه له، فهل يأثم على فعله؟

صوَّر بحثًا، وحذف منه أشياء، وأوهم القراء أنه له، فهل يأثم على فعله؟

السؤال:

ما حكم عملي هذا، فأنا في حيرة، وماذا يجب عليَّ بعدما فعلته؟:

ذهبت إلى مكتبة ” الملك فهد الوطنية ” بالرياض، قسم ” الرسائل الجامعية “، ووجدت رسالة جامعية رائعة في موضوعها، وقوة الباحث العلمية واضحة في رسالته، فأعجبتني جدًّا، وأنا أعرف الباحث، وأنه يريد طبعها، ونشرها قريبًا، لكني صورت الرسالة من المكتبة بطريقتي الخاصة؛ لأنهم لا يسمحون بتصوير الرسالة كاملة، لكن صورتها كاملة بطريقتي، ثم حذفت صفحات من الرسالة، فمِن كل باب أحذف من خلال فصول الباب، ومباحثه: عددًا كبيرًا من الصفحات، من باب اختصار الرسالة، وأصبحت الرسالة مختصرة في كتيب، فالأسلوب في الكتيب هو أسلوب صاحب الرسالة، وكذلك توثيقاته، وتراجمه للأعلام، وتعليقاته … الخ، ثم أضفت مقالًا لي، وفتوى في موضوع قريب من الرسالة، ثم طبعت الكتيب في مطبعة عن طريق فاعل خير، ووزعته مجانًا، ونشرت الكتيب في الإنترنت قبل صاحب الرسالة أن ينشر رسالته، والتي وعد بصدورها في قادم الأيام، وفعلتُ هذا في رسالته بدون إذنه، فلم يأذن لي صاحب الرسالة، وجعلت في الغلاف الأمامي للكتيب اسمي وكأني المؤلف، ولم أجعل في الغلاف الأمامي اسم الباحث صاحب الرسالة، ولم أجعل ما يوحي إلى أنه اختصار في الواجهة، وإنما قلت في هامش المقدمة بأن هذا اختصار من رسالة جامعية لفلان، وأعلنت في الغلاف الخلفي عن رسالة الباحث، ولكني سميتها باسم غير اسمها، ثم بلغني بأن صاحب الرسالة غير راضٍ على فعلي، خصوصًا، وأن هناك أخطاء فظيعة حينما مسحت الأسطر والصفحات، حيث تداخلت بعض الصفحات في غير أماكنها التي أريد، وأمرني صاحب الرسالة بأن أتوقف عن توزيع الكتيب، ونشري له في الإنترنت حتى لا تتضرر رسالته التي سيطبعها ويطرحها في الأسواق، ولم أتوقف، وبلغني بأن صاحب الرسالة قد يلجأ للجهات المختصة إن لم أعتذر منه وأتوقف عن نشر الكتيب، لكني لم أفعل ذلك؛ لأني لست مقتنعًا بكلامه، وأخبرني أحد الإخوة بأني مخالف لقرارات المجامع الفقهية، والأنظمة المرعية، فما هي نصيحتكم لي؟ وما حكم عملي هذا؟ أقنعوني إن كنت مخطئًا، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك ولا ريب أنك أخطأتَ خطأً شنيعًا بفعلك ذاك، وليتك سألتَ عن الحكم الشرعي قبل أن تستولي على بحث ذلك الباحث، وتشوهه، وتوهم القراء نسبته لنفسك، وليتك توقفت عن نشره بعد أن بلغك إنكار صاحب البحث عليك فعلك، لكنك لم تفعل شيئًا.

وإن كنتَ تسأل لتستجيب لما يجب عليك فعله: فإن الواجب عليك:

أولًا: الاستغفار والتوبة الصادقة، والعزم على عدم العود لمثل هذا الفعل.

ثانيًا: التوقف عن نشر الكتيب بتلك الصورة المشوهة.

ثالثًا: الاعتذار لصاحب الكتاب عن فعلك، وأن تطلب منه مسامحتك.

وقد ضمنت الشريعة – والقوانين والأنظمة الأرضية – الحقوق الأدبية والمعنوية لأصحابها، ومن ذلك ما يشقى به المؤلفون من البحث، والدراسة، والكتابة، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يستولي على تلك الجهود، فيطبعها دون الرجوع لأصحابها، والاستئذان منهم، وأما طبعها ونسبتها لمن استولى عليها: فهذا إثم إضافي، ومعصية أخرى، ويشتمل هذا الفعل على مخالفات شرعية كثيرة، وفيها من الوعيد الشيء الكثير، ومن ذلك:

  1. شهادة الزور، وذلك في نسبتك الكتاب لنفسك، وإصرارك على ذلك.

عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ – أَوْ: سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ – فَقَالَ: ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ – أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ – ).

رواه البخاري ( 5632 ) ومسلم ( 88 ).

  1. التشبع بما لم تُعطَ، وذلك أنك نسبتَ لنفسك ما ليس لك، وأوهمت القراء أنه من تعبك.

عَنْ أَسْمَاءَ قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ ). رواه البخاري ( 4921 ) ومسلم ( 2130 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قوله ( المتشبِّع ) أي: المتزين بما ليس عنده، يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل … .

وأما حكم التثنية في قوله ( ثوبي زور ): فللإشارة إلى أن كذب المتحلِّي مثنَّى؛ لأنه كذَب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يُعطِ، وكذلك شاهد الزور، يظلم نفسه، ويظلم المشهود عليه …. ” فتح الباري ” ( 9 / 317، 318 ).

  1. الغِش، وذلك بإخفاء الحقيقة، وإظهار الباطل.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا). رواه مسلم ( 102 ).

  1. الظلم، وذلك في سلبك لحق صاحب الرسالة، وتأثير فعلك على علمية رسالته، وطباعتها، وبيعها.

 

عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ).

رواه مسلم ( 2577 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) هو بفتح التاء، أي: لا تتظالموا، والمراد: لا يظلم بعضكم بعضا، وهذا توكيد لقوله تعالى ( يا عبادي ) (وجعلته بينكم محرمًا )، وزيادة تغليظ في تحريمه. ” شرح مسلم ” ( 16 / 132 ) .

