الرئيسية بلوق الصفحة 84

لمدة ثمان سنوات وأشقاؤها يطلبون منها خلع ملابسها لينظروا إلى عورتها!!

لمدة ثمان سنوات وأشقاؤها يطلبون منها خلع ملابسها لينظروا إلى عورتها!!

السؤال:

أنا لا أعلم كيف أبدأ، ولكن الكارثة هي أن لي أخوان أكبر مني بسنتين، وأنا الآن سني 22 سنة، أثناء طفولتي وسنِّي 11 سنة بدأ إخواني الذكور يستغلوني لصغر سني، وعدم فهمي، ويطلبون مني أن أخلع ملابسي، ويروني عارية! ويفعلون أشياء منكرة! ولكن أحمد الله لم يمسوا عذريتي، وظلوا على هذا الحال حتى وصولي لسن 19 سنة، وكانوا يهددونني أن يخبروا والدي، فكنت أكتم في نفسي، حتى جاء يوم وكادت أمي أن تعلم بالأمر، ولكن ستر الله علينا، ومنذ ذاك اليوم وأنا والحمد لله استطعت أن أقاومهم، ولم يمسني أحد من بعدها، وأنا والحمد لله متدينة، ومحجبة، وتبت إلى الله، ولكنى أشعر بذنب كبير، وبكراهية شديدة لنفسي، وأشعر أن الله لن يسامحني على هذا، فأنا لا أنام الليل من حيرتي، وحزني، وعذابي.

أفيدوني، أفادكم الله.

 

الجواب:

الحمد لله

الله المستعان، لا شك أن ما فعلتيه مع أخويك من كبائر الذنوب، ومن قبائح السلوك، ولو أننا قرأنا مثل هذا في عالَم الكفر، ومجتمعات الانحلال: لكان ذلك مستغربًا، مستهجنًا، فيوجد نوادي وشواطئ للعراة، ويوجد راقصات تعري، لكن أن يجتمع أشقاء ليروا شقيقتهم عارية، مع عبثهم بأعضائها طيلة هذه المدة: فهذا لا يفعله إلا من انتكست فطرتهم، وأغلقت عقولهم، وضيعوا دينهم.

وإننا لنعجب أن يستمر مثل هذا المنكر ثمان سنوات، في غفلة الوالدين، فأين مراقبتهم؟ وأين تربيتهم؟ وأنتِ إذا كنتِ صغيرة عند أول الأمر: فهل الأمر كذلك لما بلغتِ الثامنة عشر؟!.

لذا فإننا نرى أن الإثم الأكبر يقع عليكِ أنتِ؛ لرضاك بفعل أشقائك، واستمرارك على تلبية رغباتهم البهيمية، ثم يساويك في الإثم أو يقل عنه قليلا أولئك المجرمون الذين هتكوا ستر أختهم، والذين تمتعوا تمتعاً تتنزه عنه البهائم، وبدلًا من أن يكونوا حماةً لعرض أختهم رأيناهم هاتكين ستره، فاعلين ما يناقض الفطرة، ويخالف الشرع.

ثم إن الوالدين آثمان بتركهما الحبل على غاربه، فهم أعلم الناس بأحوال أولادهم، وقد أمرتهم الشريعة المطهرة بتعليم أولادهم الصلاة لسبع سنوات، وضربهم عليها لعشر، مع التفريق بينهم في المضاجع، فأين هذا في واقع أولئك الأولاد؟!.

 

ومع ذلك كله نقول: إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وإنه تعالى يقبل التوبة من عباده، ويفرح لها، ويبدل سبحانه وتعالى سيئاتهم حسنات، وهو تعالى الغني عن عباده، لكن هذا من فضله، ورحمته، وعظيم إحسانه.

فالمرجو منكم جميعًا التوبة الصادقة، والإنابة السريعة، والندم على ما حصل، والتكفير عن ذلك بالقيام الصالحة، وقطع الطريق أمام الشيطان أن يسوِّل لكم العودة لذلك الفعل المنكر، والانتباه في المستقبل لذريتكم، واحذروا من الغفلة عنها كما غفل أهلكم عنكم.

ونسأل الله تعالى أن يقبل منك توبتك، وأن يكفر عنك سيئاتك، وأن يوفقك للمزيد من الطاعة، والستر، والحياء، ولا تقنطي من رحمة الله تعالى، فالذنب مهما بلغت عظمته، والفاحشة مهما بلغت نكارتها: فإن رحمة الله أوسع، وفضل الله على التائبين أعظم.

وإن لم يتب أشقاؤك من فعلتهم المنكرة فاحذري أشد الحذر من الجلوس معهم، والخلوة بهم، والتزمي الستر، والتصقي بوالدتك؛ لتمنعي الشيطان أن يلج لقلوبهم ليفسدها مرة أخرى، ويزين تلك الفاحشة لهم لتكرارها، ونسأل الله أن يهديهم، ويوفقهم لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

إمام مسجد لا يرى كفر اليهود والنصارى! ويرد الحديث المخالف لعقله!

إمام مسجد لا يرى كفر اليهود والنصارى! ويرد الحديث المخالف لعقله!

السؤال:

بينما كنت أتكلم مع إمام مسجدنا في بعض الأمور: ذكرت له أن اليهود والنصارى مخلّدون في نار جهنم, فكان يخالف ذلك الأمر، ويقول: إنه أعلم بالقرآن مني، فزوجة هذا الإمام نصرانية، وأفضل صديق عنده يهوديّ، ويقول أيضًا: إن الحديث يجب أن يكون منطقيًّا  حتى نتبعه، أما إذا كان مخالفًا للمنطق: فلا يؤخذ به، فما حكم هذا الرجل؟ هل هو كافر، أم منافق، أم مبتدع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا نعتقد أن هذا الإمام من المسلمين، ولا ندري كيف يجهل مثل الأمر إن كان يقرأ الفاتحة في صلاته، إلا أن يعتقد أن ( المغضوب عليهم ) ليسوا هم اليهود، وأن (الضالين ) ليسوا هم النصارى! ولا ندري كيف يكون أعلم بالقرآن منك وهو يقرأ فيه قوله تعالى: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) المائدة/ 17، وقوله تعالى: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) المائدة/ 72، وقوله تعالى: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) المائدة/ 73، وقوله تعالى: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) التوبة/ 30، 31.

فهل قرأ ذلك الإمام تلك الآيات؟ وهل فيها غموض حتى يجهل معناها؟ وهل علم هذا الإمام أن الإجماع قائم لا على كفر اليهود والنصارى فحسب، بل على كفر من شكَّ في كفرهم! ولذلك قلنا إننا لا نعتقد أنه من المسلمين؛ لأن هذا لا يخفى على موحِّد، إلا أن يكون التوحيد والشرك عنده سواء، وإذا كان لا يرى كفر اليهود والنصارى: فما حكم المسلمين عنده؟! لأن المسلمين عند اليهود والنصارى كفار مخلدون في نار جهنم! فهل يرى رأيهم، ويعتقد اعتقادهم؟!.

الله أعلم بحقيقة ذلك الرجل، لكن الذي لا نشك فيه أن ما قاله ردة عن الدين، وكفر بإجماع المسلمين، فإن كان مكلَّفًا يدري ما يقول فقد خرج من ملة الإسلام إن كان دخل فيها أصلًا.

 

 

*  قال ابن حزم – رحمه الله -:

واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا.

” مراتب الإجماع ” ( ص 119 ) .

* وقال القاضي عياض – رحمه الله – :

ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه: فهو كافر بإظهار ما أظهره من خلاف ذلك.

” الشفا في أحوال المصطفى ” ( 2 / 610 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

قد ثبت في الكتاب، والسنَّة، والإجماع: أن من بلغته رسالة  صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به: فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد؛ لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة.  ” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 496 ).

* وقال – رحمه الله – أيضاً -:

إن اليهود والنصارى كفار، كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام.

” مجموع الفتاوى ” ( 35 / 201 ) .

* وقال الحجاوي – رحمه الله -:

من لم يكفر من دان بغير الإسلام، كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم: فهو كافر. ” كشاف القناع ” ( 6 / 170 ).

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما حكم مَن لم يكفِّر اليهود والنصارى؟

فأجاب:

هو مثلهم، مَن لم يكفر الكفار: فهو مثلهم، الإيمان بالله هو تكفير من كفر به، ولهذا جاء في الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من وحَّد الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله )، ويقول جل وعلا: ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).

فلا بد من الإيمان بالله، وتوحيده والإخلاص له، والإيمان بإيمان المؤمنين، ولا بد من تكفير الكافرين، الذين بلغتهم الشريعة ولم يؤمنوا، كاليهود، والنصارى، والمجوس، والشيوعيين، وغيرهم، ممن يوجد اليوم، وقبل اليوم، ممن بلغتهم رسالة الله ولم يؤمنوا، فهم من أهل النار كفار، نسأل الله العافية.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 46 ، 47 ).

 

 

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عمَّا زعمه أحد الوعاظ في مسجد من مساجد ” أوربا ” من أنه لا يجوز تكفير اليهود والنصارى؟.

فأجاب – بعد أن ساق بعض الآيات السابقة -:

فمَّن أنكر كفر اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وكذبوه: فقد كذَّب الله عز وجل، وتكذيب الله: كفر، ومن شك في كفرهم: فلا شك في كفره هو.

و يا سبحان الله! كيف يرضى هذا الرجل أن يقول: إنه لا يجوز إطلاق الكفر على هؤلاء وهم يقولون: ” إن الله ثالث ثلاثة “، وقد كفرهم خالقهم عز وجل؟ وكيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء وهم يقولون: ” إن المسيح ابن الله “، ويقولون: ” يد الله مغلولة “، ويقولون: ” إن الله فقير ونحن أغنياء “؟! كيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء وأن يطلق كلمة الكفر عليهم وهم يصفون ربهم بهذه الأوصاف السيئة التي كلها عيب، وشتم، وسب؟!.

وإني أدعو هذا الرجل، أدعوه: أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يقرأ قول الله تعالى: ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) وألا يداهن هؤلاء في كفرهم، وأن يبين لكل أحد أن هؤلاء كفار، وأنهم من أصحاب النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني من هذه الأمة – أي: أمة الدعوة – ثم لا يتبع ما جئت به – أو قال: لا يؤمن بما جئت به – إلا كان من أصحاب النار ).

فعلى هذا القائل أن يتوب إلى ربه من هذا القول العظيم الفرية، وأن يعلن إعلاناً صريحًا بأن هؤلاء كفرة، وأنهم من أصحاب النار، وأن الواجب عليهم أن يتبعوا النبي الأمي محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، فإنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) ….

