الرئيسية بلوق الصفحة 80

ذِكر الخلاف بين الحنفية والجمهور في ابتداء وقت صلاة العصر والراجح من القولين

ذِكر الخلاف بين الحنفية والجمهور في ابتداء وقت صلاة العصر والراجح من القولين

السؤال:

أي المذاهب الإسلامية أكثر صحة في مسألة وقت صلاة العصر؟ لأن صلاة العصر عند الأحناف تبدأ بعد المذاهب الأخرى, فأي المذاهب أصح؟ ومتى تبدأ فعلا صلاة العصر؟. جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

لم يختلف العلماء في ابتداء وقت الظهر، وهو الزوال، لكنهم اختلفوا في نهايته، فذهب الجمهور إلى أن نهايته: حين يصير كل شيء مثله، وذهب الحنفية إلى نهايته حين يصير كل شيء مثليه.

وعليه: فقد اختلفوا في ابتداء وقت صلاة العصر متى يكون، فذهب الجمهور إلى أنه ابتداء وقت صلاة العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، وذهب الحنفية – ووافق صاحبا أبي حنيفة الجمهورَ – إلى أن ابتداء وقت صلاة العصر يكون حين يصير ظل كل شيء مثليه.

والراجح من القولين في المسألتين: هو قول الجمهور، وأنه بنهاية وقت الظهر – وهو حين يصير كل شيء مثله -: يبدأ وقت العصر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ ). رواه الترمذي ( 151 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وقت العصر من حين الزيادة على المثل أدنى زيادة، متصل بوقت الظهر، لا فصل بينهما، وغيرُ ” الخِرَقي ” قال: إذا صار ظل الشيء مثله: فهو آخر وقت الظهر، وأول العصر، وهو قريب مما قال ” الخرَقي “، وبهذا قال الشافعي.

” المغني ” ( 1 / 417 ).

* واستدل الجمهور على ما رجحوه في وقت صلاة العصر بأحاديث صحيحة صريحة، منها:

  1. عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ.

وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ ). رواه الترمذي ( 149 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال الشيخ بدر الدين العيني الحنفي – رحمه الله -:

قوله: ” حين كان ظله مثلَيه ” وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة؛ لأنه عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا صار ظل كل شيء مثله: يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وهو رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، والثوري، وإسحاق. ” شرح سنن أبي داود ” ( 2 / 239 ).

  1. وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: ( صَلِّ مَعِي ) فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الْإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الْإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. رواه النسائي ( 149 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.
  2. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.

رواه البخاري ( 525 ) ومسلم ( 621 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

والمراد بهذه الأحاديث وما بعدها: المبادرة لصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين، وثلاثة، والشمس بعدُ لم تتغير بصفرة ونحوها، إلا إذا صلَّى العصر حين صار ظل الشيء مثله، ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة. ” شرح النووي ” ( 5 / 122 ).

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ. رواه البخاري ( 523 ). ومسلم ( 621 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وإخراج المصنف لهذا الحديث مشعرٌ بأنه كان يرى أن قول الصحابي ” كنَّا نفعل كذا “: مسندٌ، ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار الحاكم، وقال الدارقطني، والخطيب وغيرهما: هو موقوف.

والحق: أنه موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا؛ لآن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج، فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

” فتح الباري ” ( 2 / 27 ، 28 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

وقوله ” كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر “: قال العلماء: منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وهذا يدل على المبالغة في تعجيل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاة بني عمرو في وسط الوقت، ولولا هذا لم يكن فيه حجة، ولعل تأخير بني عمرو لكونهم كانوا أهل أعمال في حروثهم، وزروعهم، وحوايطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم: تأهبوا للصلاة، بالطهارة، وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت لهذا المعنى.

وفي هذه الأحاديث وما بعدها: دليل لمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء: أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه، وهذه الأحاديث حجة للجماعة عليه، مع حديث ابن عباس رضي الله عنه في بيان المواقيت، وحديث جابر، وغير ذلك.

” شرح مسلم ” ( 5 / 122، 123 ).

وقد تم ذِكر جميع الأحاديث في المسألة، والتي أشار إليها النووي رحمه الله، وهي واضحة الدلالة لمذهب الجمهور، وهو أن بداية وقت العصر يكون بمصير ظل كل شيء مثله.

* ومن أدلة أبي حنيفة التي استدل بها على امتداد وقت الظهر إلى حين يصير ظل كل شيء مثليه، وأنه هو وقت ابتداء صلة العصر:

  1. عن عَبْدِ الله بنِ عمَر أَنَّهً سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ). رواه البخاري ( 7029 ).

قالوا:

دل الحديث على أن مدة العصر أقل من مدة الظهر، ولا يكون ذلك إلا إذا كان آخر وقت الظهر المثلين  . ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 173 ).

 

* وقال ابن رشد القرطبي – رحمه الله -:

وذهب أبو حنيفة إلى مفهوم ظاهر هذا، وهو أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أول الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث: فواجب أن يكون أول العصر أكثر من قامَة، وأن يكون هذا هو آخر وقت الظهر.

” بداية المجتهد ” ( 1 / 93 ).

* وردَّ عليهم ابن حزم رحمه الله، فقال:

وليس كما ظنوا، وقد امتحنت الأمر فوجدت القامة تنتهي من النهار إلى: تسع ساعات، وكسر. انظر: ” بداية المجتهد ” ( 1 / 93 ).

والحديث مساق لأجل بيان فضل الله تعالى على هذه الأمة، ولبيان فضل صلاة العصر بالإشارة، وليس فيه تعرض لوقت صلاة العصر، لا في ابتدائها، ولا في انتهائها، وما ذكرناه من أدلة للجمهور هي نصوص في ذات المسألة، ولبيان الوقت ابتداء وانتهاء.

  1. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ). رواه البخاري ( 3086 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ). رواه البخاري ( 512 ) ومسلم ( 615 ).

قالوا:

والإبراد لا يحصل إلا إذا كان ظل كل شيء مثليه، لا سيما في البلاد الحارة، كالحجاز. ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 173 ).

* وهذا الاستدلال بعيد عن الصواب، فالتأخير هنا إنما:

  1. هو للصلاة، لا للأذان، ولا يلزم من دخول الوقت الصلاة، والرخصة في الحر الشديد إنما تؤخَّر بها الصلاة، لا الأذان.
  2. والتأخير هو في صلاة الجماعة في المسجد، في البلاد الحارَّة، على الراجح.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وخصَّه بعضُهم بالجماعة، فأما المنفرد: فالتعجيل في حقه أفضل، وهذا قول أكثر المالكية، والشافعي أيضًا، لكن خصه بالبلد الحار، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بُعد، فلو كانوا مجتمعين، أو كانوا يمشون في كنٍّ: فالأفضل في حقهم التعجيل. ” فتح الباري ” ( 2 / 16 ).  وهو قول بعض الحنابلة أيضًا.

* قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد: أن تكون الصلاة في مسجد، قالوا: وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر، أو متوسطة .

– ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط .

وكذلك قال ابن عبد الحكم، وطائفة من المالكية العراقيين: أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفردًا .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 3 / 66 ).

  1. والإبراد هذا هو في وقت شدة الحر، لا في العام كله.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ومفهومه: أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد.

” فتح الباري ” ( 2 / 16 ) .

* وقد ثبت بقين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد صلوا في شدة الحرِّ:

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو – هُوَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ – قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ” كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ “. رواه البخاري ( 540 ) ومسلم ( 646 ).

فلا مجال بعد هذا للاستدلال بأحاديث الإبراد بوجه من الوجوه.

 

وبه يتبين أن قول الجمهور هو الصواب، سواء في وقت صلاة الظهر، أو في وقت صلاة العصر.

 

والله أعلم.

 

حكم استعمال القطران في آنية الشرب، والرد على خرافة في فك السحر

حكم استعمال القطران في آنية الشرب، والرد على خرافة في فك السحر

السؤال:

في بلدي يستعمل الناس مادة ” القطران ” في آنية الشرب، هل هو مكروه لأنه يضر بالملائكة؟ وما علاقته بالجن؟.

سألت في ” منتدى الخير للرقية الشرعية ” عن رجل نعتبره طالب علم عن السحر فأخبرنا أنه يجوز استعمال فأس قديمة، وذلك بحرقها، والتبول عليها! فأجابوني: بأنها قد أجازها أحد علماء السلف، فما قولكم في ذلك جزاكم الله خيرًا على خدمتكم للإسلام، والمسلمين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

القطِران: طلاء يُستخرج من حرق الحطب، وكانت العرب تستعمله لطلاء ماشيتها؛ حمايةً لها من البَرد، والحشرات، ودواءً لها من الجرَب، كما يُستعمل في طلاء الآنية، ويسمَّى ” القار ” و ” الزفت “، وقد جاء النهي عن الانتباذ في الآنية التي تُطلى به؛ لما يكون معه تغير الطعم بسببه، وقد يصل لحد الإسكار، . ومعنى الانتباذ: أن يوضع الزبيب، أو التمر – مثلًا – في الماء ، في ذلك الإناء، ويشرب نقيعه، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة باسم ” المُقيَّر ” و ” المُزفَّت “.

عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إِنَّ لِي جَرَّةً يُنْتَبَذُ لِي نَبِيذٌ، فَأَشْرَبُهُ حُلْوًا فِي جَرٍّ إِنْ أَكْثَرْتُ مِنْهُ، فَجَالَسْتُ الْقَوْمَ ، فَأَطَلْتُ الْجُلُوسَ خَشِيتُ أَنْ أَفْتَضِحَ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لهم: (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: مَا انْتُبِذَ فِى الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ – وفي رواية (والمُقيَّر ) – ). رواه البخاري ( 53 ) ومسلم ( 17 ).

الحنتم: الجرار الخضر المدهونة أو المصنوعة من الخزف.

الدباء: القرع – اليقطين – إذا يبس اتخذ وعاء.

المزفت: الإناء المطلى بالزفت.

النقير: أصل النخلة ينقر وسطه ويجوف فيتخذ منه وعاء.