  1. ادعاء ما ليس لك، وهو واضح في ادعائك الجهد الذي بذله صاحب البحث الأصلي.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ). رواه البخاري ( 3371 ) ومسلم ( 61).

فها أنت الآن لعلك وقفت على حكم ما فعلتَ، وهي آثام كثيرة، وكم رأينا وسمعنا عن كتَّاب فعلوا مثل فعلك، واكتسبوا من وراء ذلك شهرة ومالًا، لكنها شهرة زائفة، سرعان ما فضحهم الله على رؤوس الأشهاد، وهو مال حرام، سرعان ما ظهر أثر الحرام عليهم في أنفسهم، وأهليهم.

فاعمل بما نصحناك به، ونرجو الله أن يتقبل منك توبتك، وأن يتقبل ذلك الباحث اعتذارك.

 

والله أعلم.

” التوقيع الإلكتروني ” التعريف به، وحكم تزويره

” التوقيع الإلكتروني ” التعريف به، وحكم تزويره

السؤال:

ما حكم تزوير التوقيع الإلكتروني، كفك الشفرة؟ أدلة التحريم، وما عقوبة المزور؟ هل نقيس عليه عقوبة شاهد الزور بجامع أن كليهما قد غير الحقيقة، وأن هذا زوَّر في الفعل وهذا زور في القول؟ وهل هناك بحوث فقهية في ما يتعلق بتزوير التوقيع الإلكتروني.  وجزاكم الله خيرًا شيخنا الفاضل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

تعريف التوقيع الالكتروني:

” هو ما يصطلح عليه بالإنجليزية بـ ” Digital Signature “، وهو التوقيع الذي يتم إصداره بواسطة تقنيات التشفير، ويعرَّف بأنه: ” اصطلاح يطلق على عملية متعددة الخطوات تتضمن تشكيل وإنشاء رسالة إلكترونية، وتشفيرها، واختصارها إلى مجموعة من الأرقام، أو الخانات الرقمية، ومن ثم إرسالها إلى الشخص المستقبِل، والذي يستطيع من خلال برامج حاسوبية التوثق من مضمون الرسالة، سليمة من التزوير، ومن شخصية مرسلها “.

وقد عرَّف القانون الأردني التوقيع الإلكتروني بأنه: ” البيانات التي تتخذ هيئة حروف، أو أرقام، أو رموز، أو إشارات، أو غيرها، وتكون مدرجة بشكل إلكتروني، أو رقمي، أو ضوئي، أو أي وسيلة أخرى مماثلة، في رسالة معلومات، أو مضافة عليها، أو مرتبطة بها، ولها طابع يسمح بتحديد هوية الشخص الذي وقَّعها، ويميزه عن غيره، من أجل توقيعه، وبغرض الموافقة على مضمونه ” أ.هـ “.

انتهى من بحث بعنوان: ” حجية التوقيع الإلكتروني في القضاء الشرعي ” مقدم إلى ندوة ” القضاء الشرعي في العصر الحاضر، الواقع، والآمال “، إعداد: وليد مصطفى شاويش.

ثانيًا:

ولا يجوز لأحدٍ أن يعتدي على تلك التواقيع الخاصة بغيره، بإتلافها، أو سرقتها، ومن فعل ذلك فقد اكتسب إثمًا عظيمًا, وخاصة إذا كان ذلك من أجل الاستيلاء على ملكياته، أو إيقاعه في مشكلات مع الأطراف الأخرى المرسَل إليها.

* قال الأستاذ وليد مصطفى شاويش:

وقد سنَّت القوانين عقوبات رادعة لمن يقوم بفض الترميز، أو الكشف عن مفاتيح الترميز المودعة في مكتب التشفير، في غير الأحوال المصرَّح بها قانونًا، وهي عقوبات تترواح بين الغرامة المالية، والحبس، وهو ممَّا يضفي مزيدًا من المصداقية لهذا التوقيع، مما يشجع على التعامل به على نطاق واسع، والفقه الإسلامي قادر على التعامل مع الوقائع المستجدة، وأن ينظم لها من الأحكام ما يفي بالحاجات، ويحفظ الحقوق. انتهى من البحث السابق.

* ومن صور الاعتداء على التواقيع الإلكترونية:

تزويرها، وإيهام الطرف المستقبِل أنه الشخص صاحب التوقيع الأصلي، وهو فعل محرَّم، لا يختلف عن تزوير الحقائق الأخرى، وكل تزوير فهو شهادة بالباطل، وشهادة زور، وهو أمر محرَّم بالكتاب والسنَّة.

قال الله تعالى: ( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) الحج/ من الآية 30.

وعن أَنَس بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ – أَوْ: سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ – فَقَالَ: ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ – أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ – ).

رواه البخاري ( 5632 ) ومسلم ( 88 ).

ثالثًا:

وأما الكتب التي يمكن أن يستفيد منها الباحث:

  1. ” التوقيع الإلكتروني ” ضياء أمين مشيمش.

 

  1. ” دراسة في التوقيع الإلكتروني “، المستشار الدكتور/ علي رضا.

http://www.tashreaat.com/view_studies2.asp?std_id=69

 

  1. ” جرائم الحاسوب والانترنت ” الجريمة المعلوماتية “، لمحمد أمين الشوابكة، مكتبة دار الثقافة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2004 م.

 

  1. بحث بعنوان ” حجية التوقيع الإلكتروني في القضاء الشرعي ” مقدم إلى ندوة القضاء الشرعي في العصر الحاضر، الواقع، والآمال “

إعداد: وليد مصطفى شاويش.

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=96&book=3904

وفي هذا البحث مراجع أحال عليها الباحث، ومنها:

  1. ” الجوانب القانونية للتعاملات الإلكترونية ” إبراهيم الدسوقي أبو الليل، جامعة الكويت ” مجلس النشر العلمي ” 2003 م.

 

  1. ” عقود التجارة الإلكترونية ” محمد إبراهيم أبو الهيجاء، عمان، دار الثقافة, ط 1، 2005 م.