وإني أقول: إن كل مَن زعم أن في الأرض دينًا يقبله الله سوى دين الإسلام: فإنه كافر، لا شك في كفره؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )، ويقول عز وجل: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ).

وعلى هذا – وأكررها مرة ثالثة -: على هذا القائل أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يبين للناس جميعاً أن هؤلاء اليهود والنصارى كفار؛ لأن الحجة قد قامت عليهم، وبلغتهم الرسالة، ولكنهم كفروا عنادًا.

ولقد كان اليهود يوصفون بأنهم مغضوب عليهم لأنهم علموا الحق وخالفوه، وكان النصارى يوصفون بأنهم ضالون لأنهم أرادوا الحق فضلوا عنه، أما الآن: فقد علم الجميع الحق وعرفوه، ولكنهم خالفوه، وبذلك استحقوا جميعًا أن يكونوا مغضوبًا عليهم، وإني أدعو هؤلاء اليهود والنصارى إلى أن يؤمنوا بالله ورسله جميعًا، وأن يتبعوا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا هو الذي أمروا به في كتبهم، كما قال الله تعالى: ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون . الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ).

(… قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) .

وليأخذوا من الأجر بنصيبين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ) الحديث.

ثم إني اطلعت بعد هذا على كلام لصاحب ” الإقناع ” في باب ” حكم المرتد ” قال فيه – بعد كلام سبق -: ” أو لم يكْفر من دان بغير الإسلام، كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم: فهو كافر “.

* ونقل عن شيخ الإسلام قوله:

” من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يعبد فيها، وأن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك، أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها، وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة: فهو كافر “.

* وقال أيضا – في موضع آخر -:

” من اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربة إلى الله: فهو مرتد “.

وهذا يؤيد ما ذكرناه في صدر الجواب، وهذا أمر لا إشكال فيه، والله المستعان. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / جواب السؤال رقم: 386 ) باختصار.

ثانيًا:

وأما قوله بأن الحديث ينبغي رده إذا كان مخالفاً للمنطق: فهي دعوى فارغة، لا تستحق الالتفات لها، فمنطق من نعرض عليه الحديث؟ هؤلاء الذين تزوج منهم، وصادقهم، ومن لم يكفرهم: من منطقهم: الشذوذ، والربا، والزنا، وشرب الخمر، وعبادة الدولار، فأي حديث شريف فيه تحريم الربا، وتحريم الخمر، وحرمة البيع على البيع، وحرمة كسب الحرام، وحرمة الاختلاط، والنظر إلى المحرمات: أي شيء من ذلك سيقبلونه؟ ومتى كان شذاذ الآفاق حكَّامًا على السنَّة المطهرة؟ ومتى اعتدَّ العلماء بسلف هذا من المعتزلة وأذنابهم! إن الله تعالى يحكم ولا معقب لحكمه، وإن السنَّة المطهرة الثابتة بالأحاديث  لا تنتظر مثل أولئك الجهلة الزنادقة ليحكموا عليها قبولًا، وردّا.

إن عند أهل السنَّة والجماعة قواعد في الجرح والتعديل، وعندهم قواعد في الحكم على الرجال، والأسانيد، والمتون، وقد مضت قرون على هذا العلم الرصين، ولم يعد لمثل هؤلاء الزنادقة مجال للحديث في هذا الأمر، فلسنا في صدد تتبع أقوالهم للرد عليها، فما يهمنا هو حكم علماء المسلمين، ومناقشة أقوالهم ، فيما لو كان لأحدهم اعتراض على سند، أو متن، أما أهل البدع والضلال فلا نفرح بموافقتهم لنا فيما عندنا من حق، ولا نهتم لمخالفتهم، فالعبرة في كل فن كلام أهله فيه، وهؤلاء لا ناقة لهم في علم الحديث والتوحيد ولا جمل.

 

والله أعلم.

حلف بوضع يده على المصحف ألا يفعل معصية وفعلها ناسيًا وذاكرًا

حلف بوضع يده على المصحف ألا يفعل معصية وفعلها ناسيًا وذاكرًا

السؤال:

كنت أرتكب معصية فوضعت يدي على المصحف، وأقسمتُ أني لن أعود إلى هذا الفعل مرة أخرى، علمًا أنى أريد إرضاء الله، والتشديد على نفسي بالامتناع عن ذلك الفعل بالقسم، ثم وقعت في تلك المعصية، مرة ناسيًا القسم، ومرتين متذكرًا القسم، فهل من توبة؟ هل من كفارة؟ وما هي؟ علمًا بأني طالب، وما زلت آخذ أموالي من والدتي، ولا أعلم مساكين في بلدي – لكن يوجد أكيد الكثيرين، لكن لست أعرفهم – كما أن تلك الأموال قد ترهق أمي ماديًّا، ولكنها ستعطيني إياه إن طلبتها، وأسألكم الدعاء لي بأن تدمع عيني، ويخشع قلبي، ويستجاب لي.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يطهِّر قلبك وجوارحك، وأن يحفظ عليك دينك، وأن يجنبك الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

واعلم أن القسم على عدم فعل المعصية هو بمعنى العهد تعقده بينك وبين ربك تعالى، وقد نقضت ذلك العهد بفعلك لتلك المعصية بعد أن عاهدت ربك تعالى على تركه، والكف عنه، – مع حنثك في يمينك – وهذا الفعل منك عظيم، وينبغي أن تعلم أن نقض العهد مع الله أشد إثمًا من نقضه مع خلقه، وأن الله تعالى قد ذكر ذلك أنه من صفات المنافقين، أو أنه قد يعاقب الفاعل عليه بالنفاق.

قال تعالى: ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) البقرة/ 27.

وقال تعالى: ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ ) التوبة/ 75 – 77

*قال القرطبي – رحمه الله -:

قال علماؤنا: لما قال الله تعالى: ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه، ولم يعتقده بقلبه، واحتمل أن يكون عاهد الله بهما، ثم أدركته سوء الخاتمة؛ فإن الأعمال بخواتيمها، والأيام بعواقبها.

و ( مَن ) رفع بالابتداء والخبر في المجرور، ولفظ اليمين ورد في الحديث، وليس في ظاهر القرآن يمين، إلا بمجرد الارتباط، والالتزام، أما إنه في صيغة القسم في المعنى: فإن اللام تدل عليه، وقد أتى بلامَيْن: الأولى للقسم، والثانية لام الجواب، وكلاهما للتأكيد. ومنهم من قال: إنهما لاَ مَا القسم؛ والأول أظهر، والله أعلم.

” تفسير القرطبي ” ( 8 / 210 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله تعالى: ( بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد، وكذبهم، كما جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان )، وله شواهد كثيرة، والله أعلم.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 184 ).

فالواجب عليك أن تتقي الله ربك في يمينك، وفي الوفاء بعهدك معه تعالى، والمعصية التي أقسمت على عدم فعلها هي محرَّمة عليك بيمين، وغيره، ولكن إن فعلتها بعد يمين: كان عليك إثم فعلها، وإثم نقض العهد مع الله، والحنث في تلك اليمين.

ثانيًا:

وبخصوص فعلك للمعصية مع نسيانك لليمين: فإنك لا تؤاخذ عليه، ولا تلزمك كفارة يمين.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

رجل حلف بالله ألا يصافح الحريم بيده، وبعد مدة دخل مجلسًا فيه حريم، جيران لهم، وصافحهم وهو ناسي يمنيه السابق، ويسأل ماذا يترتب عليه؟.

فأجابوا:

إذا كان الأمر كما ذكره السائل من أنه صافح بيده الحريم بعد حلفه اليمين لعدم مصافحتهن، وأن ذلك كان منه على سبيل النسيان: فلا حرج عليه لقوله تعالى: ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنًا ) الآية، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” عُفى من أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه “.

وإن حصل منه شيء مستقبلًا وهو ذاكر عامد: لزمته كفارة اليمين، مع العلم أنه لا يجوز له شرعًا مصافحة النساء، إلا أن يكنَّ من محارمه، كأمه ، وأخته، وبنته، ونحوهن. الشيخ عبد العزيز بن بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 23 / 62 ).

ولا يترتب على نسيانك لليمين هذا شيء؛ لأنك فعلت المعصية بعد ذلك عامدًا، وهو ما أوجب عليك كفارة يمين.

 

 

 

ثالثًا:

وأما ما فعلته من المعصية عامدًا، ذاكرًا ليمينك: فإن عليك كفارة يمين، وليس تكرار الفعل لها يوجب عليك كفارتين، بل هي كفارة واحدة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الواجب على من حلف على ألا يفعل معصية: أن يثبت على يمينه، وألا يعصي الله عز وجل، فإن عاد إلى المعصية مع حلِفه ألا يفعلها: فعليه كفارة يمين، وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، والصوم لا يجزئ في كفارة اليمين إلا مَن عجز عن هذه الأشياء الثلاثة: العتق، والإطعام، والكسوة، وأما مَن قدِر: فلو صام ثلاثة أشهر: لا يجزئه.

وإني أنصح هذا الأخ أن يكون قوي العزيمة، ثابتًا، وألا يجالس أهل المعصية التي تاب منها، بل يبتعد عنهم، حتى يستقر ذلك في نفسه.

” فتاوى نور على الدرب ” لابن عثيمين – ( الشريط رقم 374 ، وجه ب ).

وبما أنك تخبر أنك طالب، وأنك لا تستطيع الإطعام ولا الكسوة: فعليك بصيام ثلاثة أيام عن حنثك في يمينك، وليس شرطًا أن تكون متتابعة، مع التنبيه على أن هذه الكفارة هي مقابل حنثك في يمينك، لا في مقابل ذات المعصية، وإنما تحتاج لتوبة صادقة عن فعل تلك المعصية.

رابعًا:

وأما الحلف ووضع اليد على المصحف: فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحدٍ من أصحابه، بل الظاهر أنه بدعة، واليمين ينعقد بالقسم نفسه، وما يُزعم أنه وضع اليد هي من باب تغليظ اليمين: لا أصل له.

* قال القرطبي – رحمه الله -: وزاد أصحاب الشافعي التغليظ بالمصحف، قال ابن العربي: وهو بدعة، ما ذكرها أحد قطُّ من الصحابة.

” تفسير القرطبي ” ( 6 / 354).

