الرئيسية بلوق الصفحة 195

حكم نظام التأمينات الاجتماعية

السؤال:

– أود أن أسأل عن حكم برنامج التأمينات الاجتماعية في الإسلام، وسؤالي من جزأين:

أعمل في منظمة للأمم المتحدة ويخصمون من راتبي 10 % في كل شهر ويأخذون هذه الأموال من جميع الموظفين ويستثمرونها في البنك، بعد مدة معينة ( ولنقل عندما أبلغ 55 من العمر ) فسوف أحصل شهريًّا على ( تقريبًا 2000 $ ) حتى نهاية العمر، فهل هذا النظام جائز مع ما يوجد فيه من الربا؟.

هناك نظام آخر حيث ندفع 10000 $ ونتركها لمدة 15 سنة، وبعد هذا نحصل على 500 $ كل شهر حتى نهاية العمر، فهل يجوز المشاركة في مثل هذا الاستثمار مع ما به من ربا؟  في حين أن المسئولين قالوا بأن الاستثمار سيكون بدون فوائد. أتمنى أن أحصل على جواب أكيد منك.

 

الجواب:

الحمد لله

قد بيَّنا حكم التأمين التجاري في أكثر من جواب، ولا نرى فرقًا بينه وبين التأمين الاجتماعي، فهو دفع مالٍ مقابل الانتفاع بأكثر منه، وقد يدفعونه ولا يستفيدون منه شيئًا، فصاحبه دائر بين أن يكون غانمًا أو غارمًا، وهو ما يُضبط به معرفة عقود الميسر.

قال الدكتور رفيق يونس المصري – وهو باحث بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز -:

” كثير من العلماء الذين كتبوا في التأمين هربوا من تعريف التأمين الاجتماعي، بتصريح منهم أو بدون تصريح، وعرَّفه السنهوري بأنه ” ينتظم العمال، ويؤمِّنهم من إصابات العمل ومن المرض والعجز والشيخوخة، ويساهم فيه إلى جانب العمال أصحاب العمل والدولة ذاتها، وتتولى الدولة تنظيمه وإدارة شؤونه “.

وله أنواع منها:

–  تأمين الشيخوخة.

–  تأمين المرض والوفاة.

–  تأمين البطالة.

–  تأمين الرعاية الاجتماعية: الإقامة في دور الرعاية الاجتماعية، الانتفاع بالمكتبات  والنوادي والمتاحف والمعارض والرحلات والمواصلات، بأسعار مخفضة.

–  تأمين إصابات العمل: حوادث العمل، حوادث الطريق، أمراض المهنة، الإرهاق أو الإجهاد من العمل.

وهناك فقهاء حرموا التأمين الفردي ( التعاوني والتجاري )، وسكتوا عن التأمين الاجتماعي الحكومي، أو أجازوه صراحة، إما بدعوى أنه حكومي، أو بدعوى أنه تعاوني.

والحق أن الحجج التي ساقوها لتحريم التأمين الفردي كلها تنطبق على التأمين الاجتماعي، فكان عليهم أن يحرموهما معـًا، أو يبيحوهما معًـا.

ففي التأمين الاجتماعي هناك اشتراك يدفعه العامل يشبه قسط التأمين، وما يدفعه رب العمل لا يغير من الحكم شيئـًا، بل يمكن اعتباره مدفوعـًا من العامل نفسه أيضًـا، لأنه بمثابة أجر له أو تكملة لأجره، تدفع له لاحقـًا: أجر مؤجل، وفي التأمين الاجتماعي هناك أيضـًا مبلغ احتمالي للتأمين، يزيد وينقص، لاسيما في بعض أنواعه، ففي تأمين البطالة أو الإصابة، يدفع العامل الاشتراك طيلة عمله، وقد لا يتعرض للبطالة أو الإصابة طيلة حياته، فما الفرق بين التأمين الاجتماعي وغيره، من حيث الغرر وسواه، حتى يجيزه العلماء ويمنعوا غيره؟. “.

– ولا فرق بين النظامين المذكورين من حيث المنع.

 

والله أعلم.

هل يكذب على والديه من أجل أن تزيد حسناتهم؟

السؤال:

أنا عندما يأتيني المال من أبي أو أمي أتصدق به ويبقى منه القليل، وعندما أطلب منهما مالًا قالوا: أين ذهب مالك؟ فأكذب عليهم، فأقول: كنت أشتري به، والسبب في كذبي لأني أريد أن يزيد الله سبحانه في حسناتهم! فهل يجوز لي الكذب عليهما أم أقول الحقيقة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الأصل في الكذب أنه محرَّم، وهو من كبائر الذنوب، وهو كذلك علامة من علامات المنافقين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ” رواه البخاري ( 32 ) ومسلم ( 89 ).