 

  1. ” أحكام عقود التجارة الإلكترونية ” نضال إسماعيل برهم، عمان، دار الثقافة، ط 1، 2004 م.

 

  1. ” حجية الكتابة الإلكترونية في الإثبات ” أحمد السعيد، دبي، مركز البحوث والدراسات بشرطة دبي، 2001 م.

 

  1. ” التوقيع الإلكتروني ” عمر حسن المومني، عمان، دار وائل للنشر والتوزيع، ط 1، 2003 م.

 

  1. ” حجية التوقيع الإلكتروني في الإثبات “، علاء نصيرات، عمان، دار الثقافة، ط 1، 2005 م.

 

والله أعلم.

 

هل يجب على النساء من أهل مكة المحرَم للحج؟!

هل يجب على النساء من أهل مكة المحرَم للحج؟!

السؤال:

أنا وأختي من أهل مكة، وأحرمنا للحج من البيت، وحججنا، ولم نحتج إلى السفر، وأبي وإخواني كانوا مشغولين، ولم يرافقونا، هل علينا إثم، مع أن بيتنا داخل حدود الحرم، ولم نسافر، ولم نحتج للسفر، لكن تنقلنا بين المشاعر بدون محرم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد ذكرنا في جواب سابق الخلاف في اشتراط المحرم في سفر المرأة، وبينَّا هناك أن الراجح أنه لا يحل لها السفر دون محرم، ولو كان سفرها للحج.

وأمّا الحج من غير محرم، فهو جائز مع الإثم إن كانت ذهبت للحج مسافرة من دونه.

ثانيًا:

أمّا حج المرأة إن كانت من أهل مكة، وهل يلزمها وجود محرم معها لأداء المناسك، فنقول جوابًا عليه: إن أداء المناسك ذاتها لا يشترط له وجود محرَم مع المرأة، حتى لو كانت أصلًا قادمة من مكانٍ بعيد، فوقوفها على عرفة، وطوافها للإفاضة، ورميها للجمار، وغير ذلك من المناسك: لا يُعرف عن أحدٍ من أهل العلم أنه اشترط المحرَم للمرأة وهي تؤدي تلك المناسك، وإنما يُتكلم في هذا السياق في الرفقة المأمونة؛ لتكون المرأة في مأمن من السفهاء، أو الفساق، الذين يمكن أن يوجد بعضهم في تلك الشعائر، مستغلًا زحمة الناس.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

وليس من شرط الطواف، أو السعي، أو رمي الجمار، أو الوقوف بعرفة، أو بمزدلفة، ليس من شرط ذلك: المحرم، المحرم إنما هو شرطٌ في السفر، لا يسافرن إلا بمحرم، أما كونهن يؤدين الأنساك بدون محرم: فلا يضرهن ذلك، فإذا وقفت المرأة بعرفات وليس معها محرمها، أو في مزدلفة، أو رمت الجمار، أو طافت، أو سعت، وليس معها محرمها: فلا حرج في ذلك، وحجهن صحيح، ورميهن صحيح، ووقوفهن صحيح، والحمد لله.

” فتاوى نور على الدرب ” ابن باز ( شريط رقم 297 ).

والذي يظهر لنا هو جواز حج المرأة إن كانت من أهل مكة، من غير حاجة لوجود محرَم معها.

وما ذكرناه هنا من الجواز، وعدم اشتراط المحرم: هو باعتبار تغير الحال في زماننا هذا، وهو أن الذهاب من مكة إلى عرفة ليس سفرًا، وأما من يرى أنه سفر – قديمًا وحديثًا – فهو الذي يمنع من حج المرأة من غير وجود محرَم معها، ولا نظن أحدًا يقول إن الذاهب من مكة إلى مِنى، أو إلى عرفة أنه يجوز له القصر والجمع باعتباره مسافرًا.

وعليه: فالذي يظهر هو جواز حج النساء من أهل مكة من غير حاجة لوجود محرم معهن، بشرط أمن الفتنة، والأمن من السفهاء، ولا يكون ذلك إلا برفقة نساء موثوقات، مأمونات.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

عن ذهاب المرأة بدون محرم إلى فريضة الحج, هل مثل هذا الحج مقبول أم لا؟.

فأجاب:

إذا كانت في مكة: لا بأس؛ لأنه ليس بسفر، إذا كانت في مكة وحجت مع الحريم: فلا بأس، أما إذا كانت في سفر: من جدة, من المدينة, من الرياض، من غير ذلك، ليس لها أن تحج إلا بمحرم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم )، أما إن كانت في مكة: فـ ” منى ” قريب, وعرفة قريب, وكانت مع نساء طيبات: فلا بأس.

” فتاوى نور على الدرب ” ابن باز ( شريط رقم 381 ).

 

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لا يشترط في طواف المرأة أن يكون معها محرم إذا أمنت على نفسها ولم تخشَ الضياع فإن كانت لاتأمن على نفسها من الفساق أو كانت تخشى أن تضيع فلابد من محرم يكون معها حماية لها ودلالة على المكان وهذا عام في طواف الإفاضة وفي طواف الوداع وفي طواف التطوع.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 315، وجه ب ).

 

والله أعلم.

حكم ” الخِصاء “، وبيان شيء من أحكام المخصيين

حكم ” الخِصاء “، وبيان شيء من أحكام المخصيين

السؤال:

ما حكم الدِّين في الناس ” المخصيين “؟ وما هي القوانين التي تطبق عليهم؟ وهل يصلُّون مع الرجال أم مع النساء؟ جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الخِصاء: هو سل الخصيتين، وهما البيضتان من أعضاء التناسل، وقد يطلق هذا اللفظ ويراد به: سل الخصيتين، والذَّكَر.

وفرَّق بعض العلماء بين الأمرين فقال: إن قطعت أنثياه – الخصيتان – فقط : فهو خصي، وإن قُطع ذكَرُه: فهو مجبوب.