* وقال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله – رادًّا على من أجاز تغليظ اليمين بالمصحف-: قال الشافعي: رأيتهم يؤكدون بالمصحف، ورأيتُ ” ابن مازن ” وهو قاضي بصنعاء يغلظ بالمصحف. قال أصحابه: فليغلظ عليه بإحضار المصحف؛ لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه. وهذا زيادة على ما أمر به رسولُ الله صلى الله عليه و سلم في اليمين، وفعلُه الخلفاء الراشدون، وقضاتُهم، من غير دليل، ولا حجة يستند إليها، ولا يترك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لفعل ابن مازن، ولا غيره. ” المغني ” ( 12 / 119 ).

خامسًا:

ونرجو الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يحبب إليك الإيمان، ويزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.

واعلم أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده النادمين، وأنه تعالى يحب التوابين، ويحب المتقين، فإذا أريت الله صدقًا في توجهك وتقربك لك: أعانك، ووفقك، وسددك، ورقق قلبك، وأدمع عينك.

واعلم أنه إن قسا القلب: قحطت العين، فإذا أردت رقة القلب، ودمع العين: فعليك بالطاعات، فافعلها، وعليك هجر المعاصي، والكف عن فعلها، واحرص على الصحبة الطيبة، وعلى أذكار الصباح والمساء، وعلى ورد قرآني، واحرص على القيام والصيام، فهما يرققان القلب، ويهذبان الجوارح، بتوفيق الله، وفضله.

واحذر من القنوط من رحمة الله، فالله تعالى عفوٌّ، يحب العفو، فسارع إلى ربك بتوبة صادقة، واعزم على عدم العود لكل ما يُسخط ربك تعالى.

 

والله أعلم.

 

مسلم معدد في بلاد الكفر هل يقدم على المعونة لكل بيت؟ والرفاهية في حياة المسلم.

مسلم معدد في بلاد الكفر هل يقدم على المعونة لكل بيت؟ والرفاهية في حياة المسلم

السؤال:

هناك عدد كبير من المسلمين في بلدنا هنا يعيشون في حالة من الرفاهية، فيتلقون الخدمة الاجتماعية، إضافة إلى المساعدة في تكاليف العيش، وهذه المساعدة تعتمد على الوضع الاقتصادي للعائلة، أما بالنسبة للنسوة اللاتي تربط بينهن علاقة ” الضرة ” – أي: أن يكون الرجل متزوجًا من أكثر من زوجة – فيقمن بالتقديم لهذا الطلب بشكل فردي، على أنهن أربعة أمهات مختلفات؛ للحصول على هذا الدعم, فهل يجوز التقدم لهذا الطلب على أنهن أمهات مختلفات للحصول على هذا الدعم؛ لأن هذا النوع من الزواج غير موثّق في المحكمة بشكل رسمي؟.

سؤالي هو التالي: هل يجوز للإنسان المسلم أن يعيش في حالة من الرفاهية، مع العلم أن فرص العمل متوفرة، كسائق، أو في مجال السكريتاريا؟.

والجدير بالذكر أن الدراسة الجامعية مجانية، وهي على حساب الحكومة، وهل يجوز أن يتزوج الانسان الزوجة الثانية مع العلم أنه غير قادر على الإنفاق على أسرته الحالية؟. أرجو الرد؛ لأن هذا السؤال يهم الكثير من الناس المسلمين هنا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز لكم الإقامة في بلاد الكفر، إلا بعذر شرعي، وبشروط شرعية، وقد سبق بيان هذا مرارًا، فيمكنك مراجعته.

ثانيًا:

وينبغي للمسلم أن لا يذل نفسه بأخذه من معونات تلك الدول الكافرة، ففي هذا الفعل إساءة بالغة للإسلام الذي يدعو للعزة، ويدعو للعمل، وترك البطالة، وهذا لو كان أخذًا من دولة إسلامية لكان ممنوعًا فكيف أن يكون أخذًا من دول كافرة، بل محاربة للإسلام، ومعادية لتشريعاته وأحكامه؟!.

وأما بخصوص تقدم الضرائر للحصول على معونة من الدولة: فيُنظر في قوانين تلك الدولة، فإن كانت العبرة  في تقديم المعونة وجود أسرة محتاجة بغض النظر عن رب الأسرة: فإن تعدد بيوت الضرائر يبيح تعدد معاملاتهن في التقدم لطلب المساعدة، وأما إن كان المقصود هو وجود رب أسرة عاطل عن العمل، ويكون هو المقصود بتقديم المعونة: فلا يجوز تقديم المعاملات المختلفة على أنها بيوت مختلفة، بل هي جميعًا بيت واحد، وبمعيل واحد، فيكون التقدم بطلب واحد.

 

والخلاصة: أن مرجع الجواز والحرمة: هو قوانين تلك البلد؛ لأنها هي التي تقدم تلك المعونات، ولها شروطها لجواز ذلك، فما تحقق من الشروط: أحلَّ ذلك المال، وما لم تُحقق الشروط: حرُم ذلك المال.

ثالثا:

لا يجوز لأحدٍ أن يعدد في الزواج وهو غير قادر على نفقة البيت الثاني، وقد شرط الله تعالى لإباحة التعدد: العدل، وهو العدل في النفقة، والكسوة، والمبيت، فمن كان عاجزًا عن تحقيق ذلك العدل الواجب: صار التعدد في حقه محرَّمًا، كما قال تعالى: ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) النساء/ من الآية 3.

رابعًا:

والذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم هو الكفاف، ولا مانع من أن يتمتع المسلم بما خلقه الله تعالى وأوجده من الطيبات، ومن الزينة، ولكن ذلك مشروط بشروط، منها:

  1. أن لا يجعل ذلك هو شغله الشاغل، فيعيش من أجله، ويكون عبداً للدينار والدولار.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ). رواه البخاري ( 6071 ).

  1. وأن لا يكسب معيشته ورزقه من مصدر محرَّم.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) البقرة/ 168.

  1. وأن لا يسرف في المباحات، ولا يتكبر على خلق الله.

قال تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) الأعراف/ 31.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ ). رواه النسائي ( 2559 ) وابن ماجه ( 3605 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح النسائي “.

  1. أن لا يؤثر ذلك على قيامه بالواجبات الشرعية.

عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ:

عَبْد رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْد رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ.

وَعَبْد رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْد لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلاَ عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ ). رواه الترمذي ( 2325 ) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه ( 4228 ).

  1. أن يعترف لله تعالى بالفضل، وأن يشكره بقلبه، ولسانه، وجوارحه.

قال تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) النمل/ 40، وقال تعالى: ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) سـبأ/ من الآية 13.

 

فإذا حقق المسلم هذه الشروط: فليتنعم بالحلال الطيب من الطعام، والشراب، واللباس، والمسكن.

 

والله أعلم.

يسأل عن حكم النظر إلى النساء، ويعاني من وساوس في المذي والريح؟

يسأل عن حكم النظر إلى النساء، ويعاني من وساوس في المذي والريح؟

السؤال:

أنا شاب، عمري 18 سنة، لدي بعض المشاكل، ولكن في البداية سوف أشرح لك مشكلة متصلة، فأنا مثل أي شاب يحب الحاسوب, المشكلة هي أني أعلم أن النظر إلى النساء حرام، ولكن لما أدخل في المنتدى لأنصح أخواني: أرى البنات وأنا مغتاظ، وقلبي حزين، يعني لهذه الدرجة البنت رخيصة لتعرض وجهها، أو أعضاء جسمها الفتان؟! والمشكلة أنها صور لناس من بلادي، أو بنات من الدول العربية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ).

فالسؤال الأول: هل النظر إليهم حرام, لأني أحاول أن أنصحهم، مع العلم (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) صدق الله سبحانه، ولكن أنا أحاول أذكرهم، وأنصحهم لا غير؟.

وهنا تأتي مشكلة: أني أعاني من نزول المني، أو المذي على سروالي، وأظن أنه مذي – لأن النظر والتفكير يسبب نزول المذي – وهذا ما قرأت، وهذا يجعلني على شك في صلاتي، ولكن أنا عندي عادة سيئة أني أبدل سروال في كل صلاة؛ كي أحافظ على الطهارة.

فالسؤال هو: كيف أحل المشكلة؟.

وبعض الأحيان أشعر بأن رأس ذكري يكون فيه مادة لا تخرج، حتى أظن لا يوجد شيء وأيضًا: بعد تبديل السروال لا يوقف المذي أحيانًا، وبعد الصلاة أحيانًا أكون في شك من الثوب لأن رأس الذكر يكون فيه بعض … لا أعرف كيف أصفه لك لأني لا أعلم ما هو.

وبعض الأحيان أشعر في الثوب بللًا، حتى لا أعلم هل صلاتي صحيحة، فأذهب إلى البيت ولا أجد شيئًا، وأشك أنه قد جف، فلا أعلم أعيد الصلاة أم لا؟.

والمشكلة الأخيرة هي الوسواس من الريح، وهو أني لا أستطيع الوضوء لأني أشك بخروج الريح، ولكن أنا أعلم أنه لم يخرج شيء، حتى إني لا أقدر أن أتوضأ وأنا واقف، يجب أن أتحرك كي أكون متأكدًا من الوضوء.

وعند ذهابي إلى المسجد لا أستطيع أن أقعد 5 دقائق، فأحاول أتحرك لمنع الريح من الخروج، وعند الصلاة في السجود لا أستطيع أتمهل، فأتحرك حتى لا يخرج الريح، ولا يبطل الصلاة ، وبعض الأحيان أكون في شك هل خرج شيء مني، أسمع أصوتًا، لكن لا أعلم هل من المعدة، أو من غيرها.

السؤال الأخير: هو أني حاولت أن أذهب للحمام قبل الصلاة، ولكن لا نتيجة، لا يخرج شيء، وهذا كل مرة، فصرت أتوضأ من غير ذهاب للحمام، فما الحل؟ لا أعرف ماذا أفعل، لا أستطيع الصلاة وأنا مرتاح؟ حتى صرت أصلي في البيت لكي لا أشك؛ لأن في البيت لا أنتظر الإقامة، وأنتظر الأمام عند الرفع من السجود.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما لا شك فيه أن الإنترنت أمسى سببًا لانحراف كثيرٍ من الرجال والنساء، ولا شك أن خطره أعظم من خطر الفضائيات، وفي كلٍّ شرٌّ، لذا فإننا دائمًا ننصح إخواننا وأخواتنا بما نراه مانعًا من وقوعهم فيما حرَّم الله تعالى، مستنيرين بالكتاب والسنَّة، وأقوال ونصائح علمائنا الأجلاء.