ولكن توجد حالات جاء الشرع بجواز الكذب فيها تحقيقًا للمصلحة العظيمة أو دفعًا للمضرة :

فمن تلك الحالات أن يتوسط إنسان للإصلاح بين فريقين متخاصمين إذا لم يمكنه أن يصلح إلا بشيء منه.

ومن تلك الحالات حديث الرجل لامرأته، وحديث المرأة لزوجها في الأمور التي تشدّ أواصر الوفاق والمودّة بينهما.

والحرب.

عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا “.

رواه البخاري ( 2546 ) ومسلم ( 2605 ).

عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدِّث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس “. رواه الترمذي ( 1939 ) وقال: حديث حسن.

وما ذكرتَه ليس بعذرٍ لك في كذبك على أهلك، وإذا صدقتَ معهم فلن يُحرموا الأجر بإنفاقهم عليك، فيمكنك الجمع بين أن ينفق عليك أهلك وأن يتصدقوا على المحتاجين بترغيبهم ببذل المال في سبيل الله، دون الحاجة للكذب عليهم في أنك أنفقتَه في الشراء وأنت لم تفعل.

ونسأل الله تعالى أن يصلح لك نيتك وعملك، وأن يجزيك خيرًا على ما أردتَ نفع أهلك.

 

والله أعلم.

هل يرفض الوارث مال مورثه الذي ورثه بالحرام؟

السؤال:

أبي وعمي غير منفصلين في جميع أمور الحياة حيث أن عمي عقيم لم ينجب وقد اشترى عمي عقارًا كثيرًا بالحلال والحرام من ذلك بيع الدخان والجراك وتوكل على أيتام وباع بعض عقارهم على نفسه وزور ملكيات عقار ليست له وامتلكها وقد مات أبي، وعمي تجاوز 70 سنة وماتت زوجته، وسؤالي أني كتبت في وصيتي أني بريء مما كسب ولا يصلني ولا ورثتي شيء من ذلك العقار لما علمت مما دخله من الحرام فهل أنا محق في وصيتي مع أنه إذا مات عمي وأنا حي فلن آخذ من ذلك العقار شيئًا أبدًا فما حكم ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

يجب على من أخذ مالًا أو حقًّا لغيره أن يتقي الله تعالى وأن يرجعه إلى أصحابه، وحتى تتم توبته وتصح فلا بدَّ له من هذا، فلو استغفر الليل والنهار وحجَّ في كل عام واعتمر في كل شهر لم يغنه ذلك عن إرجاع الحق إلى أهله، فإن كان عنده عيْن المال والحق وجب عليه إرجاعه، وإلا أرجع قيمته عند أخذه.

ولو أخذ حق غيره فاستفاد منه كأرض زرعها أو مال تاجَر فيه فإنه يُرجع الحق وما تولَّد منه وليس له غير أجرة العامل من مثله.

والمال الحرام على نوعين:

حرام لوصفه وعينه، وحرام لكسبه.

أما المحرَّم لعينه فهو مثل ربا المال والمغصوب منه، وأما المحرَّم لكسبه فهو ما يكسبه العامل من عمل محرَّم كغناء وعمل مختلط وما شابههما.

– وحكم الأول: أنه حرام على آخذه والمُنتقَل إليه بأي وسيلة كان الانتقال مثل الهدية أو الميراث.

– وحكم الثاني: أنه حرام على الكاسب حلال للمُنتقَل إليه إذا كان الانتقال بطريق مباح، والأولى التورع عنه.

وهذا الحكم – أي: الأول – إنما هو في المال الحرام الصرف فإن اختلط معه مال آخر حلال، فللوارث أن يأخذ الحلال وعليه أن يرجع الباقي لأصحابه، فإن لم يوجدوا فليتصدق به.

قال علماء اللجنة الدائمة – في جندي سرق مالا من عبدٍ -:

إن كان يعرف العبدَ أو يعرف من يعرفه: فيتعين عليه البحث عنه ليسلم له نقوده فضة أو ما يعادلها أو ما يتفق معه عليه، وإن كان يجهله وييأس من العثور عليه: فيتصدق بها أو بما يعادلها من الورق النقدي عن صاحبها، فإن عثر عليه بعد ذلك فيخبره بما فعل فإن أجازه فبها ونعمت، وإن عارضه في تصرفه وطالبه بنقوده: ضمنها له وصارت له الصدقة، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدعو لصاحبها. ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 165 ).

وقال شيخ الإسلام رحمه الله – وسئل عن مرابٍ خلَّف مالًا وولدًا وهو يعلم بحاله، فهل يكون حلالًا للولد بالميراث أو لا؟ -:

أما القدْر الذي يعلم الولد أنه ربًا: فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن، وإلا يتصدق به، والباقي: لا يحرم عليه.