وتعمد فعل ذلك من قبل الإنسان لنفسه، أو لغيره: من كبائر الذنوب.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 19 / 120، 121 ):

إن خصاء الآدمي حرام، صغيرًا كان، أو كبيرًا؛ لورود النهي عنه على ما يأتي، وقال ابن حجر: هو نهي تحريم، بلا خلاف في بني آدم.

ومن النهي الوارد في ذلك: ما روى عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك – رواه البخاري ( 4787 ) ومسلم ( 1404 ) -. وحديث سعد بن أبي وقاص: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا – رواه البخاري ( 4786 ) ومسلم ( 1402 ) -.

قال ابن حجر تعقيبًا على هذه الأحاديث: والحكمة في منع الخصاء: أنه خلاف ما أراده الشارع من تكثير النسل ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك: لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

كما أن فيه من المفاسد: تعذيب النفس، والتشويه، مع إدخال الضرر الذي قد يفضي إلى الهلاك، وفيه إبطال معنى الرجولية التي أوجدها الله فيه، وتغيير خلق الله، وكفر النعمة، وفيه تشبه بالمرأة، واختيار النقص على الكمال. انتهى.

ثانيًا:

والخصي الذي يفقد شهوته في النساء بالكلية يدخل في ” غير أولي الإربة من الرجال “، وهم الذي يجوز لهم الاطلاع على زينة المرأة، كما يطلع عليها محارمها.

قال تعالى: ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) النور/ 31.

* قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:

قال أشهب: سئل مالك أتلقي المرأة خمارها بين يدي الخصي؟ وهل هو من غير أولي الإربة؟ فقال: نعم، إذا كان مملوكًا لها, أو لغيرها; فأما الحرُّ: فلا، وإن كان فحلاً كبيرًا، وغدًا، تملكه، لا هيئة له، ولا منظرة: فلينظر إلى شعرها.

” أحكام القرآن ” ( 6 / 73 ).

وخالف في ذلك الحنفية – على قول عندهم -، لكن الراجح: ما ذهب إليه الجمهور.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 3 / 8 ):

الرأي الراجح عند الحنفية: أن الخصي، والمجبوب، والشيخ، والعبد، والفقير، والمخنث، والمعتوه، والأبله، في النظر إلى الأجنبية: كالفحل – أي: كصاحب الإرْبة -؛ لأن الخصي قد يجامِع، ويثبت نسب ولده، والمجبوب يتمتع وينزل، والمخنث فحل فاسق، وأما المعتوه، والأبله: ففيهما شهوة، وقد يحكيان ما يريانه.

وقال المالكية، والشافعية، والحنابلة – وهو رأي للحنفية -: حكم غير أولي الإربة حكم المحارم في النظر إلى النساء، يرون منهن موضع الزينة، مثل الشعر، والذراعين، وحكمهم في الدخول عليهن: مثل المحارم أيضًا؛ لقوله تعالى: ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ). انتهى.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما معنى ” التابعين غير أولي الإربة من الرجال “؟.

فأجابوا:

المراد بغير أولي الإربة: من يتبع أهل البيت، لطعام، ونحوه، ولا حاجة له في النساء ؛ لكونه عنِّينًا، أو معترضًا، أو أبله ضعيف العقل، لا ينتبه إلى ما يثير الشهوة من زينة، أو جمال، أو رجلًا كبير السن أضعفه الكبر حتى صار لا همَّ له في النساء، ونحو ذلك ممن ذهبت حاجتهم إلى النساء لعلة ما من العلل، فأُمن جانبهم، ولم تُخش منهم الفتنة، فللنساء أن يبدين لهم من الزينة ما يجوز لهن أن يبدينها لمحارمهن المذكورين في الآية، ومن في حكمهم، من النساء، والأطفال الصغار الذين لم يبلغوا مبلغًا من الإدراك أن يعرفوا عورات النساء ويتأثروا بها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 264، 265 ).

ومن ظُنَّ أنه من غير أولي الإربة من الرجال فتبين خلاف ذلك: أُلحق بالفحول من الرجال، ومُنع من النظر إلى زينة الأجنبية.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُخَنَّثٌ فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِى الإِرْبَةِ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ و، َهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ( أَلاَ أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَا هُنَا ، لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ )، قَالَتْ: فَحَجَبُوهُ. رواه مسلم ( 2181 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما دخول هذا المخنث أولًا على أمهات المؤمنين: فقد بيّن سببه فى هذا الحديث بأنهم كانوا يعتقدونه من غير أولى الإربة، وأنه مباح دخوله عليهن، فلما سُمع منه هذا الكلام: عُلم أنه من أولى الإربة، فمنعه صلى الله عليه وسلم الدخول.

ففيه: منع المخنث من الدخول على النساء، ومنعهن من الظهور عليه, وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين فى النساء في هذا المعنى، وكذا حكم الخصي، والمجبوب ذَكرُه. ” شرح مسلم ” ( 14 / 163 ).

 

ثالثًا:

وأما بخصوص لباسهم الإحرام، وصلاتهم، وغير ذلك من الأحكام: فلهم حكم الرجال، فلا يدخلوا مصليات النساء، ولا يؤمون بهن، ولا يصلون بجانبهن، ويلبسون ما يلبس الرجال في الإحرام، ولا خلاف بين العلماء في ذلك.

 

* قال ابن المنذر – رحمه الله -:

وأجمعوا: أن أحكام الخصي، والمجبوب، في ستر العورة في الصلاة، والإمامة، وما يلبسه في حال الإحرام، وما يصيبه من الميراث، وما يسهم له في الغنائم: أحكام الرجال. ” الإجماع ” ( ص 78 ).

 

والله أعلم.

