الرئيسية بلوق الصفحة 4

سلسلة: #وشهد_شاهد_من_أهلها (٢) ضيف الحلقة: المهندس أيمن وادي

ضيف الحلقة: المهندس أيمن وادي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فقد كتبتُ قبل قرابة العامين ناصحًا للأمة، ومحذرًا من مغبة الانجرار خلف شعارات براقة بلا عُدة ولا بصيرة، في سلسلة مقالاتي #كارثة_الطوفان.
يومها؛ رمتنا أقلام العاطفة عن قوس واحدة، واتهمونا بـ “التخذيل” و”إرجاف المرجفين”، وزعموا أننا لا نفقه الواقع، وأن “المحور” قد أعدّ للأمر عدته.
كنا ننطلق من نصوص الشرع وقواعد المصالح والمفاسد، وكانوا ينطلقون من الأماني والوعود السرابية.
واليوم، وبعد أن انقشع الغبار عن الدماء والدمار، وحصحص الحق لكل ذي عينين، بدأت ألسنة القوم تنطق بما حذّرنا منه يومها! بدأ “منظرو الطوفان” و”حلفاء المحور” يرددون عباراتنا ذاتها، ويعترفون -بعد فوات الأوان- بأن الحليف غدر، وأن الحسابات كانت خاطئة، وأن الثمن كان “كارثيّا”.
في هذه السلسلة، لن أزيد على أن أضع كلامي الذي كتبته “يوم السكرة”، بجوار اعترافاتهم التي يطلقونها اليوم عند “الفكرة”، ليعلم المخدوعون أن الفقه يسبق الحدث، والعاطفة تندم بعده.
إليكم هذه المقارنة الثانية مع أحد كوادر حماس، المهندس “أيمن وادي”، في مقاله” سوريا الثورة… والمقارنات السطحية”.
وقد وجدت توافقاً مذهلاً وتطابقاً في أربعة محاور رئيسية، يكاد يكون النص الجديد شهادة من “أهل الدار” على صحة ما ذهبتُ إليه في نقدي الشرعي والسياسي:
أولاً: وهم الدعم العسكري الإيراني (انكشاف الحقيقة في الطوفان)
– (كلامي)
أكدت مراراً أن إيران خذلت “حماس” في المعركة، وأن الدعم كان لذر الرماد في العيون، وأن “وحدة الساحات” كانت كذبة.
وقد ذكرت في الحلقة (٨): “ونالت إيران في الطوفان تزكية البيت الأبيض… وراحت صيحة “محمد الضيف” مع الرياح… وكل ذلك كان على عمود أهلكوه (حزب الله)”.
كما ذكرت أن السلاح والإعداد لم يكن يكفي لمواجهة دولة نووية مدعومة عالميّا.
– (كلامه):
يؤكد الكاتب هذا بالحرف في نقطة “الترويج للدعم الإيراني المفتوح”، حيث يقول: “والثابت الذي أثبته الطوفان هنا بما لا يدع مجالاً للشك، أن الدعم الايراني الذي وصل لغزة هو مالي فقط، ولم تحرص إيران مطلقاً على تسليح القطاع كما فعلت في لبنان… فكل سلاح غزة الذي شهدناه طوال الحرب المستعرة كان بدائياً بسيطاً من صنع رجال الله وحدهم… وثق رجال الله استخدام صاروخين او ثلاث للكورنيت”.
ويضيف بتهكم يوافق طرحي: “جاء الطوفان وأثبت أن هذا (أي وجود مخازن كورنيت) وهم ذهب أدراج الرياح”.
ثانياً: فساد العلاقة مع النظام السوري (زيارة بشار الأسد)
– (كلامي)
انتقدت بشدة إعادة العلاقة مع نظام الأسد، واعتبرتها خيانة لدماء أهل السنة في سوريا.
قلت في الحلقة (٨): “وكيف سيكون شعور الأب السوري… وهو يرى خليل الحية مبتسما في لقاء بشار؟… لم يهم القيادة كل ذلك… ورجعوا لحضن النظام قبل أن يرجع للجامعة العربية”، واعتبرت أن هذا تم بضغط إيراني (أجبرتها على الصلح مع سوريا الأسد).
– (كلامه)
يوافقني تماماً في أن الزيارة لم تكن مصلحة بل إذعاناً، فيقول في نقطة “تحييد كل من يرفض التحالف”: “هذه الزيارة التي لم تشكل للحركة أي فائدة ميدانية واحدة.. سياسية أو مالية أو عسكرية أو إعلامية …. بل كانت استجابة مباشرة لرغبة إيران وفقط”.
ثالثاً: الانحراف العقدي في المصطلحات (سليماني “شهيد القدس”)
– (كلامي)
اعتبرت أن وصف قتلة أهل السنة بالشهداء هو تلاعب بالدين وليس سياسة، قلت في الحلقة (٤): “كان يمكن للنقد أن يتوقف لو لم يكن ثمة مخالفات لشرع الله في الولاء والبراء… ومن حق أهل السنة في اليمن وسوريا… أن يغضبوا من مدح قاتلهم… والحكم بالشهادة لمجرمهم”.
– (كلامه)
يستخدم المهندس أيمن المنطق الشرعي نفسه في نقطة “التصريحات الغير منضبطة”، حيث يقول: “وأسوأ ما فيه كان استخدام الصبغة الدينية الدامغة… وصف سليماني بشهيد القدس… وهذه تصريحات ذات صبغة دينية تقول بكل بساطة إن المجرمين في الجنة… تصريحات تجعلك لا تملك أمامها التأويل”.
وهو يفرق بوضوح بين الضرورة السياسية وبين التنازل العقدي.
رابعاً: هيمنة إيران على القرار وتحييد العقلاء (شق الصف)
– (كلامي)
أشرت إلى أن القيادة الحالية (السنوار ومن معه) مختطفة إيرانيّا، وأن العقلاء تم تحييدهم.
قلت في الحلقة (3٣): “أنا أجزم بإيرانية غالب القيادة السياسية ورأس القيادة العسكرية… والذين استغلوا حماس الشباب…”.
وأشرت إلى تهميش “الخارج” أو من يخالف هذا التوجه.
– (كلامه)
يفصل هذه النقطة بدقة تنظيمية فيقول: “استطاعت ايران أن تخلخل الصف الداخلي… حيث تمركزت الشخصيات الرافضة للعلاقة مع ايران في إقليم الخارج، والذي تم تحييده تقريبا عن مراكز القرار … بل وصل الأمر … إلى اشتراط إيران في تمويلها عدم تمويل إقليم الخارج”.
= الخلاصة:
– المقال الجديد يقدم “اعترافاً داخليّا” يطابق “تحليلي الخارجي والشرعي”.
– كلانا اتفق على:
١. العلاقة تحولت من “ضرورة” إلى “تبعية”.
٢. إيران لم تقدم سلاحاً نوعيّا، وغزة قاتلت بسلاح بدائي محلي (مما يعزز نقدي لمسألة عدم التكافؤ والغرور).
٣. المصطلحات الشرعية (شهيد، جند الشام) استعملت في غير محلها لتبييض صفحة المجرمين.
٤. قرار الحركة تم اختطافه عبر المال الإيراني المشروط.
والله المستعان
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
١٦ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ٧/ ١٢/ ٢٠٢٥

حكم حبس البضاعة لعدم السّداد، والتصرف بها إذا طال الزمن.

صاحب البضاعة لم يحضر لأخذها
السؤال:
أنا صاحب “مصبغة”، غسلتُ لزبونة ملابس كثيرة قبل سنة، ولما طلبت الأجرة ماطلت ورفضت الدفع وقالت: “ليس معي، وإن لم تصبروا خذوا الملابس لكم”، فاحتجزت الملابس عندي لعدم سداد الأجرة، والآن مر عام وبدأت الملابس تتلف وتشغل مكانا، فماذا أفعل بها؟ وهل يجوز لي بيعها؟
الجواب:
تصرفك باحتجاز الملابس ابتداءً تصرف صحيح شرعا، وهو ما يسمى عند الفقهاء “حق حبس العين لاستيفاء الأجرة”؛ فمن عمل في سلعة غسيلًا أو خياطةً أو إصلاحًا، فله الحق في حبسها حتى يستوفي أجرته.
ولكن، بما أن المدة طالت لسنة، وتضررتم من بقائها، فالواجب اتباع الخطوات الآتيةلإنهاء الأمر:
١ . أرسل لها رسالة أخيرة تحدد فيها مهلة واضحة كأسبوعين مثلا، وتخبرها: “إن لم يتم استلام الملابس ودفع الأجرة خلال المدة المحددة، سأضطر لبيعها لاستيفاء حقي”.
٢ . إذا انقضت المهلة، يجوز لك بيع هذه الملابس، على حالتها، ولا يلزمك غسلها مجددا ، ثم تفعل ما يلي:
أ. تأخذ حقك كاملا، أجرة الغسيل مع أجرة النقل إن وجدت.
ب. إن بيعت بأكثر من قيمة الدَّين، فالباقي أمانة لها، إن استطعت إيصاله لها فافعل، وإلا فتصدق به بنية أنه لها.
ج. إن بيعت بأقل من حقك، تأخذ الثمن كله، ويبقى المبلغ المتبقي دينا في ذمتها.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٩ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٨/ ١/ ٢٠٢٦