لكن القدر المشتبه: يستحب له تركه إذا لم يجب صرفه في قضاء ديْن أو نفقة عيال …

” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 307 ).

فإن لم يعرف قدر المال الحرام اجتهد في تقديره.

وقال النووي:

من ورث مالًا ولم يعلم من أين اكتسبه مورِّرثه أمن حلالٍ أو من حرام، ولم تكن علامة: فهو حلال بإجماع العلماء.

فإن علم أن فيه حرامًا وشكَّ في قدره: أخرج الحرام بالاجتهاد.

” المجموع ” ( 9 / 428 ).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:

يشرع للورثة أن يتحروا مقدار ما دخل عليه من الربا فيتصدقوا به عنه، ويدعوا له بالمغفرة والعفو، نسأل الله أن يعفو عنا وعنه وعن كل مسلم.

” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 387 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز أن يصلي الجمعة في بيته عند الخوف؟

السؤال:

فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو أن تجيب على أسئلتي لأني في مكان بعيد عن العلم والعلماء.

  1. لقد وردت في السيرة أخبار عن قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه بأربعين رجلًا، هل هذا صحيح ؟ وهل هو أقوى رجل في التاريخ وأقوى من عنترة والزير سالم وغيرهم؟.
  2. أنا في دولة مشركة وتوجد عندنا مصليات نصلي فيها الجمعة، وفي الوقت الراهن تم الضغط على القائمين على هذه المصليات لإقفالها، وتم تحذير المصلين من ارتياد هذه المصليات, وفعلًا قفل اثنان وبقي واحد، والقائمون عليها – جزاهم الله خيرًا – يخاطرون بالاستمرار في إقامة الصلاة وحقيقة أنا أخشى على نفسي من الصلاة هناك إذ من الممكن أن تحصل لي بعض المشاكل مع الأمن  – الشرطة  – فهل يجوز أن أصلي الجمعة في البيت مع اثنين من أصدقائي.

 

الجواب:

الحمد لله

– كان النبي صلى الله عليه وسلم شجاعًا، بل أشجع الناس.

عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس ولقد فزع أهل المدينة فكان النبي صلى الله عليه وسلم سبقهم على فرس وقال وجدناه بحرًا – أي: سريعًا -. رواه البخاري ( 2665 ) ومسلم ( 2307).

وقد صارع النبيُّ صلى الله عليه وسلم ركانةَ – ولم يكن يصرعه أحد – فصرعه صلى الله عليه وسلم. رواه البيهقي ( 10 / 18 ) وغيره، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 5 / 331 ).

وكان نبينا صلى الله عليه وسلم قد أعطي قوة ثلاثين رجلًا – كما قال الصحابة – لكن في الجماع.

عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين. رواه البخاري ( 265 ).

وما ورد أنه أعطي قوة أربعين رجلًا في البطش والجماع: فضعيف لا يصح.

عن المغيرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ثم أعطيت قوة أربعين في البطش والنكاح “. رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 1 / 187 ).

وفيه: المغيرة بن قيس، وهو ضعيف، وضعفه به: الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 293 ) و ( 8 / 269 ).

ثانيًا:

الأصل هو حرمة البقاء في دول الكفر وبالأخص منها ما لا يستطيع المسلم أداء شعائر الإسلام فيها.

وإذا غلبَ على ظن المسلم أنه يتضرر بالصلاة في المساجد من حاكم ظالم أو قطاع طرق – مثلًا -: فلا حرج عليه من الصلاة في البيت لكن لا يصليها جمعة بل ظهرًا.

وإذا أمكن الصلاة في مسجد آخر لا يُلحق الضرر بالصلاة فيه: فلا يصلي في بيته بل يصلي فيه.

– والخوف ثلاثة أنواع:

أحدهما: الخوف على المال من سلطان أو لص، أو يكون له خبز في تنور أو طبيخ على النار و ما أشبه ذلك، فهذا كله عذر عن الجمعة و الجماعة.

الثاني: الخوف على نفسه، مثل أن يخاف من سلطان يأخذه أو عدو أو سبع أو سيل.

الثالث: الخوف على ولده و أهله أن يضيعوا، أو يكون ولده ضائعًا و يرجو وجوده في تلك الحال فيعذر بذلك لأنه خوف.

قال العبدري:

[ قال ] اللخمي: من الأعذار التي تبيح التخلف عن الجمعة: العذر في المال، بأن يخاف سلطانًا إن ظهر أخذ ماله أو يخاف أن يسرق بيته, أو يحرق متاعه فيجوز له التخلف.

[ قال ] ابن بشير: وكذلك خوفه على مال غيره.