هل الاشتراك بحملات ” شهر صحة الأسنان ” و ” شهر سرطان الثدي ” من البدع؟

هل الاشتراك بحملات ” شهر صحة الأسنان ” و ” شهر سرطان الثدي ” من البدع؟

السؤال:

تقوم بعض المنظمات في محاولة تثقيف العوام عن طريق الحملات التعليمية، وكما تعلمون أن في هذا الشهر سيكون أسبوع ” التوعية الإسلامية ” عبر الحُرم الجامعية في أمريكا الشمالية , حيث أن الطلبة المسلمين يقومون بالدعوة والتعليم، أما بالنسبة لكندا: فإن عندها شهر التوعية لخلْق وعي عند المسلمين هناك، وتستخدم منظمات الصحة هذه المنهجية أيضًا, مثل أن هناك شهر التوعية عن ” سرطان الثدي “, و شهر توعية ” صحة الأسنان “، وعندنا ” يوم الأرض ” ليذكرنا بمسؤوليتنا حيال الأرض، فما حكم مثل تلك الحملات, هل تدخل في البدعة؟.

الجواب:

الحمد لله

الذي يظهر لنا هو جواز الاشتراك في هذه الحملات، وليس فيها تشبه بالكفار فيما يختصون به، ولا بدعة، حيث يخلو منها جانب التعبد، كما أنها ليست تتكرر كل عام بالاسم نفسه، وإلا كانت ” أعيادًا ” محرَّمة، كعيد الأم، والعيد الوطني، وغيرهما.

  1. قال علماء اللجنة الدائمة – وقد سئلوا عن التفريق بين بدعية ” المولد النبوي “، و ” عيد الأم “، وبين جواز ” أسبوع الشجرة “، و ” أسبوع المساجد ” -:

أولًا: العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد، إما بعود السنَة، أو الشهر، أو الأسبوع، أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أمورًا، منها: يوم عائد، كيوم عيد الفطر، ويوم الجمعة، ومنها: الاجتماع في ذلك اليوم، ومنها: الأعمال التي يُقام بها في ذلك اليوم، من عبادات، وعادات.

ثانيًا: ما كان من ذلك مقصودًا به التنسك، والتقرب، أو التعظيم، كسبًا للأجر، أو كان فيه تشبه بأهل الجاهلية، أو نحوهم من طوائف الكفار: فهو بدعة، محدثة، ممنوعة، داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) رواه البخاري ومسلم، مثال ذلك: الاحتفال بعيد المولد، وعيد الأم، والعيد الوطني؛ لما في الأول من إحداث عبادة لم يأذن بها الله، ولما في ذلك التشبه بالنصارى ونحوهم من الكفرة، ولما في الثاني والثالث من التشبه بالكفار، وما كان المقصود منه تنظيم الأعمال مثلًا لمصلحة الأمة، وضبط أمورها ، كأسبوع المرور، وتنظيم مواعيد الدراسة، والاجتماع بالموظفين للعمل، ونحو ذلك مما لا يفضي به إلى التقرب، والعبادة، والتعظيم بالأصالة: فهو من البدع العادية، التي لا يشملها قوله صلى الله عليه وسلم ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، فلا حرج فيه، بل يكون مشروعًا. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 88، 89 ).

  1. * وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن الفرق بين ما يسمى بـ ” أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى “، والاحتفال بـ ” المولد النبوي “، حيث يُنكر على من فعل الثاني، دون الأول؟.

فأجاب:

الفرق بينهما – حسب علمنا – من وجهين:

الأول: أن أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لم يُتخذ تقربًا إلى الله عز وجل، وإنما يقصد به إزالة شبهة في نفوس بعض الناس في هذا الرجل، ويبين ما منَّ الله به على المسلمين على يد هذا الرجل.

الثاني: أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا يتكرر ويعود كما تعود الأعياد، بل هو أمرٌ بين للناس، وكتب فيه ما كتب، وتبين في حق هذا الرجل ما لم يكن معروفًا من قبل لكثير من الناس، ثم انتهى أمره.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 300 ).

  1. وسئل الشيخ – أيضًا -:

عن حكم إقامة الأسابيع كـ ” أسبوع المساجد “، و ” أسبوع الشجرة “؟.

فأجاب:

هذه الأسابيع لا أعلم لها أصلًا من الشرع، وإذا اتُخذت على سبيل التعبد، وخصصت بأيام معلومة تصير كالأعياد: فإنها تلتحق بالبدعة؛ لأن كل شيء يُتعبد به الإنسان لله عز وجل، وهو غير وارد في كتاب الله، ولا في سنَّة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإنه من البدع، لكن الذين نظموها يقولون: إن المقصود بذلك: هو تنشيط الناس على هذه الأعمال، التي جعلوا لها هذه الأسابيع، وتذكيرهم بأهميتها. و

يجب أن يُنظر في هذا الأمر، وهل هذا مسوغ لهذه الأسابيع، أو ليس بمسوغ.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 2 / 300، 301 ).

 

فالظاهر: جواز المشاركة في هذه الحملات، مع الأخذ بعين الاعتبار: عدم الوقوع في المحرمات، كالاختلاط بين الرجال والنساء، وككشف الرجال على النساء، وكشف النساء على الرجال خلال الحملات الطبية، وغيرها.

 

والله أعلم.

 

 

أسباب الشعور بعقدة النقص في الذات وفي الإسلام، وعلاج ذلك

أسباب الشعور بعقدة النقص في الذات وفي الإسلام، وعلاج ذلك

السؤال:

ما توجيهكم لمشكلة، أو عقدة: ” الشعور بالنقص “؟ فأنا أرى العديد من الإخوة، والأخوات متأثرين بهذا الأمر, فهناك نوع من الخجل عندما يتكلمون عن دينهم. أرجو أن تكون قد فهمت سؤالي يا فضيلة الشيخ.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

سنجعل جوابنا عامًّا يشمل مشكلة ” النقص ” باعتباره موجودًا في الداعية، وباعتبار وجوده في المدعو إليه.