الجواب عن مسألة شراء الذهب بالنقد

الجواب عن مسألة شراء الذهب بالنقد
السؤال:
ما تعليقكم على ما جاء في كلام الشيخ موسى آل عبد الرحمن حفظه الله في المقطع المرفق؟
الحمد لله
أولا: الأخطاء في كلام الشيخ حفظه الله مجملا
١. هذا الكلام فيه خلط بين بيع الذهب بالذهب وبيعه بالنقود.
٢. “ربا الفضل” لا يكون إلا مع اتحاد الجنس، والنقود ليست ذهبًا لا حقيقة ولا حكما.
٣. الأوراق النقدية اليوم ليست “سندات مغطاة بالذهب” كما كانت قديما، بل هي “أثمان مستقلة بذاتها” لها حكم النقد القائم بنفسه، فالدينار ليس ذهبا، والدولار ليس ذهبا، ومعاملة الورق النقدي معاملة الذهب في شرط التماثل هو الذي أوقع الشيخ في حكمه أن المسألة “ربا”.
٤. “حديث خيبر” في بيع ذهب بذهب، لا في بيع ذهب بنقود.
٥. شراء الذهب المصوغ بفصوص جائز، وما قد يقع من غبن أو تدليس مسألة تجارية لا ربوية.
ثانيا: النظر في أخطاء الكلام في المقطع تفصيلا
١. تعريف “ربا الفضل -الزيادة-” و “ربا النسيئة -التأخير-” بوضوح واختصار:
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله – ﷺ -: “الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد”. رواه مسلم.
فالأصناف الستة التي وردت في الحديث هي أموال ربوية.
والعلماء يقسمون الأموال الربوية الستة إلى فئتين:
الفئة الأولى: الذهب والفضة.
الفئة الثانية: البر والشعير والتمر والملح.
وسبب التقسيم: أن الفئة الأولى علتها متحدة، تختلف عن علة الفئة الثانية، فصار مرد التقسيم إلى اختلاف العلة.
فإذا وقع البيع بين الفئة الأولى والفئة الثانية، انتفى ربا الفضل وربا النسيئة لاختلاف العلة، فجائز التفاضل والتأجيل، مع أن كلا البدلين ربويان، فإذا بيع الذهب بالقمح أو بيع التمر بالفضة فقد اختلف الجنس واختلفت العلة، فجاز التفاضل (الزيادة) وجاز النَّساء (التأخير) ، فيجوز أن يعجل القمح ويؤجل الذهب، ليكون الثمن مؤجلًا، ويجوز أن يعجل الذهب ويؤجل القمح ليكون البيع من قبيل السلم، وهذا إجماع لا خلاف فيه.
وإذا وقع البيع بين أموال الفئة الواحدة، فإن كانا من جنس واحد، كذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو تمر بتمر، أو حنطة بمثلها: فيجب أن يتحقق شرطان:
الأول: التماثل.
والثاني: التقابض.
وإن كانت الأموال ذات الفئة الواحدة من جنسين مختلفين: كذهب بفضة، أو بر بشعير، فالجنس مختلف، والعلة واحدة، فلا يجري بينهما ربا الفضل، فلا يشترط التماثل لاختلاف الجنس.
ويجري بينهما ربا النسيئة؛ لاتفاقهما في العلة، فلا يجوز تأجيل أحدهما، فلا بد من التقابض في مجلس العقد، امتثالًا لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
باختصار وتحرير يسير من “المعاملات المالية أصالة ومعاصرة” الشيخ دبيان الدبيان.
٢. “ربا الفضل”: لا يكون إلا عند اتحاد الجنس.
فمن أراد مبادلة ذهب بذهب فيشترط: التماثل في الوزن، والتقابض في المجلس.
أما الذهب مع النقود: ففيه اختلاف الجنس، فلا يشترط فيه التماثل.
والشيخ حفظه الله قال: “أنت مصاريك عبارة عن قيمة الذهب، عم تشتري فيها ذهب”! وهذا محل نظر فقهي، والصواب خلافه، فالنقود -ورقية أو معدنية- ليست ذهبًا، لا جنسا، ولا حقيقة، ولا حكما، بل هي أثمان اعتبارية، كما هو الاصطلاح الفقهي المعاصر.
فالبيع هنا ليس ذهبا بذهب، بل: ذهب بنقود، ولا مجال – أصلا- لربا الفضل.
٣. استدلال الشيخ حفظه الله بحديث خيبر في غير موضعه:
نص الواقعة:
روى الإمام مسلم أن الصحابة في “خيبر” غنموا من اليهود ذهبا مخلوطا بخرز، فأمرهم النبي ﷺ أن يفصلوا الذهب، ثم يبيعوا الذهب بالذهب”.
ولماذا أمرهم النبي ﷺ بذلك؟ لأن المعاملة كانت: ذهب مختلط مقابل ذهب،
وهنا حصل اتحاد الجنس، مع عدم تحقق التماثل، فيقع “ربا الفضل”.
والشيخ أسقط الحديث في غير مكانه، أو كان قياسه مع الفارق الكبير.
٤. نحن اليوم لا نشتري الذهب بذهب، بل نشتريه بـ”أوراق نقدية” -دينار أردني، دولار، إلخ-، والقاعدة: الذهب والورق النقدي جنسان مختلفان، فالذهب له علة الوزن مع الثمنية، والنقد الورقي علته الثمنية فقط، والحكم: إذا اختلف الجنس -نقد مقابل ذهب-: سقط شرط “التماثل”، وبقي شرط واحد فقط وهو “التقابض” يدًا بيد.
وعليه: يجوز شرعا أن تشتري خاتما فيه ذهب وفصوص بـأوراق نقدية حتى لو كان وزن الذهب أقل مما يقابله من المال، لأن شرط التساوي غير مطلوب أصلا هنا، فلا يوجد “ربا فضل” في هذه الصورة مطلقا.
٥. وقد أدخل الشيخ حفظه الله الغبن التجاري بالربا، فقول الشيخ: “لما تبيعه بيكون غبنك وغشك”: فهذا -إن صح- فهو غبن، أو تدليس تجاري، لا علاقة له الربا، فالربا: فساد في أصل العقد، والغبن: ظلم في الثمن، والتدليس: إخفاء عيب أو شرط، والخلط بينها خطأ أصولي.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٩ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٨/ ١/ ٢٠٢٦