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما المُقَيَّر: فهو المزفَّت، وهو المطلي بالقار، وهو الزفت، وقيل: الزفت نوع من القار، والصحيح: الأول؛ فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: المزفَّت هو المقيَّر. ” شرح مسلم ” ( 1 / 185 ).

 

 

* وقال – رحمه الله -:

وأما معنى النهى عن هذه الأربع: فهو أنه نهى عن الانتباذ فيها، وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ ليحلو، ويُشرب، وإنما خُصت هذه بالنهى لأنَّه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حرامًا نجسًا، وتبطل ماليته، فنهى عنه؛ لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه.

” شرح مسلم ” ( 1 / 185 ).

ثم صحَّ نسخ هذا النهي إلى الإباحة، على قول جمهور أهل العلم، على أن ينتبه المنتبذ أن لا يصل النبيذ إلى درجة الإسكار بطول المكث.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ).

رواه مسلم ( 977 ).

وفي لفظ: ( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ وَإِيَّاكُمْ وَكُلَّ مُسْكِرٍ ).

رواه النسائي ( 5654 ) وابن ماجه ( 3405 )، وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

* قال النووي – رحمه الله -:

ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نسخ بحديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا ) رواه مسلم في الصحيح.

هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخًا: هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قال الخطابي: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باقٍ، وكرهوا الانتباذ في هذه الأوعية، ذهب إليه مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مروي عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم. ” شرح مسلم ” ( 1 / 185، 186 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وسر المسألة: أن النَّهي عن الأوعية المذكورة من باب سدِّ الذرائع، إذِ الشرابُ يُسرع إليه الإسكارُ فيها، وقيل: بل النهي عنها لصلابتها، وأن الشراب يُسكر فيها، ولا يُعلم به، بخلاف الظروف غير المزفَّتة، فإن الشرابَ متى غلا فيها وأسكر: انشقت، فيُعلم بأنه مسكر، فعلى هذه العِلَّة يكون الانتباذ في الحجارة، والصُّفر: أولى بالتحريم، وعلى الأول: لا يحرم، إذ لا يُسرِعُ الإسكار إليه فيها كإسراعه في الأربعة المذكورة، وعلى كلا العِلَّتين: فهو من باب سدِّ الذريعة، كالنهى أولًا عن زيارة القبور سدًّا لذريعة الشِّركِ، فلما استقر التوحيدُ في نفوسهم، وقويَ عندهم: أذِن في زيارتِها، غير أن لا يقولوا هُجرًا، وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية: أنه فطمهم عن المسكر، وأوعيته، وسدَّ الذريعة إليه؛ إذ كانوا حديثي عهدٍ بشربه، فلمَّا استقر تحريمُه عندهم، واطمأنت إليه نفوسُهم: أباح لهم الأوعية كُلَّها، غير أن لا يشربوا مسكرًا، فهذا فِقه المسألة، وسِرُّها. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 3 / 607 ).

وبما سبق: يُعرف الجواب عن مسألتك الأولى، وأنه لا حرج عليكم من الشرب من آنية طليت بالقطران، على أن تنتبهوا حين يكون الشراب نبيذًا يطول مكثه.

ولا علاقة للقطران بالجن، ولا بالملائكة، ولم نقف على شيء من المنع من استعمال تلك الآنية لغير ما سبق ذِكره، ثم جاء النص بالإباحة، والذي نعتقده أن ما ذكرته إنما هو من اعتقادات العامة المبنية على الجهل والخرافة.

 

ثانيًا:

وأما ما ذكرتَه من التبول على فأس قديم محماة بالنار، من أجل فك السحر: فهذه من الخرافات التي لا تليق بموحِّد، وقد اطلعنا على الموقع الذي أحلت عليه، ورأينا من أجابك هناك بجواز هذا الفعل، وهو لم ينسبه لعالم من علماء السلف، بل نسبه لابن القيم رحمه الله، وقد أعيانا البحث عن الموضع الذي ذكر فيه ابن القيم الجواز، وهو – رحمه الله – ليس من السلف المتقدمين، ولو كان كذلك، وقال بالجواز: فقوله يحتاج لمستندٍ شرعي، ولا نظنه يثبت عنه، ولا عن غيره، وهو أقرب لفعل المشعوذين، والسحرة الزنادقة.

 

والله أعلم.

زوجته تعذب ابنته من غيرها، وله منها ولد، ومحتار في التصرف معها

زوجته تعذب ابنته من غيرها، وله منها ولد، ومحتار في التصرف معها

السؤال:

تزوجتها بعد طلاقي بسنتين، وأخبرتها أن عندي بنتًا، أرجو أن تحتسب الأجر برتبيتها، ولكنني فوجئت بمعاملتها الأكثر من سيئة لابنتي، وكانت تعذبها، ومرة أوقعتها أرضًا، وجرحت وجهها – كان عمرها سنتين – وتهددها دائمًا بحجة أن البنت لا تستطيع إمساك نفسها عن قضاء حاجتها، نتيجة لهذا تولد لديَّ كره، وحقد، عليها، وطلقتها مرتين، ولي منها ولد عمره سنة ونصف، لم أعد احتمل لؤمها مع بنتي، خاصة أنني في غربة بعيد عن أهلي، وأمي كبيرة في السن، لا تقوى على تربية ابنتي، وأمها تركتها لي وعمرها ثلاثة أشهر، واليوم رجعت للبيت ووجدتها تقول لي: قد أحرقت رجل ابنتك وبطنها بملعقة سخنتها على النار لكي تتعلم أن تدخل الحمام لوحدها ولا تقضي حاجتها – أكرمكم الله – في الغرف، لقد تعبتُ، وحياتي كلها قلق، وخوف، على ابنتي – التي بلغت الآن أربع سنين ونصف – حيث لم أعد أثق بهذه المرأة، ولكنني أفكر بهذا الطفل المسكين.

دلوني إلى هدي الشرع، وانصحوني، حفظكم الله، فقد عييت، ومرضت نفسيًّا، وجسديًّا جراء ذلك.

 

الجواب:

الحمد لله

إن مسلسل معاناتك مع تلك المرأة سيستمر، والقائمة التي ستسوِّدها بسوء أفعالها ستطول، ولن يقف الأمر عند حدٍّ معيَّن تنتهي عنده من تلك الأفعال القبيحة بابنتك الصغيرة، والتي لو كانت بهيمة ما حلَّ لها أن تفعل ما فعلته بها.

 

وإننا لنجزم أنه لو كان ابنك منها يعاني مثل ما تعاني ابنتك من عدم قدرته على قضاء حاجته وحده: ما رأيتَ تلك المعاملة السيئة له كما هو الحال في معاملتها لابنتك، وهذا – للأسف – يكثر في زوجات الآباء، ويعاني منه كثيرون وكثيرات.

 

* والذي ننصحك به هو:

أنك تقف مع الأمر وقفة جادة وسريعة، وتحاول غرس معاني الحب، والرحمة، والعطف، في قلبها، فإن فلحتَ في هذا ونجحت: فقد تم لك ما تريد، وأبقها في عصمتك.

 

وإن لم ينجح معك هذا الأمر: فليس أمامك إلا الطلاق, ولم ننصحك بالقسوة، والشدة؛ لأن من شأن ذلك أن يزيد من غيظها على ابنتك، فتتفنن في إيذائها، مع إخفاء معالم جرائمها، ولذا فإن لم تستجب لك وتغيِّر من سلوكها، وتحسِّن من أفعالها باللين، والإقناع: فليس من حلٍّ توقف معاناتك به إلا الطلاق، والآن خير من غدٍ، وها أنت تشعر بعذاب ابنتك، وتسمع أناتها، وترى جرح وجهها وحرق رجلها وبطنها، ومع ذلك تقف حائرًا؛ لوجود ابنٍ لك منها: فكيف لو كثر الأولاد إذن؟!.

 

ولعلك بتطليقك لها الطلقة الأولى أن تراجع نفسها، وتعيد النظر في أفعالها، فإن استجابت لنداء الفطرة، والعقل، والشرع، وتركت ما هي عليه من سلوك مشين ، وتصرفات قبيحة مع ابنتك: فأرجعها إلى عصمتك، وإلا فلتكمل عدتها، ويعوضك الله خيرًا منها، فالنساء اللاتي في قلوبهن رحمة، وعطف، وحنان، أكثر من أن يُحصين.

 

وننصحك في أثناء قضاء عدة طلاقها في بيتك: أن لا تكون ابنتك معها، بل اجعلها عند أحد من أقربائك، أو الثقات من جيرانك وأصدقائك؛ فلعلها أن تنتقم منها بسبب طلاقك لها، ونحن لا ندري كيف ستواجه هي الأمر؛ فالنساء يختلفن، ولذا نخشى على ابنتك منها، حتى ترى بنفسك صلاحًا لحالها، وندمًا على أفعالها، فإن آل الأمر إلى ذلك فقد نجح العلاج، وإلا ففراقها لا يؤسف عليه، ويغنيك الله عنها، ويعوضك خيرًا منها.

 

والله أعلم.

ماذا يفعل من وجد أثر مذي على ثوبه بعد الصلاة؟

ماذا يفعل من وجد أثر مذي على ثوبه بعد الصلاة؟

السؤال:

ما حكم من وجد آثار المذي بعد الصلاة، مع أنه تثبت من طهارة الثوب قبل الوضوء، مع العلم أن هذا يتكرر كثيرًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المذي: ماء رقيق، يخرج عند الملاعبة، أو التذكُّر، ويَضرب إلى البياض، وقال الرافعي: فيه ثلاث لغات، الأولى: سكون الذال، والثانية: كسرها مع التثقيل (تثقيل الياء )، والثالثة: الكسر مع التخفيف.

– انظر ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 314 ).

ثانيًا:

وبخصوص مسألتك: فثمة أمران يهونان عليك:

الأول: الاختلاف في نجاسة المذي، فهو نجس عند جمهور العلماء، ونجس نجاسة مخففة عند بعضهم، وطاهر عند قليل منهم.

عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْ الِاغْتِسَالِ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: ( يَكْفِيكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ ). رواه الترمذي ( 115 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 210 ) وابن ماجه (506)، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وروي عن أحمد رحمه الله أنه – ( أي : المذي ) – بمنزلة المني – ( أي : كلاهما طاهر ) -، قال في رواية محمد بن الحكم: إنه سأل أبا عبد الله – ( أي: الإمام أحمد ) – عن المذي أشد أو المني؟ قال: ” هما سواء ، ليسا من مخرج البول، إنما هما من الصلب والترائب، كما قال ابن عباس: هو عندي بمنزلة البصاق والمخاط “.

وذكر ابن عقيل نحو هذا، وعلّل بأن المذي جزء من المني؛ لأن سببهما جميعًا: الشهوة؛ ولأنه خارج تحلله الشهوة أشبه المني. ” المغني ” ( 1 / 767 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

أما المذي: فيعفى عنه في أقوى الروايتين؛ لأن البلوى تعم به، ويشق التحرز منه، فهو كالدم، بل أولى؛ للاختلاف في نجاسته؛ والاجتزاء عنه بنضحه.

” شرح العمدة ” ( 1 / 104، 105 ).

فتحصَّل من وصف إصابة المذي للثوب أشياء:

  1. أنه البلوى تعم به.
  2. أنه يشق التحرز منه.
  3. أنه ليس له أثر كالبول والمني، فلا يكاد يعرف صاحبه البقعة التي عليها المذي، ولذا جاء في الحديث السابق ( فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ ).

والثاني: أنه لو كان الثوب يتنجس به: فإنه لا شيء عليك؛ لأنك تفقدت ثيابك قبل الصلاة، بل لو أنك علمتَ بهذا الأثر قبل الصلاة ونسيت إزالتها ما كان عليك إعادة، وأبلغ من ذلك: أنك لو علمتَ بها قبل الصلاة ونسيت إزالتها حتى صليت بها: أيضًا لم يكن يلزمك الإعادة.

وبكل ذلك قال العلماء المحققون، وهو يتناسب مع يسر الشريعة وسماحتها.

أ. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية  – رحمه الله -:

النجاسة إنما يثبت حكمها: مع العلم، فلو صلَّى وببدنه، أو ثيابه نجاسة، ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة: لم تجب عليه الإعادة، في أصح قولي العلماء، وهو مذهب مالك، وغيره، وأحمد في أقوى الروايتين، وسواء كان علمها ثم نسيها، أو جهلها ابتداء. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 184 ).

ب. * وقال ابن القيم – رحمه الله -:

ولو صلَّى في ثوب لا يعلمُ نجاستَه، ثم علِمها بعد الصلاة: لم يُعد الصلاة؛ فإن اجتهد: فقد صلى في ثوب يغلب على ظنه طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير.

فالمؤثر في بطلان الصلاة: العلم بنجاسة الثوب، لا نجاسته المجهولة، بدليل: ما لو جهلها في الصلاة، ثم علمها بعد الصلاة: لم يُعد الصلاة، فهذا القول ظاهر جدًّا، وهو قياس المذهب. ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 1256 )  طبعة عالم الفوائد.

ج.* وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

من رأى عليه نجاسة بعد الصلاة، ولا يدري متى حدثت: فصلاته صحيحة، وكذا لو كان عالمًا بها قبل الصلاة، لكن نسي أن يزيلها: فصلاته صحيحة، على القول الراجح.  ” الملخص الفقهي ” ( 1 / 112 ).

 

والله أعلم.

تزوجت بأمريكي أعلن إسلامه ثم ترك الصلاة وأنكر خلق الله للسموات، فماذا تصنع؟

تزوجت بأمريكي أعلن إسلامه ثم ترك الصلاة وأنكر خلق الله للسموات، فماذا تصنع؟

السؤال:

أنا سعودية، ومتزوجة من أمريكي، أعلن إسلامه حينما تزوجنا، والآن لا يصلي، ولا يريد الكلام عن أي شيء يخص الإسلام، ولي أربعة أطفال، وأنا أعلمهم شيئًا، وهو لا يهمه ولا شيء، لقد زنا! وقال لي: بأني لا أعني له أي شيء، وأصبح لا يقترب مني، أنا أعلِّم أبنائي القران والصلاة، ولكنهم يسألوني: لماذا نحن نصلي وأبونا لا يصلي؟! وفي يوم من الأيام جلسنا مع زوج ابنتي وزوجي، ووجدت بأن زوجي لا يؤمن بأنه الله هو الذي خلق السموات والأرض، خائف كثيرًا من اتخاذ قرار الطلاق لأني لا أعمل! وأهلي قالوا لي: أنتِ التي اخترت فعيشي حياتك، وقرري ما هو صالح لك، حاولت الكثير مع زوجي، ونصحه, ويرفض الاستجابة، لي سنة وأنا أحاول، وأعلم بأنك سوف تقول لي: لماذا الآن قررت؟ لأني تعبت كثيرًا من غضب ربي، وأن أعمل شيئًا لربي.

أرجوك، ثم أرجوك، أريد منك المساعدة، أبكي ليلًا، ونهارًا، أريد الهداية، ورضى ربي، أسعفني، أرجوك.

 

الجواب:

الحمد لله

لا ندري كيف يمكن لزوجة مسلمة تؤمن بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا أن تمكث دقيقة مع مثل ذلك الزوج الخبيث الملحد؟! ولا ندري كيف وصل الحال بأهل تلك الزوجة إلى أن يتخلوا عنها، ويجعلوا الأمر لها, بدلًا من أن يقفوا معها في محنتها هذه مع ذلك الزوج الملحد.

وإذا كان ثمة خلاف بين العلماء في حكم تارك الصلاة، وحكم استمرار عقد الزوجية مع من لا يصلي من الأزواج – والراجح أنه يكفر بتركها -: فإنه ليس ثمة خلاف في كفر من أنكر خلق الله تعالى للسموات والأرض، وبذا يكون حال عقدك البطلان، والفساد، بلا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم؛ لأنه يصير بذلك مرتدًّا إن كان قد أسلم أولًا.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) الممتحنة/ من الآية 10.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

أي: لم يحلَّ الله مؤمنةً لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة، وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فُرقة المسلمة من زوجها: إسلامها، لا هجرتها.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 63 ) .

وعليه: فلا يسعكِ الآن عمل شيء سوى التخلص من ذلك الملحد بفراقه بالطريقة التي تتيسر لك، وأما عقد الزوجية: فهو في حكم الشرع مفسوخ، ولا يحل لك الظهور أمام ذلك الملحد، وهو أجنبي عنك، وليس له ولاية على أولادك، واحذري من جعل الأولاد عائقًا بينك وبين طلب الفسخ؛ فإن هذا ليس بمعذرك عند ربك.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وكثير من النساء – والعياذ بالله – يمنعهن وجود الأولاد عن طلب الفسخ، وهذه مسألة عظيمة، فيقال: افسخي النكاح، ولا يجوز أن تبقي مع هذا الكافر الذي لا يصلي، وأولادك لن يفارقوك ما دام أبوهم على هذه الحال، فلا ولاية له عليهم، فالكافر لا ولاية له على مؤمن: ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاًً ) النساء/ 141، فلن يفرق بينك وبين أولادكِ، وأما هذا الزوج : فلا خير فيه، زوج كافر تتركيه يستحل منك ما يحرم! هذا منكر عظيم.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 250 ).

وأما طرق التخلص منه، وأخذ ولاية الأولاد: فمرجع ذلك إلى ما يتيسر من سبيل بحسب القوانين المعمول بها في البلد الذي تعيشين فيه، والمهم في كل ذلك أن تبدأ إجراءات فراقه فور وصول جوابنا إليك، وأن تمتنعي من البقاء معه فورًا دون تردد، إما بمغادرتك البيت، أو مغادرته هو، ولا بدَّ أن يقف أهلك معك، ولا بدَّ أن تعرضي أمرك هذا على المسلمين ليقفوا بجانبك، ولا يحل لأحد يقدر على مساعدتك منهم أن يتخلى عنك، وإن طلب هذا الملحد مالًا وجب عليهم أن يؤدوه له؛ لتخليصك منه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن وصل – أي: الزوج – إلى الكفر: فإن الخلع هنا واجب، فيجب أن تفارقه بكل ما تستطيع، ويجب على من علم بحالها من المسلمين إذا كان زوجها – مثلًا – لا يصلي: أن ينقذوها منه بالمال؛ لأنها في مثل هذه الحال في الغالب لو حاكمته إلى القاضي: فإنها لن تحصل على طائل ….

ففي مثل هذه الحال: إذا علمنا صدق المرأة، وأن الزوج قد طلب لفراقها كذا من المال: فإنه يجب علينا – فرض كفاية – أن نخلصها منه؛ لأن بقاء المسلمة تحت الكافر: أمرٌ محرم، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، ولا يمكن أن تبقى عند هذا الرجل الكافر يتمتع بها. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 459 ).

 

 

 

* وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وموقع قوله: ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) موقع البيان والتفصيل للنهي في قوله: ( فلا ترجعوهن إلى الكفار ) تحقيقاً لوجوب التفرقة بين المرأة المؤمنة وزوجها الكافر.

وإذ قد كان المخاطَب بذلك النهي جميع المؤمنين كما هو مقتضى قوله: ( يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ) إلى آخره: تعين أن يقوم بتنفيذه من إليه تنفيذ أمُور المسلمين العامة في كل مكان، وكل زمان، وهم ولاة الأمور، من أمراء، وقضاة، إذ لا يمكن أن يقوم المسلمون بما خوطبوا به من مثل هذه الأمور العامة إلاّ على هذا الوجه، ولكن على كل فرد من المسلمين التزام العمل به في خاصة نفسه، والتزام الامتثال لما يقرره ولاة الأمور. ” التحرير والتنوير ” ( 28 / 156 ).

وإن كنتِ تعيشين في ” أمريكا ” – كما هو في بيانات السؤال -: فهذه ضريبة العيش في مثل تلك الديار الخربة، وعليك أن تسعي في مغادرة تلك الديار دون تأخير، وترجعين إلى أهلك، وبلدك، تربينهم على الإسلام، وتحفظينهم كتاب الله تعالى، دون أن يروا قدوة سيئة تصدهم عن الاستمرار، ودون أن توجد موانع تمنعهم من المتابعة فيما هو خير لهم.