فاحرص أخي السائل على الابتعاد عن النساء في الإنترنت، مراسلة، وسماعًا، ومشاهدة؛ فإن فتنة النساء عظيمة، والنظر إليهن على الحقيقة، أو إلى صورهن: يورث مرضًا في القلب، والنظر المحرَّم سهم من سهام إبليس، قلَّ مَن يسلم من أثر سموم تلك السهام.

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجِالِ مِنَ النِّسَاءِ ).

رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله -:

النظر سهم من سهام إبليس – والعياذ بالله – ، وكم مِن نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلاء، فصار – والعياذ بالله – أسيرًا لها، كم مِن نظرة أثَّرت على قلب الإنسان حتى أصبح أسيرًا في عشق الصور، ولهذا يجب على الإنسان إذا ابتلي بهذا الأمر: أن يرجع إلى الله عز وجل بالدعاء بأن يعافيه منه، وأن يُعرض عن هذا، ولا يرفع بصره إلى أحدٍ من النساء، أو أحدٍ من المُرد، وهو مع الاستعانة بالله تعالى، واللجوء إليه، وسؤال العافية من هذا الداء: سوف يزول عنه إن شاء الله تعالى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 20 / جواب السؤال رقم 448 ).

واعلم أن هذا هو حكم الشرع، وهو تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات، وبخاصة إلى المتبرجات، الفاتنات، المائعات، وما أكثرهن في الإنترنت، يعرضن أشرف ما يملكن على أدنى الناس، وأحطهم.

ثانيًا:

والظاهر أن ما ينزل منك من سائل أنه ” المذي “؛ فهو الذي ينزل عند النظر إلى النساء، وعند التقبيل، أو التفكير، وهو لا ينزل دفقًا كما هو حال المني؛ ولذلك فليس من المستغرب أنك لا تجده أحيانًا على ثوبك، أو بدنك ؛ وذلك لأنه قليل، ويذهب أثره سريعًا.

– ويراجع أجوبتنا الأخرى لبيان الفرق بين المني والمَذي، والأحكام المتعلقة بهما.

ولا داعي لتكلف تغيير ثيابك الداخلية؛ ففي هذا مشقة بالغة، وحرج شديد، وإنما يكفيك أن تغسل فرجك إن تأكدت من خروج شيء منه، وتنضح الماء على ثوبك؛ قطعًا للوسوسة.

عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: ( يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ ).

رواه البخاري ( 132 ) ومسلم ( 303 ).

وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْىِ شِدَّةً، وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الاِغْتِسَالَ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عََنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ( إِنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ )، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِى مِنْهُ قَالَ: ( يَكْفِيكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تُرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ ).

رواه أبو داود ( 210 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وجمهور العلماء على نجاسة المذي، والقول بطهارته غير بعيد، وهو ليس له أثر يُعرف به، ولا له جرم يحدد مكانه على الثوب، وهو قول ابن عقيل الحنبلي، وابن القيم، ويُذكر رواية عن أحمد.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

يجزئ في المذي: النضح؛ لأنه ليس بنجس؛ لقوله ( ماء الفحل ولكل فحل ماء) – رواه أحمد ( 2 / 398 ) وحسنه الألباني والأرناؤوط -، فلما كان ماء الفحل طاهرًا – وهو المني – : كان هذا مثله؛ لأنهما ينشآن من الشهوة.

” بدائع الفوائد ” ( 4 / 892 ).

– وعلى القول بنجاسته: فإنه يعفى عن يسيره.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

أما المذي: فيُعفى عنه في أقوى الروايتين؛ لأن البلوى تعمّ به، ويشقّ التحرّز منه، فهو كالدم، بل أولى؛ للاختلاف في نجاسته، والاجتزاء عنه بنضحه.

” شرح العمدة ” ( 1 / 104 ، 105 ).

وأما في حال كون نزوله مستمرًّا: فإن لك رخصة أصحاب السلس، فلا تقطع صلاتك لو شعرتَ به، وأكثر ما يلزمك الوضوء لكل صلاة.

روى مالك في ” الموطأ ” ( 2 / 56 ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ الْبَلَلَ وَأَنَا أُصَلِّي، أَفَأَنْصَرِفُ؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَوْ سَالَ عَلَى فَخِذِي مَا انْصَرَفْتُ حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي. والأثر بوَّب عليه الإمام مالك بقوله: بَاب الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَذْيِ.

 

 

* قال سليمان الباجي – رحمه الله -:

إذا ثبت أنه لا يجب بسلس المذي والبول وضوء: فهو على قسمين:

أحدهما: أن ينقطع في بعض الأوقات، فهذا يُستحب منه الوضوء لكل صلاة، إلا أن يؤذى، ويشتد البرد.

وقسم: لا ينقطع، فهذا لا معنى للوضوء منه؛ لأنه يأمن أن يطرأ مثله قبل التلبس بالصلاة. ” المنتقى شرح الموطأ ” ( 1 / 90 ).

وهذا التقسيم تستفيد منه في معرفة حكم ” سلس الريح “، وبه تعالم أنه لا داعي للقلق من هذا الأمر، وأنه ينبغي لك التنبه إلى أمرين:

  1. الجزم بحصول الريح من مكانها المعتاد، فتسمع صوتًا، أو تجد ريحًا، وأن لا تلتفت لكل صوت أنه ريح تنقض الوضوء.

ويلزمك على هذا الذهاب للمسجد لأداء صلاة الجماعة، ولا تُعذر بمثل هذه التوهمات، والتخيلات.

  1. أنه لو ثبت خروج الريح: فإما أن يكون متقطعًا، أو دائمًا، فإن كان الأول: فيلزمك وضوء بخروجه إن أردت الصلاة، وإن كان الثاني وهو المستمر: فله حكم السلس، وهنا تكون معذوراً في عدم ذهابك للصلاة في المسجد؛ بسبب أذية المصلين.

ثالثًا:

واحذر أخي السائل من الوسوسة في الطهارة، وفي غيرها؛ فإنها يوشك أن يكون للاسترسال بها من آثار وخيمة على دينك، وعقلك، وخير علاج لها: تجاهل أمرها، ولا تلتفت لما يلقيه الشيطان في قلبك إلا أن يثبت عندك حصول ما يمكنك أن تحلف عليه، كما قال ذلك عبد الله بن المبارك رحمه الله.

* وسئل ابن حجر الهيتمي:

عن داء الوسوسة هل له دواء؟.

فأجاب بقوله: له دواء نافع، وهو الإعراض عنها جملة كافية، وإن كان في النفس من التردد ما كان؛ فإنه متى لم يلتفت لذلك: لم يثبت، بل يذهب بعد زمنٍ قليلٍ، كما جرب ذلك الموفقون, وأما من أصغى إليها وعمل بقضيتها: فإنها لا تزال تزداد به حتى تُخرجه إلى حيز المجانين، بل وأقبح منهم, كما شاهدناه في كثيرين ممن ابتلوا بها وأصغوا إليها وإلى شيطانها. ” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 1 / 149 ).

 

والله أعلم.

أوربية مسلمة لها زوج مسلم سيء الأخلاق لا ينفق عليها فكيف التخلص من زواجه؟

أوربية مسلمة لها زوج مسلم سيء الأخلاق لا ينفق عليها فكيف التخلص من زواجه؟

السؤال:

امرأة أوربية، اعتنقت الإسلام منذ سنوات, فارقها زوجها العربي المسلم منذ أزيد من سنة، من دون النفقة عليها، ولا على أولادها، كما أنه يخونها مع امرأة أخرى، وذلك باعترافه بذلك لزوجته، وافق فقط على الطلاق، ولم يقل لها باللفظ ” أنت طالق “، بحيث أن الأوراق الإدارية جاهزة، ويبقى توقيعها فقط، ولكنه يتهرب من التوقيع كابتزاز للزوجة؛ لتتنازل له على النفقة؛ لأن القانون سيجبره على الإنفاق على أولاده.

  1. هل تعتبر هذه المرأة مطلقة شرعًا ما دام أن زوجها ولا هي يريدان الرجوع إلى بعضهما، أم أنها لا زالت تعتبر زوجته شرعًا حتى يقول لها باللفظ ” أنت طالق ” وليس بالموافقة؟.
  2. إذا أُفتي لي بأنها تعتبر مطلقة شرعًا: فهل يجوز لي الوقوف بجانبها وإخبارها بأنه يمكن لها التزوج، وأنها تعتبر مطلقة شرعًا لأنها ليست متأكدة من هذا بعد؟.
  3. إذا أُفتي لي بأنها تعتبر مطلقة شرعًا: فهل يمكن لي خطبتها مؤقتا، للتزوج بها بعد حصولها على الطلاق موثقًا لدى الجهات القضائية غير المسلمة، أم أنني سأكون آثمًا، علمًا بأنني أتوفر على أوراق الإقامة، ولا أريدها من أجل الأوراق، وإنما لأنها طيبة تساعد المسلمين، وتُحسن إليهم، ولا زالت تصلي، وتصوم، ومتشبثة بدينها أكثر فأكثر, رغم ما فعل بها زوجها العربي المسلم من ظلم وإحراج مع أهلها غير المسلمين كلهم, كما أنني أريد إخراجها هي أولادها من بلاد الكفر والعودة معي إلى بلاد المسلمين؟.

بارك الله فيكم، وأحسن الله إليكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قبل الإجابة على ما يختص بموضوع المرأة: لا بدَّ من تنبيهك أخي السائل على أمرين:

الأول: أن إقامتك في تلك الديار لا تحل لك، وينبغي عليك السعي في مغادرتها، ولا تؤخر ذلك لحين تزوجك، أو تعلقها بآمال تحققها، وها أنت ترى كيف أصبح أهل تلك البلاد وحكوماتهم في تعاملهم مع الإسلام والمسلمين، وها أنت ترى ما أوصل الله حالهم إليه من ظروفهم الاقتصادية.

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

الثاني: أن تحذر من فتنة الشيطان، فقد يجعل من شفقتك على حال تلك المرأة طريقًا له ليصل بك إلى ما لا يحل لك شرعًا، من الانبساط في الحديث، والزيارة، والخلوة، وغير ذلك من أسباب الوقوع في شرَك إبليس، فاحذر من هذا، والدين النصيحة.

ثانيًا:

والمرأة التي تسأل عن حالها نسأل الله أن يصبِّرها، ويوفقها، ومثل حال زوجها كثير، أساءوا إلى الإسلام بأخلاقهم، والحمد لله أنه يوجد من يعلم أن مثل هؤلاء ليسوا هم الإسلام، بل إنهم متوعدون على ما يفعلون أشد الوعيد، وبعضهم قد يكون خارجًا من الإسلام أصلًا.