كشف الأوهام في فتوى إباحة العطر للمرأة خارج بيتها

كشف الأوهام في فتوى إباحة العطر للمرأة خارج بيتها
السؤال:
انتشر مقطع لأحد المتحدثين يقرر فيه إباحة تطيّب المرأة وخروجها بالعطر، محتجًا بجملة من الأحاديث النبوية، ومفرّقًا بين أنواع الطيب، ومواضع الخروج، ونيّة المرأة، فهل هذا الاستدلال صحيح؟ وما القول العلمي المنضبط في المسألة؟
الجواب:
الحمد لله
فإن مسألة تطيّب المرأة عند خروجها من المسائل التي وردت فيها نصوص صحيحة صريحة، وفهمها يحتاج إلى جمع الأحاديث، وردّ المتشابه إلى المحكم، والنظر في القواعد الأصولية والمقاصدية، لا إلى تجزئة النصوص أو تحميلها ما لا تحتمل.
أولًا: التفريق بين (تعطرت) و(استعطرت) تفريق غير معتبر
ذهب المتحدث إلى أن لفظ “استعطرت” الوارد في حديث “أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ” – رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو صحيح- يدل على المبالغة في التطيّب، بخلاف “تعطرت” أو الرائحة الخفيفة.
وهذا التفريق غير صحيح لغةً ولا حديثًا.
أما لغةً، فصيغة “استفعل” تدخل على الأفعال الثلاثية لتفيد معانٍ متعددة، أبرزها: طلب الفعل -“استعفيته”-، وإلقاء الصفة -“استحسنته”-، والتحول – “استأسد”-، والاتخاذ -“أستأجر”-، ومطاوعة الأفعال الأخرى -“أحكمه فاستحكم”- مع حفظ أصل بنائها “استفعال” في المصدر.
وأما حديثًا، فقد جاء النهي في روايات صحيحة أخرى بألفاظ مختلفة، منها: “أيما امرأة تطيّبت” ، و”إذا أصابت إحداكن بخورًا” ، و”إذا مسّت إحداكن طيبًا” ، وهذه الألفاظ تشمل القليل والكثير، ولا تحتمل دعوى الإغراق أو التخصيص.
وقد ذكر شراح الحديث أن معنى “استعطرت” أي: استعملت العطر، وهذا يتوافق مع باقي ألفاظ الحديث والروايات الأخرى.
فالضابط في الحكم ليس مقدار العطر، بل وجود رائحته التي يشمّها الأجانب.
ثانيًا: قوله صلى الله عليه وسلم “ليجدوا ريحها” ليست لام تعليل مؤثرة في تخصيص الحكم
استدلّ المتكلم بأن اللام في قوله ﷺ: “أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية” لام تعليل، وبنى على ذلك أن التحريم مشروط بقصد المرأة أن يشمّ الرجال ريحها، فإذا انتفت النية انتفى الحكم.
وهذا الاستدلال غير صحيح من جهة الأصول واللغة معًا.
فاللام في العربية لا تختص بلام التعليل، بل تأتي لمعانٍ متعددة، منها لام العاقبة أو الصيرورة، كما في قوله تعالى:{ وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} الكهف/ ١٩، فبعثهم لم يكن لأجل تساؤلهم.
وعلى هذا قرر جمع من أهل العلم أن اللام في الحديث محمولة على بيان المآل والنتيجة، لا على قصد الفاعل ونيته؛ أي أنها خرجت متعطرة، فكان مآل فعلها أن وُجدت الرائحة وشمّها الرجال، فحصلت الفتنة، سواء قصدت ذلك أم لم تقصده.
ويؤكد هذا الفهم أن نصوص النهي الأخرى جاءت مطلقة غير معلقة بالنية، بل وليس فيها ذكر مرورها برجال يجدون ريحها، كرواية الترمذي “كلُّ عيْنٍ زانِيةٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا” يَعْنِي زَانِيَةً.
قال المباركفوري -رحمه الله- في تفسير الزنى في الحديث: لأنها هيجت شهوة الرجال بعطرها، وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينيه، فهي سبب زنى العين فهي آثمة.
فدلّ ذلك على أن العبرة في هذا الباب ليست بالنية المجردة، وإنما بما يترتب على الفعل من مفسدة ظاهرة، والشرع إنما جاء بسد الذرائع المفضية إلى الفتنة، لا بربط الأحكام بما يخفى من المقاصد والنيات.
وعليه، فحمل اللام على التعليل المقصود قصديًّا تخصيص بغير مخصص، وردٌّ للنصوص المحكمة، وهو مسلك غير معتبر عند أهل الأصول.
والقول بأن التحريم مشروط بقصد المرأة إغراء الرجال قول غير منضبط؛ لأن الفتنة قد تحصل ولو بلا قصد، ولأن الشرع جاء بسد الذرائع واعتبار المآلات والآثار، لا الاقتصار على النيات الخفية.
ثالثًا: حديث “وليخرجن وهن تفلات” ليس خاصًّا بالمسجد
جاء في الحديث الصحيح: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تَفِلات” رواه أبو داود، وهو حديث حسن.
وقد قال المتكلم: إن هذا النهي خاص بالخروج إلى المسجد فحسب، أما غيره فلا يدخل فيه.
وهذا فهم معكوس؛ لأن المسجد موضع عبادة وسكينة، فإذا نُهيت المرأة عن التطيّب في المساجد، كان النهي في مواضع الاختلاط والأسواق أولى وأحرى.
وهذا من دلالة التنبيه بالأدنى على الأعلى، وهو أصل معتبر عند الأصوليين.
رابعًا: حديث عائشة في المسك لا يدل على الإباحة المطلقة
استدلّ المتكلم بحديث عائشة رضي الله عنها في تطيّب النساء بالمسك في السفر مع النبي ﷺ.
تقول عائشة رضي الله عنها: “كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٍ، فَنَضْمِدُ جِبَاهَنَا بِالْسُّكِ الْمُطَيَّبِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا” رواه أبو داود بإسناد حسن.
واللفظ الوارد عن عائشة رضي الله عنها: “بالسُّكّ المُطيَّب”، لا (بالمسك المطيب)، والسُّكّ: طيبٌ مركّب قد يكون فيه مسك، لكنه أعمّ منه، فالتعبير بالمسك تصرّف من المتكلم.
والجواب عنه من وجوه:
١. أن هذا الطيب كان قبل الإحرام، وهو مشروع للرجال والنساء باتفاق.
٢. والطيب المذكور في حديث عائشة لم يكن من الطيب المفوح الرائحة، بل هو طيب النساء وهو مما يُرى أثره ولا تظهر رائحته، قال النبي صلى الله عليه “طِيبُ الرجالِ ما ظهر ريحُه وخفي لونُه، وطيبُ النساءِ، ما ظهر لونُه وخفيَ ريحُه” رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو صحيح، وجاء مصرحا بنوعه في رواية أبي يعلى: “تضمخنا بالزعفران والورْس…”؛ وكلاهما نبات له رائحة ضعيفة ويستعملان للصبغ أكثر منه للتطيب، وهذا يدل على أن المقصود لم يكن إشامته للرجال، بل أثر موضعي في سياق عبادة وستر، فلا يصح بحال قياسه على العطور النفاذة المعاصرة.
فقياس هذا على خروج المرأة متعطرة في الأسواق والمجامع قياس مع الفارق.
٣. ولو فرضنا أن الطيب المستعمل من النساء قبيل الإحرام مما له رائحة، فنساء الصحابة كنّ مستترات محتجبات، لا يخالطن الرجال، وخاصة في طريق السفر، فلا تضع الواحدة منهن ما تخالف فيه هدي نبيها صلى الله عليه وسلم مما يفتن الرجال بطيب ريح عطرها.
خامسًا: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ والسِّخَاب، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.
والحديث في الصحيحين بألفاظ متعددة، والسخاب: هو قلادة -عقد- تتخذها نساء العرب من القرنفل والخرز، وتلبسها النساء اللواتي لا يجدن الذهب.
واستدل المتكلم به على أن “السخاب” له رائحة وأن النساء تصدقن به وألقينه في ثوب بلال!
ونقول له: صدقت في أن الصخاب -بالسين والصاد- مصنوع من قرنفل، وأخطأت في القياس؛ فرائحة القرنفل اليابس في الرقبة لا يقاس عليها الروائح الكحولية الطيارة التي صُنعت خصيصا لتملأ المكان وتلفت الأنظار، والشارع الحكيم فرق بين ما ريحه خفي كالطيب في الجسد المستور، وبين ما ريحه متعدّ كالبخور وعطر الرش.
سادسًا: تقييد النهي بصلاة العشاء أو بالليل غير صحيح
جاء في بعض الأحاديث ذكر صلاة العشاء، كحديث أبي هريرة في صحيح مسلم “أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَة” ففهم المتكلم منه أن النهي خاص بالليل.
وهذا غير لازم؛ لأن ذكر العشاء ورد في بعض الوقائع، ولا يقيّد الحكم العام الوارد في غيرها.
قال المناوي -رحمه الله-:
وتخصيص العشاء ليس لإخراج غيرها، بل لأن تطيب النساء إنما يكون غالبا في أول الليل.
” فيض القدير”.
وقد جاءت نصوص أخرى مطلقة في النهي دون تقييد بوقت.
والعلة، وهي الفتنة بالرائحة، لا تختص بليل دون نهار، بل قد تكون في النهار أشد.
سابعاً: الخلاصة:
١. النصوص الواردة في منع خروج المرأة متطيبة صحيحة وصريحة.
٢. والتفريق بين أنواع العطر أو كميته أو موضع الخروج تفريق لا دليل عليه.
٣. والأحاديث التي استُدلّ بها على الإباحة إما خاصة بسياقها، أو محمولة على ما قبل الإحرام، أو منزوعة عن محل النزاع.
٤. فالواجب ردّ هذه المسألة إلى أصولها المحكمة، دون تحميل النصوص ما لا تحتمل، أو تتبع رخص لا تستقيم مع مجموع الشريعة.
٥. قالت المذيعة-وأيدها المتكلم-: تعطرت في بيتها وخرجت منه وركبت سيارتها وستزور صديقتها:لا توجد مشكلة!
سبحان الله! ولن تمر على رجل واحد في طريقها هذا كله؟! هل تعيش هذه المرأة في “كوكب النساء” ؟
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٦/ ١/ ٢٠٢٦

كيف ينظر الدكتاتور إلى الناس ( بشار والقذافي مثالا )

تسجيلات بشار ولونة
ذات دلالة حقيقية كيف ينظر الدكتاتور إلى الناس : احتقار ، عبيد ، أنذال ، هو الرب الأعلى ، هو الذي يفهم ، وهو الذي يقرر ما هو صواب وما هو خطأ ، إنه حذام التي اذا قالت فعليهم أن يصدقوها . بشار وأمثاله يعيشون حالة مرضية أنه هو إله على الأرض يفرض ويقرر ويحرم ويحلل . انه الذي يسخر من بنائهم المساجد وكان عليهم أن يلتهوا بالطعام . ان بناء المساجد دلالة غير مريحة له لأن المسجد إشارة إلى عقيدة وتوحيد وفكر وانتماء وسجود لله وحده .
هذا الإله المسمى بشار يحتقر حيا” بسكانه الطيبين ، حتى الدمار الذي صنعه زبانيته لايلفت نظره ولا يعني له شيئا” .
الدكتاتور شخص مريض ينظر إلى الناس باحتقار ظنا” منه أن كل الناس حقيرون مثل عبيده الذين يركعون ويقبلون ويذلون .
ذهب الطاغية وبقيت أرواح من قضوا تلعنه ، وأولادهم يلعنونه ويلعنون روح أبيه الذي زرع فيه ألوهية مزعومة لم تمكنه الا من الفرار والاختفاء كالفئران ، وتبين له أن كلام زميله في الديكتاتورية قذافي ( من أنتم ) نابع من صدمة يقظة الضحية التي قالت للقذافي لا ثم قبضت عليه في المجاري .