[ قال ] ابن رشد: إن خشي أن يتعدى عليه حاكم فيسجنه في غير محل السجن, أو يضربه أو يخشى أن يقتل: فله أن يصلي في بيته ظهرًا أربعًا، ولا يخرج.

” التاج والإكليل ” ( 2 / 558 ).

قال علماء اللجنة الدائمة:

من صلى الجمعة بأهله في بيته فإنهم يعيدونها ظهرًا، ولا تصح منهم صلاة الجمعة؛ لأن الواجب على الرجال أن يصلوا الجمعة مع إخوانهم المسلمين في بيوت الله عز وجل … الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن  غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 196 ).

 

والله أعلم.

هل يجب على الزوج ادخار المال لمستقبل الأولاد؟

السؤال:

ما هي حقوق الزوجة والأبناء في مكتسبات الزوج في الإسلام؟ هل يجب عليه أن يدخر المال لمستقبلهم؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أوجب الله تعالى على الزوج النفقة على زوجته وأبنائه، وهذا مقتضى قوامة الرجال على نسائهم، ومقتضى المسئولية تجاهها وتجاه أبنائه، قال تعالى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } [ النساء / 34 ].

عن عائشة قالت: دخلت هند بنت عتبة – امرأة أبي سفيان – على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك. رواه البخاري ( 2097 ) ومسلم ( 1714 ).

قال النووي:

في هذا الحديث فوائد، منها: وجوب نفقة الزوجة, ومنها: وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار، ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد.

” شرح مسلم ” ( 12 / 7 ).

وهذا الواجب على الأب تجاه زوجته أولاده لا يجوز له التقصير فيه ولا تضييعه، بل يلزمه القيام به على الوجه الأكمل.

وبه يُعرف: أن الأولاد – ومعهم الزوجة – لا حقَّ لهم في مال أبيهم إلا قدر ما يحتاجونه من نفقة، وهي نفقة الطعام والشراب واللباس والمسكن وما لا تقوم الحياة إلا به، وليس لهم أكثر من ذلك، وهم يرثونه مع غيرهم – من والده ووالدته وزوجاته – وهو يدل على أن ماله ليس كله لهم، وقد ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث هند في قوله ” بالمعروف “.

 

ثانيًا:

ويجوز للأب أن يدَّخر من المال والقوت ما يكفي أهله لسنة، وبعض العلماء منع من ذلك وقوله مرجوح، ومنهم من أطلق جواز الادخار ولو لأكثر من سنة وقوله محتمل.

قال الإمام البخاري:

باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال.

وروى تحته حديث عمر رضي الله عنه:

عن ابن عيينة قال: قال لي معمر: قال لي الثوري: هل سمعت في الرجل يجمع لأهله قوت سنتهم أو بعض السنة؟ قال معمر: فلم يحضرني، ثم ذكرت حديثًا حدثناه ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم.

رواه البخاري ( 5042 ) ومسلم ( 1757 ).

قال الحافظ ابن حجر:

قوله ” باب حبس الرجل قوت سنة على أهله, وكيف نفقات العيال؟ ” ذكر فيه حديث عمر, وهو مطابق لركن الترجمة الأول, وأما الركن الثاني وهو كيفية النفقة على العيال فلم يظهر لي أولًا وجه أخذه من الحديث, ولا رأيت من تعرض له, ثم رأيت أنه يمكن أن يؤخذ منه دليل التقدير؛ لأن مقدار نفقة السنة إذا عُرف عرف منه توزيعها على أيام السنة، فيعرف حصة كل يوم من ذلك, فكأنه قال: لكل واحدة في كل يوم قدر معين من المغل المذكور, والأصل في الإطلاق التسوية.

” فتح الباري ” ( 9 / 503 ).

وقد ورد ما يدل على عدم ادِّخاره صلى الله عليه وسلم شيئًا للمستقبل، وهو حديث حسن، وهو محتمِل لكونه ما كان ليدخر لنفسه لا لغيره من أهله، أو أنه ما كان يدخر شيئًا يتطرق إليه الفساد من الأطعمة.

عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئًا لغدٍ.

رواه الترمذي ( 2362 ).

قال النووي:

وفي هذا الحديث جواز ادخار قوت سنة، وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل، وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته، كما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم. ” شرح مسلم ” ( 12 / 70 ، 71 ).

وقال الحافظ ابن حجر:

قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادخار للأهل قوت سنة, وفي السياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث ” كان لا يدخر شيئًا لغد ” فيحمل على الادخار لنفسه وحديث الباب على الادخار لغيره, ولو كان له في ذلك مشاركة, لكن المعنى أنهم المقصد بالادخار دونه حتى لو لم يوجَدوا لم يدخر, قال: والمتكلمون على لسان الطريقة – أي: المتصوفة – جعلوا – أو بعضهم – ما زاد على السنة خارجًا عن طريقة التوكل، انتهى.