أما الأول: فهو ما يعاني منه بعض الناس في دعوتهم لغيرهم، وهدايتهم لهم، حيث يعتقد في نفسه أنه ناقص عن غيره، فتدفعه هذه ” العقدة ” للتوقف عن دعوة الآخرين، وفي اعتقاده أنه أصاب في ذلك، وأنه ليس له أن يدعو حتى يكون واثقًا من نفسه، وهذا لا شك ولا ريب أنه من الشيطان، وأنه أراد بذلك أن يحتقر المسلم نفسه حتى يكف عن هداية الآخرين، ودعوتهم إلى الخير، وحتى يعالج المسلم ذلك في نفسه: فإن عليه أن ينتبه لما نقول، وأن يعمل بما ننصحه به:

  1. إن الذي يحتقر نفسه، ويشعر بنقص فيه: هو في حقيقة الأمر غير شاكر لنعَم الله تعالى عليه، ولو أنه تأمَّل في نفسه: لوجد أنه يتمتع بنعم من الله جليلة، وأن عنده من المواهب والقدرات ما ليس عند غيره، وأنه يستطيع أن يقدِّم لدينه ما لا يقدِّمه غيره، لكن غفلته عن تلك المواهب والقدرات دفعته للاعتقاد بخلوها منه.
  2. إذا اعتقد المسلم أنه ناقص وأنه لا بدَّ أن يتوقف عن دعوة الآخرين حتى يكون كاملًا: فهو مخطئ؛ لأن الله تعالى خلق الناس وجعلهم درجات، فلأي درجة يريد هذا أن يصل؟ ولو تأمل في حال غيره لوجدهم مختلفين في طرق دعوتهم لغيرهم، فهذا أتقن الخطابة، وذاك أجاد في الوعظ، ومنهم من يدعو بقلمه، وآخر يدعو بسلوكه وأخلاقه، وهكذا، ولو توقف كل واحد من الدعاة حتى يصير كأبي بكر، أو عمر، أو أحمد بن حنبل، أو ابن تيمية: لما وصلت دعوة الإسلام لأحدٍ، بل لأمكن أن يُحرمها أولئك الأعلام! وليعلم هذا الأخ أن الله تعالى سائله يوم القيامة عن نعمه التي وهبه إياها ماذا فعل بها، وليعلم أن الناس لن يكونوا في درجة واحدة، فليقطع الطمع بذلك، وفي ذلك يقول الله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ) الأنعام/ 165.
  3. ولو فرضنا أن المسلم الداعية يشعر بنقصٍ فيه، وهو في حقيقة الأمر موجود غير موهوم: فليعلم أن الله تعالى لم يكلف ما لا يستطيع، ولا يحاسبه عليه، وأنه قد كلفه بما يقدر عليه، ويحاسبه على تركه، والواقع أنه مثل هؤلاء يتركون الدعوة بالكلية، فيكون في فعلهم هذا ترك لما يستطيعونه ويقدرون عليه، وعلليه: فهم معرضون للوعيد على ذلك الترك.
  4. وإذا كان الشعور بالنقص عند المسلم الداعية له أصل وسبب، فليبحث بجد عن هذه الأسباب، وليتخلص منها، فقد تكون عنده معاصٍ بحاجة لتوبة منها، أو عادات غريبة عن مجتمعه فليجاهد نفسه ليبتعد عنها، وهكذا نستثمر تلك ” العقدة ” و ” المشكلة ” لتحويلهما إلى أمر إيجابي، وهو إصلاح النفس، وتهذيبها، وتخليصها من شرورها ومعاصيها.

وأما إن كانت هذه الأسباب تتعلق بخلقة الله له تعالى، وتقديره أن يكون على هيئة معينة، أو يكون منتسبًا لقبيلة معينة، أو تكون حالته المادية ضعيفة: فمثل هذا لا ينبغي أن يلتفت له أصلًا، وإنما عليه أن يبحث عما يمكن تغييره مما هو متلبس به مما لا يحبه الله تعالى، ولا يرضاه، ويترتب عليه عقاب ووعيد.

  1. وليعلم هؤلاء الذين يتركون الدعوة إلى الله بسبب تلك الأوهام بالنقص: أنهم بقدر ابتعادهم عن الخير سيكون اقترابهم من الشر، وبقدر ابتعادهم عن أهل الخير: سيكون اقترابهم من أهل السوء، فليتدارك كل واحد منهم نفسه قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.

 

ثانيًا:

وأما الثاني: وهو ما يوجد عند بعض المنتسبين إلى الإسلام : فهو أنه يخجلون من الدعوة إلى الإسلام، ظانين النقص فيه! وهذا أمرٌ عظيم، ولا ينبغي السكوت عنه، ولنا لهؤلاء نصائح وتوجيهات نرجو أن تكون علاجًا لمصيبتهم تلك:

  1. الانتساب للإسلام مصدر فخر، وعزَّة، وهي نعمة حُرمها مليارات من البشر قديمًا وحديثًا، واصطفاء الله للمسلم ليكون منتسبًا لخير دين: نعمة عظيمة، عليه أن يقابلها بعظيم الشكر، وديمومته، وإذا دعا غيره إلى الإسلام: افتخر بمنَّة الله تعالى، وفرِح بحصوله على تلك النعمة العظيمة، وسعِد بسلوكه طريق الأنبياء والمرسَلين.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

وقد ورد في فضل الدعوة والدعاة آيات، وأحاديث كثيرة, كما أنه ورد في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاة أحاديث لا تخفى على أهل العلم, ومن ذلك قوله جل وعلا: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )، فهذه الآية الكريمة فيها التنويه بالدعاة، والثناء عليهم, وأنه لا أحد أحسن قولًا منهم, وعلى رأسهم: الرسل عليهم الصلاة والسلام, ثم أتباعهم، على حسب مراتبهم في الدعوة، والعلم، والفضل, فأنت يا عبد الله يكفيك شرفًا أن تكون من أتباع الرسل, ومن المنتظمين في هذه الآية الكريمة ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )،

المعنى: لا أحد أحسن قولًا منه؛ لكونه دعا إلى الله، وأرشد إليه، وعمل بما يدعو إليه, يعني: دعا إلى الحق، وعمل به, وأنكر الباطل، وحذَّر منه, وتركه, ومع ذلك صرَّح بما هو عليه, لم يخجل، بل قال: ” إنني من المسلمين “, مغتبطًا، وفرِحا بما منَّ الله به عليه, وليس كمن يستنكف عن ذلك، ويكره أن ينطق بأنه مسلم, أو بأنه يدعو إلى الإسلام, لمراعاة فلان، أو مجاملة فلان, ولا حول ولا قوة إلا بالله, بل المؤمن الداعي إلى الله القوي الإيمان, البصير بأمر الله: يصرِّح بحق الله, وينشط في الدعوة إلى الله، ويعمل بما يدعو إليه, ويحذِّر ما ينهى عنه, فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه, ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه, ومع ذلك يصرِّح بأنه مسلم، وبأنه يدعو إلى الإسلام, ويغتبط بذلك، ويفرح به، كما قال عز وجل: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )، فالفرح برحمة الله، وفضله – فرح الاغتباط , فرح السرور -: أمر مشروع.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 1 / 333، 334 ).