وشهد شاهد من أهلها (٤ ): خالد مشعل يوقع على محضر “الكارثة”

خالد مشعل يوقع على محضر “الكارثة”
الحمد لله
تنبيهات:
١. هذه هي الحلقة الرابعة من سلسلة “#وشهد_شاهد_من_أهلها“، وهي مخصصة لعقد مقارنة بين ما كتبتُه وحذرت منه في مقالات #كارثة_الطوفان (قبل عامين)، وبين ما أقر به واعترف به “خالد مشعل” (رئيس الحركة في الخارج) في لقائه الأخير على قناة الجزيرة بتاريخ ١٠/ ١٢/ ٢٠٢٥م.
٢. لقد جاء هذا اللقاء بمثابة “التتويج” لكل ما ذكرناه سابقا، حيث اضطر مشعل -تحت وطأة الواقع المرير- أن ينطق بما كنا نقوله، وأن يقر بالنتائج التي حذرنا منها، ولكن بلغة دبلوماسية “تلطيفية” تحاول مداراة الفشل الاستراتيجي الهائل.
٣. ولإتمام الفائدة، فقد استعنت في هذه الحلقة بقراءة تحليلية دقيقة للأستاذ “عبد الله الجديع” (نشرها تعقيباً على اللقاء)، حيث وضع يده على التناقضات بين “القديم” (زمن المكابرة) و “الجديد” (زمن الإقرار بالواقع)، لتكتمل الصورة أمام القارئ الكريم.
وإليكم تفاصيل الشهادة:
أولا:
الاعتراف بحجم “الكارثة” والثمن الباهظ
– في مقالاتي:
قلت مراراً إن الوصف الحقيقي للحدث هو “كارثة” بل هو “جحيم”، وانتقدت من يسمي الدمار نصرًا، وذكرت في الحلقة (٣):
“وإلا فقل لي ماذا تسمي هذه الكوارث من أعداد القتلى والجرحى وتدمير البيوت والبنى التحتية؟ هل هي انتصار؟”.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يضطر مشعل للاعتراف بوضوح أن الثمن لم يكن عاديّا، بل كان قاسيًا جدّا، ويقر بحجم الدمار الهائل الذي حل بغزة، قائلاً:
[08:27] “ثمنه كان قاسيًا علينا لا شك… عشرات الآلاف من الضحايا… ٦٨ مليون طن من الركام … فيه معاناة إنسانية ضخمة، فهناك ثمن باهظ دفعته غزة بالذات”.
ولا ننسى أنه قد ذكر سيطرة اليهود على ٦٠ % من قطاع غزة!
ثانيًا:
الواقع المأساوي للحاضنة الشعبية (من أحلام التحرير إلى البحث عن خيمة)
-في مقالاتي:
كتبت في الحلقة (٣):
“وقد كتب (الأستاذ أحمد يوسف صالح) المستشار السياسي السابق لـ(هنية) [أضاعونا وصار الحُلم هو الخيمة] معترفا بالواقع المر، وكتبت أنا “أضاعونا وصار الحلم هو الخبزة”.
وذكرت في الحلقة (٤) معاناة الناس من البرد والجوع وصرخات الحرائر، مما استهان به كثيرون ولم يرفعوا به رأسا ولم يساهموا في إيقافه في فرص كثيرة ضيعوها.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يقر مشعل بأن الناس عادوا لنقطة الصفر، يبحثون عن مأوى ولا يجدونه، وأن الوضع الإنساني كارثي، قائلاً:
[15:56] “المعاناة الفلسطينية … الناس اليوم في منخفض جوي جديد في غزة، كان الله في عون أهل غزة … الخيم أصبحت مهترئة لا يجدون خيمًا جديدة ولا كرفانات”.
فها هو يعترف بأن طموح الناس بات مجرد “خيمة” تقيهم البرد، بدلاً من وعود التحرير والصلاة في الأقصى التي أطلقوها في بداية الطوفان.
ثالثا:
خذلان “محور المقاومة” والاعتماد على الذات
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان:
أكدت في الحلقة (٨) والحلقة (٩) على خيانة المحور الإيراني (وحدة الساحات) وأنهم ورطوا “حماس” وتركوا “غزة” تواجه مصيرها، ووصفت العلاقة بأنها تبعية لا ندية.
ومما قلته:
“وكل الشكر لإيران وأذنابها وكل الطعن في العرب … مع أن الأصل أن يتوجه اللوم والشتم للخونة من الروافض ممن وعدكم بالدخول في المعركة ثم تخلوا عنكم جهارا نهارا”.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يحاول مشعل تبرير الموقف لكنه يعترف ضمنًا بأنهم تُركوا وحدهم، وأن الاعتماد كان على الذات لا على الحلفاء الذين “أوصدوا الأبواب”، قائلاً:
[45:06] “قد تكون الصورة شوية اختلت … لأن هناك أطرافا عربية وإسلامية أوصدت أبوابها دوننا… حماس في مسيرتها تعتمد بعد الله تعالى على ذاتها”.
ويضيف -محاولاً الترقيع-:
[45:24] “نحن جزء من هذه الأمة ولا نتخلى عن حلفائنا”.
ثم حاول التملص من المحور بقوله: “الناس تحسبنا على المحور”.
فهذا اعتراف مبطن بأن “وحدة الساحات” كانت وهمًا، وأن الحركة وجدت نفسها وحيدة تعتمد “على ذاتها” في الميدان، تماماً كما توقعتُ.
وقد علق الأستاذ عبد الله الجديع قائلا:
“ومثله مشعل الذي قال (الناس تحسبنا على المحور) و (حماس لم تكن يومًا تتموضع في محور بعينه) في تجاهل لموقف السنوار الذي جعل نفسه جزءًا من المحور، وأنَّ صالح العاروري كان جزءًا مما سمي (وحدة الساحات)، لذلك جاء حديث مشعل في هذا السياق انسحابًا من المحور، بحجة أنَّ الناس صنفت الحركة هكذا! لا أنها كانت جزءًا منه بحق.”
رابعا:
نهاية الطموح السياسي: من “حكم غزة” إلى “لجنة تكنوقراط”
– في مقالاتي:
سخرتُ من مؤتمر “وعد الآخرة” وخططهم لإدارة الدولة (الوهمية)، وبينت أن النتيجة ستكون خسارة ما كان بيدهم أصلاً.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يعلن مشعل بوضوح قبولهم بتسليم إدارة غزة (التي كانوا يحكمونها منفردين) إلى لجنة تكنوقراط، مما يعني سياسيّا العودة خطوات هائلة للوراء، قائلاً:
[29:43] “توافقنا على أن تسلم إدارة غزة لحكومة تكنوقراط من داخل غزه… وقُدم (٤٠) اسمًا تقريبا استُخلص منهم حوالي ثمانية … وهم الذين يديرون غزه”.
وهذا إقرار بفشل مشروع “التمكين” الذي كانوا يتغنون به، والقبول بـ “إدارة تكنوقراط” مجردة من السلطة السياسية الحقيقية كحل للنجاة مما صنعوه.
خامسا:
الاعتراف باستمرار الحرب كـ “حرب إبادة” وليست مغامرة مدروسة!
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان:
انتقدت من صوّر الأمر أنها مغامرة مدروسة (وهي كلمة خالد مشعل نفسه!) ، وأكدت أنها “حرب إبادة” وقد جرت الويلات.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يستخدم مصطلح “الإبادة” ويقر بأنها استمرت عامين كاملين، وليست أيامًا كما كانوا يتوهمون:
[12:27] “الحرب بصورتها اللي تمثل حرب إبادة شاملة اللي رأيناها عبر عامين كاملين لا شك أنها انتهت ونرجو ألا تعود”.
سادسا:
من “عشاق الموت” و “أصحاب الأخدود” إلى “حب الحياة”