ثالثًا:

وزوجها الذي عقد عليها لا يزال زوجًا لها ما لم يتلفظ بالطلاق، أو يوقع على أوراقه، وأما مجرد موافقته فلا تعد طلاقًا.

وإذا كان قد ثبت هجره لها، وعدم رغبته بالبقاء معها زوجًا، وتضييقه عليها بالابتزاز: فيمكنها طلب الطلاق من قاضٍ شرعي، أو إمام مركز إسلامي موثوق في دينه، أو أحد العلماء الذين يعيشون في بلدها، فيقف على قضيتها بنفسه، ويتأكد من أحداثها، وأحوالها، وإن ثبت أن زوجها لا يرغب بها، ويمتنع عن تطليقها: فإن هذا المرجع والحاكم يطلقها منه وفق شرع الله تعالى، ومن ثمَّ تعتد، ولها حرية التزوج بعد العدَّة بمن تشاء، فإن كان لك ولي من أهلها من المسلمين: فهو وليها في النكاح، وإن لم يكن لها: فيقوم من ذكرنا مقام الولي، فيزوجها.

رابعًا:

فإن تمَّ لها أمر الطلاق: لم يجز لك، ولا لغيرك التقدم لخطبتها، فضلًا عن التزوج بها، فالتصريح بخطبة المعتدة: محرَّم، وإنما أجيز للرجل أن يعرِّض برغبته خطبتها، دون التصريح بذلك، قال تعالى: ( وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) البقرة/ 235.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يقول تعالى : ( ولا جناح عليكم ) أن تعرِّضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن، من غير تصريح، قال الثوري، وشعبة، وجرير، وغيرهم، عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ) قال: التعريض أن تقول: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها، ومن أمرها – يعرِّض لها بالقول بالمعروف -.

وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة، ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة، وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها.

ورواه البخاري تعليقًا، فقال: قال لي طلق بن غنام عن زائدة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس: ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ) هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة.

وهكذا قال مجاهد، وطاووس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن، وقتادة، والزهري، ويزيد بن قسيط، ومقاتل بن حيان، والقاسم بن محمد، وغير واحد من السلف، والأئمة، في التعريض: أنه يجوز للمتوفى عنها زوجها، من غير تصريح لها بالخطبة، وهكذا حكم المطلقة المبتوتة، يجوز التعريض لها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها: ( فإذا حللتِ فآذنيني )، فلما حلت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه.

فأما المطلقة الرجعية: فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها، ولا التعريض لها، والله أعلم. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 639 ) .

وعليه: فلا تأثم على التعريض لها بالخطبة – دون التصريح -، لكن ذلك يكون جائزًا بشرطين:

الأول: أن يكون طلاقها غير رجعي.

والثاني: أن لا يكون ذلك في خلوة، أو مع الاسترسال في المحادثة، والمخاطبة؛ فهي لا تزال أجنبية عنك، حتى يتم عقد الزواج.

وإن كان ذلك الزوج لا يصلي: فإنه لا يحل لها البقاء معه؛ لأنه يكون كافرًا، ويكون عقده مفسوخًا.

وحتى في هذه الحال لا بدَّ من أن يثبت تركه للصلاة عند من يريد الحكم على العقد بالبطلان، ولا بدَّ من أن يقوم القاضي، أو المفتي، بالتفريق بينها وبين زوجها.

وفي حال عدم وجود قاض شرعي، أو عالِم، أو مدير مركز إسلامي: فيمكن تحكيم أي مسلم عنده علم في الشرع، وعقل يزن به الأمور، ويكون حكمه ملزمًا.

 

والله أعلم.

 

زنى بأخته المعوَّقة في دبرها مرات! ويسأل عن سبيل التخلص من الفاحشة!

زنى بأخته المعوَّقة في دبرها مرات! ويسأل عن سبيل التخلص من الفاحشة

السؤال:

لقد ترددت كثيرًا جدًّا قبل أن أرسل إليك بهذا السؤال – شيخنا الفاضل – ولكن قذارة، وقبح ما أقوم به، ورغبتي في إنهائه هما الذي دفعاني لكي أرسل لك.

أولًا: لدي أخت من ذوي الاحتياجات الخاصة، أي: الذين لديهم تأخر في نمو العقل، ولكن أشكالهم عادية، وليست غريبة.

ثانيًا: المصيبة أنني قد قمت باللواط مع أختي هذه! ولكن هذا الفعل القذر قد كنت قمت به عدة مرات قبل ذلك، ولكن كان على فترات متباعدة، كل سنة تقريبًا، وفي كل مره أطلب من الله الستر، ولكن كان دائماً تعرف أمي بما حدث، وبالمناسبة أمي وأبى منفصلان منذ زمن بعيد.

ثالثًا: أرجوك شيخنا الفاضل لا تلعني عندما تقرأ هذا الكلام! ولكن – يا سيدي – ما يزيد الأمر سوءً أني دائمًا أصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، والثلاثة أيام القمرية من كل شهر، ومحافظ على الصلوات، وأحفظ من كتاب الله تسعة أجزاء.

ولا أدري – يا شيخنا – كلما أنسى هذا الموضوع القذر ويعطيني الله فرصة جديدة: أقسم لك أني أجد نفسي مساقًا إلى نفس الفعل القذر دون وعى، مع أني أكون مدركا لما يحدث حولي، وفي آخر مره تم فيها هذا الفعل القذر: لم أستطع التحمل؛ لأن أختي قد قالت لي: ” أنا خايفة من ربنا “، فسكت أنا قليلًا، وأكملت ما بدأته!.

شيخنا الفاضل إني فعلًا خائف من استمراري في هذا الفعل القذر، وأخاف إن تزوجت أن يحدث مثل نفس الفعل بين أولادي، أو أن يصيب زوجتي، ولكن يوجد شيء غريب تنبهت له أخيرًا: أنه عندما أصل أنا وأمي إلى ذروة وفاقنا، وطاعتي لها، وثقتها فيَّ: أجد نفسي أفكر في هذا الفعل القذر، وأجد العوامل كلها تهيأ كي يتم نفس الفعل المشين، وأنا متأكد أن أمي قد فقدت الثقة فيَّ بالكلية، فماذا أفعل؟.

أنا بين نارين: نار الله، ونار أمي، وكلاهما أشدُّ عليَّ من الأخرى!.

أرشدني – شيخنا الفاضل – إني ضائع، وإني أحس أن الله قد غضب عليَّ، فدائمًا بعد هذا الفعل أجد كل ما حولي ينقلب ضدي.

ماذا أفعل كي أوقف هذه القذارة التي تصدر مني، مع العلم أن أختي تكره هذا العمل جدًّا؟ وماذا أفعل حتى يرضى الله عني، وترضى أمي عني، ولا أغضبهما أبدًا ثانية؟.

ملحوظة:

الظروف الحالية لا تسمح بالزواج لأني أعول أسرتي التي تتكون من أمي، وأخي، وأخواتي الاثنتين.  بالله عليك يا شيخ أرشدني.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ماذا نقول وماذا نذر؟! لقد انعقدت ألسنتنا مع قراءة هذه الحكاية الشنيعة، ولقد كادت أصابعنا أن تعجز أن تكتب حرفًا واحدًا في التعليق عليها! كنَّا نود إرجاع السؤال لك، وجعلك تتقلب في نار المعصية تأكل أطرافك، وتعيش في هم وغم هذا المنكر الشنيع والذي تتنزه عنه البهائم، نعم لا تنزو بهيمة على أختها، ولا يفعل ذلك إلا من انتكست فطرته، ولكن منعنا من عدم التعليق على حكايتك ” احتمال ” صدقك في توبتك، و ” احتمال ” صدقك في حبك التخلص من هذا الإثم المبين، فإن لم تفعل فنكون قد أقمنا عليك الحجة.

ثانيًا:

أتعلم أيها المذنب أنك وقعت في الزنا؟ أتعلم أن زناك كان بذات محرَم؟ أتعلم أن حدَّك القتل؟.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 24 / 33 ):

ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة إلى وجوب حد الزنى على من أتى امرأة أجنبية في دبرها؛ لأنه فرج أصلي كالقُبُل. انتهى.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الصحيح: أن الزنا بذوات المحارم فيه القتل بكل حال؛ لحديث صحيح ورد في ذلك، وهو رواية عن أحمد، وهي الصحيحة، واختار ذلك ابن القيم في كتاب الجواب الكافي أن الذي يزني بذات محرم منه: فإنه يقتل بكل حال، مثل ما لو زنا بأخته – والعياذ بالله -، أو بعمته، أو خالته، أو أم زوجته، أو بنت زوجته التي دخل بها، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا الفرْج لا يحل بأي حال من الأحوال، لا بعقد، ولا بغيره؛ ولأن هذه فاحشة عظيمة. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 246، 247 ).

نعم، الزنا دركات، وبعضه أعظم إثمًا من بعض، إنها أختك، وإنها معوَّقة، وإنك مسئول عن حماية عرضها وشرفها، وبدلًا من ذلك دنَّسته بفعلتك الشنيعة، إنها تذكرك بالله تعالى وأنت في غيك سادر! لا ترعوي، ولا تخاف الله، لم تقف عند تذكيرك بربك، لم تكف عن فعلتك الخبيثة بتذكيرك بالخوف من الله.

أتعلم أن رجلًا جاء ليزني بغير ذات محرَم، فلما جاءته المرأة، ولم يبق على فعله الفاحشة بها إلا أن يطأها ذكَّرته بالله تعالى ربَّه، فتركها؟! نعم هو من بني إسرائيل، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بقصته، فماذا فعلتَ أنت أيها المسلم، الصائم للنوافل، الحافظ لتسعة أجزاء من القرآن، ماذا فعلت عندما أردت الزنا بأختك عندما ذكَرتك بالخوف من الله؟! لم تقف إلا يسيرًا، ثم بدأت بفعلتك الدنيئة الحقيرة! فما هي طبيعة صلاتك؟ هل هي التي قال الله تعالى عنها ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45؟ وكيف تصوم؟ هل هو الصوم الذي قال الله تعالى فيه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة/ 183، وأي كتابٍ تحفظ منه؟ هل هو القرآن الكريم؟ هل تحفظ منه قوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) الإسراء/ 32؟ هل تحفظ قوله تعالى ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ) العنكبوت/ 28؟.