ولذا فحقَّ لك أن تبكي ليل نهار على ما وصل إليه حالك، ولكن البكاء لا يجدي نفعًا، فبادري بالعمل، واسعي لتغيير ذلك الحال، بنقض عقد الزوجية، وعدم تمكينه منك، ومن رؤيتك، وبالرجوع إلى أهلك وبلدك.

 

ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، وأن يحفظ عليك دينك، وأن يرزقك برَّ أولادك.

 

والله أعلم.

معاناة مسلمة جديدة مع أهلها, وتسأل هل يجوز لها نزع الحجاب من أجل العمل؟

معاناة مسلمة جديدة مع أهلها, وتسأل هل يجوز لها نزع الحجاب من أجل العمل؟

السؤال:

أسلمت منذ عام، بفضل الله، وأحاول أن أكون مسلمة، ملتزمة بأوامر الله، بقدر استطاعتي، مع أن والداي يرفضان فكرة إسلامي، حتى عندما أصلي أمامهما يصرخان في وجهي، ويأمراني أن أكف عن هذا، كذلك عندما أرتدي الحجاب يطلبان مني أن أنزع الحجاب، قمت بالتحول الى مدينة أخرى، حيث يوجد المسلمون بكثرة، ولكن مشلكتي أنني لا أحد يعولني، وأحتاج إلى عمل، وأرباب الأعمال هنا يرفضون توظيفي لأني مرتدية للحجاب، فهل يجوز لي أن أتخلى عن الحجاب في هذه الحالة؟ كما أن عليَّ بعض الديون للبنك من قبل أن أُسلم، والفوائد طبعاً تزداد يومًا بعد يوم، فهل أنا آثمة بسبب هذه الفوائد الربوية والحالة هذه ( عاطلة عن العمل )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله ونشكره أن وفقك للإسلام، خاتَم الأديان، ونسأله تعالى أن يثبتك على الحق، وأن يسددك، وأن يصبِّرك على ما تلقينه من مشاق، وأن يكتب لك الأجر كاملًا.

ثانيًا:

واعلمي أيتها الأخت المهتدية أن طريق الهداية وإن كان سلوكه بمشقة وجهد، لكن عواقبه إلى راحة وسعادة، والمسلم في سبيل سعادته الأبدية، وراحة باله السرمدية يبذل ما في وسعه لنيل ذلك المطلوب المحبوب.

واعلمي أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن جزء من تلك السعادة التي يثاب بها المسلم في الجنة، مقارنة مع ما عاناه في دنياه من بؤس وشقاء، فقال لنا: (يُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ ) رواه مسلم ( 2807 ).

– والصَّبغة هي: الغمسة.

فإذا كان أبأس أهل الأرض من أهل الجنة ينسى ما عاناه في دنيا ولو استمر طويلًا بغمسة يُغمسها في جنة الله تعالى: فكيف تكون حاله عندما تكون الجنة مستقرَّه، ومأواه، أبد الآبدين؟!.

وما أصابك ويصيبك من معاداة أهلك لهدايتك، واستقامتك: قد أصيب الأنبياء عليهم السلام فيما هو أعظم منه، وكذا أتباعهم الذين استقاموا واهتدوا.

قال تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) إبراهيم/ 13.

قال: ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) الذاريات/ 52.

وقال: ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ ) الأنعام/ 34.

وقال الله تعالى عن قوم إبراهيم عليه السلام لما دعاهم إلى التوحيد: ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ ) الأنبياء/ 68 – 70.

وهذا كان بعضًا مما لقيه رسل الله من أقوامهم، وإنما ذكرنا من ذلك أمثلة، وانظري كيف كانت العاقبة للمتقين، والخزي والنار للكافرين.

* وقد قال تعالى في بعض ما أصاب به الكفارُ المؤمنين بسبب إيمانهم:

( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ . وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) المطففين/ 29 – 36.

وقال تعالى: ( قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) البروج/ 4 – 9.

ومثل قلنا في الرسل الكرام نقول في صحبهم وأتباعهم، وما كانت عاقبة المؤمنين إلا خيرًا، وقد يجدون ذلك في دنياهم، أو يؤخر لهم ليجدونه في الآخرة، في جنات ربهم تعالى.

ثالثًا:

وأما بخصوص ما تسألين عنه من نزع الحجاب من أجل العمل: فهو ما لا ننصحك بفعله، وننصحك بالصبر على ما تجدينه من عنَت كما صبر من قبلك من الأنبياء وأتباعهم، تصبرين على ما تعانينه من أهلك، وتصبرين على عدم وجود عمل يتناسب مع التزامك واستقامتك، وبعد العسر يكون اليسر إن شاء الله.

ولا تظنين أن وجودك لعمل مختلط، ويَشترط عليك أصحابه نزع الحجاب أن هذا هو سبيل النجاة مما تعانينه من عنت ومشقة، بل قد يكون هذا بداية لأبواب أخرى من المشاق تُفتح عليك، ومنه ما سترينه مما يحصل عادة في أماكن الاختلاط، وبخاصة في بلدانكم التي تعاني النساء منها كثيرًا، من التحرش الجنسي بهن بأنواعه، اللفظي، والعملي، والنسَب في ذلك مهولة، وهي ليست من عندنا، بل من عندهم، وهم في الغالب يقولون بأن الحقائق أكثر من هذا، والسبب هو عدم تبليغ النساء عما يقع لهن من تحرش الرجال بهن.

وهذا كله مع عدم جواز ذلك شرعًا، والتنازل عن الحجاب سيفتح الباب للتنازل عن أشياء أخرى قد يطلبها أرباب العمل، كالخلوة بالرجال، وحضور الاحتفالات الصاخبة، وشرب الخمر، والتعرف على الأجانب، والسفر وحدك، أو مع موظفين ممن يعملون معك، وهكذا في سلسلة طويلة من المخالفات الشرعية، والتنازل عن الحجاب قد يسهِّل ذلك كله، ويكون مدخلا كبيرًا للشيطان لتنفيذ قائمة طويلة من تلك المخالفات.

ولذا فقد جاء الأمر بالصبر على الطاعة، والوصية به في مواضع كثيرة من كتاب الله؛ لما للصبر من عواقب طيبة على الصابر، ومن ذلك:

  1. قال تعالى: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) طه/ 132.
  2. وقال تعالى: ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) لقمان/ 17.

رابعًا:

والذي ننصحك به إجمالًا، وباختصارا:

  1. الصبر على طاعة الله، وعن معصيته.
  2. ملازمة الدعاء أن يفرِّج الله كربك.
  3. مداومة دعوة أهلك للإسلام، والتلطف في ذلك، والصبر عليه.
  4. احرصي على البحث زيادة، فلعل الله أن ييسر لك عملًا شرعيًّا في مدرسة إسلامية، أو في مكان خاص بالنساء، أو وأنت في بيتك، ونرجو منك مراسلة المراكز الإسلامية القريبة منك والبعيدة؛ فقد يوجد عندهم من الفرص الشرعية ما يخفى عليك العلم به إلا من طريقهم.

– ونسأل الله أن يصبرك، ويسددك.

  1. أن تعرضي نفسك على رجل مسلم صالح ليتزوجك، وليس في ذلك ما يعيب في شرعنا، ونرى أن هذا الزواج سيحل مشكلاتك كلها إن يسَّر الله لك زوجًا صالحًا.

 

خامسًا:

وإذا عملتِ بما قلنا لك، ونصحناك به، وضاقت عليك الأمور حتى خفتِ على نفسك الهلاك، أو الفتنة في دينك، أو أنك ستعرضين نفسك للمذلة بالطلب من الناس المال، أو السكن في بيئة لا تصلح لك: فاعلمي أنه يجوز في شرعنا ارتكاب المحظور عند الضرورة، ومثل هذه الأشياء لو وصل حالك لها – لا قدَّر الله – فتكون الضرورة قد تحققت، فيجوز لك نزع الحجاب للعمل حتى تحافظي على دينك، وتجنبي نفسك الذل، والفتنة، قال الله تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة/ 173.

* على أن تأخذي بعين الاعتبار:

  1. أن حالك إن تغيَّر للأحسن بالزواج، أو بوجود عمل شرعي : فيرتفع عنك جواز فعل المحظور، ويجب عليك التزام الحجاب.
  2. أن الضرورة تقدَّر بقدرها، فاستري ما تستطيعين من بدنك، ولا تكشفي إلا ما يؤدي الغرض، فلا يلزم من قولنا بجواز نزع الحجاب أن تلبسي الضيق من الثياب، أو القصير، بل عليك أن تحافظي على سترك بما يمكنك ستره.
  3. أن تحرصي أن يكون العمل مباحًا في ذاته، حتى لا تجمعي على نفسك أمرًا آخر فيه إثم من غير حاجة، ولا ضرورة.
  4. أن تحرصي على أن تكون بيئة العمل بعيدة عن الفتنة، فتحرصين على عمل فيه نساء، أو يغلب على القِسم النساء، وهذا أدعى للأمان، والبعد عن الفتنة والريبة.

 

– ونسأل الله أن يفرِّج كربك، ويزيل همك، ويرزقك الصبر والاحتساب.

 

والله أعلم.

ما حكم لبس القصير والشفاف والضيق من اللباس للأزواج، وما حكم الدمى الجنسية؟

السؤال:

ما حكم لبس القصير والشفاف والضيق من اللباس للأزواج بعضهم لبعض، وما حكم الدمى الجنسية؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأصل: أن تتزين المرأة لزوجها، ويتزين لها، كلٌّ بما يباح لهما من اللباس، والطيب، وغير ذلك.

قال تعالى: (  وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) البقرة/ من الآية 228.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَلَهُنَّ ) أي: لهنَّ من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن، ولهذا قال ابن عباس: ” إني لأتزينُ لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقَّها الذي لها عليَّ؛ لأن الله تعالى قال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ” أي: زينة من غير مأثم.

” تفسير القرطبي ” ( 3 / 123 ).