– في مقالاتي السابقة (#كارثة_الطوفان) الحلقة (٩):
انتقدت -بشدة- العبث بمفهوم الجهاد وتحويله لمشروع موت، وسخرت من التصريحات التي تقول إن شعب غزة خلق ليموت، وقلت: “زاد على ذلك ما حصل من قادة وعلماء ودعاة من تحريفات لشرع الله … وأصلوا لمن دخل معركة أن لا يوقفها … ويرد على الكذبتين: سحب خالد بن الوليد للمسلمين من معركة مؤتة حفاظا على حياتهم”.
– موقف خالد مشعل الجديد:
ينقلب مشعل على خطاب “الموت” السابق، ليتبنى خطاب “الحياة” والتعافي: [15:56] “المعاناة الفلسطينية… الناس اليوم في منخفض جوي جديد في غزة… الخيم أصبحت مهترئة…”
[08:27]” نحن بشر نصيب ونخطئ”.
وأكد على ضرورة “إغاثة الناس” و “التعافي”.
– تعليق (الأستاذ عبدالله الجديع):
“لقد كان السنوار يتحدث عن أهل غزة بأنهم أصحاب الأخدود، مستعدون لأن يحرقوا حتى آخر طفل، كذلك كان متحدثو حماس عمومًا، بل كان “سعيد زياد” في قناة الجزيرة يقول: سيقاتل الغزي بلحم الأطفال!.
لكن التحديث الجديد الذي يحاول تمريره مشعل يظهر أي خسارة لحماس في الحاضنة الشعبية وفق خطابها السابق.
فيؤكد على أنَّ (أهل غزة يحبون الحياة!) وفي الوقت الذي كان أي حديث عن وقف الحرب أو العمليات ضد إسرائيل يقارب بالخيانة.”
وقال الجديع -أيضا-:
“فصرنا نسمع لغة إننا بشر نصيب ونخطئ، بدل حديثه السابق عن خسائر غزة التكتيكية! وموالين لإسرائيل عند كل تخطئة للقرار! ففي حديثه تلميح قوي إلى الخطأ الكارثي في إطلاق ٧ أكتوبر، بما جره ذلك من تدمير للحركة وغزة عمومًا، كأساس جديد لسياسته في حماس.”
سابعا:
التناقض في المواقف .. “الخيانة” بالأمس هي “الضمانات” اليوم
– في مقالاتي السابقة (#كارثة_الطوفان) الحلقة (١٣):
ذكرت كيف كانت حماس تمنع الفصائل الأخرى من إطلاق الصواريخ سابقا بدعوى “عدم استدراج العدو”، وتساءلت عن ازدواجية المعايير.
– موقف خالد مشعل الجديد:
يعلن مشعل القبول بتسليم إدارة غزة لحكومة “تكنوقراط”، بل ويقدم تعهدات أمنية ضمنية بعدم شن هجمات:
أ. تجميد السلاح ومنع الاستعراض به:
[22:17] يقول مشعل:
“كيف هذا السلاح يُخبأ ويُحفظ ولا يُستعمل ولا يُستعرض به في ذات الوقت لا يسلم”.
ب. ضمان عدم وجود أي تصعيد ضد إسرائيل:
[22:50] يقول عن دور الضامنين (الوسطاء):
“يستطيعون أن يضمنوا غزة وأن يضمنوا حماس وقوى المقاومة، بحيث إنه لا يأتي من داخل غزة أي تصعيد عسكري ضد إسرائيل”.
ج. عرض هدنة طويلة الأمد:
[22:28] يقول:
“عرضنا فكرة الهدنة سبع سنوات، ١٠ سنين، هدنة طويلة المدى بحيث هذه تشكل ضمانة حقيقية”.
– تعليق (الأستاذ عبدالله الجديع):
” وفي الوقت الذي كان أي حديث عن وقف الحرب أو العمليات ضد إسرائيل يقارب بالخيان، يقدم مشعل استعداده لصورة معينة من تجميد السلاح ومنع ظهوره حتى في الاستعراضات وتقديم ضمانات ألا يخرج أي هجوم من غزة على إسرائيل! وهو ما كان التيار المحسوب على إيران -وأحيانًا يداهنهم مشعل- يصفه كـ(دفاع عن إسرائيل!)”.
ثامنا:
الهدنة (الهدوء الطويل): من “الخيانة” و”التثبيط” إلى طوق النجاة الوحيد
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان (الحلقة ١٠ و ١١):
أصلتُ شرعًا لمشروعية “الهدنة” و “الصلح” و “وقف القتال” (ولو لعشر سنين أو أكثر) حقناً للدماء وحفاظاً على بيضة الإسلام، مستدلاً بفعل النبي ﷺ في الحديبية وبأقوال ابن تيمية والقرضاوي.
وانتقدتُ -بشدة- من يعدّ المطالبة بوقف الحرب “تثبيطًا” بينما العدو يبيد الناس، وذكرت أن إيران هي التي كانت تنصح بعدم قبول الهدنة -(حلقة ٨)- لاستنزاف المنطقة.
وبعد عامين من رفض الوساطات وإطالة أمد الحرب، يأتي مشعل ليعرض هو بنفسه هدنة طويلة الأمد كحل وحيد:
قال في [الدقيقة 22:28] :
“عرضنا فكرة الهدنة سبع سنوات، ١٠ سنين، هدنة طويلة المدى بحيث هذه تشكل ضمانة حقيقية”.
فاليوم يتبنى مشعل “الهدنة الطويلة” (التي دعا إليها العقلاء والعلماء سابقًا وحذرت أنا من تركها) كخيار استراتيجي للنجاة، ولكن بعد خراب غزة! فقد كان بالإمكان عقد هذه الهدنة قبل الـ ٧٠ ألف قتيل، وحينها كانت ستكون هدنة “أنداد”، أما اليوم فهي هدنة “اضطرار” وطلب للنجاة.
قال الأستاذ عبد الله الجديع:
“بعد تدمير غزة حيث لا يمكن أن تعفى حماس من مسؤوليتها البتة حتى مع وجود تيارات داخلها، وهي اليوم تحاول أن تطمئن الغزيين والمجتمع الدولي أنهم لن يعودوا بهم إلى حرب أخرى”.
= الخاتمة، والسؤال الذي يفرض نفسه:
لقد انتهى “الطوفان” باعتراف قائده السياسي بسيطرة العدو على ٦٠٪ من غزة، ودمار شامل، وخسائر بشرية هائلة، وعودة للمطالبة بـ “خيمة” و “حكومة تكنوقراط”.
وهنا نختم بالسؤال الذي طرحه “الجديع” ويوافق ما طرحته أنا في أول مقال:
“هل كان الأمر يحتاج إلى كل تلك السنوات من المواجهات وتسليم الرهائن وتحويل حياة السكان إلى جحيم حتى يقول مشعل لا تطالب غزة بواجب المقاومة بل بالتعافي؟ فعلامَ لم تتجنبوا الكارثة ابتداءً؟.”
= ورسالة إلى من سحرهم إعلام الجزيرة وغرتهم أسماء علماء الطوفان وبحثوا عن الشهرة في كثرة المشجعين والمادحين لهم، وخافوا من خسارة” اللايكات”، وأكل قلبهم الحسد:
ها هو الشنقيطي، والهامي، وأيمن وادي، وخالد مشعل، وكلهم أبناء الحركة والجماعة، بل من قادتها سياسيا وعلميا، فماذا تريدون بعدُ لتسيقظوا من غفلتكم وتتوبوا لربكم وتعتذروا لأهل غزة ولأتباعكم؟
أعلم أنه قد رجع كل واحد منكم لحاله قبل الطوفان، فهذا ينشر خرافات الطاقة، وذاك يؤسس لانتشار سوق عمله، وآخر يكتب في مواضيع تافهة، ورابع وخامس وسادس، فهل تظنون أن الأمر قد انتهى إلى هاهنا؟ وهل تظنون الأمر بهذه السهولة ليرجع كل واحد منكم لعمله بعد ما أصّلتم ونظّرتم لهذه الكارثة وتركتم أهل غزة بعذاباتهم المستمرة؟.
فالله الموعد، وهو نعم المولى ونعم النصير.
مقابلة خالد مشعل:
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢١ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٢/ ١٢/ ٢٠٢٥

ملحد يقول بوجود اختلاف في المصاحف!