وفيه إشارة إلى الرد على الطبري حيث استدل بالحديث على جواز الادخار مطلقًا خلافًا لمن منع ذلك, وفي الذي نقله الشيخ تقييد بالسنة اتباعًا للخبر الوارد, لكن استدلال الطبري قوي, بل التقييد بالسنة إنما جاء من ضرورة الواقع لأن الذي كان يدخر لم يكن يحصل إلا من السنة إلى السنة, لأنه كان إما تمرًا وإما شعيرًا, فلو قدِّر أن شيئًا مما يُدَّخر كان لا يحصل إلا من سنتين إلى سنتين لاقتضى الحال جواز الادخار لأجل ذلك, والله أعلم.

ومع كونه صلى الله عليه وسلم كان يحتبس قوت سنة لعياله فكان في طول السنة ربما استجره منهم لمن يرد عليه ويعوضهم عنه, ولذلك مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعير اقترضه قوتا لأهله. ” فتح الباري ” ( 9 / 503 ).

قال ابن كثير – رحمه الله -:

والمراد أنه كان لا يدخر شيئًا لغدٍ مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها؛ لما ثبت في ” الصحيحين ” عن عمر، أنه قال: كانت أموال بني النضير… – وساق الحديث السابق -. ” البداية والنهاية ” ( 4 / 433 ) طبعة دار الفكر.

– وقال ابن حجر – يرد على من زعم أن تعاطي الأسباب يؤثر في كمال التوكل :

والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، اتباعًا لسنته وسنة رسوله فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم بين درعين ولبس على رأسه المغفر وأقعد الرماة على فم الشعب وخندق حول المدينة وأذن بالهجرة إلي الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وتعاطى أسباب الأكل والشرب وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك. ” فتح الباري ” ( 10 / 212 ).

والخلاصة:

أنه يجب على الأب أن ينفق على أولاده وزوجته، وأن هذه النفقة تشمل ضرورات الحياة، ولا يحل له التقصير فيها، ولا يحل لهم أخذ ما زاد عن النفقة الواجبة لهم في حال امتنع عن النفقة عليهم.

وأنه يجوز للأب أن يدخر من المال ما يكفي لأهله سنة أو أكثر، وأن ذلك لا ينافي التوكل، مع ضرورة التنبيه إلى وجوب الزكاة على المال المدَّخر.

 

والله أعلم.

وجوب الوفاء بالوعد والنذر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ….. وبعد

– لقد قمت بعمل تجاري  ووعدت بأن أخرج من أرباحه مبلغًا معيَّنًا لله عز وجل، والسؤال هو:

هل يمكن أن أصرف هذا المبلغ في زواج أخي وأبناء عمي وأقاربي فحالتهم المادية غير جيِّدة؟ وهل يجب أن أخبرهم أن هذه صدقة؟ وهل القريب المحتاج أعطيه منها حتى لو كان من الذين يتفاخرون في زواجهم ويسرفون مع حاجتهم؟

 

الجواب:

الحمد لله

يجب عليك الوفاء بما وعدتَ به من إخراج المبلغ المعيَّن لله تعالى ، فإذا كنتَ قد نويتَ أو ذكرتَ جهة معيَّنة فيجب عليك دفع هذا المال لها دون غيرها، وإن لم تكن نويت ولا ذكرتَ جهة معيَّنة فلك الخيار في وضعها حيث شئتَ على أن تتحرى أن لا تكون في معصية ولا فيما يعين عليها.

وفي فتاوى اللجنة الدائمة:

الأصل أن المنذور به إذا كان من الأمور المشروعة فإنه يصرف في الجهة التي عيَّنها الناذر، وإذا لم يعيِّن جهة فهو صدقة من الصدقات يُصرف في الجهات التي تُصرف فيها الصدقات كالفقراء والمساكين … ” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 485 ).

– ولا يلزمك إخبار أبناء عمك وأقاربك بأن هذا المبلغ مبلغ نذر أو صدقة.

 

 

والله أعلم.

هل عليه التحذير ممن لا يجيد حرفته؟

السؤال:

لو أن الإنسان تعامل مع طبيب ثم شك فيه أنه قد يخدع، أو على الأقل غير صريح مع المرضى بالدرجة التي قد يكلفهم من أوقاتهم ومالهم ما ليس له داعي.

هل على الإنسان أن يبحث عن الحقيقة ثم ينصح ذلك الطبيب بدون أن يحذر منه المرضى؟ – لأن هناك من يستفيد من خدماته، والبعض الآخر لا يستفيد، لكن في كلتا الحالتين يبدو أن المال المطلوب من المريض مبالغ فيه – أم أن على الإنسان أن يتركه فقط، ويعتبر نفسه من الذين لم ينفع معهم العلاج ولا يبحث عن الحقيقة؟.