 

ثانيًا:

والأصل – كذلك -: أنه يجوز أن تلبس المرأة أمام زوجها ما تبين به عورتها، والزوج كذلك؛ لأن الأمر بحفظ العورة لا يدخل فيه ما بين الأزواج بعضهم مع بعض، ولا ما بين الأزواج وملك يمينهم.

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَوْرَاتُنَا مَا نَأتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ :‏ ( احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ‏) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَالَ: ( إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا )، قَالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيا، قَالَ: ( اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ ).

رواه الترمذي ( 2794 ) وأبو داود ( 4017 ) وابن ماجه ( 1920 )، وحسنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

 

 

ثالثًا:

وعليه: فهل يجوز للزوجة أن تلبس لزوجها القصير من الثياب، والشفاف الذي يشف، والضيق الذي يصف؟ والجواب: نعم، يجوز ذلك، ومثله لبس الزوج لها مثل ذلك، وحيث جاز لكلا الطرفين أن يرى الآخر عاريًا: فإنه لا وجه لمنع تلك الأحوال من الثياب – القصيرة، والشفافة، والضيقة -.

وهذه فتاوى أهل العلم في هذا:

  1. * سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل لبس المرأة الثوب الشوال الضيِّق حرام أم لا، علمًا أنها تقصد بذلك التجمل لزوجها فقط؟  .

فأجابوا:

إذا كانت المرأة تستعمل ذلك عند زوجها فقط: فلا بأس، وإلا فلا يجوز؛ لما فيه من تحديد الجسم في الغالب، وإبراز مفاتن المرأة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 24 / 34 ).

  1. وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 136 ):

لا يجوز لبس الرقيق من الثياب إذا كان يشفُّ عن العورة، فيُعلم لون الجلد من بياض، أو حمرة، سواء في ذلك الرجل، والمرأة ولو في بيتها، هذا إن رآها غير زوجها؛ لما يأتي من الأدلة، وهو بالإضافة إلى ذلك: مخل بالمروءة، ولمخالفته لزي السلف، ولا تصح الصلاة في مثل تلك الثياب، ويجوز للمرأة لبسه إذا كان لا يراها إلا زوجها.

انتهى.

  1. * وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

لا يجوز للمرأة أن تلبس القصير من الثياب أمام أولادها، ومحارمها، ولا تكشف عندهم إلا ما جرت به العادة بكشفه مما ليس فيه فتنة، وإنما تلبس القصير عند زوجها فقط. ” المنتقى من فتاوى فضيلة الشيخ صالح الفوزان ” ( 3 / 170 ).

  1. * وقال الشيخ صالح الفوزان أيضًا:

لا شك أن لبس المرأة للشيء الضيِّق الذي يبيِّن مفاتن جسمها: لا يجوز، إلا عند زوجها فقط، أما عند غير زوجها: فلا يجوز، حتى لو كان بحضرة النساء؛ لأنَّها تكون قدوة سيئة لغيرها، إذا رأينها تلبس هذا: يقتدين بها.

وأيضًا: هي مأمورة بستر عورتها بالضافي والساتر عن كل أحد، إلا عن زوجها، تستر عورتها عن النساء كما تسترها عن الرجال، إلا ما جرت العادة بكشفه عن النساء، كالوجه واليدين والقدمين، مما تدعو الحاجة إلى كشفه.

” المنتقى من فتاوى فضيلة الشيخ صالح الفوزان ” ( 3 / 176، 177 ).

 

رابعًا:

وينبغي مراعاة الأحكام الشرعية الأخرى المتعلقة بذلك اللباس القصير، والشفاف، والضيق، لكلا الزوجين.

  1. فلا يجوز للرجل لبس الثياب الطويلة التي تمس الكعبين؛ للنهي عن الإسبال.
  2. ولا يجوز له لبس الثوب الأحمر، المزعفر، والمعصفر، ويجوز ذلك للزوجة.
  3. ولا يحل له لبس اللباس المصنوع من الحرير الطبيعي، دون الحرير الصناعي.
  4. ولا المصنوع من جلود الحيوانات غير مأكولة اللحم ولو كانت مدبوغة.
  5. ولا يحل لهما لبس ثياب الكفار الخاصة بهم.
  6. ولا يجوز لبس الزوجة لما يختص به الرجال من لباس، كلبس الثوب والشماغ، ولا يجوز للزوج لبس اللباس الخاص بالنساء كالفستان، والتنورة.

 

خامسًا:

وأما الدمى الجنسية: فهي من أسوأ ما لدى الغرب من قاذورات، وقد جعل بعضهم لتلك الدمى من المتاجر ما يختص به دون غيره من المبيعات، بل وفي بعض الدول الغربية تم إنشاء حزب باسم ” حزب الجنس “! وجُعل منطلقه متجر كبير لبيع الدمى الجنسية! وقد اتخذ أولئك الشذاذ تلك الدمى بديلًا عن الشريط الطبيعي، فصنعوا لهم دمية تشبه المرأة في هيئتها، وملمسها، وحركاتها، ولباسها الفاضح، بل وجعلوها تتحرك وتتكلم بما يثير الرجل ليشبع رغبته الجنسية الخسيسة في ” بلاستيك “! ومثل ذلك صنعوا للمرأة، وبعض دمى الرجال تقذف الماء في رحم المرأة الشاذة! ونأسف أن نذكر هذا في موقعنا، لكن لا بدَّ للمسلمين أن يعلموا أن وصلت تلك العقول، وأين بلغت بها الشهوة الخسيسة، وأن يحمدوا الله كثيرًا على ما أنعم عليهم من دين عظيم، ومن فطرة سليمة.

وقد توصلت ” المنظمة الهولندية لبحوث العلم التطبيقي ” إلى أن الدمى الجنسية تحوي نسبًا عالية جدًّا من العناصر الملينة البلاستيكية المعروفة باسم ” فثالاتيس ” المحظور استخدامها في لعب الأطفال، وهو ما يسبب أمراضًا لمستعملها، فلا شك أن تحريم شرائها، وبيعها، وتحريم استعمالها هو المتعين قوله؛ لما فيها من محرمات، كاستعمال العادة السرية السيئة، ومخالفة الفطرة، والضرر الذي يسببه استعمالها، مع ما فيها من شذوذ في الأخلاق، وفقدان للمروءة.

 

والله أعلم.

هل تذهب للكنسية مع والديها إرضاء لهما؟

هل تذهب للكنسية مع والديها إرضاء لهما؟

السؤال:

اعتدت أن أذهب الى الكنيسة برفقة والديَّ، ولكن لم أعد أذهب إليها مطلقًا، الأمر الذي جعلهما غاضبيْن مني، فما رأيكم هل أذهب معهما لإرضائهما فقط؟ لا سيما أن والدتي مريضة في هذه الأيام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

دخول المسلم لكنائس النصارى مجردًا فيه خلاف بين أهل العلم، فالجمهور على التحريم، وذهبت طائفة من الحنابلة إلى الكراهة، وطائفة أخرى ذهبت إلى القول بالجواز، ورجحنا: الكراهة.

لكن ينبغي التفريق بين الذهاب للكنيسة المجرد من التعظيم، والتبجيل، لهم، ولدينهم، وبين ما الذهاب الذي يكون فيه شيء من هذه الأحوال مع المسلم الذاهب إلى تلك الكنائس.

وقد سبق في جواب لنا ذِكر بعض المفاسد في الذهاب للكنائس لعقد اجتماعات علمية، كما سبق التنبيه على ترك الدعوة إلى الإسلام فيها إن كان المقصود من ذلك إذلال المسلم.

وليست الكراهة في الذهاب إلى الكنيسة، أو جواز دخولها يشمل الداخل فيها لسماع ما يُقرأ من الإنجيل المحرَّف، أو ادعاء الولد لله تعالى، أو الافتراء عليه في التشريع، بل مثل هذا لا يُشك في حرمته، ولا يجوز لأحدٍ حضور ذلك مجاملة، أو إرضاء لأحدٍ، ولو كانا والديْن، كما سبق ذِكر ذلك عن علماء اللجنة الدائمة في الجواب المحال عليه أولًا، ومثل هذا الدخول يجوز في حال الضرورة، وذلك كأن يكون المسلمُ مُكرهًا إكراهًا ملجئًا من قادر على عقوبته، بما لا يتحمله، فيذهب وقلبه مطمئن بالإيمان، ومتى استطاع التخلص من الذهاب لم يجز له الاستمرار في فعله.

 

ثانيًا:

والذي نراه في مسألتِك: أن الأمر ليس إكراهًا، بل هو من أجل إرضاء والديكِ، وعليه: فلا نرى موافقتهما على الذهاب معهما إلى الكنيسة.

 

والذي ننصحك به في هذا المقام:

  1. التلطف في معاملة والديكِ، وإظهار أكبر درجات الاحترام، والعناية بهما، والرعاية لهما، وخاصة والدتك المريضة، ومن شأن هذه المعاملة أن تجعلهم يغضون النظر عن إلزامك بالذهاب معهما إلى الكنيسة، فضلًا عن الغضب منكِ في حال لم تذهبي.
  2. إبداء العذر المناسب الذي لا يجعلهما يغضبان منك، كالبقاء في البيت للدراسة، أو من أجل استقبال ضيفة من زميلاتك، وغير ذلك من الأعذار المناسبة.
  3. تجنب الطعن في دينهم مباشرة، أو تسفيه ما يقال في الكنسية.
  4. محاولة صرفهم عن الذهاب إلى هناك، مع إبداء عذر مقنع لك: وهو وجود الكم الهائل من أبناء دينهم ممن لا يذهبون لتلك الكنائس، ويفضل الإتيان بإحصائيات في ذلك، سواء منها ما يتعلق بخصوص بلدتكم، أو بعموم بلدكم.
  5. عدم التقصير في دعوتهم للإسلام بالتي هي أحسن، عن طريق الكتيبات، أو الأشرطة، أو زيارة المواقع الإسلامية، أو القنوات الفضائية الإسلامية، كقناة ” الهدى ” باللغة الإنجليزية.
  6. الصبر والاحتساب على ما تلاقينه من معاملة قاسية منهما، أو من غضب، بسبب عدم ذهابكما معهما، ونسأل الله أن يجعل ذلك في ميزانك يوم تلقينه.
  7. المداومة على الدعاء لهما بالهداية، واحرصي على الأوقات الفاضلة للدعاء كالثلث الأخير من الليل، واحرصي عليه في خير حالات المؤمن، وهو السجود في الصلاة.