ملحد يقول بوجود اختلاف في المصاحف!
السؤال:
ما تعليقكم على ما يقوله هذا الملحد في المقطع ؟ وقد انتشر في وسائل التواصل.
الجواب:
الحمد لله
هذا الشخص يخلط بين “تنوع القراءات” الذي هو وحي ومنحة إلهية، وبين “تحريف النصوص” الموجود في كتب اليهود والنصارى.
القرآن واحد، محفوظ في الصدور والسطور، واختلاف القراءات هو وجه من وجوه إعجازه وسعته التشريعية واللغوية، وليس ثغرة كما يتوهم الجاهلون.
والرد عليه من وجوه:
أولاً:
الرد على شبهة “اختلاف المصاحف” وأن القرآن ليس واحداً
١. القراءات القرآنية وحي وليست اجتهادًا بشريّا:
الاختلاف هو “قراءات” وحي، وليس “تحريفًا” بشريّا، ما يسميه المشكك “اختلافاً في المصاحف” هو في الحقيقة “قراءات قرآنية” ثابتة ومتواترة عن النبي ﷺ.
فالقرآن نزل بوجه واحد، ثم رخص الله لنبيه أن يقرأه بأوجه متعددة (قراءات) تيسيرًا على الأمة وإثراءً للمعنى، وكل هذه الأوجه وحي من الله، وليست اجتهاداً من النساخ أو خطأً منهم.
والقراءة لا تكون قرآنًا يُتلى إلا باجتماع ثلاثة أركان:
١. صحة السند: (التواتر أو الشهرة والاستفاضة).
٢. موافقة اللغة العربية: (ولو بوجه من الوجوه).
٣. موافقة الرسم العثماني ولو في أحد المصاحف: (ولو احتمالا).
٢. المصحف الإمام واحد:
عندما جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه القرآن في المصحف الإمام، كتبه برسم يحتمل القراءات المتواترة (دون نقط أو تشكيل في البداية).
فكلمة مثل (مالك) و(ملك) تُكتب برسم واحد يحتمل القراءتين، وهذا من عظيم فقه من كتب بالرسم العثماني.
فادعاء أن هناك “مصاحف مختلفة” هو تدليس؛ فالمصحف واحد، والرسم واحد، والاختلاف هو في طريقة الأداء والنطق وبعض الحروف التي لا تخرج عن الرسم العثماني والتي نزل بها الوحي.
ثانياً:
الرد على الأمثلة التي أوردها
١. شبهة البسملة (آية أم لا؟):
الافتراء:
يزعم أن اختلاف القراء في عدّ البسملة آية من الفاتحة يعني تحريفًا أو اختلافًا في القرآن.
الرد:
هذا اختلاف في العدّ والترقيم وليس في الثبوت.
البسملة ثابتة ومكتوبة في جميع المصاحف في بداية السور (عدا التوبة).
الخلاف بين الفقهاء والقراء هو: هل هي آية مستقلة من الفاتحة (كما عند الشافعية وقراءة عاصم) أم هي جزء من آية أو آية للفصل بين السور (كما عند المالكية وقراءة ورش)؟
النتيجة:
النص القرآني موجود ومثبت في الحالتين، والاختلاف هو في تصنيفها (آية رقم 1 أم لا)، وهذا لا يغير من كونها قرآناً يُتلى.
٢. شبهة (مسكين / مساكين) و (يطهرن / يتطهرن):
الافتراء:
يقول: إن هذا الاختلاف يغير الحكم الشرعي (حلال وحرام) ويجعل الدين “شخصيا”.
الرد:
هذا من أعظم وجوه الإعجاز في القراءات، حيث تأتي قراءة لتكمل معنى الأخرى أو تضيف حكمًا جديدًا يندرج تحت النص، مما يغني النص التشريعي دون الحاجة لتعدد الآيات.
أ. مثال (يطهرن / يتطهرن):
قراءة التخفيف (يَطْهُرْنَ): تعني انقطاع الدم.
قراءة التشديد (يَتَطَهَّرْنَ): تعني الاغتسال بالماء.
الجمع بينهما:
الفقهاء جمعوا بين القراءتين لاستنباط الحكم الكامل: لا يحل الجماع بمجرد انقطاع الدم (القراءة الأولى) بل لا بد من الاغتسال (القراءة الثانية).
فالقراءتان تكملان بعضهما لبناء الحكم الفقهي المتكامل، وليس بينهما تناقض.
ب. مثال (مسكين / مساكين):
الاختلاف هنا بين قراءة الإفراد (مِسْكِينٍ) وقراءة الجمع (مَسَاكِينَ) هو اختلاف “تنوع وتكامل لغوي” يصب في معنى تشريعي واحد، وليس تضادا يغير الحكم، وبيان ذلك:
– قراءة الجمع {طَعَامُ مَسَاكِينَ}: (مراعاة المطابقة)
فقد جاءت هذه القراءة لمناسبة لفظ الجمع في الفاعل في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}.
المعنى:
بما أن المكلفين جماعة (الذين)، فإن الفدية المترتبة عليهم ستكون طعام جماعة من (المساكين)، فهي مقابلة الجمع بالجمع (كل واحد منهم يطعم مسكيناً، فالمجموع مساكين).
– قراءة الإفراد {طَعَامُ مِسْكِينٍ}: (بيان الجنس ومقدار الأصل)
(مسكين) هنا اسم جنس يُراد به بيان “نوع” المستحق للفدية، أو يُراد به بيان “أصل الحكم” لليوم الواحد.
والمعنى: الفدية الواجبة عن اليوم الواحد هي طعام (فرد من جنس المساكين).
= الرد على شبهة “تغير الحكم” و”الدين الشخصي”:
ادعاء الملحد أن هذا يغير الحلال والحرام أو يجعل الدين شخصيا هو جهل مطبق بلغة العرب وأصول الفقه؛ لأن المآل التطبيقي للقراءتين واحد بإجماع الفقهاء، وهو:
إذا أفطر المكلف يوما واحدا: فعليه إطعام مسكين واحد (عمل بقراءة الإفراد التي حددت المعيار، أو بقراءة الجمع باعتبار أن الواحد جزء من الجمع).
إذا أفطر شهراً: فعليه إطعام ثلاثين مسكيناً (فتصدق قراءة الجمع).
فالقراءتان بمنزلة جملتين توضيحيتين للحكم نفسه:
الأولى تقول: “على كل واحد منكم إطعام مسكين”.
الثانية تقول: “عليكم يا معشر المفطرين إطعام المساكين”.
فأين التناقض أو الدين الشخصي في هذا؟!
ثالثا:
الرد على شبهة “ألف طريق”:
الافتراء:
يزعم الملحد أن وجود طرق وروايات كثيرة يعني الضياع وعدم الثبوت.
الرد:
كثرة الطرق (الأسانيد) هي دليل قوة وليس دليل ضعف، فالقرآن نُقل إلينا عبر آلاف السلاسل الذهبية المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكل حرف يُنطق به اليوم له سند متصل.
والعلماء ضبطوا هذه الطرق في كتب دقيقة (مثل “النشر” لابن الجزري) وميزوا المتواتر عن الشاذ.
فكثرة الطرق تعني أن القرآن محفوظ ومحمي من التحريف، لأن آلاف الرواة في مختلف الأمصار اتفقوا على نقله.
رابعا:
أرشح للقراء الكرام هذه المقاطع في المسألة:
١.
٢.
٣.
والله أعلم
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢٢ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٣/ ١٢/ ٢٠٢٥
تنبيه:
(( اشتكى الملحدون من ردي على المقطع فطالبوا بحذفه، فقدمت اعتراضا، وقد يرفض، فإن حذفوه فللجزمة، يكفي ردي عليه))

“بين لطائف الموافقات وأوهام الإعجاز العددي: وقفات علمية مع مقطع د. خالد الحربي”