إنك لو بكيتَ دمًا على فعلتك هذه لم يكن قليلًا، إنك فعلت ما استوجب غضب الله تعالى، وسخطه، وقد عذَّب قوم لوطٍ بما لم يعذِّب به أحدًا من العالَمين.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وجمع عليهم أنواعاً من العقوبات: من الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذَّبهم، وجعل عذابهم مستمرًا، فنكل بهم نكالًا لم ينكله بأمَّة سواهم  وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة، التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.

” الجواب الكافي ” ( ص 119 ).

يجب أن تعلم حق العلم حقيقة ما فعلت، وعظيم قبحه، وحكمه في الشرع، ويجب أن تعلم أن ما أنت عليه من تدين ناقص حتى تترك هذه الفعلة الشنيعة، وأول ذلك أن تبغضها بقلبك، وتستقبح صدورها منك، وتستحيي من الله أن تجاهر بها، فصلاتك ينبغي أن تنهاك عن هذا الفاحشة، وصيامك للنوافل ينبغي أن يورثك تقوى الله ومخافته، وقراءتك للقرآن وحفظك له في صدرك ينبغي أن يورث عندك تعظيمًا لمُنزله، فراجع نفسك، وحاسبها، وعاتبها، ولُمها، قبل فوات الأوان، وإلا لقيت الله تعالى بذنب عظيم، وجرم قبيح.

وعجيب جدًّا قولك ” أنا بين نارين: نار الله، ونار أمي، وكلاهما أشدُّ عليَّ من الأخرى “! فأين نار الله من نار أمك؟! أين سخط الله وغضبه من سخط وغضب أمك؟! ولم نرَك تأثرت لا بنار الله تعالى، ولا بنار أمِّك، فقد أغضبتهما جميعًا، وأسخطتهما عليك.

وكان الواجب على أمك أن يكون لها موقف غير هذا الذي تذكره، فعسى أن تكون هذه الحادثة عبرة للأمهات اللاتي يتساهلن في شرع الله مع أولادهن، ويفرطن في تربية أولادهن، كما عسى أن يعتبر الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم مع إمكانية الصبر والتحمل، ويتسببون في ضياع أولادهم.

 

ثالثًا:

ومع كل ما ذكرناه سابقًا: فإننا لا نقطع الطريق عليك إن أردت أن ترجع لربك تائبًا، منيبًا، ولا نغلق الطريق عليك إن أردت سلوكه لتصل إلى رضى ربك تعالى ورحمته، فالله تعالى مع غناه عن طاعة الطائعين: إلا أنه تعالى يحبها من عباده، ومع غناه عن توبة التائبين: إلا أنه يفرح لها تعالى، فاسلك طريق الطاعة، وأعلن التوبة الصادقة، واحذر من تكرار تلك المعصية، ولا تسمح لها بالطروء على بالك، واحرص على الصدق في كل ذلك حتى ترى توفيق الله لك.

* والذي يلزمك فعله مع ما سبق:

  1. البُعد عن النظر إلى أختك نظر شهوة، وريبة.
  2. البُعد التام عن الخلوة بها.
  3. السعي المباشر نحو تزويجها، وتزوجك، ولا تُعذر بتأخير تزوجك وأنت على هذه الحال، وابذل ما تستطيعه من أسباب، واسأل الله التيسير، لكن لا تؤخره، ولا تؤجله، ولا تسوِّف فعله، وكل ما أنت عليه من حال إنما هو بسبب تأخيرك للزواج، فاعلم أن حكمه الآن في حقك الوجوب، فقدِّمه على ما يمكن تأخيره، ولا تقدِّم عليه شيئًا يمكن تأجيله أو إلغاؤه، وإعالتك لأسرتك لن تنقص بزيادة عدد أفراد الأسرة فردًا واحدًا، وخاصة أنك تفعل ذلك لتكف نفسك عن فعل ما يُغضب الله، وتفعله من أجل إعفاف نفسك.
  4. اجعل لما تفعله من طاعات أثرًا على جوارحك، ولا تجعل من الصيام مجرد امتناع عن الطعام والشراب، ولا من الصلاة حركات تؤدَّى، وحقق ما من أجله شرعت تلك الطاعات؛ فإن من شأن تحقيق ذلك أن يعينك على غض البصر، وحفظ الفرْج.
  5. اسأل الله تعالى دوماً أن يغفر لك ذنبك، ويكفر عنك سيئاتك، واسأله التوفيق والإعانة على فعل الطاعات، وترك المنكرات.

 

ونرجو أن يكون ما ذكرناه لك واعظًا أن تدع فعلتك القبيحة، وأن ترضى لنفسك أن تكون في زمرة الصالحين، والأمر يسير على من يسَّره الله عليه.

 

والله الموفق.

 

 

 

حال البوصيري وقصيدته “البُردة” وهل يجوز طبعها وإنشادها بعد تنقيتها؟

حال البوصيري وقصيدته “البُردة” وهل يجوز طبعها وإنشادها بعد تنقيتها؟

السؤال:

لقد أرسلت إليكم العديد من الأسئلة ولكنني لم أتلقَ أية إجابة، فأرجو أن تجيبو على هذا.

لقد سمعت أغنية! تسمَّى ” قصيدة البردة “، وسمعت على موقعكم أن بها شيئًا من الشرك، ولكنني فيما سمعت لم أر ما يدعو للشرك.

وسؤالي هو:

إذا ما قمنا بحذف هذه الجمل التي تدعو للشرك: فهل تكون حلالًا في سماعها وقراءتها أم أنني أشرك بقراءتها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قصيدة ” البردة ” هي للبوصيري أبي عبد الله محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي، مصري النشأة، مغربي الأصل، شاذلي الطريقة، توفي سنة 696 هـ، وهو ليس من أهل العلم، ويخلط كثيرون بينه وبين بوصيري آخر من أهل العلم وهو المحدِّث المشهور صاحب ” زوائد ابن ماجه “، وهو أحمد بن أبي بكر الكناني، وقد توفي سنة 840 هـ، وكان مِن تلامذة الحافظيْن العراقي وابن حجر رحمهما الله، وانظر ترجمته في ” شذرات الذهب ” ( 9 /   340 ).

ثانيًا:

والقصيدة المذكورة فيها مخالفات في كثير من أبياتها – وتبلغ 16- بيتًا – وأعظمها الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكنَّا قد ذكرنا شيئاً مما احتوته بعض أبياتها من غلو ومخالفات للشرع، وذلك في جواب السؤال رقم ( 115502 )، فلينظر.

وقد نقد مخالفات تلك القصيدة علماء وطلبة علم أفاضل، بعضهم في كتب مستقلة، وآخرون ضمنوا الرد عليها بعض كتبهم، وطائفة تولت ذلك النقد في مقالات خاصة، ومن هؤلاء:

  1. الإمام الشوكاني ، ضِمن ” الدرّ النضيد في إخلاص كلمة التوحيد “.
  2. شرّاح كتاب ” التوحيد ” للإمام محمد بن عبد الوهاب، كالشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في ” تيسير العزيز الحميد “، والشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في ” فتح المجيد “، الشيخ العثيمين في ” القول المفيد “، والشيخ صالح آل الشيخ في ” التمهيد في شرح كتاب التوحيد ” ، وغيره.
  3. الشيخ الإمام عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، وقد ألَّف رسالة خاصَّة في الردّ عليها بعنوان ” الرد على البردة “، وهي مطبوعة في آخر كتاب ” الشيخ العلاّمة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين مفتي الديار النجدية ” للدكتور علي بن محمد العجلان.
  4. الشيخ محمود شكري الألوسي ضِمن كتابه ” غاية الأماني في الرد على النبهاني”.
  5. الشيخ صالح الفوزان ضمن كتابه ” إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد “.
  6. للشيخ عبد البديع صقر، في كتاب خاص بعنوان ” نقد البردة مع الرد والتصحيح”.
  7. الشيخ محمد جميل زينو، ضمن كتابه ” معلومات مهمة عن الدين “.
  8. مقال للشيخ الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف نُشِر في مجلّة ” البيان ” عدد رقم 139، بعنوان ” قوادح عقدية في بردة البوصيري “.
  9. عبد الرؤوف محمد عثمان ضمن كتابه ” محبة الرسول بين الاتباع والابتداع “.
  10. مقال للأستاذ سليمان بن عبد العزيز الفريجي نُشِر في مجلّة ” البيان ” عدد رقم 139 ، بعنوان ” مظاهر الغلو في قصائد المديح النبوي “.
  11. مقال للشيخ علوي السقاف، بعنوان ” قراءة في بردة البوصيري وشعره “.

وفي هذا المقال أبان كاتبه – وفقه الله – عن حال البوصيري الذي جعله أهل الطرق إمامًا، فكان مما ذكر من حاله أن قال:

والبوصيري كان ممقوتًا؛ لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء، سيء الخلق مع زوجته وغيرها، شحَّاذًا، مضطربًا في شخصيته، فتارة يمدحُ النصارى ويذُمُّ اليهود، وتارة يمدح اليهود إرضاءً للنصارى، وتارة يذم الاثنين معًا، وكان كثير المدح للسلاطين طمعًا فيما عندهم، وهذا ليس غريبًا على الشعراء لكنه ليس من صنيع العلماء، أضف إلى ذلك أنَّ له أبياتًا كثيرة في ” البردة ” و ” الهمزية ” وبقية قصائده الواردة في ديوانه فيها من الغلو ما يصدِّق قول منتقديه فيه ….

ثم ذكر أمثلة من شعره على ما سبق ذِكره من حاله.

– انظر البحث بكامله هنا:

http://www.dorar.net/art/53

 

 

 

 

 

 

ثالثًا:

ولما سبق ذِكره من حال قائل القصيدة، ولما فيها نفسها من غلو ومخالفات شرعية كثيرة متفرقة في أنحائها، ولما في نشرها من تزكية لقائلها، ولعدم تفريق الناس بين الصواب والخطأ فيما يطرق سمعهم: نرى أنه لا يجوز نشر تلك القصيدة، ولا الثناء عليها، ولا إنشادها، ولا الترويج لها، وما فيها من أبيات خلت من مخالفات شرعية لا يشفع لكي تُنشر على الناس.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

نحن نرى أنه يجب على المؤمنين تجنب قراءة هذه المنظومة؛ لما فيها من الأمور الشركية العظيمة، وإن كان فيها أبيات معانيها جيدة وصحيحة، فالحق مقبول ممن جاء به أيًّا كان، والباطل مردود ممن جاء به أيًّا كان.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 335 ).

* وسئل الشيخ عبد المحسن العباد – حفظه الله -:

بعض المكتبات في المولد تصور وتطبع المدائح التي قيلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم كالبردة فهل لي أن أبلغ عنهم الجهات المختصة؟.