 

ونسأل الله أن يوفقك في مسعاكِ، وأن يثبتك على الحق والهدى، وأن يهدي والديك، ويكرمك برؤيتهما مسلميْن، موحديْن لربهما تعالى، وأن يُدخلكم جميعًا جنته.

ونرحب بتواصلك معنا، وتزويدنا بأخبارك مع والديك، وإذا قدَّر الله لهما الهداية أن تفرحينا بهذا الخبر.

 

والله الموفق.

 

عبارة ” يا رسول الله ” متى يجوز قولها، ومتى لا يجوز

عبارة ” يا رسول الله ” متى يجوز قولها، ومتى لا يجوز

السؤال:

هناك سؤال في ” قسم التوحيد ” إجابته تقول: إنه لا يجوز أن يقول الشخص ” يا رسول الله ” إذا كان المقصود به الاستنجاد، أو التوسل، لكن ماذا لو كان في سياق شِعري، هل يجوز أن يُقال ذلك؟.

أرجو التدليل من الكتاب والسنَّة؛ لأن لدي صديقًا غير مقتنع، وأريد أن أبيِّن له الحكم في ذلك بالأدلة القاطعة الصحيحة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

استعمال عبارة ” يا رسول الله ” لها أحوال، ولكل حال حكم، ومن هذه الأحوال:

  1. أن تأتي في سياق نداء النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي، حاضر، مواجهة.

وأمثلة ذلك في الشرع أكثر من أن تُحصر، فالصحابة الذين يسألون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون ” يا رسول الله “، أو يخاطبونه بهذه العبارة: كل ذلك داخل تحت هذه الحال، ولا يخفى أن استعمالها ليس فيه محذور، وهو من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم.

ونذكر في هذا الباب حديثًا يحسن التمثيل به:

عن أنس بن مالك قال: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ….

رواه البخاري ( 967 ) ومسلم ( 897 ).

وهذا النداء للنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو في طلب الدعاء من النبي صلى الله وسلم، وهو من أنواع التوسل الجائزة، وهو التوسل بدعاء الرجل الصالح في حياته.

  1. أن تأتي في سياق خطاب لكن لحاضرٍ في القلب، والذهن.

والأمثلة على ذلك من الشرع كثيرة، ومنها:

أ. عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ ) فَقَالَ: ادْعُهُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ “.

رواه أحمد ( 28 / 487 ) وصححه الشيخ الألباني في ” التوسل ” ( ص 72 ).

وهذا الحديث في التوسل أيضًا، وفيه مخاطبة النبي صلى الله عليه بعينه، فهو من التوسل بدعاء النبي صلى الله وسلم ربَّه في حياته.

وقوله ” يا محمد إني توجهت بك إلى ربي ” أي: أتوجه بدعائك الذي وعدتني به، حين قلتَ لي ( إن شئتَ دعوتُ لك )، ومما يدل على هذا: قوله في نهاية الدعاء ” اللهم فشفّعه فِيَّ “، أي: اقبل دعاءَه فيَّ.

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

المعنى: اللهم اقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم فيَّ، أي: اقبل دعاءه في أن تردَّ عليَّ بصري، والشفاعة لغة: الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له صلى الله عليه وسلم، ولغيره من الأنبياء، والصالحين، يوم القيامة، وهذا يبيِّن أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره قال في ” لسان العرب “:

” الشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب، يقال تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه “.

فثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم، لا بذاته . ” التوسل ” ( ص 73 ).

والصحابي الضرير لما قال هنا ” يا محمد ” على أي الحالين السابقين يُحمل؟ قولان للعلماء:

  1. فمن العلماء من قال إنه من القسم الأول، وأن هذا الصحابي كان قد صلَّى بجانب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد الصلاة خاطبه بهذا القول، وصار قوله ” يا محمد ” على هذا الوجه: ليس دعاء، وإنما هو تكلم مع حي، حاضر.
  2. ومن العلماء من حمله على الحال الثانية، وأنه خطاب لحاضر في القلب كأنه يشاهده، وعلى هذا أكثر أهل العلم.

وفي كلا الحالين هو من استعمال العبارة في مكانها الشرعي الجائز، فليس هذا نداء لبعيد، ولا استغاثة، بل هو مخاطبة لحي، حاضر، إما مواجهة، أو لحاضر في القلب، والذهن.

 

 

* قال الشيخ سليمان بن سحمان – رحمه الله -:

قال الطِّيبي: الباء في ” بك ” للاستعانة، وقوله: ” إني توجهت بك ” بعد قوله: ” أتوجه إليك ” فيه معنى قوله: ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه ) البقرة/ 255، فيكون خطابًا لحاضر معاين في قلبه، مرتبط بما توجه به عند ربه، من سؤال نبيه بدعائه، الذي هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية، بعد الصيغة المضارعية، المفيد كل ذلك: أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيِّه في دعائه، فكأنه استحضره وقت ندائه، انتهى.

” الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق ” ( ص 539 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقوله ” يا محمد “، ” يا نبي الله “: هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطَب لشهوده بالقلب، كما يقول المصلي ” السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته “، والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا، يخاطِب مَن يتصوره في نفسه، إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.  ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 416 ).

ب. وأوضح مثال على هذه الحال الثانية: ما يقوله المصلون في مشارق الأرض ومغاربها، قديمًا وحديثًا، في صلاتهم في التشهد: ” السلام عليك أيها النبي … ” فهو ليس خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يخاطبه من لا يراه؟! إنما هو خطاب مع استحضار شخصيته صلى الله عليه وسلم كأن المصلي يراها، وهو ما يفعله الكتَّاب في مقدمات كتبهم من مخاطبة قرائهم كأنهم يرونهم، وهذا ما يفعله من يكتب رسالة لصاحبٍ له، ويخاطبه بكاف الخطاب، أو ياء النداء.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل هذا خطاب للرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كخطابِ النَّاسِ بعضِهم بعضًا؟.

الجواب: لا، لو كان كذلك: لبطلت الصَّلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيء من كلام الآدميين، ولأنَّه لو كان كذلك: لجَهَرَ به الصَّحابةُ حتى يَسمعَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ولردَّ عليهم السَّلام كما كان كذلك عند ملاقاتِهم إيَّاه، ولكن كما قال شيخ الإسلام في كتاب ” اقتضاء الصراط المستقيم”: لقوَّة استحضارك للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام حين السَّلامِ عليه، كأنه أمامك تخاطبه.

ولهذا كان الصَّحابةُ يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: ” السلام عليك “، وهم في بلد، وهو في بلد آخر، ونحن نقول: ” السلام عليك “، ونحن في بلد غير بلده، وفي عصر غير عصره.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 150، 151 ).

 

  1. أن تأتي في سياق الرثاء، والنُّدبة.

ولا يُقصد بهذه الحال مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم عيانًا، ولا النداء عليه، ولا يخفى أن الذي يرثي ويندب إنما يستحضر في ذهنه شخصية المرثي، والمندوب، كأنه يراها، وهي حال تلحق بحكمها الحال السابقة، فقائل العبارة هذه ومثيلاتها في هذه الحال من الموحدين لا يريد النداء الحقيقي؛ لعلمه بغيابه، وعدم سماع كلامه.

وعلى هذه الحال أمثلة متعددة من كلمات الصحابة الأجلاء، ومنها:

أ. عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: ” بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ “.  رواه البخاري ( 4187 ).

* قال الشيخ محمد بشير السَّهسواني الهندي – رحمه الله -:

وفيه خطاب، لكن هذا الخطاب مجازي، من جنس ما يخاطِبون المندوبَ، ويعدُّون محاسنه الواقعية … .

ويؤيد هذا المعنى: قوله رضي الله عنه: ” بأبي أنت وأمي “، فإن حقيقة التفدية لا تتصور بعد الموت، فكما أن المراد بالتفدية معناها المجازي: كذلك الخطاب.

وأيضاً يؤيده قوله رضي الله عنه: ” وانبياه، واصفياه، واخليلاه، فإن لفظ ” وا ” لا تستعمل في النداء، إنما تستعمل في الندبة.

ويحتمل أن يكون ذلك الخطاب والنداء مثل الخطاب والنداء الواقعين في الأحاديث الواردة في زيارة القبور، والتوجيه فيه مثل ما ذكر في الأحاديث المذكورة.

” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ” ( 397 ، 398 ) مختصرا.

ب. ومنه قول فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة أبيها ” يا أبتاه “.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: ” وَا كَرْبَ أَبَاهُ “، فَقَالَ لَهَا: ( لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ )، فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: ” يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ “.

رواه البخاري ( 4193 ).

* قال الشيخ محمد بشير السَّهسواني الهندي – رحمه الله -:

هذا ليس من النداء في شيء، بل هو ندبة، يرشدك إلى هذا: كون هذا الكلام صادرا وقت الوفاة، ووقوع لفظ النعي فيه، وزيادة الألف في آخره لمد الصوت المطلوب في الندبة، فالقول بكونه نداء: أدل دليل على جهل قائله. ” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ” ( ص 400 ).

ج. ومنه قول صفية بنت عبد المطلب:

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا … وكنت بنا برّاً ولم تك جافيا

وكان بنا برّاً رحيماً نبيُّنا … لبيك عليك اليوم من كان باكيا

رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 24 / 320 ) : عن عروة قال : قالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

( فذَكَره ) في أبيات أكثر من هذا.

والأثر في إسناده: عبد الله بن لهيعة، وفيه كلام كثير من جهة ضبطه، وحفظه، وليس يروي هذا الأثر عنه أحدٌ من قدماء أصحابه الذين رووا عنه قبل احتراق كتبه، وله طريق أخرى في ” المجالسة ” ( 3 / 129 )، ولعله يكون الأثر به حسنا.