أم أن الإنسان يكون مسئولًا عن تحذير المسلمين من أسلوب هذا الطبيب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا :

الواجب على المسلم اجتناب سوء الظن بالمسلمين، وعدم بناء الأحكام على الآخرين على مجرد التخيل والتوهم.

قال الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم } [ الحجرات / 12 ].

قال ابن كثير:

يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليُجتنب كثيرٌ منه احتياطًا.

وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 213 ).

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا إخوانًا “.

رواه البخاري ( 4849 ) ومسلم ( 2563 ).

قال النووي:

المراد: النهي عن ظن السوء، قال الخطابي: هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس; فإن ذلك لا يملك.

ومراد الخطابي أن المحرم من الظن ما يستمر صاحبه عليه, ويستقر في قلبه, دون ما يعرض في القلب, ولا يستقر; فإن هذا لا يكلف به كما سبق في حديث ” تجاوز الله تعالى عما تحدثت به الأمة ما لم تتكلم أو تعمد ” وسبق تأويله على الخواطر التي لا تستقر.

ونقل القاضي عن سفيان أنه قال: الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به, فإن لم يتكلم لم يأثم. ” شرح مسلم ” ( 16 / 119 ).

 

ثانيًا:

فإذا تبيَّن لكم بلا مجال للشك فيه أن الطبيب يخادع المرضى ولا يخلص لهم النصيحة، وأن همَّه الحصول على أموالهم دون تقديم ما يقابلها من العلاج والنصح: فإن الواجب عليكم هو نصحه وتذكيره بسوء فعاله وما يترتب على ذلك من الإثم والتوعد بالعقاب.

عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم “.  رواه مسلم ( 55 ).

فإن رأيتم استجابة منه لنصحكم وتغييرًا منه لما كان يفعل: فقد حصل المطلوب، ولكم أجر صلاحه وإصلاحه، وإن لم تروا منه استجابة بل استمر على ما هو عليه: فإن الواجب عليكم شكايته لولاة أمره من قاضٍ أو محكمة أو نقابة، وكذا عليكم واجب التحذير منه قدر الاستطاعة.

والمهم في الأمر هو التأكد بيقين أن ما يفعله مخالف للشرع دون ما يكون من خطأ خاصٍّ معكم أو عدم نفع علاج معكم أنتم، فإن الأجساد تتفاوت في الاستجابة للدواء، وما فشل معكم قد ينجح مع غيركم.

 

والله أعلم.

نذر أن يتصدق بمئة ألف ريال فهل يوفي بنذره؟

السؤال:

شخص قال: ” لله عليَّ إن فعلت كذا لأتصدقن بـ 100 ألف ريال “، ثم فعل هذا الأمر، ثم الآن هو نادم ولا يريد أن يتصدق بهذا المبلغ الكبير، فهل يجوز أن يكفر بكفارة يمين أم يجب عليه أن يتصدق بهذا المبلغ علمًا بأنه يملك من المال 400 ألف ريال؟.

 

الجواب:

الحمد لله

النذر هو إلزام المكلَّف نفسَه بما لم يُلزمه به الشرع، والأصل أنه بريء الذمَّة فإذا نذر صارت ذمته مشغولة بنذره ووجب عليه الوفاء بما أنذر إن كان نذره نذر طاعة أو مباح.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: إنه لا يردُّ شيئًا، وإنما يُستخرج به من البخيل. رواه البخاري ( 6234 ) ومسلم ( 1639 ).

وقد ذهب بعض العلماء إلى تحريمه – ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية – وذهب الجمهور إلى كراهته، لكنهم لم يختلفوا أنه إذا نذر صار عليه الوفاء بنذره واجبًا.

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومَن نذر أن يعصيه فلا يعصه “. رواه البخاري ( 6318 ).

– وقد ذم الشرعُ الذين ينذرون ولا يوفون، وبيَّن أنهم سيأتون بعد خير القرون.

عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثًا- ثم إن بعدكم قومًا يَشهدون ولا يُستشهدون، ويَخونون ولا يُؤتمنون، ويَنذرون ولا يَفون، ويظهر فيهم السِّمَن “. رواه البخاري ( 2508 ) ومسلم ( 2535 ).

وعليه: فإن الواجب على الناذر أن يتصدق بما نذره، ولا يحل له عدم الوفاء بنذره، ولا تجزئه كفارة اليمين مع قدرته على التصدق بما نذر به.

عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلًا بـ ” بُوانة ” فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا بـ ” بُوانة “، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا ، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم “. رواه أبو داود ( 3313 ) وصححه الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 4 / 180 ) ، وقال:

بُوانة: موضع بين الشام وديار بكر قاله أبو عبيد، وقال البغوي: أسفل مكة دون يلملم، وقال المنذري: هضبة من وراء ينبع.

 

قال الصنعاني:

وهو دليل على أن من نذر أن يتصدق أو يأتي بقربة في محل معين: أنه يتعين عليه الوفاء بنذره ما لم يكن في ذلك المحل شيءٌ من أعمال الجاهلية.

” سبل السلام ” ( 4 / 114 ).

 

والله أعلم.

حكم معاملة فيها مرابحة وتورق

السؤال:

أود أن أسأل عن بعض المعاملات لدينا في بعض البنوك الإسلامية ألا وهي ” مسألة التورق ” هل تجوز أو لا – وهي عملية بيع وشراء افتراضية بين البنك والزبون لبعض المعادن-؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه ليست معاملة واحدة بل معاملتان، الأولى: وهي ما تسميه البنوك الإسلامية ” المرابحة “، والثانية: وهي مسألة ” التورق “.

والمرابحة جائزة بشرطين:

الأول: أن تكون السلعة – وهي المعادن هنا – مملوكة للبنك، فيشتري البنك السلعة لنفسه من المعرض، قبل أن يبيعها عليك.

الثاني: أن يقبض البنك السلعة بنقلها من المعرض قبل بيعها عليك

وإذا خلت المعاملة من هذين الشرطين أو أحدهما كانت معاملة محرمة.

وهذا قول جمهور العلماء المعاصرين، ويرى الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – أنها محرمة إذا كان سيشتري من أجل غيره لا من أجل نفسه، وهو ليس – بالأصل – تاجرًا، وبه يفتي الشيخ الألباني – رحمه الله -.

أما مسألة ” التورق “: فقد اختلف العلماء في جوازها، والجمهور على جوازها، وخالف فيه بعض العلماء فذهبوا إلى تحريمها، وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.

– والصحيح من أقوال أهل العلم أنها جائزة بشروط.

قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

ينبغي القول بالجواز بشروط:

  1. أن يكون محتاجًا إلى الدراهم، فإن لم يكنْ محتاجًا: فلا يجوزُ كمن يلجأ إلى هذه الطريقة ليديِّن غيره.
  2. أن لا يتمكَّن من الحصول على المال بطرقٍ أخرى مباحة كالقرض والسَّلم، فإن تمكن من الحصول على المال بطريقة أخرى: لم تجز هذه الطريقة لأنَّه لا حاجة به إليها.
  3. أن لا يشتمل العقد على ما يشبه صورة الرِّبا، مثل أن يقول: بعتك إيَّاها العشرة أحد عشر أو نحو ذلك، فإن اشتمل على ذلك: فهو إمَّا مكروه أو محرم، نُقل عن الإمام أحمد أنه قال في مثل هذا: كأنه دراهم بدراهم لا يصحّ، هذا كلام الإمام أحمد، وعليه فالطريق الصحيح أن يعرف الدائن قيمة السلعة ومقدار ربحه ثم يقول للمستدين: بعتك إيَّاها بكذا وكذا إلى سنة.
  4. أن لا يبيعها المستدين إلا بعد قبضها وحيازتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن بيع السلع قبل أن يحوزها التجار إلى رحالهم، فإذا تمَّت هذه الشروط الأربعة: فإن القول بجواز مسألة ” التورق ” متوجهٌ كيلا يحصل تضييقٌ على الناس.

وليكن معلومًا أنَّه لا يجوز أن يبيعها المستدين على الدائن بأقل مما اشتراها به بأي حال من الأحوال؛ لأن هذه هي مسألة ” العِينة ” السابقة في القسم الرابع.

” المداينة “.

 

والله أعلم.

حكم دراسة وتدريس القوانين الوضعية ( عدد من الأسئلة من صيني ).

السؤال:

أنا من الصين، وقد تخرجت من كلية الحقوق في القانون الصيني وأعلم أن العمل في المحاكم الصينية محرم لأنه حكم بغير ما أنزل الله، ومن يحكم بغير ما أنزل الله فقد كفر، ولدي أسئلة:

  1. هل أترك العمل في المنظمات القانونية؟.
  2. هل يجوز لي تدريس القانون الصيني أو القانون الدولي؟.
  3. هل يمكن أن أعمل في عمل إداري في هذه المنظمات؟.

إذا كان لا يجوز لي العمل في أي من الوظائف السابق ذكرها، فهل يمكن أن تذكر لي عملًا مناسبًا لتخصصي حيث أنه من الصعب العثور على عمل إسلامي بحت؟ وكيف أستعمل معلوماتي القانونية؟.