  1. وبتأمل حال من يشعر بتلك العقدة – عقد النقص في الإسلام – حتى إنه ليخجل من دعوة الناس إليه: أنه يجهل أحكام الإسلام، وحِكَمه، وإنما أوتي من هذا الباب، ولو أن أولئك وقفوا على تشريعات الله تعالى، وفهموا مراد الله منها: لعلموا أن الإسلام جاء لإصلاح العالَم، سواء في تشريعاته السياسية، أو الاجتماعية، أو النفسية، وغيرها مما فيه خير الناس في دنياهم وأخراهم، ولو ذهبنا نعدد تلك التشريعات الآمرة، أو الناهية: لأخذ ذلك منا وقتًا طويلًا، ولامتلأت الصفحات، وحسبنا هنا أن نشير إلى سؤال ” هرقل ” النصراني أبا سفيان لمَّا كان كافرًا عن حقيقة ما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا كان جواب أبي سفيان؟ قال: يقول: ” اعبدوا الله وحده، لا تشركوا بالله شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة ” رواه البخاري ( 7 ) ومسلم ( 1773 ).

وحتى ما يشيعه المغرضون من أحكام في الإسلام، من تشريع التعدد في الزوجات، أو الحدود في الزنا، والردة، أو في عموم أحكام المرأة: كل ذلك يدعونا للفخر بوجوده في ديننا؛ لأن في الالتزام بما جاء به الإسلام صلاح الفرد، والأسرة، والمجتمعات، وما يحدث من طعن وتشكيك في حكَم تلك الأحكام لا يعدو أن يكون محض افتراء، وكذب، وجهل منهم بحقيقة التشريع، وحكَمه.

  1. وإن بعض من يشعر بتلك العقدة: يخلط بين الإسلام والمسلمين! وثمة فرق كبير بين تشريعات الإسلام، وأفعال المسلمين، وإننا لنرى الآلاف يدخلون كل يوم في دين الله، وهم يرون الحال المزري لكثير من المسلمين، فما منعهم ذلك من إعلان إسلامهم، وافتخارهم بالانتماء إليه، بل صاروا دعاة جادِّين، فها هم القوم المدعوون قد فهموا أنه لا علاقة بين أفعال المخالفين للإسلام من المسلمين وبين ما جاء به الإسلام من تشريعات وأحكام يحق لكل منتسب للإسلام أن يفخر بها.
  2. ثم إننا لنعجب من أولئك الذين يرون في الإسلام ما يُخجل من الدعوة إليه وهم يرون الكفر وأهله كيف حالهما، وبنظرة إلى أكثر الأديان أتباعاً في زمننا هذا نجد أنهم عبَّاد الأحجار والبقر والبشر! فها هم أتباع بوذا يعدون بمئات الملايين، وها هم الهندوس عبَّاد البقر كذلك، وها هم النصارى عبَّاد عيسى بالمليارات! فهل يجد العاقل المنصف مجالًا للمقارنة بين ما جاء به الإسلام من توحيد وتشريعات، وبين ما عليه أولئك القوم من شرك، وسخافة؟! هذا مع ما يفعلونه في الأرض من فساد، وتقتيل، وإجرام، وخاصة في المسلمين المستضعفين.
  3. ومع ذلك: فإنك تجد الدعاة المخلصين لتلك الأديان المحرَّفة والسخيفة، وتجد من يبذل غالي وقته من أجلها، ويبذل ماله من أجل نشر دينه، ولا يخجل أحدهم من الجهر بعبادة صنمه، أو بقرته، أو ادعاء الألوهية لبشر مثله، ومع ذلك تجد من المسلمين من يرى نقصًا في الإسلام أن يدعو الناس إليه، وهو يرى أنه لا منقذ لأولئك من نار جهنم إلا بدخولهم في الإسلام، دين التوحيد، والتشريعات العظيمة.

وأخيرًا :

فإننا نخشى على من يرى في الإسلام ما يُخجل منه: نخشى عليه الكفر؛ لأنه يعتقد أن الدين ناقص، وأنه لا يصلح للمجتمعات أن تدين الله تعالى به، ومثل هذا لا نريد داعية، بل نريده أن يصحح مفهومه نحو الإسلام، وإلا وقع في الردة، وإننا لنأسف أن قد وجدنا من اليهود من فهم الإسلام أكثر من أولئك، وليتأملوا هذه القصة ليتأكد لهم صدق ما نقول:

عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسْلَامَ دِينًا ) لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ. رواه البخاري ( 6840 ) ومسلم ( 3017 ).

فتأمل هذه الآية كيف أن الله امتنَّ فيها على المسلمين بكمال الدين، وإتمام النعمة، والرضا لهم بالإسلام دينًا، وكيف أن اليهودي قد علم عظمة هذه الآية، وتمنى أنها لو كانت أنزلت عليهم، ثم نجد من المسلمين من يرى في الإسلام نقصًا، وتشريعات تجعله يخجل من الانتساب له، والدعوة إليه!.

وعسى الله أن يهدي ضال المسلمين، ويوفقهم لإصلاح أنفسهم.

 

والله أعلم.