فأجاب:

نعم، بلِّغ عنهم الجهات المختصة.

” شرح سنن الترمذي ” ( شريط 304 ).

 

هذا بخصوص طبعها ونشرها، أما بخصوص اختيار أبيات من الشعر منها ليس فيها مخالفة للشرع من غلو أو غيره لإنشادها: فنرى عدم جواز ذلك؛ بسبب الهالة العظيمة التي جُعلت للقصيدة وقائلها حتى تُليت على المنابر، وأمام الجنائز، وفي الأفراح والأحزان والموالد، وقد شُرحت بأكثر مما شرحت به كتب الحديث النبوي!، ولولا تلك الهالة وذلك الحال الذي للقصيدة وقائلها لما منعنا من اختيار أبيات موافقة للشرع لتُنشد.

 

والله أعلم.

 

 

كان متوسط الحال ثم صار غنيًّا فتزوج بأخرى فهل يكون ظالمًا لزوجته الأولى بذلك؟

كان متوسط الحال ثم صار غنيًّا فتزوج بأخرى فهل يكون ظالمًا لزوجته الأولى بذلك؟

السؤال:

شخص يسأل: كنت متوسط الحال أو أقرب للفقر، ثم تزوجت من زوجتي الأولى، وسكنت معي في بيت أهلي، وصبرت معي في حياتي، وتشاركنا الأفراح والأتراح، والآن قد منَّ الله عليَّ وأغناني من فضله، وأصبحت أملك الملايين بما يكفي للنفق العادلة – بإذن الله – والآن أنا أرغب في الزواج بأخرى.

فسؤالي هو: هل يعتبر زواجي بأخرى وأنا في حالة غنى وثراء ظلم لزوجتي الأولى التي عاشت معي في عيشتي الصعبة مسبقًا؟.

جزاكم الله خيرًا وبانتظار جوابكم مفصلًا، وأرجو ألا تحيلوني على أسئلة مسبقة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الزواج من ثانية – في الأصل – ليس ظلمًا للزوجة الأولى، والزواج من ثالثة ليس ظلمًا للأولى والثانية، والزواج من رابعة ليس ظلمًا لمن سبقها، ومن قال ذلك: فقد نسب للشرع المطهر ترغيبه بالظلم! وهذا مُحال، فالظلم قبيح وهو محرَّم بالإجماع، والظلم هو التعدي على الآخرين، وأخذ حقوقهم، فأين حق الأولى المأخوذ منها ظلمًا وبغيًا بتزوج زوجها عليها من أخرى؟!.

فالتعدد في الزوجات ليس ظلمًا بحد ذاته وفي أصل تشريعه، وإنما يأتي الظلم من سلب حقوق الزوجة الأولى – مثلًا – وعدم الإيفاء بما أوجب الله تعالى عليه تجاهها، وهذا الظلم قد يقع على الزوجة الثانية!، وقد يقع الظلم من صاحب الزوجة الواحدة، بل هو الأكثر، وهذه المحاكم الشرعية تعج بالقضايا، والنسبة العظمى منها هي لزواجات لأصحاب زوجة واحدة، فالظلم يقع في تصرفات الزوج وليس في أصل تزوجه، فمن يميل مع الزوجة الثانية مع سلب الأولى حقوقها من المبيت والنفقة والمسكن: فيكون ظالمًا لها، ومن يعطي كل واحدة حقَّها: فلا يكون ظالما.

قال علماء اللجنة الدائمة – وسئلوا إن كان في تزوج الزوج من أخرى يعد ظلمًا للأولى -:

ليس في النكاح المذكور ظلم للزوجة الأولى؛ لأن الله سبحانه أباح التعدد، فقال تعالى: ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ). الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 444 ، 445 ).

ثانيًا:

وأما تزوج الزوج من أخرى بعد أن أغناه الله وصار قادرًا على العدل بين زوجتيه: فهو أمر طبيعي، وكان يمكن أن يكون ظالمًا لو أنه تزوج قبل أن يغنيه الله تعالى! إذ الفقر مظنة عدم القدرة على القيام بحقوق الزوجتين، ولهذا فقد أمر الله تعالى غير القادرين على القيام بالعدل بين الزوجات الاكتفاء بواحدة، بل ومن كان غير قادر على إعطاء الزوجة الواحدة حقوقها أن يكتفي بمِلك اليمين! وهذا كلُّه في تأسيس الشريعة للنهي عن الظلم وإعطاء أصحاب الحقوق حقهم.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: إباحته تعدد الزوجات إلى أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن: لزمه الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه، كما قال تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) النساء/ 3، ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها: هي إباحة تعدد الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كلَّ العُقَلاء.

– وساق بعضًا من تلك الأمور كتعرض المرأة للحيض والنفاس الليالي ذوات العدد .

ثم قال:

فإن خاف الرجل ألا يعدل بينهن: وجب عليه الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه؛ لأن الله يقول: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ ) النحل/ 90.

” أضواء البيان ” ( 3 / 22 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمِن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن، فإن خاف شيئًا من هذا: فليقتصر على واحدة، أو على ملك يمينه؛ فإنه لا يجب عليه القسْم في ملك اليمين.

– ( ذَلِك ) أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين.

– ( أَدْنَى أَلا تَعُولُوا ) أي: تظلموا.

وفي هذا أن تعرُّض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب – ولو كان مباحًا -: أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية؛ فإن العافية خير ما أعطي العبد.

” تفسير السعدي ” ( ص 163 ).

 

 

 

 

وما يحصل بين الضرات من خصومات يحصل مثله بين أفراد الأسرة الواحدة، ونحن على علم واطلاع على قطيعة بين أشقاء بعضهم مع بعض، وأولاد مع أبيهم، وتستمر تلك القطيعة إلى موتهم جميعًا!.

وأما ما تظنه الزوجة الأولى أن زوجها ظلمها بمشاركة الزوجة الثانية لقلبه أو لماله: فليرد هذا على الأبناء! فإن الولد الثاني سيشارك الولد الأول قلب أبيه وأمه وسيكون شريكه في الميراث! وهكذا الولد الثالث والرابع، فهل يتوقف عاقل عن إنجاب الولد الثاني خشية أن يَظلم الأول في الحب والميراث؟! إن المصالح العظيمة في النكاح من أخرى والمصالح العظيمة في الإنجاب تجعل ذلك التفكير ساذجًا كما هو واضح بيِّن.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وما يزعمه بعض الملاحدة من أعداء دين الإسلام من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلى نكد الحياة لأنه كلما أرضى إحدى الضرتين سَخطت الأخرى فهو بين سخطتين دائمًا، وأن هذا ليس من الحكمة: فهو كلام ساقط، يظهر سقوطه لكل عاقل؛ لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه ألبتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين أولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة، فهو أمر عادي ليس له كبير شأن، وهو في جنب المصالح العظيمة التي ذكرنا في تعدد الزوجات من صيانة النساء، وتيسير التزويج لجميعهن، وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكثير في وجه أعداء الإسلام: كلا شيء؛ لأن المصلحة العظمى يقدَّم جلبها على دفع المفسدة الصغرى.

فلو فرضنا أن المشاغَبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة، أو أن إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة مفسدة: لقُدمت عليها تلك المصالح الراجحة التي ذكرنا … .

فالقرآن أباح تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطّل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمَّة ليكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة الله هي العليا، فهو تشريع حكيم خبير، لا يطعن فيه إلا من أعمى الله بصيرته بظلمات الكفر.

” أضواء البيان ” ( 3 / 23 ، 24 ).

ثالثًا:

ولتعلم الزوجة الفاضلة أن كثرة المال مظنة الفتنة، وأن تفكير الزوج في تصريف شهوته بنكاح شرعي مما ينبغي أن يُشجع عليه خشية وقوعه في الفتنة التي يقع فيها كثير من أهل الأموال، فوجود بيوت متعددة لهذا الرجل الغني ووجود أولاد له من كل واحدة من شأنه أن يضبط شهوته وتصرفاته فلا يجد من الوقت ما يجده أصحاب الأموال من أهل الدنيا ليصرفه في غير حلال ومباح، فنرى أن تفكير الزوج الذي أنعم الله تعالى بالمال بالتزوج من ثانية وثالثة هو في صالح دينه فلا ينبغي التثريب عليه ولا صده عما ينويه من قضاء وطره مع امرأة يتزوجها على الكتاب والسنَّة.

سئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

الرجل عندما يكثر ماله فأول ما يفكر فيه هو الزواج على زوجته ليس لغاية بناء أسرة ولكن للمتعة.

فقال الشيخ رحمه الله:

فيها العافية، فيها العافية، فيها العافية.

فقال السائل:

مباح يعني؟.

قال الشيخ:

نعم، وهل تريد تصرفه إلى الحرام؟!.

فقال السائل:

لا.

ثم قال الشيخ:

مباح، وليس عليه أي شيء، لكن نحن نأمره بأن يضم إلى هذا المباح: مستحب، وهو أن يكثِّر سواد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويكثِّر الأجر عند ربِّه بتربيته لنفسه وذريته.

” أشرطة سلسلة الهدى والنور ” ( شريط رقم 521 ).

 

والخلاصة:

ليس في تزوج الزوج من ثانية بعد أن أغناه الله تعالى ظلم للزوجة الأولى، بشرط أن يقوم بالعدل الذي أوجبه الله تعالى عليه، وهو: أن يعدل في النفقة، وفي المبيت، وفي السكن، وفي الكسوة.

 

والله أعلم.

 

كيف يكون القرآن معجزة للأعاجم وهو عربي وهم لا يعرفون العربية؟

كيف يكون القرآن معجزة للأعاجم وهو عربي وهم لا يعرفون العربية؟

السؤال:

جاء القرآن معجزة من قبل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم كما جاء في آي القرآن وفي حديث البخاري رقم ( 7274 )، لذلك كيف كان القرآن معجزة للأعاجم الأميين الذي يشكلون غالبية سكان العالم وقتها؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث المشار إليه في السؤال:

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِىٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

رواه البخاري ( 1044 ) ومسلم ( 152 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – وقد ذكر احتمالات في معنى الحديث -:

وقيل: المراد: أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزه القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه.

وهذا أقوى المحتملات، وتكميله في الذي بعده.

وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرًا. ” فتح الباري ” ( 9 / 7 ).