أرجو أن تساعدني لأننا هنا في الصين يصعب علينا جدًّا أن نسأل أحد من العلماء ولا أظن أن أحد أئمة المساجد المراقبين من الحكومة يستطيع أن يعطينا أجوبة شافية لهذه الأسئلة.

أرسلت عدة أسئلة من قبل ولم يتم الإجابة على أي منها، وأرجو أن تساعدوا إخوانكم المسلمين في الصين فحالتنا مختلفة.

جزاكم الله خيرًا.  السلام عليكم.

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولًا:

بينّا في فتوى للشيخ الشنقيطي الفرق بين الأحكام الشرعية والأحكام الإدارية، ومنه تعرف أنه لا يحل لك العمل فيما يتعلق بالأمور التي تخالف حكم الله تعالى دون غيرها مما يتعلق بالأمور الإدارية وهي التي يراد بها ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع.

– فهذا ” لا مانع منه ولا مخالف فيه من الصحابة فمَن بعدهم “.

 

ثانيًا:

أما حكم دراسة وتدريس القوانين الوضعية: ففي هذه الفتوى المفصلة للشيخ عبد العزيز باز، بيان ذلك:

قال الشيخ – رحمه الله -:

أما الدارسون للقوانين والقائمون بتدريسها فهم أقسام:

( القسم الأول ): من درَسها أو تولَّى تدريسها ليعرف حقيقتَها أو ليعرف فضل أحكام الشريعة عليها أو ليستفيد منها فيما لا يخالف الشرع المطهر أو ليفيد غيره في ذلك: فهذا لا حرج عليه فيما يظهر لي من الشرع، بل قد يكون مأجورًا ومشكورًا إذا أراد بيان عيوبها وإظهار فضل أحكام الشريعة عليها، والصلاة خلف هذا القسم لا شك في صحتها، وأصحاب هذا القسم حكمهم حكم من درس أحكام الربا وأنواع الخمر وأنواع القمار ونحوها كالعقائد الفاسدة، أو تولى تدريسها ليعرفها ويعرف حكم الله فيها ويفيد غيره، مع إيمانه بتحريمها كإيمان القسم السابق بتحريم الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشرع الله عز وجل وليس حكمه حكم من تعلم السحر أو علمه غيره.

لأن السحر محرم لذاته لما فيه من الشرك وعبادة الجن من دون الله فالذي يتعلمه أو يعلمه غيره لا يتوصل إليه إلا بذلك أي بالشرك بخلاف من يتعلم القوانين ويعلمها غيره لا للحكم بها ولا باعتقاد حلها ولكن لغرض مباح أو شرعي كما تقدم.

( القسم الثاني ): من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها ليحكم بها أو ليعين غيره على ذلك مع إيمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله، ولكن حمله الهوى أو حب المال على ذلك فأصحاب هذا القسم لا شك فساق وفيهم كفر وظلم وفسق لكنه كفر أصغر وظلم أصغر وفسق أصغر لا يخرجون به من دائرة الإسلام، وهذا القول هو المعروف بين أهل العلم وهو قول ابن عباس وطاووس وعطاء ومجاهد وجمع من السلف والخلف كما ذكر الحافظ ابن كثير والبغوي والقرطبي وغيرهم، وذكر معناه العلامة ابن القيم رحمه الله في كتاب ” الصلاة “، وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله رسالة جيدة في هذه المسألة مطبوعة في المجلد الثالث من مجموعة ( الرسائل الأولى ).

ولا شك أن أصحاب هذا القسم على خطر عظيم ويخشى عليهم من الوقوع في الردة …

( القسم الثالث ): من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها مستحلًّا للحكم بها سواء اعتقد أن الشريعة أفضل أم لم يعتقد ذلك فهذا القسم كافر بإجماع المسلمين كفراً أكبر؛ لأنه باستحلاله الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله يكون مستحلًا لما علم من الدين بل لضرورة أنه محرم فيكون في حكم من استحل الزنا والخمر ونحوهما، ولأنه بهذا الاستحلال يكون قد كذب الله ورسوله وعاند الكتاب والسنة، وقد أجمع علماء الإسلام على كفر من استحل ما حرمه الله أو حرم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة ومن تأمل كلام العلماء في جميع المذاهب الأربعة في باب حكم المرتد اتضح له ما ذكرنا.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 325 – 330 ) باختصار.

ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، وأن يرزقك رزقًا حسنًا، وأن يوفقك وإخوانك في الصين لما يحب ويرضى.

ولا تنس أن تستعين بالله تعالى، فهو الذي يملك خزائن السموات والأرض، وهو الذي يزيل الهم ويفرِّج الكرب.

 

والله أعلم.