 

 

كان مسلمًا ثم رجع إلى بلاده وارتد ثم عاد إلى بلدٍ إسلامي فهل هو معاهد؟ وكيف نعامله؟

كان مسلمًا ثم رجع إلى بلاده وارتد ثم عاد إلى بلدٍ إسلامي فهل هو معاهد؟ وكيف نعامله؟

السؤال:

رجل كان يعمل في بلاد إسلامية، وهو مسلم، ثم خرج إلى بلاده، وارتد عن الإسلام، ثم عاد إلى البلاد الإسلامية التي كان يعمل فيها وهو غير مسلم.

السؤال:

هل ينطبق عليه إذا عاد ليعمل في البلاد الإسلامية أحكام المرتد، أم أنه ينطبق عليه أحكام المعاهد؟. أرجو التوضيح، وما هي الطريقة المُثلى للتعامل معه؟.

جزاكم الله خيرًا، ورفع قدركم في الدنيا، والآخرة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من كان مسلمًا ثم ارتدَّ عنه إلى الإلحاد: فهو مرتد، لا إشكال في ذلك، ومن ارتد عن الإسلام إلى غيره الأديان لم يُنسب إلى ذلك الدين، ولم يأخذ أحكامه، بل هو مرتد كسابقه، يعامل معاملة المرتدين، يستتاب ليرجع إلى الإسلام، فإن تاب ورجع وإلا قُتل كفرًا.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لو كان عندنا كافر ملحد غاية الإلحاد: نقرُّه على دينه، لكن لو ارتد أحدٌ إلى اليهودية، أو النصرانية: لا نقرُّه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى الله عليه وآله وسلّم: ( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه ) – رواه البخاري ( 2854 ) – يعني: مَن بدَّل دين الإسلام: فإننا نقتله، إذاً المرتد لا يرث أحدًا، ولا أباه، ولا أمَّه، ولا ابنه؛ لأنه مرتد، مخالف للدين، وليس على دين؛ لأنه لا يُقرُّ على هذا الدِّين.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 11 / 306 ).

* وعليه:

فمن كان مسلمًا ثم صار نصرانيًّا أو يهوديًّا: لم تحل ذبيحته؛ لأنه ليس كتابيًّا، بل هو مرتد لا تؤكل ذبيحته، وإن كانت امرأة: لم يحل نكاحها؛ للسبب نفسه، وهؤلاء لا يكونون ذميين، ولا معاهِدين، ولا مستأمَنين؛ لأن هذه الأحوال إنما تكون لكافرٍ أصلي، لا لمرتد، فليس أمام المرتد عن الإسلام إلا أن يرجع لدينه، أو يختار القتل كفرًا على ذلك.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

والمرتد في الاصطلاح: هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعًا، بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل.

والمرتد: له حكم في الدنيا، وحكم في الآخرة:

أما حكمه في الدنيا: فقد بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ( مَنْ بدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ )، وأجمع العلماء على ذلك، وما يتبع ذلك من عزل زوجته عنه، ومنعه من التصرف في ماله قبل قتله.

وأما حكمه في الآخرة: فقد بيَّنه الله تعالى: بقوله ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ).

والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام ، سواء كان جادًّا، أو هازلًا، أو مستهزئًا، قال تعالى: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ).

” الملخص الفقهي ” ( 2 / 565 ، 566 ).

وينبغي التنبه إلى حدَّ الردة – ومثله بقية الحدود – لا يقيمه إلا الخليفة، أو نائبه، بإجماع العلماء، ولا يجوز لآحاد الناس تنفيذ الحدود بأنفسهم.

ثانيًا:

ثم إننا نوضح خطأ وقع فيه السائل، وهو ظنه أن المعاهد هو الكافر الذي يكون بين أظهر المسلمين في بلادهم، وهذا ليس هو ” المعاهِد “، بل هو ” الذمِّي “، والمعاهد هو الكافر يكون في بلده، وبيننا وبينه عهد على عدم المقاتلة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والفرق بين الثلاثة – الذمي، والمعاهِد، والمستأمَن -:

أن الذمِّي: هو الذي بيننا وبينه ذمة، أي: عهد، على أن يقيم في بلادنا معصومًا مع بذل الجزية.

وأما المعاهِد: فيقيم في بلاده، لكن بيننا وبينه عهد أن لا يحاربنا، ولا نحاربه.

وأما المستأمَن: فهو الذي ليس بيننا وبينه ذمَّة، ولا عهد، لكنَّنا أمنَّاه في وقت محدد، كرجل حربي دخل إلينا بأمان للتجارة، ونحوها، أو ليفهم الإسلام، قال تعالى: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) التوبة/ من الآية 6. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 9 / 499 ).

ثالثًا:

وأما بخصوص طريقة التعامل معه: فتكون كغيره من الكفار الذين يُتلطف بدعوتهم للإسلام، وليس ثمة حدود تطبق – وللأسف – على المرتدين، فلم يبق أمامكم إلا دعوته بالحسنى، وتذكيره بسالف أيامه يوم كان مسلمًا، وأنه لا بدَّ ويشعر بالفرق بين حياته في الإسلام، وحياته خارجه، ثم يعرَّف على أبناء جلدته من المسلمين؛ ليكون أقرب إلى لغته، وبيئة بلده، وللهدية مفعولها الطيب في نفوس الأحرار، فتعاهدوه بهدايا يحتاجها، تصلون من خلالها لقلبه، وإن كان عنده معاملة متعسرة أن تعينوه عليها، وتسهلوا أمر معاشه، فمن شأن ذلك كله أن يجعله يعيد النظر بفعله، ولعله أن يعود الإسلام قبل موته، ويُكتب ذلك في ميزان حسناتكم.

وهذا كله في المعاملة، أما الحكم: فسبق أنه ليس كالكافر الأصلي، فالمرتد لا يجوز للمسلم أن يرثه، ولا هو يرث مسلمًا، والمرتدة لا تُنكح، وإن كان تحت المرتد امرأة مسلمة: فسخ عقد نكاحها، وغير ذلك من الأحكام، فينبغي التفريق بين الأحكام، والمعاملة، ولو كانت تطبق الحدود الشرعية على المرتدين لما احتجنا لهذا كله؛ لأن المرتد – كما سبق – ليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام، أو يُقتل في حال إبائه.

 

والله أعلم.