ثانيًا:

أما الجواب عن سؤال ” كيف كان القرآن معجزة للأعاجم الأميين الذي يشكلون غالبية سكان العالم وقتها؟ “: فليُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث في العرب، وقد كانوا يتميزون بالفصاحة والبلاغة، فجعل الله تعالى آية النبي صلى الله عليه وسلم من جنس ما يتميز به قومه، ليقع الإعجاز والتحدي موقعه، كما حصل في آية موسى عليه السلام ” العصا ” ليقبل ما جاء به السحرة من خداع، وكما في آية عيسى عليه السلام ” إبراء الأكمه والأبرص ” حيث كان الطب منتشرًا في زمانهم.

وأما بخصوص الأعاجم – قديمًا وحديثًا – وكيف كان القرآن معجزًا في حقهم، وهل هم داخلون في التحدي به: فبيانه من وجوه:

  1. ليس كل العرب على علم باللغة العربية وفصاحتها وبلاغتها، كما لم يكن كل العجم على جهل باللغة العربية، فيُعلم بذلك أن الإعجاز والتحدي هو للعالم منهم باللغة العربية، سواء كان يعلمها من الأصل كالعرب، أو تعلمها فيما بعد كالعجم، وبه يتبين أن حال العجم هو كحال العرب الجاهلين بلغتهم.

* قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: فإن قيل: إحياء الموتى وقلب العصى وما ينزل منزلتها جلي لا يشك فيه من شاهده، عام بالإضافة إلى كل العقلاء لا يبقى معه ريب لأحدهم بل يحصل لهم العلم القطعي بذلك، وليس كذلك ما ادعاه نبيكم من إعجاز القرآن إذ لا يحصل العلم بإعجازه لكل أحد، بل إنما يحصل العلم بذلك عندكم وعلى زعمكم للفصحاء من العرب، وأما من ليس فصيحًا أو أعجميًّا لا يفقه لسان العرب فلا يحصل له العلم بإعجازه؛ فإن الأعجمي لو كلف أن يتكلم بكلمة واحدة من لسان العرب لم يقدر على ذلك، فعدم قدرته على ذلك لا يدل على صدق المتحدَّى به، وكذلك من ليس فصيحًا من العرب لو كلف أن يأتي بكلام فصيح لم يقدر عليه، فلا يكون ذلك معجزًا في حقه.

الجواب: أن نقول: سنبين إن شاء الله وجوه إعجازه، وأنها متعددة، وأن منها ما يدركه الجفلا ويشترك في معرفة إعجازه أهل الحضارة والفلا، فيكون هذا النوع كقلب العصى وإحياء الموتى، ولو سلمنا جدلاً أنه معجز من حيث بلاغته وأسلوبه المخالف لأساليب كلامهم فقط لقلنا: إن العلم بإعجازه وإحياء الموتى وقلب العصى لا يحصل لكل العقلاء على حد سواء، ولا في زمانٍ واحدٍ، بل يحصل ذلك لمن علم وجه إعجاز ذلك الشيء المعجز حين يعرف أنه مما ليس يدرك بجبلة بشرية ولا يتوصل إلى ذلك بالاطلاع على خاصية.

وقد لا يبعد أن تقوم شبهة عند جاهل بصناعة الطب والسحر تمنعه من تحصيل العلم بالإعجاز فيقول: لعل موسى اطلع من السحر على شيء لم يعلمه السحرة ولا اطلعت عليه، وكذلك عيسى لعله وقع على خاصية بعض الأحجار أو بعض الموجودات فكان يفعل بها ما يظهر على يديه، وهذه الشبهة إنما ممكن أن تظهر للجاهل بالطب والسحر، وأما العالم بالطب وبالسحر: فلا تكون هذه شبهة في حقه؛ لعلمه الذي حصل له بالذوق والممارسة بأن الذي جاء به هذا مما ليس يدرك بحيلة صناعية ولا بالوقوف على خاصية بل هو صنع خالق البرية وأنه أراد به التصديق لهذا المدعي والشهادة واليقينية، فحصل من هذا: أن العلم بإعجاز إحياء الموتى وقلب العصى إنما يحصل أولاً للسحرة والأطباء ولا يحصل لكثير من الجهال بالطب والسحر الأغبياء، فكذلك إعجاز القرآن، ولا فرق، حصل العلم به لمن يعلم لسان العرب بالذوق بضرورة الفرق الذي بينه وبين لسان العرب، فعلم أنه ليس داخلا تحت مقدور العرب وإذا عجز عنه العرب الفصحاء واللد البلغاء: فغيرهم أعجز، كما أنا نقول إذا عجز الأطباء عن إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فغير الأطباء أولى، وإذا عجز السحرة عن قلب العصى ثعبانًا: فغير السحرة أعجز وأعجز.

وقولهم ” إنما يعجز عنه العرب لا العجم “: معارض بأن يقال لهم: إنما يعجز عن إحياء الموتى الأطباء لا غيرهم، وإنما يعجز عن قلب العصى السحرة لا غيرهم، فبالذي ينفصلون به ننفصل، بل نزيد عليهم في الانفصال بوجوه ترفع الأشكال، فإنا سنبدي وجوهًا في إعجاز القرآن يدركها كل إنسان عجميّاً كان أو عربيًّا، مجوسيًّا كان أو كتابيًّا، وسنبينها إن شاء الله أثر هذا.

فقد حصل من هذا الكلام كله العلم بأن محمَّداً صلى الله عيله وسلم جاء بالقرآن، وتحدى به وهو معجزة، وكل من جاء بالمعجزة وتحدى بها: فهو صادق، فالنتيجة معلومة وهي أن محمَّدًا صلى الله عليه وسلم صادق. ” الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام ” ( ص 326 ).

  1. وقال بعض أهل العلم: إن الإعجاز في كتاب الله تعالى ليس فقط في لفظه، بل في المعاني وترتيبها وطريقة عرضها، فالإعجاز والتحدي للعرب: باللفظ، ولغيرهم: في عدم قدرة أحد من أي أهل لسان كان أن يأتي بكلام يشبه ذلك بأي لغة.

* قال الجصاص – رحمه الله -: قوله تعالى ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ) الآية فيه الدلالة على إعجاز القرآن، فمن الناس من يقول: إعجازه في النظم على حياله، وفي المعاني وترتيبها على حياله، ويستدل على ذلك: بتحديه في هذه الآية العرب والعجم والجن والإنس، ومعلوم أن العجم لا يُتحدون من طريق النظم فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام دون نظم الألفاظ.

ومنهم من يأبى أن يكون إعجازه إلا من جهة نظم الألفاظ والبلاغة في العبارة، فإنه يقول: إن إعجاز القرآن من وجوه كثيرة منها: حسن النظم، وجودة البلاغة في اللفظ والاختصار، وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، مع تعريه من أن يكون فيه لفظ مسخوط ومعنى مدخول، ولا تناقض ولا اختلاف تضاد، وجميعه في هذه الوجوه جار على منهاج واحد، وكلام العباد لا يخلو إذا طال من أن يكون فيه الألفاظ الساقطة والمعاني الفاسدة والتناقض في المعاني، وهذه المعاني التي ذكرنا من عيوب الكلام موجودة في كلام الناس من أهل سائر اللغات لا يختص باللغة العربية دون غيرها، فجائز أن يكون التحدي واقعاً للعجم بمثل هذه المعاني في الإتيان بها عارية مما يعيبها ويهجنها من الوجوه التي ذكرناها ومن جهة أن الفصاحة لا تختص بها لغة العرب دون سائر اللغات وإن كانت لغة العرب أفصحها وقد علمنا أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة فجائز أن يكون التحدي للعجم واقعا بأن يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة بلغتهم التي يتكلمون بها. ” أحكام القرآن ” ( 5 / 34 ، 35 ).

  1. وجوه الإعجاز في كتاب الله كثيرة، وليس فقط النظم والبلاغة، ولذا قال بعض أهل العلم إن الإعجاز في كتاب الله الذي يشترك فيه الجميع وليس العرب وحدهم، والذي تحدى الله تعالى به أن يُؤتى بمثله إنما ينطبق على هذه الوجوه، ولذا تحدى الله تعالى به الجن مع الإنس أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ومن هذه الوجوه: الإخبار المغيبات ووقت وقوعها – مثلًا -.

* قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: الوجه الثالث من وجوه إعجاز القرآن: ما تضمنه من الأخبار بالمغيبات قبل أن يحيط أحد من البشر بعلمها، وبوقوع كائنات قبل وجودها، وذلك أمر لا يُتوصل إلى العلم به إلا من جهة الصادقين الذي يخبرون عن الله تعالى، ونحن نذكر منها مواضع على شرط التقريب والاختصار تغني عن التطويل والإكثار.

فمن ذلك: قوله تعالى ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ). فهذه الآية من أوضح معجزاته صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن الله تعالى وعده بأن يدخله المسجد الحرام هو وقومه في حالة أمن ويفتح عليهم مكة على أحسن حال فما زالوا ينتظرون ذلك حتى بلغ وقته وصدق وعده فدخلوا كما وعدهم وفتحوه على ما أخبرهم. ” الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ” ( ص 337 ).

وفي المسألة أقوال أخرى، وما أوردناه آنفًا كافٍ، وهو أقوى ما قيل فيها، وخلاصته: أن النبي صلى الله عليه وسلم عربي، والقرآن عربي، وقد بُعث وهو بين أظهر عربٍ فصحاء بلغاء، فكانت آيته العظمى هي كتاب الله تعالى، فأعجزهم لفظه وعبارته وأسلوبه وبلاغته، فعلم العقلاء من الفصحاء والبلغاء أن هذا ليس كلام البشر، فآمنوا.

وأما من كان من غير أهل الفصاحة والبلاغة من العرب، أو كان من الأعاجم: فإنه يُذكر لهؤلاء معاني القرآن، وأحكام، ووجوه إعجازه الأخرى التي يمكنهم فهمها وإدراكها، فيحصل لهم من القناعة بحسب علمهم وفهمهم أن هذا ليس كلام البشر، ولذا أسلم كثير من الأعاجم بسبب وقوفه على معنى آية كريمة، ولا يمكن لهذا الأعجمي أن يفهم بلاغتها، لكنَّ معناها كان سبب إسلامه، والقصص في ذلك متواترة، وفي عصرنا منها الكثير، وإنما أسلم أولئك بعد أن علموا أن ما في الآيات لا يمكن لبشر أن يأتي به، وأنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من الأجهزة والاكتشافات ما يمكنه من إخبار الناس بتلك العلوم بواسطتها، فسلَّموا أن الأمر من وحي السماء، فأسلموا، وبه نعلم مدى انطباق الحديث الذي أشار إليه السائل مع الواقع.

 

والله أعلم.