“بين لطائف الموافقات وأوهام الإعجاز العددي: وقفات علمية مع مقطع د. خالد الحربي”
السؤال:
انتشر مقطع ونسب للدكتور خالد الحربي، يتكلم فيه عن أوجه الإعجاز العدد في القرآن الكريم، وذكر أمثلة لذلك، فهل من تعقيب على المقطع؟
الجواب:
الحمد لله
إن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز بياني وتشريعي، ولم ينزل ليكون كتاب ألغاز حسابية.
ما يذكره الدكتور الفاضل -وهو متخصص في القراءات- يعتمد في غالبه على “العد الكوفي” للآيات (وهو الترقيم الموجود في مصاحفنا اليوم برواية حفص)، ويتجاهل حقيقة علمية ثابتة وهي “اختلاف العَدّ” بين علماء الأمصار (المدني، البصري، الشامي، المكي)، فلو تغير رقم الآية في عدّ آخر (وهو قرآن متواتر أيضاً) لسقطت هذه “المعجزة” المزعومة، مما يدل على أنها مجرد موافقات لطيفة (إن صحت أصلا) وليست إعجازًا مقصودًا للتحدي.
تفنيد الأمثلة الواردة في المقطع نقطة بنقطة:
١. سورة الأنفال (آية الأسرى ورقم ٧٠):
الزعم:
الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ} رقمها ٧٠، وعدد أسرى بدر ٧٠.
الرد:
عدد أسرى “بدر” مختلف فيه تاريخيّا:
فعددهم عند “موسى بن عقبة” : ٣٩ أسيرًا.
وعددهم عند “ابن إسحاق” : نحو ٤٤ أسيرًا.
وقيل: ٧٠، وقيل ٦٨، وقيل غير ذلك.
فهذا الخلاف في عدد أسرى “بدر” يقضي على الفكرة من أصلها.
والأهم من ذلك: هل هذه قاعدة مطَّردة؟ هل كلما ذكر القرآن رقمًا وافق رقم الآية؟!.
ففي سورة الأنفال، الآية رقم (٦٦) ذكرت الأعداد ١٠٠ و ٢٠٠ و ١٠٠٠ و ٢٠٠٠!
قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وذكر العدد ١٠٠ في الآية رقم (٢٥٩) في سورة البقرة، قال تعالى: {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۠ئَةَ عَامٍ}.
وعدم الاطراد يدل على أن توافق رقم ٧٠ هنا هو لا علاقة له بعدد أسرى “بدر”، ولو صح ووافقت العد في جميع المصاحف فتكون لطيفة ولا يقاس عليها، فليست إعجازا.
٢. سورة المائدة (النقباء ورقم ١٢):
الزعم:
ذكر “اثني عشر نقيبًا” في الآية رقم ١٢.
الرد:
هذه قد تكون الموافقات اللطيفة، ولكنها ليست إعجازًا، ولا هي قاعدة مطردة، ففي سورة يوسف ذكر العدد ١١ في قوله تعالى {أحد عشر كوكبًا} في الآية رقم (٤)، وليس في الآية ١١، وفي سورة التوبة ذكر العدد ١٢ في قوله تعالى {اثنا عشر شهرًا} في الآية رقم (٣٦)، وليس رقم ١٢.
فالانتقائية في اختيار الآية التي توافق الرقم وترك الآيات التي تخالفه هو تلاعب بالبيانات، وليس بحثًا علميّا.
٣. سورة طه (سنوات موسى ورقم ٤٠):
الزعم:
الآية {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} رقمها ٤٠، وموسى لبث فيها ١٠ سنين وعمره كان ٣٠ فالمجموع ٤٠.
الرد:
أ. الآية ذكرت “سنين” (نكرة) ولم تحدد العدد بـ ١٠ في الآية نفسها، فالرقم ٤٠ استنبطه المتحدث من جمع عمره المفترض مع مدة لبثه.
ب. رقم الآية (٤٠) صحيح في “العدد الكوفي” وغيره، ولكن لو فتحنا مصاحف القراءات الأخرى المتواترة لوجدنا تباينًا عجيبًا:
ففي العدد البصري (رواية الدوري عن أبي عمرو، والرويس وروح عن يعقوب): رقم الآية هو (٣٨)!.
وفي العدد الشامي (رواية هشام وابن ذكوان عن ابن عامر): رقم الآية هو (٤٢).
والسؤال الذي ينسف الإعجاز المزعوم: هل كان عمر موسى عليه السلام ٤٠ سنة عند أهل الكوفة، و٣٨ سنة عند أهل البصرة، و٤٢ سنة عند أهل الشام؟! هذا الاختلاف يثبت -قطعًا- أن أرقام الآيات “اصطلاحية اجتهادية” تختلف بين الأمصار، ولا علاقة لها بأعمار الأنبياء أو الحقائق الكونية.
ج. والذي دعا المتحدث الفاضل لهذا هو اعتقاده أن عمر موسى عليه السلام عند البعثة كان ٤٠ عاما، ولعله يعتقد أنها قاعدة عامة في عمر الأنبياء والمرسلين -أو في المرسلين وحدهم-، وهذا غلط شائع حتى عند كثير من الخاصة.
فلا يوجد أصل شرعي صحيح يقول إن جميع الأنبياء والرسل بُعثوا في سن الأربعين، الموجود شرعًا هو أن نبينا محمدًا ﷺ خُصَّ بأن نزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، كما في الصحيح عن أنس رضي الله عنه: “أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، وَبِالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ…”
فهذا أصلٌ ثابت في حقِّه ﷺ، لا في حقِّ جميع الأنبياء.
والحديث المشهور على ألسنة الناس بلفظ “ما بعث الله نبيًّا إلا على رأس الأربعين” أو نحوه: لا أصل له في كتب السنة المعتمدة.
قال ابن الجوزي: “موضوع؛ لأن عيسى عليه السلام نبئ ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاثة وثلاثين سنة، فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشيء” انتهى
والنصوص نفسها تدل على أن بعض الأنبياء لم يُبعثوا في الأربعين، بل قبلها بكثير أو بعدها بكثير، ومن ذلك:
= يحيى عليه السلام:
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم/ ١٢).
وكثير من أهل التفسير قالوا: الحكم هو النبوة، أي: أُوتي النبوة وهو صبي.
== عيسى عليه السلام:
المعروف من آثار أهل الكتاب وبعض نقولات أهل السير أنه رُفع إلى السماء وله نحو ثلاث وثلاثين سنة.
وقد أورد الشيخ الألباني حديثا في “السلسلة الصحيحة” (رقم ٢٥١٢) بلفظ: “يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك، على حُسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون”، وحكم عليه بأنه حسن.
وقد ثبت بالقرآن أنه خاطب قومه، وجاء بالآيات والمعجزات قبل رفعه، فهذا يعني أن نبوّته قبل الأربعين قطعًا.
== نوح عليه السلام:
الأقوال عن السلف في عمر نوح عليه السلام حين أرسل لقومه كثيرة جدا، فقيل: ٤٠ ، وقيل: ٣٠٠ ،وقيل: ٣٥٠،وقيل: ٤٨٠ سنة، وكلها لا دليل عليها يثبت صحة شيء منها.
فهذه الأمثلة وحدها تكفي لنفي القول بأن البعثة لا تكون إلا في الأربعين.
٤. سورة المدثر (الوليد بن المغيرة ورقم ١٣):
الزعم:
الآية {وَبَنِينَ شُهُودًا} رقمها (١٣)، وعدد أبناء الوليد ١٣.
الرد:
هذا خوض في الغيب التاريخي بلا دليل قطعي، والروايات التاريخية في عدد أبناء الوليد بن المغيرة متضاربة جداً (قيل ١٠، وقيل ٧، وقيل ١٣، وقيل غير ذلك)، وتثبيت رقم تاريخي ظني ليتوافق مع رقم آية هو تكلف واضح.
٥. سورة البقرة (الوسطية ورقم ١٤٣):
الزعم:
عدد آيات البقرة ٢٨٦، ونصفها ١٤٣، والآية (١٤٣) هي {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
الرد:
أ. عدد آيات سورة البقرة ليس متفقا عليه أنها ٢٨٦ آية.
قال العيني -رحمه الله- عن عدد آياتها-:
ومائتان وست وثمانون آية في العدد الكوفي، وهو عدد عليّ رضي الله عنه ، وفي عدد أهل البصرة: مائتان وثمانون وسبع آيات، وفي عدد أهل الشّام: مائتان وثمانون وأربع آيات، وفي عدد أهل مكّة: مائتان وثمانون وخمس آيات.
“عمدة القاري”.
وعليه: فلا يكون رقم الآية وسطا في السورة في كل أحوالها.
ب. معنى {وسطا} في الآية ليس الوجود في وسط المسافة بين شيئين، بل معناها الخيار والعدل، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بذلك، فلا مزيد على بيانه.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب تفسير القرآن) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: “عَدْلاً”، وفي رواية أخرى بالإسناد نفسه عند البخاري أيضا: “وَالوَسَطُ: العَدْلُ” .
وقد نبه الحافظ ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” على أن هذا التفسير للكلمة منه صلى الله عليه وسلم لا مدرجة من كلام غيره؛ لدفع أي توهم في ذلك، فقال:
“قوله: (والوسط العدل) هو مرفوع من نفس الخبر، وليس بمُدْرَج من قول بعض الرواة كما وَهِمَ فيه بعضهم”.
انتهى
فينبغي عدم العدول عنه إلى غيره من التفسيرات اللغوية المحتملة التي قد تخالفه.
ج. ولو كان ورود لفظ (وسط) يستلزم وقوعه في (وسط السورة) حسابيّا، لانطبق ذلك على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ في سورة المائدة، لكن الآية جاءت برقم (٨٩) وسورة المائدة (١٢٠) آية، فجاءت بعيدة تماما عن المنتصف، مما يدل على أن (الوسطية) في القرآن وصف معنوي (للعدل والاعتدال) وليست إحداثية رقمية.
فكلمة (وسطاً) في لغة العرب وفي التفسير المأثور لا تعني بالضرورة “المنتصف الهندسي” بين طرفين متساويين في العدد أو المسافة، بل تعني “الخيار والعدول”.
د. والأمة الإسلامية هي “آخر الأمم” زمانا، وليست الأمة الوسطى (بمعنى الترتيب الزمني) بين أمم سابقة ولاحقة، فنحن الآخرون السابقون يوم القيامة، وحصر البشرية في (يهود – مسلمين – نصارى) لتكون أمتنا في الوسط هو تحكم لا دليل عليه.
٦. سورة النور (القواعد من النساء ورقم ٦٠):
الزعم:
سن اليأس (القعود) هو ٦٠، ورقم الآية ٦٠.
الرد:
تحديد سن اليأس بـ ٦٠ هو تحديد “نظامي وظيفي حديث” (سن التقاعد)، أما بيولوجيّا وفقهيّا فهو يختلف من امرأة لأخرى (قد يكون ٥٠ أو ٥٥ أو أكثر). وربط القرآن بنظام التقاعد الوظيفي الحديث هو تسطيح لمعنى الآية.
٧. سورة النجم (الشعرى ورقم ٤٩):
الزعم:
نجم الشعرى يدور دورة كل ٤٩ سنة، والآية رقم ٤٩.
الرد:
الدورة الفلكية لنجم الشعرى اليمانية هي تقريباً ٥٠،١ سنة وليست ٤٩ بالضبط. فمحاولة “قصقصة” الحقائق العلمية لتوافق رقم الآية هو جناية على العلم وعلى القرآن.
٨. سورة هود (عشر سور):
الزعم:
تحدى بـ “عشر سور” في سورة هود، وترتيب سورة هود هو ١١.
الرد:
ترتيب سورة هود في المصحف هو (١١)، ولكي نجعلها (١٠) يجب أن نحذف الفاتحة من العد! وهذا تحكم عجييب.
والثابت أن الترتيب ١١ والآية تذكر الرقم ١٠، فلا توافق، فلا السورة رقمها ١٠ ، ولا الآية رقمها ١٠.
٩. سورة الكهف (عدد الكلمات ٣٠٩):
الزعم:
عدد الكلمات من بداية القصة إلى قوله {تِسْعًا} هو ٣٠٩ كلمة، يوافق عدد السنين.
الرد:
هذه الدعوى –أن عدد كلمات قصة أصحاب الكهف حتى كلمة ﴿تِسْعًا﴾ يساوي ٣٠٩– مبنية على طريقة خاصّة في عدّ الكلمات لا دليل عليها من الشرع؛ فإنّ
عدّ الكلمات في المصحف اجتهادي، وتختلف حسابات العد، فهل تُحسب البسملة؟ وهل تُحسب حروف العطف المتّصلة كلماتٍ مستقلة؟ وهل العدّ مبني على الرسم العثماني أو الإملاء الحديث؟.
والقراءات المتواترة والمصاحف المبنية على أعداد مختلفة (كوفي، بصري، شامي) قد تؤدّي إلى اختلاف في عدد الكلمات، فلو كان هذا المعنى مقصودًا لذاته للزم أن يكون ثابتًا في جميعها.
ولا يوجد عن السلف من الصحابة والتابعين وأئمة القراءات والتفسير أيّ إشارة إلى هذا العدد، مع عنايتهم البالغة بالسورة وقصتها، مما يدلّ على أن ربط العدد (٣٠٩) بعدد الكلمات أمر حادث لا يُبنى عليه اعتقاد.
لذلك: لا يصحّ جعل هذا الرقم “إعجازًا عدديًّا” أو دليلاً على شيء زائد عن المعنى البيّن في الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
وإن أحبّ أحدٌ أن يعدّ الكلمات للتأمّل الشخصي فلا بأس، لكن لا تُنسب هذه النتائج إلى الإعجاز الشرعي، ولا تُقدّم للناس على أنها من حقائق الوحي.
= الخلاصة:
نقدر للدكتور تخصصه في القراءات، لكن هذا الطرح يسمى في علوم القرآن “مُلَح التفسير” أو “اللطائف”، وهي استنتاجات بشرية ظنية قد تصيب وتخطئ، ولا يجوز تسميتها “إعجازاً”؛ لأن الإعجاز صفة ذاتية في القرآن ملزمة للخلق ولا تتغير بتغير الاصطلاحات (كأرقام الآيات وفواصلها التي هي اجتهادية توقيفية تختلف بين القراء).
والله أعلم
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢٣ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٤/ ١٢/ ٢٠٢٥