* قال الهيثمي – رحمه الله -:

رواه الطبراني ، وإسناده حسن.

” مجمع الزوائد ” ( 8 / 617 ) .

* قال الشيخ محمد بشير السَّهسواني الهندي – رحمه الله -:

وأما استدلال صاحب الرسالة – وهو القبوري ” زيني دحلان ” – بتلك المرثية على جواز النداء بعد وفاته فجوابه من وجوه:

( الأول ): أن ” يا ” هنا للندبة، لا للنداء، كما في قول فاطمة رضي الله عنها: ” يا أبتاه، أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه، مَن جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبرائيل ننعاه ” رواه البخاري من حديث ثابت عن أنس.

وكما في قول الصدِّيق رضي الله عنه: ” بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين “، رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها.

وفي رواية يزيد بن بابنوس عن عائشة عند أحمد – ( 6 / 31 ) وصححه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 3 / 157 ) – أنه أتاه من قبل رأسه فحدر فاه فقبل جبهته، ثم قال: ” وانبيَّاه “، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: ” واصفيَّاه “، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته، وقال: ” واخليلاه “، كذا في ” المواهب “.

ومنه قول علي رضي الله عنه حين توفي عمر رضي الله عنه وقد وضع على سريره: ” يرحمك الله، إن كنتُ لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيرا ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كنت وأبو بكر وعمر )، و ( فعلت وأبو بكر وعمر )، و ( انطلقت وأبو بكر وعمر )، فإني كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما “، رواه البخاري من حديث ابن عباس، وبعين ما ذكرناه كونها واقعة في الرثاء.

و( الثاني ): أنه لو سلم أنه نداء: فالنداء قد يُراد به غير المنادى، قال الحافظ في ” الفتح ” تحت حديث: ( إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ): وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ولده، مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب، بوجهين: أحدهما: صغره، والثاني: نزعه، وإنما أراد بالخطاب: غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق .اه‍.

ومن هذا القبيل ما روي عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال: ” يا أرض ، ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرِّك، وشر ما فيكِ، وشرِّ ما خلق فيك، وشرِّ ما يدب عليك ” رواه أبو داود.

ومنه ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: ( ما أطيبكِ من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ ) رواه الترمذي – ( 3926 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” -.

ومنه قول عمر رضي الله عنه: ” إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلكَ: ما قبلتكَ “، متفق عليه من حديث عابد بن ربيعة.

و( الثالث ): أنه لو سلِّم أن المراد به المنادى: فالنداء مجازي، كنداء السماء، والجبال، والأرض، والأطلال، والمنازل، والمطايا، والقبور، والمانعون إنما يمنعون النداء الحقيقي.

و( الرابع ): أنه لو سلم ثبوت النداء منها: فلا يثبت منه مطلوب الخصم، فإن النزاع إنما هو في نداء يتضمن الدعاء والطلب، بأن يقول: يا رسول الله اكشف عني السوء، واشف مريضي ، أو يقول: يا رسول الله ادع الله أن يشفي مريضي، ويكشف عني السوء، فالمانعون يقولون: الأول: شرك، والثاني: بدعة، والمجوزون يجوزونهما، وليس في المرثية دعاء شيء، ولا طلبه.

” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ” ( ص 295 – 298 ) باختصار.

* وقال الشيخ عبد الله أبا بطين – رحمه الله -:

وما ذكره من قول ” صفية “: ” ألا يا رسول الله كنت رجاءنا “: فهذه حال من يبكي شخصا ويرثيه، يخاطبه مخاطبة الحاضر، وتذكر حاله صلى الله عليه وسلم معهم؛ لأنه القائم بأمورهم، فهو أبوهم خاصة، وأبو المؤمنين عامة، ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) الأحزاب/ 6، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.

” تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس ” ( 2 / 151 ).

  1. أن تأتي في سياق استثارة الهمم، أو الشِّعار في الحرب.

قال الشيخ عبد الله أبابطين – رحمه الله -:

وذكر المعترض أن في تاريخ ابن كثير أن الصحابة كان شعارهم في الحرب ” يا محمد ” ….

والحكاية الأولى: أن هذا كان شعارهم في الحرب، لم يقل أنهم كانوا يستغيثون به في الحرب، ولا أنهم يدعونه، بل قال: هذا شعارهم في الحرب ، فلا شبهة لك فيه؛ لأنهم كانوا يستعملون الشعار في الحرب باسم، أو كلمة؛ ليعرف بعضُهم بعضا، كما روي أن شعارهم في بعض غزواتهم ” حم لا ينصرون ” – رواه أبو داود ( 2597 ) وصححه الألباني -، وفي بعضها ” أمِت أمِت ” – رواه أبو داود ( 2596 ) وصححه الألباني -.

” تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس ” ( ص 148 ، 149 ).

ومع هذا فإنه لم يثبت من طريق صحيح أن مثل هذا كان شعارا للمسلمين، والوارد من طرق تالفة أن هذا كان شعار المسلمين في معركة ” اليمامة ” ضد مسيلمة الكذاب.

واستثارة الهمم بمثل هذه الكلمات وإن كان لا يريد بها الموحدون ما يريد المشركون من الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ينبغي عدم استعمال هذه الألفاظ، والتي معناها صحيح في الاستعمال، لكنها تشبه استعمال المشركين والقبوريين لها، فتمنع سدّاً للذريعة، على نسق قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ) البقرة/ 104.

  1. أن تأتي في سياق الاستعانة عند التعثر، أو للقيام، أو الجلوس.

ولا شك في حرمة هذا، وكونه شركا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

وأما قول القائل إذا عثر: ” يا جاه محمد “، ” يا للست نفيسة “، أو ” يا سيدي الشيخ فلان “، أو نحو ذلك مما فيه استعانته، وسؤاله؛ فهو من المحرمات، وهو من جنس الشرك، فإن الميت سواء كان نبيّا، أو غير نبي: لا يُدعى، ولا يُسأل، ولا يُستغاث به ، لا عند قبره، ولا مع البُعد من قبره، بل هذا من جنس دين النصارى الذين ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون )، ومِن جنس الذين قال فيهم ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً ).

” الرد على البكري ” ( 1 / 446 ، 447 ).

  1. أن تأتي في سياق نداء لغائب، ميت.

ولأن الكلام عن عبارة ” يا رسول الله ” تحديداً قلنا ” لغائب ميت “، ولو كان الكلام عموما: لكان التفصيل في ذلك بقولنا ” لغائب، أو ميت “؛ لاشتراكهما في الحكم نفسه، وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو غائب بالموت قطعا، ولا احتمال له آخر، وقد سبق الكلام عن مخاطبته بتلك العبارة حال حياته، وهو حاضر في بدنه، وبعد موته وهو حاضر في القلب.

وهذه الحال لها قسمان:

الأول: أن تستعمل العبارة فيما يقدر عليه النبي صلى الله وسلم في حياته، عند قبره، كأن يُطلب منه أن يستغفر له الله تعالى.

وهذه بدعة، وطريق قد تؤدي بصاحبها إلى الشرك، وإنما لم نقل بكفر الفعل: لأن المسألة مبنية في أصلها على ” سماع الموتى “، والجمهور على أنهم يسمعون، والطلب هنا ليس فيما لا يقدر عليه إلا الله، فأما إن كان النداء للنبي صلى الله عليه عند قبره للطلب منه تفريج الكرب، ومغفرة الذنب، وشفاء المريض: فهو كفر، وشرك، يخرج صاحبه من الملَّة؛ لأنه جعل للنبي صلى الله عليه وسلم منزلة الرب.

والصحيح أنه لا تعلق للمسألة بسماع الموتى، بل ولا بكونهم قادرين على الفعل في حياتهم، فإنه ليس كل ما يقدر الحي من الأنبياء على فعله يُشرع لنا سؤاله إياه بعد موته، بل وحتى الله تعالى يُسأل كل ما يقدر على فعله، فأنَّى لغير الموحدين أن يعرفوا هذا ؟!.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

مجرد سماع الميت للخطاب لا يستلزم أنه قادر على ما يَطلب الحيُّ منه، وكونه قادرا عليه: لا يستلزم أنه شرع لنا أن نسأله ونطلب منه كل ما يقدر عليه، فليس لنا في حياة الرسل أن نسألهم كل ما يمكنهم فعله، بل ولا نسأل الله تعالى كلَّ ما يمكنه فعله، بل الدعاء عبادة شرعية فكيف يجوز أن نسألهم ذلك بعد مماتهم؟! وليس لنا أن نسألهم كل ما يقدر الله عليه من المفعولات ليسألوا ربهم إياه ، كما سأل قوم موسى: موسى أن يريهم الله جهرة، وسألوا المسيح إنزال المائدة، وسألوا صالحا الناقة  وسألوا الأنبياء الآيات.

” الرد على البكري ” ( 1 / 95 ).

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أيضا -:

المرتبة الثالثة: أن يسأل صاحب القبر أن يسأل الله له ، وهذا بدعة باتفاق أئمة المسلمين. ” الرد على البكري ” ( 1 / 146 ).

الثاني:

أن تستعمل العبارة من بعيد عن القبر، وهذه من لأفعال المشركين، ولو طلب صاحبها ما يقدر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته، وهذا خرج عن كونه ” نداء ” إلى أن صار ” استغاثة “، ومثل هذا مجمع على كفر فاعله، ولو كان المدعو غائبا مع حياته؛ لأنهم يجعلون له صفات الله تعالى من سماع الاستغاثة أينما كان المستغيث، ويفهم عليه بأي لغة استغاث! ، ويعتقدون أن هذا المستغاث به يفرِّج الكروب، ويشفي المرضى، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمع الصلاة والسلام عليه حتى تبلغه إياهما الملائكة، فكيف يثبت هؤلاء المشركون له سماعا لكل نداء، ولكل خطاب، واستغاثة، وبأي لغة كانت؟!.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بعد أن ساق نصوصا في سماعه صلى الله عليه وسلم سلام القريب من قبره، وتبليغ الملائكة سلام البعيد -:

فهذه النصوص التي ذكرناها: تدل على أنه يسمع سلام القريب، ويبلَّغ سلام البعيد، وصلاته، لا أنه يسمع ذلك من المصلِّي، والمسلِّم، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة: فإنه لا يسمع دعاء الغائب، واستغاثته، بطريق الأولى، والأحرى، والنصُّ إنما يدل على أن الملائكة تبلِّغه الصلاة والسلام، ولم يدل على أنه يبْلُغه غيرُ ذلك، والحديث الذي فيه ( ما من رجل يسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام ): فهِم العلماء منه السلام عند قبره خاصة ، فلا يدلُّ على البعيد … .