وقفة شرعية وتفنيد علمي لمقطع “فلسفة النار”

وقفة شرعية وتفنيد علمي لمقطع “فلسفة النار”
السؤال:
انتشر مؤخرًا مقطع لشاب يتناول قوله تعالى ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ في إطار ما سماه «فلسفة النار»، فهل يمكن معرفة وجوه الخلل في كلامه؟
الجواب:
استمعت للمقطع وقد رأيت أنه قد تضمّن أخطاء عقدية وتفسيرية ومنهجية، يحسن التنبيه عليها صيانةً لجناب الوحي، وتصحيحًا للمفاهيم.
أولًا:
خطأ توصيف الله تعالى بـ«عين الأبوة»
زعم المتحدث أن الله ينظر إلى الكافرين “بعين الأبوة”، وهذا خطأ عقدي جسيم، إذ ينقل العلاقة بين الخالق والمخلوق من مقام العبودية إلى مقام المشاعر البشرية.
والله سبحانه هو الرب والإله والخالق، لا يوصف بالأبوة لا حقيقة ولا مجازًا، قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾.
والقرآن إنما نزل أصلًا لنقض تصورات البنوة والأبوة التي علقت بالألوهية، ولا يجوز استيراد مصطلحات لاهوتية نصرانية أو إنسانية وإسقاطها على الله تعالى تحت غطاء الوعظ العاطفي.
رحمة الله ثابتة، لكنه في الوقت نفسه شديد العقاب، ولا يُوصف إلا بما وصف به نفسه.
ثانيًا:
شبهة {أُعِدَّتْ} والخلط بين وجود النار ووقودها
بنى المتحدث تصوره على إشكال مفاده: كيف تكون النار {أُعِدَّتْ} مع أن الناس لم يدخلوا فيها بعد؟ وانتهى من ذلك إلى نفي وجودها الحسي الآن.
وهذا خطأ من جهتين:
الأولى: أن الإعداد في لغة العرب هو التهيئة والتجهيز لما سيقع مستقبلًا، ولا يلزم منه الاستعمال الفوري، كما يُعد السجن قبل دخول المساجين.
الثانية: أنه خلط بين وجود النار وامتلائها بكل وقودها، فوجود النار لا يستلزم أن يكون كل ما سيُلقى فيها قد أُلقي بالفعل.
وعقيدة أهل السنة والجماعة قاطعة بأن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وقد دل على ذلك نصوص صحيحة، منها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للنار في صلاة الكسوف، وفي المعراج.
ثالثًا:
التلبيس في تقديم {النَّاسُ} على {الْحِجَارَةُ}
زعم أن تقديم الناس على الحجارة يدل على أنهم “سبب اشتعال النار” بأفعالهم، وهذا استدلال فاسد من جهة اللغة.
فالتقديم في العربية لا يدل بالضرورة على السببية، بل يأتي لأغراض بلاغية متعددة، منها الاهتمام، والتشنيع، ومراعاة حال المخاطب.
والناس هم المخاطبون بالوعيد، فناسب تقديمهم في الذكر للزجر والردع، مع قرنهم بالحجارة تبكيتًا وإهانة، ليكون العابد والمعبود وقودًا للنار.
ولا علاقة لهذا التقديم بفكرة “الاختراع المعنوي للنار” التي توهّمها.
رابعًا:
قلب حقيقة النار بجعل الأصل معنويّا
لم ينف المتحدث العذاب الجسدي صراحة، لكنه جعل الأصل في الوقود معنويّا نفسيّا، والأجساد تابعة لاحقًا، وهذا قلب لترتيب النصوص.
والقرآن والسنة دلا دلالة صريحة على أن نار جهنم نار حقيقية حسية، تحرق الجلود واللحم والعظم، قال تعالى:
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
وأما اطلاعها على الأفئدة فزيادة في العذاب، ليجتمع الألم الظاهر مع العذاب الباطن، لا نفيًا للحس ولا تحويلًا للنار إلى مجرد حالة نفسية.
خامسًا:
العبث بمنهج التفسير وردّ أقوال السلف
تجاوز المتحدث أقوال الصحابة والتابعين والمفسرين، وتعامل مع الآية باعتبارها لغزًا وجدانيّا يُنتج شعورًا جديدًا، لا خبرًا إلهيّا يُبيّن حقيقة من حقائق الغيب.
وهذا مسلك خطير، إذ التفسير مبناه النقل والعلم واللسان العربي، لا الخواطر والانفعالات ولا التأثر بجدليات إلحادية ثم محاولة إعادة تدويرها بثوب وعظي.
والخلاصة:
الخلل الجوهري في هذا الطرح أنه حوّل التفسير من بيان مراد الله إلى تجربة شعورية ذاتية، وجعل الإحساس معيار الفهم، والنص تابعًا له.
والقرآن لم ينزل ليُشعر الإنسان بشيء جديد، بل ليخبره بحقائق الغيب كما هي.
ومن جعل شعوره حاكمًا على النص، فقد جعل نفسه ميزانًا للوحي، ولو أحسن النية.
والواجب ردّ هذه المسالك، والرجوع إلى فهم السلف الراسخين، حفظًا للعقيدة، وصيانةً لمعاني كتاب الله.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٤ رجب ١٤٤٧ هـ، ٣/ ١/ ٢٠٢٦