الرد على البكري – (1 / 107).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أيضا -:

فليس لأحدٍ أن يدعو شيخا ميِّتا، أو غائبا؛ بل ولا يدعو ميتا، ولا غائبا: لا من الأنبياء، ولا غيرهم، فلا يقول لأحدهم: ” يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو في جوارك ” ولا يقول: ” بك أستغيث، وبك أستجير “، ولا يقول إذا عثر: ” يا فلان “، ولا يقول : ” محمد “، و ” علي “، ولا ” الست نفيسة “، ولا ” سيدي الشيخ أحمد “، ولا ” الشيخ عدي “، ولا ” الشيخ عبد القادر “، ولا غير ذلك، ولا نحو ذلك، مما فيه دعاء الميت، والغائب، ومسألته، والاستغاثة به، والاستنصار به، بل ذلك من أفعال المشركين، وعبادات الضالين. ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 499 ، 500 ).

 

وقال الشيخ الصنعاني – رحمه الله -:

وكذلك أصحابه مِن بعده لا يُعلم عن أحدٍ منهم أنه استغاث به صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته، ولا يمكن أحدٌ يأتي بحرفٍ واحدٍ عن أصحابه أنه قال: ” يا رسول الله “، و ” يا محمد ” مستغيثا به عند شدة نزلت به، بل كلٌّ يُرجع عند الشدائد إلى الله تعالى، حتى عُبَّاد الأصنام إذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه، … .

وهذه الأدعية النبوية المأثورة ، قد ملأت كتب الحديث ، ليس منها حرفٌ واحدٌ فيه استغاثة بمخلوق، وسؤال بحقه.

” الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف ” ( ص 105 ، 106 ).

وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين – رحمه الله -:

قال المعترض – وهو القبوري ” داود بن جرجيس ” -: ” فدلَّ على أن نداء النبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد أمر معهود “!.

يعني: الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم، وإنما عبَّر بـ ” النداء ” طردا لقوله الباطل المتناقض: ” إن طلب المخلوق من المخلوق يسمى نداءً لا دعاء “!.

وقد بيَّنا بطلان قوله هذا، ومخالفته للكتاب، والسنَّة، ولإجماع العلماء، والنحويين، وأن الدعاء بطلب رفع المكروه، أو دفعه يسمَّى ” استغاثة “، كما يسمى ” دعاء “، فلما قال: إن نداء النبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد أمر معهود، يعني: أنه يُطلب منه صلى الله عليه وسلم كشف الشدائد: فهذا حقيقة الاستغاثة، فليسمِّه المبطل ” نداء “، أو ” طلبا “، أو ” توسلا “، أو ” تشفعا “، أو ما شاء من الأسماء؛ فإن ذلك لا ينفعه، ولا يغير الحكم، فهذا الضال يزعم أن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد بعد موته أمر معهود، يعني: معروف مشهور معمول به عند الصحابة، والتابعين!، فجعل هذا الصحابة والتابعين أشد غلوّا في النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين الأولين في الملائكة والأنبياء والجن والأصنام؛ لأن الله سبحانه أخبر في كتابه أن المشركين يخلصون الدعاء لله في حال الشدة ، وينسون آلهتهم من الملائكة ، والأنبياء، والجن، والأصنام، قال سبحانه: ( وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ) الإسراء/ 67 ، وقال تعالى: ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) العنكبوت/ 65 ، وقال: ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ . بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ) الأنعام/ 40 ، 41 ، وقال : ( وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) الروم/ 33 ، ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ) يونس/ 12 … .

” تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس ” ( ص 150 ، 151 ).

والخلاصة:

هذه أحوال هذه العبارة، وقائليها، وقد عرفت أن قائليها مختلفون، بحسب قصدهم، واعتقادهم، والشعر فيه الشرك، وفيه التوحيد، ولا يمكن الإجابة على هذا السؤال إلا بمعرفة ما ذكرناه من تفصيل، فمن عرف من الشعراء المحذور تجنبه، ومن عرف ما يجوز له قولها من الأحوال فعلها، وما كان محتملا، أو فيه مشابهة في ظاهره لعبَّاد القبور: تركه، فهو أسلم له.

والمهم في كل ما سبق ذِكره: تجنب أن يكون النداء حقيقيّا، وتجنب طلب شيء من المنادَى لا يقدر عليه إلا الله، وهذا الأمر عام يشمل كل منادى، ومخاطَب، ولو كان جمادا.

قال الشيخ محمد بشير السَّهسواني الهندي – رحمه الله -:

المانعون لنداء الميت، والجماد، وكذا الغائب إنما يمنعونه بشرطين:

( الأول ): أن يكون النداء حقيقيّا، لا مجازيّاً

و( الثاني ): أن يقصد ويطلب به من المنادى ما لا يقدر عليه إلا الله، من جلب النفع، وكشف الضر، مثلاً يقال: ” يا سيدي فلان اشف مريضي، وارزقني ولدا “، ولا مرية أن هذا النداء هو الدعاء، والدعاء هو العبادة، فكيف يشك مسلم في كونه كفرا، وإشراكا، وعبادة لغير الله؟! وأما إذا قصد بهذا النداء: أن يدعو الميت، والجماد، والغائب، في حضرة الرب تعالى للمنادِين ( بالكسر ): فنداء الميت بعيدا عن القبر، وكذا نداء الغائب: يقتضي اعتقاد علم الغيب بذلك الميت، والغائب، واعتقاد علم الغيب لغير الله: شرك، وكفر، مع أنه من محدثات الأمور، وأما نداء الجماد، والأموات بهذا القصد: فإن لم يكن كفرا وشركا: فلا أقل من أن يكون بدعة، وحمقا، وأما إذا لم يقصد بالنداء لا جلب النفع، وكشف الضر، ولا الدعاء من المنادَين ( بالفتح ) للمنادِين ( بالكسر ) في حضرة الرب سبحانه وتعالى: فيكون النداء الحقيقي جنونا، وسفها، وأما النداء المجازي: فلا يمنعه أحد

” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ” ( ص 373 ).

 

والله أعلم.

جواز إعلان الوفاة في المنتديات من أجل التعزية

جواز إعلان الوفاة في المنتديات من أجل التعزية

السؤال:

كثيرًا ما أرى في المنتديات فتح صفحة خاصة للتعزية عند وفاة أحد أقارب العضو المشارك في المنتدى، فما قولكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي نراه هو جواز الإعلان في المنتديات عن وفاة أحد أعضائه، أو أحد أقربائه، من أجل التعزية فيه، فيُدعى له بالرحمة إن هو المتوفَّى، ويُعزَّى إن كان الميت أحد أقربائه، وليس هذا من النعي المحرَّم، إن خلا الغلو في الثناء، وليس فيه المحظور الذي من أجله منع مَن منع مِن العلماء في الإعلان في الصحف، وهو التكلُّف في دفع المال.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما حكم التعزية في الجرائد، هل تعتبر من النعي المحرم؟.

فأجاب:

ليس ذلك من النعي المحرم، وتركه أولى؛ لأنه يكلف المال الكثير.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 13 / 408 ).

والإعلان عن الوفاة قبل الدفن فيه مصالح عظيمة، منها: الدعاء له بالرحمة، والتثبيت في سؤال القبر، كما فيه مصلحة تكثير المصلين عليه من أهل الخير، وتخفيف مصاب أهله من هؤلاء المقربين منه، وأما الإعلان عن الوفاة بعد الدفن: ففيه مصالح – أيضًا -، ومن أبرزها: تعزية العضو الذي فقد أحد أهله، أو أقربائه.

ومما يدل على الأصل الذي ذكرناه، وهو جواز الإعلان عن وفاة المسلم، وبخاصة قبل الدفن، من غير غلو في الوصف والثناء: إعلان النبي صلى الله عليه وسلم وفاة ” النجاشي ” ملك الحبشة.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: ( اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ ).

البخاري ( 1263 ) ومسلم ( 951 ).

ففي الحديث: بيان حال الميت بما يهيج على الدعاء له بما يستحقه، وبالصلاة عليه، حيث صلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه صلاة الغائب.

وأما الإعلان من أجل التعزية: فهو أمر مشروع، والتعزية مستحبة، وإنما شرعت من أجل التخفيف على المصاب، وقد رأينا آثارًا طيبة في التعزية في المنتديات، حيث تتنوع عبارات التخفيف، وتتنوع بلدانهم، مما يكون له الأثر الطيب على من فقد أحد أهله، أو أقربائه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

قال الخرقي: ” ويستحب تعزية أهل الميت ، لا نعلم في هذه المسألة خلافا ….

والمقصود بالتعزية: تسلية أهل المصيبة، وقضاء حقوقهم، والتقرب إليهم، والحاجة إليها بعد الدفن كالحاجة إليها قبله. ” المغني ” ( 2 / 408 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

واعلم أن التعزية مستحبة قبل الدفن، وبعده.

” الأذكار ” ( ص 148 ، 149).

 

وليس للتعزية وقت محدد، ولا مكان محدد، فالمنع من الإعلان المجرد عن الوفاة في المنتديات لا يخالف نصًّا، ولا مقصودًا من مقاصد الشرع.

 

* قال علماء اللجنة الدائمة:

وليس للتعزية وقت محدود، ولا مكان محدود .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 134 ).

– ولمعرفة النعي المحرَّم، وأن الإعلان المجرد مباح في ذاته، وللوقوف على كلام أهل العلم في الاستدلال بحديث النجاشي وغيره.

 

والله أعلم.